خمسة ابلطة وفي سائر الجوانب بلاطان وهذه البلاطات على أعمدة من السواري الموضوعة من صم الحجارة المنحوتة قطعة على قطعة مفرغة بالرصاص ولا قسى عليها على الصفة التي ذكرناها في مجسد رسول الله ﷺ وهي في نهاية الطول متصلة بسقف المسجد فتحار العيون في تفاوت ارتفاعها فما أرى في الأرض مسجدا اطول أعمدة منه ولا أعلى سقفا.
ولهذا الجامع المركم آثار كريمة فمنها بيت بإزاء المحراب عن يمين المستقبل القبلة يقال: إنه كان مصلى إبراهيم الخليل ﷺ وعليه ستر أسود صونا له ومنه يخرج الخطيب لابسا ثياب السواد للخطبة فالناس يزدحمون على هذا الموضع المبارك للصلاة فيه. وعلى مقربة منه مما يلي الجانب الأيمن من القبلة محراب محلق عليه باعواد الساج مرتفع عن صحن البلاط كأنه مسجد صغير وهو محراب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه وفي ذلك الموضع ضربه الشقى اللعين عبد الرحمن بن ملجم بالسيف فالناس يصلون فيه باكين داعين. وفي الزاوية من آخر هذا البلاط القبلي المتصل بآخر البلاط الغربي شبيه مسجد صغير محلق عليه أيضا بأعواد الساج هو موضع مفار التتور الذي كان آية لنوح ﵇ وفي ظهره خارج المسجد بيته الذي كان فيه وفي ظهره بيت آخر يقال إنه كان متعبد أدريس ﷺ ويتصل بهما فضاء متصل بالجدار القبلي من المسجد يقال إنه كان منشأ السفينة ومع آخر هذا الفصاء دار علي بن أبي طالب رضى الله عنه والبيت الذي غسل فيه ويتصل به بيت يقال إنه كان بيت انبة نوح ﷺ .
وهذه الآثار الكريمة تلقيناها من السنة اشياخ من أهل البلد فأثبتناه حسبما نقوله إلينا والله أعلم بصحة ذلك كله.
وفي الجهة الشرقية من الجامع بيت صغير يصعداليه فيه قبر مسلم بن عقيل بن أبي طالب رضى الله عنه وفي جوفى الجامع على بعد منه يسير
стр. 247
سقاية كبيرة من ماء الفرات فيها ثلاثة أحواض كبار.
وفي غربي المدينة على مقدار فرسخ منها المشهد الشهير الشان المنسوب لعلى بن أبي طالب رضى الله عنه وحيث بركت ناقته وهو محمول عليها مسجى ميتا على ما يذكر ويقال إن قبره فيه والله أعلم بصحة ذلك وفي هذا المشهد بناء حفيل على ما ذكر لنا لانا لم نشاهده بسب أن وقت المقام بالكوفة ضاق عن ذلك لانا لم نبت فيها سوى ليلة يوم السبت. وفي غدائه رحلنا ونزلنا قريب الظهر علي نهر منسرب من الفرات والفرات من الكوفة على مقدار نصف فرسخ مما يلي الجانب الشرقي والجانب الشرقي كله حدائق نخيل ملتفة يتصل سوادها ويمتد امتداد البصر ورحلنا من ذلك الموضع وبتنا ليلة الأحد منسلح محرم بمقربة من الحلة ثم جئناها يوم الأحد المذكور.
стр. 248
ذكر مدينة الحلة حرسها الله تعالى
هي مدينة كبيرة عتيقة الوضع مستطيلة لم يبق من سورها إلا حلق من جدار ترابي مستدير بها وهي على شط الفرات يتصل بها من جانبها الشرقي ويمتد بطولها ولهذه المدينة أسواق حفيلة جامعة للمرافق المدنية والصناعات الضرورية وهي قوية العمارة كثيرة الخلق متصلة حدائق النخيل داخلا وخارجا فديارها بين حدائق النخيل وألفينا بها جسرا عظيما معقودا على مراكب كبار متصلة من الشط إلى الشط تحف بها من جانبها سلاسل من حديد كالأذرع المفتلة عظما وضخامة ترتبط إلى خشب مثبتة في كلا الشطين تدل على عظم الاستطاعة والقدرة أمر الخليفة بعده على الفرات اهتماما بالحاج واعتناء بسيله وكانوا قبل ذلك يعبرون في المراكب فوجدوا هذا الجسر قد عقده الخليفة في مغيبهم ولم يكن عند شخوصهم إلى مكة شرفها الله.
وعبرنا الجسر ظهر يوم الأحد المذكور نزلنا بشط الفرات على مقدار فرسخ
стр. 249
من البلد وهذا النهر كاسمه فرات هو من اعذب المياه واخفها وهو نهر كبيرزخار تصعد فيه السفن وتنحدر.
والطريق من الحلة إلى بغداد أحسن طريق وأجملها في بسائط من الأرض وعمائر تتصل بها القرى يمينا وشمالا ويشق هذه البسائط اغصان من ماء الفرات تتسرب بها وتسقيها فمحرثها الأحد لاتساعه وانفساحه فللعين في هذه الطريق مسرح انشراح وللنفس مزاد انبساط وانفساح والأمن فيها متصل بحمد الله .
стр. 250
شهر صفر سنة ثمانين١ عرفنا الله يمنه وبركته
هلاله على الكمال من ليلة الإثنين بموافقة الرابع عشر من مايه استهل هلاله ونحن على شط الفرات بظاهر مدينة الحلة.
وفي ضحوة يوم الإثنين المذكور رحلنا وأجزنا جسرا على نهر يسمى النيل وهو فرع متشعب من الفرات وكان عليه ازدحام غرق كثير من الناس والدواب في الماء فتنحينا مريحين إلى أن انفرج ذلك المزدحم وعبرنا على سلامة وعافية والحمد لله.
ومن مدينة الحلة يتسلسل الحاج أرسالا وأفواجا أفواجا: فمنهم المتقدم والمتوسط والمتأخر لا يعرج المتسعجيل على المتعذر ولا المتقدم على المتأخر فحيثما شاءوا من طريقهم نزلوا واراحوا واستراحوا وسكنت نفوسهم من روعة نقر الكوس٢ الذي كانت الأفئدة ترجف له بدارا للرحيل واستعجالا للقيام فربما كان لنائم منهم يهذي بنقر الكوس فيقوم عجلا وجلا ثم يتحقق إنه من اضغاث احلامه فيعودالى منامه.
стр. 251
ومن جملة الدواعي لافتراقهم كثرة القناطر المعترضة في طريقهم إلى بغداد فلا تكاد تمشى ميلا إلا وتجد قنطرة على نهر متفرع من الفرات فتلك الطريق أكثر الطرق سواقي وقناطر وعلى أكثرها خيام فيها رجال محترسون للطريق اعتناء من الخليفة بسبيل الحاج دون اعتراض منهم لاتسنفاع بكدية أو سواها فلو زاحم ذلك البشر تلك القناطير دفعة لما فرغوا من عبورها ولتراكموا وقوعا بعض على بعض.
والأمير طاشتكين المتقدم الذكر يقيم بالحلة ثلاثة أيام إلى أن يتقدم جميع الحاج ثم يتوجه إلى حضرة خليفته وهذه الحلة المذكورة طاعة بيده للخليفة وهذه الحلة المذكورة طاعة بيده للخليفة وسيرة هذا الأمير في الرفق بالحاج والاحتياط عليهم والاحتراس لمقدمتهم وساقتهم وضم نشر ميمنتهم وميسرتهم سيرة محمودة وطريقته في الحزم وحسن النظر طريقة سديدة وهو من التواضع ولين الجانب وقرب الكان على وتيرة سعيدة نفعه الله ونفع المسلمين به.
