الخطيب يتهادى بين رايتيه السوداوين والفرقعة المتقدم ذكرها أمامه وقد صك الحرم صوتها وهو لابس ثياب سواده فجاء إلى المقام الكريم وقام الناس للصلاة فلما قضوها رقى المنبر وقد الصق إلى موضعه المعين له كل جمعة من جدار الكعبة لمكرمة حيث الباب الكريم شارعا فخطب خطبة بليغة والمؤذنون قعود دونه في أدراج المنبر فعند افتتاحه فصول الخطبة بالتكبير يكبرون بتكبيره إلى أن فرغ من خطبته.
وأقبل الناس بعضهم على بعض بالمصافحة والستليم والتغافر والدعاء مسرورين جذلين فرحين بما آتاهم الله من فضله وبادروا إلى البيت الكريم فدخلوا بسلام آمنين مزدخمين عليه فوجا فوجا فكان مشهدا عظيما وجمعا بفضل الله تعالى مرحوما جعله الله ذخيرة للمعاد كما جعل ذلك العيد الشريف في العمر أفضل الأعياد بمنه وكرمه إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأخذ الناس عند انتشارهم من مصلاهم وقضاء سنة السلام بعضهم على بعض في زيارة الجبانة بالمعلى تبركا باحتساب الخطا الصالحين من الصدر الأول وسواه رضى الله عن جميعهم وحشرنا في زمزرتهم ونفعنا بمحبتهم فالمرء كما قال ﷺ مع من أحب.
стр. 177
مناسك الحج
وفي يوم السبت التاسع عشر منه والثالث لفبرير١ صعدنا إلى منى لمشاهدة المناسك المعظمة بها ولمعاينة منزل اكترى لنا فيها إعدادا للمقام بها أيام التشريق إن شاء الله فألفيناها تملأ النفوس بهجة وانشراحا مدينة عظيمة الآثار واسعة الاختطاط عتيقة الوضع قد درست إلا منازل يسيرة
стр. 178
متخذة للنزول تحف بجانبي طريق كأنه ميدان انبساطا وانقساما ممتد الطول.
فأول ما يلقى المتوجه إليها عن يساره وبمقربة منها مسجد البيعة المباركة التي كانت أول بيعة في الإسلام عقدها العباس رضى الله عنه للنبي ﷺ على الأنصار حسب المشهور من ذلك.
ثم يفضى منه إلى جمرة العقبة وهي أول منى للمتوجه من مكة وعن يسار المار إليها وهي على قارعة الطريق مرتفعة للمتراكم يها من حصى الجمرات ولولا آيات الله البينات فيها لكانت كالجبال الرواسي لما يجتمع فيها على تعاقب الدهور وتوالي الأزمنة لكن الله فيها سر كريم من اسراره الخفيات لا إله سواه وعليها مسجد مبارك وبها علم نصوب شبه اعلام الحرم التي ذكرناها فيجعلها الرامي عن يمينه مستقبلا مكة شرفها الله ويرمى بها سبع حصيات وذلك يوم النحر اثر طلوع الشمس ثم ينحر أو يذبح ويحلق والمحلق حولها والمنحر في كل موضع من منى لأن منى كلها منحر كما قال ﷺ وقد حل له كل شيء إلا النساء والطيب حتى يطوف طواف الإفاضة. وبعد هذه الجمرة العقبية موضع الجمرة الوسطى ولها أيضا علم منصوب وبينهما قدر الغلوة ثم بعدها يلقى الجمرة الأولى ومسافتها منها كمسافة الأخرى.
وفي وقت الزوال من ثاني يوم النحر ترمى في الأولى سبع حصيات وفي الوسطى كذلك وفي العقبة كذلك فتلك إحدى وعشرون حصاة وفي الثالث من يوم النحر في الوقت بعينه كذلك على الترتيب المذكور فتلك اثنتان وأربعون حصاة في إليومين وسبع رميت في العقبة يوم النحر وقت طلوع الشمس كما ذكرناه وهي المحللات للحاج ما حرم عليه سوى النساء والطيب فتلك تكمة تسع وأربعين جمرة.
وفي إثر ذلك ينفصل الحاج إلى مكة من ذلك اليوم واختصر في هذا الزمان
стр. 179
إحدى وعشرون كانت ترمى في اليوم الرابع على الترتيب المذكور وذلك لاستعجال الحاج خوفا من العرب الشعبيين إلى غير ذلك من محذورات الفتن المغيرات الآثار السن فمضى العمل اليوم على تسع وأربعين حصاة وكانت في القديم سبعين والله يهب القبول لعباده.
والصادر من عرفات إلى منى أول ما يلقى الجمرة الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة وفي يوم النحر تكون جمرة العقبة اولى منفردة بسبع حصيات حسبما تقدم ذكره ولا يشترك معها سواها في ذلك اليوم ثم في إليومين بعده ترجع الآخرة على الترتيب حسبما وصفناه بحول الله .
وبعد الجمرة الأولى يعرج عن الطريق يسيرا ويلقى منحر الذبيح ﷺ حيث فدى بالذبح العظيم وعلى الموضع المبارك مسجد بمنى وهو بمقربة من سفح ثبير١. وفي موضع المنحر المذكور حجر قد الصق بالجدار المبنى فيه أثر قدم صغيرة يقال إنه أثر قدم الذبيح صلى ﷺ عند تحركه فلان الحجر له بقدرة الله إشفاقا وحنانا فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله.
ويفضى من ذلك إلى مسجد الخيف المبارك وهو آخر منى في توجهك أعني من المعمور منها بالبنيان وأما الآثار القديمة فأخذت إلى أبعد غاية إمام المسجد. وهذا المسجد المبارك متسع الساحة كأكبر ما يكون من الجوامع والصومعة وسط رحبة المسجد وله في القبلة أربعة بلاطات يشملها سقف واحد وهو من المساجد الشهيرة بركة وشرف بقعة وكفى بما ورد في الأثر الكريم من أن يقعته الطاهرة مدفن كثير من الأنبياء صلوات الله عليهم.
وبمقربة منه عن يمين المار في الطريق حجر كبير مسند إلى صفح٢ الجبل مرتفع عن الأرض يظل ما تحته ذكر أن النبي ﷺ ،
стр. 180
قعد تحته مستظلا ومس رأسه المكرم فيه فلان له حتى اثر فيه تأثيرا بقدر دور الرأس فيبادر الناس لوضع رؤوسهم في ذلك الموضع تبركا واستجارة لها بموضع مسه الرأس المكرم أن لا تمسها النار بقدرة الله . فلما قضينا معاينة هذه المشاهد الكريمة أخذ نا في الانصراف مستبشرين بما وهبنا الله من فضله في مباشرتها ووصلنا إلى مكة قريب الظهر والحمد لله على ما من به.
وفي يوم الأحد بعده وهو الموفى عشرين لشوال صعدنا إلى الجبل المقدس حراء وتبركنا بمشاهدة الغار في أعلاه الذي كان النبي ﷺ يتعبد فيه وهو أول موضع نزل فيه الوحي عليه ﷺ ورزقنا شفاعته وحشرنا في زمرته وأماتنا على سنته ومحبته بمنه وكرمه لا رب سواه.
