الأعناق بالذهب ومراكب جواريها كذلك مجموع ذلك الذهب لا يحصى تقديره وكان مشهدا ابهت الأبصار وأحدث الاعتبار وكل ملك بفنى إلا ملك ألواح د القهار لا شريك له.
وأخبرنا غير واحد من الثقات ممن يعرف حال خاتون هذه أنها موصوفة بالعبادة والخير مؤثرة لأفعال البر فمنها أنها انفقت في طريقها هذا إلى الحجاز في صدقات ونفقات في السبيل مالا عظيما وهي تحب الصالحين والصالحات وزورهم متنكرة رغبة في دعائهم وشأنها عجيب كله على شبابها وإنغماسها في نعيم الملك والله يهدي من يشاء من عباده.
وفي عشي اليوم الرابع من المقام بهذه البلدة وهو يوم الجمعة السادس والشعرين لصفر المذكور رحلنا منها على دواب اشتريناها بالموصل تفاديا من معاملة الجمالين على أن القدر المحمود لم يسبب لنا إلا صحبة الأشبه١ منهم ومن شكرناه على طول الصحبة وتماديها من مكة شرفها الله إلى الموصل فأسرينا ليلة السبت إلى بعيد نصف الليل ثم نزلنا بقرية من قرى الموصل ورحلنا منها ضحوة يوم السبت المذكور وقلنا بقرية تعرف بعين الرصد وكان مقيلنا تحت جسر معقود على واد يتحدر فيه الماء وكان مقيلا مباركا وفي تلك القرية خان كبير جديد وفي محلات الطريق كلها خانات واتفق مبيتنا تلك الليلة بالقرية المذكورة وأسرينا منها واصبحنا يوم الأحد بقرية تعرف بالمويلحة وأسرينا منها وبتنا بقرية كبيرة تعرف بجدال لها حصن عتيق. وفي ويمنا هذا راينا عن يمين الطريق جبل الجودي المذكور في كتاب الله٢ تعالى الذي استوت عليه سفينة نوح ﵇ وهو جبل عال مستطيل ثم رحلنا في السحر الأعلى من يوم الإثنين التاسع والعشرين لصفر فكان مبيتنا بقرية من قرى نصيبين ومنها إليها مرحلة ويعرف الموضع المذكور بالكلاي.
стр. 282
شهر ربيع الأول من سنة ثمانين عرفنا الله بكرته
استهل هلاله ليلة الثلاثاء بموافقة الثاني عشر من يونيو ونحن بالقرية المذكورة فرحلنا منها سحر يوم الثلاثاء المذكور ووصلنا نصيبين قبل الظهر من اليوم المذكور.
стр. 283
ذكر مدينة نصيبين حرسها الله
شهيرة العتاقة والقدم ظاهرها شباب وباطنها هرم جميلة المنظر متوسطة بين الكبر والصغر يمتد إمامها وخلفها بسيط أخضر مد البصر قد أجرى الله فيه مذانب من الماء تسقيه وتطرد في نواحيه وتحف بها عن يمين وشمال بساتين ملتفة الأشجار يانعة الثمار بنساب بين يديها نهر قد انعطف عليها انعطاف السوار والحدائق تنتظم بحافتيه وتفيء ظلالها الوارفة عليه فرحم الله أبا نواس الحسن بن هانىء حيث يقول:
طابت نصيبين لي يوما فطبت لها
...
يا ليت حظى من الدنيا نصيبين
فخارجها رياضي الشمائل أندلسي الخمائل يرف غضارة ونضارة ويتالف عليه رونق الحضارة وداخلها شعث البادية باد عليه فلا مطمح للبصر إليه لا تجدالعين فيه فسحة مجال ولا مسحة جمال. وهذا النهر يتسرب إليها من عين معينة منبعها بجبل قريب منها تنقسم منها مذانب تخترق بسائطها وعمائرها ويتخلل البلد منها جزء فيتفرق على شوارعها ويلح في بعض ديارها ويصل إلى جامعها المكرم منه سرب يخترق صحنه وينصب في صهريجين أحدهما وسط الصحن والآخر عند الباب الشرقي منه ويفضى إلى سقايتين حول الجامع.
стр. 284
وعلى النهر المذكور جسر معقود من صم الحجارة يتصل بباب المدينة القبلي. وفيها مدرستان ومارستان واحد وصاحبها معين الدين أخو معز الدين صاحب الموصل ابنا أتابك. ولمعين الدين أيضا مدينة سنجار وهي عن يمين الطريق إلى الموصل.
ويسكن في إحدى الزوايا الجوفية من جامعها المكرم الشيخ أبو اليقظان الأسود الجسد الأبيض الكبد أحد الأولياء الذين نور الله بصائرهم بالإيمان وجعلهم من الباقيات الصالحات في الزمان الشهير المقامات الموصوف بالكرامات نضو١ التبتل والزهادة ومن اخلقت جدته العبادة قد اكتفى بنسج يده ولا يدخر من قوت يومه لغده أسعدنا الله بلقائه وأصبحنا من بركة دعائه عشي يوم الثلاثاء مستهل ربيع الأول فحمدنا الله على أن من علينا برؤيته وشرفنا بمصافحته والله ينفعنا بدعائه إنه سميع مجيب لا إله سواه.
فكان نزولنا بها في خان خارجها وبتنا بها ليلة الأربعاء الثاني من ربيع الأول ورحلنا صبيحته في قافلة كبيرة من البغال والحمير حرانيين وحلبيين وسواهم من أهل البلاد بلاد بكر وما يليها وتركنا حاج هذه الجهات وراء ظهورنا على الجمال فتمادى سيرنا إلى أول الظهر ونحن على أهبة وحذر من أغارة الأكراد الذين هم آفة هذه الجهات من الموصل إلى نصبين إلى مدينة دنيصر يقطعون السبيل ويسعون فسادا في الأرض وسكناهم في جبال منيعة على قرب من هذه البلاد المذكورة ولم يعن الله سلاطينها على قمعهم وكف عاديتهم فهم ربما وصلوا في بعض الأحيان إلى باب نصيبين ولا دافع لهم ولا مانع إلا الله . فقلنا يوم الأربعاء المذكور وراينا ذلك اليوم عن يمين طريقنا بقرب من صفح الجبل مدينة دارى العتيقة وهي بيضاء كبيرة لها قلعة مشرفة ويليها بمقدار نصف مرحلة مدينة ماردين وهي في صفح جبل في قنته قلعة لها كبيرة هي من قلاع الدنيا الشهيرة وكلتا المدينتين معمورة.
стр. 285
ذكر مدينة دنيصر حرسها الله
هي في بسيط من الأرض فسيح وحولها بساتين الرياحين والخضر تسقى بالسواقي وهي مائلة الطبع إلى البادية ولا سور لها وهي مشحونة بشرا ولها الأسواق الحفيلة والأرزاق الواسعة وهي مخطر١ لأهل بلادالشام وديار بكر وآمد وبلاد الروم التي تلي طاعة الأمير مسعود وما يليها ولها المحرث الواسع ولها مرافق كثيرة. فكان نزولنا مع القافلة ببراح ظاهرها وأصبحنا يوم الخميس الثالث لربيع الأول بها مريحين وخارجها مدرسة جديدة بقية البناء فيها ويتصل بها حمام والبساتين حولها فيه مدرسة ومانسة وصاحب هذه البلدة قطب الدين وهو أيضا صاحب مدينة داري ومدينة ماردين ورأس العين وهو قريب لابني أتابك.