وفي عصر يوم الإثنين المذكور نزلنا بقرية تعرف بالقنطرة كثيرة الخصب كبيرة الساحة متدفقة فيها جداول الماء وارفه الظلال بشجرات الفواكه من أحسن القرى وأجملها وبها قنطرة على فرع من فروع الفرات كبيرة محدودبة يصعد إليها وينحدر عنها فتعرف القرية بها وتعرف أيضا بحصن بشير والفينا حصاد الشعير بهذه الجهات في هذا الوقت الذي هو نصف مايه.
ورحلنا من القرية المذكورة سحر يوم الثلاثاء الثاني لصفر فنزلنا قائلين ضحوته بقرية تعرف بالفراش١ كثيرة العمارة يشقها الماء وحولها بسيط اخضر جميل المنظر وقرى هذه الطريق من الحلة إلى بغداد على هذه الصفة من الحسن والأتساع وفي هذه القرية المذكورة خان كبير يحدق به جدار عال له شرفات صغار.
стр. 252
ثم رحلنا منها ونزلنا عشي النهار بقرية تعرف بزريران وهذه القرية من أحسن قرى الأرض وأجملها منظرا وأفسحها ساحة واوسعها اختطاطا وأكثرها بساتين ورياحين وحدائق نخيل وكان بها سوق تقصر عنه أسواق المدن وحسبك من شرف موضوعها١ أن دجلة تسقى شرفيها والفرات يسقى غربيها وهي كالعروس بينهما والبسائط والقرى والمزارع متصلة بين هذين النهرين الشريفين المباركين.
ومن شرف هذه القرية أيضا أن بازائها لجهة الشرق منها إيوان كسرى وأمامها بيسير مداينه وهذا الإيوان بناء عال في الهواء شديد البياض لم يبق من قصوره إلا البعض فعايناها على مقدار الميل سامية مشرفة مشرقة وأما المداين فخراب اجتزنا عليها سحر يوم الأربعاء الثالث لصفر فعاينا من طولها واتساعها مراى عجيبا. ومن فضائل هذه القرية أيضا أن بالشرق منها بمقدار نصف فرسخ مشهد سلمان الفارسي رضى الله عنه فما ختصت تربتها بهذا الدفين المبارك رضى الله عنه إلا لفضل تربتها. والقرية على شط دجلة وهي تعرض بينها وبين المشهدالكريم المذكور وكنا سمعنا أن هواء بغداد ينبت السرور في القلب ويبعث النفس دائما على الانبساط والأنس فلا تكادتجد فيها إلا جذلان طربا وإن كان نازح الدار مغتربا حتى حللنا بهذا الموضع المذكور وهو على مرحلة منها فلما نفحتنا نوافح هوائها ونقعنا الغلة ببرد مائها احسسنا من نفوسنا على حال وحشة الاغتراب دواعي من الاطراب واستشعرنا بواعث فرح كأنه فرحة الغياب بالاياب وهبت بنا محركات من الاطراب أذكرتنا معاهد الاحباب في ريعان الشباب هذا للغريب النازح الوطن فكيف للوافد فيها على أهل وسكن!
سقى الله باب الطاق صوب غمامة
...
ورد إلى الاوطان كل غريب
стр. 253
وفي سحر يوم الأربعاء المذكور رحلنا من القرية المذكورة واجتزنا على مداين كسرى حسبما ذكرناه وانتهينا إلى صرصر وهي أخت زريران المذكورة حسنا أو قريب منها ويمر بجانبها القبلى نهر كبير متفرع من الفرات عليه جسر معقود على مراكب تحفة بها من الشط إلى الشط سلاسل حديد عظام على الصفة التي ذكرناها في جسر الحلة فعبرناه وأجزنا القرية ونزلنا قائلين وبيننا وبين بغداد نحو ثلاثة فراسخ.
وبهذه القرية سوق حفيلة ومسجد جامع كبير جديد وهي من القرى التي تملأ النفوس بهجة وحسنا.
وهذان النهران الشريفان دجلة والفرات قدا غنت شهرتهما عن وصفهما وملتقاهما ما بين واسط والبصرة ومها انصبابهما إلى البحر ومجراهما من الشمال إلى الجنوب وحسبهما ما خصهما الله به من البركة هما وأخاهما النيل مما هو مذكور مشهور. ورحلنا من ذلك الموضع قبيل الظهر من يوم الأربعاء المذكور وجئنا بغداد قبيل العصر والمدخل إليها على بساتين وبسائط يقصر الوصف عنها.
стр. 254
ذكر مدينة السلام بغداد حرسها الله تعالى
هذه المدينة العتيقة وإن لم تزل حضرة الخلافة العباسية ومثابة الدعوة الإمامية القرشية الهاشمية قد ذهب أكثر رسمها ولم يبق منها إلا شهير اسمها وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل انحاء الحوادث عليها١ والتفات أعين النوائب إليها كالطلل الدارس والاثر الطامس أو تمثال الخيال الشاخص فلا حسن فيها يستوقف البصر ويستدعى من المستوفز العقلة٢ والنظر إلا دجلتها التي هي بين شرقيها ورغبيها منها كالمرآة المجلوة بين صفحتين أو العقد
стр. 255
المتظم بين لبتين١ فيه تردها ولا تظمأ وتتطلع منها في مرآه صقيلة لا تصدا والحسن الحريمي٢ بين هوائها ومائها ينشأ هي من ذلك على شهرة في البلا معروفة موصوفة ففتن الهوى إلا إن يعصم الله منها مخوفة.
وأما أهلها فلا تكاد تلقى منهم إلا من يتصنع بالتواضع رياء ويذهب بنفسه عجبا وكبرياء يزدرون الغرباء ويظهرون لمن دونهم الأنفة والاباء ويستصغرون عمن سواهم الأحاديث والأنباء قد تصور كل منهم في معتقده وخلده أن الوجود كله يصغر بالإضافة لبلده فهم لا يستكرمون في معمور البسيطة مثوى غير مثواهم كأنهم لا يعتقدون أن لله بلادا أو عبادا سواهم يسحبون أذيالهم أشرا وبطرا ولا يغيرون في ذات الله منكرا يظنون أن أنسى الفخار في يسحب الإزار ولا يعلمون أن فضله بمقضتى الحديث المأثور في النار يتبايعون بينهم بالذهب قرضا وما منهم من يحسن لله قرضا فلا نفقة فيها إلا من دينار تقرضه وعلى يدي مخسر للميزان تعرضه لا تكادتظفر من خواص أهلها بالورع العفيف ولا تقع من أهل موازينها ومكاييلها إلا على من ثبت له الويل في سورة التطفيف لا يبالون في ذلك بعيب كأنهم من بقايا مدين قوم النبي شعيب فالغريب فيهم معدوم الأرفاق متضاعف الإنفاق لا يجد من أهلها إلا من يعامله بنفاق أو يهش إليه هشاشة انتفاع واسترفاق كأنهم من التزام هذه الخلة القبيحة على شرط اصطلاح بينهم واتفاق فسوء معشارة أبنائها يغلب على طبع هوائها ومائها ويعلل٣ حسن المسموع من أحاديثها ومائها استفغر الله إلا فقهاءهم المحدثين وعاظهم المذكرين لا جرم أن لهم في طريقة الوعظ والتذكير ومداومة التنبيه والتبصير والمثابرة على الإنذار المخوف والتحذير مقامات تستنزل
стр. 256
لهم من رحمة الله تعالى ما يحط كثيرا من أوزارهم ويسحب ذيل العفو على سوء آثارهم ويمنع القارعة١ الصماء أن تحل بديارهم لكنهم معهم يضربون في حديد بارد ويرومون تفجير الجلامد فلا يكاد يخلو يوم من أيام جمعاتهم من واعظ يتكلم فيه فالموفق منهم لا يزال في مجلس ذكر ايامه كلها لهم في ذلك طريقة مباركة متلزمة.
