Полный текст (322 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فأما ما عدا ذلك من الروايات المعلولة والطرق الواهية، فلا يجوز أن يعتقد في ذات الله سبحانه ولا في صفاته ما يوجد فيها١ باتفاق العلماء للأثر٢.
ومخالفة الأشعري وأضرابه للعقليات، ومناقضتهم تكثر ولعل الله سبحانه يسهل لنا جمع ذلك في كتاب بمنه، وإنما أشرنا هاهنا إلى يسير منه وفيه مقنع إن شاء الله تعالى.
وأما تظاهرهم بخلاف ما يعتقدونه كفعل الزنادقة ففي إثبات أن الله سبحانه استوى على العرش، ومن عقدهم: أنّ الله سبحانه لا يجوز أن يوصف بأنه في سماء ولا في أرض، ولا على عرش ولا فوق٣.
الحواشي
(١) ١ في الحاشية زيادة "إلا" بعد كلمة "فيها" والسياق يأبى ذلك. لأن في إثباتها عكس المعنى المراد. لأنه ليس للعلماء ولا لغيرهم أن يجتهدوا في إثبات صفة لله لم يرد بها نص من الكتاب والسنة.
٢ هكذا في الأصل والتركيب غير سليم ولو قال: "باتفاق علماء الأثر" لكان أولى.
٣ ويؤولون آيات وأحاديث الاستواء والفوقية: بأنّ المراد الاستيلاء وعلو القدر والمرتبة وليس المراد فوقية الذات والمكان. انظر: "ابن فورك: مشكل الحديث ٦٤ – ٦٥" و"الغزالي: الاقتصاد ٢٤، ٣١"، و"الآمدي: غاية المرام ١٤١".
أما الأشعري نفسه: فقد أثبت استواء الله على عرشه استواء يليق بجلاله، وأنكر على من أوله بالقدرة والاستيلاء واحتج عليهم. فقال ﵀: "إن قال: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول: إن الله يستوي على عرشه استواء يليق به. . . إلى أن يقول: " ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء، لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أنّ الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض" انظر: الإبانة ١٠٥ – ١٠٧".стр. 142
وقد ذكر ابن١ الباقلاني: "أن الاستواء فعل له أحدثه في العرش"٢
وهذا مخالف لقول علماء الأمة، وقد سئل مالك بن أنس رحمة الله عليه عن هذه المسألة فأجاب: "بأن الاستواء غير مجهول، والكيفية غير معقولة، الإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة"٣.
الحواشي
(١) ١ في الأصل "بن"
٢ لم أجد ذلك في كتبه التي وقفت عليها "كالتمهيد والإنصاف" وقد عزاه إليه أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر: "الفتاوى ١٦/ ٣٩٤" ونراه فيما وصل إلينا من كتبه يثبت استواء الله على عرشه كما أخبر في كتابه استواء يليق بجلاله من غير تكييف ولا تحديد ولا تصوير. انظر: "التمهيد: ٢٦٠" وانظر: الذهبي: العلو ١٧٣ – ١٧٤".
وقد نسب هذه العبارة لأبي الحسن الأشعري البيهقي في الأسماء والصفات ٤١٠ فقال: "وذهب أبو الحسن علي بن إسماعيل إلى أنّ الله تعالى جل ثناؤه فعل في العرش فعلاً سماه استواء، كما فعل في غيره فعلاً فسماه رزقاً ونعمة ..." والبغدادي في أصول الدين ١١٣. وينبغي أن يحمل ذلك على مرحلة ما قبل الإبانة. والله أعلم.
٣ أخرجة الدارمي: الرد على الجهمية ٣٣ بزيادة على لفظ المصنف. واللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ص٣٩٨ برقم: ٦٦٤. والبيهقي: الأسماء والصفات ٤٠٨.стр. 143
قال الله سبحانه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١ وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ٢ وقال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٣ وقال: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٤ وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ﴾ الآية٥ والآية التي بعدها٦.
وقال النبي ﷺ : "ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا – حتى ذكر سبع سماوات- وفوق ذلك بحر ما بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ذلك ثمانية أوعال٧ كواهلهم تحت عرش الرحمن، وأقدامهم تحت الأرض السابعة السفلى، وفوق ذلك العرش، والله (سبحانه)
الحواشي
(١) ١ سورة النحل آية "٥٠"
٢ سورة السجدة آية "٥" وتمامها ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ .
٣ سورة فاطر: "جزء من آية "١٠".
٤ سورة المعارج: آية "٣" وجزء من آية "٤".
٥ سورة الملك: آية "١٦" وتمامها ﴿تَمُورُ﴾ .
٦ وهي قوله تعالى ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ "١٧" الملك.
٧ قال ابن الأثير: "الوعول تيوس الجبل واحده وعل" وقال معنى قوله تعالى ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قيل: ثمانية أوعال: أي ملائكة على صورة الأوعال. انظر: "النهاية: ٥/ ٢٠٧".
٨ في الأصل بالحاشية.стр. 144
فوق ذلك". (أخرجه) ١ أبو داود٢ في كتاب السنن عن أبي هريرة٣ ٤
الحواشي
(١) ١ ويحوز أن تكون "أخرج" فإنه مناسب لقوله "هذا المعنى" أي أخرج هذا المعنى الذي هو ذكر السموات وأن العرش فوقها والله فوق ذلك، إذ ليس كل من ذكر من الصحابة أخرج عنهم حديث الأوعال بنصه.
٢ هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني ولد لسنة ٢ ٢٠، بالبصر ة وتوفي بها سنة ٢٧٥. انظر: "الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٩١".
٣ وهو الصحابي الجليل عبد الرحمن بن صخر الدوسي، مشهور بكنيته، اختلف في اسمه واسم أبيه كثيراً، أسلم عام خيبر وشهدها، لازم رسول الله ﷺ ، وكان من أحفظ أصحاب رسول الله، مات بالعقيق سنة سبع وقيل ثمان وقيل تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة. انظر: "ابن عبد البر: الاستيعاب: ٤/ ٢٠٢ مع الإصابة. و"ابن حجر: الإصابة: ٤/ ٢٠٢".
٤ لم يخرج أبو داود حديث الأوعال ولا ما في معناه عن أبي هريرة، وإنما أخرجه من حديث العباس بن عبد المطلب: كتاب السنة/ باب الرَّد على الجهمية ٥/ ٩٣ حـ٤٧٢٣ من عدة طرق عن إلى سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس. وأخرجه الترمذي: كتاب التفسير/ باب سورة الحاقة ٥/٤٢٤ حـ٣٣٢٠ وقال هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه في المقدمة/ باب فيما أنكرت الجهمية ١/٦٩حـ ١٩٣.
حم: ١/ ٢٠٦ "وفيه يحيى بن العلاء" رمي بالوضع. انظر: التقريب ٢/ ٣٥٥.
ابن أبي عاصم: السنة ١/ ٢٥٣ حـ٥٧٧، والآجري: الشريعة ٢٩٢.
ومداره على عبد الله بن عميره متكلم فيه، قال الذهبي: في "الميزان ٢/٤٦٩": فيه جهالة، قال البخاري لا يعرف له سماع من الأحنف بن قيس له عن العباس حديث المزن والعنان، رواه عنه سماك بن حرب ورواه عن سماك الوليد بن ثور وجماعة، ورواه أيضاً يحيى بن العلاء وهو واه ... ".
فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة في هذا الباب، وفي الآيات والأحاديث الصحيحة الثابتة في الباب غنية.
وأخرج عن أبي هريرة- هذا المعنى "مسيرة ما بين سماء وسماء خمسمائة عام... "الترمذي٢/ ٥٢٥" و"أحمد: ٢/٣٧٠" و"ابن أبي عاصم في السنة ١/٢٥٤ حـ
٥٧٨" و"أبو الشيخ: العظمة: لوحة "٣٤- ب" و"البيهقي: الأسماء والصفات٤٠٠" كلهم من طريق الحسن البصري عن أبي هريرة. وهو منقطع؛ إذ لم يسمع الحسن من أبي هريرة. انظر: "ابن أبي حاتم الرازي: كتاب المراسيل ٣٤" و"ابن المديني: العلل ٥٧".стр. 145
وجبير بن مطعم ١ ٢ وغيرهما٣ عن النبي ﷺ هذا المعنى والطرق مقبولة٤
الحواشي
(١) ١ ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف كان من أكابر قريش وحلمائها وسادتها عالماً بأنسابها، أسلم بين الحديبية والفتح، ومات في خلافة معاوية سنة سبع، وِقيل ثمان، وقيل تسع وخمسين، انظر: "ابن عبد البر: الاستيعاب ١/٢٣٠ مع الإصابة" و"ابن حجر: الإصابة ١/٢٦٦".
٢ الذي أخرجه أبو داود عنه هو حديث الأطيط ٥/ ٩٤حـ ٤٧٢٦ وفيه أتدري ما الله إنّ عرشه على سماواته هكذا وقال بأصبعية مثل القبة عليه وإنه ليئط أطيط الرحل بالراكب. قال الألباني: إسناده ضعيف ورجاله ثقات لكن ابن إسحاق مدلس ومثله لا يحتج به إلا إذا صرح بالتحديث وهذا ما لم يفعله فيما وقفت عليه من الطرق إليه. انظر: "حاشية ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٥٢ ح ٥٧٥".
٣ منهم أبو ذر رضي الله تعالى عنه: أخرجه عنه البيهقي: الأسماء والصفات ٤٠١ وقال فيه انقطاع. وقال الألباني: وهو مع انقطاعه ضعيف لضعف أحمد بن عبد الجبار. السنة لابن أبي عاصم ١/٢٥٥.
٤ أما طرق هذا الحديث فليست كذلك، وإن كان يشير إلى أن المعنى الذي هو العلو والاستواء له طرق ثابتة مقبولة فهو كذلك كحديث الجارية، "وسيأتي قريباً" وحديث أنس في قول زينب زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماواته البخاري/ كتاب التوحيد/ باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم ١٣/ ٤٠٣ حـ ٧٤٢٠.стр. 146
محفوظة وروي عن عبد الله بن مسعود١٢ وعبد الله بن عباس٣٤ وعبد الله بن عمر٥٦ وأنس بن
الحواشي
(١) ١ وهو عبد الله بن مسعود بن غافل "بمعجمة وفاء" ابن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، أحد السابقين إلى الإسلام هاجر الهجرتين وشهد بدراً وما بعدها، لازم النبي ﷺ ، وكان صاحب نعله، كان من كبار العلماء من الصحابة ومناقبه جمة، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وقيل: ثلاث وثلاثين. انظر "ابن حجر الإصابة ٢/ ٣٦٩" و"التقريب ١/٤٥٠".
٢ أخرجه الدارمي: الرد على الجهمية ٢٦ موقوفاً ... عن ابن مسعود ﵁ قال: "ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام.. والعرش على الماء، والله تعالى فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه "، وابن خزيمة: كتاب التوحيد ١٠٥، ١٠٦
وأبو الشيخ: العظمة. لوحة "٣٥-١"، والبيهقي: الأسماء والصفات ٤٠١.
٣ هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي ابن عم رسول الله ﷺ ، ولد قبل الهجرة، بثلاث سنين دعا له الرسول ﷺ فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، كان يسمى حبر الأمة، مات بالطائف سنة ثمان وستين وله إحدى وسبعون سنة. انظر: "ابن حجر: الإصابة ٢/٣٣٠".
٤ أخرج عنه الدارمي موقوفاً عليه قصة دخوله على عائشة وهي تموت وأنه قال لها: " وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات" الرد على الجهمية ٢٧.
٥ ترجمته في الإصابة ٢/ ٣٤٧.
٦ لم أهتد إلى تخريجه عنه.стр. 147
مالك١٢ وغيرهم٣ مثل ذلك موقوفاً. هـ ونص أحمد بن حنبل٤رحمة الله عليه على أن الله تعالى بذاته٥ فوق العرش، وعلمه بكل مكان٦.
وروى ذلك هو وغيره عن عبد الله بن نافع٧ عن مالك بن
الحواشي
(١) ١ أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله ﷺ ، خدمه عشر سنين، وأحد المكثرين من الرواية عنه، مات بالمدينة سنة ٩١، ٩٢، ٩٣، وقد جاوز المائة. انظر: "ابن عبد البر: أسد الغابة ١/ ٧١ مع الإصابة" و"ابن حجر: الإصابة ١/ ٧١" و"التقريب ١/ ٨٤".
٢ لم أهتد إلى تخريجه عنه.
٣ كعبد الله بن عمرو بن العاص. انظر: الأسماء والصفات للبيهقي ٤٠٢.
٤ هو الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الذهلي الشيباني ناقد السنة وقامع البدعة والثابت في المحنة. كانت ولادته سنة ١٦٤ هـ ووفاته سنة ٢٤١ هـ وله ٧٧ سنة. انظر في ترجمته: "الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣١" و"ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة ١/ ٤" و "العليمي: المنهج الأحمد ١/ ٥١".
٥ لم يؤثر عن هؤلاء الأئمة إطلاق هذه اللفظة وسيأتي الكلام عليها قريباً.
٦ انطر: "السنة" حيت يقول ﵀ "الله ﵎ على العرش فوق السماء السابعة العليا يعلم ذلك كله. وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان ..." ٤٨ شذرات البلاتين، وقال في الرد على الجهمية: ١٣٧: "... وهو على العرش وقد أحاط علمه بما دون العرش ولا يخلو من علم الله مكان ولا يكون علم الله في مكان دون مكان...".
٧ هو عبد الله بن نافع الصائغ صاحب مالك. كان قد لزم مالكاً لزوماً شديداً، وكان لا يقدم عليه أحداً. وثق، وقال البخاري: في حفظه شيء، وقال أحمد: لم يكن بذاك في الحديث، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: هو لين في حفظه وكتابه أصح. وقال النسائي: لا بأس به، وقال مرة: ثقة. ولد سنة نيف وعشرين ومائة، وتوفي بالمدينة في رمضان سنة ١٨٦هـ.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: توفي سنة ٢٠٦ ثم قال: فهذا الصواب في وفاته وما عداه فوهم وتصحيف.
انظر ترجمته في: "ميزان الاعتدال ٣/٥١٣" و"الديباج المذهب لابن فرحون ١/ ٤٠٩ و"سير أعلام النبلاء ١٠/ ٣٧١".стр. 148
أنس رحمة الله عليه١ وقد رواه غير وحد مع ابن نافع عن مالك بن أنس، وكذلك رواه الثقات عن سفيان بن سعيد الثوري٢٣ وروي نحوه عن/ الأوزاعي٤٥ وهؤلاء أئمة الآفاق. واعتقاد أهل
الحواشي
(١) ١ قال الإمام أحمد حدثنا شريح بن النعمان قال حدثنا عبد الله بن نافع قال: قال مالك: "الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان". انظر: "مسائل أحمد من رواية أبي داود ٢٦٣"، "السنة لعبد الله بن أحمد ص٦٢"، "والشريعة للآجري ٢٨٩"، "وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٦٧٣".
٢ هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي ثقة حافظ فقيه، إمام حجة، قال فيه شعبة ويحيى بن معين وجماعة: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، وكان ربما دلس. توفي سنة ١٦١هـ وله أربع وستون سنة. انظر: "ترجمته في التقريب١/ ٣١١" و"تذكرة الحفاظ ١/ ٢٠٢" و"ميزان الاعتدال ٢/ ٦٩".
٣ انظر: "السنة لعبد الله بن أحمد ص ٧٢" و"البخاري: خلق أفعال العباد ١٢٢" و"الآجري: الشريعة ٢٨٩" و"اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٦٧٢".
٤ هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أبو عمرو الفقيه ثقة جليل، قال ابن سعد: وكان ثقة مأموناً صدوقاً فاضلاً خيراً كثير الحديث والعلم والفقه حجة. مات ببيروت سنة ١٥٧هـ. انظر ترجمته في: "التقريب ١/ ٤٩٣" و"طبقات ابن سعد ٧/ ٤٨٨".
٥ انظر: "البيهقي: الأسماء والصفات ٤٠٨" فقد روى عنه ﵀ قوله: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إنّ الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته جل وعلا".стр. 149
الحق أنّ الله سبحانه فوق العرش بذاته ١ من غير
الحواشي
(١) ١ أجمع أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة على أنّ الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله من غير تكييف ولا تمثيل. نقل إجماعهم على ذلك كثير من الأئمة الأعلام، كالإمام الأوزاعي حيث يقول: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إنّ الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفات الله جل وعلا". روى ذلك عنه البيهقي في الأسماء والصفات ٤٠٨ كما تقدم.
كما نقل ذلك ابن أبي حاتم وأبو زرعة الرازي: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء من جميع الأمصار حجازًا وعراقاً وشاماً ويمناً فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ... وأنّ الله على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف أحاط بكل شيء علماً ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ روى ذلك اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم ٣٢١.
ومنهم الإمام أبو عمر الطلمنكني إذ يقول في كتاب الوصول إلى معرفة الأصول: أجمع المسلمون من أهل السنة على أنّ معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ونحو ذلك من القرآن أنه علمه، وأنّ الله تعالى فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء" نقلاً عن العلو للذهبي ١٧٨.
ومنهم الحافظ ابن عبد البر: "ت ٤٦٣": قال بعد إيراده لحديث النزول "وفيه دليل على أنّ الله في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إنّ في كل مكان وليس على العرش، والدليل على صحة ما قاله أهل الحق قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ التمهيد ٧/ ١٢٩ وقال في الرد على استدلال أهل التأويل بقول الله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ قال: فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية؛ لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حملت عنهم التآويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: "هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله". المصدر السابق ٧/ ١٣٨- ١٣٩.
فبان بهذه النقول عن هؤلاء الأئمة الفحول أنّ القول باستواء الله على عرشه حقيقة هو قول سلف هذه الأمة من التابعين وأتباعهم أهل القرون المفضلة وهم القوم. والذين حكوا الإجماع على ذلك كثير.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن نقل أقوال عدد من أهل العلم في حكاية الإجماع على استواء الله على عرشه: "وهذا باب واسع لا يحصيه إلا الله تعالى، فإن الذين نقلوا إجماع أهل السنة أو إجماع الصحابة والتابعين على أنّ الله فوق العرش بائن من خلقه لا يحصيهم إلا الله " بيان تلبيس الجهمية ٢/ ٥٣١ وهو كما قال رحمة الله.
وأما إطلاق لفظ "بذاته" فلم يعرف قبل القرن الثالث: وأول من نقل عنه إطلاقها فيما وقفت عليه ابن أبي شيبة "ت ٢٩٧". انظر: كتاب العرش له ص ٥١، ثم أطلق ذلك بعده ابن أبي زيد القيرواني "ت ٣٨٩" وأبو عمر الطلمنكي وأبو نصر السجزي – المؤلف – وابن عبد البر وغيرهم. وأومأ الإمام الذهبي إلى أنّ ذلك من فضول الكلام الذي يحسن تركه، وأنكر على السجزي نسبة ذلك للأئمة كسفيان الثوري والإمام مالك وغيرهما، والحق أنه لم يثبت عن سفيان وطبقته إطلاق ذلك "العلو: ١٧١، ١٨٠". ولعل السجزي نسبها إليهم بالمعنى وأنهم يثبتون الاستواء على الحقيقة.
والذي دعا هؤلاء إلى إطلاق لفظ "بذاته" هو أنّ الجهمية لما قالوا إنّ الاستواء مجاز صرح أهل السنة بأنه مستو بذاته مبالغة في إثبات استواء المولى على عرشه على الحقيقة.
وذلك مثل إطلاقهم في القرآن: أنه كلام الله غير مخلوق. فإن الصحابة لم يصرحوا بلفظ "غير مخلوق" وإنما كانوا يقولون القرآن كلام الله. فلما ظهر من يقول إنه مخلوق دعا ذلك الأئمة إلى أن يصرحوا بأنه غير مخلوق وأنكر الإمام أحمد على من يقول: كلام الله ويسكت فقال ولِمَ يسكت؟ لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت ولكن حيث تكلموا لأي شيء لا يتكلمون "روى ذلك عنه أبو داود في مسائله ص ٢٦٣ – ٢٦٤" وانظر: " ابن القيم: مختصر الصواعق ٢/ ١٣٤ "، "والألباني مختصر العلو ١٨ – ١٩" ففيهما مزيد بيان.стр. 150
مماسة١ وأن الكرامية ٢ ومن تابعهم على قول المماسة ضلال ٣.
وقد أقر الأشعري بحديث النزول٤٥ ثم قال: [النزول فعل
الحواشي
(١) ١ الأولى عدم إطلاق لفظ المماسة نفياً أو إثباتاً؛ لأنه لم يرد نفيه ولا إثباته عن الشارع.
٢ الكرامية: هم أصحاب وأتباع أبي عبد الله محمد بن كرام السجستاني "المتوفى سنة ٢٥٥" الذي بالغ في إثبات الصفات إلى حد التجسيم، وهم فرق وطوائف بلغ عددها اثنتي عشرة فرقة. وقد أطلق ابن كرام في كتابه: "عذاب القبر" إن الله مماس للعرش من الصفحة العليا. وقال بعضهم امتلأ العرش به.
انظر: عن هذه الطائفة: "الشهرستاني: الملل ١/ ١٠٨ – ١٠٩" والبغدادي: "الفرق بين الفرق ٢١٦" و"ابن حزم: الفصل ٤/ ٢٠٤" و"الاسفرائيني: التبصير في الدين ٢٦٥ و"الرازي: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ٦٧".
٣ الكلام من قوله: "واعتقاد أهل الحق ... – إلى هنا -: اقتبسه بنصه شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الرسالة في كتاب بيان تلبيس الجهمية ١/ ٤٦٦" وقد قابلته به هنا.
٤ حديث النزول: أخرجه البخاري: كتاب التهجد باب الدعاء والصلاة في آخر الليل ٣/ ٢٩ حـ ١١٤٥ من حديث أبي هريرة.
م: كتاب صلاة المسافرين / باب الترغيب والدعاء في آخر الليل١/ ٥٢١حـ ١٦٨.
٥ انظر: الإبانة ص ٢٩ حيث صرح ﵀ بذلك فقال: "ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا وأنّ الرب يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر "وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قال أهل الزيغ والتضليل".стр. 151
له يحدثه في السماء] ١.
وقال بعض أصحابه: [المراد به نزول أمره] ٢ ونزول الأمر عندهم لا يصح٣ وعند أهل الحق الذات بلا كيفية ٤ ٥.
الحواشي
(١) ١ هذا القول ليس فيما بين أيدينا من كتبه، ولكن عزاه له البيهقي فقال: " ... وهكذا قال - أي الأشعري - في أخبار النزول أنّ المراد فعل يحدثه الله في سماء الدنيا كل ليلة يسميه نزولاً بلا حركة ولا نقله": "الأسماء والصفات ٤٤٩".
وأشار ابن تيمية إلى أن هذا مذهب الأشعري وأصحابه. فقال ﵀: "ومعنى ذلك - أي معنى النزول والقرب - عنده - الأشعري - وعند من ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته أنه يخلق أعراضاً في بعض المخلوقات يسميها نزولاً كما قال: إنه يخلق في العرش معنى يسميه استواء. . . إلى أن قال – الأشعري وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر وغيره يقولون: إن الله فوق العرش بذاته، لكن يقولون في النزول ونحوه من الأفعال هذا القول بناء على أصلهم نفي قيام الأفعال الاختيارية به" "شرح حديث النزول ٥١" وانظر أيضاً: "أصول الدين للبغدادي ١١٣".
٢ انظر هذا المعنى لدى ابن فورك في "مشكل الحديث" ص ٨٠ – ٨١.
٣ بناء على قولهم في كلام الله: "إنه نفسي قائم بذاته" فلا يتصور نزوله.
٤ في الأصل "لا كيفية". والمراد بلا كيفية نعلمها.
٥ هذا مذهب السلف في هذا الباب يقول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀: "وينزل ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف يشاء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". رسالة السنة ٣٧.
ويقول شيخ الإسلام الصابوني ﵀ في عقيدة السلف وأصحاب الحديث: "ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى سماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف" "مجموع الرسائل المنبرية ١/ ١١٢".
ونقل الإمام ابن القيم التصريح بلفظ: "ينزل بذاته" عن جماعة من أهل العلم كنعيم ابن حماد وإن لم يصح الحديث المرفوع الذي روى من طريقه في ذلك. وعلى أي حال فقد تقدم في المسألة الاستواء قريباً الكلام على إطلاق بعض العلماء لفظ "بذاته" فيقال هنا ما قيل هناك. والله أعلم.стр. 152
وزعم الأشعري: أن الله سبحانه غير ممازج للخلق وغير مباين لهم، والأمكنة غير خالية منه، وغير ممتلية به١.
وهذا كلام مسفت٢ لا معنى تحته، وتحقيقه النفي بعد الإثبات.
وبعض أصحابه وافق المعتزلة وسائر الجهمية في قولهم: إن الله بذاته في كل مكان٣ / وذكر عن بشر المريسي٤ أنه قيل له: فهو في جوف حمارك فقال نعم٥.
الحواشي
(١) ١ هذا مذهب متأخري الأشعرية كالرازي حيث يقول: "إنا ندعي وجود موجود غير حال في العالم ولا مباين عنه في شيء من الجهات الست". انظر: أساس التقديس ص ٤ ط حلبي.
٢ في القاموس: سفت: كسمع أكثر من الشراب ولم يرو، والسفت: بالكسر: الزفت، وككتف: طعام لا بركة فيه. "١/ ١٥٥". وعليه فالكلام المسفت: هو الذي لا بركة فيه ولا معنى تحته كما أشار المؤلف ﵀.
٣ لم أقف على من قال بذلك منهم.
٤ تقدمت له ترجمة.
٥ قال ابن عبد البر: قال- أبو داود- وحدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: "حدثني محمد بن عمرو الكلابي، قال سمعت وكيعاً يقول: كفر بشر المريسي في صفته هذه، قال: هو في كل شيء، قيل له: وفي قلنسوتك هذه؟ قال نعم. قيل له: وفي حمارك؟ قال: نعم". انظر: "التمهيد ٧/ ١٤٣".стр. 153
ومن قال هذا فهو كافر، والله سبحانه متعال عما قالوه.
وعند أهل الحق أن الله سبحانه مباين لخلقه بذاته فوق العرش بلا كيفية بحيث لا مكان١.
وقد ثبت الحديث الذي في موطأ مالك٢ بن أنس ﵀ وفي
الحواشي
(١) ١ إطلاق لفظ المكان في حق الله نفياً أو إثباتاً من الأمور التي لم يرد بها كتاب ولا سنة وينبغي الإمساك عن إطلاق هذا اللفظ والوقوف عند ما ورد به النص من استواء الله على عرشه فوق سماواته. لأن لفظ المكان من الأمور التي تحتمل حقاً وباطلاً ولأهل العلم تفصيل في ذلك:
١- فقد يراد بالمكان أمر وجودي وهو ما يحوي الشيء ويحيط به، أو ما يستقر الشيء عليه بحيث يكون محتاجاً إليه. والله منزه عن المكان بهذا المعنى الذي يقتضي الإحاطة والافتقار وهذا الذي قصد المصنف نفيه عن الله بقوله "بحيث لا مكان".
٢- وقد يراد بالمكان: أمر عدمي: وهو ما فوق العالم من العلو. والله فوق العالم غير مفتقر إلى شيء من مخلوقاته. فيصح إطلاق أن الله في مكان بهذا المعنى. وإن كان الأولى الإمساك عن إطلاق هذا اللفظ نفياً أو إثباتاً كما قدمت والانتهاء حيث انتهت النصوص من إثبات العلو المطلق في حقه وأنه مستو على عرشه كما أخبر.
راجع: "ابن تيمية: منهاح السنة ٢/ ١٠٦" و"الألباني: مقدمة مختصر العلو ٧٢".
٢ انظر الموطأ: كتاب العتق والولاء/ باب ما يجور من العتق في الرقاب الواجبة ٢/ ٧٧٦ حـ ٨ من حديث عمر بن الحكم. وهو خطأ والصواب معاوية بن الحكم كما نبه إلى ذلك ابن عبد البر في الحاشية.стр. 154
غيره من كتب العلماء١: أنّ النبي ﷺ قال للجارية التي أراد عتقها من عليه عتق رقبة مؤمنة: " أين الله؟ قالت: في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة".
وعند الأشعري أن من اعتقد أن الله بذاته في السماء فهو كافر٢.
وإن زمانا يقبل فيه قول من يرد على الله سبحانه، وعلى الرسول ﷺ ، ويخالف العقل، ويعد مع ذلك إماماً، لزمان صغب٣ والله المستعان.
ولقد قال الأوس بن حارث بن ثعلبة٤ عند موته قصيدة يوصي
الحواشي
(١) ١ انظر: م: كتاب المساجد/ باب تحريم الكلام في الصلاة ١/ ٣٨١ حـ ٣٣ من حديث معاوية بن الحكم السلمي أيضاً.
د: كتاب الأيمان والنذور/ باب الرقبة المؤمنة ٣/ ٨٥٧ حـ٣٢٨٢.
وفي الصلاة/ باب تشميت العاطس في الصلاة ١/ ٥٧٠ حـ ٩٣٠.
حم: مسند أبي هريرة ٢/ ٢٩١ مسند الشريد بن سويد الثقفي ٤/ ٢٢١ مسند معاوية بن الحكم ٥/ ٤٤٧.
ن: وصايا/ باب فضل الصدقة عن الميت ٦/ ٢١١ من حديث الشريد بن سويد الثقفي.
٢ لم أعثر على تخريج هذا النص عنه.
٣ في اللسان: يقال لبيضه القملة: صغاب وصؤاب "١/ ٥٢٥" المصغبة لغة في "المسغبة" وهي الجوع. انظر: "تاج العروس ١/ ٣٣٥" والمعنى أن هذا زمان لا خير ولا فائدة فيه ما دام الحال فيه ما ذكر.
٤ هو جد قبيلة الأوس، ارتحل هو وأخوه الخزرج من اليمن إلى نجران ثم مكة المكرمة ثم إلى يثرب حيث أقاما بها، وإليهما تنسب الأوس والخزرج الأنصار بالمدينة.
انظر ترجمته لدى: "اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٠٣"، "وابن قتيبة: المعارف ١٠٩" "وابن حزم: جمهرة أنساب العرب ٣٣٢" "والزركلي: الأعلام ١/٣٧٤".стр. 155
فيها إلى ابنه مالك١ وذلك قبل الإسلام فيها:
فإن تكن الأيام أبلين أعظمي وشيبن رأسي والمشيب مع العمر
فإن لنا ربا عليٌ فوق عرشه عليماً بما نأتي من الخير والشر٢
وقال غيره قبل الإِسلام:
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا ٣
الحواشي
(١) ١ نفس المراجع.
٢ لم أجد تخريجهما.
٣ البيت لعبد الله بن رواحة كما أشار المصنف، أخرجه الدارمي مع بيت قبله وآخر
بعده بسنده إلى قدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب أن عبد الله بن رواحة ﵁ وقع بجارية له فقالت له امرأته: فعلتها؟ قال أما أنا فأقرأ القرآن، فقالت: أما أنت فلا تقرأ القرآن وأنت جنب فقال: أنا أقرأ لك فقال:
شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا
تحمله ملائكة كرام ... وملائكة الإله مسومينا
فقالت: آمنت بالله وكذبت البصر. "الرد على الجهمية ٢٧".
وقال ابن عبد البر في ترجمته وقصته مع زوجته حين وقع على أمته مشهورة رويناها من وجوه صحاح. ثم ساق القصة وذكر الأبيات. انظر: "الاستيعاب ٢/ ٢٩٦" هذا ولم أجد من نسب هذا البيت لغير عبد الله بن رواحة لا قبل الإسلام ولا في الإسلام.стр. 156
وقيل إن عبد الله بن رواحة١ قاله في الإسلام، وهو صحابي.
ومثله في الشعر وكلام العرب قديماً كثير.
وليس٢ في٣ قولنا: إنّ الله سبحانه فوق العرش تحديد٤ وإنما التحديد
يقع للمحدثات، فمن العرش إلى ما تحت الثرى محدود والله سبحانه٥ فوق ذلك بحيث لا مكان ولا حد، لاتفاقنا أن الله سبحانه٦ كان ولا مكان، ثم خلق المكان وهوكما كان قبل خلق المكان) ٧.
الحواشي
(١) ١ هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة، أحد النقباء، شهد العقبة وبدراً وأحداً والخندق والحديبية وعمرة القضاء والمشاهد كلها إلا الفتح وما بعده، قتل يوم مؤتة شهيداً، وهو أحد الأمراء في هذه الغزوة، وأحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله ﷺ . ترجمته لدى: ابن عبد البر: الاستيعاب ٢/ ٢٩٣ بهامش الإصابة.
٢ النص ما بين الحاصرتين. اقتبسه شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الرسالة في كتابه بيان تلبيس الجهمية. انظر: ١/ ٤٤٦.
٣ في "ب": "من".
٤ في "ب" زيادة: "له".
٥ في "ب" زيادة "وتعالى".
٦ في "ب": "تعالى".
٧ أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية إطلاق هذه الجملة، وأنكر على من زادها على لفظ حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه الذي فيه قوله ﷺ "كان الله ولم يكن قبله شيء" وفي لفظ "معه" وفي لفظ "غيره" وكان عرشه على الماء خ: ١٣/ ٤٠٣حـ ٧٤١٨ فزاد بعضهم: "وهو الآن على ما عليه كان" وهذه الزيادة لا تصح. ووصفها بأنها "زيادة الحادية: قصد بها المتكلمة والمتجهمة نفي الصفات التي وصف - الله -بها نفسه من استوائه على العرش ونزوله من سماء الدنيا وغير ذلك، فقالوا: كان في الأزل ليس مستوياً على العرش وهو الآن على ما عليه كان فلا يكون على العرش" انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٥٦٤، والفتاوى ١٨/ ٢٢١.
ولا شك أنّ المصنف ﵀ بإثباته هذه الجملة لم يقصد ما قصده المتكلمة والمتجهمة من نفي الاستواء، كيف وهو الذي لم يأل جهداً في إثبات استواء الله على عرشه وبينونته عن خلقه، وإيراد الدلائل على ذلك والإنكار على المخالف.
وإنما قصد ﵀ من إطلاق هذه الجملة: إثبات تنزيه الله واستغنائه عن المكان الوجودي الذي هو مخلوق له، وأنه سبحانه غني عن مخلوقاته غير مفتقر إلى شيء منها.
ولا ريب أنّ ترك إطلاق هذه العبارة، والوقوف عند ما ورد به النص أولى وأسلم، فإن أقل ما يقال فيها: إنها عبارة تحتمل حقاً وباطلاً ولم يرد أثر بإطلاقها، وما كان كذلك كان تركه أولى والله أعلم.стр. 157
وقد ذكر الله سبحانه في القرآن ما يشفي الغليل وهو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ ١ فخص العرش بالاستواء، وذكر ملكه لسائر الأشياء فعلم أنّ المراد به غير الاستيلاء.
وإنما يقول بالتحديد من يزعم أنه سبحانه بكل٢ مكان، وقد علم أنّ الأمكنة محدودة، فإذا٣ كان فيها بزعمهم كان محدوداً، وعندنا أنه
الحواشي
(١) ١ سورة طه آية "٥،٦"
٢ في "ب" "على".
٣ في"ب" "فإن".стр. 158
مباين للأمكنة، ومن حلها ومن فوق١ كل محدث. فلا تحديد٢ في قولنا٣ وهو ظاهر لا خفاء به٤ هـ.
الحواشي
(١) ١ "من" ليست في "ب" وحذفها أظهر.
٢ في "ب" "لذاته".
٣ من قوله: "وإنما يقول بالتحديد.. - إلى هنا - اقتبسه شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الرسالة في كتابه: بيان تلبيس الجهمية ١/ ٤٤٦".
٤ اختلف السلف في قضية الحد: وهل يقال لله حد أم ليس له حد وقبل أن نذكر أقوالهم في ذلك ينبغي أن نبين أولاً معنى الحد في اللغة فالحد في اللغة: هو الفصل بين شيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر أو لئلا يتعدى أحدهما على الآخر. وحد الشيء من غيره يحده حداً وحدده: ميزه.
انظر: لسان العرب ٣/١٤٠
فالحد إذا: ما يتميز به الشيء عن غيره.
والسلف مجمعون على أن الله متميز عن خلقه بائن منهم مستو على عرشه وورد إطلاق لفظ الحد لله بهذا المعنى عن شيخ الإسلام عبد الله ابن المبارك "ت ١٨١".
فقد روى الدارمي بسنده عن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك أنه سئل: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق العرش، فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه- قال- قلت: بحد قال فبأي شيء انظر: الرد على الجهمية ص:٥، ورواه عبد الله ابن أحمد من عدة طرق إلى الحسن بن شقيق وفي بعضها لفظ "بحد" وليس في بعضها ذكر ذلك، انظر: السنة: ٧، ٣٥. .
وروى الخلال بسنده عن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن قول ابن المبارك هذا قال: قد بلغني ذلك عنه وأعجبه. وفي رواية أخرى قال: هكذا على العرش استوى بحد، قال: فقلنا له: ما معنى قول ابن المبارك بحد؟ قال لا أعرفه، ولكن لهذا شواهد من القرآن في خمسة مواضع ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب﴾ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ... وهو على العرش وعلمه بكل مكان. وكذلك روى عن ابن راهوية قال الخلال: أخبرنا حرب بن إسماعيل قال قلت لإسحاق- يعني ابن راهوية- على العرش بحد؟ قال نعم بحد- وذكر قول ابن المبارك، نقلا عن ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية: ١/٤٢٨-٤٢٩.
والذي دعا هؤلاء الأئمة لإِطلاق لفظ الحد: هو أن الجهمية لما قالوا إن الخالق في كل مكان وأنه غير مباين لخلقه ولا متميز عنهم بيَّن هؤلاء الأئمة أن الرب سبحانه على عرشه مباين لخلقه وذكروا الحد لأن الجهمية كانوا يقولون ليس له حد وما لا حد له لا يباين المخلوقات ولا يكون فوق العالم. انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٤٤٣.
ومنع بعض السلف من إطلاق الحد عليه وهو قول: الخطابي: الذي يرى أنه لفظ لم يرد في الكتاب ولا في السنة فلا ينبغي إطلاقه في حق الله، لأن صفات الله إنما تؤخذ عن الله وعن رسول الله ﷺ ، وأجيب بأن الذين أثبتوا الحد لم يثبتوه صفة لله.
وممن منع منه: القاضي أبو يعلى في سابق قوليه وقد رجع عنه وقال بإطلاقه وروى الخلال عن الإمام أحمد أنه قال: "نحن نؤمن بالله تعالى على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف ويحده أحد فصفات الله له ومنه، وهو كما وصف نفسه لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية.."، نقلا عن ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية: ١/٤٣٠.
فقد نفى الإِمام أحمد الحد في هذه الرواية، وأثبته في الرواية المتقدمة وأحسن ما قيل في الجمع بين الروايتين: إن إطلاق الحد يحمل على معنى أنه سبحانه: خارج العالم متميز عن خلقه، وأنه سبحانه على صفة يبين بها من غيره ويتميز.
وتحمل رواية المنع: على الحد الذي بمعنى الصفة وأن خلقه لا يحدونه ولا يصفونه إلا بما وصف به نفسه ولا يدركون كنه وكيفية صفاته، كما في رواية عن أحمد "له حد لا نعلمه".
أما الحد الذي نفاه الحافظ السجزي فهو الذي بمعنى الحصر فهو ﵀ ينفي عن الله أن يكون محدوداً بشيء من الأمكنة لا تحده ولا تحصره لأنه سبحانه مباين لها، ولأنها محدثة والله سبحانه فوق المحدثات.
أما الحد الذي أثبته ابن المبارك والإمام أحمد وغيرهما فهو الحد الذي بمعنى التمييز والمباينة للخلق. والإمام السجزي لا ينازع فيه بهذا المعنى. فهورحمه الله موافق للإمام أحمد وسائر السلف في إثبات علو الله على خلقه ومباينته وتميزه عن سائر مخلوقاته. والخلاف إنما هو في إطلاق لفظ الحد ولكل وجهة والاتفاق بينهم حاصل على التنزيه وإثبات العلو ومباينته سبحانه للمخلوقات. والله تعالى أعلم.стр. 159
الفصل الخامس: في بيان أن فرق اللفظية والأشعرية موافقون للمعتزلة في كثير من مسائل الأصول وزائدون عليهم في القبح وفساد القول في بعضها
وأما موافقتهم للمعتزلة: فإن المعتزلة قالت: لا تجوز رؤية الله تعالى بالأبصار، وأنه ليس بمرئي١.
وقال الأشعري: هو مرئي ولا يرى بالأبصار عن مقابلة٢. فأظهر
الحواشي
(١) ١ وانظر لتحرير مذهبهم في ذلك: (شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار٢٣٢) و (المقالات: للأشعري ١/ ٢٣٨) .
٢ نقل الشهرستاني عنه أنه كان يقول: "لا يجوز أن تتعلق به الرؤية على جهة ومكان وصورة ومقابلة واتصال شعاع، أو على سبيل انطباع فإن كل ذلك مستحيل ثم قال:- وله في ماهية الرؤية قولان: أحدهما: أنه علم مخصوص.... والثاني أنه إدراك وراء العلم.." انظر: (الشهرستاني: الملل والنحل ١/ ١٠٠) و (نهاية الأقدام ٣٥٦) .
والذي في كتب الأشعري التي اطلعت عليها: إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار؛ إذ يقول في كتاب الإبانة ص٢٥: وندين بأن الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله ﷺ ثم عقد باباً في إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة ص ٣٥.
وقال في رسائله لأهل الثغر: "وأجمعوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة بأعين وجوههم على ما صرح به تعالى في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وقد بين ذلك النبي ﷺ ورفع كل إشكال فيه بقوله للمؤمنين: "ترون ربكم عياناً "، وقوله: "ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته ". فبين أن رؤيته تعالى بأعين الوجوه أ. هـ
(لوحة ١٤٨ مخطوط مصور بمكتبة الدراسات تحت رقم ٤٧ عقائد) . وفي المطبوع ص ١٣٤، ويحمل ما ذكره المؤلف وما نقله الشهرستاني عنه على ما كان عليه قبل أن يرجع إلى مذهب السلف، ومذهب السلف أن الرؤية لا تكون إلا عن مقابلة، وعند سائر عقلاء الأمم لابد أن يكون المرئي مقابلاً للرائي، والنقل دل على أن المؤمنين يرون ربهم من فوقهم كما قال ﷺ : " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم ...".
انظر: (مختصر الصواعق لابن القيم ١/ ٢٨٠ –- ٢٨١) والحديث أخرجه (ابن ماجه: المقدمة/ باب ما أنكرت الجهمية ١/ ٦٥ حـ ١٨٤) .стр. 160
خلافهم وهو موافق لهم.
وقالت المعتزلة: لا يجوز أن توصف ذات الله بالكلام١، ولا كلام إلا ما هو حرف وصوت٢.
وقال الأشعري: [يجب وصف ذاته سبحانه بالكلام وليس ذلك بحرف ولا صوت] ٣ فنفى ما نفته المعتزلة وأثبت ما لا يعقل، فهو مظهر خلافهم موافق لهم في الأصل.
وأنكرت حديث المعراج.
الحواشي
(١) ١ لأن مذهب المعتزلة أن الكلام ليس من صفات ذاته تعالى ولكنه صفة فعلية فيقولون إن الله متكلم بمعنى أنه خلق الكلام: يقول القاضي عبد الجبار: "أما مذهبنا في ذلك فهو أن القرآن كلام الله ووحيه وهو مخلوق محدث". (شرح الأصول الخمسة ٥٢٨) .
٢ انظر المصدر السابق ٥٢٨ حيث يقول: "ونذكر حقيقة الكلام وأنه الحروف المنظومة والأصوات المقطعة".
٣ تقدم الكلام على ذلك.стр. 161
وقال الأشعري: إنه ثابت١، ثم قال: [الله لا يجوز أن يوصف أنه فوق] ٢ فكذب بما في حديث المعراج، فصار موافقاً لهم مع (إظهاره) ٣ الخلاف.
وقالت المعتزلة: السور والآي مخلوقة، وهي قرآن معجز٤.
الحواشي
(١) ١ انظر الإبانة ص ٣١ حيث يقول: "ونصدق بحديث المعراج".
٢ لم أجد هذا القول فيما اطلعت عليه من كتبه ولعل هذا قوله قبل أن ينتقل إلى مذهب السلف. فالثابت عنه إثباته الفوقية لله جل وعلا، وأنه سبحانه مستوى على عرشه. يقول في الإبانة ص٩٣ بعد استدلاله بحديث الجارية: "وهذا يدل على أن الله على عرشه فوق السماء" ويقول في رسائله إلى أهل الثغر "وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه". وقد دل على ذلك بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ... إلى أن قال – وليس استواؤه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر؛ لأنه لم يزل مستولياً على كل شيء. ورقة ١٤٧ مخطوط بمكتبة الدراسات بالجامعة الإسلامية تحت رقم ٤٧ عقائد. وفي المطبوع ص١٣٠.
والقول بنفي الفوقية هو ما تبناه متأخروا الأشاعرة، أمثال الرازي في تأسيس التقديس ص٤ إذ يقول: "اعلم أنا ندعي وجود موجود لا يمكن أن يشار إليه بالحس أنه هاهنا أو هناك".
وأبي حامد الغزالي: إذ يقول: "ندعي أنه ليس في جهة مخصوصة من الجهات الست... ثم قال فالجهات ست فوق وأسفل وقدام وخلف ويمين وشمال" انظر: الاقتصاد في الاعتقاد ص٢٤.
٣ في الأصل (اظهارهم) وهو تحريف.
٤ انظر: (شرح الأصول الخمسة ص٥٢٨ حيث زعم أن هذا القرآن كلام الله مخلوق وأنه هذا الذي يتلى ويسمع. ثم يقرر في ص ٥٨٦ – ٥٨٧ أن القرآن معجز وأن التحدي واقع بهذه الآيات المسموعة.стр. 162
وقال الأشعري: [القرآن كلام الله سبحانه والسور والآي ليست بكلام الله سبحانه وإنما هي عبارة عنه، وهي مخلوقة] ١.
فوافقهم في القول بخلقها، وزاد عليهم بأنها ليست قرآن ولا كلام الله سبحانه. فإن زعموا أنهم يقرون بأنها قرآن. قيل لهم: إنما يقرون بذلك على وجه المجاز، فإن من مذهبهم أن القرآن غير مخلوق، وأن الحروف مخلوقة، والسور حروف بالاتفاق، من أنكر ذلك لم يخاطب.
وإذا كانت حروفاً مخلوقة لم يجز أن يكون قرآناً غير مخلوق.
وقالت المعتزلة: الزنا والسرقة، وأخذ أموال الناس بغير حق، وما
الحواشي
(١) ١ ليس هذا في شيء من كتب الأشعري التي بين يدي الناس اليوم كالإبانة والمقالات واللمع ورسائل أهل الثغر، بل نراه يقرر في هذه الكتب أنه لا يجوز أن يقال شيء من القرآن مخلوق؛ لأن القرآن كله بكماله غير مخلوق وأنكر على من قال لفظي بالقرآن مخلوق. انظر مثلاً: (الإبانة: ص١٠١) .
ولعل ما ذكره المصنف عنه مما كان يقول به قبل رجوعه إلى مذهب أهل السنة، وهو ما عليه المنتسبون إليه، ويحكون عنه أن كان يقول: "وكلامه واحد وهو أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد، وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه لا إلى عدد في نفس الكلام، والعبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء ﵈ دلالات على الكلام الأزلي، والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي..." انظر: (الملل والنحل ١/ ٩٦) .
وهذا مخالف كما ترى لقول الأشعري الذي انتهى إليه آخر الأمر في (الإبانة وغيرها) "أنه لا يجوز أن يقال شيء من القرآن مخلوق".стр. 163
شاكل ذلك حرام وهو قبيح في العقل قبل التحريم١.
وقال الأشعري: العقل لا يقتضي حسن شيء ولا قبحه، وإنما عرف القبيح والحسن بالسمع ولولا السمع ما عرف قبح شيء ولا حسنه٢.
الحواشي
(١) ١ ذلك أن من مذهبهم: "أن الحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل، واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك بالعقل". انظر: (الشهرستاني: الملل والمحل١/ ٤٥) .
٢ ليس ذلك في شيء من كتبه المعروفة، لكن نقل نحوه عنه. الشهرستاني: انظر: (الملل ١/ ١٠١) وهو قول الأشاعرة بعده. كالجويني في: (الإرشاد ٢٥٨) و (الشهرستاني في نهاية الأقدام ٣٧٠) .
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية اختلاف الناس في هذه المسألة، وأشار إلى كلام السجزي هنا. ويحسن أن أورد كلامه فإنه أحسن من تكلم في هذه المسألة ولخص مقاصدها تلخيصاً حسناً. فقال ﵀: لكن تنازعوا- أهل السنة- في مسألتين: إحداهما: أن العباد هل يعلمون بعقولهم حسن بعض الأفعال، ويعلمون أن الله متصف بفعله، ويعلمون قبح بعض الأفعال ويعلمون أن الله منزه عنه؟ على قولين معروفين:
أحدهما: أن العقل لا يعلم به حسن فعل ولا قبحه، أما في حق الله تعالى فلأن القبيح منه ممتنع لذاته، وأما في حق العباد فلأن الحسن والقبح لا يثبت إلا بالشرع. وهذا قول الأشعري وأتباعه، وكثير من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، وهؤلاء لا ينازعون في الحسن والقبح إذا فسر بمعنى الملائم والمنافي أنه قد يعلم بالعقل، وكذلك لا ينازعون- أو لا ينازع أكثرهم أو كثير منهم- في أنه إذا عنى به كون الشيء صفة كمال أو نقص أنه يعلم بالعقل.
والقول الثاني: أن العقل قد يعلم به حسن كثير من الأفعال وقبحها في حق الله تعالى وحق عباده، وهذا مع أنه قول المعتزلة فهو قول الكرامية وغيرهم من الطوائف، وهو قول جمهور الحنفية، وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد كأبي بكر الأبهري، وغيره من أصحاب مالك وأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب الكلوذاني من أصحاب أحمد، وذكر أن هذا القول قول أكثر أهل العلم، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وأبي بكر القفال وغيرهما من أصحاب الشافعي، وهو قول طوائف من أئمة أهل الحديث.
وعدوا القول الأول من أقوال أهل البدع، كما ذكر ذلك أنو نصر السجزي في رسالته المعروفة في السنة وذكره صاحبه أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني في شرح قصيدته المعروفة في السنة.
قال- وفي المسألة قول ثالث اختاره الرازي في آخر مصنفاته وهو القول بالتحسين والتقبيح العقليين في أفعال العباد دون أفعال الله) أ. هـ (منهاج السنة ١/٣١٦ – ٣١٧) .стр. 164
ثم زعم أن معرفة الله سبحانه واجبة في العقل قبل ورود السمع، وأن تارك النظر فيها مع التمكن منه مستحق للعقوبة١.
والنص٢ إنما دل على ترك عقوبته لا على أنه مستحق لها.
فإن قال: إن معرفة الله وجبت ولم يعلم حسنها واستحق تارك النظر فيها اللوم. كان متلاعباً.
وإن قال: إنها حسنة. فقد أقر بأن العقل يقتضي معرفة الحسن والقبيح. وِإنما ضاق به النفس لما قالت له المعتزلة: الظلم قبيح في العقل، وإذا أراد (الله) ٣ شيئاً ثم عذب عليه كان ظلماً. فركب الطريقة الشنعاء
الحواشي
(١) ١ سيأتي الكلام على هذه المسألة في الفصل التاسع.
٢ وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ .
٣ لفظ الجلالة ليس في الأصل.стр. 165
في أن لا حسن في العقل ولا قبيح.
وكان الأمر (أيسر) ١ في رد ما قالوه من هذا، لأن موضوع اسم
الظلم: لوضع الشيء في غير موضعه، وأخذ ما ليس للآخذ أخذه٢ والله خالق الأشياء ومالكها، ومدبرها وليس لأحد أن يعترض عليه فيما يصنع فيها، ولا يضع الشيء إلا فيما يجعله موضعاً له، ولا يأخذ شيئاً إلا وهو أولى به، ولا يتصور معنى الظلم في أفعاله. وقد قال الله سبحانه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٣.
ولقد حكى محمد بن عبد الله المالكي المغربي٤٥ وكان فقيهاً صالحاً عن الشيخ أبي سعيد البرقي٦ وهو من شيوخ فقهاء المالكيين ببرقة٧ عن أستاذه خلف المعلم٨ وكان من فقهاء المالكيين
الحواشي
(٢٣) .
٤ في النص الوارد في درء التعارض ٧/٢٣٦، (المغربي المالكي) :
٥ لم أجد له ترجمة.
٦ لم أجد له ترجمة.
٧ برقة: "بفتح الباء وسكون الراء وفتح القاف" اسم صقع كبير يشتمل على مدن وقرى بين الاسكندرية وإفريقية. انظر: (معجم البلدان: للحموي ١/ ٣٨٨) .
٨ وهو أبو سعيد: خلف بن عمر، وقيل اسمه: عثمان بن عمر، وقيل عثمان بن خلف، المعروف بابن أخي هشام الخياط، من أهل القيروان، وكان شيخ الفقهاء، وإمام أهل زمانه في الفقه والورع، وكان يعرف بمعلم الفقهاء، لم يكن في وقته أحفظ منه، اختلط علم الحلال والحرام بلحمه ودمه وما اختلف الناس فيه، وما اتفقوا عليه، عالماً بنوازل الأحكام حافظاً بارعاً فراجاً للكروب مع تواضع ورقة قلب وسرعة دمعة ونية خالصة. كان مولده سنة ٢٩٩، وقيل ٢٩٧، وتوفي سنة ٣٧١ وقيل ٣٧٣ هـ. انظر ترجمته في: (الديباج المذهب١/ ٣٤٧) و (ترتيب المدارك ٢/ ٤٨٨ - ٤٩١) .стр. 166
أيضاً أنه١ قال: أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة، فرجع عن الفروع وثبت على الأصول.
وهذا كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره ٢.
الحواشي
(١) ١ عبارة (أيضاً أنه) ليست في درء التعارض.
٢ نقل شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الجملة من كلام المؤلف- (من قوله: (حكى.. إلى قوله (وغوره) في كتابه درء تعارض العقل والنقل٧/ ٢٣٦ وقال: ذكره السجزي في الإبانة. وهو بنصه في هذه الرسالة، ولعل المصنف ذكره في الكتابين وقد أشرت إلى ذلك في الدراسة.
ثم علق ابن تيمية على قول المعلم: (فرجع عن الفروع وثبت على الأصول) . بقوله: (قلت ليس مراده بالأصول ما أظهره من مخالفة السنة، فإن الأشعري مخالف لهم فيما أظهروه من مخالفة السنة كمسألة الرؤية والقرآن والصفات، ولكن أصولهم الكلامية العقلية التي بنوا عليها الفروع المخالفة للسنة مثل هذا الأصل الذي بنوا عليه حدوث العالم وإثبات الصانع، فإن هذا أصل أصولهم كما قد بينا كلام أبي الحسين البصري وغيره في ذلك، وأن الأصل الذي بنت عليه المعتزلة كلامها في أصول الدين، هو هذا الأصل الذي ذكره الأشعري، لكنه مخالف لهم في كثير من لوازم ذلك وفروعه، وجاء كثير من أصحابه المتأخرين كأتباع صاحب "الإرشاد" فوافقوا المعتزلة على موجبها، وخالفوا شيخهم أبا الحسن وأئمة أصحابه، فنفوا الصفات الخبرية ونفوا العلو، وفسروا الرؤية بمزيد علم، لا ينازعهم فيه المعتزلة، وقالوا: ليس بيننا وبين المعتزلة خلاف في المعنى، وإنما خلافهم مع المجسمة.
وكذلك قالوا في القرآن: إن القرآن الذي قالت المعتزلة إنه مخلوق، نحن نوافقهم على خلقه، ولكن ندعي ثبوت معنى آخر وأنه واحد قديم. قال- والمعتزلة تنكر هذا بالكلية، وصارت المعتزلة والفلاسفة مع سائر جمهور العقلاء يشنعون عليهم بمخالفتهم لصريح العقل، ومكابرتهم للضروريات. إ هـ.стр. 167
ففي هذا القدر كفاية، ولعل غير هذه الرسالة يأتي على شرح موافقته لهم فيقفوا عليه إن شاء الله تعالى.
стр. 168
الفصل السادس: في إيراد الحجة على أن الكلام لن يُعرَّى عن حرف وصوت البتة، وأن ما عُرّى عنهما لم يكن كلاماً في الحقيقة وإنما سمي في وقت بذلك تجوزاً واتساعاً وتحقيق جواز وجود الحرف والصوت من غير آلة وأداة وهواء منخرق وبيان قول السلف وإفصاحهم بذكر الحرف والصوت أو ما دل عليهما.
ينبغي: أن ينظر في كتب من درج، وأخبار السلف هل قال أحد منهم: إن الحروف المتسقة التي يتأتى١ سماعها وفهمها ليست بكلام الله سبحانه على الحقيقة؟ وأن الكلام غيرها ومخالف لها، وأنه معنى لا يدرى ما هو غير محتمل شرحاً وتفسيراً؟ فإن جاء ذلك عن أحد من الأوائل والسلف، وأهل النحل قبل مخالفينا الكلابية والأشعرية عذروا في موافقتهم إياه.
وإن لم يرد ذلك عمن سلف من القرون٢ والأمم ولا نطق به كتاب منزل ولا فاه به نبي مرسل ولا اقتضاه عقل، علم جهل مخالفينا وإبداعهم٣
الحواشي
(١) ١ في الأصل (يأتي) .
٢ في الأصل (القران) وهو تحريف.
٣ أي ابتداعهم: يقال: أبدع الرجل وابتدع: إذا أتى ببدعة، ويقال: أبدعت الشيء إذا اخترعته على غير مثال سابق. انظر: (تاج العروس مادة (بدع) ٥/ ٢٧١) و (الصحاح: للجوهري: ٣/١١٨٢) .стр. 169
ولن يقدر أحد (في) ١ علمي على إيراد ذلك عن الأوائل ولا اتخاذه إيانا٢ في أثر ولا عقل.
وكل ما يتعلق به مخالفونا في هذا الفصل فمن المجاز، أو بنيات الطرق، والعقل والسمع معاً يؤيدان ما نقوله، وبه ينطق الكتاب والأثر، وثبت العرف به.
فأما تعلقهم ببيت الأخطل٣ فإن معنى قوله: إن البيان من الفؤاد٤ ... هو: أن المرء إنما يروي في نفسه أولاً ما يريد أن يتكلم به، فالموجب للبيان هو الذي انطوى عليه القلب٥ وحقيقة الكلام هو النطق به المسموع لا غير.
والذي قاله الأخطل إنما يكون في أوقات مخصوصة لآحاد من الناس. والغالب من أحوالهم الكلام على الهاجس٦ بما لم يرددوه في أنفسهم ولم يهموا به.
الحواشي
(١) (في) ليست في الأصل وزدتها لاقتضاء السياق.
٢ هكذا في الأصل والكلام غير مستقيم ويحتمل أن يكون صوابها هكذا: (ولا اتخاذهم إياه دينًا في أثر أو عقل) . والله أعلم.
٣ تقدم التعريف به، انظر ص ١٢٠.
٤ تقدم البيت بتمامه مع تخريجه، انظر ص ١٢٠.
٥ وهو المعنى.
٦ الهاجس: الخاطر: والهجس: "ما وقع في خلدك، تقول: هجس في قلبي هم وأمر". انظر: (لسان العرب ٦/ ٢٤٦) .стр. 170
ولو كان حقيقة الكلام ما يتعلق بالفؤاد دون النطق لكان كل ذي فؤاد ناطقاً متكلماً في حال سكوته، ووجود الآفة به، كالأخرس١ والطفل والنائم.
ولا خلاف بين العقلاء في أن الطفل الرضيع أول (ما) ٢ يولد غير متكلم، وأن الأخرس والساكت ليسا بمتكلمين، وكذلك النائم في الغالب٣.
وقد دل القرآن على أن القرآن هو النطق، وذلك قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ٤. والإنصات عند العرب ترك النطق٥، وقال النبي ﷺ : " رحم الله (من) ٦ تكلم فغنم،
الحواشي
(٢٠٤) .
٥ قال الراغب: والإنصات: هو الاستماع مع ترك الكلام. (المفردات ٢٨٩) . والإنصات: هو السكوت والاستماع للحديث. انظر: (تاج العروس ١/ ٥٩١) و (لسان العرب ٢/ ٩٩)
والسكوت: خلاف النطق، وقيل: هو ترك الكلام مع القدرة عليه. انظر: (تاج العروس أيضاً ١/ ٥٥٣) .
(من) في الأصل بالهامش وعليها إشارة تضبيب، ولم أقف على هذه اللفظة إلا عند ابن المبارك في لفظ أشار إليه المحقق في الحاشية انظر: الزهد ١٢٨ حاشية ٣.стр. 171
أو سكت فسلم" ١
فعلم بذلك أن السكوت والكلام لا يجتمعان في الوقت الواحد، في محل واحد.
ولا خلاف بين صدور علماء المسلمين (في أن) ٢ من قال في نفسه: عبدي حر من غير أن ينطق بذلك، لم يعتق عبده.
ولو قال: عبدي حر نطقاً ثم قال: لم أنو بما قلت عتقه. حكم بعتق العبد ولم يلتفت إلى نيته.
الحواشي
(١) ١ الحديث روي بألفاظ مختلفة ففي بعضها "رحم الله امرءاً تكلم فغنم أو سكت فسلم". أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن مرسلاً، وفي بعضها "رحم الله عبداً قال فغنم أو سكت فسلم ". أخرجه أبو الشيخ عن أبي أمامة، وفي بعضها: "رحم الله عبداً قال فغنم أو سكت عن سوء فسلم". أخرجه ابن المبارك عن خالد ابن أبي عمران مرسلاً. انظر: السيوطي: الجامع الصغير ٢/ ٢٣، وابن المبارك: الزهد ١٢٨. وللحديث طرق أخرى عند البغوي من حديث كامل بن طلحة (٣/ ٢) والقضاعي في مسند الشهاب (٢/ ٤٧) . من طريقين عن الحسن مرسلاً ومرفوعاً. أشار إلى ذلك الشيخ ناصر الدين الألباني، وقال بعد أن ذكر من خرج الحديث: "فالحديث عندي حسن بمجموع هذه الطرق والله أعلم" انظر: الصحيحة ٢/ ٥٣٥ ح ٨٥٥.
وأخرج نحوه الطبراني بلفظ " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمراً فليتكلم بحق أو ليسكت " من حديث أبي هريرة ﵁ من طريق الجعفي عن زائدة ابن قدامة عن ميسرة الأشجعي، قال: لم يروه عن ميسرة إلا زائدة تفرد به عن الجعفي (المعجم الصغير ١/ ٢٦٢) .
٢ في الأصل (بأن) والسياق يقتضي ما أثبت.стр. 172
ولو قال إنسان في نفسه: أم فلان زانية أو فلان زان ولم ينطق بذلك لم يلزمه حد القذف، وإن نطق بذلك وقال: ما في نفسي شيء مما قلته. حُدّ، ولم يلتفت إلى ما في نفسه١.
وغير جائز عند ذوي التحصيل تعلق الأحكام بالمجاز دون الحقيقةفيها. فلما وجدنا أحكام الشريعة المتعلقة بالكلام منوطة بالنطق الذي هو حرف وصوت، دون ما في النفس، علمنا أن حقيقة الكلام هي الحرف والصوت.
ولو حلف امرء أنه لا يتكلم ساعة من النهار، فأقام في تلك الساعة
الحواشي
(١) ١ ذلك لأن الشارع علق المؤاخذة والأحكام على ما يتكلم وينطق الإنسان به دون ما يجول في نفسه، من الحديث والوسوسة، كما في قوله ﷺ : "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل به". وسيورد المؤلف نص الحديث قريباً.
وقد نقل الخطابي الإجماع على معنى ذلك حيث قال: وأجمعوا على أنه لو عزم على الظهار لم يلزمه حتى يلفظ به،- قال: وهو بمعنى الطلاق وكذلك لو حدث نفسه بالقذف لم يكن قاذفاً، ولو حدث نفسه في الصلاة لم يكن عليه إعادة، وقد حرم الله تعالى الكلام في الصلاة، فلو كان حديث النفس بمعنى الكلام لكانت صلاته تبطل. انظر: (معالم السنن ٣/ ١٣٥) .
وقال ابن قدامة المقدسي- في مسألة العتق: ويحصل العتق بالقول والملك والاستيلاد،- ثم قال: ولا يحصل بالنية المجردة، لأنه إزالة ملك فلا يحصل بالنية المجردة كسائر الإزالة – وقال: "ولو قال. عبدي حر نطقاً ثم قال لم أنو بما قلت عتقه حكم بعتق العبد ولم يلتفت إلى نيته". (المغني: ١٠/ ٢٩٣ – ٢٩٤) .стр. 173
يحدث نفسه بأشياء، ولا ينطق بها، كان باراً غير حانث، ولو كان الكلام هو ما في النفس حنث في أول ما يحدث به نفسه١.
فإن قيل: الأيمان إنما تعلق بالعرف فلذلك لم يحنث إذا لم ينطق.
قيل: هذا أعظم الحجج عليكم لأنكم أُلجئتم إلى إقرار بأن عرف الناس كافة، هو: أن حقيقة الكلام هي النطق الذي لا يعرى عن حرف وصوت، دون ما في النفس. ولو كان الكلام من الفؤاد على ما زعموا لم يجز أن يوصف الله سبحانه بالكلام أصلاً؛ لأنه ليس بذي فؤاد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً٢.
الحواشي
(١) ١ حكى ابن قدامة إجماع الفقهاء على ذلك فقال: "واتفق العلماء بأجمعهم على أن من حلف لا يكلم فحدث نفسه بشيء دون أن ينطق بلسانه لم يحنث ولو نطق حنث". انظر: (روضة الناظر ٩٨) .
ويشهد لذلك قضية الكلام في الصلاة فقد صح عنه ﷺ أنه قال: " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس".
وقد اتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامداً لغير مصلحتها بطلت صلاته. واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك. فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام. انظر: (شرح الطحاوية: ١٩٩) و (الإيمان لابن تيمية: ١٢٧) .
٢ منهج السلف في باب أسماء الله وصفاته ٠"أن لا يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ " فلا يجوز أن يوصف الله سبحانه إلا بما ورد به النص ولم يرد نص أنه ذو فؤاد ولا أنه ليس بذي فؤاد، فلا يثبت ولا ينفى لعدم ورود النص. والله أعلم.стр. 174
والأخطل نصراني١ إسلامي٢ وهو ومن تقدمه من شعراء الجاهلية، إنما نحتج بقولهم في موضوعات لغة العرب.
ومعرفة الكلام ما هو؟ مما يشترك فيه العرب وسائر الناس ولا يحتج فيه ببيت نادر مع ظهور فساده٣.
