← Акыда

Акыда · id 11213

رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت

عبيد الله السجزي

Полный текст (322 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاًً﴾ ١ فلمّا علمنا بوجود العقل قبل الإِرسال، وأن العذاب مرتفع عن أهله، ووجدنا من خالف الرسل والنصوص مستحقا للعذاب بينا٢ أن الحجّة هي ما ورد به السمع لا غير. وقد اتفقنا أيضاً على أن رجلاً لو قال: العقل ليس بحجّة في نفسه وإنما يعرف به الحجّة لم يكفر ولم يفسق، ولو قال رجل: كتاب الله سبحانه ليس بحجّة علينا بنفسه، كان كافراً مباح الدم.

стр. 107

فتحققنا أن الحجّة القاطعة هي التي (يرد) ١ بها السمع لا غير. ووجدنا أيضاً القائلين بالعقل المجرّد وأنه أوّل الحجج مختلفين فيه، كلّ واحد يزعم أنّ الحقّ معه وأنّ مخالفه قد أخطأ الطريق، ولا سبيل إلى من يحكم بينهم في الحال، وإنما الحاصل دوام الجدل المنهي عنه، ونجدهم أيضاً يقولون اليوم قولاً يزعمون أنه مقتضى العقل، ويرجعون عنه غدا إلى غيره، وما كان بهذه المثابة لا يجب أن يكون حجّة في نفسه. ووجدنا الكتاب المنزل غير جائز ورود النسخ عليه٢. وقد وجب (علينا) ٣ الإذعان له، والدخول تحت حكمه، فكانت الحجّة فيه لا في مجرّد العقل. وإنما ورد الكتاب بالتنبيه على العقل وفضله٤وبيّن أن من خالف الكتاب ممن لا يعقل٥ لأنّ العقل يقتضي قبول العبد من مولاه، وترك ظنه

стр. 108

له، ومصيره إلى طاعته ويحكم بقبح ما خالف ذلك. وفي هذا القدركفاية إن شاء الله تعالى. على أنّ الأشعري يزعم أن العقل لا يقتضي حسناً ولا قبيحاً١. وهذا لعمري مخالفة العقل عياناً، وسيأتي بيان ذلك في غير هذا الفصل٢ بمشيئة الله . وإذا ثبت ما قلناه زال شغبهم في أن العقل يقتضي ما يقولونه، لأنا لم نؤثر٣ باتباع عقل يخالف السمع، وسنذكر كذبهم في اقتضاء العقل ما صاروا٤ إليه بعد هذا٥ إن شاء الله هـ.

стр. 109

الفصل الثاني: في (بيان السنة ما هي؟ وبم يصير المرء من أهلها ؟) اعلموا رحمكم الله أنّ السنة في لسان العرب هي: الطريقة١ فقولنا: سنّة رسول الله ﷺ يعني: طريقته، وما دعا إلى٢ التمسك به ولا خلاف بين العقلاء في "أن"٣ سنّة الرسول ﵇ لا تعلم بالعقل وإنما تعلم بالنقل. فأهل السنة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح ﵏ عن الرسول صلى الله عليه وسلم٤ "أو"٥ عن أصحابه ﵃ فيما لم يثبت فيه نص في الكتاب ولا عن الرسول ﷺ / لأنهم ﵃ أئمة، وقد أمرنا باقتداء٦ آثارهم، واتباع سنّتهم وهذا أظهر من أن يحتاج

стр. 110

فيه إلى إقامة برهان. والأخذ بالسنّة واعتقادها مما لا مرية في وجوبه. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ١، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ ٢ وقال رسول الله ﷺ : " عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة " ٣ وقال عبد الله بن عمر ﵄ :

стр. 111

"من خالف السنّة كفر ":١ ٢.

