سوق المسجد الحرام
وفي أيام الموسم كلها عاد المسجد الحرام نزهه الله وشرفه سوقا عظيمة يباع فيه من الدقيق إلى العقيق ومن البر إلى الدر إلى غير ذلك من السلع فكان مبيع الدقيق بدار الندوة إلى جهة باب بني شيبة ومعظم السوق في البلاط الأخذ من الغرب إلى الشمال وفي البلاط الأخذ من الشمال إلى الشرق وفي ذلك من النهي الشرعي ما هو معلوم والله غالب على أمره لا إله سواه.
стр. 212
يوم الرحيل
وفي عشي يوم الأحد الموفى عشرين من الشهر المذكور وهو أول إبريل١ كان تبريزنا إلى محلة الأمير العراقي بالزاهر وهو على نحو من الميلين من البلد وقد كمل اكتراؤنا إلى الموصل وهو إمام بغداد بعشرة أيام عرفناالله الخير والخيرة بمنه فأقمنا بالزاهر ثلاثة أيام نجدد العهد كل يوم بالبيت العتيق ونعيد وداعه
فلما كان ضحوة يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي الحجة
стр. 213
المذكور أقلعت المحلة على تؤدة ورفق بسبب البطء والتأخر ونزلت على نحو ثمانية اميال من الموضع الذي أقلعت منه بمقربة من بطن مر والله كفيل بالسلامة والعصمة بمنه.
فكانت تمدة مقامنا بمكة قدسها الله من يوم وصولنا إليها وهو يوم الخميس الثالث عشر لربيع الآخر من سنة تسع وسبعين إلى يوم اقلاعنا من الزاهر وهو يوم الخيمس الثاني والعشرين لذي الحجة من السنة المذكورة ثمانية أشهر وثلث شهر التي هي بحسب الزائد والناقص من الأشهر مائتا يوم اثنتان وخمسة وأربعون يوما سعيدات مباركات جعلها الله لذاته وجعل القبول لها موفقا لموضاته بمنه غبنا عن رؤية البيت الكريم فيها ثلاثة أيام: يوم عرفة، وثاني يوم النحر ويوم الأربعاء الذي هو الحادي والعشرون لذي الحجة قبل يوم الخميس يوم إقلاعنا من الزاهر والله لا يجعله آخر العهد بحرمه الكريم بمنه.
ثم أقلعنا من ذلك الموضع إثر صلاة الظهر من يوم الخميس إلى بطن مر وهو واد خصيب كثير النخل ذو عين فوارة سيالة الماء تسقى منها أرض تلك الناحية وعلى هذا الوادي قطر متسع وقرى كثيرة وعيون ومنه تجلب الفواكه إلى مكة حرسها الله فأقمنا به يوم الجمعة لسبب عجيب وذلك أن الملكة خاتون بنت الأمير مسعودملك الدروب والأرمن وما يلي بلاد الروم وهي إحدى الخواتين الثلاث اللاتي وصلن للحج مع أمير الحاج أبي المكارم طاشتكين مولى أمير المؤمنين الموجه كل عام من قبل الخليفة وله بتولي هذه الخطة نحو الثمانية أعوام أو أزيد وخاتون هذه أعظم الخواتين قدرا سبب سعة مملكة أبيها والمقصود من ذكر أمرها أنها أسرت من بطن مر ليلة الجمعة إلى مكة في خاصة من خدمها وحشمها فتفقد موضعها يوم الجمعة المذكور فوجه الأمير ثقات من خاصة أصحابه يستطلعونها في الانصراف وأقام بالناس منتظرا لها فوصلت عتمة يوم السبت.
стр. 214
وأجيلت في سبب انصراف هذه الملكة المترفة قداح الظنون وسلت الخواطر على استخراج سرها المكنون فمنهم من يقول أنها انصرفت انفة لبعض ما انتقدته على الأمير ومنهم من قال إن نوازع الشوق للمجاورة عطفت بها إلى المثابة المكرمة ولا يعلم الغيب إلا الله وكيف ما كان الأمر فقد كفى الله العطلة بسببها وأطلق سبيل الحاج ولله الحمد على ذلك.
وأبو هذه المرأة المذكورة الأمير مسعود كما ذكرناه وهو في بسطة من ملكه واتساع من أمرته يركب له على ما حقق عند نا أكثر من مائة ألف فارس وصهره عليها نور الدين صاحب آمد وما سواها ويركب له أيضا نحو اثني عشر ألف فارس. ولخاتون هذه افعال من البر كثيرة في طريق الحاج منها سقى الماء للسبيل عينت لذلك نحو الثلاثين ناضحة ومثلها للزاد واستجلبت لما تختص به من الكسوة والأزودة وغير ذلك نحو المائة بعير وأمرها يطول وصفها وسنها نحو خمسة عشرين عاما.
ولخاتون الثانية أم معز الدين صاحب الموصل زوج بابك أخي نور الدين الذي كان صاحب الشام ﵀ ولهذه افعال كثيرة من البر.
وخاتون الثالثة ابنة الدقوس صاحب اصبهان من بلادخراسان وهي أيضا كبيرة القدر عظيمة الشأن منافسة في أفعال البر. وشأنهن جمع عيجب جدا في ماهن بسبيله من الخير والاحتفال في الأبهة الملوكية.
ثم أقلعنا ظهر يوم السبت الرابع والعشرين لذي الحجة المذكور ونزلنا بمقربة من عسفان ثم أسرينا إليها نصف الليل وصبحناها بكرة يوم الأحد وهي في بسيط من الأرض بين جبال وبها آبار معينة تنسب لعثمان رضى الله عنه وشجر المقل فيها كثير وبها حصن عتيق البنيان ذو أبراج مشيدة غير معمور قد أثر فيه القدم وأوهته قلة العمارة لوزوم الخراب فاجتزناها بأميال ونزلنا مريحين قائلين.
стр. 215
فلما كان إثر صلاة الظهر أقلعنا إلى خليص فوصلناها عشي النهار وهي أيضا في سبيط من الأرض كثيرة حدائق النخل لها جبل فيه حصن مشيد في قنته وفي البسيط حصن آخر قد أثر فيه الخراب وبها عين فوارة قد أحد ثت لها أخاديد في الأرض مسربة يستقى منها على أفواه كالآبار يجدد الناس بها الماء لقلته في الطريق بسبب القحط لمتصل والله يغيث بلاده وعباده واصبح الناس بها مقيمين يوم الإثنين لإرواء الإبل واستصحاب الماء.
وهذه الجملة العراقية ومن انضاف إليها من الخراسانية والمواصلة وسائر جهات الافاق من الواصلين صحبة أمير الحاج المذكور جمع لا يحصى عدده إلا الله تعالى يغص بهم البسيط الافيح ويضيق عنهم المهمه الصحصح١ فترى الأرض تميد بهم ميدا وتموج بجميعهم موجا فتبصر منهم بحرا طامي العباب نماؤه السراب وسفنه الركاب وشرعه الظلائل المرفوعة والقباب تسير سير السحب المتراكمة يتداخل بعضها على بعض ويضرب بعضها جوانب بعض فتعاين لها تزاحما في البراح المنفسح يهول ويروع واصكاكا نبع٢ المحارات فيه بعضه ببعض مقروع فمن لم يشاهد في هذا السفر العراقي لم يشاهد من اعاجيب الزمان ما يحدث به ويتحف السامع بغرابته والقدرة والقوة لله وحده وحسبك أن النازل في منزل من منازل هذه المحلة متى خرج عنها لبعض حاجة ولم تكن له دلالة يستدل بها على موضعه ضل وتلف وعاد منشودا في جملة الضوال وربما اضطر به الحال إلى الوصول إلى مضرب الأمير ورفع مسألته إليه فيأمر أحد المنشدين ببريحه٣ والهاتفين بأوامره ممن قد اعد لذلك أن يردفه خلفه على جمل ويطوف به المحلة العجاجة وهو قد ذكر له اسمه واسم جماله واسم البلد الذي هو منه فيرفع عقيرته
стр. 216
بذلك معرفا بهذا الضال ومناديا باسم الجمال وبلده إلى أن يقع عليه فيؤديه إليه ولو لم يفعل ذلك لكان آخر عهده بصاحبه إلا إن يلتقطه التقاطا أو يقع عليه اتفاقا فهذا من بعض عجائب شئون هذه المحلة وعجائبها أكثر من أن يحيط بها الوصف ولأهلها من قوة الجدة واليسار ما يعينهم على ما هم بسبيله والملك بيد الله يؤتيه من يشاء.