стр. 257
مجالس علم ووعظ
فأول من شاهدنا مجلسه منهم الشيخ الإمام رضى الدين القزويني رئيس الشافعية وفقيه المدرسة النظامية والمشار إليه بالتقديم في العلوم الأصولية حضرنا مجلسه بالمدرسة المذكورة إثر صلاة العصر من يوم الجمعة الخامس لصفر المذكور فصعد المنبر وأخذ القراء أمامه في القراءة على كراسي موضوعة فتوقوا وشوقوا وأتوا بتلاحين معجبة ونغمات محرجة٢ مطربة ثم اندفع الشيخ الإمام المذكور خطب خطبة سكون ووقار وتصرف في أفانين من العلوم من تفسير كتاب الله وإيراد حديث رسوله ﷺ والتكلم على معانيه ثم رشقته شآبيب المسائل من كل جانب فأجاب وما قصر وتقدم وما تأخر ودفعت إليه عدة رقاع فيها فجمعها جملة في يده وجعل يجاوب على كل واحدة منها وبنيذ بها إلى أن فرغ منها.
وحان المساء فنزل وافترق الجمع فكان مجلسه مجلس علم ووعظ وقورا هينا لينا ظهرت فيه البركة والسكينة ولم تقصر عن إرسال عبرتها فيه النفس المستكينة ولا سيما أخر مجلسه فإنه سرت حميا وعظه إلى النفوس حتى اطارتها خشوعا وفجرتها دموعا وبادر التائبون إليه سقوطا على يده
стр. 258
ووقوعا فكم ناصية جز وكم مفصل من مفاصل التئابين طبق بالموعظة وحز فبمثل مقام هذا الشيخ المبارك ترحم العصاة وتتغمد الجناة وتستدام العصمة والنجاة والله تعالى يجازى كل ذي مقام عن مقامه ويتغمد ببركة العلماء الأولياء عباده العاصين من سخطه وانتقامه برحمته وكرمه إنه المنعم الكريم لا رب سواه ولا معبود إلا إياه.
وشهدنا له مجلسا ثانيا إثر صلاة العصر من يوم الجمعة الثاني عشر من الشهر المذكور حضر ذلك اليوم مجلسه سيدالعلماء الخراسانية ورئيس الأئمة الشافعي وردخل المدرسة النظامية بهز عظيم وتطريف آماق١ تشوقت له النفوس فأخذ الإمام المتقدم الذكر في وعظه مسرورا بحضوره ومتجملا به فأتى بافانين من العلوم على حسب مجلسه المتقدم الذكر ورئيس العلماء المذكور هو صدر الدين الخجندي المتقدم الذكر في هذا التقييد المشتهر المآثر والمكارم المقدم بين الأكابر والأعاظم.
ثم شاهدنا صبيحة يوم السبت بعده مجلس الشيخ الفقيه الإمام الاوحد جمال الدين أبي الفضائل بن علي الجوزي بازاء داره على الشط بالجانب الشرقي وفي آخره على اتصال من قصور الخليفة وبمقربة من باب البصلية آخر أبواب الجانب الشرقي وهو يجلس به كل يوم سبت فشاهدنا مجلس رجل ليس من عمرو ولا زيد وفي جوف الفرا كل الصيد٢ آية الزمان وقرة عين الإيمان رئيس الحنبلية والمخصوص في العلوم بالرتب العلية إمام الجماعة وفارس حلبة هذه الصناعة والمشهود له بالسبق الكريم في البلاغة والبراعة مالك ازمة الكلام في النظم والنثر والغائص في بحر فكره على نفائس
стр. 259
الدر فإما نظمه فرضى الطباع مهياري١ الانطباع وأما نثره فيصدع بسعر البيان ويعطل المثل بقس وسحبان.
ومن أبهر آياته واكبر معجزاته إنه يصعد المنبر ويبثدئ القراء بالقراءة وعددهم نيف على العشرين قارئا فينتزع الاثنان منهم أو الثلاثة آية ن القرآن يتلونها على نسق يتطريب وتشويق فإاذ فرغوا تلت طائفة أخرى على عددهم آية ثانية ولا يزالون يتناوبون آيات من سور مختلفات إلى أن يتكاملوا قراءة وقد أتوا بآيات مشتبهات لا يكاد المتقد الخاطر يحصلها عدد أو يسميها نسقا. فإذا فرغوا أخذ هذا الإمام الغريب الشان في إيراد خطبته عجلا مبتدرا وأفرغ في أصداف الأسماع من الفاظه دررا وانتظم أوائل الآيات المقروءات في أثناء خطبته فقرا وأتى بها على نسق القراءة لها لا مقدما ولا مؤخرا ثم أكمل الخطبة على قافية آخر آية منها فلو أن أبدع من في مجلسه تكلف تسمية ما قرا القراء به آية آية على الترتيب لعجز عن ذلك فكيف بمن ينتظمها مرتجلا ويورد الخطبة الغراء بها عجلا! ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أنتم لا تُبْصِرُونَ٢﴾ ، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ٣﴾ فحدث ولا حرج عن البحر وهيهات ليس الخبر عنه كالخبر!
ثم إنه أتى بعد أن فرغ من خطبته برقائق من الوعظ وآيات بينات من الذكر طارت لها القلوب اشتياقا وذابت بها الأنفس احتراقا إلى أن علا الضجيج وتردد بشهقاته النشيج وأعلن التائبون بالصياح،
وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح كل يلقى ناصيته بيده فيجزها ويمسح على رأسه داعيا له ومنهم من يغشى عليه فيرفع في الأذرع إليه فشاهدنا
стр. 260
هولا يملأ الفنوس إنابة وندامة ويذكرها هول يوم القيامة فلو لم نركب ثبج البحر ونعتسف مفازات القفز إلا لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل لكانت الصفقة الرابحة والوجهة المفلحة الناجحة والحمد لله على أن من بلقاء من يشهد الجمادات بفضله ويضيق الوجود عن مثله.
وفي أثناء مجلسه ذلك يبتدرون المسائل وتطير إليه الرقاع فيجاوب أسرع من طرفة عين روبما كان أكثر مجلسه الرائق من نتائج تلك المسائل والفضل بيدالله يؤتيه من يشاء لا إله سواه.
ثم شاهدنا مجلسا ثانيا له بكرة يوم الخميس الحادي عشر لصفر بباب بدر في ساحة قصور الخليفة ومناظره مشرفة عليه وهذا الموضع المذكور هو من حرم الخليفة خص بالوصول إليه والتكلم فيه ليسمعه من تلك المناظر الخليفة ووالدته ومن حضر من الحرم ويفتح الباب للعامة فيدخلون إلى ذلك الموضع وقد بسط بالحصر وجلوسه بهذا الموضع كل يوم خميس. فبكرنا لمشاهدته بهذا المجلس المذكور وقعدنا إلى أن وصل هذا الحبر المتكلم فصعد المنبر وأرخى طيلسإنه عن رأسه تواضعا لحرمة المكان قود تسطر القراء امامه على كراسي موضوعة فابتدروا القراة على الترتيب وشوقوا ما شاءوا واطربوا ما أرادوا وبادرت العيون بارسال الدموع. فلما فرغوا من لاقراءة وقد احصينا لهم تسع آيات من سور مختلفات صدع بخطبته الزهراء الغراء وأتى بأوائل الآيات في أثنائها منتظمات ومشى الخطبة على فقرة آخر آية منها في الترتيب إلى أن أكلمها وكانت الآية ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ١﴾ فتمادى على هذا السين٢ وحسن أي تحسين كفان يومه في ذلك أعجب من أمسه ثم أخذ في الثناء على الخليفة والدعاء له ولوالدته وكنى عنها بالستر
стр. 261
الأشرف والجناب الأرأف ثم سلك سبيله في الوعظ كل ذلك بديهة لا روية ويصل كلامه في ذلك بالآيات المقروءات على النسق مرة أخرى فأرسلت وابلها العيون وابدت النفوس سر شقها المكنون وتطارح الناس عليه بذنوبهم معترفين وبالتوبة معلنين وطاشت الألباب والعقول وكثر الوله والذهول وصارت النفوس لا تملك تحصيلا ولا تميز معقولا ولا تجد للصبر سبيلا.
