← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11203

رحلة ابن جبير ط دار بيروت

ابن جبير

Полный текст (432 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ذكر أبواب الحرم الشريف قدسه الله للحرم تسعة عشر بابا أكثرها مفتح على أبواب كثيرة حسبما يأتي ذكره إن شاء الله. باب الصفا: يفتح على خمسة أبواب وكان يسمى قديما بباب بنى مخزوم. باب الخلقيين: ويسمى باب جياد الأصغر مفتح على بابين وهو محدث. باب العباس، ﵁ وهو يفتح على ثلاثة أبواب. باب علي، رضى الله عنه: مفتح على ثلاثة أبواب. باب النبي، ﷺ : يفتح على بابين. باب صغير أيضا بإزاء باب بني شيبة المذكور: لا اسم له. باب بني شيبة: وهو يفتح على ثلاثة أبواب وهو باب بنى عبد شمس، ومنه كان دخول الخلفاء. باب دار الندوة: ثلاثة١ البابان من دار الندوة منتظمان، والثالث في الركن الغربي من الدار. فيكون عدد أبواب الحرم بهذا الباب المنفرد عشرين بابا. باب صغير بإزاء باب بنى شيبة شبه خوخة الأبواب٢: لا اسم له وقيل: إنه يسمى باب الرباط لأنه يدخل منه لرباط الصوفية. باب صغير لدار العجلة: محدث. باب السدة: واحد. باب العمرة: واحد.

стр. 107

باب حزورة: على بابين. باب إبراهيم، ﷺ : واحد. باب ينسب لحزورة أيضا: على بابين. باب جياد الأكبر: على بابين. باب جياد الأكبر أيضا: على بابين. باب ينسب لجياد أيضا: على بابين. ومنهم من ينسب الباين من هذه الأبواب الأربعة الجيادية إلى الدقاقين والروايات فيها تختلف لكنا اجتهدا في إثبات الأقرب من أسمائها إلى الصحة والله المتسعان لا رب سواه. وباب إبراهيم ﷺ هو في زاوية كبيرة متسعة فيها دار المكناس الفقيه الذي كان إمام المالكية في الحرم ﵀ وفيها أيضا غرفة هي خزانة للكتب المحبسة على المالكية في الحرم. والزاوية المذكورة متصلة بالبلاط الأخذ من الغرب إلى الجنوب وخارجة عنه. وبإزاء الباب المذكور عن يمين الداخل عليه صومعة على غير أشكال الصوامع المذكورة فيها تخاريم في الجص مستطيلة الشكل كأنها محاريب قد حفت قرنصة غريبة الصنعة وعلى الباب قبة عظيمة بائنة العلو يقترب من الصومعة ارتفاعها قد ضمن داخلها غرائب من الصنعة الجصية والتخاريم القرنصية يعجز عنها الوصف وظاهرها أيضا تقاطيع في الجص كأنها أرجل مدورة قدتركبت دائرة على دائرة وفحل الصومعة١ المذكورة على ارجل من الجص مفتح ما بين كل رجل ورجل وخارج باب إبراهيم بئر تنسب إليه ﵇. وإنما بدئ بباب الصفا لأنه أكبر الأبواب وهو الذي يخرج عليه إلى السعي وكل وافد إلى مكة شرفها الله يدخلها بعمرة فيستحب له الدخول على باب بني شيبة ثم يطوف سبعا ويخرج على باب الصفا ويجعل طريقه بين

стр. 108

الاسطوانتين اللتين أمر المهدي ﵀ بإقامتهما علما لطريق رسول الله ﷺ إلى الصفا حسبما تقدم ذكره وبين الركن اليماني وبينهما ست وأربعون خطوة ومنهما إلى باب الصفا ثلاثون خطوة ومن باب الصفا إلى الصفا ست وسبعون خطوة. وللصفا أربعة عشر درجا وهو على ثلاثة أقواس مشرقة والدرجة العليا متسعة كأنها مصطبة وقد أحد قت به الديار وفي سعته سبع عشرة خطوة. وبين الصفا والميل الأخضر ما يأتي ذكره. والميل سارية خضراء وهي خضرة صباغية وهي التي إلى ركن الصومعة التي على الركن الشرقي من الحرم على قارعة المسيل إلى المروة وعن يسار الساعي إليها. ومنها يرمل١ في السعي إلى الميلين الاخضرين وهما أيضا ساريتان خضراوان على الصفة المذكورة ألواح دى منهما بإزاء باب علي في جدار الحرم وعن يسار الخارج من الباب والميل الآخر يقابله في جدار دار تتصل بدار الأمير مكثر وعلى كل واحدة منهما لوح قد وضع على رأس السارية كالتاج الفيت فيه منقوشا برسم مذهب ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ... الآية٢ وبعدها أمر بعمارة هذا الميل عبد الله وخليفته أبو محمد المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين أعز الله نصره في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة٣. وبين الصفا والميل الأول ثلاث وتسعون خطوة ومن الميل إلى الميلين خمس وسبعون خطوة وهي مسافة الرمل جائيا وذاهبا من الميل إلى الميلين ثم من الميلين إلى الميل ومن الميلين إلى المروة ثلثمائة وخمس وعشرون خطوة فجميع خطا الساعي من الصفا إلى المروة أربعمائة خطوة وثلاث وتسعون خطوة. وأدراج المروة خمسة وهي بقوس واحد كبير وسعتها سعة الصفا سبع

стр. 109

عشرة خطوة. وما بين الصفا والمروة مسيل هو اليوم سوق حفيله بجيمع الفواكه وغيرها من الحبوب وسائر المبيعات الطعامية والساعون لا يكادون يخلصون من كثرة الزحام وحوانيت الباعة يمينا وشمالا وما للبلدة سوق منتظمة سواها إلا البزازين والعطارين فهم عند باب بني شيبة تحت السوق المذكورة وبمقربة تكادتتصل بها. وعلى الحرم الشريف جبل أبي قبيس وهو في الجهة الشرقية يقابل ركن الحجر الأسود وفي أعلاه رباط مبارك فيه مسجد وعليه سطح مشرف على البلدة الطيبة ومنه يظهر حسنها وحسن الحرم واتساعه وجمال الكعبة المقدسة القائمة وسطه. وقرأت في أخبار مكة لأبي الوليد الأزرقي إنه أول جبل خلقه الله وفيه استودع الحجر زمن الطوفان وكانت قريش تسميه الأمين لأنه أرى الحجر إلى إبراهيم ﷺ وفيه قبر آدم صلوات الله عليه وهو أحد أخشبي مكة١ والاخشب الثاني الجبل المتصل بقعيقعان في الجهة الغربية. صعدنا إلى جبل أبي قبيس المذكور وصلينا في المسجد المبارك وفيه موضع موقف النبي ﷺ عند انشقاق القمر له بقدرة الله وناهيك بهذه الفضيلة والبركة والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء حتى الجمادات من مخلوقاته لا إله سواه. وفي أعلاه آثار بناء جص مشيد كان اتخذه معقلا أمير البلد عيسى أبو مكثر المذكور فهدمه عليه أمير الحج العراقي لمخالفة صدرت عنه فغادره خرابا. وألفيت منقوشا على سارية خارج باب الصفا تقابل السارية ألواح دى من اللتين أقيمتا علما لطريق النبي ﷺ إلى الصفا داخل الحرم المتقدمتي الذكر: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله

стр. 110

تعالى بتوسعه المسجدالحرام مما يلي باب الصفا لتكون الكعبة في وسط المسجد في سنة سبع وستين ومائة فدل ذلك المكتوب على أن الكعبة المقدسة في وسط المسجد وكان يظن بها الانحراف إلى جهة باب الصفا فاختبرنا جوانبها المباركة بالكيل فوجدنا الأمر صحيحا حسبما تضمه رسم السارية. وتحت ذلك النقش في أسفل السارية منقوش أيضا: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله بتوسعة الباب الأوسط الذي بين هاتين الأسطوانتين وهو طريق رسول الله ﷺ إلى الصفا. وفي أعلى السارية التي تليها منقوش أيضا: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤنين أصلحه الله بصرف الوادي إلى مجراه على عهد أبيه إبراهيم ﷺ وتوسعته بالرحاب التي حول المسجدالحرام لحاج بيت الله وعماره وتحتها أيضا منقوش ما تحت الأول من ذكر توسعة الباب الأوسط، والوادي المذكور هو الوادي المنسوب لإبراهيم ﷺ ومجراه على باب الصفا المذكور وكان السيل قد خالف مجراه فكان يأتي على المسيل بين الصفا والمروة ويدخل الحرم فكان مدة مده بالامطار يطاف حول الكعبة سبحا فأمر المهدي ﵀ برفع موضع في أعلى البلد يسمى رأس الردم فمتى جاء السيل عرج عن ذلك الردم إلى مجراه واستمر على باب إبراهيم إلى الموضع الذي يسمى المسفلة ويخرج عن البلد ولا يجرى الماء فيه إلا عند نزول ديم المطر الكثير وهو الوادي الذي عنى ﷺ بقوله حيث حكى الله ﵎ عنه: " ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ "١ فسبحان من أبقى له الآيات البينات.

стр. 111

ذكر مكة شرفها الله تعالى وآثارها الكريمة وأخبارها الشريفة هي بلدة قد وضعها الله بين جبال محدقة بها وهي بطن واد مقدس كبير مستطيلة تسع من الخلائق مالا يحصيه إلا الله . ولها ثلاثة أبواب: أولها باب المعلى ومنه يخرج إلى الجبانة المباركة وهي بالموضع الذي يعرف بالحجون. وعن يسار المار إليها جبل في أعلاه ثنية عليها علم شبيه البرج يخرج منها إلى طريق العمرة وتلك الثنية تعرف بكداء وهي التي عنى حسان بقوله في شعره: تثير النقع موعدها كداء١ فقال النبي ﷺ يوم الفتح: "ادخلوا من حيث قال حسان". فدخلوا من تلك الثنية وهذا الموضع الذي يعرف بالحجون هو الذي عناه الحارث بن مضاض الجرهمي بقوله: كإن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والحدود العوائر وبالجبانة المذكورة مدفن جماعة من الصحابة والتابعين والأولياء والصالحين قد دثرت مشاهدهم المباركة وذهبت عن أهل البلد أسماؤهم. وفيه الموضع الذي صلب فيه الحجاج بن يوسف جازاه الله جثة عبد الله ابن الزبير ﵄. وعلى الموضع بقية علم ظاهر إلى اليوم وكان عليه مبنى مرتفع فهدمه أهل الطائف غيره منهم على ما كان يجدد من لعنة صاحبهم

стр. 112

الحجاج المذكور. وعن يمينك إذا استقبلت الجبانة المذكورة مسجد في مسيل بين جبلين يقال إنه المسجد الذي باعيت فيه الجن النبي ﷺ وشرف وكرم. وعلى هذا الباب المذكور طريق الطائف وطريق العراق والصعود إلى عرفات جعلنا الله ممن يفوز بالموقف فيها وهذا الباب المذكور بين الشرق والشمال وهو إلى الشرق أميل. ثم باب المسفل: وهو إلى جهة الجنوب وعليه طريق اليمن ومنه كان دخول خالد بن الوليد رضى الله عنه يوم الفتح. ثم باب الزاهر: ويعرف أيضا باب العمرة وهو غربي وعليه طريق مدينة الرسول ﷺ وطريق الشام وطريق جدة ومنه يتوجه إلى التنعيم وهو أقرب ميقات المعتمرين يخرج من الحرم إليه على باب العمرة ولذلك أيضا يسمى هو بهذا الاسم. والتنعيم من البلدة على فرسخ وهو طريق حسن فسيح فيه الآبار العذبة التي تسمى بالشبيكة. وعند ما تخرج من البلدة بنحو ميل تلقى مسجدا بإزائه حجر موضوع على الطريق كالمصطبة يعلوه حجر آخر مسند فيه نقش داثر الرسم يقال: إنه الموضع الذي قعد فيه البي ﷺ مستريحا عند مجيئه من العمرة فيتبرك الناس بقتبيله ومسح الخدود فيه وحق ذلك لهم ويستندون إليه لتنال أجسامهم بكرة لمسه. ثم بعد هذا الموضع بمقدار غلوة تلقى على قارعة الطريق من جهة إليسار للمتوجه إلى العمرة قبرين قد علتهما أكوام من الصخر عظام يقال: إنهما قبر أبي لهب وامرأته لعنهما الله فما زال الناس في القديم إلى هلم جرا يتخذون سنة رجمهما بالحجارة حتى علاهما من ذلك جبلان عظيمان. ثم تسير منها بمقدار ميل وتلقى الزاهر وهو مبتنى على جانبي الطريق،

стр. 113

يحتوي على دار وبساتين والجمع ملك أحد المكيين، وقد أحد ث في المكان مطاهر وسقابة للمعتمرين وعلى جانب الطريق دكان مستطيل تصف عليه كيزان١ الماء ومراكن٢ مملوءة للوضوء وهي القصارى الصغار وفي الموضع بئر عذبة يملأ منها المطاهر المذكورة فيجد المعتمرون فيها مرفقا٣ كبيرا للطهور والوضوء والشرب فصاحبها على سبيل المعمورة بالأجر والثواب وكثير من الناس المتأجرين من يعينه على ما هو بسبيله وقيل: إن له من ذلك فائدا كبيرا. وعن جانبي الطريق في هذا الموضع جبال أربعة: جبلان من هنا وجبلان من هنا عليها أعلام من الحجارة وذكر لنا أنها الجبال المباركة التي جعل إبراهيم ﵇ عليها اجزاء الطير ثم دعاهن حسبما حكى الله سؤاله إياه جل وعلا أن يريه كيف يحيى الموتى وحول تلك الجبال الأربعة جبال غيرها وقيل: إن التي جعل إبراهيم عليها الطير سبعة منها والله أعلم. وعند إجازتك الزاهر المذكور تمر بالوادي المعروف بذي طوى الذي ذكر أن النبي ﷺ نزل فيه عند دخول مكة وكان ابن عمر ﵄ يغتسل فيه وحينئذ يدخلها وحوله آبار تعرف بالشبيكة. وفيه مسجد يقال: إنه مسجد إبراهيم ﵇ فتأمل بركة هذا الطريق ومجموع الآيات التي فيه والآبار المقدسة التي اكتنفته. وتجيز الوادي إلى مضيق تخرج منه إلى الأعلام التي وضعت حجزا بين الحل ولاحرم فما داخلها إلى مكة حرم وما خارجها حل وهي كالأبراج

стр. 114

مصفوفة كبار وصغار واحد بازاء آخر على مقربة منه تأخل من أعلى الجبل الذي يعترض عن يمين الطريق في التوجه إلى العمرة وتشق الطريق إلى أعلى الجبل عن يساره ومنه ميقات المعتمرين وفيها مساجد مبنية بالحجارة يصلى المعتمرون فيها ويحرمون منها. ومسجد عائشة ﵂ خارج هذه الأعلام بمقدار غلوتين وإليه يصل المالكيون ومنه يحرمون. وأما الشافعيون فيحرمون من المساجد التي حول الأعلام المذكور. وأمام مسجد عائشة رضى الله عنها مسجد ينسب لعلى بن أبي طالب ﵁. ومن عجيب ما عرض علينا بباب بني شيبة المذكور عتب من الحجارة العظام طوال كأنها مصاطب صفت أمام الأبواب الثلاثة المنسوبة لنبي شيبة ذكر لنا أنها الأصنام التي كانت قريش تعبدها في جاهليتها وكبيرها هبل بينها قد كبت على وجوهها تطأها الأقدام وتمتهنها بأنعلتها العوام ولم تغن عن أنفسها فصلا عن عابديها شيئا فسبحان المنفرد بالوجدانية لا إله سواه والصحيح في أمر تلك الحجارة أن النبي ﷺ أمر يوم فتح مكة بكسر الأصنام واحراقها وهذا الذي نقل إلينا غير صحيح وإنما تلك التي على الباب حجارة منقولة وعنيت القوم بتشبيهها إلى الأصنام لعظمها. ومن جبال مكة المشهورة بعد جبل أبي قبيس جبل حراء وهو في الشرق على مقدار فرسخ أو نحوه مشرف على منى وهو مرتفع في الهواء عالي القنة وهو جبل مبارك كان النبي ﷺ كثيرا ما ينتابه١ ويتعبد فيه واهتز تحته فقال له النبي ﷺ : "واسكن حراء فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد"، وكان معه أبو بكر وعمر ﵄. ويروى: اثبت فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان،