ولهؤلاء النسوة الخواتين في كل عام إذا لم يحججن بأنفسهن نواضح مسبلة مع الحاج يرسلنها مع ثقات يسقون أبناء السبيل في المواضع المعروف فيها الماء في الطريق كله وبعرفات وبالمسجد الحرام في كل يوم وليلة فلهن في ذلك اجر عظيم وما التوفيق إلا بالله ﷻ . فتسمع لمنادي على النواضح يرفع صوته بالماء اللسبيل فيهطع إليه المرملون١ من الزاد والماء بقربهم وأباريقهم فيملؤونها ويقول المنادي في اشادته بصوته ابقى الله الملكة خاتون ابنة الملك الذي من أمره كذا ومن شأنه كذا ويحليه بحلاه٢ إعلانا باسمها وإظهارا لفعلها واستجلابا للدعاء لها من الناس والله لايضيع أجر من أحسن عملا وقد تقدم تفسير هذه اللفظة خاتون وانها عندهم بمنزلة السيدة أو ما يليق بهذا اللفظ الملوكي النسائي.
ومن عجيب هذه المحلة أيضا على عظمها وكبرها وكونها وجود دنيا بأسرها أنها إذا حطت رحالها ونزلت منزلها ثم ضرب الأمير طبله للانذار بالرحيل ويسمونه الكوس لم يكن بين استقلال الرواحل بأوقارها ورحالها وركباها إلا كلا ولا فلا يكاد يفرغ الناقر من الضربة الثالثة إلا والركائب قد أخذ ت سبيلها كل ذلك من قوة الاستعداد وشدة الاستظهار على الاسفار والحول والقوة لله وحده لا إله سواه.
стр. 217
وإسراؤها بالليل بمشاعيل موقدة يمسكها الرجالة بأيديهم فلا تبصر قشاوة من القشاوات إلا وأمامها مشعل فالناس يسيرون منها بين كوكب سيارة توضح غسق الظلماء وتباهي بها الأرض انجم المساء والمرافق الصناعية وغيرها من المصالح الدينية والمنافع الحيوانية كلها موجودة بهذه المحلة غير معدومة ووصفها يطول والأخبار عنها لاتنحصر.
فلما كان ظهر يوم الإثنين إثر الصلاة أقلعنا من خليص مرتحلين وتمادى سيرنا إلى العشاء الآخرة ثم نزلنا ونمنا نومة خفيفة ثم ضرب الكوس فأقلعنا وأسرينا إلى ضحى من النهار ثم نزلنا مريحين إلى أول الظهر من يوم الثلاثاء ثم أقلعنا من منزلنا ذلك إلى واد يعرف بوادي السمك اسم يكاد يكون وقاعا على غير مسمى فنزلناه مع العشاء الآخرة واصبحنا به مقيمين يوم الأربعاء لتجديد حمل الماء وهو بهذا الوادي في مستنقعات وربما حفر عليه في الرمل فأقلعنا منه أول ظهر يوم الأربعاء المذكور ثم أجزنا مع الليل عقبة محجرة كؤودا ذهب فيها من الجمال كثير ونزلنا في بسيط من الأرض ونمنا إلى نصف الليل ثم رحلنا في مهمة أفيح بسيط ممتد مد البصر ورملة منثالة١ فمشت الجمال فيهادون مقطرة٢ لانفساح طريقها.
ثم نزلنا مريحين قائلين يوم الخميس التاسع والعشرين من ذي الحجة وبيننا وبين بدر مقدار مرحلتين
فلما كان أول الظهر رحلنا إلى مقربة من بدر فنزلنا بائتين ثم قمنا قبل نصف الليل فوصلنا بدرا وقدارتفع النهار. وهي قرية فيها حدائق نخل متصلة وبها حصن في ربوة مرتفعة ويدخل إليها على بطن واد بين جبال وببدر عين فوارة وموضع القليب الذي كان بإزائه الوقعة السلامية التي اعزت الدين وأذلت المشركين هو اليوم نخيل وموضع الشهداء خلفه وجبل الرحمة الذي نزلت فيه الملائكة عن يسار الداخل
стр. 218
منها إلى الصفراء وبإزائه جبل الطبول وهو شبيه كثيب رمل ممتد وهذه التسمية لاشاعة لهج بها أكثر المسلمين وذلك أنهم يزعمون أن أصوات الطبول تسمع بها كل يوم جمعة كأنها آثار انذارات باقية بما سلف من النصر النبوي في ذلك الموضع والله أعلم بغيبه.
وموضع عريش النبي ﷺ يتصل بسفح جبل الطبول المذكور وموضع الوقيعة امامه وعند نخيل القليب مسجد يقال: إنه مبرك ناقة النبي ﷺ وصح عند نا على زعمة أحد الاعراب الساكنين ببدر انهم يسمعون أصوات الطبول بالجبل المذكور لكن عين لذلك كل يوم اثنين ويوم خميس فعجبنا من زعمه كل العجب ولا يعلم حقيقة ذلك إلا الله تعالى.
وبين بدر والصفراء بريد والطريق إليها في واد بين جبال تتصل بها حدائق النخيل والعيون فيه كثيرة وهو طريق حسن وبالصفراء حصن مشيد ويتصل به حصون كثيرة منها حصنان يعرفان بالتوأمين وحصن يعرف بالحسنية وآخر يعرف بالجديد إلى حصون كثيرة وقرى متصلة.
стр. 219
شهر محرم سنة ثمانين وخمسمائة١ عرفنا الله بركته وبركة سنته وخصنا فيه برحمته، وتكفلنا بعصمته
استهل هلاله ليلة السبت بموافقة الرابع عشر لشهر أبريل ونحن مقلعون من بدر إلى الصفراء فبتنا باستهلاله بهذه البقعة الكريمة: بدر حيث نصر الله المسلمين وقهر المشركين والحمد لله على ذلك
وكان نزولنا بالصفراء إثر صلاة العشاء الآخرة فأصبحنا يوم السبت مستهل الهلال المذكور مقيمين
стр. 220
مريحين بها ليتزود الناس منها الماء ويأخذوا نفس استراحة إلى الظهر ومنها إلى المدينة المكرمة إن شاء الله ثلاثة أيام فأقلعنا منها ظهر يوم السبت المذكور وتمادى السير بنا إلى إثر صلاة العشاة الآخرة والطريق في واد متصل بين جبال فنزلنا ليلة الأحد ثم أقعلنا نصف الليل وتمادى سيرنا إلى ضحى من النهار فنزلنا مريحين قائلين ببئر ذات العلم ويقال إن على بن أبي طالب رضى الله عنه قاتل الجن بها وتعرف أيضا بالروحاء والبئر المذكورة متناهية بعد الرشاء١ لا يكاد يحلق قعرها وهي معينة.
ورحلنا منها إثر صلاة الظهر من يوم الأحد وتمادى بنا السير إلى إثر صلاة العشاء لآخرة فنزلنا شعب على رضى الله عنه وأقلعنا منه نصف الليل إلى تربان إلى البيداء ومنها تبصر المدينة المكرمة فنزلنا
ضحى يوم الإثنين الثالث لمحرم المذكور بوادي العقيق وعلى شفيره مسجد ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله ﷺ والمدينة من هذا الموضع على خمسة اميال ومن ذي الحليفة حرم المدينة إلى مشهد حمزة إلى قباء وأول ما يظهر للعين منارة مسجدها بيضاء مرتفعة ثم رحلنا منها إثر صلاة الظهر من يوم الإثنين المذكور وهو السادس عشر لابريل فنزلنا بظاهر المدينة الزهراء والتربة البيضاء والبقعة المشرفة بمحمد سيد الأنبياء ﷺ تتصل مع الأحيان والآناء.