ثم في أثناء مجلسه ينشد بأشعار من النسيب مبرحة التشويق بديعة الترقيق تشعل القلوب وجدا ويعود موضعها النسيبي زهدا وكان آخر ما انشده من ذلك وقد أخذ المجلس مأخذه من الاحترام وأصابت المقاتل سهام ذلك الكلام:
أين فؤادي أذابه الوجد
...
وأين قلبي فما صحا بعد
يا سعد زدني جوى بذكرهم
...
بالله قل لي فديت يا سعد
ولم يزل يرددها والانفعال قد اثر فيه والمدامع تكاد تمنع خروج الكلام من فيه إلى أن خاف الافحام فابتدر القيام ونزل عن المنبر دهشا عجلا وقد أطار القلوب وجلا وترك الناس على احر من الجمر يشيعونه بالمدامع الحمر فمن معلن بالانتحاب ومن متعفر في التراب فياله من مشهد ما أهول مرآه وما أسعد من رآه نعفنا الله ببركته وجعلنا ممن فاز به بنصيب من رحمته بمنه وفضله.
وفي أول مجلسه انشد قصيدا نير القبس عراقي النفس في الخليفة أوله:
في شغل من الغرام شاغل
...
من هاجه البرق بسفح عاقل
يقول فيه عند ذكر الخليفة:
يا كلمات الله كوني عوذة
...
من العيون للإمام الكامل
стр. 262
ففرغ من انشاده وقد هز المجلس طربا ثم أخذ في شأنه وتمادى في إيراد سحر بيإنه وما كنا نحسب أن متكلما في الدنيا يعطى من ملكة النفوس والتلاعب بها ما اعطى هذا الرجل فسبحان من يخص بالكمال من يشاء من عباده لا إله غيره.
وشاهدنا بعد ذلك مجالس لسواه من وعاظ بغداد ممن نستغرب شأنه بالإضافة لما عهدناه من متكلمي الغرب وكنا قد شاهدنا بمكة والمدينة شرفهما الله مجالس من قد كرناه في هذا التقييد فصغرت بالإضافة لمجلس هذا الرجل الفذ في نفوسنا قدرا ولم نستطب لها ذكرا وأين تقعان مما أريد وشتان بين اليزيدن١ وهيهات الفتيان كثير والمثل بمالك يسير٢ونزلنا بعده بمجلس يطيب سماعه ويورق استطلاعه.
وحضرنا له مجلسا ثالثا يوم السبت الثالث عشر لصفر بالوضع المذكور بإزاء داره على الشط الشرقي فأخذت معجزاته البيانية مأخذها فشاهدنا من أمره عجبا صعد بوعظه انفاس الحاضرين سحبا وأسال من أدمعهم وابلا سكبا ثم جعل يردد في آخر مجلسه أبياتا من النسيب شوقا زهديا وطربا إلى أن غلبته الرقة فوثب من أعلى منبره والها مكتبئبا وغادر الكل متندما على نفسه منتحبا لهفان ينادي يا حسرتا واحربا والنادبون يدورون بنحيبهم دور الرحا وكل منهم بعد من سكرته ما صحا فسبحان من خلقه عبرة لأولى الألباب وجعله لتوبة عباده أقوى الأسباب لا إله سواه.
ثم نرجع إلى ذكر بغداد:
هي كما ذكرناه جانبان: شرقي وغربي ودجلة بينهما فأما
الجانب الغربي فقد عمه الخراب واستولى عليه وكان المعمور أولا وعمارة الجانب
стр. 263
الشرقي محدثة لكنه مع استيلاء الخراب عليه يحتوي على سبع عشرة محلة كل محلة منها مدينة مستقلة وفي كل واحدة منها الحمامان والثلاثة والثماني منها بجوامع يصلى فيها الجمعة فأكبرها القرية وهي التي نزلنا فيها بربض منها يعرف بالمربعة على شط دجلة بمقربة من الجسر فحملته دجلة بمدها السيلي فعاد الناس يعبرون بالزوراق والزوارق فيها لا تحصى كثرة فالناس ليلا ونهارا من تمادى العبور فيها في نزهه متصلة رجالا ونساء والعادة أن يكون لها جسران أحدهما مما يقرب من دور الخليفة والآخر فوقه لكثرة الناس والعبور في الزوارق لا ينقطع منها.
ثم الكرخ وهي مدينة مسورة.
ثم محلة باب البصرة وهي أيضا مدينة وبها جامع المنصور ﵀ وهو جامع كبير عتيق النبيان حفيله ثم الشارع وهي أيضا مدينة فهذه الأربع أكبر المحلات.
وبين الشارع ومحلة باب البصرة سوق المارستان وهي مدينة صغيرة فيها المارستان الشهير ببغداد وهو على دجلة وتنفقده الأطباء كل يوم اثنين وخميس ويطالعون أحوال المرضى به ويتربون لهم أخذ ما يحتاجون إليه وبين أيديهم قومه يتناولن طبخ الأدوية والأغذية وهو قصر كبير فيه المقاصير والبيوت وجميع مرافق المساكن الملوكية والماء يدخل إليه من دجلة.
وأسماء سائر المحلات يطول ذكرها كالوسيطة وهي بين دجلة ونهر يتفرع من الفرات وينصب في دجلة يجيء فيه جميع المرافق التي في الجهات التي يسقيها الفرات ويشق على باب البصرة الذي ذكرنا محلته نهر آخر منه وينصب أيضا في دجلة.
ومن أسماء المحلات العتابية وبها تصنع الثياب العتباية وهي حرير وقطن مختلفات الألوان.
ومنها الحربية وهي أعلاها وليس وراءها إلا القرى الخارجة عن بغداد
стр. 264
إلى أسماء يطول ذكرها وبإحدى هذه المحلات قبر معروف الكوفي وهو رجل من الصالحين مشهور الذكر في الأولياء وفي الطريق إلى باب البصرة مشهد حفيل البنيان داخله قبر متسع السنام عليه مكتوب هذا قبر عون ومعين من أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه وفي الجانب الغربي أيضا قبر موسى بن جعفر ضى الله عنهما إلى مشاهد كثيرة ممن لم تحضرنا تسميته من الأولياء والصالحين والسلف الكريم رضى الله عن جميعهم.
وبأعلى الشرقية خارج البلد محلة كبيرة بإزاء محلة الرصافة وبالرصافة كان باب الطاق المشهو رعلى الشط وفي تلك المحلة مشهد حفيل البنيان له قبة بيضاء سامية في الهواء فيه قبر الإمام أبي حنيفة رضى الله عنه وبه تعرف المحلة وبالقرب من تلك المحلة قبر الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه وفي تلك الجهة أيضا قبر أبي بكر الشبلي ﵀ وقبر الحسين بن منصور الحلاج وببغداد من قبور الصالحين كثير رضى الله عنهم. وبالغربية هي البساتين والحدائق ومنها تجلب الفواكه إلى الشرقية.
