← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11203

رحلة ابن جبير ط دار بيروت

ابن جبير

Полный текст (432 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فلما كان اليوم الثاني وهو يوم الجمعة كان طريق العمرة في العمارة قريبا من أمسه راكبين وماشين رجالا ونساء والنساء الماشيات المتأجرات كثير يسابقن الرجال في تلك السبيل المباركة تقبل الله من جميعهم بمنه. وفي أثناء ذلك يلاقى الرجال بعضهمب عضا فيتصافحون ويتهادون الدعاء والتغافر بينهم والنساء كذلك والكل منهم قد لبس أفخر ثيابه واحتفل احتفال أهل البلاد للأعياد. وأما أهل البلد الأمين فهذا الموسم عيدهم له يعبون وله يحتفلون وفي المباهاة فيه يتنافسون وله يعظمون وفيه تنفق أسواقهم وصنائعهم يقدمون النظر في ذلك والاستعداد له بأشهر.

стр. 142

السرو المائرون ومن لطيف صنع الله لهم فيه اعتناء كريم منه سبحانه بحرمه الأمين أن قبائل من اليمن تعرف بالسرو وهم أهل جبال حصينة باليمن تعرف بالسراة كأنها مضافة لسراة الرجال على ما أخبرني به فقيه من أهل اليمن يعرف بابن أبي الصيف فاشتق الناس لهم هذا الاسم المذكور من اسم بلادهم وهم قبائل شتى كبجيلة وسواها يستعدون للوصول إلى هذه البلدة المباركة قبل حلولها بعشرة أيام فيجمعون بين النية في العمرة وميرة البلد بضروب من الأطعمة كالحنطة وسائر الحبوب إلى اللوبياء إلى ما دونها ويجلبون السمن والعسل والزبيب واللوز فتجمع ميرتهم بين الطعام والإدام والفاكهة ويصلون في آلاف من العدد رجالا وجمالا موقرة بجميع ما ذكر فيرغدون معايش أهل البلد والمجاورين يه يتقوتون ويدخرون وترخص الأسعار وتعم المرافق فيعد منها الناس ما يكفيهم لعامهم إلى ميرة أخرى ولولا هذه الميرة لكان أهل مكة في شظف من العيش. من العجب في أمر هؤلاء المائرين أنهم لا يبيعون من جميع ما ذكرناه

стр. 143

بدينار ولا يدرهم إنما يبيعونه بالخرق والعباءات والشمل فأهل مكة يعدون لهم من ذلك مع الأقنعة والملاحف المتان وما أشبه ذلك مما يلبسه الأعراب ويبايعونهم به ويشارونهم. ويذكر أنهم متى أقاموا عن هذه الميرة ببلادهم تجدب ويقع الموتان في مواشيهم وأنعامهم وبوصولهم بها تخصب بلادهم وتقع البركة في أموالهم فمتى قرب الوقت ووقعت منه بعض غفلة في التأهب للخروج اجتمع نساؤهم فأخرجنهم وكل هذا لطف من الله تعالى لحرمة البلد الأمين. وبلادهم على ما ذكر لنا خصيبة متسعة كثيرة التين والعنب واسعة المحرث وافرة الغلات وقد اعتقدوا اعتقادا صحيحا أن البركة كلها في هذه الميرة التي يجلبونها فهم من ذلك في تجارة رابحة مع الله . والقوم عرب صرحاء فصحاء جفاة اصحاء لم تغذهم الرقة الحضرية ولا هذبتهم السير المدنية ولا سددت مقاصدهم السنن الشرعية فلا تجد لديهم من أعمال العادات المقدسة يتطارحون عليها تطارح البنين على الام المشفقة لائذين بجوارها متعلقين باستارها فحيث ما علقت أيديهم منها تمزق لشدة اجتذابهم لها وانكبابهم عليها وفي أثناء ذلك تصدع ألسنتهم بأدعية تتصدع لها القلوب وتتفجر لها الأعين الجوامد فتصوب١ فترى الناس حولهم بأسطي أيديهم مؤمنين على أدعيتهم متلقنين لها من ألسنتهم على انهم طول مقامهم لا يتمكن معهم طواف ولا يوجد سبيل إلى استلام الحجر. وإذا فتح الباب الكريم فهم الداخلون بسلام فتراهم في محاولة دخولهم يتسلسلون كأنهم بعض ببعض مرتبطون يتصل منهم على هذه الصفة الثلاثون والأربعون إلى أزيد من ذلك والسلاسل منهم يتسع بعضهم بعضا وربما

стр. 144

انفصمت بواحد منهم يميل عن المطلع المبارك إلى البيت الكريم فيقع الكل لوقوعه فيشاهد الناظر لذلك مرأى يؤدي إلى الضحك. وأما صلاتهم فلم يذكر في مضحكات الاعراب اظرف منها وذلك أنهم يستقبلون البيت الكريم فيسجدون دون ركوع وينقرون١ بالسجود نقرا ومنهم من يسجد السجدة الواحدة ومنهم من يسجد الثنتين والثلاث والأربع ثم يرفعون رؤوسهم من الأرض قليلا وأيديهم بمسوطة عليها ويلتفتون يمينا وشمالا التفات المروع ثم يسلمون أو يقومون دون تسليم ولا جلوس للتشهد وربما تكلموا في أثناء ذلك وربما رفع أحد هم رأسه من سجوده إلى صاحبه وصاح به ووصاه بما شاء ثم عاد إلى سجدوده إلى غير ذلك من أحوالهم الغريبة. ولا ملبس لهم سوى أزر وسخة أو جلود يستترون بها وهم مع ذلك أهل بأس ونجدة لهم القسى العربية الكبار كأنها قسى القطانين٢ لا تفارقهم في أسفارهم فمتى رحلوا إلى الزيارة هاب أعراب الطريق الممسكون للحاج مقدمهم وتجنبوا اعتراضهم وخلوا لهم عن الطريق ويصحبهم الحجاج الزائرون فيحمدون صحبتهم وعلى ما وصفنا من أحوالهم فهم أهل اعتقاد للإيمان صحيح، وذكر أن النبي ﷺ ذكرهم وأثنى عليهم خيرا وقال: "علموهم الصلاة يعلموكم الدعاء"، وكفى بأن دخلوا في عموم قوله ﷺ : "الإيمان يمان"، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في اليمن وأهله. وذكر أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان يحترم وقت طوافهم ويتحرى الدخول في جملتهم تبركا بأدعيتهم فشأنهم عجيب كله.

стр. 145

وشاهدنا منهم صبيا في الحجر قد جلس إلى أحد الحجاج يعلمه فاتحة الكتاب وسورة الإخلاص. فكان يقول له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد﴾ فيقول الصبي: هو الله أحد فيعيد عليه المعلم فيقول له: ألم تأمرني بأن أقول: هو الله أحد؟ قد قلت. فكابد في تلقينه مشقة وبعد لأي ما علقت بلسانه. وكان يقول له: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين فيقول الصبي: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله فيعيد عليه المعلم ويقول له: لا تقل: والحمد لله إنما قل: الحمد لله فيقول الصبي إذا قلت: بسم الله الرحمن الرحيم أقول: والحمد لله للاتصال وإذا لم أقل: بسم الله وبدأت قلت: الحمد لله فعبجنا من أمره ومن معرفته طبعا بصلة الكلام وفصله دون تعلم. وأما فصاحتهم فبديعة جدا ودعاؤهم كثير التخشيع للنفوس والله يصلح أحوالهم وأحوال جميع عباده بمنه.