وفي عشي ذلك اليوم دخلنا المحرم المقدس لزيارة الروضة المكرمة المطهرة فوقفنا بإزائها مسلمين ولترب جنباتها المقدسة مستلمين وصلينا بالروضة التي بين القبر المقدس والمنبر واستلمنا اعواد المنبر القديمة التي كانت موطأ الرسول ﷺ والقطعة الباقية من الجذع الذي حن إليه ﷺ وهي ملصقة في عمود قائم إمام الروضة الصغيرة التي
стр. 221
بين القبر والمنبر وعن يمينك إذا استقبلت القبلة فيها ثم صلينا صلاة المغرب مع الجماعة. وكان من الاتفاق السعيد لنا أن وجدنا بعض فسحة في تلك الحال لاشتغال الناس باقامة مضاربهم وترتيب رحالهم فتمكنا من الغرض المقصود وفزنا بالمشهد المحمود وأدينا حق السلام على الصحابين الضجيعين: صديق الإسلام وفاروقه وانصرفنا إلى رحالنا مسرورين ولنعمة الله علينا شاركين ولم يبق لنا امل من آمال وجهتنا المباركة ولا وطر إلا وقد قضيناه ولا غرض من اغراضنا المامولة إلا وبلغناه وتفرغت الخواطر للاياب للوطن نظم الله الشمل وتمم علينا الفضل والحمد لله على ما اولاه واسداه واعاده من جميل صنعه وابداه فهو أهل الحمد والشكر ومستحقه لا إله سواه.
стр. 222
ذكر مسجد رسول الله ﷺ ،
وذكر روضته المقدسة المطهرة
المسجد المبارك مستيطل وتحفه من جهاته الأربع بلاطات مستديرة به ووسطه كله صحن مفروش بالرمل والحصى فالجهة القبلية منها لها خمسة بلاطات مستطيلة من غرب إلى شرق والجهة الجوفية لها أيضا خمسة بلاطات على الصفة المذكورة والجهة الشرقية لها ثلاثة بلاطات والجهة الغربية لها أربعة بلاطات.
والروضة المقدسة مع آخر الجهة القبلية مما يلي الشرق وانتظمت من بلاطاته ممنا يلي الصحن في السعة اثنين ونيفت إلى البلاط الثالث بمقدار أربعة أشبار ولها خمسة أركان بخمس صفحات وشكلها شكل عجيب لا يكاد يتأتى تصويره ولا تمثيله والصفحات الأربع محرفة من القبلة تحريفا بديعا لا يتأتى لاحد معه استقابلها في صلاته لأنه ينحرف عن القبلة.
وأخبرنا الشيخ الإمام العالم الورع بقية العلماء وعمدة الفقهاء أبو
стр. 223
إبراهيم إسحاق بن إبراهيم التونسي ﵁ أن عمر ابن عبد العزيز ﵁ اخترع ذلك في تدبير بنائها مخافة أن يتخدها الناس مصلى.
وأخذت أيضا من الجهة الشرقية سعة بلاطين فانتظم داخلها من أعمدة الابلطة ستة وسعة الصفحة القبلية منها أربعة وعشرون شبرا وسعة الصفحة الشرقية ثلاثون شبرا وما بين الركن الشرقي إلى الركن الجوفي صفحة سعتها خمسة وثلاثون شبرا ومن الركن الجوفي إلى الغربي صفحة سعتها تسعة وثلاثون شبرا ومن الركن الغربي إلى القبلي صفحة سعتها أربعة وعشرون شبرا. وفي هذه الصفحة صندوق آبنوس مختم بالصندل مصفح بالفضة مكوكب بها هو قبالة رأس النبي ﷺ وطوله خمسة أشبار وعرضه ثلاثة أشبار وارتفاعه أربعة أشبار وفي الصفحة التي بين الركن الجوفي والركن الغربي موضع عليه ستر مسبل يقال إنه كان مهبط جبريل ﵇. فجميع سعة الروضة المكرمة من جميع جهاتها مائتا شبر واثنان وسبعون شبرا وهي مؤزرة بالرخام البديع النحت الرائع النعت وينتهي الازار منها إلى نحو الثلث أو أقل يسيرا وعليه من الجدار المكرم ثلث آخر قد علاه تضميخ المسك والطيب مقدار نصف شبر مسودا مشققا متراكما مع طول الأزمنة والأيام والذي يعلوه من الجدار شبابيك عود متصلة بالسمك الأعلى لأن أعلى الروضة المباركة متصل بسمك المسجد وإلى حيز إزار الرخام تنتهي الاستار وهي لازوردية اللون مختمة بخواتيم بيض مثمنة ومربعة وفي داخل الخواتيم دوائر مستديرة ونفط بيض تحف بها فمنظرها منظر رائق بديع لشكل وفي اغلاها رسم مائل إلى البياض. وفي الصفحة القبلية إمام موجه النبي ﷺ مسمار فضة هو قبالة الوجه الكريم فيقف الناس أمامه للسلام. وإلى قدميه ﷺ رأس أبي بكر الصديق رضى الله عنه ورأس عمر الفاروق مما يلي كتفى أبي بكر الصديق رضى الله عنهما فيقف المسلم مستدبر القبلة ومستقبل الوجه الكريم فيسلم ثم
стр. 224
ينصرف يمينا إلى وجه أبي بكر ثم إلى وجه عمر ﵄. وأمام هذه الصفحة المكرمة نحو العشرين قنديلا معلقة من الفضة وفيها اثنان من ذهب وفي جوفي الروضة المقدسة حوض صغير مرخم في قبلته شكل محراب قيل إنه كان بيت فاطمة رضى الله عنها ويقال هو قبرها والله أعلم بحقيقة ذلك.
وعن يمين الروضة المكرمة المنبر الكريم ومنه إليها اثنتان وأربعون خطوة وهو في الحوض المبارك الذي طوله أربع عشر خطوة وعرضه ست خطا وهو مرخم كله وارتفاعه شبر ونصف وبينه وبين الروضة الصغيرة التي بين القبر الكريم والمنبر وفيها جاء الأثر أنها روضة من رياض الجنة ثماني خطوات.
وفي هذه الروضة يتزاحم الناس للصلاة وحق لهم ذلك وبإزائها لجهة القبلة عمود يقال: إنه مطبق على بقية الجذع الذي حن للنبي ﷺ وقطعة منه في وسط العمود ظاهره يقبلها الناس ويبادرون للتبرك بلمسها ومسح خدودهم فيها وعلى حافتها في القبلة منها الصندوق. وارتفاع المنبر الكريم نحو القامة أو أزيد وسعته خمسة أشبار وطوله خمس خطوات وأدراجه ثمانية وله باب على هيئة الشباك مقف يفتح يوم الجمعة وطوله أربعة أشبار ونصف شبر.
والمنبر مغشى بعود الآبنوس ومقعد الرسول ﷺ من أعلاه ظاهر قد طبق عليه بلوح من الآبنوس غير متصل به يصونه من القعود عليه فيدخل الناس أيديهم إليه ويتمسحون به تبركا بلمس ذلك المقعد الكريم. وعلى رأس رجل المنبر إليمنى حيث يضع الخطيب يده إذ خطب حلقة فضة مجوفة مستطيلة تشبه حلقة الخياط التي يضعها في اصبعه صفة لا صغرا لأنها أكبر منها لاعبة تستدير في موضعها يزعم الناس أنها لعبة الحسن والحسين رضى الله عنهما في حال خطبة جدهما صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 225
وطول المسجدالكريم مائة خطوة وست وتسعون خطوة وسعته مائة وست وعشرون خطوة وعدد سواريه مائتان وتسعون وهي أعمدة متصلة بالسمك دون قسى تنعطف عليها فكأنها دعائم قوائم وهي من حجر منحوت قطعا قطعا ململمة مثقبة توضع اثنى في ذكر ويفرغ بينهما الرصاص المذاب إلى أن تتصل عمودا قائما وتكسى بغلاله جيار١ ويبالغ في صقلها ودلكها فتظهر كأنها رخام أبيض.
والبلاط المتصل بالقبلة من الخمسة بلاطات المذكورة تحف به مقصورة تكتنفه طولا من غرب إلى شرق والمحراب فيها ويصلى الإمام في الوضة الصغير المذكورة إلى جانب الصندوق وبينهما وبين الروضة والقبر المقدس محمل كبير مدهون عليه مصحف كبير في عشاء مقفل عليه هو أحد المصاحف الأربعة التي وجه بها عثمان بن عفان رضى الله عنه إلى البلاد. وبإزاء المقصورة إلى جهة الشرق خزانتان كبيرتان محتويتان على كتب ومصاحف موقوفة على المسجد المبارك.
ويليهما في البلاط الثاني لجهة الشرق أيضا دفة مطبقة على وجه الأرض مقفلة هي على سرداب يهبط إليه على ادراج تحت الأرض يفضى إلى خارج المسجد إلى دار أبي بكر الصديق رضى الله عنه وهو كان طريق عائشة إليها وبإزائها دار عمر بن الخطاب ودار ابنه عبد الله ﵄ ولا شك أن ذلك الموضع هو موضع الخوخة المفضية لدار أبي بكر التي أمر النبي ﷺ بإبقائها خاصة.
