أو يحمل النهي على التنزيه، وحديث البخاري على الجواز، والله أعلم، أو يحمل النهي على التنزيه، وحديث البخاري على الجواز، والله أعلم.
الأحاديث الواردة في فضل آية الكرسي
وأما الأحاديث الواردة في فضل آية الكرسي، فمنها ما هو صحيح ثابت، ومنها ما ليس بصحيح، والظاهر أن الحديث الذي فيه: "إن الله يتولى قبض روح من قرأها دبر كل صلاة" لا يصح، وكذلك الحديث المروي عن علي ﵁، الظاهر عدم صحته، والله أعلم.
وروى النسائي وابن حبان عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت"، قال ابن القيم: بلغني عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه قال: ما تركتها بعد كل صلاة إلا نسيانا؛ أو نحوه، وقال شيخنا أبو الحجاج المزي: إسناده على شرط البخاري.
قال ابن كثير: وروى ابن مردويه من حديث علي، وجابر، والمغيرة نحو ذلك، وفي أسانيدها ضعف.
حديث صلاة الملائكة على المصلي ما دام في مجلسه
وأما حديث صلاة الملائكة على المصلي ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، فالذي يظهر أن حكم المسجد الذي صلى فيه حكم موضع صلاته، والله أعلم.
شهد عدلان برؤيه الهلال وردت شهادتهما لجهالة حالهما
وأما قبول شهادة الأعراب بالهلال فحكمهم حكم الحضر: لا يحكم بشهادة مجهول الحال، والأعرابي الذي عمل النبي ﷺ بشهادته يحتمل أنه يعرف حاله. والعلماء لم يفرقوا في هذه المسألة بين البادية والحاضرة.
وأما مسألة الرؤية لهلال شوال إذا شهد به شاهدان، ولم يشهدا عند الحاكم، أو شهدا عنده ولم يحكم بشهادتهما، فهل لهما ولمن عرف عدالتهما الفطر أم لا؟ أما إذا انفرد واحد بالرؤية فنص أحمد أنه لا يفطر، وهو قول مالك وأبي حنيفة، وهو مروي عن عمر وعائشة، لحديث: "صومكم يوم تصومون،
стр. 107
وفطركم يوم تفطرون" ١ وقيل: يفطر سرا، وهو قول الشافعي.
قال المجد: ولا يجوز إظهاره بالإجماع، وكذا الحكم إذا رآه عدلان ولم يشهدا عند الحاكم، أو شهدا عنده، ورَدَّ شهادتهما لجهله بحالهما، فالمذهب أنه لا يجوز لهما ولا لمن عرف عدالتهما الفطر، للحديث السابق، ولما فيه من الاختلاف وتشتيت الكلمة، وجعل مرتبة الحكم لكل أحد. وهذا القول اختيار الشيخ تقي الدين، واختار الموفق أنه يجوز له الفطر، لحديث: "وإن شهد شاهدان، فصوموا وأفطروا" ٢ رواه أحمد وغيره.
تأويل آيات الصفات وأحاديثها
وقول الشيخ عثمان: إن الصفة تعتبر من حيث هي هي ... إلخ، يعنى لها ثلاث اعتبارات: تارة تعتبر من حيث هي هي، أي: تعتبر منفردة من غير تعلقها بمحل، مثال ذلك: البصر، فيقال: البصر من حيث هو هو ما تدرك به المُبْصَرات، ومن حيث تعلقه بمخلوق فيقال: هو نور في شَحمة تسمى إنسان العين، تحت سبع طبقات في حدقة ينطبق عليها جفنان.
وأما بالنسبة إلى الرب -سبحانه- فنقول: هو -سبحانه- سميع يسمع، بصير يبصر، ليس كسمع المخلوق، ولا كبصر المخلوق، وهكذا سائر الصفات، والله -سبحانه- أعلم.
ومراده بالسيد معين الدين: هو أبو المعالي محمد بن صفي الدين.
الرد على من يقول: إن كلام الله مخلوق
وأما قول سفيان في قوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٣، فمراده بذلك الرد على من يقول: إن كلام الله مخلوق، يقول: إن الله -سبحانه- عطف الأمر على الخلق، وأمره هو كلامه، فمن قال: إن كلام الله مخلوق، فقد جعل أمره مخلوقا، فجمع بين الخلق والأمر، والله -سبحانه- قد فرق بينهما بعطفه الأمر على الخلق، فالمعطوف غير المعطوف عليه.
стр. 108
والمراد بسفيان: هو سفيان بن عيينة، الإمام المعروف، -رحمه الله تعالى-.
هذا ما ظهر لي، والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
البلد التي فيها شيء من مشاهد الشرك
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الأخ المكرم علي بن سليم، سلمه الله تعالى وعافاه، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد) : من حال ما سألت عنه:
(فالأولى) : البلد التي فيها شيء من مشاهد الشرك والشرك فيها ظاهر، مع كونهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، مع عدم القيام بحقيقتهما، ويؤذنون، ويصلون الجمعة والجماعة، مع التقصير في ذلك، هل تسمى دار كفر، أو دار إسلام؟
فهذه المسألة يؤخذ جوابها مما ذكره الفقهاء في بلدة كل أهلها يهود أو نصارى، أنهم إذا بذلوا الجزية صارت بلادهم بلد إسلام، وتسمى دار إسلام. فإذا كان أهل بلدة نصارى، يقولون في المسيح: إنه ابن الله، أو ثالث ثلاثة، أنهم إذا بذلوا الجزية سميت بلادهم بلد إسلام، فبالأولى فيما أرى أن البلد التي سألتم عنها، وذكرتم حال أهلها، أولى بهذا الاسم؛ ومع هذا يُقاتَلون لإزالة مشاهد الشرك، والإقرار بالتوحيد، والعمل به، بل لو أن طائفة امتنعت من شريعة من شرائع الإسلام قوتلوا، وإن لم يكونوا كفارا ولا مشركين، ودارهم دار إسلام.
قال الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى-: أجمع العلماء على أن كل طائفة
стр. 109
امتنعت من شريعة من شرائع الإسلام أنها تقاتل حتى يكون الدين كله لله، كالمحاربين، وأولى، انتهى.
وما ذكرناه عن العلماء: من أنهم يسمون البلد التي أهلها يهود أو نصارى، دار إسلام، يذكرونه في باب اللقيط، وفي غيره، والله أعلم.
بيع من أجر أرضه لغرسها
(المسألة الثانية) : فيمن دفع أرضه لإنسان ليغرسها بما اتفقا عليه من نصيب كل منهما، فهل يجوز لصاحب الأرض بيع نصيبه من الغرس، ولو لم تتم المدة التي بينه وبين المغارس؟
(الجواب) وبالله التوفيق: يجوز لصاحب الأرض بيع نصيبه من الغرس، ولو لم تتم المدة التي بينه وبين المغارس؛ لأن بيع المشاع صحيح، والمشتري يقوم مقام البائع في إلزام العامل بإتمام العمل الذي شرط عليه في العقد. وإذا تلف نصيب الغارس من النخل، رفع يده عن الأرض، ليس له فيها حق، بل لو شرط في ابتداء العقد أن له شيئا من الأرض فسد العقد بلا خلاف بين العلماء. والمشتري من مالك الأرض إن كان إنما اشترى نصيبه من الغرس فهو صحيح كما ذكرنا، وإن كان الشراء لنصيبه من الغرس وجميع الأرض فالذي أرى أنه ما يصح، لأنه ما يمكنه تسليم الأرض، والحالة هذه، والله أعلم.
الصرف من منافع الوقف في قضاء دين الواقف بعد موته
(الثالثة) : فيمن وقف وقفا، وجعل للناظر وضعه فيما يراه أنفع، والمراد: فيما يراه أكثر ثواباً، هل يجوز للناظر أويجب أو يستحب له صرف شيء من منافع الوقف في قضاء دين الواقف بعد موته؟
فنقول: لا يجب صرف شيء من غلة الوقف في قضاء دين الواقف حيا كان أو ميتا، بل لا يستحب،
стр. 110
بل لا يجوز، قال الخرقي –رحمه الله تعالى-: ولا يجوز أن يرجع إليه -أي الواقف- شيء من منافعه، قال في المغني بعد ذكره كلام الخرقي: وجملة ذلك أن من وقف وقفا صحيحا، فقد صارت منافعه للموقوف عليه، وزال عن الواقف ملكه، وملك منافعه؛ فلم يجز أن ينتفع بشيء منها إلا أن يكون وقف شيئا للمسلمين، فيدخل في جملتهم، مثل أن يقف مسجدا فله أن يصلي فيه، أو شيئا يعم المسلمين، فيكون كأحدهم، لا نعلم في هذا كله خلافا. ثم قال الخرقي بعد كلامه: إلا أن يأكل منه فيكون له ما شرط، وصحة هذا الشرط من مفردات المذهب، وأكثر العلماء يقولون بفساد الوقف المشروط فيه ذلك. وقولهم: لا يجوز للواقف الانتفاع بشيء منه عام، وقضاء دين الميت بعد موته فيه نفع له، وأظنه لو كان حيا واستفتاكم لم تجوزوا له ذلك، فما الفرق بين الحياة والموت؟ وما الفرق بينه وبين الناظر؟ والله – أعلم.