وفي ضحوة يوم الثلاثاء الثاني والعشرين منه وهو لسادس من فبراير اجتمع الناس كافة للاستسقاء تجاه الكعبة المعظمة بعد أن ندبهم القاضي إلى ذلك وحرضهم على صيام ثلاثة أيام قبله فاجتمعوا في هذا اليوم الرابع المذكور وقد أخلصوا النيات لله وبكر الشيبيون ففتحوا الباب المكرم من البيت العتيق ثم أقبل القاضي بين رايتيه السوداوين لابسا ثياب البياض وأخرج مقام الخيل إبراهيم ﷺ وعلى نبينا ووضع على عتبة باب البيت لمكرم وأخرج مصحف عثمان ﵁ من خزانته ونشر بإزاء المقام المطهر فكانت دفته الواحدة عليه والثانية على الباب الكريم. ثم نودي في الناس بالصلاة جامعة فصلى القاضي بهم خلف موضع المقام المتخذ مصلى ركعتين قرأ في إحد اهما بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بالغاشية ثم صعد المنبر وقد ألصق إلى موضعه المعهود من جدار الكعبة المقدسة فخطب خطبة بليغة والى فيها الاستغفار ووعظ الناس وذكرهم وخشعهم وحضهم على التوبة والإنابة لله حتى نزفت دمعها العيون
стр. 181
واستنفدت ماءها الشؤون وعلا الضجيج وارتفع الشهيق والنشيج وحول رداءه وحول الناس أرديتهم ابتاعا للسنة.
ثم انقض الجمع راجين رحمة الله غير قانطين منها والله يتلافى عباده بلطفه وكرمه
وتمادى استسقاؤه بالناس ثلاثة أيام متوالية على الصفة المذكورة وقد نال الجهد من أهل الحجاز وأضر بهم القحط وأهلك مواشيهم الجدب لم يمطروا في الربيع ولا الحريف ولا الشتاء إلا مطرا طلا غير كاف ولا شاف والله لطيف بعباده غير مؤاخذهم بجرائمهم إنه الحنان المنان لا رب سواه.
وفي يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال صعدنا إلى جبل ثور لمعاينة الغار المبارك الذي أوى إليه النبي ﷺ مع صاحبه الصديق ﵁ حسبما جاء في محكم التنزيل العزيز وقد تقدم ذكر هذا الغار وصفته أولا في هذا التقييد وولجناه من الموضع الذي بعسر الولوج منه على البعض من الناس تبركا بمس بشرة البدن بموضع مسه الجسم المبارك قدسه الله لأن مدخل النبي ﷺ كان منه. وكان لأحد الصاعدين إليه ذلك اليوم من المصريين موقف خجلة وفضيحة وذلك إنه رام الولوج فيه على ذلك الموضع الضيق فلم يقدر بحيلة وعاود ذلك مرارا فلم يستطع حتى استوقف الناس ما عاينوه من ذلك وبكوا له إشفاقا ولجأوا إلى الله في الدعاء فلم يغن ذلك شيئا وكان فيهم من هو أضخم منه فيسر الله عليه وطال تعجب الناس منه واعتبارهم.
وأعلمنا بعد انفصالنا في ذلك اليوم بأن هذا الموقف المخجل لثلاثة أناس في ذلك اليوم بعينه عصمنا الله من مواقف الفضيحة في الدنيا والآخرة.
وهذا الجبل صعب المرتقى جدا يقطع الأنفاس تقطيعا لا يكاد يبلغ منتهاه إلا وقد ألقى بالأيدي إعياء وكلالا وهو من مكة على مقدار ثلاثة أميال وعلى ذلك القدر هو جبل حراء منها والله تعالى لا يخلينا من بكرة هذه المشاهد،
стр. 182
بمنه وكرمه.
وطول الغار ثمانية عشر شبرا وسعته أحد عشر شبرا في الوسط منه وفي حافيته ثلثا شبر وعلى الوسط منه يكون الدخول وسعة الباب الثاني المتسع مدخله خمسة أشبار أيضا لأن له بابين حسبما ذكرناه أولا.
وفي يوم الجمعة بعده وصل السرو اليمنيون في عدد كثير مؤملين زيارة قبر الرسول ﷺ وجلبوا ميرة إلى مكة على عادتهم فاستبشر الناس بقدومهم استبشارا كثيرا حتى انهم أقاموه عوض نزول المطر ولطائف إله لسكان حرمه الشريف واسعة إنه سبحانه لطيف بعباده لا إله سواه.
стр. 183
شهر ذي القعدة عرفنا الله يمنه وبركته
استهل هلاله ليلة الأربعاء بموافقة الرابع عشر من شهر فبرير بشهادة ثبتت عند القاضي في رؤيته وأما الأكثر الأغلب من أهل المسجد الحرام فلم يبصروا شيئا وطال ارتفاعهم١ إلى إثر صلاة المغرب وكان منهم من يتخيله فيشير إليه فإذا حققه تلاشى عنده نظره وكذب خبره والله أعلم بصحة ذلك.
وهذا الشهر المبارك ثاني الأشهر الحرم وثاني أشهر الحج أطلع الله هلاله على المسلمين بالأمن والإيمان والمغفرة والرضوان بعزته ورحمته.
стр. 184
مسجد مولد النبي
وفي يوم الإثنين الثالث عشر منه دخلنا مولد النبي ﷺ وهو مسجد حفيل البنيان وكان دارا لعبد الله بن عبد المطلب أبي النبي ﷺ وقد تقدم ذكره. ومولده ﷺ صفة صهريج١ صغير سعته ثلاثة أشبار وفي وسطه رخامة خضراء سعتها ثلثا شبر مطوقة بالفضة فتكون سعتها مع الفضة المتصلة بها شبرا ومسحنا الخدود في ذلك الموضع المقدس الذي هو مسقط لأكرم مولود على الأرض وممس لأطهر سلالة وأشرفها ﷺ ونفعنا ببركة مشاهدة مولده الكريم وبإزائه محراب حفيل القرنصة مرسومة طرته بالذهب وقد تقدم الوصف لهذا كله.
وهذا الموضع المبارك هو شرقي الكعبة متصل بصفح الجبل ويشرف عليه بمقربة منه جبل أبي قبيس وعلى مقربة منه أيضا مسجد عليه مكتوب: هذا المسجد هو مولد علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وفيه تربى رسول الله ﷺ وكان دارا لأبي طالب عم النبي ﷺ وكافله.
стр. 185
المذكور مولد الحسن والحسين ابنيها رضى الله عنهما لاصق بالجدار وسمقط شلو١ الحسن لاصق بمسقط شلو الحسين وعليهما حجران مائلان إلى السواد كأنهما علامتان للمولدين المباركين الكريمين ومسحنا الخدود في هذه المساقط المكرمة المخصوصة بمس بشرات المواليد الكرام رضوان الله عليهم.
وفي الدار المكرمة أيضا مختبأ النبي ﷺ شبيه القبة وفيه مقعد في الأرض عميق شبيه الحفرة داخل في الجدار قليلا وقد خرج عليه من الجدار حجر مبسوط كأنه يظل المقعد المذكور قيل إنه كان الحجر الذي كان غطى النبي ﷺ عند اختبائه في الموضع المذكور صلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين وعلى كل واحد ن هذه الموالد المذكورة قبة خشب صغيرة تصون الموضع غير ثابتة فيه فإذا جاء المبصر لها نجاها ولمس الموضع الكريم وتبرك به ثم أعادها عليه.
وفي يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر المذكور نفذ أمر الأمير مكثر بالقبض على زعيم الشيبيين محمد ابن إسماعيل وانتهاب منزله وصرفه عن حجابة البيت الحرام طهره الله وذلك لهنات نسبت إليه لا تليق بمن نيطت به سدانة البيت العتيق: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ٢﴾ أعاذنا الله من سوء القضاء ونفوذ سهام الدعاء بمنه.