стр. 115

وكان عثمان ﵁ معهم وأول آية نزلت من القرآن على النبي ﷺ نزلت في الجبل المذكور وهو أخذ من الغرب إلى الشمال ووراء طرفه الشمالي جبانة الحجون التي تقدم ذكرها. وسور مكة إنما كان من جهة المعلى وهو مدخل إلى البلد ومن جهة المسفل وهو مدخل أيضا إليه ومن جهة باب العمرة وسائر الجوانب جبالا لا تحتاج معها إلى سور وسورها اليوم منهدم إلا آثاره الباقية وأبوابه القائمة.

стр. 116

ذكر بعض مشاهدها المعظمة وآثارها المقدسة مكة شرفها الله كلها مشهد كريم كفاها شرفا ما خصها الله به من مثابة١ بيته العظيم وما سبق لها من دعوة الخيل إبراهيم وأنها حرم الله وأمنه وكفاها أنها مشأ النبي ﷺ الذي آثره الله بالتشريف والتكريم وابتعثه بالآيات والذكر الحكيم فهي مبدأ نزول الوحي والتنزيل وأول مهبط الروح الأمين جبريل وكانت مثابة أنبياء الله ورسله الأكرمين وهي أيضا مسقط رؤوس جماعة من الصحابة القرشين المهاجرين الذين جعلهم الله مصابيح الدين ونجوما للمهتدين. فمن مشاهدها التي عانياها قبة الوحي وهي في دار خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها وبها كان ابتناء النبي ﷺ بها وقبة صغيرة أيضا في الدار المذكورة فيها كان مولد فاطمة الزهراء ﵂ وفيها أيضا ولدت سدي شباب أهل الجنة: الحسن والحسين رضي الله عنهما٢ وهذه المواضع المقدسة المذكورة مغلقة مصونة قد بنيت بناء يليق بمثلها. ومن مشاهدها الكريمة أيضا مولد النبي ﷺ والتربة

стр. 117

الطاهرة التي هي أول تربة مست جسمه الطاهر بنى عليه مسجد لم ير أحفل بناء منه أكثره ذهب منزل به والموضع المقدس الذي سقط فيه ﷺ ساعة الولادة السعيدة المباركة التي جعلها الله رحمة للأمة أجمعين محفوف بالفضة فيالها تربة شرفها الله بان جعلها مسقط أطهر الأجسام ومولد خير الآنام صلى الله عليه وعلى إله وأصحابه الكرام وسلم تسليما. يفتح هذا الموضع المبارك فيدخله الناس كافة متبركين به في شهر ربيع الأول ويوم الإثنين منه لأنه كان شهر مولد النبي ﷺ وفي اليوم المذكور ولد ﷺ وتفتح المواضع المقدسة المذكورة كلها وهو يوم مشهور بمكة دائما. ومن مشاهدها الكريمة أيضا دار الخيزران وهي الدار التي كان النبي ﷺ يعبد الله فيها سرا مع الطائفة الكريمة المبادرة للإسلام من أصحابه ﵃ حتى نشر الله الإسلام نها على يدي الفاروق عمر ابن الخطاب ﵁ وكفى بهذه الفضيلة. ومن مشاهدها أيضا دار أبي بكر الصديق ﵁ وهي اليوم دراسة الأثر ويقابلها جدار فيه حجر مبارك يتبرك الناس بلمسه يقال: إنه كان يسلم على النبي ﷺ متى اجتاز عليه. وذكر أنه جاء يوما ﷺ إلى دار أبي بكر ﵁ فنادى به ولم يكن حاضرا فأنطق الله الحجر المذكور وقال: يا رسول ليس بحاضر. وكانت من إحدى آياته المعجزات ﷺ . ومن مشاهدها قبة بين الصفا والمروة تنسب لعمر بن الخطاب رضى الله عنه وفي وسطها بئر يقال إنه كان يجلس فيها للحكم رضى الله عنه. والصحيح في هذه القبة أنها قبة حفيده عمر بن عبد العزيز ﵁ وبإزاء داره المنسوبة إليه وفيها كان يجلس للحكم أيام توليه مكة. كذلك حكى لنا أحد أشياخنا الموثوقين. ويقال: إن البئر كانت في القديم فيها ولا بئر فيها

стр. 118

الآن لأنا دخلناها فألفيناها مسطحة وهي حفيلة الصنعة. وكانت بمقربة من الدار التي نزلنا فيها دار جعفر بن أبي طالب ﵁ ذي الجناحين. وبجهة السفل وهو آخر البلد مسجد منسوب لأبي بكر الصديق، رضى الله عنه يحف به بستان حسن فيه النخيل والرمان وشجر العناب وعاينا فيه شجر الحناء وأمام المجد بيت صغير فيه محراب يقال: إنه كان مختبأ له ﵁ من المشركين الطالبين له. وعلى مقربة من دار خديجة رضى الله عنها المذكورة وفي الزقاق الذي الدار المكرمة فيه مصطبة فيها متكأ يقصد الناس إليها يصلون فيها ويتمسحون بأركانها لأن في موضعها كان موضع قعود النبي ﷺ . ومن الجبال التي فيها أثر كريم ومشهد عظيم الجبل المعروف بأبي ثور وهو في الجهة إليمنية من مكة على مقدار فرسخ أو أزيد وفيه الغار الذي آوى إليه النبي ﷺ مع صاحبه الصديق ﵁ حسبما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز وقرأت في كتاب أخبار مكة لأبي الوليد الأزرقي أن الجبل نادى النبي ﷺ فقال: إلي يا محمد! إلي يا محمد! فقد آويت قبلك نبيا. وخص الله نبيه فيه بآيات بينات فمنها أنه ﷺ دخل مع صاحبه على شق فيه ثلثا شبر وطوله ذراع فلما اطمأنا فيه أمر الله العنكبوت فاتخذت عليه بيتا والحمام فصنعت عليه عشا وفرخت فيه. فانتهى المشركون إليه بدليل قصاص للأثر مستاف أخلاق الطريق١ فوقف لهم على الغار وقال: ههنا انقطع الأثر فإما صعد بصاحبكم من هنا إلى السماء أو غيض به في الأرض ورأوا العنكبوت ناسجة على فم الغار والحمام مفرخة فيه فقالوا: ما دخل هنا أحد. فأخذوا في الانصراف.

стр. 119

فقال الصديق ﵁: يا رسول الله! لو ولجوا علينا من فم الغار ما كنا نصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : "ولو ولجوا علينا منه كنا نخرج من هناك"، وأشار بيده المباركة إلى الجانب الآخر من الغار ولم يكن فيه شق فانفتح للحين فيه باب بقدرة الله وهو سبحانه قدير على ما يشاء. وأكثر الناس ينتابون هذا الغاز المبارك ويتجنبون دخوله من الباب الذي أحد ث الله فيه ويرومون دخوله من الشق الذي دخل النبي ﷺ تبركا به فيمتد المحأول لذلك على الأرض ويبسط خده بإزاء الشق ويولج يديه ورأسه أولا ثم يعالج ادخال سائر جسده فمنهم من يتأتى له ذلك بحسب قضافة١ بدنه ومنهم من يتوسط بدنه فم الغار فيعضه٢ فيروم الدخول أو الخروج فلا يقدر فينشب٣ ويلاقى مشقة وصعوبة حتى يتناول بالجذب العنيف من ورائه. فالعقلاء من الناس يجتنبونه لهذا السبب ولا سيما ويتصل به سب آخر مخجل فاضح وذلك أن عوام الناس يزعمون أن الذي لا يسع عليه ويتمسك فيه ولا يلجه ليس لرشدة٤ جرى هذا الخبر على ألسنتهم حتى عاد عندهم قطعا على صحته لا يشكون فبحسب المنتشب فيه المتعذر ولوجه عليه ما يكسوه هذا الظن الفاضح المخجل زائدا إلى ما يكابده بدنه من اللزفي ذلك المضيق وإشرافه منه على المنية توجعا وانقطاع نفس وبرح ألم. فلابعض من الناس يقولون في مثل: ليس يصعد جبل أبي ثور إلا ثور. وعلى مقربة من هذا الغار في الجبل بعينه عمودمنقطع من الجبل قد قام

стр. 120

شبه الذراع المرتفعة بمقدار نصف القامة وابنسط له في أعلاه شبه الكف خارجا عن الذراع كأنه القبة المبسوطة بقدرة الله يستظل تحتها نحو العشرين رجلا وتسمى قبة جبريل ﷺ . ومما يجب أن يثبت ويؤثر لبركة معاينته وفضل مشاهدته: أن في يوم الجمعة التاسع عشر من جمادي الأولى وهو التاسع من شتنر أنشأ الله بحرية١ فتشاءمت فانهلت عينا غديقة كما قال رسول الله ﷺ وذلك إثر صلاة العصر ومع العشى من اليوم المذكور فجاءت بمطر جود. وتبادر الناس إلى الحجر فوقفوا تحت الميزاب المبارك متجردين عن ثايبهم يتلقون الماء الذي يصبه الميزاب برؤوسهم أيديهم وأفواهمم مزدحمين عليه ازدحاما عظيما أحد ث ضوضاء عظيمة كل يحرص على أن ينال جسمه من رحمة الله نصيبا ودعاؤهم قد علا ودموع أهل الخشوع منهم تسيل فلا تسمع إلا ضجيج دعاء أو نشيج بكاء. والنساء قد وقفن خارج الحجر ينظرن بعيون دوامع وقلوب خواشع يتمنين ذلك الموقف لو ظفرن به وكان بعض الحجاج المتأجرين المشفقين يبل ثوبه بذلك الماء المبارك ويخرج إليهن ويعصره في أيدي البعض منهن فلتقينه شربا ومسحا على الوجوه والأبدان. وتمادت تلك السحابة المباركة إلى قريب المغرب وتمادى الناس على تلك الحال من الازدحام على تلقى ماء الميزاب بالأيدي والوجوه والأفواه وربما رفعوا الأواني ليقع فيها فكانت عشية عظيمة استشعرت النفوس فيها الفوز بالرحمة ثقة بفضله وكرمه ولما اقترن بها من القارئن المباركة. فمنها: أنها كان عشية الجمعة وفضل اليوم فضله والدعاء فيها يرجى من الله تعالى قبوله لما ورد فيها من الأثر الصحيح وأبواب السماء تفتح عند نزول المطر وقد وقف الناس تحت الميزاب وهو من المواضع التي يستجاب فيها

стр. 121

الدعاء وطهرت أبدانهم رحمة الله النازلة من سمائه إلى سطح بيته العتيق الذي هو حيال البيت المعمور وكفى بهذا المجتمع الكريم والمنتظم الشريف جعلنا الله ممن طهر فيه من أرجاس الذنوب واختص من رحمة الله تعال بذنوب١ ورحمته واسعة تسع عباده المذنبين إنه غفور رحيم. وذكروا أن الإمام أبا حامد الغزالي دعا الله بدعوات وهو في حرمه الكريم في رغبات رفعها إلى الله جل وتعال فأعطى بعضا ومنع بعضا. وكان مما منع نزول المطر وقت مقامه بمكة وكان تمنى أن يغتسل به تحت المزاب ويدعو الله عند بيته الكريم في الساعة التي أبواب سمائه فيها مفتوحة فمنع ذلك وأجيب دعائه في سائر ما سأله. فله الحمد وله الشكر على ما أنعم به علينا. ولعل عبدا من عباده الصالحين الوافدين على بيته الكريم خصه الله بهذه الكرامة فدخلنا جميع المذنبين في شفاعته والله ينفعنا بدعاء المخلصين من عباده ولا يجعلنا ممن شقى بدعائه إنه منعم كبير.

стр. 122

ذكر ما خص الله تعالى به مكة من الخيرات والبركات هذه البلدة المباركة سبقت لها ولأهلها الدعوة الخليلية الابرهيمية وذلك أن الله يقول حاكيا عن خليله ﷺ : ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إليهم وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ٢﴾ ، وقال : ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إليه ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ٣﴾ فبرهان ذلك فيها ظاهر متصل إلى يوم القيامة وذلك أن أفئدة الناس تهوى إليهم الأصقاع النائية والأقطار الشاحطة فالطريق

стр. 123

إليها ملتقى الصادر والوارد ممن بلغته الدعوة المباركة والثمرات تجبى إليها من كل مكان فهي أكثر البلاد نعما وفواكه ومنافع ومرافق ومتاجر. ولو لم يكن لها من المتاجر إلا أوان الموسم ففيه مجتمع أهل المشرق والمغرب فيباع فيها في يوم واحد فضلا عما يتبعه من الذخائر النفيسة كالجوهر والياقوت وسائر الأحجار ومن أنواع الطيب كالمسك والكفاور والعنبر والعود والعقاقير الهندية إلى غير ذلك من جلب الهند١ والحبشة إلى الأمتعة العراقية واليمانية إلى غير ذلك من السلع الخراسانية والباضئع المغربية إلى ما لا ينحصر ولا ينضبط ما لو فرق على البلاد كلها لأقام لها الأسواق النافقة ولعم جميعها بالمنفعة التجارية كل ذلك في ثمانية أيام بعدالموسم حاشا ما يطرا بها مع طول الأيام من اليمن وسواها فما على الأرض سلعة من السلع ولا دخيرة من الذخائر إلا وهي موجودة فيها مدة الموسم فهذه بركة لا خفاء بها وآبة من آياتها التي خصها الله بها. وأما الأرزاق والفواكه وسائر الطيبات فكنا نظن أن الأندلس اختصت من ذلك بحظ له المزية على سائر حظوظ البلاد حتى حللنا بهذه البلاد المباركة فألفيناها تغص بالنعم والفواكه كالتين والعنب والرمان والسفرجل والخوخ والاترج والجوز والمقل والبطيخ والقثاء والخيار إلى جميع البقول كلها كالباذنجان واليقطين والسلجم٢ والجزر والكرنب إلى سائرها إلى غير ذلك من الرياحين العبقة والمشمومات العطرة وأكثر هذه البقول كالباذنجان والقثاء والبطيخ لا يكاد ينقطع مع طول العام وذلك من عجيب ما شاهدناه مما يطول تعداده وذكره ولكل نوع من هذه الأنواع فضيلة موجودة في حاسة الذوق يفضل بها نوعها الموجود في سائر البلاد فالعجب من ذلك يطول.