وهذه البلدة لسلاطين شتى كملوك طوائف الأندلس كلهم قدتحلى بحلية تنسب إلى الدين فلا تسمع إلا القابا هائلة وصفات لذي التحصيل غير طائلة قدتساوى فيها السوقة والملوك واشترك فيها الغني والصعلوك ليس فيهم من ارتسم بسمة به تليق أو اتصف بصفة هو بها خليق إلا صلاح الدين صاحب الشام وديار مصر والحجاز واليمن المشتهر الفضل والعدل فهذا اسم وافق مسماه ولفظ طابق معناه وما سوى ذلك في سواه فزعازع ريح وشهادات يردها التجريح ودعوى نسبة للدين برحت به أي تبريح!
القاب مملكة في غير موضعها
...
كالهر يحى انتفاخا صولة الأسد
ونرجع إلى حديث المراحل قربها الله:
стр. 286
فكان مقامنا بدنيصر إلى أن صلينا الجمعة وهو اليوم الرابع لربيع "الأول" تلوم١ أهل القافلة بها لشهود سوقها لأن بها يوم الخيمس ويوم الجمعة ويوم السبت ويوم الأحد بعدها سوق حفيلة يجتمع لها أهل هذه الجهات المجاورة لها والقرى المتصلة بها لأن الطريق كلها يمينا وشمالا قرى متصلة وخانات مشيدة ويسمون هذه السوق المجتمع إليها من الجهات البازار وأيام كل سوق معلومة.
ورحلنا إثر صلاة الجمعة فاجتزنا على قرية كبيرة لها حصن تعرف بتل العقاب هي للنصارى المعاهدين الذميين ذكرتنا هذه القرية بقرى الأندلس حسنا ونضارة تحقها البساتين والكروم وأنواع الأشجار وينسرب بازائها نهر ترف الظلال عليه وخطها متسع والبساتين قد انتظمته وشاهدنا بها من الخنانيص امثال الغنم كثرة وانسا بأهلها. ثم وصلنا عشي النهار إلى قرية أخرى تعرف بالجسر هي الآن لناس من المعاهدين وهم فرقة من فرق الروم فكان مبيتنا بها ليلة السبت الخامس لربيع المذكور ثم اسحرنا منها لووصلنا مدينة راس العين قبيل الظهر من يوم السبت المذكور.
стр. 287
ذكر مدينة رأس العين حرسها الله
هذا الاسم لها من أصدق الصفات وموضعها به أشرف الموضوعات وذلك أن الله تعالى فجر أرضها عيونا وأجراها ماء معينا فتقسمت مذانب وانسابت جداول تنبسط في مروج خضر فكأنها سبائك اللجين ممدودة في بمناط الزبرجد تحف بها اشجار وبساتين قد انتظمت حافتيها إلى آخر انتهائها من عمارة بطحائها. وأعظم هذه العيون عينان إحد اهما فوق الأخرى فالعليا منهما نابعة فوق الأرض في صم الحجارة كأنها في جوف غار كبير
стр. 288
متسع يبسط الماء فيه حتى يصير كالصهريج العظيم ثم خرج ويسيل نهرا كبيرا كأكبر ما يكون من الأنهار وينتهي إلى العين الأخرى ويلتقى بمائها. وهذه العين الثانية عجب من عجائب مخلوقات الله وذلك أنها نابعة تحت الأرض من الحجر الصلد بنحو أربع قامات أو أزيد وتيسع منعبها حتى يصير صهريجا في ذلك العمق وبعلو بقوة نبعه حتى يسيل على وجه الأرض فربما يروم السابح القوى السباحة الشديد الغوص في أعماق المياه أن يصل بغوصه إلى قعره فيمجه الماء بقوة انبعاثا من منعه فلا يتناهى في غوصه إلى مقدار نصف مسافة العمق أو أقل شيئا شاهدنا ذلك عيانا. وماؤها اصفى من الزلال وأعذب من السلسبيل يشف عما حواه فلو طرح الدينار فيه في الليلة الظلماء لما أخفاه وبصاد فيها سمك جليل من أطيب ما يكون من السمك.
وينقسم ماء هذه العين نهرين: أحدهما أخذ يمينا والآخر يسارا فالأيمن يشق خانقة١ مبنية للصوفية والعرباء بازاء العين وهي تسمى الرباط أيضا والأيسر ينسرب على جانب الخانقة وتفضى منه جداول إلى مطاهرها ومرافقها المعدة للحاجة البشرية ثم يلتقيان أسفلها مع نهر العين الأخرى العليا وقد بنيت على شط نهرهما المجتمع بيوت أرحى تتصل على شط موضوع وسط النهر كأنه سد ومن مجتمع ماء هاتين العينين منشأ نهر الخابور.
وبمقربة من هذه الخانقة بحيث تناظرها مدرسة بازائها حمام وكلاهما قد وهى واخلق وتعطل وما أرى كان في موضوعات الدنيا مثل موضوع هذه المدرسة لأنها في جزيرة خضراء والنهر يستدير بها من ثلاثة جوانب والمدخل إليها من جانب واحد وامامها ووراءها بستان وبإزائها دولا ب يلقى الماء إلى بساتين مرتفعة عن مصب النهر. وشأن هذا الموضع كله عجيب جدا فغاية حسن القرى بشرقي الأندلس أن يكون لها مثل هذا الموضع جمالا أو تتحلى بمثل هذه العيون ولله القدرة في جميع مخلوقاته.
стр. 289
وأما المدينة فللبداوة بها اعتناء وللحضارة عنها استغناء لا سور يحصنها ولا دور انيقة البناء تحسنها قد ضحيت١ في صحرائها كانها عوذة لبطحائها وهي مع ذلك كاملة مرافق المدن ولها جامعان حديث وقديم فالقديم بموضع هذه العيون وتتفجر امامه عين معينة هي بدون اللتين ذكرناهما وهو من بنيان عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه لكنه قد اثر القدم فيه حتى أذن بتداعيه والجامع الآخر داخل البلد وفيه يجمع أهله فكان مقامنا بها ذلك اليوم نزهة لم نختلس في سفرنا كله مثلها.
فلما كان عند المغيب من يوم السبت الخامس لربيع المذكور وهو السادس عشر ليونيه رحلنا منها رغبة في الاساد وبرد الليل وتفاديا من حر هجيرة التأويب لأن منها إلى حران مسيرة يومين لا عمارة فيها فتمادى سيرنا إلى الصباح ثم نزلنا في الصحراء على ماء جب وأرحنا قليلا ثم رفعنا ضحوة النهار من يوم الأحد وسرنا ونزلنا قريب العصر على ماء بئر بموضع فيه برج مشيد وآثار قديمة يعرف ببرج حواء فبتنا به ثم رفعنا منه بعد تهويم ساعة وأسرينا إلى الصباح فوصلنا مدينة حران مع طلوع الشمس من يوم الإثنين السابع لربيع المذكور والثامن عشر ليونيه والحمد لله على تيسيره.
стр. 290
ذكر مدينة حران كلاها الله
بلد لا حسن لديه ولا ظل يتوسط برديه٢ قد اشتق من اسمه هواؤه فلا يألف البرد ماؤه ولا تزال تتقد بلفح الهجير ساحاته وأرجاؤه لا تجد فيه مقيلا ولا تتنفس منه إلا نفسا ثقيلا قد نبذ بالعراء ووضع
стр. 291
في وسط الصحراء فعدم رونق الحضارة وتعرت اعطافه من ملابس النضارة.
أستغفر الله كفى بهذا البلد شرفا وفضلا أنها البلدة العتيقة المنسوبة لابينا إبراهيم ﷺ وله بقبليها نحو ثلاثة فراسخ مشهد مبارك فيه عين جارية كأن مأوى له ولسارة صلوات الله عليهما ومتبعدا لهما ببركة هذه النسبة قد جعل الله هذه البلدة مقرا للصالحين المتزهدين ومثابة للسائحين المتبتلين. لقينا من أفرادهم الشيخ أبا البركات حيان ابن عبد العزيز حذاء مسجده المنسوب إليه وهو يسكن منه في زاوية بناها في قبلته وتتصل بها في آخر الجانب زاوية لابنه عمر قد التزمها وأشبه طريقة أبيه فما ظلم وتعرفت منه شنشنة اعرفها من اخزم فوصلنا إلى الشيخ وهو قدن نيف على الثمانين فصافحنا ودعا لنا وأمرنا بلقاء ابنه عمر المذكور فملنا إليه ولقيناه ودعا لنا ثم ودعناهما وانصرفنا مسرورين بلقاء رجلين من رجال الآخرة.