وفي هذه الأيام السالفة من الشهر المذكور تواليى مجيء السرو إليمنيين في رفاق كثيرة بالميرة من الطعام وسواه وضروب الادام والفواكه إليابسة فأرغدوا البلد ولولاهم لكان من اتصال الجدب وغلاء السعر في جهد ومشقة فهم رحمة لهذا البلد الأمين ثم توجهوا إلى الزيارة المباركة إلى التربة المباركة طيبة مدفن رسول الله ﷺ ووصلوا في أسرع مدة،
стр. 186
قطعوا الطريق من مكة إلى المدينة في يسير أيام ومن صحبهم من الحاج حمد صحبتهم وفي أثناء مغيبهم وصلت طوائف أخر منهم للحج خاصة لضيق الوقت عن الزيارة فأقاموا بمكة ووصل الزوار منهم فضاق بهم المتسع.
فلما كان يوم الإثنين السابع والعشرين من الشهر المذكور فتح البيت العتيق وتولى فتحه من الشيبيين ابن عم الشيبي المعزول هو امثل طريقة منه على ما يذكر فازدحم السرو للدخول على العادة فجاءوا بأمر لهم يعهد فيما سلف يصعدون افواجا حتى يغص الباب الكريم بهم فلا يستطيعون تقدما ولا تأخرا إلى أن يلجوا على أعظم مشقة ثم يسرعون الخروج فيضيق الباب الكريم بهم فينحدرا لفوج منهم على المصعد وفوج آخر صاعده فيلتقيه وقد ارتبط بعضهم إلى بعض فربما حمل المنحدرون في صدور الصاعدين وربما وقف الصاعدون للمنحدرين وتضاغطوا إلى أن يميلوا فيقع البعض على البعض فيعاين النظارة منهم مرأى هائلا فمنهم سليم وغير سليم وأكثرهم إنما ينحدرون وثبا على الرؤوس والأعناق.
ومن أعجب ما شاهدناه في يوم الإثنين المذكور أن صعد بعض من الشيبيين أثناء ذلك الزحام يرومون الدخول إلى البيت الكريم فلم يقدروا على التخلص فتعلقوا بأستار حافتي عضادتي الباب ثم إن أحد هم تمسك بإحدى الشرائط القنبية الممسكة للاستار إلى أن علا الرؤوس والأعناق فوطئها ودخل البيت فلم يجدموطئا لقدمه سواها لشدة تراصهم وتراكمهم وانضمام بعضهم إلى بعض وهذا الجمع الذي وصل منهم في هذا العام لم يعهد قط مثله فيما سلف من الاعوام ولله القدرة المعجزة لا إله سواه.
وفي هذا اليوم المذكور الذي هو السابع والعشرون من ذي القعدة شمرت أستار الكعبة المقدسة إلى نحو قامة ونصف من الجدر من الجوانب الأربعة ويسمون ذلك احراما لها فيقولون: أحرمت الكعبة وبهذا جرت العادة دائما في الوقت المذكور من الشهر ولا تفتح من حبن إحرامها إلا بعد الوقفة.
стр. 187
فكأن ذلك التشمير إيذان بالتشمير للسفر وإيذان بقرب وقت وداعها المنتظر لا جعله الله آخر وداع وقضى لنا إليها بالعودة وتيسير سبيل الاستطاعة بعزته وقدرته.
وفي يوم الجمعة الرابع والشعرين قبل هذا اليوم المذكور كان دخولنا إلى البيت الكريم على حال اختلاس وانتهاز فرصة أوجدت بعض فرجة من الزحام فدخلناه دخول وداع إذ لا يتمكن دخوله بعد ذلك لترادف الناس عليه ولا سيما الأعاجم الواصلون مع الأمير العراقي فانهم يظهرون من التهافت عليه والبدار إليه والازدحام فيه ما ينسى أحوال السرو إليمنيين لفظاظتهم وغلظتهم فلا يتمكن لاحد منهم النظر فضلا عن غير ذلك والله لا يجعله آخر العهد ببيته الكريم ويرزقنا العود إليه على خير وعافية بمنه ولطيف صنعه.
وفي يوم إحرام الكعبة المذكور أقلعت عن موضع المقام المقدس القبة الخشبية التي كانت عليه ووضعت عوضها قبة الحديد إعدادا للأعاجم المذكورين لأنها لو لم تكن حديدا لأكلوها أكلا فضلا عن غير ذلك لما هم عليه من صحة النفوس شوقا إلى هذه المشاهدة المقدسة ونطارحهم بأجرامهم عليها والله ينفعهم بنباتهم بمنه وكرمه.
وفي يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور جاء زعيم الشبيين المعزول يتهادى من بنيه زهوا وإعجابا ومفتاح الكعبة المقدسة بيده قد اعيداليه ففتح الباب الكريم وصعد مع بنيه السطح المبارك الأعلى بأمراس من القنب غليظة يوثقونها في أوتاد الحديد المضروبة في السطح ويرسلونها إلى الأرض فيربط فيها شبيه محمل من العود ويجلس فيه أحد سدنة البيت من الشييين فيصعد به على بكرة معدة لذلك في أعلى السطح المذكور فيتولى خياطة ما مزقته الريح من الأستار فسألنا عن كيفية صرف هذا الشيبي المعزول إلى خطته على صحة الهنات المنسوبة إليه فأعلمنا أنه صودر عليها بخمس
стр. 188
مائة دينار مكة استقرضها وفدعها فطال التعجب من ذلك والاعتبار وتحققنا أن إظهار القبض عليه لم يكن غيرة ولا انفة على حرمات الله المنتهكة على يديه مع كونها في خطة دونها الخلافة رفعة والحال تشبه بعضها بعضا ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ١ وإلى الله المشتكى من فساد ظهر حتى في أشرف بقاع الأرض وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 189
منشأ الإسلام
وفي يوم الأربعاء التاسع والشعرين من ذي القعدة المذكور دخلنا دار الخيزران التي كان منها منشأ الإسلام وهي بإزاء الصفا ويلاصقها بيت صغير عن يمين الداخل إليها كان مسكن بلال رضى الله عنه ويدخل إليها على حلق٢ كبير شبيه الفندق قد أحد قت به بيوت للكراء من الحاج. والدار المكرمة دار صغيرة يجدها الداخل إلى الحلق المذكور عن يساره وهي مجددة البناء انفق في بنائها جمال الدين المذكرو اثره الكريم في هذا المكتوب نحو الالف دينار نفعه الله بما اسلفه من العمل الصالح. وعن يمين الداخل الدار المباركة باب يدخل منه إلى قبة كبيرة بديعة البناء فيها مقعد النبي ﷺ والصخرة التي كان إليها مستنده وعن يمينه موضع أبي بكر الصديق وعن يمين أبي بكر موضع علي بن أبي طالب والصخرة التي كان إليها مستنده هي داخلة في الجدار كشبه المحراب. وفي هذه الدار كان إسلام عمر بن الخطاب ومنها ظهر الإسلام على يديه وأعزه الله نفعنا الله ببركة هذه المشاهد المكرمة والآثار المعظمة وأماتنا على محبة الذين شرفت بهم ونسبت إليهم صلوات الله عليهم أجمعين.
