قيمته العلمية:
يقدم لنا الكتاب دراسة علمية جيدة حول مسألة من أهم المسائل التي دار حولها جدل كبير بدءاً من أوائل المائة الثالثة من الهجرة. وهي: هل كلام الله بحرف وصوت كما يقول السلف وكما دلت عليه الآثار، أم إن كلامه سبحانه ليس بحرف ولا صوت وإنما هو كلام نفسي قائم بذات الله كما يقول ابن كلاب ومن وافقه.
وهذا الكتاب من كتب أئمة الحديث النادرة التي وصلت إلينا في هذا الباب، فمؤلفه علم من أعلام السنة، وإمام من أئمة علماء الحديث والأثر، ولقد أجاد إذ أفرد القول في هذه المسألة وأورد من الآيات والأحاديث والآثار من أقوال السلف ما يكفي ويشفي طالب الحق.
وفند أقوال المخالفين ودلل على فسادها ومناقضتها للعقل والسمع جميعاً وبين أنها مؤدية إلى القول بخلق القرآن وموافقة المعتزلة في ذلك.
ولقد أدرك شيخ الإسلام ابن تيمية أهمية هذا الكتاب في بابه فأفاد منه واعتمد عليه واقتبس منه نصوصاً كثيرة في عدد من مؤلفاته وفتاواه وقد سبقت الإشارة إلى هذه الكتب وإلى النصوص المقتبسة فيها عن كتاب الرد هذا.
فقد أصبح إذاً، هذا الكتاب مصدراً ومرجعاً في بابه أفاد منه من جاء بعده وفى ذلك دلالة على مكانته وقيمته العلمية.
стр. 72
نقد الكتاب والمآخذ على المؤلف فيه:
من أهم المآخذ التي تؤخذ على المؤلف في هذا الكتاب: الأمور التالية:
أولاً: عدم ذكره لأسماء كتب المخالفين التي ينقل عنها حيث كان يكتفي بقوله: وقال الأشعري في بعض كتبه، أو قال الأشعري، أو قال الباقلاني ولو ذكر أسماء هذه الكتب التي نقل عنها، لأعطى كتابه هذا قيمة علمية أكبر، ولوفر عليَّ الكثير من الجهد الذي بذلته في تلمس مصادر النقول التي أوردها عن الأشعري أو الباقلاني أو غيرهما.
ثانياً: حدّته في الكلام على خصومه ومخالفيه، يتجلى ذلك في وصفه إياهم بأوصاف قاسية ترك مثلها أولى. لكن إذا عرف أن دافعه إلى ذلك غيرته على عقيدته وحماسه في الدفاع عن الأثر وأهله ربما عذر أو التمس له العذر. من تلك الأوصاف قوله عن ابن كلاب والقلانسي والصالحي والأشعري وأقرانهم: بأنهم (أخس حالا من المعتزلة) ١.
ومن ذلك رميه خصومه بالجنون في قوله (ولكن لما عدم من ينظر في أمر المسلمين محنا بالكلام مع من ينبغي أن يلحق بالمجانين) ٢.
ومن ذلك وصمه الأشعري بأنه قليل الحياء حيث قال: " وإنما حمله
стр. 73
- أي الأشعري - على ذلك التحير مع قلة الحياء"١.
ونحو ذلك من العبارات والألفاظ، التي كان تركها وتجنبها أولى، ونحن مأمورون بالمجادلة بالتي هي أحسن فالله يقول: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فإنه أدعى لتفهم الخصم وجهة نظر خصمه وأحرى بتقبله الحق وانقياده له٢.
стр. 74
الفصل الثاني: التعريف بالمخطوطة
مصدر النسخة الخطية وانفرادها:
اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على مصورة نسخة واحدة فريده وهي نسخة خطية بالمكتبة السعيدية بحيدر آباد في الهند، مصنفة في علم الكلام تحت رقم ٢٢٦، وهي مصورة بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإِسلامية ضمن مجموع برقم (٨٣٤) ميكروفلم يحتوي على ثلاثة كتب الأول بعنوان (متعة الأريب لابن القصار) ويقع في مائة واثنتي عشرة ورقة والآخر بعنوان (الثبات عند الممات) لابن الجوزي، ويقع في (٥٨) ثمان وخمسين ورقة، والثالث: هو الكتاب الذي نحققه ويقع في أربع وخمسين ورقة، ولم تتعرض كتب تاريخ التراث أو كتب فهارس المكتبات لذكر هذا الكتاب حتى النسخة السعيدية المعتمدة في التحقيق، لم يشر إليها.
الاسم المثبت على غلافها:
مكتوب على الصفحة الأولى (جزء فيه الرد على من أنكر الحرف والصوت تأليف الشيخ الإِمام الحافظ أبي نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوايلي السجستاني رحمه الله تعالى) .
ومكتوب على اللوحة الثانية (ب) (الرد على من أنكر الحرف والصوت تأليف الحافظ الإمام أحد فحول أهل السنة أبي نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوايلي السجستاني ﵁، وفي شقها الآخر (آ) أبيات شعر للخطيب أبي البقاء يحي بن سلامه الجمكفي.
стр. 75
فيظهر أن العنوانين لنسختين. ذلك أن العنوان الأول على اللوحة الأولى بخط: (هبة الله بن أبي علي بن عبدوس الحراني) والعنوان على اللوحة الثانية مغاير مكتوب في الركن الأيسر من أعلاها عبارة (نقلها جميعها مع اسم هذه النسخة محمد بن عبد الله بن المحب سامحه الله) .
ويبدو أنه لم يبق من النسخة الثانية إلا الورقة التي كتب عليها اسم النسخه، والله تعالى أعلم.
ناسخها:
مكتوب على الورقة الأولى كما ذكرت: اسم كاتب النسخة، وصورة ما كتب هكذا (مالكه كاتبه هبة الله بن أبي علي بن عبدوس الحراني غفر الله له ولجميع المسلمين) .
وعلى الورقة الثانية التي تحمل اسم النسخة كما مرّ مكتوب عبارة: (نقلها جميعها مع اسم هذه النسخة محمّد بن عبد الله بن المحب سامحه الله) .
لكن الذي تبين لي من خلال مقارنة الخطوط: أن النسخة بكاملها بخط الناسخ الأوّل، لأنه الذي نسخ كتاب الثبات عند الممات لابن الجوزي) الذي هو وكتابنا هذا في مجموع واحد. فقارنت الخط في كتاب (الثبات) بالخط في (كتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت) فإذا به بيد ناسخ واحد هو هبة الله.
تاريخ النسخ:
لم يدون الكاتب تأريخ النسخ على هذا الكتاب، لكن وجدت في آخر: (كتاب الثبات عند الممات) : ونقله صاحبه هبة الله بن أبي عليّ بن
стр. 76
عبدوس ثالث شهر رمضان من سنة سبع وستمائة) .
وعليه نستطيع الجزم بأن الكتاب نسخ في أوائل القرن السابع الهجري، ذلك إذا لم نقل إن تأريخ النسخ هو واحد للكتابين. وهو الذي أرجحه، لاقتران الكتابين في مجموع واحد، بخط ناسخ واحد. والله تعالى أعلم.
سند النسخة:
ورد ذكر سند النسخة في أوّل الورقة (٣-آ) في أوّل الكتاب، ونصّه:
أخبرنا الشيخ الإمام أبو محمّد المغدي بن عبد الله الأيوبي١ قلت: أخبركم الشيخ الإمام العارف أبو محمّد المبارك بن المبارك بن عليّ بن نصر السراج٢ قراءة عليه وأنا أسمع يوم الجمعة سادس عشر ذي الحجة سنة خمسين وخمسمائة، قال: أخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسن أحمد بن عبد القادر بن محمّد بن يوسف بن محمّد الأصبهاني٣. قال: ناولني الشيخ
стр. 77
العالم أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوايلي السجستاني الحافظ ﵀ .
عدد الأوراق:
تقع هذه النسخة في أربع وخمسين ورقة، الورقتان الأولى والثانية عليهما اسم الكتاب، ويبدأ نصّ الكتاب من الورقة (الثالثة) بذكر سندها كما تقدم.
عدد الأسطر والكلمات في كل سطر:
عدد الأسطر في كل صفحة يتراوح ما بين أحد عشر سطراً وستة عشر سطراً، بينما يتراوح عدد الكلمات في كل سطر من ست إلى تسع كلمات.
نوع الخط ووصفه ونماذج منه:
وخطها: نسخي جيد، منقوط، وقد يهمل النقط أحياناً، كما يهمل الهمزة في جميع المواضع ويبدلها ياء أو ألفاً أو واواً حسب المقام.
وإليك بعض النماذج لذلك:
الرد على الزائغين: الرد على الزايغين
قائم: قايم
الرأي: الراي
وتكثر فيها التحريفات والتصحيفات، وبعض الأخطاء الإِملائية والنحوية، رغم أن النسخة مقابلة كما تشير إلى ذلك علامات المقابلة التي أثبتت في النسخة، وقد قام الناسخ بتصحيح بعض الأخطاء وإلحاق بعض
стр. 78
الكلمات الساقطة في الهامش، وأشار إليها بعلامة لحق. ومع ذلك فقد فاته كثير.
السماعات والتملكات:
لا يوجد سماعات على النسخة أما التملكات: فقد كتب على الورقة الأولى العبارة التالية: (مالكه كاتبه هبة الله بن أبي علي بن عبدوس الحراني١ غفر الله له، ولجميع المسلمين) .
وعلى الورقة الثانية، التي أشرنا إلى أنها تحمل اسم النسخة بخط مغاير، كتب في أعلى الورقة من جهة الشمال عبارة (نقلها جميعها مع اسم هذه النسخة محمد بن عبد الله بن المحب) ٢.
وكتب تحت اسم النسخة مباشرة كلمة (وقف)
وتحتها: عبارة: نظر في هذا الكتاب المبارك أحمد بن حسن بن أحمد ابن حسن بن عبد الهادي المقدسي٣ (سامحه الله) وفوقها: توقيعه.
стр. 79
الفصل الثالث: منهج التحقيق والصعوبات التي واجهتها والرموز والمصطلحات التي استعملتها فيه .
منهج التحقيق:
أوّلاً: ضبط النص وتقويمه.
قمت بقراءة النص قراءة سليمة صحيحة وصححت ما اعتراه من تصحيف، أو تحريف وأكملت ما سقط منه، وأضفت وحذفت ما اقتضى السياق إضافته أو حذفه، من كلمة أو حرف. مستعيناً في ذلك بكتب التراجم، ومعاجم اللغة، والكتب ذات العلاقة بمادة الكتاب. وذلك نظراً لانفراد النسخة الخطية التي اعتمدت عليها.
وقد أثبت ما رأيته صواباً في الصلب بين حاصرتين، ونبهت عليه في الحاشية. هذا إذا كنت قاطعاً بخطأ ما أثبته الناسخ. أما إذا لم أقطع بذلك أو كانت الكلمة محتملة فأتركها في الصلب كما هي وأنبه على الاحتمال الآخر في الحاشية.
قمت بضبط بعض الكلمات اللغوية والأعلام التي توقعت أن تلتبس على القارئ أو تشكل عليه.
ثانياً: تغيير رسم بعض الكلمات طبقاً للرسم المستعمل في الوقت الحاضر وذلك على النحو التالي:
أهمل الناسخ نقط الكثير من الكلمات فقمت بنقطها.
كتب الناسخ بعض الأعلام بحذف حرف أو أكثر فقمت بكتابة العلم طبقاً للرسم المستعمل.
وذلك نحو: مالك، والحارث. رسمها الناسخ هكذا (ملك- الحرث)
стр. 80
درج الناسخ على إهمال الهمزة وتسهيلها وذلك كثير في الكتاب، فقمت برسم الكلمة بإثبات الهمزة موافقة للرسم الحاضر أيضاً. وذلك نحو:
مسألة، الأوائل، الفؤاد، المبتدئين، أئمة.
رسمها الناسخ: مسلة، الاوايل، الفواد، المبتدين، أيمة.
ثالثاً: التخريج:
عزوت الآيات القرآنية إلى سورها وأشرت إلى رقم الآية. ووضعت الآية بين قوسين.
خرجت الأحاديث النبوية والآثار، وذلك بالإِشارة إلى مظانها من كتب السنة، وربما نقلت ما قاله بعض أهل العلم في الحكم على الحديث أو الأثر. وقد جعلت الأحاديث والآثار بين قوسين.
خرجت أبيات الشعر الواردة في النص.
اجتهدت في تخريج النصوص والأقوال التي أوردها المصنف وعزاها للأشاعرة والكلابية مثلاً، وذلك بالرجوع إلى كتب الأشعري وابن الباقلاني وغيرها من كتب الأشاعرة.
وربما نقلت النصوص أو الأقوال المشابهة أو المماثلة لما نقله أو المخالفة لما أورده، وأثبتها في الحاشية للمقارنة وقد أكتفي بالإِشارة إلى مظان النص بذكر الكتاب والجزء والصفحة، وإذا لم أجد النص قلت: لم أجد ذلك فيما وقفت عليه من كتبه أو كتبهم، ولعله فيما لم أقف عليه أو لم يبلغنا منها.
стр. 81
أشرت إلى النصوص التي اقتبستها المصادر اللاحقة عن الكتاب وقابلتها وأثبت الاختلافات في الحاشية.
رابعاً: التعريف بالأعلام وغيرها:
قمت بتحرير ترجمة موجزة لجميع الأعلام الوارد ذكرهم في الرسالة، مترجما للعلم عند أول ذكر له، وقد أشير إذا تكرر لمكان ترجمته.
عرفت بالأماكن والبقاع التي وردت في النص.
شرحت بعض الألفاظ والمصطلحات الغريبة بالرجوع لقواميس اللغة وكتب غريب الحديث وغيرها.
خامساً: التعليق على النص ووضع العناوين:
لما كان الكتاب يبحث في أمور العقيدة وتطرق لكثير من مسائلها، فقد اقتضى الأمر أحياناً أن أعلق بتعليق يقتضيه المقام لإيضاح مراد المؤلف أو بيان الحقيقة، وربما خالفت المصنف فيما ذكر إذا كان ينقصه الدليل، أو لا يؤيد ما ذهب إليه.
ذكرت اسم كل فصل في بدايته، نقلت ذلك من مقدمة المؤلف الذي اكتفى بذكر أسماء الفصول في المقدمة، ولم يذكر اسم كل فصل في أوله.
ووضعت إشارة في الهامش للتنبيه على بداية الكلام في كل صفحة من المخطوطة وذلك نحو: (٥- آ) الرقم يشير إلى رقم الورقة والحرف يشير إلى الصفحة.
стр. 82
سادساً: قمت بدراسة عن المؤلف والكتاب، وجعلتها في بابين:
الباب الأول: في التعريف بالمؤلف. ترجمت له، ودرست حياته العلمية وثقافته.
والباب الثاني: في التعريف بالكتاب ووصف المخطوطة. وقد تقدم تفصيل ذلك في المقدمة.
سابعاً: وضع الفهارس:
وضعت الفهارس التفصيلية للكتاب تسهيلاً على القارئ الكريم ورغبة في أن يدرك بغيته منه بيسر وسهولة. فصنعت الفهارس التالية:
١- فهرساً للآيات القرآنية.
٢- فهرساً للأحاديث والآثار ورمزت للأثر أمامه بحرف (ث) .
٣- فهرساً للأبيات الشعرية.
٤- فهرساً للأعلام ورمزت لمكان الترجمة بحرف (م) أمام رقم الصفحة المترجم للعلم فيها.
٥- فهرساً للكتب التي ورد ذكرها في صلب الكتاب.
٦- فهرساً للأماكن والبقاع والبلدان.
٧- فهرساً للفرق والطوائف والمصطلحات.
٨- فهرساً للغريب.
٩- فهرساً للمراجع.
١٠- فهرساً لموضوعات الكتاب.
стр. 83
الصعوبات التي واجهتها في التحقيق:
لا أريد أن أطيل الحديث في ذلك وإنما أشير إلى أهم هذه الصعوبات. فأهمها:
١- انفراد النسخة، وكثرة الأخطاء اللغوية والإملائية، مع وجود بعض السقط. والاضطراب في بعض العبارات. وقد اجتهدت في تقويم النص حسب استطاعتي كما ذكرت ذلك في منهج التحقيق.
٢- عدم ذكر المؤلف لمصادر الأشاعرة التي نقل منها أقوالهم، وقد وجدت صعوبة بالغة في استخراج ذلك من كتبهم المتوفرة، والكثير مما عزاه لأبي الحسن الأشعري ليس في كتبه التي وصلت إلينا.
الرموز والمصطلحات المستعملة في التحقيق:
استعملت في الدراسة والتحقيق بعض الرموز والمصطلحات التي تعارف الكثير من المحققين على استعمالها من باب الاختصار وذلك كما يلي:
خ: للبخاري
م: لمسلم
ت: للترمذي
د: لأبي داود
ن: للنسائي
جه: لابن ماجه
стр. 84
حم: لأحمد في المسند
ط: الموطأ
دي: الدارمي. وقد استعمل (مي)
ب: لكتاب (بيان تلبيس الجهمية) لابن تيمية.
درء: لكتاب (درء تعارض العقل والنقل) لابن تيمية
ولم استعمل الرمز لهذين الكتابين إلا عند مقابلة النصوص التي اقتبسها ابن تيمية عن المؤلف. أما عند الاستفادة منهما كمراجع فأذكرهما باسميهما صراحة.
стр. 85
الباب الثالث: الكتاب المحقق
مقدمة المؤلف
...
القسم الثاني: الكتَاب المُحقَّق
بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين
أخبرنا الشيخ الإمام أبو محمد (المغدى) ١ بن عبد الله الأيوبي، قلت: أخبركم الشيخ الإمام العارف أبو محمد المبارك بن المبارك بن علي ابن نصر السرّاج، قراءة عليه وأنا أسمع، يوم الجمعة سادس عشر ذي الحجة من سنة خمسين وخمسمائة، قال: أخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسين أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف بن محمد الأصفهاني٢ قال: ناولني الشيخ العالم أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوايلي السجستاني٣ الحافظ ﵀. قال:
(مقدمة المؤلف)
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله أجمعين.
أما بعد:
فقد ذُكر لي عنكم، وفقنا الله وإياكم لمرضاته وقوفكم
стр. 86
على كتاب (الإبانة) ١ الذي ألفته في الرد على الزائغين٢ في مسألة القرآن، وأنكم وجدتم المخالفين ببلدكم٣/ يشغبون٤ عند ذكر الحرف والصوت، وأنه قد صعب عليكم تجريد القول فيهما، واستخراج ذلك من الكتاب لكثرة الأسانيد المتخللة٥ للنكت التي تحتاجون إليها، وسألتم إفراد القول في هذا الفصل بترك الأسانيد، ليسهل عليكم الأخذ بكظم٦
стр. 87
المخالف، (ورد الإِسناد معه) ١ وسامحت نفسي٢ بذلك، رجاء وصولكم إلى طلبتكم، وحصول العلم لكم بفساد مذهب الخصم، والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
اعلموا- أرشدنا الله وإياكم- أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نِحَلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب٣
стр. 88
والقلانسي١ والصالحي٢ والأشعري٣. وأقرانهم الذين يتظاهرون
стр. 89
بالرد على المعتزلة١ وهم معهم بل أخس حالاً منهم في الباطن في أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق٢ وإن اختلفت به اللغات.
وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات٣ وقالوا: الكلام حروف متسقة، وأصوات مقطعة.
وقالت العرب٤: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى [٤ – أ] فالاسم
стр. 90
مثل: زيد، وعمرو، وحامد، والفعل مثل: جاء، وذهب، وقام، وقعد، والحرف الذي يجيء لمعنى مثل: هل، وبل، وما شاكل ذلك.
فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفاً وصوتاً١ فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة، ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعماً منهم أنها أخبار آحاد، وهي لا توجب علماً٢ وألزمتهم المعتزلة أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف، وصوت، ويدخله التعاقب، والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض، وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله، لأن ذات الله سبحانه لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض، والحركة والسكون. وحكم الصفة الذاتية حكم الذات.
قالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله سبحانه خلق له أحدثه وأضافه إلى نفسه. كما تقول: عبد الله، وخلق الله وفعل الله.
فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإِلزام/ لقلة معرفتهم بالسنن، وتركهم قبولها وتسليمهم العنان٣ إلى مجرد العقل، فالتزموا ما
стр. 91
قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العِيان١ وخرقوا الإِجماع المنعقد بين الكافة المسلم والكافر. وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما يسمى ذلك كلاماً على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم٢.
فمنهم من اقتصر على (هذا) ٣ القدر، ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد فزاد فيه ما ينافي السكوت والخرس والآفات المانعة من الكلام٤.
ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله سبحانه تجسيم. وإثبات اللغة فيه تشبيه.
وتعلقوا بشبه٥ منها: قول الأخطل٦:
стр. 92
إن البيان١ من الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلاً٢
فغيروه وقالوا:
إن الكلام من الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الكلام دليلاً٣
стр. 93
وزعموا أن لهم حجة على مقالتهم في قول [٥-أ] الله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ١ وفي قوله : ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ
стр. 94
وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً﴾ ١.
واحتجوا بقول العرب: ":أرى في نفسك كلاماً، وفي وجهك كلاماً" ٢.
فألجأهم الضيق مما يدخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم، ولهم في حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم متكلمون به، ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام، وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه.
ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله لم يناظر بل يجانب، ويقمع، ولكن لما عدم من ينظر في أمر المسلمين محنّا ٣ بالكلام مع من٤ ينبغي أن يلحق بالمجانين.
وأصل٥ تلبيسهم على العوام وتموههم ٦ على المبتدئين هو أن
стр. 95
الحرف والصوت لا يجوز أن يوجدا١ إلا عن آلة وانخراق مثل: الشفتين [٥-ب] والحنك٢ وأن لكل حرف مخرجاً معلوماً، وأن الله سبحانه ليس بذي أدوات بالاتفاق، فمن أثبت الحرف والصوت في كلامه فقد جعله جسماً ذا أدوات، وهو كفر٣ قال الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٤ فيجب أن لا يكون ككلامه كلام.
ونفوس ذوي النقص مسرعة إلى قبول هذا التمويه، يظنون أن في ذلك تنزيها لله سبحانه والأمر بخلاف ذلك.
وزاد علي بن إسماعيل الأشعري في التمويه فقال: "قد أجمعنا على أن لله سبحانه سمعاً، وبصراً، وكلاماً، ووجهاً، واتفقنا على أن سمعه بلا انخراق، وبصره بلا انفتاح، ووجهه بلا تنضيد٥ فوجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت"٦ وقالوا جميعاً: إن أحداً من السلف لم يقل إن كلام الله حرف وصوت، فالقائل بذلك محدث، والحدث في الدين
стр. 96
مردود١ والأشعري خاصة أضرب٢ قوله في هذا الفصل فقال في بعض كتبه [٦-أ] : "كلام الله ليس بحرف ولا صوت كما أن وجهه ليس بتنضيد وكلام كلّ متكلم سواه حرف وصوت"٣.
وقال في غير ذلك من كتبه: "الكلام معنى قائم بنفس المتكلم كائناً من كان ليس بحرف ولا صوت"٤.
وإثبات قولين مختلفين في باب التوحيد، وإثبات الصفات تخبط، وضلال، والعقليات بزعم القائلين بها لا تحتمل٥ مثل هذا الاختلاف،
стр. 97
والحدود العقلية لا يرجع فيها إلا إلى من تقدم دون من أراد أن يؤسسَ١ لنفسه اليوم باختياره أساساً واهياً.
(فصول الرسالة)
فالذي تحتاجون إليه حفظكم الله معهم في إزالة تمويههم:
(الفصل الأول)
أن تقيموا البرهان أن الحجة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير وأن العقل آلة للتمييز فحسب.
(الفصل الثاني)
ثم تبينوا ما السنة؟ وبماذا يصير المرء من أهلها؟ فإن كلاً يدعيها وإذا علمت وعرف أهلها بان [٦-ب] (أن مخالفها٣ زائغ لا ينبغي أن يلتفت إلى شبهه.
(الفصل الثالث)
وأن تدلوا٤ على مقالتهم أنها مؤدية إلى نفي القرآن أصلاً. وإلى
стр. 98
التكذيب بالنصوص الواردة فيه والرد لصحيح١ الأخبار ورفع أحكام الشريعة.
(الفصل الرابع)
ثم تبرهنوا على أنهم مخالفون لمقتضى العقل بأقاويل متناقضة مظهرون لخلاف ما يعتقدونه وذاك شبيه بالزندقة.
(الفصل الخامس)
ثم تعرفوا العوام أن فرق اللفظية، والأشعرية موافقون للمعتزلة في كثير من مسائل الأصول وزائدون عليهم في القبح، وفساد القول في بعضها.
(الفصل السادس)
وأن توردوا الحجة على أن الكلام لن يعرى٢ عن حرف وصوت البتة، وأن ما عري عنهما لم يكن كلاماً في الحقيقة وإن سمي في وقت بذلك تجوزاً واتساعاً، وتحققوا جواز وجود الحرف والصوت من غير آلة وأداة وهواء منخرق، وتسوقوا قول السلف، وإفصاحهم بذكر الحرف والصوت أو ما دل عليهما، وتجمعوا بين العلم والكلام في إثبات الحدود بهما.
стр. 99
(الفصل السابع)
ثم تذكروا [٧-أ] فعلهم في إثبات الصفات في الظاهر وعدولهم إلى التأويل المخالف له في الباطن وادعاءهم١ أن إثباتها على ظاهرها تشبيه.
(الفصل الثامن)
ثم تشرحوا أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات.
(الفصل التاسع)
وأن تذكروا شيئاً من قولهم لتقف العامة على ما يقولونه فينفروا عنهم، ولا يقعوا في شباكهم.
(الفصل العاشر)
ثم تنظروا كون شيوخهم أئمة ضلال ودعاة إلى٢ الباطل ومرتبكين٣ إلى ما قد نهوا عنه.
(الفصل الحادي عشر)
ثم تحذروا الركون إلى كل أحد والأخذ من كل كتاب، فإن التلبيس قد كثر والكذب على المذاهب قد انتشر.
стр. 100
فجميع ما ذكرت أن بكم إليه حاجة عند الرد عليهم أحد عشر فصلاً من أحكمها تمكن من الرد عليهم إذا سبق له١ العلم بمذهبه ومذهبهم، وأما العامي والمبتدئ [٧-ب] فسبيلهما أن لا يصغيا إلى المخالف ولا يحتجا٢ عليه، فإنهما إن أصغيا إليه أو حاجاه خيف عليهما الزلل عاجلاً والانفتال٣ آجلاً، نسأل الله العون على بيان ما أشرنا إليه فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا به وهو حسبنا ونعم الوكيل. هـ
стр. 101
الفصل الأول: في إقامة البرهان على أن الحجة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير وأن العقل آلة للتمييز فحسب ١
قال الله سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢. فأمر ﷻ نبيّه عليه السلام٣ أن يدعو٤ إلى إثبات الوحدانية بالوحي وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٥ فبيّن أن من تقدم من الرسل كانوا يحتجون على الكفار في الوحدانية بالوحي ولم يؤمروا إلا بذلك.
وقال ﷻ : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٦.
стр. 102
وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ١.
وقال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى" ٢.
ولم يدع النبي ﷺ إلى المحاجة بالعقل أحداً ولا أمر بذلك أمته.
وقال عمر٣ وسهل بن حنيف٤:
стр. 103
"اتهموا الرأي على الدين"١ ولا مخالف لهما في الصحابة، وقد كانا يجتهدان في الفروع، فعلم أنهما أرادا بذلك المنع من
стр. 104
الرجوع إلى العقل في المعتقدات١.
ولا خلاف بين الفقهاء في أن الكفار والملحدين لا يجب أن يناظروا بالعقليات٢، وأن المسلمين قد أمروا بالأخذ بما آتاهم الرسول، والانتهاء عما نهاهم عنه، وحذروا من أن تصيبهم الفتنة أو (العذاب) ٣ الأليم في مخالفتهم أمره، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٥ وقد (كره) عمر بن الخطاب ﵁ مع جلالته الصلح٦ يوم الحديبية، واستعظم رد المسلمين على الكفار، وكان ذلك من طريق العقل
стр. 105
حتى قال له النبي ﷺ : "تراني قد رضيت يا عمر وتأبى "١ فانتبه عند ذلك عمر وسكت علماً منه أن رسول الله ﷺ مفترض٢ الطاعة، (ولأنه) ٣ لا ينطق عن الهوى، وأن الوحي لا يقابل بالعقل.