وأمام الروضة المقدسة أيضا صندوق كبير هو للشمع والاتوار التي توقد إمام الروضة كل ليلة وفي الجهة الشرقية بيت مصنوع من عود هو موضع مبيت بعض السدنة الحارسين للمسجد المبارك وسدنته فتيان احابيتس وصقالب
стр. 226
ظراف الهيئات نظاف الملابس والشارات والمؤذن الراتب فيه أحد أولاد بلال رضى الله عنه. وفي جهة جوف الصحن قبة كبيرة محدثة جديدة تعرف بقبة الزيت هي مخزن الجميع آلات المسجد المبارك وما يحتاج إليه فيه وبإزائها في الصحن خمس عشرة نخلة وعلى رأس المحراب الذي في جدار القبلة داخل المقصورة حجر مربع أصفر قدر شبر في شبر ظاهر البريق والبصيص يقال: إنه كان مرآة كسرى والله أعلم بذلك وفي أعلاه داخل المحراب ممسار مثبت في جدار فيه شبه حق صغير لا يعرف من أي شيء هو ويزعم أيضا إنه كان كأس كسرى والله أعلم بحقيقة ذلك كله.
ونصف جدار القبلة الأسفل رخام موضوع إزارا على إزار١ مختلف الصنعة واللون مجزع أبدع تجزيع والنصف الأعلى من الجدار منزل كله بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء قد انتج الصناع فيه نتائج من الصنعة غريبة تضمنت تصاوير اشجار مختلفات الصفات مائلات الأغصان بثمرها. والمسجد كله على تلك الصفة لكن الصنعة في جدار القبلة أحفل والجدار الناظر إلى الصحن من جهة القبلة كذلك ومن جهة الجوف أيضا والغربي والشرفي الناظران إلى الصحن مجردان أبيضان ومقرنصان قد زينا برسم يتضمن أنواعا من الأصبغة إلى ما يطول وصفه وذكره من الاحتفال في هذا المسجد المبارك المحتوى على التربة الظاهرة المقدسة وموضوعها أشرف ومحلها ارفع من كل ما تزين به.
وللمسجد المبارك تسعة عشر بابا لم يبق منها مفتحا سوى أربعة في الغرب منها اثنان يعرف ألواح د ببا الرحمة والثاني بباب الخشية وفي الشرق اثنان يعرف ألواح د بباب جبريل ﵇ والثاني بباب الرخاء ويقابل باب جبريل ﵇ دار عثمان رضى الله عنه وهي التي استشهد
стр. 227
بها ويقابل الروضة المكرمة من هذه الجهة الشرقية روضة جمال الدين الموصلي ﵀ المشهور خبره وأثره وقد تقدم ذكر مآثره.
وأمام الروضة المكرمة شباك حديد مفتوح إلى روضته تتنسم منها روحا وريحانا وفي القبلة باب واحد صغير مغلق وفي الجوف أربعة مغلقة وفي الغرب خمسة مغلقة أيضا وفي الشرق خمسة أيضا مغلقة فكملت بالأربعة المفتوحة تسعة عشر بابا. وللمسجد المبارك ثلاث صوامع إحد اها في الركن الشرقي المتصل بالقبلة والاثنتنان في ركني الجهة الجوفية صغيرتان كأنهما على هيئة برجين والصومعة الأولى المذكورة على هيئة الصوامع.
стр. 228
ذكر المشاهد المكرمة التي ببقيع الغرقد وصفح جبل أحد
فأول ما نذكر من ذلك مسجد حمزة رضى الله عنه وهو بقبلى الجبل المذكور الجبل جوفي المدينة وهو على مقدار ثلاثة اميال وعلى قبره ﵁ مسجد مبنى والقبر برحبة جوفي المسجد والشهداء رضى الله عنهم بازائه والغار الذي اوى إليه النبي ﷺ بإزاء الشهداء أسفل الجبل وحول اشهداء تربة حمراء هي التربة التي تنسب إلى حمزة يتبرك الناس بها.
وبقيع الغرقد شرقي المدينة تخرج إليه على باب يعرف بباب البقيع وأول ما تلقى عن يسارك عند خروجك من الباب المذكور مشهد صفية عمة النبي ﷺ أم الزبير بن العوام رضى الله عنه وأمام هذه التربة قبر مالك بن أنس الإمام المدني ﵁ وعليه قبة صغيرة مختصرة البناء وأمامه قبر السلالة الطاهرة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه
стр. 229
وسلم وعليه قبة بيضاء وعلى اليمين منها تربة ابن لعمر بن الخطاب رضى الله عنه اسمه عبد الرحمن الأوسط وهو المعروف بأبي شحمة وهو الذي جلده أبوه الحد فمرض ومات رضى الله عنهما. وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب رضى الله عنه وعبد الله بن جعفر الطيار رضى الله عنه وبإزائهم روضة فيها أزواج النبي ﷺ وبازائها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبي ﷺ
ويليها روضة العباس بن عبد المطلب والحسن بن علي رضى الله عنهما وهي قبة مرتفعة في الهواء على مقربة من باب البقيع المذكور وعن يمين الخارج منه ورأس الحسن إلى رجلي العباس ﵄ وقبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع الصاق مرصعة بصفائح الصفر ومكوكبة بمساميره على أبدع صفة وأجمل منظر وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم ابن النبي ﷺ . ويلي هذه القبة العباسية بيت ينسب لفاطمة بنت الرسول ﷺ ويعرف ببيت الحزن يقال: إنه الذي أوت إليه والتزمت فيه الحزن على موت أبيها المصطفى ﷺ
وفي آخر البقيع قبر عثمان الشهيد المظلوم ذي النورين رضى الله عنه وعليه قبة صغيرة مختصرة وعلى مقربة منه مشهد فاطمة ابنة أسد أم على رضى الله عنها وعن بنيها.
ومشاهد هذا البقيع أكثر من أن تحصى لأنه مدفن الجمهور الأعظم من الصحابة المهاجرين والأنصار رضى الله عنهم أجمعين وعلى قبر فاطمة المذكورة مكتوب: ما ضم قبر أحد كفاطمة بنت أسد رضى الله عنها وعن بنيها.
وقباء قبلي المدينة ومنها إليها نحو الميلين وكانت مدينة كبيرة متصلة بالمدينة المكرمة والطريق إليها بين حدائق النخل المتصلة والنخيل محدق بالمدينة من جهاتها وأعظمها جهة القبلة والشرق وأقلها جهة الغرب. والمسجد المؤسس على التقوى بقباء مجدد وهو مربع مستوى الطول والعرض وفيه
стр. 230
مئذنة طويلة بيضاء تظهر على بعد وفي وسطه مبرك الناقة بالنبي ﷺ وعليه حلق١ قصير شبه روضة صغيرة يتبرك الناس بالصلاة فيه وفي صحنه مما يلي القبلة شبه محراب على مصطبة هو أول موضع ركع فيه النبي ﷺ وفي قبلته محاريب وله باب واحد من جهة الغرب وهو سبعة بلاطات في الطول ومثلها في العرض.
وفي قبلة المسجد دار لبني التجار وهي دار أبي أيوب الأنصاري وفي الغرب من المسجد رحبة فيها بئر وبازائهما على الشفير حجر متسع شبيه البيلة٢ يتوضأ الناس فيه ويلي دار بنى النجار دار عائشة رضى الله عنها وبإزائها دار عمر ودار فاطمة ودار أبي بكر رضى الله عنهم وبإزائهما بئر أريس حيث تفل النبي ﷺ فعاد ماؤها عذبا بعد ما كان أجاجا وفيها وقع خاتمه من يد عثمان رضى الله عنه والحديث مشهور.
وفي آخر القرية تل مشرف يعرف بعرفات يدخل إليه على دار الصفة حيث كان عمار وسلمان وأصحابهما المعروفون بأهل الصفة وسمى ذلك التل عرفات لأنه كان موقف النبي ﷺ يوم عرفة منه زويت له الأرض فأبصر الناس بعرفات وآثار هذه القرية المكرمة ومشاهدها كثيرة لا تحصى.