стр. 265
دار الخلافة
وأما الشرقية فهي اليوم دار الخلافة وكفاها بذلك شرفا واحتفالا ودور الخليفة مع آخرها وهي تقع منها في نحو الربع أو أزيد لأن جميع العباسيين في تلك الديار معتقلين اعتقالا جميلا لا يخرجون ولا يظهرون ولهم المرتبات القائمة بهم. وللخليفة من تلك الديار جزء كبير قد اتخذ فيها المناظر المشرفة والقصور الرائقة والبساتين الأنيقة وليس له اليوم وزير إنما له خديم يعرف بنائب الوزارة يحضر الديوان المحتوى على أموال الخلافة وبين يديه الكتب فبنفذ الأمور وله قيم على جميع الديار العباسية وأمين على
стр. 266
سائر الحرم الباقيات من عهد جده وابيه وعلى جميع من تضمه الحرمة الخلافية يعرف بالصاحب مجد الدين استذا الدار هذا لقبه ويدعى له اثر الدعاء للخليفة وهو قل ما يظهر للعامة اشتغالا بما هو بسبيله من أمور تلك الديار وحراستها والتكفل بمغالقها وتفقدها ليلا ونهارا.
ورونق هذا الملك إنما هو على التفيان والأحابش المجابيب١ منهم فتى اسمه خالص وهو قائد العسكرية كلها ابصرناه خارجا أحد الأيام وبين يديه وخلفه أمراء الأجناد من الأتراك والديلم وسواهم وحوله نحو خمسين سيفا مسلولة في أيدي رجال قد احتفوا به فشاهدنا من أمره عجبا في الدهر وله القصور والمناظر على دجلة.
وقد يظهر الخليفة في بعض الأحيان بدجلة راكبا في زورق وقد يصيد في بعض الأوقات في البرية وظهوره على حالة اختصار تعمية لأمره على العامة فلا يزداد أمره مع تلك التعمية إلا اشتهارا وهو مع ذلك يحب الظهور للعامة ويؤثر التحبب لهم وهو ميمون النقيبة عندهم وقد استسعدوا بأيامه رخاء وعدلا وطيب عيش فالكبير والصغير منهم داع له.
أبصرنا هذا الخليفة المذكور وهو أبو العباس أحمد الناصر لدين الله بن المستضيء بنور الله أبي محمد الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف ويتصل نسبه إلى أبي الفضل جعفر المقتدر بالله إلى السلف فوقه من أجداده الخلفاء رضوان الله عليهم بالجانب الغربي أمام منظرته به وقد انحدر عها صاعدا في الزورق إلى قصره بأعلى الجانب الشرقي على الشط وهو في فتاء من سنه أشقر اللحية صغيرها كما اجتمع بها وجهه٢ حسن الشكل جميل المنظر أبيض اللون معتدل القامة رائق الرواء سنه نحو الخمس وعشرين سنة،
стр. 267
لابسا ثوبا أبيض شبه القباء برسوم ذهب فيه وعلى رأسه قلنسوة مذهبة مطوقة بوبر أسود من الأوبار الغالية القيمة المتخذة للباس الملوك مما هو كالفنك١ وأشرف متعمدا بذلك زي الأتراك تعميه لشإنه لكن الشمس لا تخفى وإن سترت وذلك عشية يوم السبت السادس لصفر سنة ثمانين وأبصرناه أيضا عشي يوم الأحد بعده متطلعا من منظرته المذكورة بالشط الغربي وكنا نسكن بمقربة منها.
والشرقية حفيلة الأسواق عظيمة الترتيب تشتمل من الخلق على بشر لا يحصيهم إلا الله تعالى الذي أحصى كل شيء عددا وبها من الجوامع ثلاثة كل يجمع فيها: جامع الخليفة متصل بداره وهو جامع كبير وفيه سقايات عظيمة ومرافق كثيرة كاملة مرافق الوضوء والطهور وجامع السلطان وهو خارج البلد ويتصل به قصور تنسب للسلطان أيضا المعروف بشاه شاه وكان مدبر أمر أجداد هذا الخليفة وكان يسكن هنالك فابتنى الجامع أمام مسكنه وجامع الرصافة وهو على الجانب الشرقي المذكور وبينه وبين جامع هذا السلطان المذكور مسافة نحو الميل وبالرصافة تربة الخلفاء العباسيين ﵏. فجميع جوامع البلد ببغداد المجمع فيها أحد عشر.
стр. 268
الحمامات والمساجد والمدارس
وأما حماماتها فلا تحصى عدة ذكر لنا أحد أشياخ البلد أنها بين الشرقية والغربية نحو الألفي حمام وأكثرها مطلبة بالقار مسطحة به فيخيل للناظر إنه رخام أسود صقيل وحمامات هذه الجهات أكثرها على هذه الصفة لكثرة القار عندهم لأن شأنه عجيب يجلب من عين بين البصرة والكوفة وقد أنبط الله ماء هذه العين ليتولد منه القار فهو يصر في جوانبها كالصلصال،
стр. 269
فيجرف ويجلب وقد انعقد فسبحان خالق ما يشاء لا إله سواه.
وأما المساجد بالشرقية والغربية فلا يأخذها التقدير فضلا عن الإحصاء والمدارس بها نحو الثلاثين وهي كلها بالشرقية وما منها مدرسة إلا وهي يقصر القصر البديع عنها وأعظمها وأشهرها النظامية وهي التي ابتناها نظام الملك وجددت سنة أربع وخمسمائة١ ولهذه المدارس أوقاف عظيمة وعقارات محبسة تتصير إلى الفقهاء المدرسين بها ويجرون بها على الطلبة ما يقوم بهم ولهذه البلاد في أمر هذه المدارس والمارستانات شرف عظيم وفخر مخلد فرحم الله واضعها الأول ورحم من تبع ذلك السنن الصالح.
стр. 270
أبواب الشرقية
وللشرقية أربعة أبواب فأولها وهو في أعلى الشط باب السلطان ثم باب الظفرية ثم يليه باب الحلبة ثم باب البصلية هذه الأبواب التي هي في السور المحيط بها من أعلى الشط إلى أسفله هو ينعطف عليها كنصف دائرة مستطيلة وداخلها في الأسواق أبواب كثيرة وبالجملة فشأن هذه البلدة أعظم من أن يوصف وأين هي مما كانت عليه هي اليوم داخلة تحت قول حبيب٢:
لا أنت ولا الديار ديار
стр. 271
من بغداد إلى الموصل
واتفق رحيلنا من بغداد إلى الموصل إثر صلاة العصر من يوم الإثنين الخامس عشر لصفر وهو الثامن والعشرون لمايه فكان مقامنا بها ثلاثة عشر يوما ونحن في صحبة الخاتونين خاتون بنت مسعود المتقدمة الذكر في هذا التقييد وخاتون أم معز الدين صاحب الموصل وصحبتهما حاج الشام والموصل وأرض الأعاجم المتصلة بالدروب التي إلى طاعة الأمير مسعود والد إحدى الخاتونين المذكورتين وتوجه حاج خراسان وما يليها صحبة الخاتون الثالثة ابنة الملك الدقوس وطريقهم على الجانب الشرقي من بغداد وطريقنا نحن إلى الموصل على الجانب الغربي منها. وهاتان الخاتونان هما اميرتا هذا العسكر الذي توجهنا فيه وقائدتاه والله لا يجعلنا تحت قول القائل:
ضاع الرعيل ومن يقوده
ولهما أجناد برسمهما وزادهما الخليفة جندا يشيعونهما مخافة العرب الخفاجين المضرين بمدينة بغداد
وفي تلك العشية التي رحلنا فيها فجئنا خاتون المسعودية المترفة شبابا وملكا وهي قد استقلت في هودج موضوع على خشبتين معترضتين بين مطيتين الواحدة إمام الأخرى وعليهما الجلال المذهبة وهما تسيران بها سير النسيم سرعة ولينا وقد فتح لها إمام الهودج وخلفه بابان وهي ظاهرة في وسطه متنقبة وعصابة ذهب على رأسها وأمامها رعيل من فتيانه اوجندها وعن يمينها جنائب المطايا والهماليج العتاق١، ووراءها ركب من جواريها قد ركبن المطايا والهماليج على السروج المذهبة وعصن رؤوسهن بالعصائب الذهبيات والنسيم يتلاعب بعذباتهمن وهن يسرن خلف سديتهن سير السحاب ولها الرايات والطبول والبوقات تضرب عند ركوبها
стр. 272
وعند نزولها.