стр. 190
شهر ذي الحجة عرفنا الله بركته
استهل هلاله ليلة الخميس بموافقة الخامس عشر من مارس١ وكان للناس في ارتقابه أمر عجيب وشأن من البهتان غريب ونطق من الزور كاد يعارضه من الجماد فضلا عن غيره رد وتكذيب وذلك أنهم ارتقبوه ليلة الخميس الموفى ثلاثين والافق قد تكاثف نوؤه وتراكم غيمه إلى أن علته مع المغيب بعض حمرة من الشفق فطمع الناس في فرجة من الغيم لعل الأبصار تلتقطه فيها فبينما هم كذلك اذ كبر أحد هم فكبر الجم الغفير لتكبيره ومثلوا قياما ينتظرون مالا يبصرون ويشيرون إلى ما يتخيلون حرصا منهم على أن يكون الوقفة بعرفات يوم الجمعة كان الحج لا يرتبط إلا بهذا اليوم بعينه فاخلتقوا شهادات زورية ومشت منهم طائفة من المغاربة اصلح الله أحوالهم ومن أهل مصر أربابها فشهدوا عند القاضي برؤيته فردهم أقبح رد وجرح شهاداتهم أسوأ تجريح وفضحهم في تزييف أقوالهم أخزى فضيحة وقال يا للعجب لو أن أحد هم يشهد برؤنته الشمس تحت ذلك الغيم الكثيف النسج لما قبلته فكيف برؤية هلال هو ابن تسع وعشرين ليلة!
وكان أيضا مما حكى من قوله: تشوشت المغارب تعرضت شعرة من الحاجب فأبصروا خيالا ظنوه هلالا
وكان لهذا القاضي جمال الدين في أمر هذه الشهادة الزورية مقام من التوقف والتحري حمده له أهل التحصيل وشكره عليه ذوو العقول وحق لهم ذلك فإنها مناسك الحج للمسلمين عظيمة أتوا لها من
كل فج عميق فلو تسومح فيها بطل السعي وقال الرأي والله يرفع الالتباس والبأس بمنه.
فلما كانت ليلة الجمعة المذكورة ظهر الهلال أثناء فرج السحاب وقد اكتسى
стр. 191
نورا من الثلاثين ليلة فزعقت العامة زعقات هائلة وتنادت بوقفة الجمعة وقالت الحمد لله الذي لم يخيب سعينا ولا ضيع قدصنا كأنهم قد صح عندهم أن الوقفة إذا لم تكن توافق يوم الجمعة ليست مقبولة ولا الرحمة فيها من الله مرجوة مأمولة تعالى الله عن ذلك علو كبيرا.
ثم إنهم يوم الجمعة المذكور اجتمعوا إلى القاضي فأدوا شهادات بصحة الؤية تبكي الحق وتضحك الباطل فردها وقال: يا قوم حتام هذا التمادي في الشهوة وإلام تستنون في طرق الهفوة وأعلمهم إنه قد استأذن الأمير مكثرا في أن يكون الصعود إلى عرفات صبيحة يوم الجمعة فيقفوا عشية بها ثم يقفوا صبيحة يوم السبت بعده ويبيتوا ليلة الأحد بمزدلفة فإن كانت الوقفة يوم الجمعة فما عليهم في تأخير المبيت بمزدلفة بأس إذ هو جائز عند أئمة المسلمين وإن كانت يوم السبت فبها ونعمت وأما أن يقع القطع بها يوم الجمعة فتغرير بالمسلمين وإفساد لمناسكهم لأن الوقفة يوم التروية عند الأئمة غير جائزة كما أنها عندهم جائزة يوم النحر فشكر جميع من حضر للقاضي هذا المنزع من التحقيق ودعوا له وأظهر من حضر من العامة الرضى بذلك وانصرفوا عن سلام والحمد لله على ذلك.
وهذا الشهر المبارك هو ثالث الأشهر الحرم وعشره الأولى مجتمع الامم وموسم الحج الأعظم شهر العج والثج١ وملتقى وفود الله من كل أوب وفج مصاب الرحمة والبركات ومحل الموقف الأعظم بعرفات جعلنا الله ممن فاز فيه بالحسنات وتعرى به من ملابس الاوزار والسيئات بمنه وكرمه إنه أهل التقوى وأهل المغفرة والأمير العراقي منتظر لكشف هذا الإلباس عن الناس في أمر الهلال لعله قدا تضح له إليقين فيه إن شاء الله.
وفي سائر هذه الأيام كلها إلى هلم جرا تصل رفاق من السرو اليمنيين
стр. 192
وسائر حجاج الآفاق لا يحصى عددها إلا محصي آجالها وأرزاقها إلا إله سواه فمن الآيات البينات أن يسع هذا الجمع العظيم هذا البلد الأمين الذي هو بطن واد سعته غلوة أو دونها ولو أن المدن العظيمة حمل عليها هذا الجمع لضاقت عنه. وما هذه البلدة المكرمة فيما تختص به من الآيات البينات في اتساعها لهذا البشر المعجز إحصاؤه إلا كما شبهتها العلماء حقيقة بأنها تتسع لوفودها اتساع الرحم بمولودها وكذلك عرفات وسائر المشاهد المعظمة بهذا البلد الحرام عظم الله حرمته ورزقنا الرحمة فيه بكرمه وفضله.
ومن أول هذا الشهر المبارك ضربت دبادب الأمير بكرة وعشية وفي أوقات الصلوات كأنها شعار بالموسم ولا يزال كذلك إلى يوم الصمود إلى عرفات عرفنا الله بها القبول والرحمة.
وفي يوم الإثنين الخامس أو الرابع من هذا الشهر وصل الأمير عثمان بن علي صاحب عدن وخرج منها فارا إمام سيف الإسلام المتوجه إلى اليمن وركب البحر في جلاب كثيرة مشحونة بأحوال١ عظيمة وأموال لا تحصى كثرة لأنه طال مقامه في تلك الولاية واتسع كسبه وعند خروجه من البحر بموضع يعرف بالصر لحقت جلبه حراريق الأمير سيف الإسلام فأخذت جميع ما فيها من الاثقال وكان قد استصحب الخف النفيس الخطير مع نفسه إلى البر وهو في جملة من رجاله وعبيده فسلم به ووصل مكة بعير موقرة متاعا ومالا دخلت على أعين الناس إلى داره التي ابتناها بها بعد أن قدم نفيس ذخائره وناضرة ماله وحملة رقيقه وخدمه ليلا.
وبالجملة فحاله لاتوصف كثرة واتساعا والذي انتهب له أكثر لأنه كان في ولايته يوصف بسوء السيرة مع التجار وكانت المنافع التجارية كلها راجعة إليه الدخائر الهندية المجلوبة كلها واصلة إلى يديه فاكتسب
стр. 193
سحتا١ عظيما وحصل على كنوزر قارونية لكن حوادث الأيام قد ابتدأت بالخسف به ولا يدرى حال أمره مع صلاح الدين لما يكون والدنيا مفنية محبيبها وآكلة بينها وثواب الله خير ذخيرة وطاعته أشرف غنيمة لا إله سواه.
وبقيت الشهادة مضطربة في أمر هذا الهلال المبارك الميمون إلى أن تواصلت الأخبار برؤيته ليلة الخميس الذي يوافق الخامس عشر من مارس شهد بذلك ثقات من أهل الزهد والورع يمنيون وسواهم من الواصلين من المدينة المكرمة لكن بقي القاضي على ثباته وتوقفه في القبول وإرجاء الأمر إلى وصول المبشر المعلم بوصول الأمير العراقي ليتعرف من قبله ما عند أمير الحاج في ذلك.