وللمدينة المكرمة أربعة أبواب وهي تحت سورين في كل سور باب يقابله آخر ألواح د منها كله حديد ويعرف باسمه باب الحديد ويليه باب الشريعة ثم باب القبلة وهو مغلق ثم باب البقيع وقد تقدم ذكره
وقبل وصولك سور المدينة من جهة الغرب بمقدار غلوة تلقى الخندق الشهير ذكره الذي صنع النبي ﷺ عند تحزب الأحزاب.
وبينه وبين المدينة عن يمين الطريق العين المنسوبة للنبي صلى الله عليه
стр. 231
وسلم وعليها حلق عظيم مستطيل ومنبع العين وسط ذلك الحلق كأنه الحوض المتسطيل وتحته سقايتان مستطيلتان باستطالة الحلق وقد ضرب بين كل سقاية وبين الحوض المذكور بجدار فحصل الحوض محدقا بجدارين وهو يمد الساقيتين المذكورتين ويهبط إليهما على أدراج عددها نحو الخمسة والعشرين درجا
وماء هذه العين المباركة يعم أهل الأرض فضلا عن أهل المدينة فهي لتطهير الناس واستقائهم وغسل أثوابهم والحوض المذكور لا يتناول فيه غير الاستقاء خاصة صونا له ومحافظة عليه وبمرقبة منه مما يلي المدينة قبة حجر الزيت يقال: إن الزيت رشح للنبي ﷺ من ذلك الحجر ولجهة الجوف منه بئر بضاعة وبازائها لجهة إليسار جبل الشيطان حيث صرخ لعنه الله يوم أحد حين قال: قتل نبيكم.
وعلى شفير الخندق المذكور حصن يعرف بحصن العزاب وهو خرب قيل: إن عمر رضى الله عنه بناه لعزاب المدينة وأمامه لجهة الغرب على البعد بئر رومة التي اشترى نصفها عثمان رضى الله عنه بعشرين ألفا وفي طريق أحد م مسجد على رضى الله عنه ومسجد سلمان رضى الله عنه ومسجد الفتح الذي أنزلت فيه على النبي ﷺ سورة الفتح.
وللمدينة المكرمة سقاية ثالثة داخل باب الحديد يهبط إليها على ادراج وماؤها معين وهي بمقرة من الحرم الكريم وبقبلي هذا الحرم المكرم دار إمام دار الهجرة مالك ابن أنس رضى الله عنه ويطيف بالحرم كله شارع مبلط بالحجر المنحوت المفروش.
فهذا ذكر ما تمكن على الاستعجال من آثار المدينة المكرمة ومشاهدها على جهة الاقتضاب والاختصار والله ولي التوفيق.
стр. 232
الخاتون بنت الأمير سعود
ومن عجيب ما شاهدناه من الأمور البديعة الداخلة مدخل السمعة والشهرة أن إحدى الخواتين المذكورات وهي بنت الأمير مسعود المتقدم ذكرها وذكر أبيها وصلت عشي يوم الخميس السادس لمحرم ورابع يوم وصولنا إلى مسجد رسول ﷺ راكبه في قبتها وحولها قباب كرائمها وخدمها والقراء إمامها والفتيان والصقالب بأيديهم مقامع الحديد يطوفون حولها ويدفعون الناس أمامها إلى أن وصلت إلى باب المسجد المكرم فنزلت تحت ملحفة مبسوطة عليها ومشت إلى أن سلمت على النبي ﷺ والخول إمامها والخدام يرفعون أصواتهم بالدعاء لها اشادة بذكرها ثم وصلت إلى الروضة الصغيرة التي بين القبر الكريم والمنبر فصلت فيها تحت الملحفة والناس يتزاحمون عليها والمقامع تدفعهم عنها ثم صلت في الحوض بإزاء المنبر ثم مشت إلى الصفحة الغريبة من الروضة المكرمة فقعدت في الموضع الذي يقال: إنه كان مهبط جبريل ﵇ وأرخي الستر عليها وأقام فتيانه اوصقالبها وحجابها على رأسها خلف الستر تأمرهم بأمرها واستجلبت معها إلى المسجد حلمين من المتاع للصدقة فما زالت في موضعها إلى الليل.
стр. 233
وعظ رئيس العلماء
وقد وقع الإيذان بوصول صدر الدين رئيس الشافيعة الأصبهاني الذي ورث النباهة والوجاهة في العلم كابرا عن كابر لعقد مجلس وعظ تلك الليلة وكانت ليلة الجمعة السابع من المحرم فتأخر وصوله إلى هدء من الليل والحرم قد غص بالمنتظرين والخاتون جالسة موضعها وكان سبب تأخره تأخر أمير
стр. 234
الحجاج لأنه كان على عدة من وصوله إلى أن وصل ووصل الأمير وقد اعد لرئيس العلماء المذكور وهو يعرف بهذا الاسم توراثه عن أب فأب كرسي بازاء الروضة المقدسة فصعده وحضر قراؤه أمامه فابتدروا القراءة بنغمات عجيبة وتلاحين مطربة مشجية وهو يلحظ الروضة المقدسة فيعلن بالبكاء
ثم أخذ في خطبة من إنشائه سحرية البيان ثم سلك في أساليب من الوعظ باللسانين وأنشد أبياتا بديعة من قوله منها هذا البيت وكان يردده في كل فصل من ذكره ﷺ ويشير إلى الروضة:
هاتيك روضته تفوح نسيما
...
صلوا عليه وسلموا تسليما
واعتذر من التقصير لهول ذلك المقام وقال: عجبا للألكن الأعجم كيف ينطق عند أفصح العرب! وتمادى في وعظه إلى أن أطار النفوس خشية ورقة وتهافتت عليه الأعاجم معلنين بالتوبة وقد طاشت ألبابهم وذهلت عقولهم فيلقون نواصيهم بين يديه فيستدعى جلمين ويجزها ناصية ناصية ويكسو عمامته المجزوز الناصية فيوضع عليه للحين عمامة أخرى من أحد قرائه أو جلسائه ممن قد عرف منزعه الكريم في ذلك فبادر بعمامته لاستجلاب العرض النفيس لمكارمه الشهيرة عندهم فلا يزال يخلع واحدة بعد أخرى إلى أن خلع منها عدة وجز نواصي كثيرة ثم ختم مجلسه بأن قال: معشر الحاضرين قد تكلمت لكم ليلة بحرم الله وهذه الليلة بحرم رسوله ﷺ ولا بد للواعظ من كدية وأنا أسالكم حاجة أن ضمنتموها لي أرقت لكم ماء وجهي في ذكرها فأعلن الناس كلهم بالإسعاف، وشهيقهم قد علا فقال: حاجتي أن تكشفوا رؤوسكم وتبسطوا أيديكم ضارعين لهذا النبي الكريم في أن يرضى عني ويسترضي الله لي. ثم أخذ في تعداد ذنوبه والاعتراف بها فأطار الناس عمائهم وبسطوا أيديهم للنبي ﷺ داعين له باكين متضرعين فما رأيت ليلة
стр. 235
أكثر دموعا ولا أعظم خشوعا من تلك الليلة ثم انفض المجلس وانفض الأمير وانفضت الخاتون من موضعها وعند وصول صدر الدين المذكور أزيل الستر عنها وبقيت بين خدمها وكرائمها متلفعة في ردائها فعاينا من أمرها في الشهرة الملوكية عجبا.
وأمر هذا الرجل صدر الدين عجيب في قعدده١ وابهته وملوكيته وفخامة آلته وبهاء حالته وظاهر مكنته ووفور عدته وكثرة عبيده وخدمته واحتفال حاشيته وغاشيته فهو من ذلك على حال يقصر عنها الملوك وله مضرب كالتاج العظيم في الهواء مفتح على أبواب على هيئة غريبة الوضع بديعة الصنعة والشكل تطل على المحلة من بعد فتبصره ساميا في الهواء وشأن هذا الرجل العظيم لا يستوعيه الوصف شاهدنا مجلسه فرأينا رجلا يذوب طلاقة وبشرا ويخف للزائر كرامة وبرا على عظيم حرمته وفخامة بنيته وهو قد أعطى البسطتين علما وجسما استجزناه فاجازنا نثرا ونظما وهو أعظم من شاهدنا بهذه الجهات.