стр. 112

وإذا كان الأمر كذلك فكلّ مدع١ للسنّة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك عُلِم صدقه، وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زأئغ وأنه لا يستحق أن يصغا٢ إليه أو (يناظر) ٣ في قوله، وخصومنا المتكلمون معلوم منهم أجمع اجتناب النقل والقول به بل تمحينهم٤ لأهله ظاهر، ونفورهم عنهم بين، وكتبهم عارية عن إسناد بل يقولون: قال الأشعري، وقال ابن كلاب، وقال القلانسي/ وقال الجبائي٥ فأقل ما يلزم المرء في بابهم أن يعرض ما قالوه على ما جاء عن النبي ﷺ ، فإن وجده موافقاً له

стр. 113

ومستخرجاً منه قبله، وإن وجده مخالفاً له رمى به١. ولا خلاف أيضاً في أن الأمة ممنوعون من الإحداث في الدين ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول ﷺ ، لا يسمى محدثاً بل يسمى سنّياً متبعاً، وأن من قال في نفسه قولا وزعم أنه مقتضى عقله، وأنّ الحديث المخالف له لا ينبغي أن يلتفت إليه، لكونه من أخبار الآحاد وهي لا توجب علماً وعقله موجب للعلم، يستحقّ أن يسمى محدثاً مبتدعاً، مخالفاً، ومن كان له أدنى تحصيل أمكنه أن يفرق بيننا وبين مخالفينا / بتأمل هذا الفصل في أوّل وهله (ويعلم) ٢ أن أهل السنّة نحن دونهم وأنّ المبتدعة خصومنا دوننا. وبالله التوفيق هـ.

стр. 114

الفصل الثالث: في التدليل على أنّ مقالة الكلابية وأضرابهم مؤدية إلى نفي القرآن أصلاً، وإلى التكذيب بالنصوص الواردة فيه والردّ لصحيح الأخبار ورفع أحكام الشريعة لا خلاف بين المسلمين أجمع في أن القرآن كلام الله ، وأنه الكتاب المنزل بلسان عربي مبين١ الذي له أوّل وآخر، وهو ذو أجزاء وأبعاض، وأنه شيء ينقري٢ ويتأتي أداؤه، وتلاوته. ثم اختلفوا بعد هذه الجملة: فقال أهل الحقّ. هو غير مخلوق، لأنه صفة من صفات ذاته، وهو المتكلم به على الحقيقة، وهو موصوف بالكلام فيما لم يزل٣.

стр. 115

وقال بعض أهل الزيغ: " هو مخلوق أحدثه في غيره وأضافه إلى نفسه"١. وقال آخرون٢ منهم: هو كلامه، ولا نزيد عليه، ولا نقول:

стр. 116

إنه مخلوق أو غير مخلوق. واتفق المنتمون إلى السّنة بأجمعهم على أنه غير مخلوق، وأنّ القائل بخلقه كافر، فأكثرهم قال: إنه كافر كفراً ينقل عن الملة، ومنهم من قال: هو كافر بقول غير الحق في هذه المسألة. والصحيح الأوّل، لأن من قال: إنه مخلوق صار منكراً لصفة من صفات ذات الله ، ومنكر الصفة كمنكر الذات، فكفره كفر جحود لا غير١.

стр. 117

وقال أبو محمّد بن كلاب ومن وافقه، والأشعري وغيرهم: "القرآن غير مخلوق، ومن قال بخلقه كافر إلا أن الله لا يتكلم بالعربية، ولا بغيرها من اللغات ولا يدخل كلامه النظم، والتأليف، والتعاقب، ولا يكون حرفاً ولا صوتاً "١.

стр. 118

فقد بان بما قالوه١ أن القرآن الذي نفوا الخلق عنه ليس بعربي، وليس له أوّل ولا آخر. ومنكر القرآن العربي وأنه كلام الله كافر بإجماع الفقهاء٢ ومثبت قرآن لا أوّل له ولا آخر كافر بإجماعهم، ومدعي قرآن لا لغة فيه جاهل غبي عند العرب، لأن القرآن اسم لكتاب الله العربي مختص به عند كثير من العلماء ولذلك لم يهمزه غير واحد من القراء والفقهاء وهو قول الشافعي٣ رحمة الله عليه٤ وقراءة