فلما كان يوم الأربعاء السابع من الشهر المذكور وصل المبشر وكانت نفوس أهل مكة قد اوجست خيفة لبطئه حذرا من حقدالخليفة على اميرهم مكثر لمذموم فعل صدر عنه فكان وصول هذا البشير امانا وتسكينا للنفوس الشاردة فوصل مبشرا ومؤنسا وأعلم برؤية الهلال ليلة الخميس المذكور. وتواترت الأنباء بذلك فصح الأمر عند القاضي بذلك صحة اوجبت خطبته في ذلك اليوم على ما جرت به العادة في اليوم السابع من ذي الحجة إثر صلاة الظهر علم الناس فيها مناسكهم ثم أعلمهم أن عدهم هو يوم الصعود إلى منى وهو يوم التروية أن وقفتهم يوم الجمعة وان الأثر الكريم فيها عن رسول الله ﷺ بانها تعدل سبعين وقفة ففضل هذه الوقفة في الاعوام كفضل يوم الجمعة على سائر الأيام.
стр. 194
إلى عرفات
فلما كان يوم الخميس بكر الناس بالصعود إلى منى وتمادوا منها إلى عرفات. وكانت السنة المبيت بها لكن ترك الناس ذلك اضطرارا بسبب خوف بني شعبة المغيرين على الحجاج في طريقهم إلى عرفات وصدر عن هذا الأمير عثمان المتقدم ذكره في ذلك اجتهاد بل جهاد يرجى له به المغفرة لجميع خطإياه إن شاء الله وذلك إنه تقدم بجميع أصحابه شاكين في الاسلحة إلى المضيق الذي بين مزدلفة وعرفات وهو موضع ينحصر الطريق فيه بين جبلين فينحدر الشعبيون من أحدهما وهو الذي عن يسار المار إلى عرفات فينتبهون الحاج انتهابا فضرب هذا الأمير قبة في ذلك المضيق بين الجبلين بعد أن قدم أحد أصحابه فصعد إلى رأس الجبل بفرسه وهو جبل كؤود فعجبنا من شأنه وأكثر التعجب من أمر الفرس وكيف تمكن له الصعود إلى ذلك المرتقى الصعب الذي يرتقيه ... فأمن جميع الحاج بمشاركة هذا الأمير لهم فحصل على أجرين: أجر جهاد وحج لأن تأمين وفد الله في مثل ذلك اليوم من أعظم الجهاد.
واتصل صعود الناس ذلك اليوم كله واليلة كلها إلى يوم الجمعة كله فاجتمع بعرفات من البشر جمع لايحصى عدده إلا الله . ومزدلفة بين منى وعرفات من منى إليها ما من مكة إلى منى وذلك نحو خمسة اميال ومنها إلى عرفات مثل ذلك أو اشف قليلا وتمسى المشعر الحرام وتسمى جمعا فلها ثلاثة أسماء وقبلها بنحو الميل وادي محسر وجرت العادة بالهرولة فيه وهو حد بين مزلدلفة ومنى لأنه معترض بينهما.
ومزدلفة بسيط من الأرض فسيح بين جبلين وحوله مصانع وصهاريج كانت للماء في زمان زبيدة رحمها الله وفي وسط ذلك البسيط من الأرض حلق١ في وسطه قبة في أعلاها مسجد يصعد إليه على أدراج من جهتين،
стр. 195
يزدحم الناس في الصعود إليه والصلاة فيه عند مبيتهم بها. وعرفات أيضا بسيط من الأرض مد البصر لو كان محشرا للخلائق لو سعهم يحدق بذلك السبيط الافيح جبال كثيرة.
стр. 196
جبل الرحمة
وفي آخر ذلك البسيط جبل الرحمة وفيه حوله موقف الناس والعلمان قبله بنحو الميلين فما إمام العلمين إلى عرفات حل وما دونهما حرم. وبمقربة منهما مما يلي عرفات بطن عرنة الذي أمر النبي ﷺ بالارتفاع عنه في قوله ﷺ : "عرفات كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة"،
فالواقف فيه لا يصح حجه فيجب التحفظ من ذلك لأن الجمالين عشية الوقفة ربما استحثوا كثيرا من الحاج وحذروهم الزحمة في النفر واستدرجوهم بالغلمين اللذين امامهم إلى أن يصلوا بهم بطن عربة أو يجيزوه فيبطلوا على الناس حجهم والمتحفظ لا ينفر من الموقف حتى يتمكن سقوط القرصة من الشمس.
وجبل الرحمة المذكور منقطع عن الجبال قائم في وسط البسيط وهو كله حجارة منقطعة بعضها عن بعض كان صعب المرتقى فاحدث فيه جمال الدين المذكورة مآثره في هذا التقييد ادراجا وطية من أربع جهاته يصعد فيها بالدواب الموقورة وانفق فيها مالا عظيما.
وفي أعلى الجبل قبة تنسب إلى أم سلمة رضى الله عنها ولا يعرف صحة ذلك وفي وسط القبة مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه وحول ذلك المسجد المكرم سطح محدق به فسيح الساحة جميل المنظر يشرف منه على بسيط عرفات وفي جهة القبلة منه جدار وقد نصبت فيه محاريب يصلى الناس فيها.
стр. 197
وفي أسفل هذا الجبل المقدس عن يسار المستقبل للقبلة فيه دار عتيقة البنيان وفي أعلاها غرف لها طيقان تنسب إلى آدم ﷺ وعن يسار هذه الدار في استقبال القبلة الصخرة التي كان عندها موقف النبي ﷺ وهي في جبل متطأمن وحول جبل الرحمة والدار المكرمة صهاريج للماء وجباب وعن يسار الدار أيضا على مقربة منها مسجد صغير.
وبمقربة من العلمين عن يسار مستقبل القبلة مسجد قديم فسيح البناء بقى منه الجدار القبلي ينسب إلى إبراهيم ﷺ فيه يخطب الخطيب يوم الوقفة ثم يجمع بين الظهر والعصر وعن يسار العلمين أيضا في استقبال القبلة وادي الأراك وهو أراك أخضر يمتد في ذلك البسيط مع البصر امتدادا طويلا.
فتكامل جمع الناس بعرفات يوم الخيمس وليلة الجمعة كلها وفي نحو الثلث الباقي من ليلة الجمعة المذكورة وصل أمير الحاج العراقي فضرب ابنيته في البسيط الأفيح مما يلي الجانب الأيمن من جبل الرحمة في استقبال القبلة.
والقبلة في عرفات هي إلى مغرب الشمس لأن الكعبة المقدسة في تلك الجهة منها. فأصبح يوم الجمعة المذكور في عرفات جمع لا شبيه له إلا الحشر لكنه إن شاء الله تعالى حشر للثواب مبشر بالرحمة والمغفرة يوم الحشر للحساب زعم المحققون في الاشياخ المجاورين انهم لم يعاينوا قط في عرفات جمعا أحفل منه ولا أرى كان من عهد الرشيد الذي هو آخر من حج من الخفاء جمع في الإسلام مثله جعله الله جمعا مرحوما معصوما بعزته.
فلما جمع بين الظهر وة العصر يوم الجمعة المذكور وقف الناس خاشعين باكين والى الله في الرحمة متضرعين والتكبير قد علا وضجيج الناس بالدعاء قد ارتفع فما رؤى يوم أكثر مدامع ولا قلوبا خواشع ولا اعناقا لهيبة الله خوانع خواضع من ذلك اليوم فما زال الناس على تلك الحالة
стр. 198
والشمس تلفح وجوهم إلى أن سقط قرصها وتمكن وقت المغرب. وقد وصل أمير الحاج مع جملة من جنده الدارعين ووقفوا بمقربة من الصخرات عند المسجدالصغير المذكور. وأخذ السرو اليمنيون مواقفهم بمنازلهم المعلومة لهم في جبال عرفات المتوارثة عن جد فجد من عهد النبي ﷺ لا تتعدى قبيلة على منزل أخرى.