وفي يوم الجمعة المذكور وهو السابع من محرم شاهدنا من أمور البدعة أمرا ينادي له الإسلام بالله يا للمسلمين وذلك أن الخطيب وصل للخطبة فصعد منبر النبي ﷺ وهو على ما يذكر على مذهب غير مضى ضد الشيخ الإمام العجمي الملازم صلاة الفريضة في المجسد المكرم فذلك على طريقة من الخير والورع لائقة بامام مثل ذلك الموضع الكريم. فلما أذن المؤذنون قام هذا الخطيب المذكور للخطبة وقد تقدمته الرايتان السوداوان وقد ركزتا بجانبي المبنر الكريم فقام بينهما فلما فرغ من الخطبة الأولى جلس جلسة خالف فيها جلسة الخطباء المضروب بها المثل في السرعة وابتدر الجمع مردة من الخدمة يخترقون الصفوف ويتخطون الرقاب،
стр. 236
كدية١ على الأعاجم والحضارين لهذا الخيطب القليل التوفيق فمنهم من يطرح الثوب النفيس ومنهم من يخرج الشقة الغالية من الحرير فيعطيها وقد اعدها لذلك ومنهم من يخلع عمامته فينبذها ومنهم من يتجرد عن برده فيلقى به ومنهم من لا يتسع حاله لذلك فيسمح بفضله من الخام ومنهم من يدفع القراضة من الذهب ومنهم من يمد يده بالدينار والدينارين إلى غير ذلك ومن النساء من تطرح خلخالها وتخرج خاتمها فتلقيه إلى ما يطول الوصف له من ذلك. والخطيب في أثناء هذه الحال كلها جالس على المنبر يلحظ هؤلاء المستجدين المستسعين على الناس بلحظات يكررها الطمع ويعيدها الرغبة والاستزادة إلى أن كاد الوقت ينقضى والصلاة تفوت وقد ضج من له دين وصحة من الناس وأعلن بالصياح وهو قاعد ينتظر اشتفاف صبابة الكدية وقد أراق عن وجهه ماء الحياء فاجتمع له من ذلك السحت المؤلف كوم عظيم امامه فلما ارضاه قام وأكمل الخطبة وصلى بالناس وانصرف أهل التحصيل باكين على الدين يائسين من فلاح الدينا متحققين اشراط الآخرة ولله الأمر من قبل ومن بعد!
وفي عشي ذلك اليوم المبارك كان وداعنا للروضة المباركة والتربة المقدسة فياله وداعا عجبا ذهلت له النفوس ارتياعا حتى طارت شعاعا واستشرت به النفوس التياعا حتى ذابت انصداعا وما ظنك بموقف ناجي التوديع فيه سيد الأولين والاخرين وخاتم النبيين ورسول رب العالمين؟ إنه لموقف تنفطر له الافئدة وتطش به الألباب الثابتة المتئدة فوا أسفاه وا أسفاه! كل يبوح لديه بأشواقه ولا يجد بدا من فارقه فما يتسطيع إلى الصبر سبيلا ولا تسمع في هول ذلك المقام إلا رنة وعويلا وكل بلسان الحال ينشد:
محبتي تقتضي مقامي
...
وحالتي تقتضى الرحيلا
стр. 237
بوأنا الله بزيارة هذا النبي الكريم منزل الكرامة وجعله شفيعا لنا يوم القيامة وأحلنا من فضله في جواره دار المقامة برحمته إنه غفور رحيم جواد كريم. وكان مقامنا بالمدينة المكرمة خمسة أيام أولها يوم الإثنين وآخرها يوم الجمعة.
стр. 238
من المدينة إلى العراق
وفي ضحوة يوم السبت الثامن لمحرم المذكور والحادي والعشرين من شهر إبريل كان رحيلنا من المدينة المكرمة إلى العراق قرب الله لنا المرام وسهل علينا السبيل واسصحبنا منها لماء الثلاثة أيام فنزلنا يوم الإثنين ثالث يوم رحيلنا المذكور بوادي العروس فتزود الناس منها الماء يحرفون عليه في الأرض بئرا فينبع منها ماء عذب معين يروى الأمة التي لا يحصى لها عدد من هذه المحلة مع جمالها التي تنيف على عددها ولله القدرة سبحانه.
وصعدنا من وادي العروس إلى أرض نجد وخلفنا تهامة وراءنا ومشينا في بسيطة من الأرض ينحسر الطرف دون ادناها ولا يبلغ مداها وتنسمنا نسيم نجد وهواءها المضروب به المثل فانتشعت النفوس والاجسام ببرد نسيمه وصحة هوائه ونزلنا يوم الثلاثاء رابع يوم رحيلنا على ماء يعرف بماء العسيلة ثم نزلنا يوم الأربعاء خامس يوم رحيلنا بموضع يعرف بالنقرة وفيها آبار ومصانع كالصهاريج العظام وجدنا أحد ها مملوءا بماء المطر فعم جميع المحلة ولم ينضب على كثرة المحلة واستماحتها.
وصفة مراحل هذا الأمير بالحاج أن يسرى من نصف الليالي إلى ضحية ثم ينزل إلى أول الظهر ثم يرحل وينزل مع العشاء الآخرة ثم يقوم نصف الليل هذا دأبه.
ونزلنا ليلة الخميس الثالث عشر لمحرم وسادس يوم رحيلنا على ماء
стр. 239
يعرف بالقارورة وهي مصانع١ مملوءة بماء المطر وهذا الموضع هو وسط أرض نجد وما أرى أن في المعمورة ارضا افسح بسيطا ولا أوسع أنفا ولا أطيب نسيما ولا أصح هواء ولا أمد استواء ولا أصفى جوا ولا أنقى تربة ولا أنعش للنفوس والأبدان ولا أحسن اعتدالا في كل الازمان من أرض نجد ووصف محاسنها يطلو والقول فيها يتسع.
وفي يوم الخميس المذكور مع ضحوة النهار نزلنا بالحاجر والماء فيه في مصانع وربما حفروا عليه حفرا قريبة العمق يسمونها أحفارا وأحدها حفر وكنا نتخوف في هذا الطريق قلة الماء لا سيما مع عظم هذا الجمع الأنامى والأنعامي الذين لو وردوا البحر لأنزفوه واستقوه فأنزل الله من سحب رحمته ما أعاد الغيطان عذرانا وأجرى المسول٢ سيولا وصير الوهاد مملوءة عهادا٣ فكنا نبصر مذانب٤ الماء سائحة على وجه الأرض فضلا من الله ونعمة ولطفا من الله بعباده ورحمة والحمد لله على ذلك. وفي اليوم المذكور أجزنا بالحاجز واديين سيالين وأما البرك والقرارات فلا تحصى.
وفي يوم الجمعة بعده نزلنا ضحوة النهار سميرة وهي موضع معمور وفي بسيطها شبه حصن يطيف به حلق كبير مسكون ولماء فيه في آبار كثيرة إلا أنها زعاق ومستنفعات وبرك وتبايع العرب فيها مع الحاج فيما أخرجوه من لحم وسمن ولبن ووقع الناس على قرم وعيمة٥ فبادروا الابتياع لذلك بشقق الخام التي يستصحبونها لمشاراة الأعراب ل، نهم لا يبايعونهم إلا بها.
وفي ضحوة يوم السبت بعده نزلنا بالجبل الخروق وهو جبل في بيداء
стр. 240
من الأرض وفي صفحه الأعلى ثقب نفاذ تخترقه الرياح ثم رحنا من ذلك الموضع وبتنا بوادي الكروش على غير غير ماء ثم أسرينا منه وأصبحنا على فيد يوم الأحد وهي حصن كبير مبرج مشرف في بسيط من الأرض بمتد حوله ربض يطيف به سور عتيق البنيان وهو معمرو بسكان من الأعراب ينتعشون مع الحاج في التجارات والمبايعات وغير ذلك من المرافق وهناك يترك الحاج بعض زادهم إعدادا للإرمال من الزاد١ عند انصرافهم ولهم بها معارف يتركون أزودتهم عندهم وهذا نصف الطريق من بغداد إلى مكة على المدينة شرفها الله أو أقل يسيرا ومنها إلى الكوفة اثنا عشر يوما في طريق سهلة طيبة والمياه فيها بحمد الله موجودة في مصانع كثيرة ودخل أمير الحاج هذا الموضع المذكور على تبعئة وأهبة إرهابا للمجتمعين به من الاعراب لئلا يداخلهم الطمع في الحاج فهم يلحظونهم مستشرفين إلى مكانهم لكنهم لا يجدون إليهم سبيلا والحمد لله. والماء بهذا الموضع كثير في آبار تمدها عيون تحت الأرض ووجد الحاج فيها مصنعا قد اجتمع فيه الماء من المطر فانتزف للحين وامتلأت أيدي الحاج القمرين من غنام العرب بالمبايعة المذكورة فلم يبق مضرب ولا خيمة ولا ظلالة إلا والى جانبها كبش أو كبشان بحسب القدرة والوجد٢ فعم جميع المحلة غنم العرب وكان ذلك اليوم عيدا من الأعياد وكذلك عمتهم أيضا جمالهم لمن اراد الابتياع منهم من الجمالين وسواهم للاستظهار على الطريق وأما السمن والسعل واللبن فلم يبق إلا من تحمل أو استعمل منها بقدر حاجته.