مجيب المؤذن هل له الكلام بين كلمات الإجابة
وأما مجيب المؤذن: هل يجوز له الكلام بين كلمات الإجابة، أو يكره؟ فلم أر في ذلك كلاما لأحد، والظاهر عدم الكراهة، مع أن الأولى عندي أن لا يشوبه بغيره من الكلام، بخلاف تالي القرآن، فالذي أرى كراهة الإجابة بين الكلمات، أو الآيات، فلا يُدخِل بين أبعاضه ذكرا غير متعلق بالقراءة كسؤال عند آية رحمة، واستعاذة عند آية عذاب، يدل لذلك قول من قال من العلماء: إن القارئ إذا سمع الأذان يقدم إجابة المؤذن على القراءة؛ لأن ذلك يفوت، والقراءة لا تفوت، ولم يقولوا: يجمع بينهما، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
стр. 111
الغرس في الإقطاعات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من الولد علي آل محمد إلى جناب شيخنا المكرم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) لا زال علمه منتشرا في جميع البلاد، منتفعا به كافة العباد، الحاضر منهم والباد، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأزكى وأشرف تحياته.
(وبعد) : فموجب الخط إبلاغ جنابك الشريف جزيل السلام، والسؤال عن حالك، لا زلت محروسا في خير، وعافية، وغير ذلك، متعنا الله بحياتك.
من حال المغارسة في الوادي أو غيره، إذا قطع، هل ترجع الأرض لأهلها؟ أو تكون في يد المغارس؟ وهل الحكم واحد، إذا بقي فيها شيء، أو لم يبق فيها شيء من الغرس الأول؟.
(الثانية) : إذا اشترى إنسان نخلا في الوادي، والخيار للمشتري، وبعدما نزل محمد آل فيصل الوادي، وبدؤوا يقطعون في النخل فسخ خياره، هل له ذلك، أم لا؟ كذلك إنسان طلق زوجته، ومات، والشهود ما عندهم علم من وقت طلاقه، ولا يعلم هل خرجت من العدة أم لا، هل تقول: إن الأصل عدم خروجها من العدة وترث، أم لا؟ كذلك المرأة التي فيها عوار، ولا تحققت خروج الولد، هل تبقى في عدة، ولو أكثر من أربع سنين، وهل إذا كان في كل شهر يأتيها الحيض، وهي ما تحققت سقوطه، فالحكم فيها واحد، تبقى في عدة ولو تكرر، ولو طالت كذلك؟ (مسألة الوقف) إذا قال: وقفت على أولادي، أو ذريتي، فالحكم فيها واحد، هل يستحقون مرتبا؟ وهل إذا قال: على أولادي، كُلٌّ على قدر ميراثه، ثم بعد ذلك لم يكن له إلا بنت، أو بنات، وأولاد بنين، هل يستحقون أولاد البنين شيئا؟ أو حتى ينقرضن البنات جميعهن؟ أفتنا، أثابك الله الجنة بمنه وكرمه، والسلام.
стр. 112
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الجواب، وبالله التوفيق:
أما إذا قطع الغراس، فالذي أرى أن الأرض ترجع إلى صاحبها، وليس للعامل إحداث غرس إلا بعقد جديد بتراضيهما.
وأما إذا بقي شيء من الغرس، قليل أو كثير، ففيه إشكال، والذي أرى: أنه يشبه.
(مسألة) : من اشترى أرضا وغرس فيها، ثم أخذت بالشفعة، أن الشفيع يدفع قيمة الغراس إن لم يختر صاحبه قلعه، وكذا إن انقضت مدة الإجارة وغرسه باق، مع أن التالف في هذه الحادثة يقل ويكثر؛ فيحتاج أن ينظر فيها الأضر فيه على صاحب الأرض والغارس، والصلح جائز بين المسلمين.
فسخ المشتري للعقد قبل قطع النخل
(وأما المسألة الثانية) : فإذا فسخ المشتري قبل قطع النخل، صح الفسخ، فإذا ثبت قطع شيء منه قبل الفسخ فعلى المشتري لأن الملك للمشتري، فضمانه عليه.
إذا لم تعلم انقضاء عدتها قبل موت زوجها
(وأما المسألة الثالثة) : فيحكم للمرأة بالإرث، ما لم يعلم انقضاء عدتها قبل موته.
البقاء في العدة ما لم تتحقق سقوط الحمل
(وأما المسألة الرابعة) : فالذي أرى أنها باقية في العدة، ما لم تتحقق سقوطه. والتحديد بأربع سنين، الظاهر أنه اعتبار بالغالب، وإلا فقد يبقى أكثر من ذلك، كما حققه ابن القيم، وهو مشاهد اليوم.
وأما تكرر الدم عليها في كل شهر فيحتمل أنه دم فساد، وأيضا فعند الشافعي، ورواية عن أحمد: أن الحامل تحيض، والله أعلم.
стр. 113
الوقف على الأولاد والذرية
(وأما مسألة الوقف) : فالحكم فيما إذا قال: على أولادي، أو على ذريتي، مختلف. أما إذا قال: على أولادي، فما دام باقيا من أولاده أحد، ذكر أو أنثى، استحق جميع الوقف. فإذا انقرض البطن الأول صار لولدهم، وفي دخول أولاد البنات خلاف مشهور، كذا إذا قال: على أولادي، كل على قدر ميراثه فلا يستحق البطن الثاني شيئا حتى ينقرض الأول.
وأما الوقف على الذرية: فيتناول قريبهم وبعيدهم، ذكورهم وإناثهم سواء، وفي دخول أولاد البنات أيضا الخلاف المشهور، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
عيب المبيع إذا علمه المشتري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى الأخ المكرم جمعان بن ناصر -سلمه الله تعالى آمين-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وموجب الخط إبلاغ السلام، وما سألت عنه في دعوى عيب المبيع، إذا علمه المشتري وأمسكه ليرجع بالأرش، فهل يقبل قوله بلا بينة، أم لا؟ فاختلف في هذه المسألة فقهاء نجد: فبعضهم يقول: يقبل قوله بيمينه، وبعضهم يقول: لا يقبل قوله إلا ببينة أشهدها حين بان له العيب، وهذا هو الذي يترجح عندي.
رد المبيع إذا اشترى خيرا منه
وأما قولهم: من اشترى متاعا، فوجده خيرا مما اشترى، فعليه رده؛ فهذا كما لو اشترى عباءة، يقول صاحبها: إنها صوف أو قز، فوجدها المشتري قيلان، والبائع جاهل الحال، كما لو اشتراها على أنها قيلان، فوجدها المشتري صوفا ونحوه، فله ردها. وكما لو اشترى غازيا على أنه ناقص، فوجده
стр. 114
وافيا، فله رده. والظاهر أنه إذا أخبر صاحبه بالحال، فسمحت به نفسه، جاز.
أجرة الأجير المشترك
وأما قولهم في الأجير المشترك: لا أجرة له فيما عمل فيه حتى يسلمه لربه معمولا، فالذي نرى ونعمل به في حال رعاة الإبل، كمعاملة الحضر مع البدو. واليوم في الذي يأخذ إبل الناس ليرعاها، ويقوم عليها أنه لا يستحق شيئا، ما لم يسلمها لربها لأنه مشترك؛ فلو هلكت قبل تسليمها لربها لم يستحق شيئا، والله أعلم.
من خلص متاع غيره من هلكة
وأما قولهم: إن من خلص متاع غيره من هلكة استحق أجرة المثل، قالوا: كما لو أخرجه من بحر، أو خلصه من فم سبع، أو وجده بمهلكة، بحيث يظن هلاكه في تركه لأنه يخشى هلاكه وتلفه على مالكه، بخلاف اللقطة، وفيه حث وترغيب في إنقاذ الأموال من الهلكة.
لكن لو قيل في هذه الأزمنة: إن من وجد حيوان غيره بمهلكة، بحيث يظن هلاكه بتركه، فأنقذه بنية الرجوع على ربه بما غرمه، أو بأجرة عمله، والحال إن لم يكتمه لم يكن بعيدا رجوعه، ولا يفهم من قولهم هذا أن المشتري من الغاصب ونحوه يرجع بثمنه على المغصوب منه، إذا أخذ سلعة لأنهم ذكروا هذه المسألة، وفسروها بما ذكرنا.
وذكروا أن المشتري من الغاصب يرجع بثمنه على من اشترى منه، لا على من عرف سلعته وأخذها، وهذا ظاهر قولهم: من خلص متاع غيره ... إلخ، من جملة ما تضمنه كلام الشيخ في قوله: ومن لم يخلص مال غيره من القلق إلا بما أدى، رجع به في أظهر قولي العلماء لأنه محسن، فقوله: "لأنه محسن" مشعر بأن ذلك فيمن خلص مال غيره استفادة لصاحبه، لا ليتملكه لأنه الذي يوصف بالإحسان.
الشراء من الغاصب
وأما الذي يشتري من الغاصب ونحوه للتملك، ويستعمل المبيع
стр. 115
ويعجفه إن كان حيوانا، فهذا لا يوصف بأنه محسن. وأيضا الحديث المرفوع الذي احتج به الأئمة أحمد وغيره: "من وجد متاعه عند إنسان، فهو أحق به" ١، ويتبع المبتاع من باعه، لا يجوز أن يعارض بقول أحد كائنا من كان.