стр. 199
وصول الأمير العراقي
وكان المجتمع منهم في هذا العام عددا لم يجتمع قط مثله. وكذلك وصل الأمير العراقي في جمع لم يصل قط مثله ووصل معه من أمراء الأعاجم الخراسانيين ومن النساء العقائل المعروفات بالخواتين واحدتهن خاتون ومن السيدات بنات الأمراء كثير ومن سائر العجم عدد لا يحصى فوقف الجميع وقد جعلوا قدوتهم في النفر الإمام المالكي لأن مذهب مالك ﵁ يقتضي أن لا ينفر حتى يتمكن سقوط القرصة ويحين وقت المغرب ومن السرو إليمنيين من نفر قبل ذلك. فلما أن حان الوقت أشار الإمام المالكي بيديه ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعا ارتحت له الأرض ورجفت الجبال فياله موقفا ما أهول مرآه وأرجى في النفوس عقباه جعلنا الله فمن خصه فيه برضاه وتغمده بنعماه إنه منعم كريم حنان منان.
وكانت محلة هذا الأمير العراقي جميلة المنظر بهية العدة رائقة المضارب والابنية عجيبة القباب والأروقة على هيآت لم ير أبدع منها منظرا فأعظمها مرآى مضرب الأمير وذلك إنه أحد ق به سرادق كالسور من كتان كأنه حديقة بستان أو زخرفة بنيان وفي داخله القباب المضروبة وهي كلها سواد في بياض مرقشة ملونة كأنها أزاهير الرياض وقد جللت صفحات ذلك
стр. 200
السرادق من جوانبه الأربعة كلها أشكال درقية من ذلك السواد المنزل في البياض يستشعر الناظر إليها مهابة يتخيلها درقا لمطية١ قد جللتها مزخرفات الأغشية.
ولهذا السرادق الذي هو كالسور المضروب أبواب مرتفعة كأنها أبواب القصور المشيدة يدخل منها إلى دهاليز وتعاريج ثم يفضى منها إلى الفضاء الذي فيه القباب وكأن هذا الأمير ساكن في مدينة قد أحد ق بها سورها تنتقل بانتقاله وتنزل بنزوله وهي من الابهات الملوكية المعهودة التي لم يعهد مثلها عند ملوك المغرب.
وداخل تلك الأبواب حجاب الأمير وخدمه وغاشيته وهي أبواب مرتفعة يجيء الفارس برايته فيدخل عليها دون تنكيس ولا تطأطؤ قد احكمت اقامة ذلك كله أمراس وثيقة من الكتاب تتصل بأوتاد مضروبة أدير ذلك كله بتدبير هندسي غريب. ولسائر الأمراء الواصلين صحبة هذا الأمير مصارب دون ذلك لكنها على تلك الصفة وقباب بديعة المنظر عجيبة الشكل قد قامت كأنها التيجان المنصوبة إلى ما يطول وصفه ويتسع القول فيه من عظيم احتفال هذه المحلة في الآلة والعدة وغير ذلك مما يدل على سعة الأحوال وعظيم الانخراق في المكاسب والأموال.
ولهم أيضا في مراكبهم على الإبل قباب تظلهم بديعة المنظر عجيبة الشكل قد نصبت على محامل من الاعواد يسمونها القشاوات وهي كالتوابيت المجوفة هي لركابها من الرجال والنساء كالامهدة للاطفال تملأ بالفرش الوثيرة ويقعد الراكب فيها مستريحا كأنه في مهاد لين فسيح وبازائه معادلة أو معادلته في مثل ذلك من الشقة الأخرى والقبة مضروبة عليهما فيسار بهما وهما نائمان لا يشعران أو كيف ما أحبا فعند ما يصلان إلى المرحلة التي يحطان بها ضرب سرادقهما للحين أن كانا من أهل الترفه والتنعم يدخل بهما راكبين
стр. 201
وينصب لهما كرسي ينزلان عليه فينتقلان من ظل قبة المحمل إلى قبة المنزل دون واسطة هواء يلحقهما ولا خطفه شمس تصيبهما وناهيك من هذا الترفيه فهؤلاء لا يلقون لسفرهم وإن بعدت شقته نصيا ولا يجدون على طول الحل والترحال تعبا.
ودون هؤلاء في الراحة رابكو المحارات١ وهي شبيهة الشقادف التي تقدم وصفها في ذكر صحراء عيذاب لكن الشقادف ابسط وأوسع وهذه أضم وأضيق وعليها أيضا ظلائل تقي حر الشمس ومن قصرت حاله عنها في هذه الاسفار فقد حصل على نصب السفر الذي هو قطعة من العذاب.
стр. 202
استيفاء حال النفر
ثم يرجع القول إلى استيفاء حال النفر عشية الوقفة المذكورة بعرفات وذلك أن الناس نفروا منها بعد غروب الشمس كماتقدم الذكر فوصلوا مزدلفة مع العشاء الآخرة فجمعوا بها بين العشاءين حسبما جرت به سنة النبي ﷺ واتقد المشعر الحرام تلك الليلة كلها مشاعيل من الشمع المسرج وأما مسجده المذكور فعاد كله نورا فيخيل للناظر إليه أن كواكب السماءكلها نزلت به
وعلى هذه الصفة كان جبل الرحمة ومسجده ليلة الجمعة لأن هؤلاء الأعاجم الخراسانيين وسواهم من العراقيين أعظم الناس همة في استجلاب هذا الشمع والاستكثار منه اضاءة لهذه المشاهد الكريمة وعلى هذه الصفة عاد الحرم بهم مدة مقامهم فيه فيدخل منهم كل إنسان بشمعة في يده وأكثر ما يقصدون بذلك حطيم الإمام الحنفي لأنهم على مذهبه وشاهدنا منه شمعا عظيما احضر تنوء الشمعة منه بالعصبة كأنه السرو وضع إمام الحنفي.
стр. 203
فبات الناس بالمعشر الحرام هذه الليلة وهي ليلة السبت فلما صلوا الصبح غدوا منه إلى منى بعد الوقوف والدعاء لأن مزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر ففيه تقع الهرولة في التوجه إلى منى حتى يخرج عنه. ومن مزدلفة يستصحب أكثر الناس حصيات الجمار وهو المستحب ومنهم من يلتقطها حول مسجد الخيف بمنى وكل ذلك واسع١. فلما انتهى الناس إلى منى بادروا لرمي جمرة العقبة بسبع حصيات ثم نحروا أو ذبحوا وحلوا من كل شيء إلا النساء والطيب يطوفوا طواف الإفاضة. ورمى هذه الجمرة عند طلوع الشمس من يوم النحر ثم توجه أكثر الناس لطواف الإفاضة ومنهم من أقام إلى اليوم الثاني ومنهم من أقام إلى اليوم الثالث وهو يوم الانحدار إلى مكة. فلما كان اليوم الثاني من يوم النحر عند زوال الشمس رمى الناس بالجمرة الأولى سبع حصيات وبالجمرة الوسطى كذلك وبهاتين الجمرتين يقفون للدعاء وبجمرة العقبة كذلك لا ولا يقفون بها اقتداء في ذلك كله بفعل النبي ﷺ فتعود جمرة العقبة في هذين إليومين اخيرة وهي يوم النحر اولى منفردة لا يخلط معها سواها.
وفي اليوم الثاني من يوم النحر بعد رمي الجمرات خطب الخيطب بمسجدالخيف ثم جمع بين الظهر والعصر وهذا الخطيب وصل مع الأمير العراقي مقدما من عند الخليفة للخطبة والقضاء بمكة على ما يذكر ويعرف بتاج الدين وظاهر أمره البلادة والبله لأن خطبته اعربت عن ذلك ولسإنه لا يقيم الإعراب.