стр. 119

ابن كثير١ وغيره٢. وقالوا: " إذا قرأ القارئ قوله سبحانه ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ ٣ همز قرأت؛ لأنه مشتق من القراءة"٤. وعند بقية القراء والعلماء أن القرآن مهموز وهو اسم مشتق من قرأ قراءة وقرآناً، أو من ضم بعضه إلى بعض٥. والعقل غير (موجب) ٦ لتسمية صفة لله سبحانه قرءآناً بالاتفاق٧. وإنما أخذ هذا الاسم سمعاً والسمع قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ ٨،

стр. 120

وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ٣. وما لا يجوز أن يكون لغة لا يكون شعراً عند أحد، فلما نفى الله كون ما زعم كفار قريش أنه شعر٤ وأثبته قرآناً لم تبق شبهة لذي لبّ في أن القرآن المختلف في حكمه الذي أمر الجميع بالإيمان به هو كتاب الله سبحانه العربي، الذي علم أوّله وآخره، فمن زعم أن القرآن اسم لما (هو) ٥ غيره وخلافه دونه بان حمقه٦ ا. هـ. فإن أقرّ الأشعري ومن وافقه بأن القرآن هو الذي يعرفه الخلق

стр. 121

انتقض عليه قوله: إن الحرف والصوت لا مدخل لهما في كلام الله وقد أقرّ بأنه غير مخلوق، وإذا لم يكن مخلوقاً وكان حروفاً لا محالة كان إنكارهم للحروف بعد ذلك سخفاً. وإن زعموا أن القرآن غير الذي عرفه الخلق كفروا، ولم يجدوا حجّة على قولهم من عقل ولا سمع. وإن قالوا: إن القرآن اسم لكلام الله جملة، وجب أن تسمى التوراة والإنجيل١ والزبور٢ والقرآن، وصحف إبراهيم٣ وموسى أجمع قرءآناً، ووجب أن يكون المؤمن بالتوراة من اليهود مؤمناً بالقرآن وبما فيه، وغير جائز أن تؤخذ منه الجزية بعد وجوب الحكم بإيمانه. ثم قد أطلق الأشعري أن هذه التسميات لم يستحقها كلام الله / في الأزل، وإنما هي تسميات للعبارات المختلفة التي نزلت في الأزمان المتغايرة، وكلّ ذلك محدث فبين أن التوراة اسم الكتاب بالسريانية، وأنه

стр. 122

محدث، وأن القرآن اسم الكتاب بالعربية وأنه محدث١. فقوله: القرآن غير مخلوق مع هذا القول تلاعب. وقد ذكرنا في كتاب " الإبانة"٢ ضرباً مما ورد عن النبيّ ﷺ في هذا المعنى، وتكلمنا على صحيحه وغريبه، وأن أحداً من الأمة قبل خصومنا هؤلاء ما عرف قرءآنا ينقري ولا يدخله الحرف والصوت، والأشعري

стр. 123

أيضاً لم يعرف ذلك، وإنما حمله على ما قال التحير١ مع قلة الحيا، ألا ترى أنه يقول: " القراءة مخلوقة والمقروء بها صفة الله غير مخلوقة٢، والخلق بالاتفاق لا يتوصلون إلى قراءة ما ليس بحرف ولا صوت، فليس يكون مقروء البتة، فإن جاز كونه مقروءاً فهو حروف، وأصوات لا محالة، وإن لم يجز أن يكون حروفاً فمحال أن يصير مقروءاً، وهذا ظاهر لمن هدي رشده ". وأما رفع أحكام الشريعة، فلأنها إنما ثبتت بالقرآن فإذا كان الأشعري عنده القرآن غير هذا النظم العربي، وأهل الحل والعقد لا يعرفون ما يقوله ارتفعت أحكام الشريعة، ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد سورة من القرآن، أو آية منه، أو حرفاً متفقاً عليه فهو كافر٣. وفي هذا الإجماع تسويد وجه كلّ مخالف لنا وفيما ذكرت في هذا الفصل إشارات إذا تأملها ذو قريحة جرى في الميدان قوي الجنان. وبالله التوفيق.

стр. 124

الفصل الرابع: في (إقامة البرهان على أنهم مخالفون لمقتضى العقل بأقاويل متناقضة مظهرون لخلاف ما يعتقدونه) وأما مخالفتهم لمقتضى العقل، ونص الكتاب، قولهم: إنّ الله سبحانه أفهم موسى- عليه السلام١- كلامه بلطيفة أدرك بها موسى أنه كلامه بلا واسطة٢ والكلام قديم غير مخلوق. وقال أبو بكر بن الباقلاني٣: إنّ الله متكلم في الأزل، ولا يجوز أن يقال: إنه مكلِّم في الأزل٤.

стр. 125

وفي هذا الفصل تناقض؛ لأنّ الإِفهام من صفات الفعل، وأفعال الله تعالى محدثة ١ في غيره، فالكلام على هذا الأصل مخلوق محدث، وإذا لم يجز أن يقال: إنه مكلِّم في الأزل كان التكليم فعلاً لا غير، فيكون الكلام مخلوقاً. وأحد٢ ما استدل به العلماء على نفي الخلق عن كلام الله سبحانه قوله عزوجل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ٣ فقالوا: أتى بالمصدر ليعلم

стр. 126

أنه كلام من مكلِّم إلى مكلَّم. وقال نوح بن أبي مريم١ في تكليماً: (يعني المشافهة بين اثنين) ٢ وإن لم يكن هناك مشافهة، فالله تعالى قال لموسى ﵇: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ٣ والاستماع بين الخلق لا يقع إلا إلى صوت، وهو غير الإفهام؛ لأنّ الفهم يتأخر عن السمع. وقول الأشعري: "إنّ كلام الله شيء واحد، لا يدخله التبعيض"٤ فإذا قال إنّ الله أفهم موسى كلامه، لم يخل٥ أمر٦ من أن يكون قد أفهمه كلامه مطلقاً، فصار موسى ﵇ عالماً بكلام الله حتى لم يبق له كلام من الأزل إلى الأبد إلا وقد فهمه. وفي ذلك اشتراك مع الله في علم الغيب، وذلك كفر بالاتفاق.

стр. 127

وفيه أيضاً رد لقول الله : ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ١ فبيَّن أنّ الرسل ﵈ لا يعلمون ما في نفسه . والأشعري يقول:"إنّ الكلام معنى قائم بنفس ليس بلغة ولا حرف"٢ فإذا فهمه موسى صار عالماً لما في نفس الله، وذاك غير جائز بالاتفاق. ثم إذا لم (يكن) ٣ الكلام حرفاً ولا صوتاً، وكان معنى قائماً بالنفس فهو والإرادة شيء واحد٤ وإن قالوا: أفهمه ما شاء من كلامه، رجعوا إلى التبعيض الذي يكفِّرون به أهل الحق، ويخالفون فيه نص الكتاب حيث قال الله

стр. 128

سبحانه: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ ١ وقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ٢ والكتاب عند السلف هو القرءآن باتفاق المسلمين كلام الله٣ ويقولون في الظاهر للعوام: "قد سمع موسى كلام الله على الحقيقة٤ وكلامه ليس بصوت"٥. والعقل لا يقتضي أن يسمع بشر٦ مبقى على بنيته وعادته ما ليس

стр. 129

بصوت على الحقيقة. ويقولون١: " إنّ كلام الله لا يجوز وجوده بغير الله٢، ولا نزوله إلى محل٣، وهو يتلى ويقرأ، وليس بلغة ولا حرف وتلاوة بل لا وصول للخلق إليه ولا يوجد عندهم، ولا مدخل للحروف فيه"٤ (وهذا) ٥ ممتنع في العقل. واختلف قول الأشعري في كتبه٦

стр. 130

(في) ١ الناسخ والمنسوخ فقال في بعضها: "الناسِخ والمنسوخ في كلام الله على الحقيقة ". فإذا كان كلام (الله) ٢ عنده شيئاً واحدًا كان الناسخ هو المنسوخ لا فرق بينهما ولا...٣ من العقل ما يقوله البتة. وقال في بعضها: الناسخ والمنسوخ في كتاب الله دون كلامه٤ ففرق بين كتاب الله وكلامه، ونصوص القرآن تنطق٥ بأن كتاب الله كلامه، ألا ترى أن الجن قالت في ما أخبر الله سبحانه عنها: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ ٦ وفي موضع آخر: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ٧ فبيَّن ﷻ أنّ الكتاب هو القرءآن لا غير بتقريره ما قالوه وتركه النكير عليهم لوجود الاتفاق على أن مسموع الجن في هذه القصة شيء واحد

стр. 131

في دفعة واحدة، وإنما أخبر الله سبحانه عنهم في غيرسورة فقال في بعضها: القرءآن وقال في غير ذلك: الكتاب١ والقرءآن كلام الله بالاتفاق. واختلف قول الأشعري أيضاً في الإعجاز، فقال في موضع: الإعجاز يتعلق بهذا النظم، وليس ذلك بكلام الله ، وإنما هو عبارة عنه، وأما صفة الله تعالى فلا يجوز أن يقال: إنّ الخلق يعجزون عنها كما لا يجوز أن يقال: يقدرون عليها. فجعل المعجز غير القرءآن، وإجماع الأمة حاصل على أنّ القرءآن هو المعجز للكافة٢ فمن زعم أنه ليس (بمعجز والمعجز) ٣ غيره كان راداً لخبر الله سبحانه، وخارقاً للإِجماع، وذلك كفر. وقال في غير ذلك الموضع: (الإعجاز متعلق بكلام الله، وكلام الله شيء واحد لا سورة فيه ولا حرف) ٤.

стр. 132

وفي هذا القول تكذيب للنص وإحالة: فأما التكذيب فإن الله سبحانه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١ وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراًً﴾ ٢. فبيّن أنّ التحدي واقع إلى مثل كلامه القرءآن وإلى سورة منه، فقول الأشعري:

стр. 133

(إنّ المعجز هو الكتاب١ دون القرءآن) تكذيب للنص وخبره، وقوله: (إنّ المعجز هو الكلام وليس بسورة) تكذيب للنص أيضاً. والإِحالة هي في أنّ التحدي واقع إلى الإتيان بمثل ما يعلم ويعقل٢، ولو كان بخلاف ذلك لما صح جملة لأن العقل يقتضي أن (لا) ٣ يتحدى واحد إلى الإِتيان بمثل ما لا يدري ما هو، ولا يعقل معناه٤، ومثل ذلك إذا سيم٥ واحد كان لعباً وهزواً، والله سبحانه يتعالى عن ذلك علوأً كبيراً. وقال الأشعري: "إنّ الله سبحانه يرى يوم القيامة على الحقيقة" وأظهر الرد على من أنكرها. وأفصح في بعض كتبه (أنه يرى بالأبصار) ٦ وقال في موضع آخر:

стр. 134

(لا تختص الرؤية بالبصر١ ولا تكون عن مقابلة٢ لأنّ٣ ما يرى مقابلة كان جسماً) . فهو إذا قال: إنه يرى بالأبصار لم يجز في العقل أن تكون عن غير مقابلة، وإن قال إنّ الرؤية لا تختص البصر عاد إلى قول المعتزلة، وصارت الرؤية في معنىالعلم الضروري٤. وقد حكي عن بعض متأخريهم أنه قال: لولا الحياء من مخالفة شيوخنا لقلتُ إنّ الرؤية هي العلم لا غير٥. وهكذا قالوا في سماع موسى ﵇ كلام الله سبحانه إنه لم يخص الأذن٦، وإذا لم يخص بزعمهم الأذن لم يكن سماعاً؛ لأن هذه البنية

стр. 135

مجبولة١ على أنها لا تسمع إلا بالأذن. والمقابلة لا تقتضي التجسيم كما زعموا؛ لأن المرئيات في الشاهد لا تخرج عن أن تكون جسماً أو عرضاً على أصلهم، والله سبحانه باتفاقنا مرئي. وليس بجسم٢ ولا عرض، وإذا صح ذلك، جاز أن يرى عن مقابلة، ولا يجب أن يكون جسماً. وقد نص مالك بن أنس٣ ﵀، وغيره من الأئمة ﵏ على أنّ الله سبحانه يرى يوم القيامة بالأبصار٤.