стр. 146

عود إلى العمرة والعمرة في هذا الشهر كله متصلة ليلا ونهارا رجالا ونساء لكن المجتمع كله إنما كان في الليلة الأولى وهي ليلة الموسم عندهم والبيت الكريم يفتح كل يوم من هذا الشهر المبارك فإذا كان اليوم التاسع والعشرون منه أفرد للنساء خاصة فيظهر للنساء بمكة في ذلك اليوم احتفال عظيم فهو عندهم يوم زينتهم المشهور المستعد له. وفي يوم الخميس الخامس عشر من الشهر المذكور شاهدنا من الاحتفال للعمرة قريبا من المشهدالأول المذكور في أوله فكان لا يبقى أحد من الرجال والنساء إلا خرج لها وبالجملة فالشهر المبارك كله معمور بأنواع العبادات من العمرة وسواها ويختص أوله ونصفه من ذلك بحظ متميز وكذلك السابع

стр. 147

والعشرون منه. وفي عشي يوم الخميس المذكور كنا جلوسا بالحجر المكرم فما راعنا إلا الأمير مكثر طالعا محرما قد وصل من ميقات العمرة تبركا بذلك اليوم وجريا فيه على الرسم وأبناؤه وراءه محرمين وقد حف به بعض خاصته وبادر المؤذن الزمزمي للحين إلى سطح قبة زمزم داعيا على عادته متناوبا في ذلك مع اخيه صغيره وحانت صلاة العشاء مع فراغ الأمير من طوافه فصلى خلف الإمام الشافعي وخرج إلى المسعى المبارك. وفي يوم الجمعة السادس عشر منه خرجت قافلة كبيرة من الحاج في نحو أربعمائة جمل مع الشريف الداودي إلى زيارة الرسول ﷺ وفي جماديا لثانية قبله كانت أيضا زيارة أخرى لبعض الحجاج في قافلة اصغر من هذه المذكورة وبقيت الزيارة الشوالية والتي مع الحاج العراقي اثر الوقفة إن شاء الله وفي التاسع عشر من شعبان كان انصراف هذه القافلة الكبيرة في كنف السلامة والحمد لله.

стр. 148

عمرة الأكمة وفي ليلة الثلاثاء السابع والعشرين منه أعني من رجب ظهر لأهل مكة أيضا احتفال عظيم في الخروج إلى العمرة لم يقصر عن الاحتفال الأول فانجفل الجميع إليها تلك الليلة رجالا ونساء على الصفات والهيئات المتقدمة الذكر تبركا بفضل هذه الليلة لأنها من الليالي الشهيرة الفضل فكانت مع صبيحتها عجبا في الاحتفال وحسن المنظر جعل الله ذلك كله خالصا لوجه الكريم. وهذه العمرة يسمونها عمرة الأكمة لأنهم يحرمون فيها من أكمة إمام مسجد عائشة ﵂ بمقدار غلوة وهي على مقربة من المسجد المنسوب لعلي ﵇.

стр. 149

والأصل في هذه العمرة الأكمة عندهم أن عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما لما فرغ من بناء الكعبة المقدسة خرج ماشيا حافيا معتمرا وأهل مكة معه فانتهى إلى تلك الأكمة فأحرم منها وكان ذلك في اليوم السابع والعشرين من رجب وجعل طريقه على ثنية الحجون المفضية إلى المعلى التي كان دخول المسلمين يوم فتح مكة منها حسبما تقدم ذكره فبقيت تلك العمرة سنة عند أهل مكة في ذلك اليوم بعينه وعلى تلك الأكمة بعينها. وكان يوم عبد الله رضى الله عن مذكروا مشهورا لأنه اهدى فيه كذا وكذا بدنة عددا لم تتحصل صحته فكنت أثبته لكنه بالجملة كثير. ولم يبق من أشراف مكة وذوي الاستطاعة فبها إلا من اهدى وأقام أهلها أياما يطعمون ويطعمون ويتنعمون وينعمون شكرا لله على ما وهبهم من المعونة والتيسير في بناء بيته الحرام على الصفة التي كان عليها مدة الخليل إبراهيم ﷺ فنقضها الحجاج نعمة الله وأعادها على ما كنت عليه مدة قريش لأنهم كانوا اقتصروا في بنائه عن قواعد إبرهيم ﷺ وأبقى نبينا محمد ﷺ ذلك على حاله لحدثان عهدهم بالكفر حسب ما ثبت في رواية رضى الله عنها في موطأ مالك بن أنس رضى الله عنه.

стр. 150

يوم طواف النساء وفي اليوم التاسع والعشرين منه وهو يوم الخميس أفرد البيت للنساء خاصة فاجتمعن من كل أوب وقد تقدم احتفالهن لذلك بأيام كاحتفالهن للمشاهد الكريمة ولم تبق أمرأة بمكة إلا حضرت المسجد الحرام ذلك اليوم. فلما وصل الشيبيون لفتح البيت الكريم على العادة أسرعوا في الخروج منه وأفرجوا للنساء عنه وأفرج الناس لهن عن الطواف وعن الحجر ولم يبق

стр. 151

حول البيت المبارك أحد من الرجال وتبادر النساء إلى الصعود حتى كاد الشيبيون لا يخلصون بينهن عند هبوطهم من البيت الكريم وتسلسل النساء بعضهن ببعض وتشابكن حتى تواقعن فمن صائحة ومعولة ومكبرة ومهللة وظهر من تزاحمهن ما ظهر من السرو إليمنيين مدة مقامهم بمكة وصعودهم يوم فتح البيت المقدس وأشبهت الحال الحال وتمادين على ذلك صدرا من النهار وانفسحن في الطواف والحجر وتشفين من تقبيل الحجر واستلام الأركان وكان ذلك اليوم عند هن الأكبر ويومهن الأزهر الأشهر نفعهن الله به وجعله خالصا لكريم وجهه. وبالجملة فهن مع الرجال مسكينات مغبونات يرين البيت الكريم ولا يجلنه ويلحظن الحجر المبارك ولا يستملنه فحظهن من ذلك كله النظر والأسف المستطير المستشعر فليس لهن سوى الطواف على البعد وهذا اليوم الذي هو من عامالى عام فهن يرتقبنه ارتقاب أشرف الأعياد ويكثرن له من التأهب والاستعداد والله ينفعهن في ذلك بحسن النية والاعتقاد بمنه وكرمه.

стр. 152

غسيل البيت بماء زمزم وفي اليوم الثاني منه بكر الشيبوين إلى غسله بماء زمزم المبارك بسبب أن كثيرا من النساء ادخلن ابناءهن الصغار والرضع معهن فيتحرى غسله تكريما وتنزيها وازالة لما يحيك في النفوس من هواجس الظنون فيمن ليست له ملكة عقلية تمنعه من أن تصدر عنه حادثة نجس في ذلك الموطن الكريم والمحل المخصوص بالتقديس والتعظيم، فعند انسياب الماء عنه كان كثير من الرجال والنساء يبادرون إليه تبركا بغسل اوجههم وأيديهم فيه وربما جمعوا منه في أوان قد اعدوها لذلك ولم يراعوا العلة التي غسل لها وكان منهم من توقف عن ذلك وربما لحظ الحال لحظة من لا يستجيزها ولا يصوب

стр. 153

العقل في ذلك. وما ظنك بماء زمزم المبارك قد صب داخل بيت الله الحرام وماج في جنبات اركانه الكرام ثم بإزاء المتلزم والركن الأسود المستلم إليس جديرا بأن تتلقاه الافواه فضلا عن الايدي وتغمس فيه الوجوه فضلا عن الأقدام وحاشا لله أن تعرض في ذلك علة تمنع منه أو شبهة من شبهات الظنون تدفع عنه والنيات عند الله تعالى مقبولة والثابرة على تعظيم حرماته برضاه موصولة وهو المجازى على الضمائر وخفيات السرائر لا إله سواه.