стр. 204
الانحدار إلى مكة
فلما كان اليوم الثالث تعجل الناس في الانحدرا إلى مكة بعد أن كمل لهم رمي تسع وأربعين جمرة: سبع منها يوم النحر بالعقبة وهي المحللة؛
стр. 205
ثم إحدى وعشرون في اليوم الثاني بعد زول الشمس سبعا سبعا في الجمرات الثلاث وفي اليوم الثالث كذلك ونفر إلى مكة فمنهم من صلى العصر بالأبطح ومنهم من صلاها بالمسجدالحرام ومنهم من تعجل فصلى الظهر بالأبطح ومضت السنة قديما باقامة ثلاثة أيام بعد يوم النحر بمنى لاكمال رمي سبعين حصاة فوقع التعجيل في هذا الزمان في إليومين كما قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ١ وذلك مخافة بني شعبة وما يطرأ من حرابة المكيين.
وقد كانت في يوم الانحدار المذكور بين سودان أهل مكة وبين الأتراك العراقيين جولة وهوشة وقعت فيها جراحات وسلمت السيوف وفوقت القسى ورميت السهام وانتهب بعض امتعة التجار لأن منى في تلك الأيام الثلاثة سوق من أعظم الأسواق يباع فيها من الجوهر النفيس إلى ادنى الخرز إلى غير ذلك من الامتعة وسائر سلع الدنيا لأنها مجتمع أهل الافاق فوقى الله شر تلك الفتنة تسكينا لها سريعا وكانت عين الكمال في تلك الوقفة الهنيئة وكمل للناس حجهم والحمد لله رب العالمين.
стр. 206
كسوة الأمير العراقي للكعبة
وفي يوم السبت يوم النحر المذكور سيقت كسوة الكعبة المقدسة من محلة الأمير العراقي إلى مكة على أربعة جمال تقدمها القاضي الجديد بكسوة الخليفة السوادية والرايات على رأسه والطبول تهر٢ وراءه وابن عم الشيبي محمد بن إسماعيل معها لأنه ذكر أن أمر الخليفة نفذ بعزله عن حجابة البيت لهنات الشتهرت عنه والله يطهر بيته المكرم بمن يرضى من خدامه بمنه.
стр. 207
وهذا ابن العم المذكور هو أشبه طريقة منه وأمثل حالا وقدتقدم ذكر ذلك في العزلة الأولى. فوضعت الكسوة في السطح المكرم أعلى الكعبة فلما كان يوم الثلاثاء الثالث عشر من الشهر المبارك المذكور اشتغل الشيبيون بأسبالها خضراء يانعة تقيدالأبصار حسنا في أعلاها رسم احمر واسع مكتوب فيه في الصفح الموجه إلى المقام الكريم حيث الباب المكرم وهو وجهها المبارك بعد البسملة: ﴿إِنَّ أول بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ الآية١ وفي سائر الفحات اسم الخليفة والدعاء له وتحف بالرسم المذكور طرتان حمراوان بدوائر صغار بيض فيها رسم بخط رقيق يتضمن آيات من القرآن وذكر الخليفة أيضا. فكملت كسوتها وشمرت اذيالها الكريمة صونا لها من أيدي الأعاجم وشدة اجتذابها وقوة تهافتها عليها وانكبابها فلاح للناظرين منها أجمل منظر كأنها عروس جليت في السندس الأخضر أمتع الله بالنظر إليها كل مشتقا إلى لقائها حريض على المثول بفنائها بمنه.
стр. 208
يوم الأعاجم العراقيين
وفي هذه الأيام يتفح البيت الكريم كل يوم للأعاجم العارقيين والخراسانيين وسواهم من الوصالين مع الأمير العراقي فظهر من تزاحمهم وتطارحهم على الباب الكريم ووصول بعضهم على بعض وسباحة بعضهم على رؤوس بعض كأنهم في غدير من الماء أمر لم ير أهول منه يؤذي إلى تلف المهج وكسر الأعضاء. وهم في خلال ذلك لا يبالون ولا يتوقفون بل يلقون بأنفسهم على ذلك البيت الكريم من فرط الطرب والاترياح القاء الفراش بنفسه على المصباح فعادت أحوال السرو إليمنيين في دخولهم البيت المبارك على الصفة
стр. 209
المتقدمة الذكر حال تؤدة ووقار بالإضافة إلى هؤلاء الأعاجم الأغتام١ نفعهم الله بنياتهم وقد فقدمنهم في ذلك المزدحم الشديد من دنا أجله والله يغفر للجميع.
وربما زاحمهم في تلك الحال بعض نسائهم فيخرجن وقدنضجت جلودهن طبخا في مضيق ذلك المعترك الذي حمى بانفاس الشوق وطيشه والله ينفع الجميع بمعتقده وحسن مقصده بعزته.
وفي ليلة الخميس الخامس عشر من الشهر المبارك إثر صلاة العتمة نصب منبر الوعظ إمام المقام فصعده واعظ خراساني حسن البشارة مليح الإشارة يجمع بين اللسانين عربي وعجمي فأتى في الحالين بالسحر الحلال من البيان فصيح المنطق بارع الألفاظ ثم يقلب لسإنه للأعاجم بلغتهم فيهزهم اضطرابا ويذيبهم زفرات وانتحابا.
فلما كانت الليلة الأخرى بعدها وضع منبر آخر خلف حطيم الحنفي فصعد إثر صلاة العتمة أيضا شيخ أبيض السبال رائع الجلال بارع التمام في الفصل والكمال فصدع بخطبة انتظمت آية الكرسي كلمة كلمة ثم تصرف في أساليب من الوعظ وأفانين من العلم باللسانين أيضا حرك بها القلوب حتى إطارها وأورثها احتداما بالخشية بعد استعارها وفي أثناء ذلك ترشقه سهام من المسائل فيتلقاها بمجن من الجواب السريع البليغ فتحار له الألباب ويملك كل نفس منه الإغراب والإعجاب فكأنما هو وحي يوحى.
وهذا الذي مشى به وعاظ هذه الجهات المشرقية من القاء المسائل إليهم وإفاضة شآبيب الامتحان عليهم من أعجب الأمور المعربة من غريب شأنهم والناطقة بسحر بيانهم وليست في فن واحد إنما هي في فتون شتى وربم قصد بها التعنيت والتنكيت فياتون بالجواب كخطفه البرق وارتداد الطرف،
стр. 210
والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وبين أيدي هؤلاء الوعاظ قراء ينعمون بالقراءة فيأتون بالحان تكسب الجماد طربا واريحية كأنها المزامير الداوودية فلا تدري من أي أحوال هذا المجتمع تعجب والله يؤتى الحكمة من يشاء لا إله سواه، وسمعت هذا الشيخ الواعظ يسند الحديث إلى خمسة من اجداده جد عن جد نسقا مسلسلا من أبيه إليهم على اتصال كلهم له لقب يدل على منزلته من العلم ومكانته من التذكير والوعظ فهو معرق في الصنعة لشريفة تليدالمجد فيها.
стр. 211
سوق المسجد الحرام
وفي أيام الموسم كلها عاد المسجد الحرام نزهه الله وشرفه سوقا عظيمة يباع فيه من الدقيق إلى العقيق ومن البر إلى الدر إلى غير ذلك من السلع فكان مبيع الدقيق بدار الندوة إلى جهة باب بني شيبة ومعظم السوق في البلاط الأخذ من الغرب إلى الشمال وفي البلاط الأخذ من الشمال إلى الشرق وفي ذلك من النهي الشرعي ما هو معلوم والله غالب على أمره لا إله سواه.
стр. 212
يوم الرحيل
وفي عشي يوم الأحد الموفى عشرين من الشهر المذكور وهو أول إبريل١ كان تبريزنا إلى محلة الأمير العراقي بالزاهر وهو على نحو من الميلين من البلد وقد كمل اكتراؤنا إلى الموصل وهو إمام بغداد بعشرة أيام عرفناالله الخير والخيرة بمنه فأقمنا بالزاهر ثلاثة أيام نجدد العهد كل يوم بالبيت العتيق ونعيد وداعه
فلما كان ضحوة يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي الحجة
стр. 213
المذكور أقلعت المحلة على تؤدة ورفق بسبب البطء والتأخر ونزلت على نحو ثمانية اميال من الموضع الذي أقلعت منه بمقربة من بطن مر والله كفيل بالسلامة والعصمة بمنه.
فكانت تمدة مقامنا بمكة قدسها الله من يوم وصولنا إليها وهو يوم الخميس الثالث عشر لربيع الآخر من سنة تسع وسبعين إلى يوم اقلاعنا من الزاهر وهو يوم الخيمس الثاني والعشرين لذي الحجة من السنة المذكورة ثمانية أشهر وثلث شهر التي هي بحسب الزائد والناقص من الأشهر مائتا يوم اثنتان وخمسة وأربعون يوما سعيدات مباركات جعلها الله لذاته وجعل القبول لها موفقا لموضاته بمنه غبنا عن رؤية البيت الكريم فيها ثلاثة أيام: يوم عرفة، وثاني يوم النحر ويوم الأربعاء الذي هو الحادي والعشرون لذي الحجة قبل يوم الخميس يوم إقلاعنا من الزاهر والله لا يجعله آخر العهد بحرمه الكريم بمنه.
ثم أقلعنا من ذلك الموضع إثر صلاة الظهر من يوم الخميس إلى بطن مر وهو واد خصيب كثير النخل ذو عين فوارة سيالة الماء تسقى منها أرض تلك الناحية وعلى هذا الوادي قطر متسع وقرى كثيرة وعيون ومنه تجلب الفواكه إلى مكة حرسها الله فأقمنا به يوم الجمعة لسبب عجيب وذلك أن الملكة خاتون بنت الأمير مسعودملك الدروب والأرمن وما يلي بلاد الروم وهي إحدى الخواتين الثلاث اللاتي وصلن للحج مع أمير الحاج أبي المكارم طاشتكين مولى أمير المؤمنين الموجه كل عام من قبل الخليفة وله بتولي هذه الخطة نحو الثمانية أعوام أو أزيد وخاتون هذه أعظم الخواتين قدرا سبب سعة مملكة أبيها والمقصود من ذكر أمرها أنها أسرت من بطن مر ليلة الجمعة إلى مكة في خاصة من خدمها وحشمها فتفقد موضعها يوم الجمعة المذكور فوجه الأمير ثقات من خاصة أصحابه يستطلعونها في الانصراف وأقام بالناس منتظرا لها فوصلت عتمة يوم السبت.
стр. 214
وأجيلت في سبب انصراف هذه الملكة المترفة قداح الظنون وسلت الخواطر على استخراج سرها المكنون فمنهم من يقول أنها انصرفت انفة لبعض ما انتقدته على الأمير ومنهم من قال إن نوازع الشوق للمجاورة عطفت بها إلى المثابة المكرمة ولا يعلم الغيب إلا الله وكيف ما كان الأمر فقد كفى الله العطلة بسببها وأطلق سبيل الحاج ولله الحمد على ذلك.
وأبو هذه المرأة المذكورة الأمير مسعود كما ذكرناه وهو في بسطة من ملكه واتساع من أمرته يركب له على ما حقق عند نا أكثر من مائة ألف فارس وصهره عليها نور الدين صاحب آمد وما سواها ويركب له أيضا نحو اثني عشر ألف فارس. ولخاتون هذه افعال من البر كثيرة في طريق الحاج منها سقى الماء للسبيل عينت لذلك نحو الثلاثين ناضحة ومثلها للزاد واستجلبت لما تختص به من الكسوة والأزودة وغير ذلك نحو المائة بعير وأمرها يطول وصفها وسنها نحو خمسة عشرين عاما.
ولخاتون الثانية أم معز الدين صاحب الموصل زوج بابك أخي نور الدين الذي كان صاحب الشام ﵀ ولهذه افعال كثيرة من البر.
وخاتون الثالثة ابنة الدقوس صاحب اصبهان من بلادخراسان وهي أيضا كبيرة القدر عظيمة الشأن منافسة في أفعال البر. وشأنهن جمع عيجب جدا في ماهن بسبيله من الخير والاحتفال في الأبهة الملوكية.
ثم أقلعنا ظهر يوم السبت الرابع والعشرين لذي الحجة المذكور ونزلنا بمقربة من عسفان ثم أسرينا إليها نصف الليل وصبحناها بكرة يوم الأحد وهي في بسيط من الأرض بين جبال وبها آبار معينة تنسب لعثمان رضى الله عنه وشجر المقل فيها كثير وبها حصن عتيق البنيان ذو أبراج مشيدة غير معمور قد أثر فيه القدم وأوهته قلة العمارة لوزوم الخراب فاجتزناها بأميال ونزلنا مريحين قائلين.
стр. 215
فلما كان إثر صلاة الظهر أقلعنا إلى خليص فوصلناها عشي النهار وهي أيضا في سبيط من الأرض كثيرة حدائق النخل لها جبل فيه حصن مشيد في قنته وفي البسيط حصن آخر قد أثر فيه الخراب وبها عين فوارة قد أحد ثت لها أخاديد في الأرض مسربة يستقى منها على أفواه كالآبار يجدد الناس بها الماء لقلته في الطريق بسبب القحط لمتصل والله يغيث بلاده وعباده واصبح الناس بها مقيمين يوم الإثنين لإرواء الإبل واستصحاب الماء.
وهذه الجملة العراقية ومن انضاف إليها من الخراسانية والمواصلة وسائر جهات الافاق من الواصلين صحبة أمير الحاج المذكور جمع لا يحصى عدده إلا الله تعالى يغص بهم البسيط الافيح ويضيق عنهم المهمه الصحصح١ فترى الأرض تميد بهم ميدا وتموج بجميعهم موجا فتبصر منهم بحرا طامي العباب نماؤه السراب وسفنه الركاب وشرعه الظلائل المرفوعة والقباب تسير سير السحب المتراكمة يتداخل بعضها على بعض ويضرب بعضها جوانب بعض فتعاين لها تزاحما في البراح المنفسح يهول ويروع واصكاكا نبع٢ المحارات فيه بعضه ببعض مقروع فمن لم يشاهد في هذا السفر العراقي لم يشاهد من اعاجيب الزمان ما يحدث به ويتحف السامع بغرابته والقدرة والقوة لله وحده وحسبك أن النازل في منزل من منازل هذه المحلة متى خرج عنها لبعض حاجة ولم تكن له دلالة يستدل بها على موضعه ضل وتلف وعاد منشودا في جملة الضوال وربما اضطر به الحال إلى الوصول إلى مضرب الأمير ورفع مسألته إليه فيأمر أحد المنشدين ببريحه٣ والهاتفين بأوامره ممن قد اعد لذلك أن يردفه خلفه على جمل ويطوف به المحلة العجاجة وهو قد ذكر له اسمه واسم جماله واسم البلد الذي هو منه فيرفع عقيرته