стр. 136

وزعموا أنّ كلام الله مكتوب في المصاحف (على) ١ الحقيقة وليس بحروف٢.

стр. 137

والعقل لا يقتضي وجود مكتوب عارياً عن الحروف، وقالوا: ينبغي أن يكون كلام الله بخلاف كلام غيره. ثم قالوا: (كلامه) ١، (و) ٢ كلام غيره معنى قائم في النفس٣.

стр. 138

فرفعوا ما أوجبوه من الخلاف١، وهذا تناقض. وقالوا: إثبات الحروف في كلام الله تشبيه، ثم قالوا: (كلام الله وكلام غيره لا حروف فيهما) فافصحوا بالتشبيه٢. ولو كان قولنا: إن الكلام لا يعرى عن الحروف تشبيهاً، مع كون الكتاب دالا على صحة قولنا، وكذلك الأثر، وكلاّ أن يكون كذلك، لكان تشبيهم أفظع وأشنع، فإنهم زعموا أنّ كلام الله لا حرف فيه ولا صوت، وكلام الله وذو النحل٣ وساير الحكل٤ لا حرف فيه ولا صوت فشبهوا كلام الله

стр. 139

بكلام الحكل، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وقد اتفقت الأئمة على أنّ الصفات لا تؤخذ إلا توقيفاً، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف. فقول المتكلمين في نفي الصفات أو إثباتها بمجرد العقل أو حملها على تأويل مخالف للظاهر ضلال. ولا يجوز أن يوصف الله سبحانه (إلا) ١ بما وصف به نفسه أو وصفه٢ به رسوله صلى الله عليه وسلم٣ وذلك إذا

стр. 140

ثبت الحديث١ ولم يبق شبهة في صحته.

стр. 141

فأما ما عدا ذلك من الروايات المعلولة والطرق الواهية، فلا يجوز أن يعتقد في ذات الله سبحانه ولا في صفاته ما يوجد فيها١ باتفاق العلماء للأثر٢. ومخالفة الأشعري وأضرابه للعقليات، ومناقضتهم تكثر ولعل الله سبحانه يسهل لنا جمع ذلك في كتاب بمنه، وإنما أشرنا هاهنا إلى يسير منه وفيه مقنع إن شاء الله تعالى. وأما تظاهرهم بخلاف ما يعتقدونه كفعل الزنادقة ففي إثبات أن الله سبحانه استوى على العرش، ومن عقدهم: أنّ الله سبحانه لا يجوز أن يوصف بأنه في سماء ولا في أرض، ولا على عرش ولا فوق٣.

стр. 142

وقد ذكر ابن١ الباقلاني: "أن الاستواء فعل له أحدثه في العرش"٢ وهذا مخالف لقول علماء الأمة، وقد سئل مالك بن أنس رحمة الله عليه عن هذه المسألة فأجاب: "بأن الاستواء غير مجهول، والكيفية غير معقولة، الإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة"٣.

стр. 143

قال الله سبحانه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١ وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ٢ وقال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٣ وقال: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٤ وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ﴾ الآية٥ والآية التي بعدها٦. وقال النبي ﷺ : "ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا – حتى ذكر سبع سماوات- وفوق ذلك بحر ما بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ذلك ثمانية أوعال٧ كواهلهم تحت عرش الرحمن، وأقدامهم تحت الأرض السابعة السفلى، وفوق ذلك العرش، والله (سبحانه)

стр. 144

فوق ذلك". (أخرجه) ١ أبو داود٢ في كتاب السنن عن أبي هريرة٣ ٤

стр. 145

وجبير بن مطعم ١ ٢ وغيرهما٣ عن النبي ﷺ هذا المعنى والطرق مقبولة٤
следующие страницы →