الخلع على نفقة الحامل ورضاع الولد ثم تبين عدمه
وأما الخلع على نفقة الحامل، ورضاع الولد، ثم تبين عدمه، فالموافق لقاعدة المشهور من المذهب صحة الخلع، ويرجع عليها بقدر النفقة المشترطة، وهي نفقة الحامل. وقدر أجرة المرتضع حولين، إذا كان الخلع على نفقتها، ورضاع ولدها. إذا تلف الشيء المعلق عليه الطلاق
ومن قال لزوجته: أنت طالق بالثلاث إن لم تعطيني كذا، فإن كانت نيته الفورية أو مع قرينة تقتضي الفورية وقع الطلاق بفوات الفورية، إن لم ينو الفورية. ولا قرينة تدل على الفورية، فهو للتراخي. لكن لو تلف الشيء المعلق عليه الطلاق، والحالة هذه وقع الطلاق، والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الخلع على البراءة من الحمل وتوابعه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى الأخ المكرم محمد بن عبد الله -سلمه الله تعالى-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وما ذكرت من صورة الخلع، فإن كانت الزوجة قالت: إني حامل، وطلبت من الزوج يطلقها على البراءة من الحمل وتوابعه، وصار ما فيها حمل، فالذي يبين لي من كلام العلماء أن الزوج يرجع عليها بقيمة ما غرته به. فإن كانت المرأة ما ادعت الحمل، لكن الزوج خاف أنها حامل، وطلب البراءة، فلا أرى له عليها شيئا. وأما الطلاق فيقع
стр. 116
بكل حال، وليس له منعها من نكاح غيره، إذا كانت قد انقضت عدتها، وهو يطالبها بالغرامة في صورة الغرور منها، والله أعلم، ومن خطه نقلت.
نكاح المسلم الكتابية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى الولد المكرم عبد الرحمن بن محمد بن مانع، زاده الله علما، ووهب لنا وله حكما، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد) : فموجب الخط إبلاغ السلام، والخط وصل -أوصلك الله إلى ما تحب-، وسرنا ما ذكرت، أتم الله على الجميع نعمته، وما ذكرت من نكاح المسلم الكتابية، فأهل الكتاب هم أهل التوراة والإنجيل، وأما الإنكليز فالظاهر أنهم نصارى، فإن كانوا ينتسبون إلى عيسى وأتباع الإنجيل فهم كذلك.
من مات في زمان الفترات
وأما حكم من مات في زمان الفترات ولم تبلغه دعوة رسول، فالله -سبحانه- أعلم بهم. واسم الفترة لا يختص بأمة دون أمة، كما قال الإمام أحمد في خطبة على الزنادقة والجهمية: الحمد الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، ويروي هذا اللفظ عن عمر ﵁.
والكلام في حكم أهل الفترة لسنا مكلفين به، والخلاف في المسألة معروف لما تكلم في الفروع على حكم أطفال المشركين، وكذا من بلغ منهم مجنونا، قال: ويتوجه مثلهما من لم تبلغه الدعوة، وقاله شيخنا.
وفي الفنون عن أصحابنا: لا يعاقب، وذكر عن ابن حامد: يعاقب مطلقا، إلى أن قال القاضي أبو يعلى في قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ١: في هذا دليل أن معرفة الله لا تجب عقلا، وإنما تجب
стр. 117
بالشرع، وهو بعثة الرسل، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك لم يقطع عليه بالنار، انتهى.
وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في طبقات المكلفين:
الطبقة الرابعة عشر: قوم لا طاعة لهم ولا معصية، ولا كفر ولا إيمان، قال: وهؤلاء أصناف: منهم من لم تبلغه الدعوة بحال ولا سمع لها بخبر، ومنهم المجنون الذي لا يعقل شيئا، ومنهم الأصم الذي لا يسمع شيئا أبدا، ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يميزوا شيئا؛ فاختلفت الأمة في حكم هذه الطبقة اختلافا كثيرا، وذكر الأقوال، واختار ما اختاره شيخه أنهم يكلفون يوم القيامة.
واحتج بما رواه الإمام أحمد في مسنده عن الأسود بن سريع مرفوعا، قال: "أربعة يمتحنون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفترة. أما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وأنا ما أسمع شيئا. وأما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يرمونني بالبعر. وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل. وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني من رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار، فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما" ثم رواه من حديث أبي هريرة بمثله، وزاد في آخره: "ومن لم يدخلها رد إليها" انتهى.
وذكر ابن كثير عند تفسير قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ١، قال: وهنا مسألة اختلف الأئمة فيها، وهي مسألة الولدان الذين ماتوا وهم صغار، وآباؤهم كفار، وكذا المجنون، والأصم، والخرِف، ومن مات في الفترة. وقد روي في شأنهم أحاديث، أنا ذاكرها بعون الله وتوفيقه.
стр. 118
ثم ذكر في المسألة عشرة أحاديث، افتتحها بالحديث الذي ذكرناه، ثم أشار إلى الخلاف، ثم قال: ومن العلماء من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة: فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيه، ومن عصى دخل النار، وانكشف علم الله فيه، وهذا القول يجمع بين الأدلة، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض. وهذا قول حكاه الأشعري عن أهل السنة، ثم ردَّ قول من عارض ذلك بأن الآخرة ليست بدار تكليف ... إلى أن قال: ولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة، وقد يتكلم فيها من لا علم عنده، ذكر جماعة من العلماء الكلام فيها، روي ذلك عن ابن عباس، وابن الحنفية، والقاسم بن محمد، وغيرهم، قال: وليعلم أن الخلاف في الولدان مخصوص بأولاد المشركين.
فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء؛ حكاه القاضي أبو يعلى الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة.
فأما ما ذكره ابن عبد البر: أنهم توقفوا في ذلك، وأن الولدان كلهم تحت المشيئة، وهو يشبه ما رسم مالك في موطّئِه في أبواب القدر، فهذا غريب جدا، وذكر القرطبي في التذكرة نحوه.
إخبار الإمام للمأمومين بنيته الجمع بين الصلاتين
وما ذكرت من قول الإمام إذا نوى الجمع بين الصلاتين، فأرجو أنه لا بأس به أن يعلمهم أنه ناوٍ الجمعَ لأن المشهور في المذهب وفاقا لمالك والشافعي اشتراط نية الجمع. ولم أسمع في ذلك شيئا عن الصحابة، كما هو حجة من لم يشترط النية للجمع، وهو اختيار الشيخ تقي الدين؛ لكن الخروج
стр. 119
من الخلاف لا بأس به، والله أعلم.
وسلم لنا على الوالد والإخوان، ومن لدينا العيال والطلبة يسلمون، فأنت سالم، والسلام.
بيع الفضة بالفضة
ومن خطه نقلت.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) عما إذا كان لرجل على آخر ريالات، وأراد أن يعطيه عنها نوعا آخر من الفضة، مثل هذه التي يسمونها المجيديات، أو غيرها.
(فأجاب) : هذا حرام بلا شك؛ لأن النبي – ﷺ في أحاديث كثيرة اشترط المماثلة في بيع الفضة بالفضة، كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد مرفوعا: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض" ١.
والأحاديث في هذا كثيرة، ولم يستثن صورة من ذلك، كما استثني العرايا من المزابنة بشروطها، فمن الذي يجترئ على تخصيص هذه العمومات بالرأي؟ والنبي ﷺ سمى مبادلة الذهب بالذهب، والفضة بالفضة بيعا، ولا فرق بين كون العوضين عينين، أو أحدهما في الذمة لوجود المبادلة فيها، التي عرَّف بها الفقهاء البيع، فقالوا في حده: هو مبادلة مال بمال، وقالوا: بيع الدين المستقر لمن هو في ذمته، فسموا المبادلة بما في الذمة بيعا، والفقهاء يسمون الاعتياض عما ما في الذمة من أحد النقدين بجنسه صرفا.
كما قالوا فيما إذا انفسخ عقد السلم: إنه يرد رأس ماله، إن كان موجودا، أو يرد عوضه إن لم يوجد، فإن كان رأس مال السلم نقدا، وأخذ عينه نقدا من
стр. 120
جنسه فصرف له حكمه، وقالوا فيما إذا اقترض دراهم مكسرة، وحرمها السلطان، ورد المقترض فضة فصرف، نعتبر له شروطه.
وقال في الشرح الكبير في مسألة اقتضاء أحد النقدين من الآخر: إنه يشترط لجواز ذلك أن يكون بالسعر، وأنه قول الجمهور خلافا لأصحاب الرأي، واستدل لقول الجمهور بحديث ابن عمر، وعلله بأن هذا جرى مجرى القضاء، فتقيد بالمثل، كالقضاء من الجنس قال: والتماثل هنا بالقيمة لتعذر التماثل بالصورة، انتهى.
فكلامه صريح في أنه إذا كان القضاء من الجنس فلا بد من التماثل بالصورة، وجعل ذلك أصلا لمسألة الخلاف، فدل أنه لا بد من التماثل في الصورة، إذا كان القضاء من الجنس بلا خلاف، وهذا أمر ظاهر.
وقد علمتم كلام الفقهاء: إن من اشترى طعاما بكيل لا يصح قبضه جزافا؛ لحديث: "إذا سميت الكيل فكل" ١ وغير ذلك، وليس في حديث جابر ما يستدل به للجواز، وقد استدل به ابن عبد البر، وجماعة على جواز أخذ الثمر على الشجر عن ما في الذمة، إذا علم أنه دون حقه إرفاقا بالمدين، وإحسانا إليه.