وأقام الناس يومهم ذلك مريحين بها إلى ظهر يوم الإثنين بعده ثم أسروا نصف الليل ترتيب سيرهم المذكور قبل ونزلوا ضحوة يوم الثلاثاء الثامن عشر لمحرم وهو أول يوم من مايه٣ بموضع يعرف بالاجفر وهو مشتهر عندهم
стр. 241
بموضع جميل وبثنية العذريين ثم أقلعنا ظهر يوم الثلاثاء المذكور على العادة ونزلنا بالبيداء مع العشاء الآخرة ثم أسرينا منها ونزلنا ضحوة يوم الأربعاء بزورد وهي وهدة في بسيط من الأرض فيها رمال منهالة وبها حلق كبير داخله دويرات صغار هو شبيه الحصن يعرف بهذه الجهات بالقصر والماء بهذا الموضع في آبار غير عذبة فنزلنا ضحوة يوم الخيمس الموفى عشرين لمحرم والثالث لمايه بموضع يعرف بالثعلبية ولها مبنى شبه الحصن خرب لم يبق منه إلا الحلق وبإزائه مصنع عظيم كبير الدور من اوسع ما يكون من الصهاريج وأعلاها والمهبط إليه على ادراج كثيرة من ثلاث جهات وكان فيه من ماء المطر ما عم جميع المحلة. ووصل إلى هذا الموضع جمع كثير من العرب رجالا ونساء واتخذوا به سوقا عظيمة حفيلة للحمال والكباش والسمن واللبن وعلف الإبل فكان يوم سوق نافقة.
وبقي من هذا الموضع إلى الكوفة من المناهل التي تعم جميع المحلة ثلاثة أحد ها زبالة والثاني واقصة، والثالث منهل من ماء الفرات على مقربة من الكوفة وبين هذه المناهيل مياه موجودة لكنها لاتعم وهذه الثلاثة المذكورة هي التي تعم الناس والإبل وهي التي تردها رفها. وفي هذا المنهل الذي للثعلبية شاهدنا من غلبة الناس على الماء أمرا هائلا لا يكاد يشاهد مثله في تغلب المدن والحصون بالقتال وحسبك أن مات في ذلك الموضع ضغطا بشدة الزحام وغطا تحت الماء بالاقدام سبعة رجال بادروا لمورد لماء فحصلوا على موردالفناء ﵏ وغفر لهم.
وفي ضحوة يوم الجمعة بعده نزلنا بموضع يعرف ببركة المرجوم وهي مصنع وقد بنى له فيما يعلوه من الأرض مصب يؤدي الماء إليه على بعد وأحكم ذلك حاكما يدل على قدرة الاتساع وقوة الاستطاع١. ولهذا المرجوم
стр. 242
المذكور مشهد على قارعة الطريق وقد علا كأنه هضبة شماء وكل مجتاز عليه لا بد أن يلقى عليه حجرا ويقال: إن أحد الملوك رجمه لأمر استوجب به ذلك والله أعلم. وبهذا الموضع بيوت كثيرة للعرب وبادروا للحين بما لديهم من مرافق الادم يبعونها من الحاج كان هذا المصنع مملوء من ماء المطر فغمر الناس وعمهم والحمد لله. وهذه المصانع والبرك والآبار والمنازل التي من بغداد إلى مكة هي آثار زبيدة ابنة جعفر ابن أبي جعفر المنصور زوج هارون الرشيد وابنة عمه وانتبدت لذلك مدة حياتها فأبقت في هذا الطريق مرافق ومنافع تعم وفد الله تعالى كل سنة من لدن وفاتها إلى الآن ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سلكت هذا الطريق والله كفيل بمجازاتها والرضى عنها.
وفي ضحوة يوم السبت بعده نزلنا بموضع يعرف بالشقوق وفيه مصنعان الفيناهما مملوءين ماء عذبا صافيا فأراق الناس مياههم وجددوا مياها طيبة واستبشروا بكثرة الماء وجددوا شكر الله على ذلك وأحد هذين المصنعين صهريج عظيم الدائرة كبيرها لا يكاد يقطعه السابح إلا عن جهد ومشقة وكان الماء قد علا فيه أزيد من قامتين فتنعم الناس من مائه سباحة واغتسالا وتنظيف اثواب وكان يومهم فيه من أيام راحة السفر.
ومن لطائف صنع الله تعال بوفده ووزار حرمه أن كانت هذه المصانع كلها عند صعودالحاج من بغداد إلى مكة دون ماء فأرسل الله من سحب رحمته ما اترعها ماء معد الصدر الحاج فضلا من الله ولطفا بوفده المنقطعين إليه.
ورحنا من ذلك الموضع المذكرو وبتنا بموضع يعرف بالتنانير وكان فيه أيضا مصنع مملوء ماء وأسرينا منه ليلة يوم الاحدالثالث والشعرين ملحرم واجتزنا سحرا بزبالة وهي قرية معموروة وفيها قصر مشيد من قصور الاعراب ومصنعان للماء وآبار وهي من مناهل الطريق الشهيرة. ونزلنا عند ما ارتفع النهار من اليوم المذكور بالهيثمين وفيهامصنعان للماء ولا نكاد نمر بحول الله يوما بموضع إلا والماء يوجد فيه والشكر لله على ذلك.
стр. 243
وبتنا ليلة الإثنين الرابع والعشرين لمحرم المذكور على مصنع مملوء ماء فسقى الناس بالليل واستقوا وهذا الموضع هو دون العقبة المعروفة بعقبة الشيطان. ومع الصباح من يوم الإثنين المذكور صعدنا العقبة وليست بالطويلة الكؤود ولكن ليس بالطريق وعر غيرها فهي شهيرة بهذا السبب ونزلنا عند ارتفاع النهار على مصنع دون ماء وأجزنا مصانع كثيرة وما منها مصنع إلا والى جانبه قصر مبنى من قصور الاعراب والطريق كلها مصانع ورضى الله عن التي اعتنت بسيبل وفد الله هذا الاعتناء.
ثم نزلنا ضحوة يوم الثلاثاء بعده بواقصة وهي وهدة من الأرض منفسحة فيها مصانع للماء مملوؤءة وقصر كبير وبإزائه اثر بناء وهي معمورة بالاعراب وهي آخر مناهل الطريق وليس بعدها إلى الكوفة منهل مشهور إلا مشارع ماء الفرات ومنها إلى الكوفة ثلاثة أيام وبها يتلقى الحاج كثير من أهل الكوفة وهم مستجلبون إليهم الدقيق والخبز والتمر والادم والفواكه الحاضرة في ذلك الوقت ويهنيء الناس بعضهم بعضا بالسلامة والحمد لله على ما من به من التيسير والتسهيل حمدا يستوجب المزيد ويستصحب من كريم صنعه المعهود.
وبتنا ليلة الأربعاء السادس والعشرين بموضع يعرف بلوزة وفيها مصنع كبير وجده الناس مملوءا فجددوا الاستسقاء ورفهوا الإبل ثم أسرينا منها وأجزنا سحر يوم الأربعاء المذكور بموضع فيه آثار بناء يعرف بالقرعاء وفيه أيضا مصنع ماء وله ستة مخازن وهي صهاريح صغار تؤدى الماء إلى المصانع استقى الناس فيها وسقوا. وكثرت المصانع حتى لا تكاد الكتب تحصرها ولا تضبطها والحمد لله على منته وسابغ نعمته.
وبتنا ليلة الخميس بعده على مصنع عظيم مملوء ماء ثم نزلنا ضحوة اليوم المذكور بمنارة تعرف بمنارة القرون وهي منارة في بيداء من الأرض لا بناء حولها قد قامت في الأرض كأنها عمود مخروط من الاجر قد تداخل فيها من
стр. 244
الخواتيم الآجرية مثمنة ومربعة أشكال بديعة ومن غريب أمرها أنها مجللة كلها قرون غزلان مثبتة فيها فتلوح كظهر الشيهم١ وللناس فيها خبر يمنع ضعف سنده من اثباته وعلى مقربة من هذه المنارة قصر ذو بروج مشيدة وبازائه مصنع عظيم وجد مملوءا ماء والحمد لله على ما من به.