وأبصرنا من نخوة الملك النسائي واحتفاله رتبة تهز الأرض هزا وتسحب أذيال الدنيا عزا. ويحف أن يخدمها العز ويكون لهاذ هذا الهز فإن مسفاة مملكة أبيها نحو الأربعة أشهر وصاحب القسطنطينية يؤدى إليه الجزية وهو من العدل في رعيته على سيرة عيجيبة ومن موالاة الجهاد على سنة مرضية.
وأعلمنا أحد الحجاج من أهل بلدنا أن في هذا العام الذي هو عام تسعة وسبيعن الخالي عنا استفتح من بلاد الروم نحو الخمسة وشعرين بلدا ولقبه عز الدين واسم أبيه مسعود وهذا الاسم غلب عليه وهو عريق في المملكة عن جد فجد. ومن شرف خاتون هذه واسمها سلجوقة أن صلاح الدين استفتح آمد بلد زوجها نور الدين وهي من أعظم بلادالدنيا فترك البلد لها كرامة لابيها وأعطاها المفاتيح فبقى ملك زوجها بسببها وناهيك من هذا الشأن والملك ملك الحي القيوم يؤتى الملك من يشاء لا إله سواه.
فكان مبيتنا تلك الليلة بإحدى قرى بغداد نزلناها وقد مضى هذء من الليل وبمقربة منها دجيل وهو نهر يتفرع من دجلة يسقى تلك القرى كلها وغدونا من ذلك الموضع ضحى يوم الثلاثاء السادس عشر لصفر المذكور والقرى متصلة في طريقنا فاتصل سيرنا إلى إثر صلاة الظهر ونزولنا وأقمنا باقي يومنا ليلحقنا من تاخر من الحاج ومن تجار الشام والموصل. ثم رحلنا قبيل نصف الليل وتمادى سيرنا إلى أن ارتفع النهار فنلزنا قائلين ومريحين على دجيل وأسرينا الليل كله فنزلنا مع الصباح بمقربة من فرية تعرف بالحربة من اخصب القرى وافسحها ورحلنا من ذلك الموضع وأسرينا الليل كله ونزلنا مع الصباح من يوم الخميس الثامن عشر الصفر على شط دجلة بمقربة من حصن يعرف بالمعشوق ويقال: إنه كان متفرجا لزبيدة ابنة عم الرشيد وزوجه ﵀. وعلى قابلة هذا الموضع في الشط الشرقي مدينة سرمن رأى وهي اليوم عبرة من رأى أين معتصمها وواثقها،
стр. 273
ومتوكلها؟! مدينة كبيرة قداتسولى الخراب عليها إلا بعض جهات منها هي اليوم معمورة وقد أطنب المسعودي ﵀ في وصفها ووصف طيب هوائها ورائق حسنها وهي كما وصف وإن لم يبق إلا الأثر من محاسنها والله وارث الأرض ومن عليها لا إله غيره. فأقمنا بهذا الموضع طول يومنا مستريحين وبيننا وبين مدينة تكريت مرحلة ثم رحلنا منه وأسرينا الليل كله فصبحنا تكريت مع الفجر من يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر وهو أول يوم من يونيه١ فنزلنا ظاهرها مستريحين ذلك اليوم.
стр. 274
ذكر مدينة تكريت حرسها الله تعالى
هي مدينة كبيرة واسعة الإرجاء فسيحة الساحة حفيلة الأسواق كثيرة المساجدغاصة بالخلق أهلها أحسن اخلاقا وقسطا في الموازين من أهل بغداد ودجلة منها في جوفيها ولها قلعة حصينة على الشط هي قصبتها المنيعة ويطيف بالبلد سور قد أثر الوهن فيه وهي من المدن العتيقة المذكورة.
ورحلنا مع عشي اليوم المذكور وأسرينا طول الليل وأصبحنا يوم السبت الموفى عشرين منه بشط دجلة فنزلنا مريحين ومن ذلك الموضع يستصحب الماء ليوم وليلة فاستصحبنا ورحلنا ذلك اليوم ضحوة فأسرينا إلى الليل ونزلنا لأخذ نفس راحة واختلاس سنة نوم فهومنا٢ هنيهة ورحلنا وأسأدنا٣ إلى الصباح. وتمادى سيرنا إلى أن رافتع النهار من يوم الأحد بعده فنلزنا قائلين بقربة على شط دجلة تعرف بالجديدة وبمقربة منها قرية كبيرة
стр. 275
اجتزنا عليها تعرف بالعقر وعلى رأسها ربوة مرتفعة كانت حصنا لها وأسفلها خان جديد بأبراج وشرف حفيل البنيان وثقه والقرى والعمائر من هذا الموضع إلى الموصل متصلة ومن هنا ينتثر انتظام الحاج في المشى فينبسط كل في طريقه متقدما ومتأخرا وبطيئا ومستعجلا آمنا مطمئنا.
فرحلنا منها قريب العصر وتمادى سيرنا إلى المغرب ونزلنا آخذين غفوة سنة خلال ما تتعشى الإبل ورحلنا قبل نصف الليل وأدلجنا إلى الصباح.
وفي ضحة هذا اليوم وهو يوم الإثنين الثاني والشعرين لصفر والرابع ليونيه مررنا بموضع يعرف بالقيارة بمقربة من دجلة وبالجانب الشرقي منها وعن يمين الطريق إلى الموصل فيه وهدة من الأرض سوداء كأنها سحابة قد انبط الله فيها عيونا كبارا وصغارا تنبع بالقار وربما يقذف بعضها بحباب منه كأنها الغليان ويصنع له احواض يجتمع فيها فتراه شبه الصلصال منبسطا على الأرض أسود أملس صقيلا رطبا عطر الرائحة شديد التعلك فيلصق بالاصابع لأول مباشرة من اللمس وحول تلك العيون بركة كبيرة سوداء يعولها شبه الطحلب الرقيق أسود نقذفه إلى جوانبها فيرسب قارا فشاهدنا عجبا كنا نسمع به فنستغرب سماعه.
وبمقربة ن هذه العيون على شط دجلة عين أخرى منه كبيرة أبصرنا على البعد منها دخانا فقيل لنا: إن النار تشعل فيه إذا ارادوا نقله فتنشف النار رطوبته المائية وتعقده فيقطعونه قطرات ويحملونه وهو يعم جميع البلاد إلى الشام إلى عكه إلى جميع البلاد البحرية والله يخلق ما يشاء سبحانه تعالى جده وجلت قدرته لا رب غيره. ولا شك أن على هذه الصفة هي العين التي ذكر لنا أنها بين الكوفة والبصرة وقد ذكرنا أمرها في هذا التقييد ومن هذا الموضع إلى الموصل مرحلتان.