وهذا يشبه مسألة ذكرها الفقهاء في الصلح فيما: إذا أقر إنسان لآخر بدين في ذمته، فصالحه بجنسها، قل أو كثر على سبيل المعاوضة لم يجز. وإن صالحه بأقل على سبيل الإبراء والهبة، لا بلفظ الصلح فهو جائز. وقولهم: إن الناس لا مفك لهم عن ذلك فهذه حجة فاسدة، وللناس عن ذلك مندوحة، بأن يشتري بالمجيديات أو القطع، ولا يسمي الريالات.
لكن الشيطان يضيق طرق الحلال، ويفسح طرق الحرام، نسأل الله لنا ولكم الهدى والسداد، والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 121
اشتراط الكيل في القهوة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الله بن مانع إلى جناب شيخنا المكرم عبد الله بن الرحمن (أبا بطين) -وفقه الله لإيضاح المشكلات، وكشف المعضلات، آمين-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد) : أمتعنا الله بحياته، إذا اشترى إنسان قهوة من آخر مثلا، واكتالها كيلا جيدا، أو اشترط أنه يكيلها فلان مثلا، وأراد بعد ذلك بيعها، فلما باعها قال المشتري: أكيلها أنا أو فلان، والحالة أنه هو أو فلان كيلهما أنقص من ذلك الكيل الأول، هل يكون ذلك ممنوعا في الشرع المطهر، أم لا؟
أيضا -سلمك الله-: إذا اشترط البائع على المشتري أنه لا يكيلها إلا أنت أو فلان، والحالة أنه هو أو فلان لا يحسنون الكيل الذي يساوي كيله أولا، والتزم له المشتري بذلك، هل يسوغ هذا الشرط أم لا؟ نلتمس من فيض أفضالكم تحرير الجواب باختصار وإيجاز، ولكم بذلك من الله -تعالى- الثواب الجزيل والمفاز.
سلمك الله، حصل زيادة بين كيل البائع، وكيل المشتري بلا شرط على المشتري، والحال أن المشتري الأول مشترط على البائع الأول أن يكيلها فلان، والمشتري الثاني لم يشترط كيل أحد، وأنت في أمان الله وحفظه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(الجواب) وبالله التوفيق:
الذي أرى -والله أعلم- أنه إذا قال المشتري: أكيلها أنا أو فلان، والحالة أن كيله أو كيل فلان أنقص من الكيل الأول الذي اكتاله البائع، إن ذلك لا يمنع، وأما إذا اشترط البائع على المشتري أنه لا يكيلها إلا أنت أو فلان
стр. 122
فهذا الشرط غير صحيح، ويجوز أن يتولى الكيل غير المعين المشروط، كما قالوا: إذا شرط في السلم مكيالا معين لنا عرف أنه لا يصح هذا الشرط، ولا يلزم التعيين، والله أعلم، انتهى. ومن خطه نقلت.
النور الذي كلم الله منه موسى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ما قولكم -أدام الله النفع بعلومكم- في قول بعض شراح عقيدة الشيباني ﵀ على قول الناظم:
وخصص موسى ربنا بكلامه
على الطور ناداه وأسمعه الندا قال الشارح: خص الله موسى بتكليمه على الطور، وأسمعه نداه إذ لم تكن لموسى جهة يسمع منها الكلام، ولا يرى منها النار، أو سمع في الوادي المقدس كلاما بلا حرف ولا صوت، ونارا إلا في جهة محدودة، وإنما يعرف ذلك أهله، وأما غير أهله فلا يدري كيف ذلك.
وقال على قول الناظم: ومنه بدأ قولا قديما، وأنه ... إلخ، أي: وهو منه، أي: من الرحمن بدأ قولا، أي: قاله في القدم حيث لا أكوان ولا أزمان، ويعود إليه كما بدأ منه. وهذه الحروف، والأصوات التي تعبر عن القرآن ليس١ هي القرآن لأن القرآن صفة الحق، والصفة لا تنفصل عن موصوفها، والحروف والأصوات تتصل وتنفصل، فهي صفات لا صفاته، لأنه باين، أي: منفرد عن خلقه بذاته وصفاته، وبذلك اغتر من اغتر، أفتونا -أثابكم الله الجنة بمنه وكرمه- ما معنى قوله هذا؟
أجاب الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) أثابه الله الغرف العلية، فقال:
стр. 123
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ما ذكره هذا الشارح بناء على أصلين فاسدين للأشعرية:
(أحدهما) : إنكار علو الرب -سبحانه- فوق سماواته، واستوائه على عرشه.
(والثاني) : إنكارهم تكلم الرب -سبحانه- بالحرف والصوت، والكلام عندهم هو: المعنى النفسي القائم بذات الرب . فلما رأى الشارح كلام المفسرين، وقولهم: إن النار التي رأى موسى هو نور الرب ﵎، وأن القرآن يدل على أن ذلك النور في مكان، قالوا: يلزم من كون نور الرب في مكان جواز كون الله -سبحانه- في مكان؛ فيلزم إثبات علوه –سبحانه- فوق السماء، واستوائه على العرش.
فقال: لم يكن لموسى جهة يسمع منها، ولا يرى منها النار، وسمع كلاما بلا حرف، ولا صوت، ونارا لا في جهة محدودة، قلت: القرآن صريح في أن موسى ﵇ رأى نارا في موضع معين، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ﴾ ١، وقال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ﴾ ٢، فدل قوله: (أتاها) ، و (جاءها) ، أنها في موضع مخصوص، قال -تعالى-: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ ٣، وقال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ ٤.
قال شيخ الإسلام تقي الدين ﵀: وقوله: من الشجرة هو بدل من قوله: من شاطئ الوادي الأيمن، فالشجرة كانت فيه؛ فالنداء كان من الجانب الأيمن من الطور، ومن الوادي؛ فإن شاطئ الوادي جانبه، فذكر أن النداء كان من موضع معين، وهو الوادي المقدس طوى، من شاطئه الأيمن، من جانب الطور الأيمن من الشجرة، انتهى.
стр. 124
فالآيات تدل على أن النور كان في موضع معين، وأن النداء كان من موضع معين.
قال ابن عباس في قوله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ ١ قال: الله في النور، ونودي من النور.
وروى عطية عن ابن عباس: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ ٢، يعني نفسه، قال: كان نور رب العالمين، قال: في الشجرة ومن حولها، وقال عكرمة: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ ٣ قال: كان الله في نوره، وقال سعيد بن جبير: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ ٤ قال: ناداه وهو في النور.
وقال ابن ضمرة: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ ٥، قال: إنها لم تكن نارا، ولكنه كان نور الله، وهو الذي كان في ذلك. النور، وإنما كان ذلك النور منه، وموسى حوله.
وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ الملائكة، وروي عن عكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة مثل ذلك، وقول الشارح: وإنما يعرف ذلك أهله، لما كان قولهم هذا ظاهر البطلان، وأنه ليس لهم حجة على صحته، أراد التمويه بقوله ذلك، إلا أن لقولهم هذا وجها صحيحا ومحملا يخفى على من لم ير رأيهم.
وأما قوله: ومنه بدأ قولا قديما، وأنه ... إلخ، فهذا ما عليه الأشاعرة المخالفون للكتاب، والسنة، وسلف الأمة، فقد أجمع أهل السنة والجماعة على ما دل عليه كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ من أن الله يتكلم بحرف وصوت، وأن القرآن كلام الله، حروفه ومعانيه.
وعند الأشعرية أن الكلام هو: المعنى النفسي، وأن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت، وقد صنف شيخ الإسلام تقي الدين -رحمه الله تعالى- مصنفا ذكر فيه تسعين وجها في
стр. 125
بيان بطلان هذا القول:
(منها) : إن الله قال كذا، ويقول كذا، ونادى، وينادي، والقول إنما يكون حرفا، والنداء إنما هو بحرف وصوت، وكذلك الكلام لا يكون إلا قولا لا حديث نفس، قال النبي ﷺ : "إن الله عفا لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" ١ فجعل الكلام غير حديث النفس.
وأجمع العلماء على أن المصلي إذا تكلم في صلاته عالما عامدا لغير مصلحتها، أن صلاته فاسدة، مع إجماعهم أن حديث النفس لا يبطلها؛ ففي ذلك، وما أشبهه دلالة صريحة على أن المعنى الذي يكون في النفس ليس بكلام. وعند الأشاعرة أن الله لم يكلم موسى، وإنما اضطره إلى معرفة المعنى القائم بالنفس، من غير أن يسمع منه كلمة، وما يقرؤه القارئون ويتلوه التالون فهو عبارة عن ذلك المعنى، وأن الحروف مخلوقة، وفي حديث عبد الله بن أنيس المشهور: "فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان" ... الحديث.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي فقلت: إن الجهمية يزعمون أن الله لا يتكلم بصوت، فقال: كذبوا، إنما يدورون على التعطيل، ثم قال: حدثنا عبد الله بن محمد المحاربي قال: حدثني الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء.
وعند الأشاعرة أن المعنى النفسي القائم بذات الرب الذي يسمونه كلاما شيء واحد لا يتبعض، وأن معنى الأمر والنهي والخبر واحد، وأن معنى القرآن والتوراة والإنجيل واحد، إن عبر عنه بالعربية فهو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرانية فهو التوراة، وإن عبر عنه بالسريانية فهو إنجيل، وهذا مما يقطع ببطلانه.
стр. 126
وقول الشارح: وبذلك اغتر من اغتر، فقد قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ ١، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ٢ فنسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم آمين، وصلى الله على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
حديث خلق الله آدم بيده على صورته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ما يقول العلماء أئمة الدين ﵃ أجمعين- في حديث: "خلق الله آدم بيده على صورته" ٣ هل الكناية في قوله: على صورته راجعة إلى آدم، وأن الله خلقه على الصورة التي خلقه عليها، أم لها معنى، وتأويل غير ذلك؟ وأجيبوا -أدام الله النفع بعلومكم- وابسطوا الجواب، أثابكم الله الجنة بمنه وكرمه.
الجواب: للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) -رحمه الله تعالى- قال: هذا الحديث المسؤول عنه ثابت في صحيحي البخاري ومسلم، عن النبي ﷺ قال: "خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا" ٤.
وفي بعض ألفاظ الحديث: "إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته".
قال النووي: هذا من أحاديث الصفات، ومذهب السلف أنه لا يتكلم في معناه، بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها، ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله -تعالى-، مع اعتقادنا أن ليس كمثله شيء، انتهى.
وقال بعض أهل التأويل: الضمير في قوله: "صورته" راجع إلى آدم، وقال بعضهم: الضمير راجع على صورة الرجل المضروب، ورد هذا التأويل بأنه إذا كان الضمير عائدا على آدم فأي فائدة في ذلك؟ إذ ليس
стр. 127
يشك أحد أن الله خالق كل شيء على صورته، وأنه خلق الأنعام، والسباع على صورها، فأي فائدة في الحمل على ذلك.
ورد تأويله بأن الضمير عائد على ابن آدم المضروب، بأنه لا فائدة فيه؛ إذ الخلق عالمون بأن آدم خلق على خلق ولده، وأن وجهه كوجوههم.
ويرد هذا التأويل كله بالرواية المشهورة: "لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن" وقد نص الإمام أحمد على صحة الحديث، وإبطال هذه التأويلات، فقال في رواية إسحاق بن منصور: "لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته" صحيح.
وقال في رواية أبي طالب: من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم، فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟ وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: قال رجل لأبي: إن فلانا يقول في حديث رسول الله ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته" ١ فقال: على صورة الرجل، فقال أبي: كذب، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟
وقال أحمد في رواية أخرى: فأين الذي يروي: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن"؟ وقيل لأحمد عن رجل: إنه يقول: على صورة الطين، فقال: هذا جهمي، وهذا كلام الجهمية، واللفظ الذي فيه على صورة الرحمن رواه الدارقطني، والطبراني، وغيرهما بإسناد رجاله ثقات. قاله ابن حجر، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ وأخرجها ابن أبي عاصم عن أبي هريرة مرفوعا، قال: "من قاتل فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن" وصحح إسحاق بن راهويه اللفظ فيه على صورة الرحمن، وأما أحمد فذكر أن بعض الرواة وقفه على ابن عمر، وكلاهما حجة.
стр. 128
وروى ابن منده، عن ابن راهويه قال: قد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن آدم خلق على صورة الرحمن" وإنما علينا أن ننطق به، قال القاضي أبو يعلى: والوجه فيه أنه ليس في حمله على ظاهره ما يزيل صفاته، ولا يخرجها عما ما تستحقه، لأننا نطلق تسمية الصورة عليه، لا كالصور كما أطلقنا تسمية ذات ونفس، لا كالذوات والأنفس.
وقد نص أحمد في رواية يعقوب بن يختان قال: خلق آدم على صورته، لا نفسره كما جاء الحديث. وقال الحميدي لما حدث بحديث: "إن الله خلق آدم على صورته" ١ قال: لا نقول غير هذا على التسليم، والرضى بما جاء به القرآن والحديث، ولا نستوحش أن نقول كما قال القرآن والحديث.
وقال ابن قتيبة: الذي عندي -والله أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع والعين، وإنما وقع الألف لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، هذا كلام ابن قتيبة.
وقد ثبت في الصحيحين قوله ﷺ : "فيأتيهم الله في صورة غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون" ٢ وفي لفظ آخر: "صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيعرفونه" ٣ الحديث، فالذي ينبغي في هذا ونحوه إمرار الحديث كما جاء على الرضى والتسليم، مع اعتقاد أنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، والله -سبحانه- أعلم.
نهب البدو بعضهم بعضا
وما ذكرت من السؤال، فالمسألة الأولى وهي: نهب البدو بعضهم
стр. 129
بعضا، فالذي أرى عدم الشراء منهم مطلقا إذا تحقق أنه نهب بعينه لاشتباه أمرهم. وأما إذا عرف أحدهم ماله عند حضري، وثبت أنه منهوب منه بالبينة، فالذي نفتي به في أزمنة هذا الاختلاف أنه يعطي المشتري ثمنه الذي دفع إليه، ويأخذ ماله إن لم يكونوا حربا للحضر، وقد أفتى بذلك غير واحد من متأخري الأصحاب.
الجائحة في الإجارة
وأما مسألة الجائحة في الإجارة: قال الشيخ تقي الدين ﵀: يقول بثبوت الجائحة في الإجارة للأرض ونحوها، كما تثبت في الثمرة المشتراة بنص الحديث. وأكثر العلماء يفرقون بين الصورتين، على خلاف ما قاله الشيخ، وهو الذي نفتي به، أعني بقول أكثر العلماء، والله أعلم.
أخذ الرجل من لحيته إذا كانت دون القبضة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن إلى الولد المحب علي بن عبد الله القاضي -ألهمه الله رشده وهداه، ووفقه لما يحبه ويرضاه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد) : موجب الخط إبلاغك السلام، والخط وصل، أوصلك الله إلى ما تحب. ومن حال ما ذكرت من أخذ الرجل من طول لحيته، إذا كانت دون القبضة، فالظاهر الكراهة، لقول النبي ﷺ : "اعفوا اللٍّحَى" وفي حديث آخر: "أرخوا اللحى". والسنة عدم الأخذ من طولها مطلقا، وإنما رخص بعض العلماء في أخذ ما زاد على القبضة لفعل ابن عمر ﵁، وبعض العلماء يكره ذلك لقول النبي ﷺ : "أعفوا اللحى" ١.
وأما حلق ما على الخدين من الشعر فلا شك في كراهته لمخالفة قوله – ﷺ :
"أعفوا اللحى" ٢، واللحية في اللغة: اسم للشعر
стр. 130
النابت على الخدين والذقن. ومعنى قوله: "أعفوا اللحى" ١ أي: وفروها، واتركوها على حالها.
مع أنه ورد حديث في النهي عن ذلك، فروى الطبراني عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من مثل بالشعر ليس له عند الله خلاق" قال الزمخشري: معناه: صيره مُثلة: بأن نتفه، أو حلقه من الخدود، أو غيره بسواد، وقال في النهاية: مثل بالشعر حلقه من الخدود، وقيل: نتفه، أو تغيره بسواد؛ فهذا الحديث ظاهره تحريم هذا الفعل والله -سبحانه- أعلم.
وقال أصحابنا: يباح للمرأة حلق وجهها وحفه، ونص الإمام أحمد على كراهة حف الرجل شعر وجهه، والحف: أخذه بالمقراض، والحلق بالموسى، فإذا كره الحف فالحلق أولى بالكراهة، ويكفي في ذلك أنه مخالف لسنة النبي ﷺ في قوله: "أعفوا اللحى" ٢، وفي الحديث الآخر: "وفروا اللحى، خالفوا المشركين" ٣.
ضياع العبادة مع الجهل
بسم الله، والحمد لله، وصلى -الله- على نبينا محمد.
سئل شيخنا عبد الله (أبا بطين) عن قول السيوطي على قوله –تعالى- في آخر سورة المائدة، من الجلالين: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤ قال: وخص العقل ذاته، فليس عليها بقادر، فأجاب: الظاهر أن مراده: أن الرب -سبحانه- يستحيل عليه ما يجوز على المخلوق من العدم والعيب والنقص، وغير ذلك من خصائص المخلوقين، فلكون ذلك يستحيل على ذات الرب -سبحانه- عبر عنه بأنه لا يدخل تحت القدرة، وأنا ما رأيت هذه الكلمة لغيره، والنفس تنفر منها.
وقد روي عن ابن عباس حكاية على غير هذا الوجه، وهو: أن الشياطين قالوا لإبليس: يا سيدنا، ما لنا
стр. 131
نراك تفرح بموت العالم ما لا تفرح بموت العابد؟ والعالم لا نصيب منه، والعابد نصيب منه، قال: انطلقوا إلى عابد، فأتوه في عبادته، فقالوا: إنا نريد أن نسألك، فانصرف، فقال إبليس: هل يقدر ربك أن يخلق مثل نفسه؟ فقال: لا أدري، فقال أترونه! لم تنفعه عبادته مع جهله، فسألوا عالما عن ذلك، فقال: هذه المسألة محال لأنه لو كان مثله لم يكن مخلوقا؛ فكونه مخلوقا وهو مثل نفسه مستحيل، فإذا كان مخلوقا لم يكن مثله، بل كان عبدا من عبيده. فقال: أترون هذا! يهدم في ساعة ما أبنيه في سنين. والله أعلم.
وقال –أيضا-: والذي ذكره السيوطي لفظ لم يأت في الكتاب ولا في السنة، ولا رأينا أحدا من أهل السنة ذكرها في عقائدهم، ولا ريب أن ترك فضول الكلام من حسن الإسلام، وهذه كلمة ما نعلم مراد قائلها: يحتمل أنه أراد بها معنى صحيحا، ويحتمل أن يراد بها باطل، فالواجب اعتقاد ما نطق به القرآن من أن الله على كل شيء قدير، وأنه إذا أراد شيئا قال له: كن، فيكون كما أراد، وأنه ليس كمثله شيء، فلا يكون شيء مثله وتقدس-.
وجواب العالم الذي قال: لا يكون المخلوق مثل الخالق جواب صحيح، لأنه الذي غاظ الشيطان، وهو نتيجة العلم، ويدل على أنه لو قال: قادر، أو غير قادر لم يكن جوابا صحيحا. وما ذكرنا من جواب هذا العالم فيه مشابهة لكلام السيوطي من بعض الوجوه.
واعلم أن طريقة أهل السنة أن كل لفظ لا يوجد في الكتاب ولا في السنة، ولا في كلام أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين، لا نفيه ولا إثباته، لا يثبت ولا ينفي إلا بعد الاستفسار عن معناه، فإن وجد معناه ما أثبته الرب لنفسه أثبت، وإن وجد مما نفاه
стр. 132
الرب عن نفسه نفي. وإن وجد اللفظ أثبت به حق وباطل، وكان مجملا يراد به حق وباطل، فهذا اللفظ لا يطلق نفيه ولا إثباته، وذلك كلفظ: الجسم، والجوهر، والجهة ونحوها.
وكره السلف والأئمة الكلام المحدث لاشتماله على كذب وباطل، وقول على الله بلا علم، وما ذكره السيوطي من هذا النوع. وضد القدرة العجز، وهل يسوغ أن يقال: إن الله عاجز عن كذا، وإنما يقال: إنه -سبحانه- يستحيل وصفه بما يتضمن النقص والعيب، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. اه.
نقلته من قلم تلميذ الشيخ عبد الرحمن بن مانع.
الأماكن التي يأتيها الأعراب بزعم شفائها للمريض والمبتلى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من جري بن فهد الصميت إلى الأخ في الله والمحب فيه الشيخ المكرم عبد الله بن عبد الرحمنأبا بطين) ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد) : منّ الله عليك، أسألك عما يوجد على هذه الأماكن التي ينتابها الأعراب ونحوهم، يزعمون أنها تعافي المريض والمبتلَى ونحوهم، مما سول لهم الشيطان، مثل: عبل الرياش بأعلى شعيب الشعرا، أو مثل شجرة خنوقه، وغار في حرة حرب ينتابها الأعراب بالمرضى، حتى ربما قربوا لها شيئا, من دم، أو طعام، أو شراب، أو متاع.
أما اللحم تبينا أنه يحرم أكله لأنه أُهِّل به لغير الله، لكن الطعام الذي غير اللحم المبتاع، والشراب من لبن ونحوه، هل يحل تناوله أم لا، وأكله وأخذ ما عليه؟ وأخبرني عن رجل حرم امرأته، ورجل حرم أمَته، هل حكم التحريمين واحد متفرق؟ لأن الله -تعالى- قال لنبيه في سورة التحريم:
стр. 133
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ١ في شأن أمته.
وفي "المنتقي" في الرجل الذي قال: "يا رسول الله إني حرمت امرأتي، فقال – ﷺ : كذبت إنها لم تحرم ولكن عليك أغلظ الكفارة: عتق رقبة"، أم هذه الكفارة مخصوص بها نبينا – ﷺ ؟ كذلك في حديث ابن عباس في "المنتقي" قال: إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها، وقال لكم في رسول الله (أسوة حسنة) متفق عليه.
بيّن لنا صفة الأمر- من الله عليك-. كذلك ذكر لنا بعض العوام، ينسبه عن بعض العلماء، قال: إذا بدأك رجل بتحية قبل السلام، فرد عليه أنت: وعليكم السلام، هل كان صحيح قوله، أم لا؟ وأخبرني –بارك الله فيك- عن الجعل على عقد النكاح، هل يحل، أم لا يحل قليل دون كثير؟ بين لنا -أثابك الله الجنة-.
كذلك رجل أوصى أخا له حين أراد الحج أن يهدي له سبعا من طوافه ونحوه، هل يصح له ذلك؟ وإذا ذكرت أمواتي، فدعوت لهم، أو أهديت لهم ركعتين نفلا، أو شيئا من تلاوة قرآن، ونحو ذلك؟ وسلم لي على العيال، والإخوان، ومن لدينا الجماعة يسلمون، والسلام.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وبعد ما ذكرت مما يطلبه الأعراب عند هذه المواضع التي يعظمونها، فما سوى الذبيحة أرجو أنه لا بأس به.
يمين الحرام
وأما تحريم الإنسان أمته، أو الطعام، والشراب، أو اللباس، ونحو ذلك، ففيه كفارة يمين.
أما تحريم الزوجة ففيه خلاف مشهور، وأقوال العلماء كثيرة: قيل طلاقُ ثلاثٍ، وقيل: طلقةٌ بائنةٌ، وقيل: يمين فيه كفارة، وقيل: ظهار فيه كفارةُ
стр. 134
الظهار، وهذا القول هو المشهور عند الحنابلة، والله أعلم.
أخذ الجعل على عقد النكاح
وأما أخذ الجعل على عقد النكاح فلا بأس به إذا أُعْطِيَ بغير شرط، فإن كان بشرط فلا أدري، وأنا أكرهه.
الرد على من بدأ بتحية قبل السلام
وأما من بدأ بتحية قبل السلام، فلا يرد عليه إلا مثل تحيته، أو يترك؛ لحديث: "من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه".
وأما بيع الخيل بالثاني١ فهو حرام، لا تجوز الشهادة عليه، ولا الكتابة بينهم.
إهداء ثواب العبادات لحي أوميت
وأما كون الإنسان يطوف ما أحب، ويهدي ثوابه لحي، أو ميت، فهو جائز، وكذلك لو صلى ركعتين، أو صام، وجعل ثوابه لغيره، جاز عند كثير من العلماء، وكذلك إهداء ثواب القراءة لميت، أو حي، وأفضل من ذلك: الدعاء لهم، والصدقة.
الذي له غنم ويفرقها فِرارا من الزكاة
وأما الذي له غنم، ويفرقها فِرارا من الزكاة، فلا تسقط الزكاة عنه، بل يجب عليه زكاة جميع ماله، ولا ينفعه فراره من الزكاة. فإن كان ماله متفرقا من غير قصد الفرار، وأن الذي هو معه يزكيه مع ماله، فلا بأس، والله أعلم. وَسَلِّمْ لنا على جميع من ذكرتَ، ومن لدينا العيال والإخوان يسلمون، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
قلب الدين على المعسر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى صالح العثمان -سلمه الله تعالى-.
وما ذكرت من حال المسألتين اللتين ذكرت، ما قلب الدَّيْن؟ فشيخ الإسلام –﵀ ذكر حكم القلب على المعسر في الصورة التي لا خلاف فيها، أي: عدم جوازها، وعلَّله بالإكراه، وأما غيرها من صور القلب التي
стр. 135
لا إكراه فيها، وربما يُجَوِّزُهَا مَن لا يمنع بعض الحِيَل من الحنفية، والشافعية، فلم يصرّح بها في الموضع، وكلامه معروف في إبطال الحيل، وصنَّف في ذلك كتابه المعروف، وهو قول الإمام مالك، والإمام أحمد، وأصحابهما، وقول أئمة الحديث.
وبعض أهل زماننا أخذ من قول الشيخ في المسألة: أنه إذا كان ذلك برضاء الغريم فلا بأس به، والذي نرى، ونفتي به –المنع في الصورة التي يسميها العامة التصحيح، فيما إذا كان لإنسان على آخر عشرة –مثلا- فقال: ما عندي ما أعطيك، ولكن يقول في لفظ العامة: أما أكتبها علي، فيقول: كَتْب الذي في الذمة لا يجوز، ولكن نصحح، اكتب عليك عشرة، توفيني بها، إذا قبضتها، أو يقول ذلك في العادة المستمرة.
والعرف المُطَّرِد كالتواطؤ أنه يرد عليه دراهمه في المجلس غالبا، فيكون ذلك في العادة مواطأة، والقابض للدراهم لا يتصرف فيها، فلا يصير ملكه تاما عليها، بل يردها عليه بعينها في الحال، فدراهمه رجعت إليه، ويصير رأس مال السلم الذي في الذمة، وربما يكون أصل الدين عشرة، فيصل بالقلب مرة بعد مرة إلى مائة، أو أكثر.
وذكر الإمام مالك ﵀ في "الموطأ" مسألة تشبه هذه المسألة، فقال: من اشترى طعامًا بثمن معلوم إلى أجل مسمًى، فلما دخل الأجل قال الذي عليه الطعام لصاحبه: ليس عندي طعام، فبعني الطعام الذي عليَّ إلى أجل، فيقول صاحب الطعام: هذا لا يصلح لأنه قد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يُسْتَوْفَى. فيقول الذي عليه الطعام لغريمه: فبعني طعاما إلى أجل حتى أقضيك، فهذا لا يصلح لأنه إنما يعطيه طعاما، ثم يرده إليه، فيصير الذهب الذي أعطاه ثمن الطعام الذي كان عليه، ويصير الطعام الذي أعطاه محللا فيما بينهما، ويكون ذلك -إذا فعلاه- بيع الطعام قبل أن يستوفى. انتهى.
وفي
стр. 136
مسألتنا تكون الدراهم للذي يعطيه، ثم يردها إليه وفاء محللا، ويكون رأس مال السلم في ذمة غريمه، هذا الذي يظهر لي، والله أعلم. وإن رأيت ذلك فتذكر لمن استنصحك، ولا تجادل، ولا تنازع.
ثم ذكر الشيخ المسألة الثانية، والجواب، وقد تقدمت مفردة، وهي: ما إذا كان لرجل على آخر ريالات، وأراد أن يعطيه عنها فضة، مثل الذي يسمى المجيديات ... إلى آخره، ثم قال ﵀: ونذكر لكم صورة من صور قلب الدَّين، ذكرها مالك في "الموطأ" يفعلها بعض الناس، إذا صار له على آخر مائة -مثلا- وطلبها منه، قال: ما عندي نقد، لكن بعني سلعة بثمن مؤجل.
كما يقول بعضهم: العشر اثنا عشر، فيبيعه سلعة بمائة وعشرين مؤجلة، تساوي مائة نقدا، ثم يبيعها المشتري، ويعطيه ثمنها مائة.
قال مالك ﵀ في الرجل: يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل، فإذا حلَّتْ، قال الذي عليه الدين: بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا بمائة وخمسين إلى أجل، قال مالك: هذا بيع لا يصلح، ولم يزل أهل العلم ينهون عنه.
قال: إنما كره ذلك لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه، ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكره له آخر مرة، ويزداد عليه خمسين دينارا في تأخيره عنه، فهذا مكروه لا يصح، وهو يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية أنهم كانوا إذا حلت ديونهم قالوا للذي حل عليه الدين: إما أن تقضي، وإما أن ترابي، فإن قضى أخذوا، وإلا زادوهم في حقوقهم، وزادوهم في الأجل. انتهى.
والسلف يعبرون كثيرا بالكراهة فيما هو محَرَّم عندهم، وقوله: إنما يعطيه ثمن ما باعه، يعني: أن مشتري السلعة يبيعها على غيره، ويعطيه ثمنها
стр. 137
مائة، وأخبر -رحمه الله تعالى- أن أهل العلم لم يزالوا ينهون عن ذلك، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا، آمين.
الموصى بوقفه إذا نما بعد الموت وقبل إبقافه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مسألة سئل عنها الشيخ عبد الله (أبا بطين) فوجدت ما هذه صورته بخطه، ولم أجد غيره من كلام السائل.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد) : الذي ذكرت وصل، ومن جهة الحجة فالذي بان لي من كلام العلماء -رحمهم الله تعالى- أن هالنخل وما حصل منه يُصْرَف كله في حِجَجٍ عن الموصِي، والله -سبحانه- أعلم.
ونصَّ الإمام أحمد ﵀ فيمن أوصى بدراهم في وجه البر، أو ليشتري بها ما يُوقف، فاتجر بها الوصي، فربحه مع أصل المال فيما أوصى فيه، ولا زكاة فيه، وإن خسر ضمن النقص، هكذا نص أحمد ﵀ نقله عنه جماعة من أصحابه.
وذكر الشيخ تقي الدين ﵀ غيره في الموصَى بوقفه: أنه إذا نما بعد الموت، وقبل إيقافه أن نماه يُصْرَف مصرف الوقف، والله أعلم، هكذا كلام السائل وجدناه.
وصية الميت بالحج عنه من ماله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد العزيز بن عبد الله بن مفدا إلى الأخ الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن ﵀. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد ذلك -مَتَّعَ الله بك- أوصت أمي بستة وعشرين ريالا، ثلاثة عشر لها حَجة، وحَجَّهَا خالي في حياتها، وأوصت لأمها بثلاثة عشر، ولا توفق لها حجة زمان توصي بها، وشرينا بهن نخلا، وجمعنا من غلته ما يَرْهَى على الحجة، أفتني -عفا الله
стр. 138
عنك، وثبتك بالقول الثابت. أخبرنا، وأيش نصنع بما فضل عقب الحجة؟ والسلام. أجابه الشيخ بما قدمنا أعلاه، والله أعلم.
حكم مال المسلم إذا استولى عليه الكفار
قال شيخنا عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى-: ما قولكم -دام فضلكم- في رجل مسلم، له ثمرة نخل أخذها جيرانه بدعوى أنهم اشْتَرَوْهَا من رجل آخر، اشتراها من إبراهيم باشا، وأقام صاحب الثمرة بينة أن هذا الرجل الذي باعها على جيرانه أنه استوهبها من الباشا، فوهبها له، والبينة تشهد بإقرار البائع لها، وكذلك تشهد البينة على إقرار المشترين الذين باشروا أخذها من رؤوس النخل، فما حكم ذلك؟ هل يرجع صاحب الثمرة على من أخذها وحدها؟ وهل تقبل بينتهم على الشراء من الباشا، مع بينة الإقرار بالهبة أم لا؟ حَقِّقُوا لنا الجواب، أثابكم الله تعالى.
فأجاب شيخنا عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) ، آتاه الله الأجر مرتين، وكبت شانئه في الدارين- الحمد لله رب العالمين.
لا بد من الكلام على أصل المسألة، وهو: ما حكم مال المسلم إذا استولى عليه الكفار، هل يملكونه بذلك، أم لا؟ وفي المسألة قولان مشهوران للعلماء، هما روايتان عن الإمام أحمد، حكاهما أكثر الأصحاب:
(أحدهما) : لا يملكونه بذلك، اختارها جماعة من الأصحاب، وهذا مذهب الشافعي. والرواية الأخرى: يملكونه، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وعلى هذا فهل يملكونه بمجرد الاستيلاء، أو بالحيازة إلى دارهم؟
(الثاني) قول أبي حنيفة، قال في "القواعد الفقهية": وهو المنصوص عن أحمد، قال في الفروع: نص عليه فيما بلغ به قبرس يُرَدُّ إلى أصحابه، ليس غنيمة، ولا يُؤْكل؛ لأنهم لم يحوزه إلى بلادهم، ولا إلى أرض هم أغلب عليها؛ ولهذا قيل له: أصبنا في قبرس من متاع
стр. 139
المسلمين، قال: يُعَرَّفُ.
وقال أبو العباس -رحمه الله تعالى-: لم ينص أحمد على الملك، ولا على عدمه، وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك، قال: والصواب أنهم يملكونها ملكا مقيدا، لا يساوي أملاك المسلمين من كل وجه. انتهى.
ولهذا إذا وجدها صاحبها قبل القسمة أخذها مجانا. ومن فوائد الخلاف في المسألة أن من أثبت الملك للكفار في أموال المسلمين، أباح للمسلمين إذا ظهروا عليها، قسمتها والتصرف فيها ما لم يعلموا صاحبها.
وأن الكافر إذا أسلم، وهي في يده، فهو أحق بها. ومن لم يُثْبت الملك لم يُجَوِّز قسمتها، وتوقف إذا جهل ربها. ولربه أخذه بغير شيء حيث وجده، ولو بعد القسمة، أو الشراء منهم، أو إسلام آخذه وهو معه، فيأخذه من مشتريه مجانا. فعلى القول بعدم الملك، ومقتضى اختيار أبي العباس أن الثمرة المذكورة باقية على ملك صاحبها، يرجع مجانا على من هي بيده. ومقتضى هذا القول -أيضا- أن صاحبها يُضَمِّنها مَن انتفع بها، إذا كانت تالفة.
وعلى القول الثاني يأخذها صاحبها ممن هي في يده مجانا، إن كان متهبا، وإن كان مشتريا أعطاه الثمن الذي اشتراها به. وإذا اختلفا في كونه مشتريا، أو متهبا، وأقام من هي في يده بينة أنه مشتر، وأقام صاحب الثمرة بينة أنه أقر أنه متهب، فالظاهر تعارض البينتين، ويصيران كمن لا بينة لهما، ويكون القول قول صاحب الثمرة بيمينه: أن من هي في يده متهب لأنه غارم، كالمذهب فيمن اشترى أسيرا مسلما من الكفار ببينة الرجوع، وتنازعا في قدر ما دفع فيه، أن القول قول الأسير لأنه منكر للزيادة، ولأنه غارم. وكلامهم هذا، واختلافهم -إنما هو في الكفار الأصليين.
وأما المرتدون، فكلامهم ﵏ صريح في أن حكمهم ليس كذلك، وأنهم لا يملكون ما استولَوْا عليه من أموال المسلمين، لأنهم صرحوا
стр. 140
إن المرتد إذا أسلم، وفي يده مال مسلم، أن صاحبه يأخذه مطلقا، ولم نَرَهُم ذكروا في ذلك خلافا، وإنما تنازعوا في تضمينه ما أتلفه حال ردته.
وفي تضمينه ذلك قولان، هما روايتان عن الإمام أحمد، والمذهب منهما عند أصحابه الضمان، ومن لم يُضَمِّنه علل ذلك: بأن في تضمينه تنفيرا له عن الإسلام، لم يعللوه بأنه ملكه. وقد أجمعوا أن الكافر الأصلي لا يضمن ما أتلفه حال كفره على القولين جميعا، أعني ملكه حال إسلامه وعدمه. ولم نعلم بينهم نزاعا في أن المرتد إذا أسلم يرد ما في يده من أموال المسلمين.
واختلفوا في الأصلي إذا أسلم، هل يُنْزَع ما في يده من أموال المسلمين؟ فظهر من كلامهم الفرق بين الأصلي والمرتد، وأن المرتد لا يملك مال المسلم بالاستيلاء. وعلى هذا: فمن انتقل إليه مال مسلم من مرتد بقهر، أو هبة، أو شراء، فصاحبه أحق به، إذا وجده بغير شيء، إذا ثبت ذلك فهؤلاء –العدوين- الذين استولوا على نجد وأهلها، من حكمنا بكفره منهم –فحكمه حكم المرتدين لا الأصليين؛ لأن دارهم دار إسلام، وحكم الإسلام غالب عليها، وإن كان الشرك موجودا فيه كثير. فهذا الذي نراه، ونعتقده، والله أعلم.
الرد على ما يقوله صاحب البردة في الرسول ﷺ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
منقول من البردة للبوصيري، وتشطيرها لداود بن سليمان بن جرجيس البغدادي، الداعي إلى الشرك، -عافانا الله والمسلمين مما ابتلاه به، وعصمنا من متابعة الهوى والشيطان -قال في حق الرسول ﷺ :
стр. 141
يا خير من يَمَّمَ العافون ساحته ... فحَصَّلُوا من نداه أوفر القسم
ومن رجاه فما إن خاب حيث أتى ... سعيا فوق متون الأينق الرسم
ومنها -أيضا- وتشطيرها لداود المذكور:
فإن لي ذمة منه بتسميتي ... كاسمه ذا مقام بالسعود سمي
شاركته بحروف الاسم حيث غدا ... محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم تكن في معادي آخِذًا بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم
أو شافعا لي مما قد جنيت غدا ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه ... فيرجعن منه صفر الكف ذا عدم
فلا يظن به تخييب ذا أمل ... أو يرجع الجار منه غير محترم
ومنها -أيضا- وتشطيرها لداود المذكور:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... عند الزحام إذا ما اشتد بي ندمي
إن لم تكن لي فمن أرجوه يشفع لي ... سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... وقد وسعت به للرسل والأمم
فانظر إليَّ بعين اللطف لا سيما ... إذا الكريم تحلى باسم منتقم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... حاشاك تبخل عني معدن الكرم
وكيف تغفل عن مثلي وتهمله ... ومن علومك علم اللوح والقلم
ونقلنا هذه الأبيات التي فيها من الشرك ما لا يخفى، إلا على من أعمى الله بصيرته، وطبع الله على قلبه، وأركسه بكسبه، وأرسلتها إلى شيخنا ناصر الكتاب والسنة، وقامع الشرك والبدعة، عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) -نصر الله به الوحيَيْن، وجعله ممن يُؤْتَى أجره مرتين- وسألناه: أيتعين علينا نصح مستصحبها، أم هجره، والتحذير عنه، بحسب
стр. 142
الإمكان، وكتب تحتها ما يكفي أقلُّ منه لمَن بصَّره الله، وعافاه من الهوى والتعصب، فجزاه الله عن المسلمين خيرا، وجعله ممن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، آمين.
أجاب -عفا الله عنه وأيده، آمين-: هذه الأبيات تتضمن تنْزيل الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- بمنزلة رب العالمين، إذ مضمونها: أن الرسول هو المسؤول المَرْجُوّ لكشف أعظم الشدائد، وهو عذاب الآخرة، وأن الدنيا والآخرة من جوده وأفضاله، وأنه يعلم الغيب، وهذه هي خصائص الربوبية، والألوهية التي جعلتها النصارى للمسيح ابن مريم، ففيه مصداق قول النبي ﷺ : "لتتبعن سَنن من كان قبلكم" ١.
وهؤلاء، وإن لم يقولوا: إن محمدا هو الله، لكن أثبتوا له خصائص الرب الإله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. فانظر قوله:
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم
وانظر قول الله -سبحانه- لنبيه محمد ﷺ قل يا محمد: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٢. وهذا الضال يزعم أن محمدا ينقذ مَن شاء مِن عذاب الله، وقال -تعالى- عن صاحب يس: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ ٣. ووازن بينه وبين البيت المذكور، وقوله: أو شافعا لي ... إلخ.
فالقرآن يخبر أن مَن أراده الله بضر فلا مُنْقِذ له، ولا شافع، وهذا يزعم أن الرسول ينقذ من عذاب الله، ويشفع فيمن عذَّبه الله، فأثبت هذين الأمرين اللذين نفاهما القرآن، فأيّ محادة للقرآن أعظم من ذلك؟!
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ٤. ونحو ذلك في القرآن كثير، وقال النبي – ﷺ :
стр. 143
"يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار ... ، إلى أن قال: يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا" ١.
وهذا المفتري يزعم أن النبي ينقذ مِن عذاب الله من شاء، فأي مشاقة لله ورسوله أعظم من هذا؟! وقال –سبحانه-: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ ٢. وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ ٣، أي: أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع، ولا دفع ضر، كالمملوك، إلا ما شاء الله مالكي من النفع لي، والدفع عني.
فكيف يجتمع في قلب عبدٍ الإيمانُ بما ذكرنا من الآيات، ونحوها من آي القرآن، وقوله – ﷺ لابنته: "أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لك من الله شيئا" ٤، كيف يجتمع الإيمان بذلك، والإيمان بقول الضال:
إن لم تكن في معادي آخِذًا بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم
ويزعم بعض المتعصبين لهم أن مرادهم بذلك طلب الشفاعة، فيقال: أولا: طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد موته ممتنع شرعا، وعقلا. وأيضا فالمستشْفِع يقول للمستشْفَع به: اشفع لي، ادع الله لي، لا يقول: أعطني كما كان الصحابة يقولون للنبي ﷺ في حياته: استسق لنا، استنصر لنا، لا يقولون: اسقنا، أو أغثنا، أو انصرنا على عدونا.
فمن استشفع بالنبي أو غيره إلى الله في جلب رزق، أو دفع ضر، أو دفعه، لا يقول: ارزقني أو اكشف ضري، بل يقول: ادع الله لي، وأيضا- فقول الناظم أولا:
إن لم تكن في معادي آخِذًا بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم
م قال: أو شافعا لي ... إلخ، فعطف
الشفاعة على الأخذ باليد والإنقاذ،
стр. 144
فالمعطوف غير المعطوف عليه، فهو يقول: إن لم يحصل منك إنقاذ بالفعل، فانزل إلى مرتبة الشفاعة، وحاشاك أن تُخَيِّبَ رجائي فيك. وقد أبطل -سبحانه- هذين الأمرين الذين تعلق بهما المشركون، كما في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ ١، فالولي هو: الناصر المعين بالقول، وهذا كثير في القرآن، يقرر أنه لا ولي من دونه، ولا شفيع من دونه.
وأما قوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
فجعل الدنيا والآخرة من عطاء النبي وأفضاله، والجود هو: العطاء والإفضال.
فمعنى الكلام: أن الدنيا والآخرة له ﷺ والله يقول: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ ٢ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى﴾ ٣، وأيّ غلو أكبر من هذا؟!
وكذا قوله:
.......................... ومن علومك علم اللوح والقلم فجعل ما جرى بالقلم السابق في اللوح المحفوظ بعض علوم محمد ﷺ ، والله -سبحانه- يقول: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٤.
ومقتضى قوله، بل صريح قوله: ومن علومك علم اللوح والقلم، أنه يجوز أن يقال: ومحمد يعلم ذلك، وأنه يجوز أن يقال: مفاتح الغيب لا يعلمها إلا الله ومحمد، وقال –سبحانه-: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٥، فيجوز عند الناظم أن يقال: لا يعلم مَن في السموات والأرض الغيبَ إلا اللهُ ومحمدٌ ﷺ وهذا صريح كلامه، وإن تأوله بعض المتعصبين بتأويلات بعيدة لا يحتملها اللفظ.
وقد قال -سبحانه- لنبيه:
﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ
стр. 145
الْغَيْبَ﴾ ١، وأن يقول: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ ٢، فقال ﷺ "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع"٣.
والآيات والأحاديث في هذا كثيرة مع أن هذا لا يحتاج إلى إقامة الأدلة على بطلانه؛ لأنه معلوم بالاضطرار من دين الرسل كلهم -أن الدنيا والآخرة لله وحده، وأنه لا يعلم الغيب إلا هو، ولقد أحسن القائل:
الحق شمسٌ والعيون نواظر ... ولا يخفى إلا على العُمْيَان
ويشبه قوله هذا قوله في الهمزية، في مخاطبته للنبي ﷺ إلى أن قال:
الأمان الأمان إن فؤادي ... من ذنوب أتيتهن هواء
فهذه علتي وأنت طبيبي ... وليس يخفى عليك في القلب داء
فانظر إلى طلبه الأمان من النبي ﷺ وقوله:
..........................
وليس يخفى عليك في القلب داء يزعم أن النبي ﷺ يعلم علل القلوب وأدواءها وأنه لا يخفى عليه ما في القلوب، وقد قال الله : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ ٤. وغير ذلك من أدلة الكتاب والسنة التي تدل على أنه ﷺ لا يعلم ما في القلوب إلا مِمَّا أطْلَعَهُ الله عليه، قال -تعالى-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ٥ أي: فإنه يُطْلِعه على ما يشاء من غيبه. والله المسؤول المرجو أن يهدينا إلى صراطه المستقيم، ويتوفانا مسلمين غير مُغَيِّرين، ولا مُبَدِّلين، وهو أرحم الراحمين.