واجتزنا عشي يوم الخميس المذكور على العذيب وهو واد خصيب وعيه بناء وحوله فلاة خصيبة فيها مسرح للعيون وفرجة وأعلما أن بمقربة منه بارقا ووصلنا منه إلى الرحبة وهي بمقربة منه وفيها بناء وعمارة ويجرى الماء فيها من عين نابعة في أعلى القرية المذكورة وبتنا امهاما بمقدار فرسخ ثم أسرينا ليلة الجمعة الثامن والعشرين لمحرم المذكور نصف الليل واجتزنا على القادسية وهي قرية كبيرة فيها حدائق من النخيل ومشارع من ماء الفرات واصبحنا بالنجف وهو بظهر الكوفة كأنه حد بينها وبين الصحراء وهو صلب من الأرض منفسح متسع للعين فهي مزاد استحسان وانشراح ووصلنا الكوفة مع طلوع الشمس من يوم الجمعة المذكور والحمد لله على ما انعم به من السلامة.
стр. 245
ذكر مدينة الكفوة حرسها الله تعالى
هي مدينة كبيرة عتيقة البناء قد استولى الخراب على أكثرها فالغامر٢ منها أكثر من العامر ومن أسباب خرابها فبيلة خفاجة المجاورة لها فهي لا تزال تضر بها وكفالك بتعاقب الأيام والليالي محييا ومفنيا وبناء هذه المدينة بالاجر خاصة ولا سور لها. والجامع العتيق آخرها مما يلي شرقي البلد ولا عمارة تتصل به من جهة الشرق وهو جامع كبير في الجانب القبلي منه
стр. 246
خمسة ابلطة وفي سائر الجوانب بلاطان وهذه البلاطات على أعمدة من السواري الموضوعة من صم الحجارة المنحوتة قطعة على قطعة مفرغة بالرصاص ولا قسى عليها على الصفة التي ذكرناها في مجسد رسول الله ﷺ وهي في نهاية الطول متصلة بسقف المسجد فتحار العيون في تفاوت ارتفاعها فما أرى في الأرض مسجدا اطول أعمدة منه ولا أعلى سقفا.
ولهذا الجامع المركم آثار كريمة فمنها بيت بإزاء المحراب عن يمين المستقبل القبلة يقال: إنه كان مصلى إبراهيم الخليل ﷺ وعليه ستر أسود صونا له ومنه يخرج الخطيب لابسا ثياب السواد للخطبة فالناس يزدحمون على هذا الموضع المبارك للصلاة فيه. وعلى مقربة منه مما يلي الجانب الأيمن من القبلة محراب محلق عليه باعواد الساج مرتفع عن صحن البلاط كأنه مسجد صغير وهو محراب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه وفي ذلك الموضع ضربه الشقى اللعين عبد الرحمن بن ملجم بالسيف فالناس يصلون فيه باكين داعين. وفي الزاوية من آخر هذا البلاط القبلي المتصل بآخر البلاط الغربي شبيه مسجد صغير محلق عليه أيضا بأعواد الساج هو موضع مفار التتور الذي كان آية لنوح ﵇ وفي ظهره خارج المسجد بيته الذي كان فيه وفي ظهره بيت آخر يقال إنه كان متعبد أدريس ﷺ ويتصل بهما فضاء متصل بالجدار القبلي من المسجد يقال إنه كان منشأ السفينة ومع آخر هذا الفصاء دار علي بن أبي طالب رضى الله عنه والبيت الذي غسل فيه ويتصل به بيت يقال إنه كان بيت انبة نوح ﷺ .
وهذه الآثار الكريمة تلقيناها من السنة اشياخ من أهل البلد فأثبتناه حسبما نقوله إلينا والله أعلم بصحة ذلك كله.
وفي الجهة الشرقية من الجامع بيت صغير يصعداليه فيه قبر مسلم بن عقيل بن أبي طالب رضى الله عنه وفي جوفى الجامع على بعد منه يسير
стр. 247
سقاية كبيرة من ماء الفرات فيها ثلاثة أحواض كبار.
وفي غربي المدينة على مقدار فرسخ منها المشهد الشهير الشان المنسوب لعلى بن أبي طالب رضى الله عنه وحيث بركت ناقته وهو محمول عليها مسجى ميتا على ما يذكر ويقال إن قبره فيه والله أعلم بصحة ذلك وفي هذا المشهد بناء حفيل على ما ذكر لنا لانا لم نشاهده بسب أن وقت المقام بالكوفة ضاق عن ذلك لانا لم نبت فيها سوى ليلة يوم السبت. وفي غدائه رحلنا ونزلنا قريب الظهر علي نهر منسرب من الفرات والفرات من الكوفة على مقدار نصف فرسخ مما يلي الجانب الشرقي والجانب الشرقي كله حدائق نخيل ملتفة يتصل سوادها ويمتد امتداد البصر ورحلنا من ذلك الموضع وبتنا ليلة الأحد منسلح محرم بمقربة من الحلة ثم جئناها يوم الأحد المذكور.
стр. 248
ذكر مدينة الحلة حرسها الله تعالى
هي مدينة كبيرة عتيقة الوضع مستطيلة لم يبق من سورها إلا حلق من جدار ترابي مستدير بها وهي على شط الفرات يتصل بها من جانبها الشرقي ويمتد بطولها ولهذه المدينة أسواق حفيلة جامعة للمرافق المدنية والصناعات الضرورية وهي قوية العمارة كثيرة الخلق متصلة حدائق النخيل داخلا وخارجا فديارها بين حدائق النخيل وألفينا بها جسرا عظيما معقودا على مراكب كبار متصلة من الشط إلى الشط تحف بها من جانبها سلاسل من حديد كالأذرع المفتلة عظما وضخامة ترتبط إلى خشب مثبتة في كلا الشطين تدل على عظم الاستطاعة والقدرة أمر الخليفة بعده على الفرات اهتماما بالحاج واعتناء بسيله وكانوا قبل ذلك يعبرون في المراكب فوجدوا هذا الجسر قد عقده الخليفة في مغيبهم ولم يكن عند شخوصهم إلى مكة شرفها الله.
وعبرنا الجسر ظهر يوم الأحد المذكور نزلنا بشط الفرات على مقدار فرسخ
стр. 249
من البلد وهذا النهر كاسمه فرات هو من اعذب المياه واخفها وهو نهر كبيرزخار تصعد فيه السفن وتنحدر.
والطريق من الحلة إلى بغداد أحسن طريق وأجملها في بسائط من الأرض وعمائر تتصل بها القرى يمينا وشمالا ويشق هذه البسائط اغصان من ماء الفرات تتسرب بها وتسقيها فمحرثها الأحد لاتساعه وانفساحه فللعين في هذه الطريق مسرح انشراح وللنفس مزاد انبساط وانفساح والأمن فيها متصل بحمد الله .
стр. 250
شهر صفر سنة ثمانين١ عرفنا الله يمنه وبركته
هلاله على الكمال من ليلة الإثنين بموافقة الرابع عشر من مايه استهل هلاله ونحن على شط الفرات بظاهر مدينة الحلة.
وفي ضحوة يوم الإثنين المذكور رحلنا وأجزنا جسرا على نهر يسمى النيل وهو فرع متشعب من الفرات وكان عليه ازدحام غرق كثير من الناس والدواب في الماء فتنحينا مريحين إلى أن انفرج ذلك المزدحم وعبرنا على سلامة وعافية والحمد لله.
ومن مدينة الحلة يتسلسل الحاج أرسالا وأفواجا أفواجا: فمنهم المتقدم والمتوسط والمتأخر لا يعرج المتسعجيل على المتعذر ولا المتقدم على المتأخر فحيثما شاءوا من طريقهم نزلوا واراحوا واستراحوا وسكنت نفوسهم من روعة نقر الكوس٢ الذي كانت الأفئدة ترجف له بدارا للرحيل واستعجالا للقيام فربما كان لنائم منهم يهذي بنقر الكوس فيقوم عجلا وجلا ثم يتحقق إنه من اضغاث احلامه فيعودالى منامه.