ولقينا أيضا بمسجد عتيق الشيخ الزاهد سلمة فلقينا رجلا من الزهاد الافراد فدعا لنا وسالنا وودعناه وانصرفنا وبالبلد سلمة آخر يعرف بالمكشوف الراس لا يغطى رأسه تواضعا لله حتى عرف بذلك ووصلنا إلى منزله فأعلمنا إنه خرج للبرية سائحا.
وبهذه البلدة كثيرمن أهل الخير وأهلها هينون معتدلون محبون للغرباء مؤثرون للفقراء. وأهل هذه البلاد من الموصل لديار بكر وديار ربيعة إلى الشام على هذه السبيل من حب الغرباء وإركام الفقراء وأهل قراها كذلك فما يحتاج الفقراء الصعاليك معهم زادا لهم في ذلك مقاصد في الكرم مأثورة وشان أهل هذه الجهات في هذا السبيل عجيب والله ينفعهم بما هم عليه وأما عبادهم وزهادهم والسائحون في الجبال منهم فأكثر من أن يقيدهم الإحصاء والله ينفع المسلمين ببركاتهم وصوالح دعواتهم بمنه وكرمه.
ولهذه البلدة المذكورة أسواق حفيلة الانتظام عجيبة الترتيب مسقفة
стр. 292
كلها بالخشب فلا يزال أهلها في ظل ممدود فتخترقها كأنك تخترق دارا كبيرة الشوارع قد بنى عند كل ملتقى أربع سكك أسواق منها قبة عظيمة مرفوعة مصنوعة من الجص هي كالمفرق لتلك السكك. ويتصل بهذه الأسواق جامعا المكرم وهو عتيق مجدد قد جاء على غاية الحسن وله صحن كبير فيه ثلاث قباب مرتفعة على سواري رخام وتحت كل قبة بئر عذبة وفي الصحن أيضا قبة رابعة عظيمة قد قامت على عشر سوار من الرخام دور كل سارية تسعة أشبار وفي سوط القبة عمود من الرخام عظيم الجرم دوره خمسة عشر شبرا.
وهذه القبة من بنيان الروم وأعلاها مجوف كأنه البرج المشيد يقال: إنه كان مخزنا لعدتهم الحربية والله أعلم. والجامع المكرم سقف بجوائز الخشب١ والحنايا وخشبه عظام طوال لسعة البلاط وسعته خمس عشرة خطوة وهو خمسة ابلطة وما رأينا جامعا اوسع حنايا منه وجداره المتصل بالصحن الذي عليه المدخل إليه مفتح كله أبوابا عددها سعة عشر بابا تسعة يمينا وتسعة شمالا والتاسع عشر منها باب عظيم وسط هذه الأبواب يمسك قوسه من أعلى الجدار إلى أسفله بهى المنظر جميل الوضع كأنه باب من أبواب المدن الكبار ولهذه الأبواب كلها أغلاق من الخشب البديع الصنعة والنقش تنطبق عليها على شبه أبواب مجلاس القصور فشاهدنا من حسن بناء هذا الجامع وحسن ترتيب اسواقه المتصلة به مرآى عجيبا قل ما يوجد في المدن مثل انتظامه.
ولهذه البلدة مدرسة ومارستانا وهي بلدة كبيرة وسورها متين حصين مبنى بالحجارة النمحوتة المرصوص بعضها على بعض في نهاية من القوة وكذلك بنيان الجامع المكرم ولها قلعة حصينة مما يلي الجهة الشرقية منها منقطعة عنها بفضاء واسع بينهما ومنقطعة أيضا عن سورها بحفير عظيم يستدير بها
стр. 293
قد شيدت حافاته بالحجارة المركومة فجاء في نهاي الوثاقة والقوة وسور القلعة وثيق الحصانة. ولهذه البلدة نهير مجراه بالجهة الشرقية أيضا منها بين سورها وجبانتها ومصبة من عين هي على بعد من البلد.
والبلد كثير الخلق واسع الرزق ظاهر البركة كثير المساجد جم المرافق على أحفل ما يكون من المدن وصاحبه مظفر الدين بن زين الدين وطاعته إلى صلاح الدين. وهذه البلاد كلها من الموصل إلى نصيبين إلى الفرات المعروفة بديار ربيعة وحدها من نصيبين إلى الفرات مع ما يلي الجنوب من الطريق وديار بكر التي تليها في الجانب الجوفي كآمد وميافارقين ووغيرها مما يطول ذكره ليس في ملوكها من يناهض صلاح الدين فهم إلى طاعته وإن كانوا مستبدين وفضله يبقى عليهم ولو شاء نزع الملك منهم لفعله بمشيئة الله.
فكان نزولنا ظاهر البلد بشرقية على نيهره المذكور واقمنا مريحين يوم الإثنين ويوم الثلاثاء بعده واثر الظهر منه كان اجتماعنا بسلمة المكشوف الرأس الذي فاتنا لقاؤه يوم الإثنين فلقيناه بسمجده فراينا رجلا عليه سيما الصالحين وسمت المحبين مع طلاقة وبشر وكرم لقاء وبر فآنسنا ودعا لنا وودعناه وانصرفنا حامدين لله على ما من به علينا من لقاء اوليائه الصالحين وعباده المقربين.
وفي ليلة الأربعاء التاسع لربيع المذكور كان رحيلنا بعدتهويم ساعة فأسرنا إلى الصباح ونزلنا مريحين بموضع يعرف بتل عبدة وهو موضع عمارة وهذا التل مشرف متسع كأنه المائدة المنصوبة وفيه اثر بناء قديم وبهذا الموضع ماء جار. وكان رحيلنا منه عند المغرب وأسرينا الليل كله واجتزنا على قرية تعرف بالبيضاء فيها خان كبير جديد وهو نصف الطريق من حران إلى الفرات ويقابلها على اليمين من الطريق في استقبالك الفرات إلى الشام مدينة سروج التي شهر ذكرها الحريري بنسبة أبي زيد١ إليها وفيها البساتين والمياه المطردة
стр. 294
حسبما وصفها به في مقاماته.
فكان وصولنا إلى الفرات ضحوة النهار وعبرنا في الزواريق المقلة المعدة للعبور إلى قلعة جديدة على الشط تعرف بقلعة نجم وحولها ديار بادية وفيها سويقة يوجد فيها المهم من علف وخبز فأقمنا بها يوم الخميس العاشر لربيع الأول المذكور مريحين خلال ما تكمل القافلة بالعبور وإذا عبرت الفرات حصلت في حد الشام وسرت في طاعة صلاح الدين إلى دمشق.
والفرات حد بين ديار الشام وديار ربيعة وبكر وعن يسار الطريق في استقابلك الفرات إلى الشام مدينة الرفة وهي على الفرات وتليها رحبة مالك بن طوق وتعرف برحبة الشام وهي من المدن الشهيرة ثم رحلنا منها عند مضي ثلث الليل الأول وأسرينا ووصلنا مدينة منبج مع الصباح من يوم الجمعة الحادي عشر لربيع المذكور والثاني والشعرين ليونيه.