стр. 154

شهر شعبان المكرم عرفنا الله بكرته استهل هلاله ليلة السبت التاسع عشر لشهر نونبر١ وفي صبيحته بكر الأمير مكتر إلى الطواف على العادة في ذلك رأس كل شهر مع أخيه وبنيه ومن حرى الرسم باستصحابه من القواد والأشياع والأتباع وعلى الأسلوب المتقدم الذكر والزمزمي يصرخ في مرقبته٢ على عادته متناوبا مع أخيه صغيره. وفي سحر يوم الخيمس الثالث عشر منه وهو أول يوم من دجنبر٣ بعدطلوع الفجر كسف القمر وبدأ الكسوف والناس في صلاة الصبح في الحرم الشريف وعاب مكسوفا وانتهى الكسوف إلى ثلثيه والله يعرفنا حقيقة الاعتبار بآياته.

стр. 155

زيادة ماء زمزم وفي يوم الجمعة الثاني من ذلك اليوم أصبح بالحرم أمر عجيب وذلك أنه لم يبق بمكة صبي إلا وصبحه واجتمعوا كلهم في قبة زمزم وينادون بلسان واحد هللوا وكبروا يا عباد الله فيهلل الناس ويكبرون وربما دخل معهم من عرض العامة١ من ينادى معهم بندائهم والناس والنساء يزدحمون على قبة البئر المباركة لأنهم يزعمون بل يقطعون قطعا جهليا لا قطعا عقليا أن ماء زمزم يفيض ليلة النصف من شعبان. وكانوا على ظن من هلال الشهر لأنه قيل إنه رؤى ليلة الجمعة في جهة اليمن. فبكر الناس إلى القبة وكان فيها من الازدحام ما لم يعهد مثله ومقصد الناس في ذلك الترك بذلك الماء المبارك الذي قد ظهر فيضه والسقاة فوق التنور يستقون يفيضون على رؤوس الناس الماء بالدلاء قدفا فمنهم من يصببنه في وجهه ومنهم من يصيبه في رأسه إلى غير ذلك وربما تمادى لشدة نفوذه من أيديهم والناس مع ذلك يستزيدون ويبسكون والنساء من جهة أخرى يساجلنهم بالبكاء ويطارحنهم بالدعاء والصبيان يصيحون بالتهليل والتكبير فكان مرأى هائلا مسموعا رائعا لم يتخلص للطائفين بسنة الطواف ولا للمصلين صلاة لعلو تلك الأصوات واشتغال الأسماع والأذهان بها. ودخل إلى القبة المذكورة احدنا ذلك اليوم فكان من الزحام عنتا ومشقة فسمع الناس يقولون زاد الماء سبع اذرع فجعل يقصدالى من يتوسم فيه بعض عقل ونظر من ذوي السبال٢ البيض فيسأله عن ذلك فيقول وأدمعه تسيل: نعم زاد الماء سبع أذرع لا شك في ذلك فيقول أعن خبرة وحقيقة؟

стр. 156

فيقول: نعم ومن العجيب أن كان منهم من قال إنه بكر سحر يوم الجمعة المذكور فألقى الماء قد قارب التنور بنحو القامة فيا عبجا لهذا الاختراع الكاذب نعوذ بالله من الفتنة! وكان من الاتفاق أن اعتنينا بهذا الأمر لغلبة الاستفاضة التي سمعناها في ذلك واستمرارها من سوالف الأزمنة عند عوام أهل مكة. فتوجه منا ليلة الجمعة من أدلى دلوه في البئر المباركة إلى أن ضرب في صفح الماء وانتهى الحبل إلى حافة التنور عقد فيه عقدا يصح عند نا القياس به في ذلك. فلما كان في صبيحتها وتنادى الناس بالزيادة الزيادة الظاهرة خلص أحد نا في ذلك الزحام على صعوبة ومعه من استصحب الدول وأدلاه فوجد القياس على حاله لم ينقص ولم يزد بل كان من العجب أن عاد المقياس ليلة السبت فالقاه قد نقص يسيرا لكثرة ما امتاح الناس منه ذلك اليوم فلو امتيح من البحر لظهر النقص فيه فسبحان من خص ذلك الماء بما خص به من البركة ووضع فيه من المنفعة. وفي صبيحة يوم السبت الخامس عشر منه تتبعنا هذا القياس استراء لصحة الحال فوجدناه على ما كان عليه ولو أن لافظا يلفظ ذلك اليوم بأنه لم يزد لصب في لابئر صبا أو لداسته الأقدام حتى تذيبه نعوذ بالله من غلبات العوام واعتدائها وركوبها جوامح أهوائها.

стр. 157

ليلة النصف من شعبان وهذه الليلة المباركة أعني ليلة الصنف من شعبان عند أهل مكة معظمة للأثر الكريم الوارد فيها فهم يبادرون فيها إلى أعمال البر من العمرة والطواف والصلاة أفرادا وجماعة فينقسمون في ذلك أقساما مباركة؛ فشاهدنا ليلة السبت التي هي ليلة النصف حقيقة احتفالا عظيما في الحرم المقدس إثر صلاة العتمة،

стр. 158

جعل الناس يصلون فهيا جماعات جماعات تراويح يقرأون فيها بفاتحة الكتاب وبقل هو الله أحد عشر مرات في كل ركعة إلى أن يكلموا خمسين تسليمة بمائة ركعة، قد قدمت كل جماعة إماما وبسطت الحصر وأوقدت الشمع وأشعلت المشاعل وأسرجت المصابيح ومصباح السماء الأزهر الأقمر قد أفاض نورده على الأرض وبسط شعاعه فتلاقت الأنوار في ذلك الحرم الشريف الذي هو نور بذاته فيا لك مرأى لا يتخيله المتخيل ولا يتوهمه المتوهم! فأقام الناس تلك الليلة على أقسام فطائفة التزمت تلك التراويح مع الجماعة وكانت سبع جماعات أو ثمانيا وطائفة التزمت الحجر المبارك للصلاة على انفراد وطائفة خرجت للاعتمار وطائفة آثرت الطواف على هذا كله أغلبها المالكية فكانت من الليالي الشهيرة المأمولة أن تكون من غرر القربات ومحاسنها نفع الله بها ولا أخلى من بركتها وفضلها وأوصل إلى هذه المثابة المقدسة كل شيق إليها بمنه. وفي تلك الليلة المباركة شاهد أحمد بن حسان منا أمرا عجيبا هو من غرائب الأحاديث المأثورات في رقة النفوس وذلك إنه أصابه النوم عند الثلث الباقي من الليل فأوى إلى المصطبة التي تحف بها قبة زمزم مما يقابل الحجر الأسود وباب البيت فاستلقى فيها لينام فإذا بإنسان من العجم قد لجس على المصطبة بإزائه مما يلي رأسه فجعل يقرأ بتشويق وترقيق ويتبع ذلك بزفير وشهيق أحسن قراءة وأوقعها في النفوس وأشدها تحريكا للساكن فامتنع المذكور من المنام استمتاعا بحسن ذلك المسموع وما فيه من التشويق والتخشيع إلى أن قطع القراءة وجعل يقول: إن كان سوء الفعال ابعدني ... فحسن ظني إليك قربني ويردد ذلك بلحن يتصدع له الجماد وينشق عليه الفؤاد ومضى في ترديد ذلك البيت ودموعه تكف وصوته ترق وتضعف١ إلى أن وقع في نفس أحمد

стр. 159

ابن حسان المذكور أنه سيغشى عليه فما كان بين اعتراض هذا الخاطر في نفسه وبين وقوع الرجل مغشيا عليه من المصطبة إلى الأرض إلا كلا ولا١ وبقي ملقى كأنه لقى٢ لا حراك به. فقام ابن حسان مذعورا لهول ما عاينه مترددا في حاية الرجل أو موته لشدة تلك الوجبة٣ والموضع من الأرض بائن الارتفاع وقام أحد من كان بإزائه نائما وأقاما متحيرين ولم يقدما على تحريك الرجل ولا على الدنو منه إلى أن اجتازت أمرأة أعجمية وقالت: هكذا تتركون هذا الرجل على مثل هذا الحال؟ وبادرت إلى شيء من ماء زمزم فنضحت به وجهه ودنا المذكوران منه وأقاماه فعند ما أبصرهما زوى وجهه للحين عنهما مخافة أن تثبت له صفة في أعينهما وقام من فوره أخذا إلى جهة باب بنى شيبة. وبقيا متعجبين مما شاهداه وعض ابن حسان بنان الأسف على ما فاته من بركة دعائه إذ لم يمكنه الحال استدعاءه منه وعلى أنه لم تثبت له صورة في نفسه فكان يتبرك به متى لقيه. ومقامات هؤلاء الأعاجم في رقة الأنفس وتأثرها وسرعة انفعالها وشدة مجاهداتها في العبادات وطول مثابرتها على أفعال البر وظهور بركاتها مقامات عجيبة شريفة والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. وفي سحر يوم الخيمس الثالث عشر من الشهر المذكور كسف القمر وانتهى الكسوف منه إلى مقدار ثلثيه وغاب مكسوفا عند طلوع الشمس والله يلهمنا الاعتبار بآياته.

стр. 160

شهر رمضان المعظم عرفنا الله بركته استهل هلاله ليلة الإثنين التاسع عشر لدجنبر عرفنا الله فضله وحقه ورزقنا القبول فيه وكان صيام أهل مكة له يوم الأحد بدعوى في رؤية الهلال لم تصح لكن أمضى الأمير ذلك ووقع الإيذان بالصوم بضرب دبادبة ليلة الأحد المذكور لموافقته مذهبه ومذهب شيعته العلويين ومن إليهم لأنهم يرون صيام يوم الشك فرضا حسبما يذكر والله أعلم بذلك. ووقع الاحتفال في المسجدالحرام لهذا الشهر المبارك وحق ذلك من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعيل وغير ذلك من الآلات حتى تلألأ الحرم نورا وسطع ضباء وتفرقت الأئمة لإقامة التراويح فرقا فالشافعية فوق كل فرقة منها قد نصبت إماما لها في ناحية من نواحي المسجد والحنبلية كذلك والحنفية كذلك الزيدية؛ وأما المالكية فاجتمعت على ثلاثة قراء يتناوبون القراءة وهي في هذا العام أحفل جمعا وأكثر شمعا لأن قوما من التجار المالكيين تنافسوا في ذلك فجلبوا لإمام الكعبة شمعا كثيرا من أكبره شمعتان نصبتا أمام المحراب فيهما قنطار وقد حفت بهما شمع دونهما صغار وكبار فجاءت جهة المالكية تروق حسنا وترتمي الأبصار نورا وكاد لا يبقى في المسجد زاوية ولا ناحية إلا وفيها قارئ يصلى بجماعة خلفه فيرتج المسجد لأصوات القرأة من كل ناحية فتعاين الأبصار وتشاهد الأسماع من ذلك مرأى ومستمعا تنخلع له النفوس خشيبية ورقة. ومن الغرباء من اقتصر على الطواف والصلاة في الحجر ولم يحضر التروايح ورأى أن ذلك أفضل ما يغتنم وأشرف عمل يلتزم وما بكل مكان يوجد الركن الكريم والمتلزم. والشافعي في التراويح أكثر الأئمة اجتهادا وذلك أنه يكمل التراويح المعتادة التي هي عشر تسليمات ويدخل الطواف مع جماعة فإذا فرغ من

стр. 161

الأسبوع١ وركع عاد لاقامة تراويح أخر وضرب بالفرقعة الخطيبة المقتدمة الذكر ضربة يسمعها المسجد لعلو صوتها كأنها إيذان بالعود إلى الصلاة فإذا فرغوا من تسليمتين عادوا لطواف أسبوع فإذا أكلموه ضربت الفرقعة وعادوا لصلاة تسلميتين ثم عادوا للطواف هكذا إلى أن يفرغوا من عشر تسليمات فيكمل لهم عشرون ركعة ثم يصلون الشفع والوتر وينصرفون. وسائر الأئمة لا يريدون على العادة شيئا والمتناوبون لهذه التروايح المقامية خمسة أئمة أولهم إمام الفريضة وأوسطهم صاحبنا الفقيه الزاهد الورع أبو جعفر بن علي الفنكي القرطبي وقراءته ترق الجمادات خشوعا. وهذه الفرقعة المذكورة تستعمل في هذا الشهر المبارك وذلك أنه يضرب بها ثلاث ضربات عند الفراغ من أذان المغرب ومثلها عند الفرغ من أدان العشاء الآخرة وهي لا محالة من حملة البدع المحدثة في هذا المسجد المعظم قدسه الله. والمؤذن الزمزمي يتولى التسحير في الصومعة التي في الركن الشرقي من المسجد بسبب قربها من دار الأمير، فيقوم في وقت السحور فيها داعيا ومذكرا ومحرضا على السحور ومعه أخوان صغيران يجاوبانه ويقاولأنه وقد نصبت في أعلى الصومعة خشبة طويلة في رأسها عود كلاذراع وفي طرفيه بكرتان صغيرتان ترفع عليها قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يقدان مدة التحسير. فإذا قرب تبيين خيطي الفجر ووقع الإيذان بالقطع مرة بعد مرة حط المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ بالأذان وثوب٢ المؤذنون من كل ناحية بالأذان. وفي ديار مكة كلها سطوح مرتفعة فمن لم يسمع نداء التسحير ممن يبعد مسكنه من المسجد يبصر القنديلين يقدان في أعلى الصومعة فإذا لم يبصرهما علم أن الوقت قد انقطع.

стр. 162

سيف الإسلام وفي ليلة الثلاثاء الثاني من الشهر مع العشي طاف الأمير مكثر بالبيت مودعا وخرج للقاء الأمير سيف الإسلام طغتكين بن أيوب اخى صلاح الدين وقدتقدم الخبر بورود من مصر منذ مدة ثم تواتر إلى أن صح وصوله إلى الينبوع١ وأنه عرج إلى المدينة لزيارة الرسول ﷺ وتقدمت أثقاله إلى الصفراء٢ والمتحدث به في وجهته قصد اليمن لاختلاف وقع فيها وفتنة حدثت من أمرائها لكن وقع في نفوس المكيين منه إيجاس خيفة واستشعار خشية فخرج هذا الأمير المذكور متلقيا مسلما وفي الحقيقة مستسلما والله تعالى يعرف السلمين خيرا. وفي ضحوة يوم الأربعاء الثالث من الشهر المبارك المذكور كنا جلوسا بالحجر المكرم فسمعنا دبادب الأمير مكثر وأصوات نساء مكة تولون عليه فبينا نحن كذلك دخل منصرفا من لقاء الأمير سيف الإسلام المذكور وطائفا بالبيت المكرم طواف الستليم والناس قد أظهروا الاستبشار لقدومه والسرور بسلامته وقد شاع لاخبر ينزول سيف الإسلام الزاهر وضرب أبنيته فيه ومقدمته من العسكر قد وصلت اى الحر وزاحمت الأمير مكثرا في الطواف. فبينا الناس ينظرون إليهم إذ سمعوا ضوضاء عظيمة وزعقات هائلة فما راعهم إلا الأمير سيف الإسلام داخلا من باب بني شيبة ولمعان السيوف أمامه يكاد يحول بين الأبصار وبينه والقاضي عن يمينه وزعيم الشيبيين عن يساره والمجسد قد ارتج وغص بالنظارة والوافدين والأصوات بالرعاء له ولأخيه صلاح الدين قد علت من الناس حتى صكت الأسماع وأذهلت الأذهان؛

стр. 163

والزمزمي المؤذن في مرقبته رافعا عقيرته بالدعاء له والثناء عليه وأصواب الناس تعلو على صوته والهول قد عظم مرأى ومستعما. فلحين دنو الأمير من البيت المعظم اغمدت السيوف وتضاءلت النفوس وخلعت ملابس العزة وذلت الأعناق وخضعت الرقاب وطاشت الألباب مهابة وتعظيما لبيت ملك المولك العزيز الجبار ألواح د القهار مؤتى الملك من يشاء ونازع الملك ممن يشاء سبحانه جلت قدرته وعز سلطانه. ثم تهافتت هذه العصابة الغزية على بيت الله العتيق تهافت الفراش على المصباح وقد نكس أذقانهم لاخضوع وبلت سبالهم الدموع وطاف القاضي وزعيم الشيبيين بسيف الإسلام والأمير مكثر قد غمره ذلك الزحام فأسرع في الفراغ من الطواف وبادر إلى منزله. وعند ما أكمل سيف الإسلام طوافه صلى خلف المقام ثم دخل قبة زمزم فشرب من مائها ثم خرج على باب الصفا إلى السعي فابتدأه ماشيا على قدميه تواضعا وتذللا لمن يجب التواضع له واليوف مصلوته مامه وقد صطف الناس من أول المسعى إلى آخره سماطين مثل ما صنعوا أيضا في الطواف فسعى على قدميه طريقين من الصفا إلى المروة ومنها إلى الصفا وهرول بين الميلين الأخضرين ثم قيده الإعياء فركب وأكمل السعى راكبا وقد حشر الناس ضحى. ثم عاد هذا الأمير إلى المسجدالحرام على حالته من الأرهاب والهيبة وهو يتهادى بين بروق خواطف السيوف المصلتة وقد بادر الشيبيون إلى باب البيت المكرم ليفتحوه ولم يكن يوم فتحه وضم الكرسي الذي يصعد عليه فرقى الأمير فيه وتنأول زعيم الشيبين فتح الباب فإذا المفتاح قد سقط من كمه في ذلك الزحام فوقف وقفة دهش مذعور ووقف الأمير على الأدراج فيسر الله للحين في وجود المفتاح ففتح الباب الكريم ودخل الأمير وحده مع الشبي وأغلق الباب وبقى وجوه الاغزاز وأعيانهم مزدحمين على

стр. 164

ذلك الكرسي فبعد لأي ما فتح لا مرائهم المقربين فدخلوا. وتمادى مقام سيف الإسلام في البيت الكريم مدة طويلة ثم خر ج وانفتح الباب للكافة منهم فياله من ازدحام وتراكم وانتظام حتى صاروا كالعقد المستطيل وقد اصتلوا وتسلسلوا فكان يومهم أشبه شيء بأيام السرو في دخولهم البيت حسبما تقدم وصفه وركب الأمير سيف الإسلام وخرج إلى مضرب ابنيته بالموضع المذكور وكان هذا اليوم بمكة من الأيام الهائلة المنظر العجيبة المشهد الغريبة الشان فسبحان من لا يقنضى ملكه ولا يبيد سلطانه لا إله سواه. وصحب هذا الأمير جملة من حجاج مصر وسواها اغتناما لطريق البر والأمن فوصلوا في عافية وسلامة والحمد لله. وفي ضحوة يوم الخيس بعده كنا أيضا بالحجر المكرم فإذا بأصوات طبول ودبادب وبوقات قد قرعت الأذان وارتجت لها نواحي الحرم الشريف فبينا نحن نتطلع لاستعلام خبرها طلع علينا الأمير مكثر وغاشيته١ الأقربون حوله وهو رافل في حلة ذهب كأنها لجمر المتقد يسحب أذيالها وعلى رأسه عمامة شرب٢ رقيق سحابي اللون قد علا كورها٣ على رأسه كانها سحابة مركومة وهي مصفحة بالذهب وتحت الحلة خلعتان من الديبقى المرسوم البديع الصنعة خلعها عليه الأمير سيف الإسلام فوصل بها فرحا جذلان والطبول والدبادب تشيعه عن أمر سيف الإسلام إشادة بتكرمته واعلاما بمأثره منزلته فطاف بالبيت لمكرم شكرا لله على ما وهبه من كرامة هذا الأمير بعد أن كان اوجس في نفسه خيفة منه والله يصلحه ويوفقه بمنه. وفي يوم الجمعة وصل الأمير سيف الإسلام للصلاة أول الوقت وفتح البيت المكرم فدخله مع الأمير مكثر وأقاما به مدة طويلة ثم خرجا وتزاحم

стр. 165

الغز للدخول تزاحما أبهت الناظرين حتى أزيل الكرسي الذي يصعد عليه فلم يغن عن ذلك شيئا وأقاموا على الازدحام في الصعود باشالة بعضهم على بعض وداموا على هذه الحالة إلى أن وصل الخطيب فخرجوا لاستماع الخطبة وأغلق الباب. وصلى الأمير سيف الإسلام عم الأمير مكثر في القبة العباسية فلما انقضت الصلاة خرج على باب الصفا وركب إلى مضرب أبنيته. وفي يوم الأربعاء العاشر منه خرج الأمير المذكور بجنوده إلى اليمن والله يعرف أهلها من المسلمين في مقدمه خيرا بمنه.

стр. 166

تراويح رمضان وهذا الشهر المبارك قد ذكرنا اجتهاد المجاورين للحرم الشريف في قيامه وصلاة تراويحه وكثرة الأئمة فيه وكل وتر من الليالي العشر الأواخر يختم فيها القرآن فأولها ليلة إحدى وعشرين ختم فيها أحد أبناء أهل مكة وحضر الختمة القاضي وجماعة من الاشياخ فلما فرغوا منها قام الصبي فيهم خطيبا ثم استدعاهم أبو الصبي المذكور إلى منزله إلى طعام وحلوا قد أعدهما واحتفل فيهما. ثم بعد ذلك ليلة ثلاث وعشرين وكان المختتم فيها أحد أبناء المكيين ذوي إليسار غلاما لم يبلغ سنه الخمس عشرة سنة فاحتفل أبوه لهذه الليلة احتفالا بديعا وذلك أنه أعد له ثريا مصنوعة من الشمع مغصنة قد انتظمت أنواع الفواكه الرطبة واليابسة واعد إليها شمعا كثيرا ووضع في وسط الحرم مما يلي باب بنى شيبة شبيه المحراب المربع من أعواد مشرجبة قد أقيم على قوائم أربع وربطت في أعلاه عيدان نزلت منها قناديل واسرجت في أعلاها مصابيح ومشاعيل وسمر دائر المحراب كله بمسامير حديدة الأطراف غرز

стр. 167

فيها الشمع فاستدار المحراب كله واوقدت الثريا المغصنة ذات الفواكه، وأمعن الاحتفال في هذا كله ووضع بمقربة من الحراب منبر مجلل بكسوة مجزعة مختلفة الألوان وحضر الإمام الطفل فصل التروايح وختم وقد انحشد أهل المسجد الحرام إليه رجالا ونساء وهو في محرابه لا يكاد يبصر من كثرة شعاع الشمع المحدق به. ثم برز من محرابه رافلا في أفخر ثيابه بهيبة إمامية وسكينة غلامية مكحل العينين مخضوب الكفين إلى الزندين فلم يستطع الخلوص إلى مبنره من كثرة الزحام فأخذه أحد سدنة تلك الناحية في ذراعه حتى القاه على ذروة منبره فاستوى مبتسما وأشار على الحاضرين مسلما. وقعد بين يديه قراء فابتدروا القراءة على لسان واحد فلما اكملوا عشرا من القرآن قام الخطيب فصدع بخطبة يحرك لها أكثر النفوس من جهة الترجيع لا من جهة التذكير والتخشيع وبين يديه في درجات المنبر نفر يمسكون أنوار الشمع في أيديهم ويرفعون اصواتهم بيارب يا رب عند كل فصل من فصول الخطبة يكررون ذلك والقراء يبتدرون القراءة في أثناء ذلك فيسكت الخيطب إلى أن يفرغوا ثم يعود لخطبته وتمادى فيها متصرفا في فنون من التذكير. وفي أثنائها اعترضه ذكر البيت العتيق كرمه الله فحسر عن ذراعيه مشيرا إليه وأردفه بذكر زمزم والمقام فاشار إليهما بكلتا اصبعيه ثم ختمها يتوديع الشهر المبارك وترديد السلام عليه ثم دعا للخليفة ولكل من جرت العادة بالدعاء له من الأمراء ثم نزل وانفض ذلك الجمع العظيم وقد استظرف ذلك الخطيب واستنبل وإن لم تبلغ الموعظة من النفوس ما أمل والتذكرة إذا خرجت من اللسإن لم تتعد مسافة الآذان. ثم ذكر أن المعينين من ذلك الجمع كالقاضي وسواه خصوا بطعام حفيل وحلوا على عادتهم في مثل هذا المجتمع وكانت لأبي الخطيب في تلك الليلة نفقة واسعة في جميع ما ذكر.

стр. 168

ثم كانت ليلة خمس وعشرين فكان المختتم فيها الإمام الحنفي وقد أعد ابنا له لذلك سنه نحو من سن الخطيب الأول المذكور فكان احتفال الإمام الحنفي لابنه في هذه الليلة عظيما احضر فيها من ثريات الشمع أربعا مختلفات الصنعة منها مشجرة مغصنة مثمرة بأنواع الفواكه الرطبة واليابسة ومنها غير مغصنة فصففت إمام حطيمه وتوج الحطيم بخشب وألواح وضعت أعلاه وجلل ذلك كله سرجا ومشاعيل وشبحا فاستنار الحطيم كله حتى لاح في الهواء كالتاج العظيم من النور وأحضر الشمع في أتوار١ الصفر ووضع المحراب العودى المشرجب فجلل دائرة الأعلى كله شمعا وأحدق الشمع في الأنوار به فاكتنفته هالات من نور ونصب المنبر قبالته مجللا أيضا بالكسوة الملونة. واحتفال الناس لمشاهدة هذا المنظر النير أعظم من الاحتفال الأول. فختم الصبي المذكور ثم برز من محرابه إلى منبره يسحب أذيال الخفر في أثواب رائقة المنظر فتسور منبره واشار بالسلام على الحاضرين وابتدأ خطبته بسكينة ولين ولسان على حالة الحياء مبين فكأن الحال على طفولتها كانت أوقر من الأولى واخشع والموعظة أبلغ والتذكرة أنفع. وحضر القراء بين يديه على الاسم الأول وفي أثناء فصول الخطبة يبتدرون القراءة فيسكت خلال إكمالهم الآية التي انتزعوهات من القرآن ثم يعود إلى خطبته. وبين يديه في درجات المنبر طائفة من الخدمة يمسكون أنوار الشمع بأيديهم ومنهم من يمسك المجمرة يسطع بعرف العود الرطب الموضوع فيها مرة بعد أخرى فعند ما يصل إلى فصل من تذكير أو تخشيع رفعوا أصواتهم بيارب يا رب يكررونها ثلاثا أو أربعا وربما جاراهم في النطق بعض الحاضرين إلى أن فرغ من خطبته ونزل وجرى الإمام اثره على الرسم من الإطعام لمن حضر من أعيان المكان إما باستدعائهم إلى منزله تلك الليلة أو بتوجيه ذلك إلى منازلم.

стр. 169

ثم كانت ليلة سبع وعشرين وهي ليلة الجمعة بحساب يوم الأحد فكانت الليلة الغرءا والختمة الزهراء والهيبة الموفورة الكهلاء١ والحالة التي تمكن عند الله تعالى في القبول والرجاء وأي حالة تؤازي شهود ختم القرآن ليلة سبع وعشرين من رمضان خلف المقام الكريم وتجاه البيت العظيم؟ وإنها لنعمة تتضاءل لها النعم تصاؤل سائر البقاع للحرم. ووقع النظر والاحتفال هذه الليلة المباركة قبل ذلك بيومين أو ثلاثة واقيمت إزاء حطيم إمام الشافعية خشب عظام بائنة الارتفاع موصول بين كل ثلاث منها بأذرع من الأعواد الوثيقة فاتصل منها صف كاد يمسك نصف الحرم عرضا ووصلت بالحطيم المذكور ثم عرضت بينها ألواح طال مدت على الأذرع المذكورة وعلت طبقة منها طبقة أخرى حتى استكلمت ثلاث طبقات فكانت الطبقة العليا منا خشبا مستطيلة مغروزة كلها مسامير محددة الأطراف لاصقا بعضها ببعض كظهر الشهيم٢ نصب عليها الشمع والطبقتان تحتها ألواح مثقوبة ثقبا متصلا وضعت فيها زجاجات المصابيح ذوات الأنابيب المنبعثة من أسافلها. وتدلت من جوانب هذه الألواح والخشب ومن جميع الأذرع المذكورة قنايدل كبا وصغار وتخللها اشباه الاطباق المبسوطة من الصقر قد انتظم كل طبق منها ثلاث سلاسل تقلها في الهواء وخرقت كلها ثقبا ووضعت فيها الزجاجات ذوات الأنابيب من أسفل تلك الاطباق الصفرية لا يزيد منها أنبوب من أنبوب في القد وأوقدت فيها المصابيح فجاءت كأنها موائد ذوات أرجل كثيرة تشتعل نورا، ووصلت بالحطيم الثاني الذي يقابل الركن الجنوبي من قبة زمزم خشب على الصفة المذكورة اتصلت إلى الركن المذكور واوقد المشعل الذي في رأس فحل القبة المذكورة وصففت طرة شباكها شمعا مما يقابل

стр. 170

البيت المكرم. وحف المقام الكريم بمحراب من الأعواد المشرجبة المخرمة محفوفة الأعلى بمسامير حديدة الأطراف على الصفة المذكورة جللت كلها شمعا وصنب عن يمين المقام ويساره شمع كبير الجرم في أنوار تناسبها كبرا وصفت تلك الأنوار على الكراسي التي يصرفها السدنة مطالع عند الايفاد وجلل جدار الحجر المكرم كله شمعا في أنوار من الصفر فجاءت كأنها دائرة نور ساطع واحدقت بالحرم المشاعيل واوقد جميع ما ذكر. واحدق بشرفات الحرم كلها صبيان مكة وقد وضعت بيد كل واحد منهم كرة من الخرق المشبعة سليطا١ فوصفوها متقدة في رؤوس الشرفات وأخذت كل بالواحد طائفة منهم ناحية من نواحيها الأربع فجعلت كل طائفة تبارى صاحبتها في سرعة ايقادها فيخيل للناظر أن النار تثب من شرفة إلى شرفة لخفاء اشخاصهم وراء الضوء المرتمي الأبصار وفي أثناء محاولتهم لذلك يرفعون اصواتهم بيارب يا رب على لسان واحد فيرتجج الحرم لأصواتهم. فلما كمل ايقاد الجميع بما ذكر كاد يغشى الأبصار شعاع تلك الأنوار فلا تقع لمحة طرف إلا على نور تشغل حاسة لبصر عن استمالة النظر فيتوهم المتوهم لهول ما يعانيه من ذلك أن تلك الليلة المباركة نزهت لشرفها عن لباس الظلماء فزينت بمصابيح السماء. وتقدم القاضي فصلى فريضة العشاء الآخرة ثم قام وابتدأ بسروة القدر وكان أئمة الحرم في الليلة قبلها قد انتهوا في القراءة إليها وتعطل في تلك الساعة سائر الأئمة من قراءة التراويح تعظيما لختمة المقام وحضروا متبركين بمشاهدتها. وقد كان المقام المطهر أخرج من موضعه المستحدث في البيت العتيق حسبما تقدم الذكر أولا له فيما سلف من هذا التقييد وووضع في محله الكريم المتخذ مصلى مستورا بقبته التي يصلى الناس خلفها فتختم القاضي