стр. 124

ومن أعجب ما اختبرناه من فوكهها البطيخ والسفرجل وكل فواكهها عجب لكن للبطيخ فيها خاصة من الفضل عجيبة وذلك لأن رائحته من أعطر الروائح وأطيبها يدخل به الداخل عليك فتجد رائحته العبقة قد سبقت إليك فيكاد يشغلك الاستمتاع بطيب رياه عن أكلك إياه حتى إذا ذقته خيل إليك إنه شيب بسكر مذاب أو بجني النحل اللباب ولعل متصفح هذه الاحرف يظن أن في الوصف بعض غلو كلا لعمر الله إنه لأكثر مما وصفت وفوق ما قلت وبها عسل أطيب من الماذي١ المضروب به المثل يعرف عندهم بالمسعودي. وأنواع اللبن بها في نهاية من الطيب وكل ما يصنع منها من السمن فإنه لا تكاد تميزه من العسل طيبا ولذاذة ويجلب إليها قوم من اليمن يعرفون بالسرو نوعا من الزبيب الأسود والأحمر في نهاية الطيب ويحلبون معه من اللوز كثيرا. وبها قصب السكر أيضا كثير بجلب من حيث تجلب البقول التي ذكرناها والسكر بها كثر محلوب وسائر النعم والطيبات من الرزق والحمد لله. وأما الحلوى فيصنع منها أنواع غريبة من العسل والسكر العقود على صفات شتى انهم يصنعون بها حكايات جميع الفواكه الرطبة واليابسة وفي الأشهر الثلاثة رجب وشعبان ورمضان يتصل منها أسمطة٢ بين الصفا والمروة ولم يشاهد أحد أكمل منظرا منها لا بمصر ولا بسواها قد صورت منها تصاوير إنسانية وفاكيهة وصليت في منصات كأنها العرائش ونصدت بسائر أنواعها المنضدة الملونة فتلوح كأنها الازاهر حسنا فتقيد الأبصار وتستنزل الدرهم والدينار. وأما لحوم ضأنها فهناك العجب الجيب قد وقع القطع من كل من نطوف على الآفاق وضرب نواحي الأقطار أنها أطيب لحم يؤكل في الدنيا.

стр. 125

وما ذاك والله أعلم إلا لبركة مراعيها هذا على أفراط سمنه ولو كان سواه من لحوم البلاد ينتهى ذلك المنتهى في السمن للفظته الأفواه زهما١ ولعافته وتجنبته. والأمر في هذا بالضد كلما ازداد سمنا زادت النفوس فيه رغبة والنفس له قبولا فتجد هـ هنيئا رخصا يذوب في الفم قبل أن يلاك مضعا ويسرع لخفته عن المعدة انهضاما. وما أرى ذلك إلا من الخواص الغريبة وبركة البلد الأمين قد تكفلت بطيبة لا شك فيه والخبر عنه يضيق عن الخبر له والله يجعل فيه رزقا لمن تشوق بلدته الحرام وتمنى هذه المشاهد العظام والمناسك الكرام بعزته وقدرته. وهذه الفواكه تجلب إليها من الطائف وهي على مسيرة ثلاثة أيام منها على الرفق والتؤدة ومن قرى حولها واقرب هذه المواضع يعرف با هو من مكة على مسيرة يوم أو أزيد قليلا وهو من بطن الطائف ويحتوى على قرى كثيرة ومن بطن مر وهو على مسيرة يوم أو أقل ومن نخلة وهي على مثل هذه المسافة ومن أودية بقرب من البلد كعين سليمان وسواها قد جلب الله إليها من المغاربة ذوي البصارة٢ بالفلاحة ولازراعة فأحدثوا فيها بساتين ومزارع فكانوا أحد الأسباب في خصب هذه الجهات وذلك بفضل الله وكريم اعتنائه بحرمة الكريم وبلده الأمين. ومن أغرب ما ألفيناه فاستمتعنا بأكله وأجرينا الحديث باستطابته ولا سميا لكوننا لم نعهده الرطب وهو عندهم بمنزلة التين الأخضر في شجره يجنى يوؤكل وهو في نهاية من الطيب واللذاذة لا يسأم التفكه به وإبانه عندهم عظيم يخرج الناس إليه كخروجهم إلى الضيعة أو كخروج أهل المغرب لقراهم أيام نضج التين والعنب ثم بعد ذلك عند تناهى نضجه يبسط على

стр. 126

الأرض قدر ما يجف قليلا ثم يركم بعضه على بعض في السلال والظروف ويرفع. ومن صنع الله الجميل لنا وفضله العميم علينا أنا وصلنا إلى هذه البلدة المكرمة فألفينا كل من بها من الحجاج المجاورين ممن قدم عهده فيها وطال مقامه بها يتحدث على جهة العجب بامها من الحرابة١ المتلصصين فيها على الحاج المتختلسين ما بأيديهم والذين كانوا آفة الحرم الشريف لا يغفل أحد عن متاعة طرقة عين لا اختلس من يديه أو من وسطه بحيل عجيبة ولطافه غريبة فما منهم إلا أخذ يد القميص٢ فكفى الله في هذا العام شرهم إلا القليل وأظهر أمير البلد التشديد عليهم فتوقف شرهم وبطيب هوائها٣ في هذا العام وفتور حمارة قيظها المعهود فيها وانكسار حدة سمومها وكنا نبيت في سطح الموضع الذي كنا نسكنه فربما يصيبنا من برد هواء الليل ما نحتاج معه إلى دثار يقينا منه وذلك أمر مستغرب بمكة. وكانوا أيضا يتحدثون بكثرة نعمها في هذا العام ولين سعرها وأنها خارقة للعوائد السالفة عندهم كان سوم٤ الحنطة أربعة أصواع بدينار مؤمني وهي أوبتان من كيل مصر وجهاتها والأوبتان قدحان ونصف قدح من الكيل المغربي وهذا السعر في بلد لاضيعة فيه ولا قوام معيشة لاهله إلا بالميرة المجلوبة إليه سعر لاخفاء بيمنه وبركته على كثرة المجاورين فيها في هذا العام وانجلاب الناس إليها وترادفهم عليها فحدثنا غير واحد من المجاورين الذين لهم بها سنون طائلة أنهم لم يروا هذا الجمع بها قط ولا سمع بمثله فيها والله يجعله جمعا مرحوما معصوما بمنه. وما زال الناس فيها يسلسون أوصاف أحوالها في هذه السنة وتمييزها عما

стр. 127

سلف من السنين حتى لقد زعموا أن ماء زمزم المبارك زاد عذوبة ولم يكن قبل بصادقها١. وهذا بالماء المبارك في أمره عجب وذلك أنك تشربه عن خروجه من قراراته فتجد هـ في حاسة الذوق كاللبن عند خروجه من الضرع دفيئا وتلك فيه من الله تعالى أية وعناية وبركته أشهر من أن يحتاج لوصف واصف وهو لما شرب له كما قال ﷺ أروى الله منه كل ظامئ إليه بعزته وكرمه. ومن الأمور المجربة في هذا الماء المبارك أن الإنسان ربما وجد مس الإعياء وفتور الأعضاء إما من كثرة الطواف أو من عمرة يعتمرها على قدميه أو من غير ذلك من الأسباب المؤدية إلى تعب البدن فيصب من ذلك الماء على بدنه فيجدالراحة والنشاط فحينه ويذهب عنه ماكان أصابه.

стр. 128

شهر جمادى الآخرة عرفنا الله يمنه وبركته استهل هلاله ليلة الأربعاء وهو الحادري والعشرون من شهر شتنبر العجمي ونحن بالحرم المقدس زاده الله تعظيما وتشريفا وفي صبحة الليلة المذكورة وافى الأمير مكثر بأتباعه وأشياعه على العادة السالفة المذكورة في الشهر الأول وعلى ذلك الرسم بعينه والزمزمي المغرد بثنائه والدعاء له فوق قبة زمزم يرفع عقيرته٢ بالدعاء والثناء عند كل شوط يطوفه الأمير والقراء أمامه إلى أن فرغ من طوافه وأخذ في طريق انصرافه. ولأهل هذه الجهات المشرقية كلها سيرة حسنة عند مستهل كل شهر من شهور العام يتصافحون ويهنئ بعضهم بعضا ويتغافرون ويدعو بعضهم

стр. 129

لبعض كفعلهم في الأعياد هكذا دائما وتلك طريقة من الخير واقعة في النفوس تجدد الإخلاص وتستمد الرحمة من الله بمصافحة المؤنين بعضهم بعضا وبركة ما يتهادونه من الدعاء والجماعة رحمة ودعاؤهم من الله بمكان.

стр. 130

جمال الدين وآثاره السنية ولهذه البلدة المباركة حمامان: أحدهما ينسب للفقيه الميانشي أحد الأشياخ المحلقين بالحرم المكرم والثاني وهو الأكبر ينسب لجمال الدين وكان هذا الرجل كصفته جمال الدين له ﵀ بمكة والمدينة شرفهما الله من الآثار الكريمة والصنائع الحميدة والمصانع المبنية في ذات الله المشيدة ما لم يسبقه أحد إليه فيما سلف من الزمان ولا أكابر الخلفاء فضلا عن الوزراء. وكان ﵀ وزير صاحب الموصل تمادى على هذه المقاصد السنية المشتملة على المنافع العامة للمسلمين في حرم الله تعالى وحرم رسوله ﷺ أكثر من خمس عشرة سنة لم يزل فيها باذلا أموالا لاتحصى في بناء رباع بمكة مسبلة١ في طريق الخير والبر مؤبدة محبسة واختطاط صهاريج للماء ووضع جباب في الطرق يستقر فيها ماء المطر إلى تجديد آثار من البناء في الحرمين الكريمين. وكان من أشرف أفعاله أن جلب الماء إلى عرفات وقاطع عليه العرب بنى شعبة سكان تلك النواحي المجلوب منها الماء بوظيفة من المال كبيرة على أن لا يقطعوا الماء عن الحاج فلما توفى الرجل رحمة الله عليه عادوا إلى عادتهم الذميمة من قطعه. ومن مفاخره ومناقبه أيضا أنه جعل مدينة الرسول ﷺ ،

стр. 131

تحت سورين عتيقين انفق فيهما أموالا لا تحصى كثرة. ومن أعجب ماوفقه الله تعالى إليه إنه جدد أبواب الحرم كلها. وجدد باب الكعبة المقدسة وغشاه فضة مذهبة وهو الذي فيها الآن حسبما تقدم وصفه وجلل العتبة المباركة بلوح ذهب إبريز وقد تقدم ذكره أيضا فأخذ الباب القديم وأمر بأن يصنع له منه تابوت يدفن فيه فلما حانت وفاته أوصى بأن يوضح في ذلك التابوت المبارك ويحج به ميتا. فسيق إلى عرفات ووقف به على بعد وكشف عن التابوت فلما أفاض الناس أفيض به وقضيت له المناسك كله وطيف به طواف الإفاضة وكان الرجل ﵀ لم يحج في حياته ثم حمل إلى مدينة الرسول ﷺ وله فيها من الآثار الكريمة ما قدمنا ذكره وكاد أشارفها يحلمونه رؤوسهم. وبينت له روضة بإزاء روضة المصطفى ﷺ وفتح فيها مضوع يلاحظ الروضة المقدسة وأبيح له ذلك على شدة الضنانة بمثله لسابق أفعاله الكريمة ودفن في تلك الروضة وأسعده الله بالجوار الكريم وخصه بالمواراة في تربة التقديس والتعظيم والله لا يضيع أجر المحسنين وسنذكر تاريخ وفاته إذا وقفنا عليه من التاريخ الثابت في روضته إن شاء الله وهو ولى التيسير لا رب غيره. ولهذا الرجل ﵀ من الآثار السنية والمفاخر العلية التي لم يسبقه إليها الأكابر الأجواد وسراة الأمجاد فيما سلف من الزمان ما يفوت الإحصاء ويتسغرق الثناء ويستصحب طول الأيام ن الألسنة بالدعاء وحسبك إنه اتسع اعتناؤه بإصلاح عامة طرق المسلمين بجهة المشرق من العراق إلى الشام إلى الحجاز حسبما نذكره واستنبط المياه وبنى الجباب واختط المنازل في المفازات وأمر بعمارتها مأوى لأبناء السبيل وكافة المسافرين وابتنى بالمدن المتصلة من العراق إلى الشام فنادق عينها لنزول الفقراء أبناء السبيل الذين يضعف أحد هم عن تأدية الاكرية وأجرى على قومة تلك الفنادق والمنازل ما يقوم

стр. 132

بمعيشتهم وعين لهم ذلك في وجوه تأبدت لهم فبقيت تلك الرسوم الكريمة ثابتة على حالها إلى الآن فسارت بجميل ذكر هذا الرجل الرفاق وملئت ثناء عليه الآفاق. وكان مدة حايته بالموصل على ما أخبرنا به غير واحد من ثقات الحجاج التجار ممن شاهد ذلك قد اتخذ دار كرامة واسعة الفناء فسيحة الإرجاء يدعو إليها كل يوم الجفلى١ من الغرباء فيعمهم شبعا وريا ويرد الصادر والوارد من أبناء السبيل في ظله عيشا هنيئا لم يزل على ذلك مدة حياته ﵀ فبقيت آثاره مخلدة وأخباره بألسنة الذكر مجددة وقضى حميدا سعيدا والذكر الجيمل للسعداء حياة باقية ومدة من العمر ثانية والله الكفيل بجزاء المحسنين إلى عباده فهو أكرم الكرماء وأكفل الكفلاء.

стр. 133

الأمور المحظورة في الحرم ومن الأمور المحظورة بهذا الحرم الشريف زاده الله تعظيما وتكريما أن النفقة فيه ممنوعة لا يجد المتأجر من ذوي اليسار إليها سبيلا في تجديد بناء أو اقامة حطيم أو غير ذلك مما يختص بالحرم المبارك ولو كان الأمر مباحا في ذلك لجعل الراغبون في نفقات البر من أهل الجدة٢ حيطانه عسجدا٣ وترابه عنبرا لكنهم لا يجدون السبيل إلى ذلك فمتى ذهب أحد أرباب الدنيا إلى تجديد اثر من آثاره أو إقامة رسم كريم من رسومه أخذ أذن الخليفة في ذلك فان كان مما ينقش عليه أو يرسم فيه طرز باسم الخليفة ونفوذ أمره بعمله ولم يذكر اسم المتولى لذلك ولا بد مع ذلك من بذل حظ وافر من النفقة لامير البلد ربما يوازي قدر المنفوق فيه فتتضاعف المؤنة على صاحبه

стр. 134

وحينئذ يصل إلى غرضه من ذلك. ومن أغرب ما اتفق لأحد دهاة الأعاجم دوى الملك والثراء إنه وصل إلى الحرم الكريم مدة جد هذا الأمير مكثر فرأى تنور بئر زمزم وقبتها على صفة لم يرضها فاجتمع بالأمير وقال أريد أن أتأنق في بناء تنور زمزم وطيه وتجديد قبنه وابلغ في ذلك الغاية الممكنة وانفق فيه من صميم مالي ولك على في ذلك شرط ابلغ بالتزامه لك غرض المقصود وهو أن تجعل ثقة من قبلك يقيد مبلغ النفقة في ذلك فإذا استوفى البناء التمام وانتهت النفقة منتهاها وتحصلت محصاة بذلت لك مثلها جزاء على إباحتك لي ذلك. فاهتز الأمير طمعا وعلم أن النفقة في ذلك تنتهي إلى آلاف من الدنانير على الصفة التي وصفها له فأباح له ذلك والزمه مقيدا يحصى قليل الإنفاق وكثيره وشرع الرجل في بنائه واحتفل واستفرغ الوسع١ وتانق وبذل المجهود فعل من يقصد بفعله ذات الله ويقرضه قرضا حسنا. والمقيد يسود طواميره٢ بالتقييد والأمير يتطلع إلى ما لديه ويؤمل لقبض تلك النفقات الواسعة بسط يديه إلى أن فرغ البناء على الصفة التيتقدم ذكرها أولا عد ذر بئر زمزم وقبته فلما لم يبق إلا إن يصبح صاحب النفقة بالحساب ويستقضى منه العدد المجتمع فيها خلا منه المكان وأصبح في خبر كان وركب الليل جملا واصبح الأمير بقلب كفيه ويضرب أصدريه٣ ولم يمكنه أن يحدث في بناء وضع في حرم الله تعال حادثا يحيله أو نقضا يزيله. وفاز الرجل بثوابه وتكفل الله به في انقلابه وتحسين مآبه:

стр. 135

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ١ وبقى خبر هذا الرجل مع الأمير يتهادى غرابة وعجبا ويدعو له كل شارب من ذلك الماء المبارك.