وأجزنا تلك العيون القارية ونزلنا قائلين ثم رحنا وسرنا إلى العشى ونزلنا بقرية تعرف بالعقيبة ومنها تصبح الموصل إن شاء الله فأسرينا منها
стр. 276
بعد نصف الليل ووصلنا الموصل عند ارتفاع النهار يوم الثلاثاء الثالث والعشرين لصفر والخامس من يونيه ونزلنا بربضها في أحد الخانات بمقربة من الشط.
стр. 277
ذكر مدينة الموصل حرسها الله تعالى
هذه المدينة عتيقة ضخمة حصينة فخمة قد طالت صحبتها للزمن فأخذت أهبة استعدادها لحوادث الفتن قد كادت أبراجها تلتقى انتظاما لقرب مسافة بعضها من بعض وباطن الداخل منها بيوت بعضها على بعض مستديرة بجداره المطيف بالبلد كله كان قد تمكن فتحها فيه لغلظ بنيته وسعة وضعه وللمقاتلة في هذه البيوت حرز وقاية وهي من المرافق الحربية. وفي أعلى البلد قلعة عظيمة قد رص بناؤها رصا ينتظمها سور عتيق البنية مشيد البروج وتتصل بها دور السلطان وقد فصل بينهما وبين البلد شارع متسع يمتد من أعلى البلد إلى أسفله ودجلة شرقي البلد وهي متصلة بالسور وأبراجه في مائها.
وللبلدة ربض كبير فيه المساجد والحمامات والخانات والأسواق واحدث فيه بعض أمراء البلدة وكان يعرف بمجاهد الدين جامعا على شط دجلة ما أرى وضع جامع أحفل منه بناء يقصر الوصف عنه وعن تزيينه وترتيبه وكل ذلك نقش في الاجر وأما مقصورته فتذكر بمقاصير الجنة ويطيف به شبابيك حديد تتصل بها مصاطب تشرف على دجلة لا مقعد أشرف منها ولا أحسن ووصفه يطول وإنما وقع الالماع بالبعض جريا إلى الاختصار وأمامه مارستان حفيف من بناء مجاهد الدين المذكور.
وبنى أيضا داخل البلد وفي سوقه قيسارية للتجار كأنها الخان العظيم تنغلق عليها أبواب حديد وتطيف بها دكاكين وبيوت بعضها على بعض قد جلى ذلك كله في أعظم صورة من البناء المزخرف الذي لا مثيل له فما
стр. 278
أرى في البلاد قيسارية تعدلها.
وللمدينة جامعان أحدهما جديد والآخر من عهد بني أمية وفي صحن هذا الجامع قبة داخلها سارية رخام قائمة قد خلخل جيدها بخمسة خلاخل مفتولة فتل السوار من جرم رخامها وفي أعلاها خصة١ رخام مثمنة يخرج عليها أنبوب من الماء خروج انزعاج وشدة فيترفع في الهواء أزيد من القامة كأنه قضيب من البلور معتدل ثم ينعكس إلى أسفل القبة ويجمع في هذين الجامعين القديم والحديث ويجمع أيضا في جامع الربض.
وفي المدينة مدارس للعلم نحو الست أو أزيد على دجلة فتلوح كأنها القصرو المشرفة ولها مارستانات حاشى الذي ذكرنا في الربض وخص الله ذه البلدة بتربة مقدسة فيها مشهد جرجيس ﷺ وقد بنى فيها مسجد وقبره في زاوية من أحد بيوت المسجد عن يمين الداخل إليه وهذا المسجد هو بين الجامع الجديد وباب الجسر يجده المار إلى الجامع من باب الجسر عن يساره فتبركنا بزيارة هذا القبر المقدس والوقوف عنده نفعنا الله بذلك.
ومما خص إله به هذه البلدة أن في الشرق منها إذا عبرت دجلة على نحو الميل تل التوبة وهو التل الذي وقف به يونس ﵇ بقومه ودعا ودعوا حتى كشف الله عنهم العذاب وبمقربة منه على قدر الميل أيضا العين المباركة المنسوبة إليه ويقال إنه أمر قومه بالتطهر فيها واضمار التوبة ثم صعدوا على التل داعين.
وفي هذا التل بناء عظيم هو رباط يشتمل على بيوت كثيرة ومقاصر ومطاهر وسقايات يضم الجميع باب واحد وفي وسط ذلك البناء بيت ينسدل عليه ستر وينغلق دونه باب كريم مرصع كله يقال إنه كان الموضع الذي وقف
стр. 279
فيه يونس ﷺ ومحراب هذا البيت يقال إنه كان بيته الذي كان يتعبد فيه ويطيف بهذا البيت شمع كأنه جذوع النخل عظما فيخرج الناس إلى هذا الرباط كل ليلة جمعة ويتعبدون فيه
وحول هذا الرباط قرى كثيرة ويتصل بها خراب عظيم يقال إنه كان مدينة نيوى وهي مدينة يونس ﵇ وأثر السور المحيط بهذه المدينة ظاهر وفرج الأبواب فيه بينة وأكوام أبراجه مشرفة بتنا بهذا الرباط المبارك ليلة الجمعة السادس والعشرين لصفر ثم صبحنا العين المباركة وشربنا من مائها وتطهرنا فيها وصلينا في المسجد المتصل بها والله ينفع بالنية في ذلك بمنه وكرمه.
وأهل هذه البلدة على طريقة حسنة يستعملون أعمال البر فلا تلقى منهم إلا ذا وجه طلق وكلمة لينة ولهم كرامة للغرباء واقبال عليهم وعندهم اعتدال في جميع معاملاتهم فكان مقامنا في هذه البلدة أربعة أيام.
стр. 280
أحفل المشاهد الدنياوية
ومن أحفل المشاهد الدنياوية المريبة بروز شاهدناه يوم الأربعاء ثاني يوم وصولنا الموصل للخاتونين أم معز الدين صاحب الموصل وبنت الأمير مسعود المتقدم ذكرها فخرج الناس عن بكرة أبيهم ركبانا ومشاة وخرج النساء كذلك وأكثرهن راكبات قداجتمع منهن عسكر جرار وخرج أمير البلد للقاء والدته مع زعماء دولته فدخل الحاج المواصلة صحبة خاتونهم على احتفال وأبهة قد جللوا اعناق ابلهم بالحرير الملون وقلدوها القلائد المزوقة. ودخلت خاتون المسعودية تقود عسكر جورايها وأمامها عسكر رجالها يطوفون بها وقد جللت قبتها كلها سبائك ذهب مصوغة اهلة ودنانير سعة الاكف وسلاسل وتماثيل بديعة الصفات فلا تكاد تبين من القبة موضعا ومطيتاها تزحفان بها زحفا وصخب ذلك الحلى يسدالمسامع ومطاياها مجللة
стр. 281
الأعناق بالذهب ومراكب جواريها كذلك مجموع ذلك الذهب لا يحصى تقديره وكان مشهدا ابهت الأبصار وأحدث الاعتبار وكل ملك بفنى إلا ملك ألواح د القهار لا شريك له.
وأخبرنا غير واحد من الثقات ممن يعرف حال خاتون هذه أنها موصوفة بالعبادة والخير مؤثرة لأفعال البر فمنها أنها انفقت في طريقها هذا إلى الحجاز في صدقات ونفقات في السبيل مالا عظيما وهي تحب الصالحين والصالحات وزورهم متنكرة رغبة في دعائهم وشأنها عجيب كله على شبابها وإنغماسها في نعيم الملك والله يهدي من يشاء من عباده.