стр. 171

بتسليمتين وقام خطيبا مستقبل المقام والبيت العتيق فلم يتمكن سماع الخطبة للازدحام وضوضاء العوام. فلما فرغ من خطبته عاد الأئمة لاقامة تراويحهم وانفض الجمع ونفوسهم قد استطارت خشوعا واعينهم قد سالت دموعا والأنفس قد اشعرت من فضل تلك الليلة المباركة رجاء مبشرا بن الله تعالى بالقبول ومشعرا أنها ولعلها ليلة القدر المشرف ذكرها في التنزيل والله لا يخلى الجميع من بركة مشاهدتها وفضل معاينتها أنه كريم منان لا إله سواه. ثم ترتبت قراءة أئمة المقام الخمسة المذكورين أولا بعدهذه الليلة المذكورة بآيات ينتزعونها من القرآن على اختلاف السور تتضمن التذكير والتحذير والتبشير بحسب اختيار كل واحد منهم ورسم طوافهم إثر كل تسليمتين باق على حاله والله ولى القبول من الجميع. ثم كانت ليلة تسع وعشرين منه فكان المختتم فيها سائر أئمة التروايح ملتزمين رسم الخطبة اثر الختمة والمشار إليه منهم المالكي فتقدم باعداد أعواد بإزاء محرابه نصبها ستة على هيئة دارة محراب مرتفعة عن الأرض بدون القامة يعترض على كل اثنين منها عود مبسوط فأدير بالشمع أعلاها وأحدق اسفلها ببقايا شمع كثير قدتقدم ذكره عند ذكر أول الشهر المبارك. وأحدق أيضا داخل تلك الدائرة شمع آخر متوسط فكان منظرا مختصرا ومشهدا عن احتفال المباهاة منزها موقرا رغبة في احتفال الأجر والثواب ومناسبة لموضع هيئة المحراب نصبت للشمع فيه عرضا من الأنوار أثافي١ من الأحجار فجاءت الحال غريبة في الاختصار خارجة عن محفل التعاظم والاستكبار داخلة مدخل التواضع والاستصغار. واحتفل جميع المالكية للختمة فتناوبها أئمة التراويح فقضوا صلاتهم

стр. 172

سراعا عجالا كاد يلتقى طرفاها خفوفا واستعجالا ثم تقدم أحد هم فعقد حبوته١ بين تلك الأثافي وصدع بخطبة منتزعة من خطبة الصبي ابن الإمام الحنفي فأرسلها معادة إلى الأسماع ثقيلا لحنها على الطباع ثم انقض الجمع وقد جمد في شئونه٢ الدمع واختطف للحين من أثافيه ذلك الشمع اطلقت عليه أيدي الانتهاب ولم يكن في الجماعة م يستحي منه أو يهاب وعند الله تعالى في ذلك الجزاء والثواب أنه سبحانه الكريم الوهاب. وانتهت ليالي الشهر ذأهبة عنا بسلام جعلنا الله ممن طهر فيها من الآثام ولا أخلانا من فضل القبول ببركة صومه في جوار الكعبة البيت الحرام وختم الله لنا ولجميع أهل الملة الحينفية بالوفاة على الإسلام وأوزعنا٣ حمدا بحق هذه النعمة وشكرا وجعلها للمعاد لنا دخرا ووفانا عليها ثوابا من لديه وأجرا يرجى بفضله وكرمه أنه يضيع لديه أيام اتخذ لصيامها ماء زمزم فطرا إنه الحنان المنان لا رب سواه.

стр. 173

شهر شوال عرفنا الله بركته استهل هلاله ليلة الثلاثاء السادس عشر من ينير٤ يمن الله مطلعه ورزقنا بركته وهذا الشهر المبارك هو فاتحة أشهر الحج المعلومات وبعده تتصل ثلاثة الأشهر الحرم المباركات وكانت ليلة استهلال هلاله من الليالي الحفيلة في المسجدالحرام زاده الله تكريما جرى الرسم في ايقادمشاعله وثرياته وشمعه على الرسم المذكور ليلة سبع وشعرين من رمضان المعظم،

стр. 174

وأوقدت الصوامع من الأربع جهات من الحرم وأوقد سطح المسجد الذي في أعلى جبل أبي قبيس وأقام المؤذن ليلته تلك في أعلى سطح قبة زمزم مهللا ومبكرا ومسبحا وحامدا وأكثر الأئمة تلك الليلة أحيا وأكثر الناس على مثل تلك الحال بين طواف وصلاة وتهليل وتكبير يقبل الله من جميعهم إنه سميع الدعاء كفيل بالرجاء سبحانه لا إله سواه.

стр. 175

عيد رمضان فلما كان صبيحتها وقضى الناس صلاة الفجر لبس الناس أثواب عيدهم وبادروا لأخذ مصافهم لصلاة العيد بالمسجد الحرام لأن السنة جرت بالصلاة فيه دون مصلى يخرج الناس إليه رغبة في شرف البقعة وفضل بكرتها وفضل صلاة الإمام خلف المقام ومن يأتم به. فأول من بكر الشيبيون وفتحوا باب الكعبة المقدسة وأقام زعيمهم جالسا في العتبة المقدسة وسائر الشيبيين داخل الكعبة إلى أن احسو بوصول الأمير مكثر فنزلوا إليه وتلقوه بمقربة من باب النبي ﷺ فانتهى إلى البيت المكرم وطاف حوله اسبوعا والناس قد احتلفوا لعبدهم والحرم قد غص بهم والمؤذن الزمزمي فوق سطح القبة على العادة رافعا صوته بالثناء عليه والدعاء له متناوبا في ذلك مع أخيه. فلما اكمل الأمير الأسبوع عمد إلى مصطبة قبة زمزم مما قابل الكرن الأسود فقعد بها وبنوه عن يمينه ويساره ووزيره وحاشيته وقوف على رأسه وعاد الشيبوين لمكانهم من البيت المكرم يلحظهم الناس بابصار خاشعة للبيت غابطة لمحلهم منه ومكانهم ن حجابته وسدانته فسبحان من خصهم بالشرف في خدمته وحضر الأمير من خاصته شعراء أربعة فأنشدوه واحدا ثر واحد إلى أن فرغوا من إنشادهم. وفي أثناء ذلك تمكن وقت الصلاة وكان ضحى من النهار فأقبل القاضي

стр. 176

الخطيب يتهادى بين رايتيه السوداوين والفرقعة المتقدم ذكرها أمامه وقد صك الحرم صوتها وهو لابس ثياب سواده فجاء إلى المقام الكريم وقام الناس للصلاة فلما قضوها رقى المنبر وقد الصق إلى موضعه المعين له كل جمعة من جدار الكعبة لمكرمة حيث الباب الكريم شارعا فخطب خطبة بليغة والمؤذنون قعود دونه في أدراج المنبر فعند افتتاحه فصول الخطبة بالتكبير يكبرون بتكبيره إلى أن فرغ من خطبته. وأقبل الناس بعضهم على بعض بالمصافحة والستليم والتغافر والدعاء مسرورين جذلين فرحين بما آتاهم الله من فضله وبادروا إلى البيت الكريم فدخلوا بسلام آمنين مزدخمين عليه فوجا فوجا فكان مشهدا عظيما وجمعا بفضل الله تعالى مرحوما جعله الله ذخيرة للمعاد كما جعل ذلك العيد الشريف في العمر أفضل الأعياد بمنه وكرمه إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأخذ الناس عند انتشارهم من مصلاهم وقضاء سنة السلام بعضهم على بعض في زيارة الجبانة بالمعلى تبركا باحتساب الخطا الصالحين من الصدر الأول وسواه رضى الله عن جميعهم وحشرنا في زمزرتهم ونفعنا بمحبتهم فالمرء كما قال ﷺ مع من أحب.

стр. 177

مناسك الحج وفي يوم السبت التاسع عشر منه والثالث لفبرير١ صعدنا إلى منى لمشاهدة المناسك المعظمة بها ولمعاينة منزل اكترى لنا فيها إعدادا للمقام بها أيام التشريق إن شاء الله فألفيناها تملأ النفوس بهجة وانشراحا مدينة عظيمة الآثار واسعة الاختطاط عتيقة الوضع قد درست إلا منازل يسيرة

стр. 178

متخذة للنزول تحف بجانبي طريق كأنه ميدان انبساطا وانقساما ممتد الطول. فأول ما يلقى المتوجه إليها عن يساره وبمقربة منها مسجد البيعة المباركة التي كانت أول بيعة في الإسلام عقدها العباس رضى الله عنه للنبي ﷺ على الأنصار حسب المشهور من ذلك. ثم يفضى منه إلى جمرة العقبة وهي أول منى للمتوجه من مكة وعن يسار المار إليها وهي على قارعة الطريق مرتفعة للمتراكم يها من حصى الجمرات ولولا آيات الله البينات فيها لكانت كالجبال الرواسي لما يجتمع فيها على تعاقب الدهور وتوالي الأزمنة لكن الله فيها سر كريم من اسراره الخفيات لا إله سواه وعليها مسجد مبارك وبها علم نصوب شبه اعلام الحرم التي ذكرناها فيجعلها الرامي عن يمينه مستقبلا مكة شرفها الله ويرمى بها سبع حصيات وذلك يوم النحر اثر طلوع الشمس ثم ينحر أو يذبح ويحلق والمحلق حولها والمنحر في كل موضع من منى لأن منى كلها منحر كما قال ﷺ وقد حل له كل شيء إلا النساء والطيب حتى يطوف طواف الإفاضة. وبعد هذه الجمرة العقبية موضع الجمرة الوسطى ولها أيضا علم منصوب وبينهما قدر الغلوة ثم بعدها يلقى الجمرة الأولى ومسافتها منها كمسافة الأخرى. وفي وقت الزوال من ثاني يوم النحر ترمى في الأولى سبع حصيات وفي الوسطى كذلك وفي العقبة كذلك فتلك إحدى وعشرون حصاة وفي الثالث من يوم النحر في الوقت بعينه كذلك على الترتيب المذكور فتلك اثنتان وأربعون حصاة في إليومين وسبع رميت في العقبة يوم النحر وقت طلوع الشمس كما ذكرناه وهي المحللات للحاج ما حرم عليه سوى النساء والطيب فتلك تكمة تسع وأربعين جمرة. وفي إثر ذلك ينفصل الحاج إلى مكة من ذلك اليوم واختصر في هذا الزمان

стр. 179

إحدى وعشرون كانت ترمى في اليوم الرابع على الترتيب المذكور وذلك لاستعجال الحاج خوفا من العرب الشعبيين إلى غير ذلك من محذورات الفتن المغيرات الآثار السن فمضى العمل اليوم على تسع وأربعين حصاة وكانت في القديم سبعين والله يهب القبول لعباده. والصادر من عرفات إلى منى أول ما يلقى الجمرة الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة وفي يوم النحر تكون جمرة العقبة اولى منفردة بسبع حصيات حسبما تقدم ذكره ولا يشترك معها سواها في ذلك اليوم ثم في إليومين بعده ترجع الآخرة على الترتيب حسبما وصفناه بحول الله . وبعد الجمرة الأولى يعرج عن الطريق يسيرا ويلقى منحر الذبيح ﷺ حيث فدى بالذبح العظيم وعلى الموضع المبارك مسجد بمنى وهو بمقربة من سفح ثبير١. وفي موضع المنحر المذكور حجر قد الصق بالجدار المبنى فيه أثر قدم صغيرة يقال إنه أثر قدم الذبيح صلى ﷺ عند تحركه فلان الحجر له بقدرة الله إشفاقا وحنانا فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله. ويفضى من ذلك إلى مسجد الخيف المبارك وهو آخر منى في توجهك أعني من المعمور منها بالبنيان وأما الآثار القديمة فأخذت إلى أبعد غاية إمام المسجد. وهذا المسجد المبارك متسع الساحة كأكبر ما يكون من الجوامع والصومعة وسط رحبة المسجد وله في القبلة أربعة بلاطات يشملها سقف واحد وهو من المساجد الشهيرة بركة وشرف بقعة وكفى بما ورد في الأثر الكريم من أن يقعته الطاهرة مدفن كثير من الأنبياء صلوات الله عليهم. وبمقربة منه عن يمين المار في الطريق حجر كبير مسند إلى صفح٢ الجبل مرتفع عن الأرض يظل ما تحته ذكر أن النبي ﷺ ،

стр. 180

قعد تحته مستظلا ومس رأسه المكرم فيه فلان له حتى اثر فيه تأثيرا بقدر دور الرأس فيبادر الناس لوضع رؤوسهم في ذلك الموضع تبركا واستجارة لها بموضع مسه الرأس المكرم أن لا تمسها النار بقدرة الله . فلما قضينا معاينة هذه المشاهد الكريمة أخذ نا في الانصراف مستبشرين بما وهبنا الله من فضله في مباشرتها ووصلنا إلى مكة قريب الظهر والحمد لله على ما من به. وفي يوم الأحد بعده وهو الموفى عشرين لشوال صعدنا إلى الجبل المقدس حراء وتبركنا بمشاهدة الغار في أعلاه الذي كان النبي ﷺ يتعبد فيه وهو أول موضع نزل فيه الوحي عليه ﷺ ورزقنا شفاعته وحشرنا في زمرته وأماتنا على سنته ومحبته بمنه وكرمه لا رب سواه. وفي ضحوة يوم الثلاثاء الثاني والعشرين منه وهو لسادس من فبراير اجتمع الناس كافة للاستسقاء تجاه الكعبة المعظمة بعد أن ندبهم القاضي إلى ذلك وحرضهم على صيام ثلاثة أيام قبله فاجتمعوا في هذا اليوم الرابع المذكور وقد أخلصوا النيات لله وبكر الشيبيون ففتحوا الباب المكرم من البيت العتيق ثم أقبل القاضي بين رايتيه السوداوين لابسا ثياب البياض وأخرج مقام الخيل إبراهيم ﷺ وعلى نبينا ووضع على عتبة باب البيت لمكرم وأخرج مصحف عثمان ﵁ من خزانته ونشر بإزاء المقام المطهر فكانت دفته الواحدة عليه والثانية على الباب الكريم. ثم نودي في الناس بالصلاة جامعة فصلى القاضي بهم خلف موضع المقام المتخذ مصلى ركعتين قرأ في إحد اهما بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بالغاشية ثم صعد المنبر وقد ألصق إلى موضعه المعهود من جدار الكعبة المقدسة فخطب خطبة بليغة والى فيها الاستغفار ووعظ الناس وذكرهم وخشعهم وحضهم على التوبة والإنابة لله حتى نزفت دمعها العيون
следующие страницы →