стр. 136

شهر رجب الفرد عرفنا الله بركته استهل هلاله ليلة الخميس الموفى عشرين لشهر أكتوبر بشهادة خلق كثير من الحجاج المجاورين والأشراف أهل مكة ذكروا أنهم رأوه بطريق العمرة ومن جبل قعيقعان وجبل أبي قبيس فثبتت شهادتهم بذلك عند الأمير والقاضي وأما من المسجدالحرام فلم يبصره أحد. وهذا الشهر المبارك عند أهل مكة موسم من المواسم المعظمة وهو أكبر أعيادهم ولم يزالوا على ذلك قديما وحديثا يتوارثه خلف عن سلف متصلا ميراث ذلك إلى الجاهلية لأنهم كانوا يسمونه منصل الأسنة٢ وهو أحد الأشهر الحرم وكانوا يحرمون القتال فيه وهو شهر الله الأصم٣ كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ .

стр. 137

العمرة الرجبية والعمرة الرجبية عندهم أخت الوقفة العرفية لأنهم يحتفلون لها الاحتفال الذي لم يسمع بمثله ويبادر إليها أهل الجهات المتصلة بها فيجتمع لها خلق عظيم لا يحصيهم إلا الله فمن لم يشاهدها بمكة لم يشاهد مرأى

стр. 138

يستهدى ذكره غرابة وعجبا شاهدنا من ذلك أمرا يعجز الوصف عنه والمقصود منه الليلة التي يستهل فيها الهلال مع صبيحتها ويقع الاستعداد لها من قبل ذلك بأيام فأبصرنا من ذلك ما نصف بعضه على جهة الاختصار وذلك لانا عاينا شوارع مكة وازقتها من عصر يوم الأربعاء وهي العشية التي ارتقب فيها الهلال قد امتلأت هوادح مشدودة على الإبل مكسوة بأنواع كساء الحرير وغيرها من ثياب الكتان الرفيعة بحسب سعة أحوال اربابها ووفرهم١ كل يتأنق ويحتفل بقدر استطاعته فأخذوا في الخروج إلى التنعيم ميقات المعتمرين فسالت تلك الهوادج في أباطح مكة وشعابها والإبل قد زينت تحتها بأنواع التزيين وأشعرت٢ بغير هدى بقلائد رائقة المنظر من الحرير وغيره وربما فاضت الاستار التي على الهوادج حتى تسحب اذيالها على الأرض. ومن أغرب ما شاهدنا من ذلك هودج الشريفة جمانة بنت فليته عمة الأمير مكثر فان اذيال ستره كانت تسحب على الأرض انسحابا وغيره من هوادج حرم الأمير وحرم قواده إلى غير ذلك من هوادج لم نستطع تقييد عدتها عجزا عن الإحصاء فكانت تلوح على ظهور الإبل كالقباب المضوربة فيخيل للناظر إليها أنها محلة قد ضربت أبنيتها من كل لون رائق. ولم يبق ليلة الخميس المذكور بمكة إلا من خرج للعمرة من أهلها ومن المجاورين وكنا في جملة من خرج ابتغاء بركة الليلة العظيمة فكدنا لاتتخلص إلى مسجد عائشة من الزحام وانسداد ثنيات الطريق بالهوادج والنيران ق اشعلت بحافتي الطريق كله والشمع يتقد بين أيدي الإبل التي عليها

стр. 139

هوادج من يشار إليه من عقائل نساء مكة. فلما قضينا العمرة وطفنا وجئنا للسعي بين الصفا والمروة وقد مضى هدء من الليل أبصرناه كله سرجا ونيرانا وقد غص بالساعين والساعيات على هوادجهن فكنا لانتخلص إلا بين هوادجهن وبين قوائم الإبل لكثرة الزحام واصطكاك الهوادج بعضها على بعض. فعاينا ليلة هي أغرب ليلالي الدنيا فمن لم يعاين ذلك لم يعاين عجبا يحدث به ولا عجبا يذكه مرأى الحشر يوم القيامية لكثرة الخلائق فيه محرمين ملبين داعين إلى الله ضارعين والجبال المكرمة التي بحافتي الطريق تجيبهم بصداها حتى سكت المسامع وسكبت ن هول تلك المعاينة المدامع وذابت القلوب الخواشع. وفي تلك الليلة مليء المسجد الحرام كله سرجا فتلألأ نورا وعند ثبوت رؤية الهلال عند الأمير أمر بضرب الطبول والدبادب١ والبوقات أشعارا بأنها ليلة الموسم. فلما كانت صبيحة ليلة الخميس خرج إلى العمرة في احتفال لم يسمع بمثله انحشد له أهل مكة عن بكرة أبيهم فخرجوا على مراتبهم قبيلة قبيلة وحارة حارة شاكين في الاسلحة فرسانا ورجاله فاجتمع منهم عدد لا يحصى كثرة يتعجب المعاين لهم لوفور عددهم فلو انهم من بلاد جمة لكانوا عجبا فكيف وهم من بلد واحد وهذا أدل الدلائل على بكرة البلد. فكانوا يخرجون على ترتيب عجيب فالفرسان منهم يخرجون بخيلهم ويلعبون بالأسلحة عليها والرجالة يتواثبون ويتثاقفون٢ بالأسلحة في أيديهم حرابا وسيوفا وجحفا٣ وهم يظهرون التطاعن بعضهم لبعض والتضارب بالسيوف والمدافعة بالجحف التي يستجنون بها٤ وأظهروا من الحذق الثقات كل أمر مستغرب.

стр. 140

وكانوا يرمون بالحراب إلى الهواء ويبادرون إليها لقفا١ بأيديهم وهي قد تصوبت اسنتها على رؤوسهم وهم في زحام لا يمكن فيه المجال وربما رمى بعضهم بالسيوف في الهوءا فيتلقونها قبضا على قوائمها كأنها لم يتفارق أيديهم، إلى أن خرج الأمير يزحف بين قواده وأبناؤه أمامه وقد قاربوا سن الشباب والرايات تخفق أمامه والطبول والدبادب بين يديه والسكينة تفيض عليه وقد امتلأت الجبال والطرق والثنيات النظارة من جميع المجاورين. فلما انتهى إلى الميقات وقضى غرضه أخذ في الرجوع وقد ترتب العسكران بين يديه على لعبهم ومرحهم والرجالة على الصفة المذكورة من التجأول وقد ركب جملة من أعراب البوادي نجبا٢ صهبا لم ير أجمل منظرا منها وركابها يسابقون الخيل بها بين يدي الأمير رافعين أصواتهم بالدعاء له والثناءعليه إلى أن وصل المسجد الحرام فطاف بالكعبة والقراء أمامه والمؤذن الزمزمي يغرد في سطح قبة زمزم رافعا عقيرته بتهنئته بالموسم والثناء عليه والدعاء له على العادة فلما فرغ من الطواف صلى عند الملتزم ثم جاء إلى المقام وصلى خلفه وقد أخرج له من الكمية ووضع في قبته الخشبية التي بيصلى خلفها فلما فرغ من صلاته رفعت له القبة عن المقام فاستلمه وتمسح به ثم اعيدت القبة عليه وأخذ في الخروج على باب الصفا إلى المسعى وانجفل٣ بين يديه فسعى راكبا والقواد مطيفون به والرجالة الحراية أمامه فلما فرغ من السعي استلت السيوف أمامه وأحدقت الأشياع٤ به وتوجه إلى منزله على هذه الحالة الهائلة مزحوفا به وبقي المسعى يومه ذاك يموج بالساعين والساعيات.

стр. 141

فلما كان اليوم الثاني وهو يوم الجمعة كان طريق العمرة في العمارة قريبا من أمسه راكبين وماشين رجالا ونساء والنساء الماشيات المتأجرات كثير يسابقن الرجال في تلك السبيل المباركة تقبل الله من جميعهم بمنه. وفي أثناء ذلك يلاقى الرجال بعضهمب عضا فيتصافحون ويتهادون الدعاء والتغافر بينهم والنساء كذلك والكل منهم قد لبس أفخر ثيابه واحتفل احتفال أهل البلاد للأعياد. وأما أهل البلد الأمين فهذا الموسم عيدهم له يعبون وله يحتفلون وفي المباهاة فيه يتنافسون وله يعظمون وفيه تنفق أسواقهم وصنائعهم يقدمون النظر في ذلك والاستعداد له بأشهر.

стр. 142

السرو المائرون ومن لطيف صنع الله لهم فيه اعتناء كريم منه سبحانه بحرمه الأمين أن قبائل من اليمن تعرف بالسرو وهم أهل جبال حصينة باليمن تعرف بالسراة كأنها مضافة لسراة الرجال على ما أخبرني به فقيه من أهل اليمن يعرف بابن أبي الصيف فاشتق الناس لهم هذا الاسم المذكور من اسم بلادهم وهم قبائل شتى كبجيلة وسواها يستعدون للوصول إلى هذه البلدة المباركة قبل حلولها بعشرة أيام فيجمعون بين النية في العمرة وميرة البلد بضروب من الأطعمة كالحنطة وسائر الحبوب إلى اللوبياء إلى ما دونها ويجلبون السمن والعسل والزبيب واللوز فتجمع ميرتهم بين الطعام والإدام والفاكهة ويصلون في آلاف من العدد رجالا وجمالا موقرة بجميع ما ذكر فيرغدون معايش أهل البلد والمجاورين يه يتقوتون ويدخرون وترخص الأسعار وتعم المرافق فيعد منها الناس ما يكفيهم لعامهم إلى ميرة أخرى ولولا هذه الميرة لكان أهل مكة في شظف من العيش. من العجب في أمر هؤلاء المائرين أنهم لا يبيعون من جميع ما ذكرناه

стр. 143

بدينار ولا يدرهم إنما يبيعونه بالخرق والعباءات والشمل فأهل مكة يعدون لهم من ذلك مع الأقنعة والملاحف المتان وما أشبه ذلك مما يلبسه الأعراب ويبايعونهم به ويشارونهم. ويذكر أنهم متى أقاموا عن هذه الميرة ببلادهم تجدب ويقع الموتان في مواشيهم وأنعامهم وبوصولهم بها تخصب بلادهم وتقع البركة في أموالهم فمتى قرب الوقت ووقعت منه بعض غفلة في التأهب للخروج اجتمع نساؤهم فأخرجنهم وكل هذا لطف من الله تعالى لحرمة البلد الأمين. وبلادهم على ما ذكر لنا خصيبة متسعة كثيرة التين والعنب واسعة المحرث وافرة الغلات وقد اعتقدوا اعتقادا صحيحا أن البركة كلها في هذه الميرة التي يجلبونها فهم من ذلك في تجارة رابحة مع الله . والقوم عرب صرحاء فصحاء جفاة اصحاء لم تغذهم الرقة الحضرية ولا هذبتهم السير المدنية ولا سددت مقاصدهم السنن الشرعية فلا تجد لديهم من أعمال العادات المقدسة يتطارحون عليها تطارح البنين على الام المشفقة لائذين بجوارها متعلقين باستارها فحيث ما علقت أيديهم منها تمزق لشدة اجتذابهم لها وانكبابهم عليها وفي أثناء ذلك تصدع ألسنتهم بأدعية تتصدع لها القلوب وتتفجر لها الأعين الجوامد فتصوب١ فترى الناس حولهم بأسطي أيديهم مؤمنين على أدعيتهم متلقنين لها من ألسنتهم على انهم طول مقامهم لا يتمكن معهم طواف ولا يوجد سبيل إلى استلام الحجر. وإذا فتح الباب الكريم فهم الداخلون بسلام فتراهم في محاولة دخولهم يتسلسلون كأنهم بعض ببعض مرتبطون يتصل منهم على هذه الصفة الثلاثون والأربعون إلى أزيد من ذلك والسلاسل منهم يتسع بعضهم بعضا وربما

стр. 144

انفصمت بواحد منهم يميل عن المطلع المبارك إلى البيت الكريم فيقع الكل لوقوعه فيشاهد الناظر لذلك مرأى يؤدي إلى الضحك. وأما صلاتهم فلم يذكر في مضحكات الاعراب اظرف منها وذلك أنهم يستقبلون البيت الكريم فيسجدون دون ركوع وينقرون١ بالسجود نقرا ومنهم من يسجد السجدة الواحدة ومنهم من يسجد الثنتين والثلاث والأربع ثم يرفعون رؤوسهم من الأرض قليلا وأيديهم بمسوطة عليها ويلتفتون يمينا وشمالا التفات المروع ثم يسلمون أو يقومون دون تسليم ولا جلوس للتشهد وربما تكلموا في أثناء ذلك وربما رفع أحد هم رأسه من سجوده إلى صاحبه وصاح به ووصاه بما شاء ثم عاد إلى سجدوده إلى غير ذلك من أحوالهم الغريبة. ولا ملبس لهم سوى أزر وسخة أو جلود يستترون بها وهم مع ذلك أهل بأس ونجدة لهم القسى العربية الكبار كأنها قسى القطانين٢ لا تفارقهم في أسفارهم فمتى رحلوا إلى الزيارة هاب أعراب الطريق الممسكون للحاج مقدمهم وتجنبوا اعتراضهم وخلوا لهم عن الطريق ويصحبهم الحجاج الزائرون فيحمدون صحبتهم وعلى ما وصفنا من أحوالهم فهم أهل اعتقاد للإيمان صحيح، وذكر أن النبي ﷺ ذكرهم وأثنى عليهم خيرا وقال: "علموهم الصلاة يعلموكم الدعاء"، وكفى بأن دخلوا في عموم قوله ﷺ : "الإيمان يمان"، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في اليمن وأهله. وذكر أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان يحترم وقت طوافهم ويتحرى الدخول في جملتهم تبركا بأدعيتهم فشأنهم عجيب كله.

стр. 145

وشاهدنا منهم صبيا في الحجر قد جلس إلى أحد الحجاج يعلمه فاتحة الكتاب وسورة الإخلاص. فكان يقول له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد﴾ فيقول الصبي: هو الله أحد فيعيد عليه المعلم فيقول له: ألم تأمرني بأن أقول: هو الله أحد؟ قد قلت. فكابد في تلقينه مشقة وبعد لأي ما علقت بلسانه. وكان يقول له: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين فيقول الصبي: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله فيعيد عليه المعلم ويقول له: لا تقل: والحمد لله إنما قل: الحمد لله فيقول الصبي إذا قلت: بسم الله الرحمن الرحيم أقول: والحمد لله للاتصال وإذا لم أقل: بسم الله وبدأت قلت: الحمد لله فعبجنا من أمره ومن معرفته طبعا بصلة الكلام وفصله دون تعلم. وأما فصاحتهم فبديعة جدا ودعاؤهم كثير التخشيع للنفوس والله يصلح أحوالهم وأحوال جميع عباده بمنه.
следующие страницы →