стр. 295
ذكر مدينة منبج حرسها الله
بلدة فسيحة الإرجاء صحيحة الهواء يحف بها سور عتيق ممتد الغاية والانتهاء جوها صقيل ومجتلاها جميل ونسيمها أرج النشر عليل نهارها يندى ظله وليلها كما قيل فيه: سحر كله تحف بغربيها وبشرقيها بساتين ملتفة الأشجار مختلفة الثمار ولماء يطرد فيه ويتخلل جميع نواحيها، وخصص الله داخلها بآبار معينة شهدية العذوبة سلسبيلية المذاق تكون في كل دار منها البئر والبئران. وأرضها أرض كريمة تستنبط مياها كلها وأسواقها وسككها فسيحة متسعة ودكاكينها وحوانيتها كانها الخانات والمخازن اتساعا وكبيرا وأعالي أسواقها مسقفة.
وعلى هذالترتيب أسواق أكثر مدن هذه الجهات لكن هذه البلدة تعاقبت عليهالاحقاب حتى أخذ منها الخراب كانت من مدن الروم العتيقة ولهم
стр. 296
فيها من البناء آثار تدل على عظم اعتنائهم بها ولها قلعة حصينة في جوفيها تنقطع عنها وتنحاز منها ومدن هذه الجهات كلها لا تخلو من القلاع السلطانية. وأهلها أهل فضل وخير سنيون شافعيون وهي مطهرة بهم من أهل المذاهب المنحرفة والعقائد الفاسدة كما تجده في الأكثر من هذه البلاد فمعاملاتهم صحيحة وأحوالهم مستقيمة وجادتهم الواضحة في دينهم من اعتراض بنيات الطريق١ سليمة.
فكان نزولنا خارجها في أحد بساتينها وأقمنا يوما مريحين ثم رحلنا نصف الليل ووصلنا بزاعة ضحوة يوم السبت الثاني عشر لربيع المذكور.
стр. 297
ذكر بلدة بزاعة كلاها الله
بقعة طيبة الثرى واسعة الذرى٢ تصغر عن المدن وتكبر عن القرى بها سوق تجمع بين المرافق السفرية والمتاجر لحضرية وفي أعلاها قلعة كبيرة حصينة رامها أحد ملوك الزمن فغاظته باستصعابها فامر بثلم بنائها حتى غاردها عورة منبوذة بعرائها ولهذه البلدة عين معينة يخترق ماؤها بسيط بطحاء ترف بساتينها خضرة ونضارة وتريك برونقها الأنيق حسن الحضارة.
ويناظرها في جانب البطحاء قرية كبيرة تعرف بالباب هي باب بين بزاعة وحلب وكان يعمرها منذ ثماني سنين قوم من الملاحدة الاسماعيلية لا يحصى عددهم إلا الله فطار شرارهم وقطع هذه السبيل فسادهم واضرارهم حتى داخلت أهل هذه البلاد العصبية وحركتهم الأنفة والحمية فتجمعوا من كل أوب عليهم ووضعوا السيوف فيهم فاستأصلوهم عن
стр. 298
آخرهم وعجلوا بقطع دابرهم وكومت بهذه البطحاء جماجمهم وكفى الله المسلمين عاديتهم وشرهم وأحاق بهم مكرهم والحمد لله رب العالمين.
وسكانها اليوم قوم سنيون فأقمنا بها يوم السبت ببطحاء هذه البلدة مريحين ورحلنا منها في الليل وأسرينا إلى الصباح ووصلنا مدينة حلب ضحوة يوم الأحد الثالث عشر لربيع الأول والرابع والشعرين ليونيه.
стр. 299
ذكر مدينة حلب حرسها الله تعالى
بلدة قدرها خيطر وذكرها في كل زمان يطير خطابها من الملوك كثير ومحلها من التقديس أثير١ فكم هاجت من كفاح وسلت عليها من بيض الصفاح لها قلعة شهيرة الامتناع بائنة الارتفاع معدومة الشبه والنظير في القلاع تنزهت حصانة أن ترام أو تستطاع قاعدة كبيرة ومائدة من الأرض مستديرة منحوتة الإرجاء موضوعة على نسبة اعتدال واستواء فسبحان من أحكم تقيدرها وتدبيرها وأبدع كيف شاء تصويرها وتدويرها عتيقة ف الأزل حديثة وإن لم تزل قد طاولت الأيام والأعوام وشيعت الخواص والعوام، هذه منازلها وديارها فأين سكانها قديما وعمارها؟ وتلك دار مملكتها وفناؤها فأين أمرؤها الحمدانيون وشعراؤها؟ أجل فني جميعهم ولم يأن٢ بعد فناؤها فيا عجبا للبلاد تبقى وتذهب أملاكها ويهلكون ولا يقضى هلاكها تخطب بعدهم فلا يتعذر ملاكها٣ وترام فيتيسر بأهون شيء إدراكها
هذه حلب كم أدخلت من ملوكها في خبر كان ونسخت ظرف الزمان بالمكان أنث اسمها فتحلت
стр. 300
بزينة الغوان ودانت بالغدر فيمن خان وتجلت عروسا بعد سيف دولتها ابن حمدان هيهات هيهات سيهرم شبابها ويعدم خطابها ويسرع فيها بعد حين خرابها وتتطرق جنبات الحوادث إليها حتى يرث الله الأرض ومن عليها لا إله سواه سبحانه جلت قدرته.
وقد خرج بنا الكلام عن مقصده فلنعد إلى ما كنا بصدده فنقول أن من شرف هذه القلعة إنه يذكر أنها كانت قديما في الزمان الأول ربوة يأوى إليها إبراهيم الخيل عليه وعلى نبينا الصلاة والتسليم بغنيمات له فيحلبها هناك ويتصدق بلبنها فلذلك سميت حلب والله أعلم وبها مشهدكريم له يقصده الناس ويتبركون بالصلاة فيه.
ومن كمال خلالها المشترطة في حصانة القلاع أن الماء بها نابع وقد صنع عليه جبان فيهما بنعان ماء فلا تخاف الظماء ابد الدهر والطعام يصبر فيها الدهر كله وليس في شروط الحصانة أهم ولا اكد من هاتين الخلتين ويطيفه بهذين الجبين المذكورين سوران حصينان من الجانب الذي ينظر للبلد ويعترض دونهما خندق لا يكاد البصر يبلغ مدى عمقه والماء ينبع فيه. وشأن هذه القلعة في الصحانة والحسن أعظم من أن ننتهي إلى وصفه وسورها الأعلى كله ابراج منتظمة فيها العلالي المنيفة والقصاب١ المشرفة قد تفتحت كلها طيقانا وكل برج منها مسكون وداخلها المساكن السلطانية والمنازل الرفيعة الملوكية.
وأما البلد فموضوعه ضخم جدا حفيل التركيب بديع الحسن واسع الأسواق كبيرها متصلة الانتظام مستطيلة تخرج من سماط٢ صنعة إلى سماط صنعة أخرى إلى أن تفرغ من جميع الصناعات المدنية وكلها مسقف بالخشب،
стр. 301
فسكانها في ظلال وارفة فكل سوق منها تقيدالأبصار حسنا وستوقف المستوفز١ تعجبا.
وأما قيساريتها فحديقة بستان نظافة وجمالا مطيفة بالجامع المكرم لا يتشوق الجالس فيها مرأى سواها ولو كان من المرائي الرياضية وأكثر حوانيتها خزائن من الخشب البديع الصنعة قد اتصل السماط خزانة واحدة وتخللتها شرف خشيبية بديعة النقش وتفتحت كلها حوانيت فجاء منظرها أجمل منظر وكل سماط منها يتصل بباب من أبواب الجامع المكرم.
وهذا الجامع من أحسن الجوامع وأجملها قد أطاف بصحنه الواسع بلاط كبير متسع مفتح كله أبوابا قصرية الحسن إلى الصحن عددها ينيف على الخمسين بابا فيستوقف الأبصار حسن منظرها وفي صحته بئران معينتان والبلاط القبلي لا مقصروة فيه فجاء ظاهر الاتساع رائق الانشراح. وقد استفرغت الصنعة القرنصية جهدها في منبره فما أرى في بلد من البلاد منبرا على شكله وغرابة صنعته واتصلت النصعة الخشبية منه إلى المحراب فتحللت صفحاته كلها حسنا على تلك الصفة الغريبة وارتفع كالتاج العظيم على المحراب وعلا حتى اتصل بسمك٢ السقف وقد قوس أعلاه وشرف بالشرف الخشبية القرنصية وهو مرصع كله بالعاج والآبنوس واتصال الترصيع من المنبر إلى المحراب مع ما يليهما من جدار القبلة دون أن يتبين بينهما انفصال فتجتلى العيون منه أبدع منظر يكون في الدنيا، وحسن هذا الجامع المكرم أكثر من أن يوصف.
ويتصل به من الجانب الغربي مدرسة للحنفية تناسب الجامع حسنا واتقان صنعة فهما في الحسن روضة تجاور أخرى وهذه المدرسة من أحفل ما شاهدناه من المدارس بناء وغربة صنعة ومن أظرف ما يلحظ فيها أن جدارها القبلي
стр. 302
مفتح كله بيوتا وغرفا لها طيقان يتصل بعضها ببعض وقدامتد بطول الجدار عريش كرم مثمر عنبا فحصل لكل طاق من تلك الطيقان قسطها من ذلك العنب متدليا إمامها فيمد الساكن فيها يده ويجتنيه متكئا دون كلفة ولا مشقة. وللبلدة سوى هذه المدرسة نحو أربع مدارس أو خمس ولها مارستان.
وأمرها في الاحتفال عظيم فهي بلدة تليق بالخلافة وحسنها كله داخل لا خارج لها إلا نهير يجري من جوفيها إلى قبيلها ويشق ربضها المستدير بها فإن لها ربضا كبيرا فيه من الخانات ما لايحصى عدده وبهذا النهر الأرحاء وهي متصلة بالبلد وقائمة وسط ربضه وبهذا الربض بعض بساتين تتصل بطوله. وكيفما كان الأمر فيه داخلا وخارجا فهو من بلاد الدنيا التي لا نظير لها والوصف فيه يطول.
فكان نزولنا بربضه في خان يعرف بخان أبي الشكر فأقمنا به أربعة أيام ورحلنا ضحوة يوم الخيمس السابع عشر لربيع المذكور والثامن والشعرين ليونيه ووصلنا قنسرين قبيل العصر فأرحنا بها قليلا ثم انتقلنا إلى قرية تعرف بتل تاجر فكا نمبيتنا بها ليلة الجمعة الثامن عشر منه.
وقنسرين هذه هي البلدة الشهيرة في الزمان لكنها خربت وعادت كأن لم تغن بالأمس فلم يبق إلا آثارها الدارسة ورسومها الطامسة ولكن قراها عامرة منتظمة لأنها على محرث عظيم مد البصر عرضا وطولا وتشبهها من البلاد الأندلسية جيان ولذلك يذكر أن أهل قنسرين عند استفتاح الأندلس نزلوا جيان تأنسا بشبه الوطن وتعللا به مثل ما فعل في أكثر بلادها حسب ما هو معروف.
ثم رحلنا من ذلك الموضع عند الثلث الماضي من الليل فأسرينا وسرنا إلى ضحوة من النهار ثم نزلنا مريحين بموضع يعرف بباقدين في خان كبير يعرف بخان التركمان وثيق الصحانة وخانات هذا الطريق كأنها القلاع امتناعا وحصانة وأبوابها حديد وهي من الوثاقة في غاية. ثم رحلنا من هذا الموضع
стр. 303
وبتنا بموضع يعرف بتمنى في خان وثيق على الصفة المذكورة.
ثم اسحرنا منه يوم السبت التاسع عشر لربيع الأول المذكور وهو آخر يوم من يونيه وراينا عن يمين طريقنا بمقدار فرسخين يوم الجمعة المذكور بلاد المعرة وهي سواد كلها بشجر الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه ويتصل التفاف بساتيها وانتظام قراها مسيرة يومين وهي من اخصب بلادالله وأكثرها أرزاقا. ووراءها جبل لبنان وهو سامي الارتفاع ممتد الطول يتصل من البحر إلى البحر وفي صفحته حصون للملاحدة الاسماعيلية فرقة مرقت من الإسلام وادعت الإلهية في أحد الانام قيض لهم شيطان من الأندلس يعرف بسنان١ خدعهم بأباطيل وخيالات موه عليهم باستعمالها وسحرهم بمحالها فاتخذوه الها يعبدونه ويبذلون الأنفس دونه وحصلو من طاعته وامتثال أمره بحيث يأمر أحد هم بالتردي من شاهقة جبل فيتردى ويستعجل في مرضاته الردى والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء بقدرته نعوذ به سبحانه من الفتنة في الدين ونساله العصمة من ضلال الملحدين لا رب غيره ولا معبود سواه.
وجبل لبنان المذكور هو حد بين بلادالمسلمين والإفرنج لأن وراءه انطاكية واللاذقية وسواهما من بلادهم اعادها للمسلمين وفي صفح الجبل المذكور حصن يعرف بحصن الأكراد هو للافرنج ويغيرون منه على حماة وحمص وهو بمرأى العين منهما فكان وصولنا إلى مدينة حماة في اضحى الأعلى من يوم السبت المذكور فنزلنا بربضها في أحد خاناته.
стр. 304
ذكر مدينة حماة حماها الله تعالى
مدينة شهيرة في البلدان قديمة الصحبة للزمان غير فسيحة الفناء ولا رائقة البناء أقطارها مضمومة وديارها مركومة لا يهش البصر إليها عند الأطلال عليها كأنها تكن بهجتها وتخفيها فتجد حسنها كامنا فيها حتى إذا جست خلالها ونقرت١ ظلالها أبصرت بشرقيها نهرا كبيرا تتسع في تدفقه أساليبه وتتناظر بشطيه دواليبه قد انتظمت طرتيه، بساتين تتهدل أغصانها عليه وتلوح خصرتها عذارا بصفحيته ينسرب في ظلالها وينساب على سمت اعتدالها، وبأحد شطيه المتصل بربضها مظاهر منتظمة بيوتا عدة يخترق الماء من أحد دواليبه جميع نواحيها فلا يجد المغتسل أثر أذى فيها وعلى شطه الثاني المتصل بالمدينة السفلى جامع صغير قد فتح جداره الشرقي عليه طيقانا تجتلى منها منظرا ترتاح النفس إليه وتتقيد الأبصار لديه وبإزاء ممر النهر بجوفي المدينة قلعة حلبية الوضع وإن كانت دونها في الحصانة والمنع سرب لها من هذا النهر ماء ينبع فيها فهي لا تخاف الصدى٢ ولا تتهيب مرام العدا.
وموضوع هذه المدينة في وهدة من الأرض عريضة مستطيلة كأنها خندق عميق يرتفع لها جانبان أحدهما كالجبل المطل والمدينا العليا متصلة بصفح ذلك الجانب الجبلي والقلعة في الجانب الآخر في ربوة منقطعة كبير مستديرة قدتولى نحتها الزمان وحصل لها بحصانتها من كل عدو الامان والمدينة السفلى تحت القلعة متصلة بالجانب الذي يصب النهر عليه وكلتا المدينتين صغيرتان وسور المدينة العليا يمتد على رأس جانبها العلى الجبلي ويطيف بها.
стр. 305
وللمدينة السفلى سور يحدق بها من ثلاثة جوانب لأن جانبها المتصل بالنهر لا يحتاج إلى سور. وعلى النهر جسر كبير معقود بصم الحجارة يتصل من المدينة السفلى إلى ربضها وربضها كبير فيه الخانات والديار وله حوانيت يستعجل فيها السافر حاجته إلى أن يفرغ لدخول المدينة وأسواق المدينة العليا أحفل وأجمل من أسواق المدينة السفلى وهي الجامعة لجميع الصناعات والتجارات وموضوعها حسن التنظيم بديع الترتيب والتقسيم ولها جامع أكبر من الجامع الأسفل ولها ثلاث مدارس ومارستان على شط النهر بإزاء الجامع الصغير.
وبخارج هذه البلدة بسيط فسيح عريض قد انتظم أكثره شجرات الاعناب وفيه المزارع والمحارث وفي منظره نشراح اللنفس وانفساح والبساتين متصلة على شطى النهر وهو يسمى العاصي لأن ظاهره انحداره من سفل إلى علو ومجراه من الجنوب إلى الشمال وهو يجتاز على قبلي حمص وبمقربة منها.
فكان مقامنا بحماة إلى عشي يوم السبت المذكور ثم رحلنا منها وأسرينا الليل كله وأجزنا في نصفه هذا النهر العاصي المذكور على جسر كبير معقود من الحجارة وعليه مدينة رستن التي خربها عمر بن الخطاب رضى الله عنه وآثارها عظيمة ويذكر الروم القسطنطينيون أن بها أموالا جمة مكنوزة والله أعلم بذلك فوصلنا إلى مدينة حمص مع شروق الشمس من يوم الأحد الموفى عشرين لربيع الأول وهو أول يوليه١ فنزلنا بظاهرها بخان السبيل.
стр. 306
ذكر مدينة حمص حرسها الله تعالى
هي فسيحة الاسحة مستطيلة المساحة نزهة لعين مبصرها من النظافة والملاحة موضوعة في بسيط من الأرض عريض مداه لا يخترقه النسيم بمسراه يكادالبصر يقف دون منتهاه أفيح أغبر لا ماء ولا شجر ولا
стр. 307
ظل ولا ثمر فهي تشتكي ظماءها وتسقى على البعد ماءها فيجلب لها من نهيرها العاصي وهي منها بنحو مسافة الميل وعليه طرة بساتين تجتلى العين خضرتها وستغرب نضرتها ومنبعه في مغارة بصفح جبل فوقها بمرحلة بموضع يقابل بعلبك اعادها الله وهي عن يمين الطريق إلى دمشق.
وأهل هذه البلدة موصوفون بالنجدة والتمرس بالعدو لمجاورتهم إياه وبعدهم في ذلك أهل حلب فأحمد خلال هذه البلدة هواؤها الرطب ونسيمها الميمون تخفيفه وتجسيمه فكأن الهواء النجدي في الصحة شقيقه وقسيمه.
وبقبلي هذه المدينة قلعة حصينة منيعة عاصية غير مطيعة قدتميزت وانحازت بموضوعها عنها وبشرقيها جبانة فيها قبر خالد بن الوليد رضى الله عنه هو سيف الله المسلول ومعه قبر ابنه عبد الرحمن وقبر عبيد الله بنعمر رضى الله عنهم. وأسوار هذه المدينة في غاية العتاقة والوثاقة مرصوص بناؤها بالحجارة الصم السود وأبوابها أبواب حديد سامية الأشراف هائلة المنظر رائعة الأطلال والأنافة تكتنفها الابراج المشيدة الحصينة وأما داخلها فما شئت من بادية شعثاء١ خلقة الأرجاء ملفقة البناء لا إشراق لآفاقها ولا رونق لأسواقها كاسدة لاعهد لها بنفاقها. وما ظنك ببلد حصن الأكراد منه على اميال يسيرة وهو معقل العدو فهو منه تتراءى ناره ويحرق إذا يطير شراره ويتعهد إذا شاء كل يوم مغاره.
وسألنا أحد الأشياخ بهذه البلدة: هل فيها مارستان على رسم مدن هذه الجهات؟ فقال: وقد أنكر ذلك حمص كلها مارستان وكفاك تبيينا شهادة أهلها فيها وبها مدرسة واحدة، وتجد في هذه البلدة عند إطلالك عليها من بعد في بسيطها ومنظرها وهيئة موضوعها بعض شبه بمدينة إشبيلية من بلاد الأندلس يقع للحين في نفسك خياله وبهذا الاسم سميت في القديم وهي العلة التي
стр. 308
أوجبت نزول الأعراب أهل حمص فيها حسبما يذكر وهذا التشبيه وإن لم يكن بذاته فله لمحة من إحدى جهاته.
وأقمنا بها يوم الأحد المذكور ويوم الإثنين بعده وهو الثاني ليوليه إلى أول الظهر ورحلنا منها وتمادى سيرنا إلى العشى ونزلنا بقرية خربة ترعف بالمعشر فعشبنا بها الدواب ثم رحلنا عند المغرب وأسرينا طول ليلتنا وتمادى سيرنا إلى الضحى الأعلى من يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من الشهر المذكور ونزلنا بقرية كبيرة للنصارى المعاهدين تعرف بالقارة ليس فيها من المسلمين أحد وبها خان كبير كأنه الحصن المشيد في وطسه صهريج كبير مملوء ماء يتسرب له تحت الأرض من عين على البعد فهو لا يزال ملآن
فأرحنا بالخان المذكور إلى الظهر ثم رحلنا منه إلى قرية تعرف بالنبك بها ماء جار ومحرث متسع فنزلنا بها للتعشبية ثم رحلنا منها بعداختلاس تهويمة١ خفيفة.
وأسرينا الليل كله فوصلنا إلى خان السلطان مع الصباح وهو خان بناه صلاح الدين صاحب الشام وهو في نهاية الوثاقة والحسن بباب حديد على سبيلهم في بناء خانات هذه الطرق كلها واحتفالهم في تشييدها وفي هذا الخان ماء جار يتسرب إلى سقاية في وسط الخان كانها صهريج ولها منافس ينصب منها الماء في سقاية صغيرة مستديرة حول الصهيريج ثم يغوص في سرب في الأرض.
والطريق من حمص إلى دمشق قليل العمارة إلا في ثلاثة مواضع أو أربعة منها هذه الخانات المذكورة فأقمنا يوم الأربعاء الثالث والعشرين لربيع المذكور بالخان المذكور مريحين ومستدركين النوم إلى أول الظهر ثم رحلنا وجزنا بثنية العقاب ومنها يشرف على بسيط دمشق وغوطتها وعند هذه الثنية مفرق طريقين: إحد اهما التي جئنا منها ولا ثانية آخذة شرقا في البرية على السماوة إلى العراق وهي طريق قصد لكنها لا تدخل إلا في الشتاء. فانحدرنا
стр. 309
منها بين جبال في بطن واد إلى البسيط ونزلنا منه بموضع يعرف بالقصير فيه خان كبر والنهر جار امامه ثم رحلنا منه مع الصبح وسرنا في بساتين متصلة لا يوصف حسنها ووصلنا دمشق في الضحى الأعلى من يوم الخميس الرابع والعشرين لربيع الأول والخامس ليوليه والحمد لله رب العالمين.
стр. 310
شهر ربيع الآخر
استهل هلاله يوم الأربعاء بموافقة الحادي عشر ليوليه ونحن بدمشق نازلين فيها بدار الحديث غربي جامعها المكرم.
стр. 311
ذكر مدينة دمشق حرسها الله تعالى
جنة المشرق ومطلع حسنه المؤنق المشرق وهي خاتمة بلاد الإسلام التي استقريناها وعروس المدن المتي اجتليناها قدتحلت بأزاهير الرياحين وتجلت في حلل سندسية من البساتين وحلت من موضوع الحسن بالمكان المكين وتزينت في منصتها أجمل تزيين وتشرفت بان آوى الله تعالى السميح وأمه صلى الله عليهما منها إلى ربوة ذات قرار ومعين، ظل ظليل وماء سلسبيل تنساب مذانبه انسياب الأراقم١ بكل سبيل ورياض يحيى النفوس نسيمها العليل تتبرج٢ لناظريها بمجتلى صقيل وتناديهم: هلموا إلى معرس للحسن ومقيل قد سئمت أرضها كثرة الماء حتى اشتقات إلى الظماء فتكاد تناديك بها الصم الصلاب: اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب؛ قد احدقت البساتين بها أحداق الهالة بالقمر واكتنفتها
стр. 312
اكتناف الكمامة للزهر وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر فكل موضع لحظته بجهاتها الأربع نضرته اليانعة قيدالنظر ولله صدق القائلين عنها: إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها١ وتحاذيها.
стр. 313
ذكر جامعها المكرم عمره الله تعالى
هو من أشهر جوامع الإسلام حسنا واتقان بناء وغرابة صنعة واحتفال تنميق وتزيين وشهرته المتعارفة في ذلك تغنى عن استغراق الوصف فيه ومن ععجيب شأنه إنه لا تنسج به العنكبوت ولا تدخله ولا تلم به الطير المعروفة بالخطاف. انتدب لبنائه الوليد بن عبد الملك ﵀ ووجه إلى ملك الروم بالقسطنطينية يأمره بأشخاص اثنى عشر ألفا من الصناع من بلاده وتقدم إليه بالوعيد في ذلك إن توقف عنه فامتثل أمره مذعنا بعد مراسلة جرت بينهما في ذلك مما هو مذكور في كتب التواريخ. فشرع في بنائه وبلغت الغاية في التأنق فيه وأنزلت٢ جدره كلها بفصوص من الذهب المعروف بالفسيفساء وخلطت بها أنواع من الأصبغة الغريبة قد مثلت أشجارا وفرعت اغصانا منظومة بالفصوص ببدائع من الصنعة الأنيقة المعجزة وصف كل واصف فجاء يغشى العيون وميضا وبصيصا. وكان مبلغ النفقة فيه حسبما ذكره ابن المعلى٣ الأسدي في جزء وصعه في ذكر بنائه مائة صندوق في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار ومائتا ألف دينار فكان مبلغ الجميع أحد عشر ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار.
стр. 314
والوليد هذا هو الذي أخذ نصف الكنيسة الباقية منه في أيدي النصارى وأدخلها فيه لأنه كان قسمين: قسما للمسلمين وهو الشرقي وقسما للنصارى وهو الغربي لأن أبا عبيدة بن الجراح رضى الله عنه، دخل البلد من الجهة الغربية فانتهى إلى نصف الكنيسة وقد وقع الصلح بينه وبين النصارى ودخل خالد بن الوليد رضى الله عنه عنوة من الجانب الشرقي وانتهى إلى النصف الثاني وهو الشرقي فاحتازه المسلمون وصيروه مسجدا، وبقى النصف المصالح عليه وهو الغربي كنيسة بأيدي النصارى إلى أن عوضهم منه الوليد فأبوا ذلك فانتزعه منه مقهرا وطلع لهدمه بنفسه وكانوا يزعمون أن الذي يهدم كنيستهم يجن فبادر الوليد وقال: أنا أول من يجن في الله وبدأ الهدم بيده فبادر المسلمون وأكملوا هدمه
واستعدوا عمر بن عبد العزيز رضيى الله عنه أيام خلافته واخرجوا العهد الذي بأديهم من الصحابة رضى الله عنهم في ابقائه عليهم فهم بصرفه إليهم فأشفق المسلمون من ذلك ثم عوضهم منه بمال عظيم ارضاهم به فقبلوه.
ويقال: إن أول من وضع جداره القبلي هود النبي ﵇ وكذلك ذكرا بن المعلى في تاريخه والله أعلم بذلك لا إله سواه، وقرأنا في فضائل دمشق عن سفيان الثوري رضى الله عنه إنه قال: إن الصلاة فيه بثلاثين ألف صلاة وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه يعبد الله فيه بعد خراب الدنيا أربعين سنة.
стр. 315
ذكر تذريعه ومساحته وعدد أبوابه وشمسياته١
ذرعه في الطول من الشرق إلى الغرب مائتا خطوة وهما ثلاثمائة ذراع وذرعه في السعة من القبلة إلى الجوف مائة خطوة وخمس وثلاثون خطوة وهي
стр. 316
مائتا ذراع فيكون تكسيره من المراجع١ الغريبة أربعة وعشرين مرجعا وهو تكسير مسجد رسول الله ﷺ غير أن الطول في مسجد رسول الله ﷺ من القبلة إلى الشمال
وبلاطاته المتصلة بالقبلة ثلاثة مستطيلة من الشرق إلى الغرب سعة كل بلاط منها ثمان عشرة خطوة والخطوة ذراع ونصف وقد قامت على ثمانية وستين عمودا منها أربع وخمسون سارية وثماني أرجل٢ حصية تتخللها واثنتان مزحمة ملصقة معها في الجدار الذي يلي الصحن وأربع أرجل مرخمة أبدع ترخيم مرصعة بفصوص من الرخام ملونة قد نظمت خواتيم وصورت محاريب واشكالا غريبة قائمة في البلاط الأوسط تقل قبة الرصاص مع القبة التي تلي المحراب سعة كل رجل منها ستة عشر شبرا وطولها عشرون شبرا وبين كل رجل ورجل في الطول سبع عشرة خطوة وفي العرض ثلاث عشرة خطوة فيكون كل دور رجل منها اثنين وسبعين شبرا. ويستدير بالصحن بلاط من ثلاث جهاته: الشرقية والغربية الشمالية سعته عشر خطا وعدد قوائمه سبع وأربعون: منها أربع عشرة رجلا من الجص وسائرها سوار فيكون سعة الصحن حاشى المسقف القبلي والشمالي مائة ذراع وسقف الجامع كله من خارج ألواح رصاص.
وأعظم ما في هذا الجامع المبارك قبة الرصاص المتصلة بالمحراب وسطه سامية في الهواء عظيمة الاستدارة، قد استقل بها هيكل عظيم هو غارب لها يتصل من المحراب إلى الصحن وتحته ثلاث قباب: قبة تتصل بالجدار الذي إلى الصحن وقبة تتصل بالمحراب وقبة تحت قبة الرصاص بينهما. والقبة الرصاصية قد اغصت الهواء وسطه فإذا استقبتلها ابصرت منظرا رائعا ومرأى هائلا يشبهه الناس بنسر طائر كأن القبة رأسه والغارب جؤجؤه،
стр. 317
ونصف جدار البلاط عن يمين ونصف الثاني عن شمال جناحاه وسعة هذا الغارب من جهة الصحن ثلاثون خطوة فهم يعرفون الموضع من الجامع بالنسر لهذا التشبيه الواقع عليه ومن أي جهة استقبلت البلد ترى القبة في الهواء منيفة على كل علو كأنها معلقة من الجو.
والجامع المكرم مائل إلى الجهة الشمالية من البلد وعدد شمسياته الزجاجية المذهبة الملونة أربع وسبعون: منها في القبة التي تحت قبة الرصاص عشر وفي القبة المتصلة بالمحراب مع ما يليها من الجدا أربع عشرة شمسية وفي طول الجدار عن يمين المحراب ويساره أربع ورابعون وفي القبة المتصلة بجدار الصحن ست وفي ظهر الجدار إلى الصحن سبع وأربعون شمسية.
وفي الجامع المكرم ثلاث مقصورات مقصورة الصحابة رضى الله عنهم وهي أول مقصورة وضعت في الإسلام وضعها معاوية ابن أبي سفيان رضى الله عنهما وبازاء محرابها عن يمين مستقبل القبلة باب حديد كان يدخل معاوية رضى الله عنه إلى المقصورة منه إلى المحراب وبازاء محرابها لجهة اليمين مصلى أبي الدرداء رضى الله عنه، وخلفها كانت دار معاوية رضى عنه وهي اليوم سماط عظيم للصفارين١ يتصل بطول جدار الجامع القبلي ولا سماط أحسن منظرا منه ولا أكبر طولا وعرضا وخلف هذا السماط على مقربة منه دار الخيل برسمه وهي اليوم مسكونة وفيها مواضع للكمادين٢. وطول المقصورة الصحابية المذكور أربعة وأربعون شبرا وعرضها نصف الطول. ويليها لجهة الغرب في وسط الجامع المصورة التي أحد ثت عند اضافة الصنف المتخذ كنيسة إلى الجامع حسبما تقدم ذكره وفيها منبر الخطبة ومحراب الصلاة وكانت مقصروة الصحابة أولا في نصف الحظ الإسلامي من الكنيسة وكان الجدار حيث اعيدالمحراب في المقصورة لمحدثة فلما عيدت الكنيسة كلها
стр. 318
مجسدا صارت مقصروة الصحابة طرفا في الجانب الشرقي وأحدثت المقصورة الأخرى وسطا حيث كان جدرا الجامع قبل الاتصال وهذ المقصورة المحدثة أكبر من الصحابية. وبالجانب الغربي بإزاء الجدار مقصورة أخرى هي برسم الحنيفة يجتمعون فيها للتدريس وبها يصلون بازائها زاوية محدقة بالاعواد المشرجبة كأنها مقصروة صغيرة وبالجانب الشرقي زاوية أخرى على هذه الصفة هي كالقمصرة كان وضعها للصلاة فيها أحد أمرءا الدولة التركية وهي لاصقة بالجدار الشرقي. وبالجامع المكرم عدة زوايا على هذا الترتيب يتخذها الطلبة للنسخ والدرس والانفراد عن ازدحام الناس وهي من جملة مرافق الطلبة.
وفي الجدار المتصل بالصحن المحيط بالبلاطات القبلية عشرون بابا متصلة بطول الجدار قد علتها قسى جصية مخرمة كلها على هيئ الشمسيات فتبصر العين من اتصالها أجمل منظر وأحسنه. والبلاط المتصل بالصحن المحيط بالبلاطات من ثلاث جهات على أعمدة وعلى تلك الأعمدة أبواب مقوسة تقلها أعمدة صغار تطيف بالصحن كله.
ومنظر هذا الصحن من أجمل المناظر واحسنها وفيه مجتمع أهل البلد وهو متفرجهم ومنتزههم كل عشية تراهم فيه ذاهبين وراجعين من شرق إلى غرب من باب جيرون إلى باب البريد، فمنهم من يتحدث مع صاحبه ومنهم من يقرأ لا يزالون على هذه الحال من ذهاب وروجوع إلى انقضاء صلاة العشاء الآخرة ثم ينصرفون ولبعضهم بالغداة مثل ذلك وأكثر الاحتفال إنما هو بالعشى فيخيل لمبصر ذلك أنها ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم لما يرى من احتفال الناس واجتماعهم لا يزالون على ذلك كل يوم وأهل البطالة من النسا يسمونهم الحراثين.
وللجامع ثلاث صوامع وإحدى في الجانب الغربي وهي كالبرج المشيد تحتوى على مساكن متسعة وزوايا فسيحة راجعة كلها إلى غلاق يسكنها أقوام
стр. 319
من الغرباء أهل الخير والبيت الأعلى منها كان معتكف أبي حامد الغزالي ﵀ ويسكته اليوم الفقيه الزاهد أبو عبد الله بن سعيد من أهل قلعة يحصب المنسوبة لهم وهو قريب لبنى سعيد المشتهرين بالدنيا وخدمتها وثانية بالجانب الغربي على هذ الصفة وثالثة بالجانب الشمالي على الباب المعروف بباب الناطفيين١.
وفي الصحن ثلاث قباب: إحد اها في الجانب الغربي منه وهي اكبرها وهي قائمة على ثمانية أعمدة من الرخام مستطيلة كالبرج مزخرفة بالفصوص والاصبغة الملونة كانها الروضة حسنا وعليه قبة رصاص كأنها التنور العظيم الاستدارة يقال: إنها كانت مخزنا لمال الجامع وله مال عظيم من خراجات ومستغلات تنيف على ما ذكر لنا على الثمانية الاف دينار صورية في السنة وهي خسمة عشر ألف دينار مؤمنية أو نحوها. وقبة أخرى صغيرة في وسط الصحن مجوفة مثمنة من رخام قدالصق أبدع الصاق قائمة على أربعة أعمدة صغار من الرخام وتحتها شباك حديد مستدير وفي وسطه أنبوب من الصفر يمج الماء إلى علو فيرتفع وينثنى كأنه قضيب لجين يشره الناس لوضع أفواههم فيه للشرب استظرافا له واستحسانا ويسمونه قفص الماء والقبة الثالثة في الجانب الشرقي قائمة على ثمانية أعمدة على هيئة القبة الكبيرة لكن أصغر منها.
وفي الجانب الشمالي من الصحن باب كبير يفضى إلى مسجدكبير في وسطه صحن قد استدار فيه صهريج من الرخام كبير يجرى الماء فيه دائما من صحفة رخام أبيض مثمنة قد قامت وسط الصهريج على رأس عمودمثقوب يصعدالماء منه إليها ويعرف هذا الموضع بالكلاسة ويصلى فيه اليوم صاحبنا الفقيه الزاهد المحدث أبو جعفر الفنكي القرطبي وتزاحم الناس على الصلاة فيه خلفه التماسا لبركته واستماعا لحسن صوته.
стр. 320
وفي الجانب الشرقي من الصحن باب يفضى إلى مسجد من أحسن المساجد وابدعها وضعا واجملها بناء يذكر الشيعة إنه مشهد لعلي بن أبي طالب رضى الله عنه وهذا من أغرب مختلقاتهم ومن العجيب إنه يقابله في لجهة الغربية في زاوية البلاط الشمالي من الصحن موضع هو ملتقى آخر البلاط الشمالي مع أول البلاط الغربي مجلل بستر في أعلاه وأمامه ستر أيضا منسدل يزعم أكثر الناس إنه موضع لعائشة رضى الله عنها وإنها كانت تسمع الحديث فيه. وعائشة رضى الله عنها في دخول دمشق كعلي رضى الله عنه لكن لهم في علي رضى الله عنه مندوحة من القول وذلك أنهم يزعمون إنه رؤى في المنام مصليا في ذاك الموضع فبنت الشيعة فيه مسجدا وأما الموضع المنسوب لعائشة رضى الله عنها فلا مندوحة فيه وإنما ذكرناه لشهرته في الجامع.
وكان هذا الجامع المبارك ظاهرا وباطنا منزلا كله بالفصوص المذهبة مزخرفا بأبدع زخاريف البناء المعجز الصنعة فادركه الحريق مرتين فتهدم وجدد وذهب أكثر رخامه فاستحال رونقه فاسلم ما فيه اليوم قبلته مع الثلاث قباب المتصلة بها ومحرابه من أعجب المحاريب الإسلامية حسنا وغرابة صنعة يتقد ذهبا كله وقد قامت في وسطه محاريب صغار متصلة بجداره تحفها سويريات١ مفتولات فتل الاسورة كأنها مخروطة لم ير شيء أجمل منها وبعضها حمر كأنها مرجان. فشأن قبلة هذا الجامع المبارك مع ما يتصل بها من قبابه الثلاث واشراق شمسياته المذهبة الملونة عليه واتصال شعاع الشمس بها وإنعكاسه إلى كل لون منها حتى ترتمي الأبصار منه اشعة ملونة يتصل ذلك بجاره القبلي كله عظيم لا يحلق وصفه ولا تبلغ العبارة بعض ما يتصوره الخاطر منه والله يعمره بشهادة الإسلام وكلمته بمنه