وفي عشي اليوم الرابع من المقام بهذه البلدة وهو يوم الجمعة السادس والشعرين لصفر المذكور رحلنا منها على دواب اشتريناها بالموصل تفاديا من معاملة الجمالين على أن القدر المحمود لم يسبب لنا إلا صحبة الأشبه١ منهم ومن شكرناه على طول الصحبة وتماديها من مكة شرفها الله إلى الموصل فأسرينا ليلة السبت إلى بعيد نصف الليل ثم نزلنا بقرية من قرى الموصل ورحلنا منها ضحوة يوم السبت المذكور وقلنا بقرية تعرف بعين الرصد وكان مقيلنا تحت جسر معقود على واد يتحدر فيه الماء وكان مقيلا مباركا وفي تلك القرية خان كبير جديد وفي محلات الطريق كلها خانات واتفق مبيتنا تلك الليلة بالقرية المذكورة وأسرينا منها واصبحنا يوم الأحد بقرية تعرف بالمويلحة وأسرينا منها وبتنا بقرية كبيرة تعرف بجدال لها حصن عتيق. وفي ويمنا هذا راينا عن يمين الطريق جبل الجودي المذكور في كتاب الله٢ تعالى الذي استوت عليه سفينة نوح ﵇ وهو جبل عال مستطيل ثم رحلنا في السحر الأعلى من يوم الإثنين التاسع والعشرين لصفر فكان مبيتنا بقرية من قرى نصيبين ومنها إليها مرحلة ويعرف الموضع المذكور بالكلاي.
стр. 282
شهر ربيع الأول من سنة ثمانين عرفنا الله بكرته
استهل هلاله ليلة الثلاثاء بموافقة الثاني عشر من يونيو ونحن بالقرية المذكورة فرحلنا منها سحر يوم الثلاثاء المذكور ووصلنا نصيبين قبل الظهر من اليوم المذكور.
стр. 283
ذكر مدينة نصيبين حرسها الله
شهيرة العتاقة والقدم ظاهرها شباب وباطنها هرم جميلة المنظر متوسطة بين الكبر والصغر يمتد إمامها وخلفها بسيط أخضر مد البصر قد أجرى الله فيه مذانب من الماء تسقيه وتطرد في نواحيه وتحف بها عن يمين وشمال بساتين ملتفة الأشجار يانعة الثمار بنساب بين يديها نهر قد انعطف عليها انعطاف السوار والحدائق تنتظم بحافتيه وتفيء ظلالها الوارفة عليه فرحم الله أبا نواس الحسن بن هانىء حيث يقول:
طابت نصيبين لي يوما فطبت لها
...
يا ليت حظى من الدنيا نصيبين
فخارجها رياضي الشمائل أندلسي الخمائل يرف غضارة ونضارة ويتالف عليه رونق الحضارة وداخلها شعث البادية باد عليه فلا مطمح للبصر إليه لا تجدالعين فيه فسحة مجال ولا مسحة جمال. وهذا النهر يتسرب إليها من عين معينة منبعها بجبل قريب منها تنقسم منها مذانب تخترق بسائطها وعمائرها ويتخلل البلد منها جزء فيتفرق على شوارعها ويلح في بعض ديارها ويصل إلى جامعها المكرم منه سرب يخترق صحنه وينصب في صهريجين أحدهما وسط الصحن والآخر عند الباب الشرقي منه ويفضى إلى سقايتين حول الجامع.
стр. 284
وعلى النهر المذكور جسر معقود من صم الحجارة يتصل بباب المدينة القبلي. وفيها مدرستان ومارستان واحد وصاحبها معين الدين أخو معز الدين صاحب الموصل ابنا أتابك. ولمعين الدين أيضا مدينة سنجار وهي عن يمين الطريق إلى الموصل.
ويسكن في إحدى الزوايا الجوفية من جامعها المكرم الشيخ أبو اليقظان الأسود الجسد الأبيض الكبد أحد الأولياء الذين نور الله بصائرهم بالإيمان وجعلهم من الباقيات الصالحات في الزمان الشهير المقامات الموصوف بالكرامات نضو١ التبتل والزهادة ومن اخلقت جدته العبادة قد اكتفى بنسج يده ولا يدخر من قوت يومه لغده أسعدنا الله بلقائه وأصبحنا من بركة دعائه عشي يوم الثلاثاء مستهل ربيع الأول فحمدنا الله على أن من علينا برؤيته وشرفنا بمصافحته والله ينفعنا بدعائه إنه سميع مجيب لا إله سواه.
فكان نزولنا بها في خان خارجها وبتنا بها ليلة الأربعاء الثاني من ربيع الأول ورحلنا صبيحته في قافلة كبيرة من البغال والحمير حرانيين وحلبيين وسواهم من أهل البلاد بلاد بكر وما يليها وتركنا حاج هذه الجهات وراء ظهورنا على الجمال فتمادى سيرنا إلى أول الظهر ونحن على أهبة وحذر من أغارة الأكراد الذين هم آفة هذه الجهات من الموصل إلى نصبين إلى مدينة دنيصر يقطعون السبيل ويسعون فسادا في الأرض وسكناهم في جبال منيعة على قرب من هذه البلاد المذكورة ولم يعن الله سلاطينها على قمعهم وكف عاديتهم فهم ربما وصلوا في بعض الأحيان إلى باب نصيبين ولا دافع لهم ولا مانع إلا الله . فقلنا يوم الأربعاء المذكور وراينا ذلك اليوم عن يمين طريقنا بقرب من صفح الجبل مدينة دارى العتيقة وهي بيضاء كبيرة لها قلعة مشرفة ويليها بمقدار نصف مرحلة مدينة ماردين وهي في صفح جبل في قنته قلعة لها كبيرة هي من قلاع الدنيا الشهيرة وكلتا المدينتين معمورة.
стр. 285
ذكر مدينة دنيصر حرسها الله
هي في بسيط من الأرض فسيح وحولها بساتين الرياحين والخضر تسقى بالسواقي وهي مائلة الطبع إلى البادية ولا سور لها وهي مشحونة بشرا ولها الأسواق الحفيلة والأرزاق الواسعة وهي مخطر١ لأهل بلادالشام وديار بكر وآمد وبلاد الروم التي تلي طاعة الأمير مسعود وما يليها ولها المحرث الواسع ولها مرافق كثيرة. فكان نزولنا مع القافلة ببراح ظاهرها وأصبحنا يوم الخميس الثالث لربيع الأول بها مريحين وخارجها مدرسة جديدة بقية البناء فيها ويتصل بها حمام والبساتين حولها فيه مدرسة ومانسة وصاحب هذه البلدة قطب الدين وهو أيضا صاحب مدينة داري ومدينة ماردين ورأس العين وهو قريب لابني أتابك.
وهذه البلدة لسلاطين شتى كملوك طوائف الأندلس كلهم قدتحلى بحلية تنسب إلى الدين فلا تسمع إلا القابا هائلة وصفات لذي التحصيل غير طائلة قدتساوى فيها السوقة والملوك واشترك فيها الغني والصعلوك ليس فيهم من ارتسم بسمة به تليق أو اتصف بصفة هو بها خليق إلا صلاح الدين صاحب الشام وديار مصر والحجاز واليمن المشتهر الفضل والعدل فهذا اسم وافق مسماه ولفظ طابق معناه وما سوى ذلك في سواه فزعازع ريح وشهادات يردها التجريح ودعوى نسبة للدين برحت به أي تبريح!
القاب مملكة في غير موضعها
...
كالهر يحى انتفاخا صولة الأسد
ونرجع إلى حديث المراحل قربها الله: