← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11203

رحلة ابن جبير ط دار بيروت

ابن جبير

Полный текст (432 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

مائتا ذراع فيكون تكسيره من المراجع١ الغريبة أربعة وعشرين مرجعا وهو تكسير مسجد رسول الله ﷺ غير أن الطول في مسجد رسول الله ﷺ من القبلة إلى الشمال وبلاطاته المتصلة بالقبلة ثلاثة مستطيلة من الشرق إلى الغرب سعة كل بلاط منها ثمان عشرة خطوة والخطوة ذراع ونصف وقد قامت على ثمانية وستين عمودا منها أربع وخمسون سارية وثماني أرجل٢ حصية تتخللها واثنتان مزحمة ملصقة معها في الجدار الذي يلي الصحن وأربع أرجل مرخمة أبدع ترخيم مرصعة بفصوص من الرخام ملونة قد نظمت خواتيم وصورت محاريب واشكالا غريبة قائمة في البلاط الأوسط تقل قبة الرصاص مع القبة التي تلي المحراب سعة كل رجل منها ستة عشر شبرا وطولها عشرون شبرا وبين كل رجل ورجل في الطول سبع عشرة خطوة وفي العرض ثلاث عشرة خطوة فيكون كل دور رجل منها اثنين وسبعين شبرا. ويستدير بالصحن بلاط من ثلاث جهاته: الشرقية والغربية الشمالية سعته عشر خطا وعدد قوائمه سبع وأربعون: منها أربع عشرة رجلا من الجص وسائرها سوار فيكون سعة الصحن حاشى المسقف القبلي والشمالي مائة ذراع وسقف الجامع كله من خارج ألواح رصاص. وأعظم ما في هذا الجامع المبارك قبة الرصاص المتصلة بالمحراب وسطه سامية في الهواء عظيمة الاستدارة، قد استقل بها هيكل عظيم هو غارب لها يتصل من المحراب إلى الصحن وتحته ثلاث قباب: قبة تتصل بالجدار الذي إلى الصحن وقبة تتصل بالمحراب وقبة تحت قبة الرصاص بينهما. والقبة الرصاصية قد اغصت الهواء وسطه فإذا استقبتلها ابصرت منظرا رائعا ومرأى هائلا يشبهه الناس بنسر طائر كأن القبة رأسه والغارب جؤجؤه،

стр. 317

ونصف جدار البلاط عن يمين ونصف الثاني عن شمال جناحاه وسعة هذا الغارب من جهة الصحن ثلاثون خطوة فهم يعرفون الموضع من الجامع بالنسر لهذا التشبيه الواقع عليه ومن أي جهة استقبلت البلد ترى القبة في الهواء منيفة على كل علو كأنها معلقة من الجو. والجامع المكرم مائل إلى الجهة الشمالية من البلد وعدد شمسياته الزجاجية المذهبة الملونة أربع وسبعون: منها في القبة التي تحت قبة الرصاص عشر وفي القبة المتصلة بالمحراب مع ما يليها من الجدا أربع عشرة شمسية وفي طول الجدار عن يمين المحراب ويساره أربع ورابعون وفي القبة المتصلة بجدار الصحن ست وفي ظهر الجدار إلى الصحن سبع وأربعون شمسية. وفي الجامع المكرم ثلاث مقصورات مقصورة الصحابة رضى الله عنهم وهي أول مقصورة وضعت في الإسلام وضعها معاوية ابن أبي سفيان رضى الله عنهما وبازاء محرابها عن يمين مستقبل القبلة باب حديد كان يدخل معاوية رضى الله عنه إلى المقصورة منه إلى المحراب وبازاء محرابها لجهة اليمين مصلى أبي الدرداء رضى الله عنه، وخلفها كانت دار معاوية رضى عنه وهي اليوم سماط عظيم للصفارين١ يتصل بطول جدار الجامع القبلي ولا سماط أحسن منظرا منه ولا أكبر طولا وعرضا وخلف هذا السماط على مقربة منه دار الخيل برسمه وهي اليوم مسكونة وفيها مواضع للكمادين٢. وطول المقصورة الصحابية المذكور أربعة وأربعون شبرا وعرضها نصف الطول. ويليها لجهة الغرب في وسط الجامع المصورة التي أحد ثت عند اضافة الصنف المتخذ كنيسة إلى الجامع حسبما تقدم ذكره وفيها منبر الخطبة ومحراب الصلاة وكانت مقصروة الصحابة أولا في نصف الحظ الإسلامي من الكنيسة وكان الجدار حيث اعيدالمحراب في المقصورة لمحدثة فلما عيدت الكنيسة كلها

стр. 318

مجسدا صارت مقصروة الصحابة طرفا في الجانب الشرقي وأحدثت المقصورة الأخرى وسطا حيث كان جدرا الجامع قبل الاتصال وهذ المقصورة المحدثة أكبر من الصحابية. وبالجانب الغربي بإزاء الجدار مقصورة أخرى هي برسم الحنيفة يجتمعون فيها للتدريس وبها يصلون بازائها زاوية محدقة بالاعواد المشرجبة كأنها مقصروة صغيرة وبالجانب الشرقي زاوية أخرى على هذه الصفة هي كالقمصرة كان وضعها للصلاة فيها أحد أمرءا الدولة التركية وهي لاصقة بالجدار الشرقي. وبالجامع المكرم عدة زوايا على هذا الترتيب يتخذها الطلبة للنسخ والدرس والانفراد عن ازدحام الناس وهي من جملة مرافق الطلبة. وفي الجدار المتصل بالصحن المحيط بالبلاطات القبلية عشرون بابا متصلة بطول الجدار قد علتها قسى جصية مخرمة كلها على هيئ الشمسيات فتبصر العين من اتصالها أجمل منظر وأحسنه. والبلاط المتصل بالصحن المحيط بالبلاطات من ثلاث جهات على أعمدة وعلى تلك الأعمدة أبواب مقوسة تقلها أعمدة صغار تطيف بالصحن كله. ومنظر هذا الصحن من أجمل المناظر واحسنها وفيه مجتمع أهل البلد وهو متفرجهم ومنتزههم كل عشية تراهم فيه ذاهبين وراجعين من شرق إلى غرب من باب جيرون إلى باب البريد، فمنهم من يتحدث مع صاحبه ومنهم من يقرأ لا يزالون على هذه الحال من ذهاب وروجوع إلى انقضاء صلاة العشاء الآخرة ثم ينصرفون ولبعضهم بالغداة مثل ذلك وأكثر الاحتفال إنما هو بالعشى فيخيل لمبصر ذلك أنها ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم لما يرى من احتفال الناس واجتماعهم لا يزالون على ذلك كل يوم وأهل البطالة من النسا يسمونهم الحراثين. وللجامع ثلاث صوامع وإحدى في الجانب الغربي وهي كالبرج المشيد تحتوى على مساكن متسعة وزوايا فسيحة راجعة كلها إلى غلاق يسكنها أقوام

стр. 319

من الغرباء أهل الخير والبيت الأعلى منها كان معتكف أبي حامد الغزالي ﵀ ويسكته اليوم الفقيه الزاهد أبو عبد الله بن سعيد من أهل قلعة يحصب المنسوبة لهم وهو قريب لبنى سعيد المشتهرين بالدنيا وخدمتها وثانية بالجانب الغربي على هذ الصفة وثالثة بالجانب الشمالي على الباب المعروف بباب الناطفيين١. وفي الصحن ثلاث قباب: إحد اها في الجانب الغربي منه وهي اكبرها وهي قائمة على ثمانية أعمدة من الرخام مستطيلة كالبرج مزخرفة بالفصوص والاصبغة الملونة كانها الروضة حسنا وعليه قبة رصاص كأنها التنور العظيم الاستدارة يقال: إنها كانت مخزنا لمال الجامع وله مال عظيم من خراجات ومستغلات تنيف على ما ذكر لنا على الثمانية الاف دينار صورية في السنة وهي خسمة عشر ألف دينار مؤمنية أو نحوها. وقبة أخرى صغيرة في وسط الصحن مجوفة مثمنة من رخام قدالصق أبدع الصاق قائمة على أربعة أعمدة صغار من الرخام وتحتها شباك حديد مستدير وفي وسطه أنبوب من الصفر يمج الماء إلى علو فيرتفع وينثنى كأنه قضيب لجين يشره الناس لوضع أفواههم فيه للشرب استظرافا له واستحسانا ويسمونه قفص الماء والقبة الثالثة في الجانب الشرقي قائمة على ثمانية أعمدة على هيئة القبة الكبيرة لكن أصغر منها. وفي الجانب الشمالي من الصحن باب كبير يفضى إلى مسجدكبير في وسطه صحن قد استدار فيه صهريج من الرخام كبير يجرى الماء فيه دائما من صحفة رخام أبيض مثمنة قد قامت وسط الصهريج على رأس عمودمثقوب يصعدالماء منه إليها ويعرف هذا الموضع بالكلاسة ويصلى فيه اليوم صاحبنا الفقيه الزاهد المحدث أبو جعفر الفنكي القرطبي وتزاحم الناس على الصلاة فيه خلفه التماسا لبركته واستماعا لحسن صوته.

стр. 320

وفي الجانب الشرقي من الصحن باب يفضى إلى مسجد من أحسن المساجد وابدعها وضعا واجملها بناء يذكر الشيعة إنه مشهد لعلي بن أبي طالب رضى الله عنه وهذا من أغرب مختلقاتهم ومن العجيب إنه يقابله في لجهة الغربية في زاوية البلاط الشمالي من الصحن موضع هو ملتقى آخر البلاط الشمالي مع أول البلاط الغربي مجلل بستر في أعلاه وأمامه ستر أيضا منسدل يزعم أكثر الناس إنه موضع لعائشة رضى الله عنها وإنها كانت تسمع الحديث فيه. وعائشة رضى الله عنها في دخول دمشق كعلي رضى الله عنه لكن لهم في علي رضى الله عنه مندوحة من القول وذلك أنهم يزعمون إنه رؤى في المنام مصليا في ذاك الموضع فبنت الشيعة فيه مسجدا وأما الموضع المنسوب لعائشة رضى الله عنها فلا مندوحة فيه وإنما ذكرناه لشهرته في الجامع. وكان هذا الجامع المبارك ظاهرا وباطنا منزلا كله بالفصوص المذهبة مزخرفا بأبدع زخاريف البناء المعجز الصنعة فادركه الحريق مرتين فتهدم وجدد وذهب أكثر رخامه فاستحال رونقه فاسلم ما فيه اليوم قبلته مع الثلاث قباب المتصلة بها ومحرابه من أعجب المحاريب الإسلامية حسنا وغرابة صنعة يتقد ذهبا كله وقد قامت في وسطه محاريب صغار متصلة بجداره تحفها سويريات١ مفتولات فتل الاسورة كأنها مخروطة لم ير شيء أجمل منها وبعضها حمر كأنها مرجان. فشأن قبلة هذا الجامع المبارك مع ما يتصل بها من قبابه الثلاث واشراق شمسياته المذهبة الملونة عليه واتصال شعاع الشمس بها وإنعكاسه إلى كل لون منها حتى ترتمي الأبصار منه اشعة ملونة يتصل ذلك بجاره القبلي كله عظيم لا يحلق وصفه ولا تبلغ العبارة بعض ما يتصوره الخاطر منه والله يعمره بشهادة الإسلام وكلمته بمنه

стр. 321

وفي الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف من مصاحف عثمان رضى الله عنه وهو المصحف الذي وجه به إلى الشام وتفتح الخزانة كل يوم اثر الصلاة فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله ويكثر الازدحام عليه. وله أربعة أبواب: باب قبلي ويعرف بباب الزيادة وله دهليز كبير متسع له أعمدة عظام وفيه حوانيت للخرزيين١ وسواهم وله مرأى رائع ومنه يفضى إلى دار الخيل وعن يسار الخارج منه سماط الصفارين وهي كانت دار معاوية رضى الله عنه وتعرف بالخضراء؛ وباب شرقي وهو أعظم الأبواب ويعرف بباب جيرون؛ وباب غربي ويعرف بباب البريد؛ وباب شمالي ويعرف بباب الناطفيين. وللشرقي والغربي والشمالي أيضا من هذه الأبواب دهاليز متسعة يفضى كل دهليز منها إلى باب عظيم كانت كلها مداخل للكنيسة فبقيت على حالها، وأعظمها منظرا الدهليز المتصل بباب جيرون يخرج من هذا الباب إلى بلاط طويل عريض قد قامت امامه خمسة أبواب مقوسة لها ستة أعمدة طوال وفي وجه اليسار منه مشهد كبير حفيل كان فيه رأس الحسين بن علي ﵄ ثم نقل إلى القاهرة وبازائه مسجد صغير بنسب لعمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وبذلك المشهد ماء جار. وقد انتظمت أمام البلاط أدراج ينحدر عليها إلى الدهليز وهو كالخندق العظيم يتصل إلى باب عظيم الارتفاع ينحسر الطرف دونه سموا قد حفته أعمدة كالجزوع طولا وكالأطواد ضخامة. وبجانبي هذا الدهليز أعمدة قد قامت عليها شوارع مستديرة فيها الحوانيت المنتظمة للعطارين وسواهم وعليها شوارع أخر مستطيلة فيها الحجر والبيوت

стр. 322

للكراء مشرفة على الدهليز وفوقها سطح ببيت به سكان الحجر والبيوت، وفي وسط الدهليز حوض كبير مستدير من الرخام عليه قبة نقلها أعمدة من الرخام ويستدير بأعلاها طرة من الرصاص واسعة مكشوفة للهواء لم ينعطف عليها تعتيب وفي وسط الحوض الرخامي أنبوب صفر يزعج الماء بقوة فيرتفع إلى الهواء أزيد من القامة لم.....١ وحوله انابيب صغار ترمي الماء إلى علو فيخرج عنها كقضبان اللجين فكأنها اغصان تلك الدوحة المائية ومنظرها أعجب وأبدع من أن يلحقه الوصف. وعن يمين الخارج من باب جيرون في جدار البلاط الذي أمامه غرفة ولها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفر قد فتحت أبوابا صغارا على عدد ساعات النهار ودبرت تدبيرا هنسديا فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فمي بازيين مصورين من صفر قائمين على طاستين من صفر تحت كل واحدمنهما أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب والثاني تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان فعند وقوع البندقتين فيها تعودان داخل الجدار إلى الغرفة وتبصر البازيين بمدان أعناقهما بالنبدقتين إلى الطاستين ويقذفانهما بسرعة بتدير عيجب تتخيله الاوهام سحرا وعند وقوقع البندقتين في الطاستين يسمع لهما دوي وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلوح من الصفر لا يزال كذلك عند كل انقضاء ساعة من النهار حتى تنغلق الأبواب كلها وتنقضى الساعات ثم تعود إلى حالها الأول. ولها بالليل تدبير آخر وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرمة وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة مدبر ذلك كله منها خلف الطيقان المذكورة خلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة ف إذا انقضت عم لزجاجة ضوء المصباح وفاض على الدائرة إمامها شعاعها فلاحت للأبصار دائرة محمرة ثم انتقل

стр. 323

ذلك إلى الأخرى حتى تنقضى ساعات الليل وتحمر الدوائر كلها وقد وكل بها في الغرفة متفقد لحالها درب بشأنها وانتقالها يعيد فتح الأبواب وصرف الصنج إلى موضعها وهي التي يسميها الناس المنجانة. ودهليز الباب الغربي فيه حوانيت البقالين والعطارين وفيه سماط لبيع الفواكه وفي أعلاه باب عظيم يصعد إليه على أدراج وله أعمدة سامية في الهواء وتحت الأدراج سقايتان مستديرتان سقاية يمينا وسقاية يسارا لكل سقاية خمسة أنابيب ترمى الماء في حوض رخام مستيطل ودهليز الباب الشمالي فيه زوايا على مصاطب محدقة بالأعواد المشرجبة وهي محاضر١ لمعلمي الصبيان. وعن يمين الخارج في الدهليز خانقة مبينة للصوفية في وسطها صهريج ويقال: إنها كانت دار عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه ولها خبر سيأتي ذكره بعد هذا والصهريج الذي في وسطها يجرى الما فيه ولها مطاهر يجرى الماء في بيوتها وعن يمين الخارج أيضا من باب البريد مدرسة للشافعية في وسطها صهريج يجرى الماء فيه ولها مطاهر على الصفة المذكورة. وفي الصحن بين القباب المذكورة عمودان متباعدان يسيرا لهما رأسان من الصفر متسيطلان مشرجبان قد خرما أحسن تخريم يسرجان ليلة النصف من شعبان فيلوحان كانهما ثريتان مشتعلتان واحتفال أهل هذه البلدة لهذه الليلة المذكورة أكثر من احتفالهم ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم. وفي هذا الجامع المبارك مجتمع عظيم كل يوم إثر صلاة الصبح لقرءاه سبع من القرآن دائما ومثله إثر صلاة العصر لقراءة تسمى الكوثرية يقرأون فيها من سورة الكوثر إلى الخاتمة ويحضر في هذا المجتمع الكوثري كل من لا يجيد حفظ القرآن وللمجتمعين على ذلك إجراء كل يوم يعيش منه أزيد من خمسمائة إنسان وهذا من مفاخر هذا الجامع المكرم فلا تخلو القراءة منه صباحا ولا مساء. وفيه حلقات للتدريس للطلبة وللمدرسين فيها إجراء

стр. 324

واسع وللمالكية زاوية للتدريس في الجانب الغربي يجتمع فيها طلبة المغاربة ولهم إجراء معلوم. ومرافق هذا الجامع المكرم للغرباء وأهل الطلب كثيرة واسعة وأغرب ما يحدث به أن سارية من سواريه هي بين المقصورتين القديمة والحديثة لها وقف معلوم يأخذه المستند إليها للمذاكرة والتدريس أبصرنا بها فقيها من أهل إشبيلية يعرف بالمرادي. وعند فراغ المجتمع السبعي من القراءة صباحا يستند كل إنسان منهم إلى سارية ويجلس امامه صبي يلقنه القرآن وللصبيان أيضا على قراءتهم جراية معلومة فأهل الجدة من آبائهم ينزهون ابناءهم عن أخذها وسائرهم يأخذونها وهذا من المفاخر الإسلامية. وللأيتام من الصبيان محضرة كبيرة بالبلد لها وقف كبير يأخذ منه المعلم لهم ما يقوم به وبسكوتهم وهذا أيضا من أغرب ما يحدث به من مفاخر هذه البلاد. وتعليم الصبيان للقرآن بهذه البلاد المشرقية كلها إنما هو تلقين يعلمون الخط في الأشعار وغيرها تنزيها لكتاب الله عن ابتذال الصبيان له بالاثبات والمحو وقد يكون في أكثر البلاد الملقن على حدة والمكتب على حدة فينفصل من التلقين إلى التكتيب لهم في ذلك سيرة حسنة ولذلك ما يتأتى لهم حسن الخط لأن المعلم له لا يشتغل بغيره فهو يستفرغ جهده في التعليم والصبي في التعلم كذلك ويسهل عليه لأنه بتصوير يحذو حذوه. ويستدير بهذا الجامع المكرم أربع سقايات في كل جانب سقاية كل واحدة منها كالدار الكبيرة محدقة بالبيوت الخلائية والماء يجرى في كل بيت منها وبطول صحتها حوض من الحجر مستطيل تصب فيه عدة انابيب منتظمة بطوله. وإحدى هذه السقايات في دهليز باب جيرون وهي اكبرها وفيها من البيوت نيف على الثلاثين وفيها زائدا على السقاية المستطيلة مع جدارها حوضان كبيران مستديران يكادان يمسكان لسعتهما عرض الدار المحتوية على

стр. 325

هذه السقاية وألواح د بعيد من الآخر ودور كل واحد منهما نحو الأربعين شبرا والماء نابع فيهما والثانية في دهليز باب الناطفيين بازاء المعلمين والثالثة عن يسار الخارج من باب البريد والراعبة عن يمين الخارج من باب الزيادة. وهذه أيضا من المرافق العظيمة للغرباء وسواهم والبلد كله سقايات قل ما تخلو سكة من سككه أو سوق من اسواقه من سقاية والمرافق به أكثر من أن توصف والله يبقيه دار إسلام بقدرته.

стр. 326

ذكر مشاهده المركمة وآثاره المعظمة فأولها مشهد رأس يحيى بن زكرياء ﵉ وهو مدفون بالجامع المكرم في البلاط القبلي قبالة الركن الأيمن من المقصورة الصحابية١ رضى الله عنهم وعليه تابوت خشب معترض من الأسطوانة وفوقه قنديل كأنه من بلور مجوف كأنه القدح الكبير لا يدرى أمن زجاج عراقي أم صوري هو أم من غير ذلك. ومولد إبراهيم ﷺ وعلى نبينا الكريم وهو بصفح جبل قاسيون عند قرية تعرف ببرزة وهي من أجمل القرى وهذا الجبل مشهور بالبركة في القديم لأنه مصعد االنبياء صلوات الله عليهم ومطلعهم وهو في الجهة الشمالية من البلد وعلى مقدار فرسخ، وهذا المولد المبارك غار مستطيل ضيق وقد بنى عليه مسجد كبير مرتفع مقسم على مساجد كثيرة كالغرف المطلة وعليه صومعة عالية ومن ذلك الغار رأى ﷺ الكوكب ثم القمر ثم الشمس حسبما ذكره الله تعالى في كتابه عز وجل٢ وفي ظهر الغار مقامه الذي كان يخرج إليه، وهذا كله ذكره الحافظ محدث الشام أبو القاسم بن هبة الله بن عسكر الدمشقي في تاريخه في أخبار دمشق وهو

стр. 327

نيف على مائة مجلد وذكر أيضا أن بين باب الفراديس وهو أحد أبواب البلد وفي الجهة الشمالية من الجامع المبارك على مقربة منه إلى جبل قاسيون مدفن سبعين ألف نبي وقيل سبعون ألف شهيد وان الأنبياء المدفونين به سبعمائة نبي والله أعلم. وخارج هذا البلد الجبانة العتيقة وهي مدفن الأنبياء والصالحين وبركتها شهيرة وفي طرفها مما يلي البساتين وهذه من الأرض متصلة بالجبانة ذكر أنها مدفن سبعين نبيا وعصمها الله نزهها من أن يدفن فيها أحد والقبور محيطة بها وهي لا تخلو من الماء حتى عادت قرارة له كل ذلك تنزيه من الله تعالى لها. وبجبل قاسيون أيضا لجهة الغرب على مقدار ميل أو أزيد من المولد المبارك مغارة تعرف بمغارة الدم لأن فوقها في الجبل دم هابيل قتيل اخيه قابيل ابني آدم ﷺ يتصل من نحو نصف الجبل إلى المغارة وقد ابقى الله منه في الجبل آثارا حمرا في الحجارة تحك فتستحيل وهي كالطريق في لجبل وتنقطع عند المغارة وليس يوجد في النصف الأعلى من المغارة آثار تشبهها فكان يقال إنها لون حجارة الجبل وإنما هي من الموضع الذي جر منه القاتل لاخيه حيث قتله حتى انتهى إلى المغارة وهي من آيات الله تعالى وآياته لا تحصى. وقرأنا في تاريخ ابن المعلى الاسدي أن تلك المغارة صلى فيها إبراهيم وموسى وعيسى ولوط وأيوب عليهم وعلى نبينا الكريم أفضل الصلاة والسلام وعليها مسجد قد أتقن بناؤه ويصعد إليه على أدراج وهو كالغرفة المستديرة وحولها اعواد مشرجبة مطيفة بها وبه بيوت ومرافق للسكنى وهو يفتح كل يوم خميس والسرج من الشمع والفتائل تقد في المغارة وهي متسعة. وفي أعلى الجبل كهف منسوب لادم ﷺ وعليه بناء وهو موضع مبارك وتحته في حضيض الجبل مغارة تعرف بمغارة الجوع ذكر

стр. 328

أن سبعين نبيا ماتوا فيها جوعا وكان عندهم رغيف فلم يزل كل واحد منهم يؤثر به صاحبه ويدور عليهم من يد إلى يد حتى لحقتهم المنية صلوات الله عليهم وعلى هذه المغارة أيضا مسجد مبنى وأبصرنا فيه سرجا تقد نهارا. ولكل مشهد من هذه المشاهد أوقاف معينة من بساتين وأرض بيضاء ورباح حتى إن البلد تكادالأوقاف تستغرق جميع ما فيها وكل مسجد يستحدث بناؤه أو مدرسة أو خانقة يعين لها السلطان أوقافا تقوم بها وبساكنيها والملتزمين لها وهذه أيضا من المفاخر المخلدة ومن النساء الخواتين ذوات الاقدار من تأمر ببناء مسجد أو رباط أو مدرسة وتنفق فيها الأموال الواسعة وتعين لها من مالها الأوقاف ومن الأمراء من يفعل مثل ذلك لهم في هذه الطريقة المباركة مسارعة مشكورة عند الله . وبآخر هذا لجبل المذكور وفي راس البسيط البستاني الغربي من هذا البلد الربوة المباركة المذكورة في كتاب الله تعالى: مأوى المسيح وأمه صلوات الله عليهما وهي من أبدع مناظر الدنيا حسنا وجمالا وإشراقا واتقان بناء واحتفال تشييد وشرف وضع هي كالقصر المشيد ويصعد إليها على أدراج والمأوى المبارك منها مغارة صغيرة في وسطها وهي كالبيت الصغير وبإزائها بيت يقال: إنه مصلى الخضر ﷺ فيبادر الناس للصلاة بهذين الموضعين المباركين ولا سيما المأوى المبارك وله باب حديد صغير ينغلق دونه والمسجد يطيف بها ولها شوارع دائرة وفيها سقاية لم ير أحسن منها قد سيق إليها الماء من علو وماؤها ينصب على شاذروان١ في الجدار متصل بحوض من رخام يقع الماء فيه لم ير أحسن من منظره وخلف ذلك مطاهر يجرى الماء في كل بيت منها ويستدير بالجانب المتصل بجدار الشاذروان. وهذه الربوة المباركة رأس بساتين البلد ومقسم مائة ينقسم فيها الماء على سبعة أنهار يأخذ كل نهر طريقه وأكبر هذه الأنهار نهر يعرف بثورا،

стр. 329

وهو يشق تحت الربوة وقد نقر له في الحجر الصلد أسفلها حتى انفتح له متسرب واسع كالغار وربما انغمس الجسور من سباح الصبيان أو الرجال من أعلى الربوة في النهر واندفع تحت الماء حتى يشق متسربه تحت الربوة ويخرج أسفلها وهي مخاطرة كبيرة. ويشرف من هذه الربوة على جميع البساتين الغربية من البلد ولا أشراف كإشرافها حسنا وجمالا واتساع مسرح للأبصار. وتحتها تلك الأنهار السبعة تتسرب وتسيح في طرق شتى فتحار الأبصار في حسن اجتماعها وافتراقها واندفاع انصبابها وشرف موضوع هذه الربوة ومجموع حسنها أعظم من أن يحيط به وصف اصف في غلو مدحه وشأنها في موضوعات الدنيا الشريفة خطير كبير. ويتصل بها أسفل منها بمقربة من المسافة قرية كبيرة تعرف بالنيرب قد غطتها البساتين فلا يظهر منها إلا ما سما بناؤه وبها جامع لم ير أحسن منه مفروش سطحه كله بفصوص الرخام الملون فيخيل لناظره إنه ديباج مبسوط وفيه سقاية ماء رائقة الحسن ومطهرة لها عشرة أبواب يجرى الماء فيها ويطيف بها وفوقها لجهة القبلة قرية كبيرة هي من أحسن القرى تعرف بالمزة وبها جامع كبير وساقية معينة وبقرية النيرب حمام وأكثر قرى هذه البلدة فيها الحمامات. وفي الجهة الشرقية من البلد عن يمين الطريق إلى مولد إبراهيم ﵇ قرية تعرف ببيت لاهية١ يريدون الآلهة وكانت فيها كنيسة هي الآن مسجد مبارك وكان آزر أبو إبراهيم ينحت فيها الآلهة ويصورها فيجيء الخليل إبراهيم صلوات الله عليه وعلى نبينا الكريم فيكسرها وهي اليوم مسجد يجتمع فيه أهل القرية وسطحه كله مفروش بفصوص الرخام الملونة منتظم كله خواتيم واشكالا بديعة يخيل لمبصرها أنها فرش متقنة مزخرفة وهو

стр. 330

من المشاهد الكريمة. وللربوة المباركة أوقاف كثيرة من بساتين وأرض بيضاء ورباع وهي معينة التقسيم لوظائفها فمنها ما هو معين باسم النفقة في الأدم للبائتين فيها من الزوار ومنها ما هو معين للأكسية برسم التغطية بالليل ومنها ما هو معين للطعام إلى تقاسيم تستوفى جميع مؤنها ومؤن الأمين الراتب فيها برسم الإمامة والمؤذن الملتزم خدمتها ولهم على ذلك كله مرتب معلوم في كل شهر وهي خطة من أعظم الخطط. والأمين فيها الآن من بقية المرابطين المسوفيين١ ومن أعيانهم يعرف بأبي الربيع سليمان بن إبراهيم بن مالك وله مكانة من السلطان ووجوه الدولة وله في الشهر خمسة دناينر حاشى فائدة الربوة وهو متسم بالخير ومرتسم به وهو متعلق بسبب من أسباب البر في إيواء أهل الغرب من الغرباء المنقطعين بهذه الجهات يسبب لهم وجوه المعايش من إمامة في مسجد أو سكنى بمدرسة تجرى عليه فيها النفقة أو التزام زاوية من زوايا المسجد الجامع يجبى إليه فيها رزقة أو حضور في قراءة سبع أو سدانة مشهد من المشاهد المباركة يكون فيه ويجرى عليه ما يقوم به من أوقافه إلى غير ذلك من الوجوه المعاشية على هذه السبيل المباركة مماي يطول شرحه. فالغريب المحتاج هنا إذا كان على طريقة الخير مصون محفوظ غير مريق ماء الوجه. وسائر الغرباء ممن ليس على هذه الحال ممن عهد الخدمة والمهنة يسبب له أيضا أسباب غريبة من الخدمة: إما بستان يكون ناطورا فيه أو حمام يكون عينا على خدمته وحافظا لأثواب داخليه أو طاحونة يكون أمينا عليها أو كفالة صبيان يؤديهم إلى محاضرهم ويصرفهم إلى منازلهم إلى غير ذلك من الوجوه الواسعة.

стр. 331

وليس يؤتمن فيها كلها سوى المغاربة الغرباء لأنهم قد علا لهم بهذا البلد صيت في الأمانة وطار لهم فيها ذكر وأهلها لا يأتمنون البلديين وهذا من الطاف الله تعالى بالغرباء وله الحمد والشكر على ما يولى عباده وإن شاء أحد المتعلقين بأسباب المعارف التعرض هنالك للسلطان يقبله ويكرمه ويرتبه ويجرى عليه بحسب قدره ومنصبه قد طبعت هذه البلاد وملوكها على هذه الفضائل قديما وحديثا وقد تسلسل بنا القول إلى غير الباب الذي نحن فيه والحديث ذو شجون والله كفيل بحسن العون لا رب سواه. وبغربي البلد جبانة كبيرة تعرف بقبور الشهداء فيها كثير من الصحابة والتابعين الأئمة الصالحين رضى الله عنهم فالمشهور بها من قبور الصحابة رضى الله عنهم قبر أبي الدرداء وقبر زوجته أم الدرداء رضى الله عنهما وموضع مبارك فيه تاريخ قديم مكتوب عليه في هذا الموضع قبر جماعة من الصحابة رضى الله عنهم منهم فضالة بن عبيد وسهل بن الحنظلية من الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة وخال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه وقبره مسنم في الموضع المذكور. وقرأت في فضائل دمشق: أن أم المؤمنين أم حبيبة أخت معاوية رضى الله عنهما مدفونة بدمشق وقبر وائلة بن الأسقع من أهل الصفة. وفي الجهة التي تلي هذا الموضع المبارك تاريخ فيه مكتوب: هذا قبر أوس بن أوس الثقفي وحول هذا الموضع المذكور على مقربة منه قبر بلال بن حمامة مؤذن رسول الله ﷺ وفي رأس القبر المبارك تاريخ باسمه رضى الله عنه. والدعاء في هذا الموضع المبارك مستجاب قد جرب ذلك كثير من الأولياء وأهل الخير المتبركين بزيارتهم إلى قبور كثيرة من الصحابة وسواهم من الصالحين ممن قد ذهب اسمه وغبر ذكره ومشاهدكثيرة لأهل البيت رضى الله عنهم رجالا ونساء وقدا حتفل الشيعة في البناء عليهم ولها الأوقاف الواسعة.

стр. 332

ومن أحفل هذه المشاهدمشهد منسوب لعلى بن أبي طالب رضى الله عنه قد بنى عليه مسجد حفيل رائق البناء وبإزائه بستان كله نارنج والماء يطرد فيه من سقاية معينة وللمسجدكله ستو معلقة في جوانبه صغار وكبار وفي المحراب حجر عظيم قد شق بنصفين والتحم بينهما ولم يبن النصف عن النصف بالكلية يزعم الشيعة إنه انشق لعلى ﵁ إما بضربة بسيفه أو بأمر من الأمور الإلهية على يديه ولم يذكر عن علي رضى الله عنه إنه دخل قط هذا البلد اللهم إلا إن زعموا أنه كان في النوم فلعل جهة الرؤيا تصح لهم اذ لا تصح لهم جهة اليقظة وهذا الحجر أوجب بنيان هذا المشهد. وللشيعة في هذا البلاد أمور عجيبة وهم أكثر من السنيين ها وقد عموا البلاد بمذاهبهم وهم فرق شتى منهم الرافضة وهم السبابون ومنهم الإمامية والزيدية وهم يقولون بالتفضيل خاصة ومنهم الاسماعيلية والنصيرية وهم كفرة فإنهم يزعمون الإلهية لعلى رضى الله عنه تعالى الله عن قولهم ومنهم الغرابية وهم يقولون أن عليا رضى الله عنه كان أشبه بالنبي ﷺ من الغراب بالغراب وينسبون إلى الروح الأمين ﵇ قولا تعالى الله عنه علوا كبيرا إلى فرق كثيرة يضيق عنهم الإحصاء قد أضلهم الله واضل بهم كثيرا من خلقه نسال الله العصمة في الدين ونعوذ به من زيغ الملحدين. وسلط الله على هذه الرافضة طائفة تعرف بالنبوية سنيون يدينون بالفنوة وبأمور الرجولة كلها وكل من ألحقوه بهم لخصلة يرونها فيه منها يحرمونه السراويل فيلحقونه بهم ولا يرون أن يستعدي أحد منهم في نازلة تنزل به لهم في ذلك مذاهب عجيبة وإذا أقسم أحد هم بالفتوة بر قسمة وهم يقتلون هؤلاء الروافض أينما وجدوهم وشأنهم عجيب في الأنفة والائتلاف. ومن المشاهد المكرمة مشهد سعد بن عبادة رئيس الخزرج صاحب رسول الله ﷺ وهو بقرية تعرف بالمنيحة شرقي البلد وعلى مقدار

стр. 333

أربعة أميال منه وعلى قبره مسجد صغير حسن البناء والقبر في وسطه وعند رأسه مكتوب: هذا قبر سعد بن عبادة رأس الخزرج صاحب رسول الله ﷺ . ومن مشاهد أهل البيت رضى الله عنهم: مشهد أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب رضى الله عنهما ويقال لها زينب الصغرى وأم كلثوم كنية أوقعها عليها النبي ﷺ لشبهها بابنته أم كلثوم رضى الله عنها والله أعلم بذلك ومشهدها الكريم بقرية قبلي البلد تعرف براوية على مقدار فرسخ وعليه مسجد كبير وخارجة مساكن وله أوقاف وأهل هذه الجهات يعرفونه بقبر الست أم كلثوم مشينا إليه وبتنا به وبتركنا برؤيته نفعنا الله بذلك. وبالجبانة التي بغربي البلد من قبور أهل البيت كثير رضى الله عنهم ممنها قبران عليهما مسجد يقال إنهما من ولد الحسن والحسين رضى الله عنهما ومسجد آخر فيه قبر يقال إنه لسكينة بنت الحسين رضى الله عنهما أو لعلها سكينة أخرى من أهل البيت. ومن المشاهد أيضا قبر بجامع النيرب في بيت بالجهة الشرقية منه يقال إنه لأم مريم رضى الله عنها وبقرية دارية١ قبر أبي مسلم الخولاني رضى الله عنه وعليه قبة هي علامة القبر وبها أيضا قبر أبي سليمان الداراني رضى الله عنه وبين هذه القرية وبين البلد مقدار أربعة أميال وهي لجهة الغرب منه. ومن المشاهد الكريمة التي لم نعاينها ووصفت لنا قبرا شيث ونوح ﵉ وهما بالبقاع وهي على يومين من البلد وحدثنا من ذرع قبر شيث فالفى فيه أربعين باعا وفي قبر نوح ثلاثين وبازاء قبر نوح قبر ابنة له وعلى هذه القبور بناء ولها أوقاف كثيرة ولها قيم يلتزمها.

стр. 334

ومن المشاهد المباركة أيضا بالجبانة الغربية وبمقربة من باب الجابية قبر أويس القرنى رضى الله عنه وقبور خلفاء بني أمية ﵏ يقال: إنها بازاء باب الصغير بمقربة من الجبانة المذكورة وعليه اليوم بناء يسكن فيه. والمشاهد المباركة بهذه البلدة أكثر من أن تنضبط بالتقييد وإنما رسم من ذلك ما هو مشهور ومعلوم ومن المشاهد الشهيرة أيضا مسجد الأقدام وهو على مقدار ميلين من البلد مما يلي القبلة على قارعة الطريق الأعظم الأخذ إلى بلاد الحجاز والساحل وديار مصر وفي هذا المسجد بيت صغير فيه حجر مكتوب عليه كان بعض الصالحين يرى النبي ﷺ في النوم فيقول له ههنا قبر اخي موسى ﷺ والكثيب الأحمر على الطريق بمقربة من هذا الموضع وهو بين غالية وغويلية كما ورد في الأثر وهما موضعان. وشأن هذا المسجد في البركة عظيم ويقال: إن النور ما خلا قط من هذا الموضع الذي يذكر أن القبر فيه حيث الحجر الكتوب وله أوقاف كثيرة فإما الأقدام ففي حجارة في الطريق إليه معلم عليها تجد اثر القدم في كل حجر وعدد الأقدام تسع ويقال إنها أثر قدم موسى ﵇ والله أعلم بحقيقة ذلك لا إله سواه.

стр. 335

شهر جمادي الأولى عرفنا الله بركته استهل هلاله ليلة الجمعة بموافقة العاشر لشهر أغوشت العجمي. ذكر جمل من أحوال البلد عمره الله بالإسلام لهذه البلدة ثمانية أبواب: باب شرقي وهو شرقي وفيه منارة بيضاء يقال: إن عيسى ﵇ ينزل فيها كما جاء في الأثر أنه ينزل بالمنارة

стр. 336

البيضاء شرقي دمشق ويلي هذا الباب باب توما وهو أيضا في حيز الشرق ثم باب السلامة ثم باب الفراديس وهو شمالي ثم باب الفرج ثم باب النصر وهو غربي ثم باب الجابية كذلك ثم باب الصغير وهو بين الغرب والقبلة. والمسجد الجامع مائل إلى الجهة الشمالية من البلد والأرباض به مطيفة إلا من جهة الشرق مع ما يتصل بها من القبلة يسيرا والأرباض كبار، والبلد ليس بمفرط الكبر وهو مائل للطول وسككه ضيقة مظلمة وبناؤه طين وقصب طبقات بعضها فوق بعض ولذلك ما يسرع الحريق إليه وهو كله ثلاث طبقات فيحتوى من الخلق على ما تحتوى ثلاث مدن لأنه أكثر بلاد الدنيا خلقا وحسنه كله خارج لا داخل. وفي داخل البلد كنيسة لها عند الروم شأن عظيم تعرف بكنيسة مريم ليس بعد بيت المقدس عندهم أفضل منها وهي حفيلة البناء١ تتضمن من التصاوير أمرا عيجبا تبهت الأفكار وتستوقف الأبصار ومرآها عجيب وهي بأيدي الروم ولا اعتراض عليهم فيها. وبهذه البلدة نحو عشرين مدرسة وبها مارستانان قديم وحديث والحديث أحفلهما٢ وأكبرهما وجرايته في اليوم نحو الخمسة عشر دينارا وله قومة بأيديهم الأزمة٣ المحتوية أسماء المرضى وعلى النفقات التي يحتاجون إليها في الأدوية والأغذية وغير ذلك والأطباء يبكرون إليه في كل يوم ويتفقدون المرضى ويأمرون بإعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية حسبما يليق بكل إنسان منهم والمارستان الآخر على هذه الرسم لكن الاحتفال في الجديد أكثر وهذا القديم هو غربي الجامع المكرم. وللمجانين المعتلقين أيضا ضرب من

стр. 337

العلاج وهم في سلاسل موثقون نعوذ بالله من المحنة وسوء القدر وتندر من بعضهم النوادر الظريفة حسب ما كنا نسمع به. ومن أعجب ما حدثت به من ذلك: أن رجلا كان يعلم القرآن وكان يقرا عليه أحد أبناء وجوه البلد ممن اوتى مسحة جمال واسمه نصر الله وكان المعلم يهيم به فزادكلفة حتى اختبل وأدي إلى المارستان واشتهرت علته وفضيحته بالصبي وربما كان يدخله أبوه إليه فقيل له: اخرج وعد لما كنت عليه من القرآن فقال متماجنا تماجن المجانين: وأي قراءة بقيت لي؟ ما بقى في حفظي من القرآن شيء سوى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ فضحك منه ومن قوله. ونسال الله العفاية له ولكل مسلم فلم يزل كذلك حتى توفي سمح الله له. وهذه المارستانات مفخر عظيم من مفاخر الإسلام والمدارس كذلك ومن أحسن مدارس الدنيا منظرا مدرسة نور الدين ﵀ وبها قبره نوره الله وهي قصر من القصور الأنيقة ينصب فيها الماء في شاذروان وسط نهر عظيم ثم يمتد الماء في ساقية مستطيلة إلى أن يقع في صهريج كبير وسط الدار فتحار الأبصار في حسن ذلك المنظر فكل من يبصره بجدد الدعاء لنور الدين ﵀. وأما الرباطات التي يسمونها الخوانق فكثيرة وهي برسم الصوفية وهي قصرو مزخرفة يطرد في جميعها الماء على أحسن منظر يبصر. وهذ الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد لأنهم قد كفاهم الله مؤن الدنيا وفوضلها وفرغ خواطرهم لعبادته من الفكرة في أسباب المعايش وأسكنهم في قصور تذكرهم قصور الجنان فالسعداء الموفقون منهم قد حصل لهم بفضل الله تعالى نعيم الدنيا والآخرة. وهم على طريقة شريفة وسنة في المعاشرة عجيبة وسيرتهم في التزام رتب الخدمة غيربية وعوائدهم من الاجتماع للسماع المشوق جميلة وربما فارق منهم الدنيا في تلك الحالات المنفعل المثابر رقة وتشوقا وبالجملة فأحوالهم كلها بديعة وهم يرجون عيشا طيبا هينئا.

стр. 338

ومن أعظم ما شاهدناه لهم موضع يعرف بالقصر وهو صرح عظيم مستقل في الهواء في أعلاه مساكن لم ير أجمل إشرافا منها وهو من البلد بنصف الميل له بستان عظيم يتصل به وكان منتزها لأحد ملوك الأتراك فيقال: إنه كان فيه إحدى الليالي على راحة فاجتاز به قوم من الصوفية فهريق عليهم من النبيذ الذي كانوا يشربونه في ذلك القصر فرفعوا الأمر لنور الدين فلم يزل حتى استوهبه من صاحبه ووقفه برسم الصوفية مؤبدا لهم فطال العجب من السماحة بمثله وبقي اثر الفضل فيه مخدلا لنور الدين ﵀. ومناقب هذا الرجل الصالح كبيرة وكان من الملوك الزهاد. وتوفي في شوال سنة تسع وستين وخمسمائة واستولى بعده على الأمر صلاح الدين وهو على طريقة من الفضل شهيرة وشإنه في الملوك كبير وله الأثر الباقي شرفه من إزالة المكوس بطريق الحجاز ودفعه عوضا عنها لصاحب الحجاز وكانت الأيام قداستمرت قديما بهذه الضريبة اللعينة إلى أن محا الله رسمها على يدي هذا الملك العادل أصلحه الله. ومن مناقب نور الدين رحمه الله تعالى إنه كان عين للمغاربة الغرباء المتلزمين زاوية المالكية بالمسجد الجامع المبارك أوقافا كثيرة منها طاحوتنان وسبعة بساتين وأرض بيضاء وحمام ودكانان بالعطارين وأخبرني أحد المغاربة الذين كانوا ينظرون فيه وهو أبو الحسن على بن سردال الجياني المعروف بالأسود أن هذا الوقف المغربي يغل إذا كان النظر فيه جيدا خمسمائة دينار في العام وكان له ﵀ بجانبهم فضل كبير نفعه الله بما أسلف من الخير وهيأ ديارا موقوفة لقراء كتاب الله يسكنونها.

стр. 339

مرافق الغرباء ومرافق الغرباء بهذه البلدة أكثر من أن يأخذها الإحصاء ولا سيما لحفاظ كتاب الله، والمنتمين للطلب فالشأن بهذه البلدة لهم عجيب جدا وهذه البلاد المشرقية كلها على هذا لرسم لكن الاحتفال بهذه البلدة أكثر والاتساع أوجد. فمن شاء الفلاح من نشأة مغربنا فليرحل إلى هذه البلاد ويتغرب في طلب العلم فيجد الأمور المعينات كثرة فأولها فراغ البال من أمر المعيشة وهو أكبر الأعوان وأهمها فإذا كانت الهمة فقد وجد السبيل إلى الاجتهاد ولا عذر للمقصر إلا من يدين بالعجز والتسويف فذلك من لا يتوجه هذا الخطاب عليه وإنما المخاطب كل ذي همة يحول طلب المعيشة بينه وبين مقصده في وطنه من الطلب العلمي فهذا المشرق بابه مفتوح لذلك فادخل ايها المجتد بسلام وتغنم الفراغ والانفراد قبل علق الأهل والأولاد ويقرع سن الندم على زمن التضييع والله يوفق ويرشد لا إله سواه قد نصحت أن الفيت سامعا وناديت إن أسمعت مجيبا، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ١﴾ جلبت قدرته وتعالى جده. ولو لم يكن بهذه الجهات المشرقية كلها إلا مبادرة أهلها لإكرام الغرباء وايثار الفقراء ولا سيما أهل باديتها فإنك تجد من بدار إلى بر الضيف عجبا كفى بذلك شرفا لها وربما يعرض أحد هم كسرته على فقير فيتوقف عن قبولها فيبكى الرجل ويقول: لو علم الله في خيرا لأكل الفقير طعامي لهم في ذلك سر شريف.

стр. 340

من عجيب أمر المشارقة ومن عجيب أمرهم تعظيمهم للحاج على قرب مسافة الحج منهم وتيسير ذلك لهم واستطاعتهم لسبيله فهم يتمسحون بهم عند صدورهم ويتهافتون عليهم تبركا بهم ومن أغرب ما حدثناه من ذلك: أن الحاج الدمشقي مع من انضاف إليهم من المقاربة عند صدورهم إلى دمشق في هذا العام الذي هو عام ثمانين خرج الناس لتلقيهم: الجم الغفير نساء ورجالا يصافحونهم ويتمسحون بهم واخرجوا الدراهم لفقرائهم يتلقونهم بها وأخرجوا إليهم الأطعمة. فأخبرني من ابصر كثيرا من النساء يتلقين الحاج ويناولنهم الخبز فإذا عض الحاج فيه اختطفته من أيديهم وتبادرن لاكله تبركا بأكل الحاج له ودفعن له عوضا منه دراهم إلى غير ذلك من الأمور العجيبة ضد ما اعتدنا في المغرب في ذلك وصنع بناء في بغداد عند تلقي الحاج با مثل ذلك أو قريب منه. ولو شئنا استقصاء هذه الأمور لخرجت بنا عن مقصد التقييد وإنما وقع الالماع بلمحة دالة يكتفى بها عن التطويل. وكل من وفقه الله بهذه الجهات من الغرباء للانفراد يلتزم إن أحب ضيعة من الضياع فيكون فيها طيب العيش ناعم البال وينثال الخبز عليه من أهل الضيعة ويلتزم الإمامة أو التعليم أو ما شاء. ومتى سئم المقام خرج إلى ضيعة أخرى أو يصعد إلى جبل لبنان أو إلى جبل الجودي فيلقى بها المريدين المنقطعين إلى الله فيقيم معهم ما شاء، وينصرف إلى حيث شاء.

стр. 341

نصارى جبل لبنان ومن العجب أن النصارى المجاورين لجبل لبنان إذا رأوا به بعض المنقطعين من المسلمين جلبوا لهم القوت وأحسنوا إليهم ويقولون: هؤلاء ممن انقطع إلى الله فتجب مشاركتهم.

стр. 342

وهذا الجبل من أخصب جبال الدينا فيه أنواع الفواكه وفيه المياه المطردة والظلال الوارفة وقل ما يخلو من التبتيل١ والزهادة وإذا كانت معاملة النصارى لضد ملتهم هذه المعاملة فما ظنك بالمسلمين بعضهم مع بعض.

стр. 343

الحرب واتفاق النصارى والمسلمين ومن أعجب ما يحدث به أن نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين مسلمين ونصارى وربما يلتقى الجمعان ويقع المصاف بينهم ورفاق المسلمين والنصارى تختلف بينهم دون اعتراض عليهم. شاهدنا في هذا الوقت الذي هو شهر جمادي الأولى من ذلك خروج صلاح الدين بجميع عسكر المسلمين لمنازلة حصن الكرك وهو من أعظم حصون النصارى وهو المعترض في طريق الحجاز والمانع لسبيل المسلمين على البر بينه وبين القدس مسيرة يوم أو أشف٢ قليلا وهو سرارة٣ أرض فلسطين وله نظر عظيم الاتساع متصل العمارة يذكر إنه ينتهي إلى أربعمائة قرية فنازله هذا السلطان وضيق عليه وطال حصاره. واختلاف القوافل من مصر إلى دمشق على بلاد الإفرنج غير منطقع. واختلاف المسلمين من دمشق على عكة كذلك وتجار النصارى أيضا لا يمنع أحد منهم ولا يعترض. وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في بلادهم وهي من الأمنة٤ على غاية وتجار النصارى أيضا يؤدون في بلاد المسلمين على سلعهم والاتفاق بينهم والاعتدال في جميع الأحوال وأهل الحرب مشتغلون بحربهم والناس في عافية والدنيا لمن غلب.

стр. 344

هذه سيرة أهل هذه البلاد في حربهم وفي الفتنة الواقعة بين أمراء المسلمين وملوكهم كذلك ولا تعترض الرعايا ولا التجار فالأمن لا يفارقهم في جميع الأحوال سلما أو حربا وشأن هذه البلاد في ذلك أعجب من أن يستوفى الحديث عنه والله يعلى كلمة الإسلام بمنه.

стр. 345

دمشق وآثارها ولهذه البلدة قلعة يسكنها السلطان منحازة في الجهة الغربية من البلد وهي بازاء باب الفرج من أبواب البلد وبها جامع السلطان يجمع فيه وعلى مقربة منها خارج البلد في جهة الغرب ميدانان كأنهما مبسوطان خزا لشدة خضرتهما وعليهما حلق والنهر بينهما وغيضة١ عظيمة من الحور متصلة بهما وهما من أبدع المناظر يخرج السلطان إليهما ويلعب فيهما بالصوالجة٢ ويسابق بين الخيل فيهما ولا مجال للعين كمجالها فيهما وفي كل ليلة يخرج أبناء السلطان إليهما للرماية والمسابقة واللعب بالصوالجة. وبهذه البلدة أيضا قرب مائة حمام فيها وفي أرباضها وفيها نحو أربعين دارا للوضوء يجرى الماء فيها كلها وليس في هذه البلاد كلها بلدة أحسن منها للغريب لأن المرافق بها كثيرة وفي الذي ذكرناه من ذلك كفاية والله يبقيها دار إسلام بمنه. وأسواق هذه البلدة من أحفل أسواق البلاد وأحسنها انتظاما وأبدعها وضعا ولا سيما قيسارياتها وهي مرتفعات كانها الفنادق مثقفة كلها بأبواب حديد كأنها أبواب القصور وكل قيسارية منفردة بضبتها٣ وأغلاقها الجديدة.

стр. 346

ولها أيضا سوق يعرف بالسوق الكبير يتصل من باب الجابية إلى باب شرقي وفيه بيت صغير جدا قد اتخذ مصلى وفي قبلته حجر يقال: إن إبراهيم ﷺ كان يكسرعليه الآلهة التي كان يسوقها أبوه للبيع. وحديث الدار المنسوبة لعمر بن عبد العزيز التي هي اليوم خانقة للصوفية وهي في الدهليز الذي في الباب الشمالي المعروف بباب الناطفيين وقد تقدم التنبيه عليه قبل هذا حديث عجيب وذلك أن الذي اشتراها وبناها وجعل لها الأوقاف الواسعة وأمر بأن يدفن فيها وأن يختم على قبره القرآن كل جمعة وعين من تلك الأوقاف لمن يحضر ذلك كل جمعة رطلا من الخبز الحواري وهو ثلاثة أرطال من ارطال المغرب رجل من العجم يعرف بالسميساطي وسميساط بلدة من بلادالعجم وكان موصوفا بالورع والزهد، وأصل يساره وتموله فيما ذكر لنا إنه الفي يوما من الأيام بالدهليز المذكور ازاء الدار المذكورة رجلا أسود مريضا مطروحا بموضعه غير متلف إليه ولا معتنى به فتأجر فيه والتزم تمريضه وخدمته والنظر له اغتناما للثواب من الله ، فحانت وفاة الرجل فاستدعى ممرضه السميساطي المذكور فقال له: أنت قد احسنت إلى وخدمتني ولطفت في تمريضي وأشفقت لحالي وغربتي فأنا أريد أن أكافئك على فعلك بي زائدا إلى مكافأة الله عني في الاجل إن شاء الله؛ وذلك اني كنت من أحد فتيان الخليفة المعتصد العباسي ومعروفا بزمام الدار١ وكانت لي حظوة ومكانة فعتب على في بعض الأمر فخرجت طريدا فانتهيت إلى هذه البلدة فأصابني فيها من أمر الله ما أصابني فسببك الله لي رحمة، فأنا أقلدك أمانة وأعهد إليك فيها عهدا إذا أنا مت وغسلتني فانهض على بركة الله تعالى إلى بغداد وتطلف في السؤال عن دار صاحب الزمام فتى الخليفة فإذا أرشدت إليها فصرف الحيلة في اكترائها وأرجو أن الله

стр. 347

يعينك على ذلك وإذا سكنتها فاعمد إلى موضع سماه له فيها وذكر له أمارة عليه فاحفر فيه مقدار كذا وانزع اللوح الذي تجده معترضا تحت الأرض وخذ الذي تجده مدفونا تحت الأرض وصرفه في منافعك وما يوفقك الله إليه من وجوه البر والخير مباركا لك في ذلك إن شاء الله. ثم توفي الرجل الموصى ﵀ وتوجه الموصى إليه بعهده إلى بغداد فيسر الله له في اكتراء الدار وانتهى إلى الموضع المذكور فاستخرج منه دخائر لا قيمة لها١ عظيمة الشان كبيرة القدر فدسها في أحمال متاع باتاعها وخرج إلى دمشق من بغداد فابتاع الدار المذكورة المنسوبة لعمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وبناها خانقة للصوفية واحتفل فيها وابتاع لها الأوقاف ضياعا ورباعا وجعلها برسم الصوفية وأوصى بأن يدفن فيها وان يختم القرآن على قبره كل جمعة وعين لكل من يحضر ذلك ما ذكرناه. فوجد الغرباء والفقراء في ذكل مرفقا كثيرا فتغص الخانقة بالقراءة كل جمعة فإذا ختموا القرآن دعوا له وانصرفوا واندفع لكل واحد منهم رطل من الخبز على الصفة المذكورة وبقى للمتوفى جميل الأثر والخير رحمة الله ورضوانه عليه. والكوثرية التي ذكرناها أيضا بالجامع المكرم المقروءة كل يوم بعدالعصر المعينة لمن لا يحفظ القرآن كان أصلها أيضا أن أحد ذوي اليسار توفي وأوصى بان يدس قبره في الجامع المكرم وأوقف وقفا يغل مائة وخمسين دينارا في السنة برسم من لا يحفظ القرآن ويقرأ من سورة الكوثر إلى الخاتمة فينقسم له أربعون دينارا في كل ثلاثة أشهر من السنة. ويذكر أن أحد الملوك السالفين توفى أيضا وأوصى بان يجعل قبره في قبلة الجامع المكرم بحيث لا يظهر وعين أوقافا عظيمة تغل نحو الالف دينار وأربعمائة دينار في السنة وزائد القراء سبع القرآن كل يوم.

стр. 348

وموضع الاجتماع لقراءة هذا السبع المبارك كل يوم إثر صلاة الصبح بالجهة الشرقية من مقصورة الصحابة رضى الله عنهم، ويقال: إن في ذلك الموضع هو القبر المذكور وقراءة السبع لا تتعدى ذلك الموضع متصلا مع جدار القبلة إلى الجدار الشرقي والله لا يضيع أجر المحسنين. وبقيت هذه الرسوم الشريفة مخلدة مع الأيام نفع الله بها راسميها وناهيك فيها من بلاد يهدى فيها لهذه الصنائع المزلفة لرضوان الله ، وللفقراء المتلزمين الجلوس في الجانب الشرقي من الجامع المكرم الذين ليس لهم مأوى يأوون إليه وقف وضعه بعض المتأجرين الموفقين برسمهم إلى ما يطول ذكره من المآثر الأخراوية الصدقية التي كفل الله بها غرباء هذه الجهات. ومن عادة أهل دمشق وسائر تلك البلاد المستحسنة المرجو لهم فيها من الله ، قبول أنهم في كل سنة يتوخون الوقوف يوم عرفة بجوامعهم إثر صلاة العصر يقف بهم ايمتهم كاشفي رؤوسهم داعين إلى ربهم التماسا لبركة الساعة التي يقف فيها وفد الله وحجيج بيته الحرام بعرفات فلا يزالون واقفين داعين متضرعين إلى الله وبحجاج بيته الحرام متوسلين إلى أن يسقط قرص الشمس ويقدروا نقر الحاج فينفصلوا باكين على ما حرمو من ذلك الموقف العظيم بعرفات وداعين إلى الله في أن يوصلهم إليها ولايحليهم من بركة القبول في فعلهم لك.

стр. 349

من أعظم مناظر الدنيا ومن أعظم ما شاهدناه م مناظر الدنيا الغريبة الشأن وهياكلها الهائلة البنيان المعجزة الصنعة والاتقان المعترف لوصفها بالتقصير لسان كل بيان الصعود إلى أعلى قبة الرصاص المذكورة في هذا التقييد، القائمة وسط الجامع المكرم والدخول في دوفها وإجالة لحظ الاعتبار في بديع وضعها مع القبة

стр. 350

التي في وسلطها كأنها كرة مجوفة داخلة وسط كرة أخرى أعظم منها؛ صعدنا إليه في جملة من الأصحاب المغاربة ضحوة يوم الإثنين الثامن عشر لجمادي الأولى المذكورة من مرقي في الجانب الغربي من بلاط الصحن كان صومعة فيا لقديم وتمشينا على سطح الجامع المكرم وكله ألواح رصاص منتظمة كما قد نقدم الذكر لذلك وطول كل لوح أربعة أشبار وعرضه ثلاثة أشبار وربما اعترض في الألواح نقص أو زيادة حتى نتهينا إلى القبة المذكورة فصعدنا إليها على سلم منصوب وريح الميد١ تكاد تطير بنا فحبونا في المشي المطيف بها وهو من رصاص وسعته ستة أشبار فلم نستطع القيام عليه لهول الموقف فيه، فأسرعنا الولوج في جوف القبة على أحد شراجيبها٢ المتفحة في الرصاص فأبصرنا مرأى تحار فيه العقول وتقف دون إدراك هيبة وصفه الأفهام وجلنا في فرش من الخشب العظام حول القبة الصغيرة الداخلة في جوف الرصاصية على الصفة التي ذكرناها ولها طيقان يبصر منها الجامع ومن فيه فكنا نبصر الرجال فيه كأنهم الصبيان في المحاضر. وهذه القبة مستديرة كالكرة وظاهرها من خشب قد شد بأضلاع من الخشب الضخام موثقة بنطق من الحديد ينعطف كل ضلع عليها كالدائرة وتجتمع الأضلاع كلها في مركز دائرة من الخشب أعلاها وداخل هذه القبة وهو ما يلي الجامع المكرم خواتيم من الخشب منتظم بعضها ببعض قد اتصل اتصالا عجيبا وهي كلها مذهبة بأبدع صنعة من التذهيب مزخرفة التلوين بديعة القرنصة٣ يرتمى الأبصار شعاع ذهبها وتتحير الألباب في كيفية عقدها ووضعها لإفراط سموها؛ أبصرنا من تلك الخواتيم الخشبية خاتما مطروحا جوف القبة لم يكن طوله أقل من ستة أشبار في عرض أربعة وهي تلوح

стр. 351

في انتظامها للعين كأن دور كل واحد منها شبر أو شبران الغاية لعظم سموها. والقبة الرصاص محتوية على هذه القبة المذكورة وقد شدت أيضا بأضلاع عظيمة من الخشب الضخام موثقة الأوساط بنطق الحديد وعددها ثمان وأربعون ضلعا بين كل ضلع وضلع أربعة أشبار قد انعطفت انعطافا عجيبا، واجتمعت أطرافها في مركز دائرة من الخشب أعلاها ودور هذه القبة الرصاصية ثمانون خطوة وهي مائتا شبر وستون شبرا والحال فيها أعظم من أن يبلغ وصفها وإنما هذا الذي ذكرناه نبذة يستدل بها على ما وراءها. وتحت الغارب المستطيل المسمى النسر الذي تحت هاتين القبتين مدخل عظيم هو سقف للمقصورة بينه وبينها سماء جص مزينة وقد انتظم فيه من الخشب مالا يحصى عدده وانعقد بعضها ببعض وتقوس بعضها على بعض وتركبت تركيبا هائلا منظره وقد ادخلت في الجدار كله دعائم للقبتين المذكورتين وفي ذلك الجدار حجارة كل واحد منها يزن قناطير مقنطرة لا تنقلها الفيلة فضلا عن غيرها فالعجب كل العجب من تطليعها إلى ذلك الموضع المفرط السمو وكيف تمكنت القدرة البشرية لذلك فسبحان من الهم عباده إلى هذه الصنائع العجيبة ومعينهم على التأني لما ليس موجودا في طبائعم البشرية ومظهر آياته على أيدي من يشاء من خلقه لا إله سواه! والقبتان على قاعدة مستديرة من الحجارة العظيمة قد قامت فوقها ارجل قصار ضخام من الحجارة الصم الكبار وقد فتح بين كل رجل ورجل شمسية واستدارت الشمسيات باستدارتها والقبتان في رأى العين واحدة وكنينا عنها باثنتين لكون الواحدة في جوف الأخرى والظاهر منها قبة الرصاص. ومن جملة عجائب ما عايناه في هاتين القبتين إن لم نجد فيهما عنكبوتا ناسجا على بعدالعهد من التفقد لهما من أحد والتعاهد لتنظيف مساحتهما والعنكبوت في امثالهما موجود كثير وقد كان حقق عند نا أن الجامع المكرم لا تنسج فيه العنكبوت ولا يدخله الطير المعروف بالخطاف وقد تقدم ذكرنا لذلك في

стр. 352

هذا التقييد. فانصرفنا منحدرين وقد قضينا عجبا عجابا من هذا المنظر العظيم شأنه المعجز وضعه المترفع عن الإدراك وصفه ويقال: إنه ما على ظهر المعمور أعجب منظرا ولا أبعد سموا ولا أغرب بنيانا من هذه القبة إلا ما يحكى عن قبة بيت المقدس فإنها يذكر أنها أبعد في الارتفاع والسمو من هذه. وجمله الأمر أن منظرها والوقوف على هيئة وضعها وعظيم الاستقدار فيها عند معاينها بالصعود إليها والولوج داخلها من أغرب ما يحدث به من عجائب الدنيا والقدرة لله ألواح د القهار لا إله سواه.

стр. 353

رتبهم في جنائزهم ولأهل دمشق وغيرها من هذه البلاد في جنائزهم رتبة١ عجيبة وذلك أنهم يمشون إمام الجنازة بقراء يقرءون القرآن بأصوات شجية وتلاحين مبكية تكاد تنخلع لها النفوس شجوا وحنانا يرفعون أصواتهم بها فتتلقى الآذان بأدمع الأجفان وجنائزهم يصلى عليها في الجامع قبالة المقصورة فلا بد لكل جنازة من الجامع فإذا انتهوا إلى بابه قطعوا القراءة ودخلوا إلى موضع الصلاة عليها إلا إن يكون الميت من أئمة الجامع أو من سدنته فإن الحالة المميزة له في ذلك أن يدخلوه بالقراءة إلى موضع الصلاة عليه. وربما اجتمعوا للعزاء بالبلاط الغربي من الصحن بإزاء باب البريد فيصلون افرادا أفرادا ويجلسون وأمامهم ربعات من القرآن يقرءونها ونقباء الجنائز يرفعون اصواتهم بالنداء لكل واصل للعزاء من محتشمي البلدة وأعيانهم ويحلونهم بخططهم٢ الهائلة التي قد وضعوها لكل واحد منهم بالإضافة إلى الدين فتسمع ما شئت من صدر الدين أو شمسه أو بدره أو نجمه أو زينه أو بهائه أو جماله أو مجده أو

стр. 354

فخره أو شرفه أو معينه أو محييه أو زكيه أو نجيبه إلى مالا غاية له من هذه الألفاظ الموضوعة وتتبعها ولا سيما في الفقهاء بما شئت أيضا من سيد العلماء وجمال الأئمة وحجة الإسلام وفخر الشريعة وشرف الملة ومفتى الفريقين إلى ما لا نهاية له من هذه الألفاظ المحالية. فيصعد كل واحد منهم إلى الشريعة ساحبا أذياله من الكبر ثانيا عطفه وقذاله١ فإذا استكملوا وفرغوا من القراءة وانتهى المجلس بهم منتهاه قام وعاظهم واحدا واحدا بسحب رتبهم في المعرفة فوعظ وذكر ونبه على خدع الدنيا وحذر واشند في المعنى ما حضر من الأشعار ثم ختم بتعزية صاحب المصاب والدعاء له وللمتوفى ثم قعد وتلاه آخر على مثل طريقته إلى أن يفرغوا ويتفرقوا فربما كان مجلسا نفاعا لمن يحضره من الذكرى. ومخاطبة أهل هذه الجهات قاطبة بعضهم لبعض بالتمويل والتسويد٢ وبامتثال الخدمة وتعظيم الحضرة وإذا لقى أحد منهم آخر مسلما يقول جاء المملوك أو الخادم برسم الخدمة كناية عن السلام فيتعاطون المحال تعاطيا والحد عندهم عنقاء مغرب٣ وصفة سلامهم إيماء للركوع أو السجود فترى الأعناق تتلاعب بين رفع وخفض وبسط وقبض وربما طالت بهم الحالة في ذلك فواحد ينحط وآخر يقوم وعمائمهم تهوى بينهم هويا. وهذه الحالة من الانعكاف الركوعي في السلام كنا عهدناه لقينات النساء وعند استعراض رقيق الإماء فيا عجبا لهؤلاء الرجال كيف تحلوا بسمات ربا الحجال قد ابتذلوا انفسهم فيما تأنف النفوس الأبية منه استعملوا تكفير الذمي المنهي في الشرع عنه لهم في هذا الشأن طرائق عجيبة في الباطل فيا للعجب منهم إذا تعاملوا بهذه المعاملة وانتهوا إلى هذه الغاية في الألفاظ بينهم

стр. 355

فبماذا يخاطبون سلاطينهم ويعاملونهم؟ لقدت تساوت الأذناب عندهم والرؤوس ولم يميز لديهم الرئيس والمرؤوس فسبحان خالق الخلق أطوارا لا شريك له ولا معبود سواه. ومن عجيب حال الصغير عندهم والكبير بجميع هذه الجهات كلها انهم يشمون وأيديهم إلى خلف قابضين بألواح دى على الأخرى ويركعون للسلام على تلك الحالة الشبهة بأحوال العناة١ مهانة واستكانة كأنهم قد سيموا تعنيفا وأوثقوا تكتيفا وهم يعتقدون تلك الهيئة تمييزا لهم في ذوي الخصوصية وتشريفا ويزعمون انهم يجدون بها نشاطا في الأعضاء وراحة من الاعياء والمحتشم منهم من يسحب ذيله على الأرض شبرا أو يضع خلفه اليد الواحدة على الأخرى قد اتخذوا هذه المشية بينهم سننا وكل منهم قد زين له سوء عمله فرآه حسنا، استغفر الله منهم فإن لهم من آداب المصافحة عوائد تجدد لهم الإيمان وتستوهب لهم من الله الغفران لما بشر به الحديث المأثور عن رسول الله ﷺ في المصافحة فهم يستعملونها إثر الصلوات ولا سيما إثر صلاة الصبح وصلاة العصر. وإذا سلم الإمام وفرغ من الدعاء أقبلوا عليه بالمصافحة أقبل بعضهم على بعض يصافح المرء عن يمينه وعن يساره فيتفرقون عن مجلس مغفرة بفضل الله ، وقد تقدم الذكر فيم سلف من هذه التقييد انهم يتسعملونها عند رؤية الأهلة ويدعو بعضهم لبعض بتعرف بركة ذلك الشهر ويمنه واستصحاب السعادة والخير فيه وفيما يعود عليه من امثاله وتلك أيضا طريقة حسنة ينفعهم الله بها لما فيها من تعاطي الدعوات وتجديد المودات ومصافحة المؤمنين بعضهم بعضا رحمة من الله تعالى ونعمة.
следующие страницы →