ولا خلاف بين المسلمين في أن كتاب الله لا يجوز رده بالعقل. بل العقل دل على وجوب قبوله والائتمام به، وكذلك قول الرسول ﷺ إذا ثبت عنه لا يجوز رده وأن الواجب رد كل ما خالفهما أو أحدهما.
واتفق السلف على أن معرفة الله من طريق العقل ممكنة غير واجبة، وأن الوجوب من طريق السمع٤ لأن الوعيد مقترن بذلك قال تعالى:
стр. 106
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاًً﴾ ١ فلمّا علمنا بوجود العقل قبل الإِرسال،
وأن العذاب مرتفع عن أهله، ووجدنا من خالف الرسل والنصوص مستحقا للعذاب بينا٢ أن الحجّة هي ما ورد به السمع لا غير.
وقد اتفقنا أيضاً على أن رجلاً لو قال: العقل ليس بحجّة في نفسه وإنما يعرف به الحجّة لم يكفر ولم يفسق، ولو قال رجل: كتاب الله سبحانه ليس بحجّة علينا بنفسه، كان كافراً مباح الدم.
стр. 107
فتحققنا أن الحجّة القاطعة هي التي (يرد) ١ بها السمع لا غير.
ووجدنا أيضاً القائلين بالعقل المجرّد وأنه أوّل الحجج مختلفين فيه، كلّ واحد يزعم أنّ الحقّ معه وأنّ مخالفه قد أخطأ الطريق، ولا سبيل إلى من يحكم بينهم في الحال، وإنما الحاصل دوام الجدل المنهي عنه، ونجدهم أيضاً يقولون اليوم قولاً يزعمون أنه مقتضى العقل، ويرجعون عنه غدا إلى غيره، وما كان بهذه المثابة لا يجب أن يكون حجّة في نفسه.
ووجدنا الكتاب المنزل غير جائز ورود النسخ عليه٢.
وقد وجب (علينا) ٣ الإذعان له، والدخول تحت حكمه، فكانت الحجّة فيه لا في مجرّد العقل.
وإنما ورد الكتاب بالتنبيه على العقل وفضله٤وبيّن أن من خالف الكتاب ممن لا يعقل٥ لأنّ العقل يقتضي قبول العبد من مولاه، وترك ظنه
стр. 108
له، ومصيره إلى طاعته ويحكم بقبح ما خالف ذلك.
وفي هذا القدركفاية إن شاء الله تعالى.
على أنّ الأشعري يزعم أن العقل لا يقتضي حسناً ولا قبيحاً١. وهذا لعمري مخالفة العقل عياناً، وسيأتي بيان ذلك في غير هذا الفصل٢ بمشيئة الله .
وإذا ثبت ما قلناه زال شغبهم في أن العقل يقتضي ما يقولونه، لأنا لم نؤثر٣ باتباع عقل يخالف السمع، وسنذكر كذبهم في اقتضاء العقل ما صاروا٤ إليه بعد هذا٥ إن شاء الله هـ.
стр. 109
الفصل الثاني: في (بيان السنة ما هي؟ وبم يصير المرء من أهلها ؟)
اعلموا رحمكم الله أنّ السنة في لسان العرب هي: الطريقة١ فقولنا: سنّة رسول الله ﷺ يعني: طريقته، وما دعا إلى٢ التمسك به ولا خلاف بين العقلاء في "أن"٣ سنّة الرسول ﵇ لا تعلم بالعقل وإنما تعلم بالنقل.
فأهل السنة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح ﵏ عن الرسول صلى الله عليه وسلم٤ "أو"٥ عن أصحابه ﵃ فيما لم يثبت فيه نص في الكتاب ولا عن الرسول ﷺ / لأنهم ﵃ أئمة، وقد أمرنا باقتداء٦ آثارهم، واتباع سنّتهم وهذا أظهر من أن يحتاج
стр. 110
فيه إلى إقامة برهان. والأخذ بالسنّة واعتقادها مما لا مرية في وجوبه.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ١، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ ٢ وقال رسول الله ﷺ : " عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة " ٣ وقال عبد الله بن عمر ﵄ :