وأما احتجاجهم بقوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ يما نقول﴾ ٤
الحواشي
(١) ١ تقدم نقل ذلك في ترجمته، كما تقدم بيان ضلال النصارى في مسألة كلام الله. انظر: ص١٢٠.
٢ هذه الكلمة لم يتضح لي مناسبتها للسياق، والمعنى بدونها واضح والكلام تام. وقد يكون في الكلام سقط وتقدير الكلام (والأخطل نصراني وليس بإسلامي) أي شاعر نصراني وليس بمسلم.
٣ لشيخ الإسلام ابن تيمية كلام حسن في هذا المعنى يؤيد ما ذهب إليه المؤلف يقول ﵀: "... ثم يقال: مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس مما يحتاج فيه إلى قول شاعر، فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة وعرفوا معناه في لغتهم كما عرفوا مسمى الرأس، واليد، والرجل.
وأيضاً فالناطقون باللغة يحتج باستعمالهم للألفاظ في معانيها لا بما يذكرونه من الحدود فإن أهل اللغة الناطقين لا يقول أحد منهم إن الرأس كذا واليد كذا، والكلام كذا، واللون كذا، بل ينطقون بهذه الألفاظ دالة على معانيها فتعرف لغتهم من استعمالهم.
فعلم أن الأخطل لم يرد أن يذكر مسمى الكلام ولا أحد من الشعراء يقصد ذلك البتة وإنما أراد – إن كان قال ذلك – ما فسره به المفسرون للشعر. أي: أصل الكلام من الفؤاد، وهو المعنى ...." انظر: الإيمان (١٣٢/ ١٣٣) .
٤ في الأصل الآية هكذا (ويقولون في أنفسهم ما ليس لهم علم) وهو خطأ من الناسخ فليس في المصحف آية بهذا النص، وصواب الآية ما أثبت في الأصل وهي في سورة (المجادلة آية ١٨) .стр. 175
فنقلت١ عليهم؛ لأن القول لما كان في الحقيقة هو الحروف المتسقة٢ المسموعة، والذي من المنافقين بخلاف ذلك بين الله سبحانه أنهم قالوه في أنفسهم.
ونحن لا ننكر تجويز العرب وسائر العقلاء أن يقال: قلت في نفسي، وحدثت نفسي، وإنما نقول: إن ذلك تجوز واتساع وليس بحقيقة الكلام لما ذكرنا أولاً من تعلق الأحكام بما هو حروف دون ما في النفس٣.
وأما تعلقهم بقوله ﷻ : ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً﴾ ٤ فمثل الأول والقول في النفس مجاز وإنما سمي بذلك لأنه يصير في ثاني الحال قولاً، والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان قريباً منه أو كان منه بسبب٥.
الحواشي
(٧٧) .
٥ قال الثعالبي: "العرب تسمي الشيء باسم غيره إذا كان مجاوراً له أو كان منه بسبب كتسميتهم المطر بالسماء؛ لأنه منها ينزل وفي القرآن: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ أي المطر، وكما قال جل اسمه: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ أي عنباً ولا خفاء بمناسبتها ..." انظر: (فقه اللغة وسر العربية ٤٨٤ – ٤٨٥) .стр. 176
وقد ذكرنا قول الأوائل والعرب قبل هذا١ وأن الكلام هو الحروف المتسقة٢ والأصوات المقطعة والاسم والفعل والحرف الجاي لمعنى. وقد " نهى النبي ﷺ عن صوم الصمت "٣.
وإذا كان الصامت متكلماً في حال صمته فلا معنى للنهي.
ومن قول الحكماء: [لئن كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب] ٤.
الحواشي
(١) ١ انظر: مقدمة المؤلف.
٢ في الأصل المشتقة وهو خطأ.
٣ د/ الوصايا / باب ما جاء متى ينقطع اليتم ٣/ ٢٩٣ ح ٢٨٧٣ من حديث علي ابن أبي طالب ﵁ ولفظه "حفظت عن رسول الله ﷺ "لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل ".
وقال المنذري: في إسناده يحيى بن محمد المدني الجاري. قال الخطابي: يتكلمون فيه. وقال ابن حبان يجب التنكب عما انفرد به من الروايات. وذكر العقيلي هذا الحديث، وذكر أن هذا الحديث لا يتابع عليه يحيى الجاري ... قال – وقد روي هذا الحديث من رواية جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وليس فيها شيء يثبت. إهـ (مختصر سنن أبي داود ٤/ ١٥٢ – ١٥٣) وقال ابن حجر في ترجمة يحيى الجاري: "إنه صدوق يخطيء". انظر: (التقريب ٢/ ٣٥٧) على أن الإمام السيوطي أشار إلى أن الحديث حسن. (الجامع الصغير ٢/ ٢٠٤) وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر: (صحيح الجامع الصغير ٦/ ٢١٣) .
٤ روي ذلك من كلام لقمان الحكيم: انظر: ابن أبي عاصم: الزهد ص ٢٢، وابن أبي الدنيا: الصمت وآداب اللسان ٦١٤ حـ ٧٤١.
ورواه ابن أبي الدنيا من كلام سليمان بن داود ﵉. انظر: ص ٢١٦ حـ ٤٧ المرجع السابق.стр. 177
ففضل السكوت على الكلام لاقتران السلامة به. فإن النبي ﷺ قال: "من صمت نجا "١.
والشاعر قال:
ما إن ندمت على سكوت مرة ... فلقد ندمت على الكلام مرارًا٢
الحواشي
(١) ١ ت: صفة القيامة / باب رقم ٥٠ جـ ٤/ ٦٦٠ حـ ٢٥٠١ من حديث عبد الله ابن عمرو. وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة ...".
دي: رقائق / باب في الصمت ٢/ ٢٩٩ من طريق ابن لهيعة من حديث عبد الله ابن عمرو أيضاً. حم: ٢/ ١٥٩، ١٧٧.
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بعد أن ساق قول الترمذي السابق: "قلت يعني أنه ضعيف لسوء حفظ ابن لهيعة الذي عرف به، لكن رواه عنه بعض العبادلة الذين حديثهم عنه صحيح عند المحققين من أهل العلم منهم عبد الله بن المبارك فقال في كتاب الزهد: (ق١٧٢/١ كواكب ٥٧٥ ورقمه ٣٨٥) . طبع الهند وانظر كتاب الزهد/ باب حفظ اللسان ص١٣٠ بتحقيق الأعظمي. انبأنا عبد الله بن لهيعة به، ومنهم عبد الله بن وهب فرواه في الجامع ٤٩، وأخرجه ابن شاهين في الترغيب (ق ١٠٧ / ١) من طريق ابن وهب عنه به، لكنه قرن معه عمرو بن الحارث، وهو ثقة. ولعل الطبراني أخرجه من هذه الطريق فقد قال المنذري: (٤/ ٩) رواه الترمذي وقال غريب والطبراني رواته ثقات، ونقل المناوي عن الزين العراقي أنه قال: "سند االترمذي صعيف وهو عند الطبراني بسند جيد اهـ، انظر: فيض القدير ٦/١٧١. (سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/ ٦٢ حـ ١٧١) .
٢ ذكره ابن حبان البستي مع بيت قبله وبيتين بعده ولم يعزها لأحد. فقال: ولقد أحسن الذي يقول:
إن يعجبك السكوت فإنه ... قد كان يعجب قبلك الأخيارا
ولئن ندمت على سكوت مرة ... فلقد ندمت على الكلام مرارا
إن السكوت سلامة ولربما ... زرع الكلام عداوة وضرارا
وإذا تقرب خاسر من خاسر ... زادا بذلك خسارة وتبارا
(روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص ٤٥) .стр. 178
والذي يقول في نفسه من غير أن ينطق به ساكت عند الخلق كافة. ولا يقع التفاضل بينه وبين السكوت وإنما يقع ذلك بين النطق بالحروف والأصوات والسكوت عنه.
وقال عمر١بن الخطاب ﵁ في حديث السقيفة٢: [وكنت زورت في نفسي مقالة أردت أن أقوم بها بين يدي أبي بكر] ٣ فبين أنه لم يقم بها في حال تزوره. والتزوير٤ في هذا الموضع هو: أن يروي المرء في نفسه أولا ما يحب أن يتكلم به ويصلحه، ويتأمل إن قيل به، حتى يتصور كالمقول ثم ينطق به. وهذا شأن ذوي التحصيل خيفة منهم على٥ وقوع الزلل مع العجلة.
وقال النبي ﷺ : "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما
الحواشي
(١) ١ في الأصل (بن عمر) ومضروب على كلمة (بن) .
٢ أي سقيفة بني ساعدة.
٣ خـ: كتاب الحدود / باب رجم الحبلى من الزنا ١٢/ ١٤٤ حـ ٦٨٣٠ من حديث عبد الله بن عباس. وفيه: "وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر".
حم: ١/ ٥٦. بلفظ البخاري.
٤ قال الأصمعي: "التزوير تهيئة الكلام وتقديره، والإنسان يزور كلاماً، وهو أن يقومه ويتقنه قبل أن يتكلم به". انظر: (لسان العرب ٤/ ٣٣٧) .
٥ كذا بالأصل ولعل الأصوب (من) .стр. 179
لم تكلم أو تعمل به" ١.
وهو حديث صحيح مشهور، وقد تلقته الأمة بالقبول وعلقوا به كثيراً من الأحكام.
وقد أخرج النبي ﷺ حديث النفس عن أن يكون كلاماً في الحقيقة بقوله: "ما لم تتكلم به٢ فبين أن من تحدث (في) ٣ نفسه بالشيء غير متكلم به في تلك الحالة وغير مؤاخذ بما كان منه.
وقال اليزيدي٤ في كتاب "ما اتفق لفظه واختلف معناه من لغات
الحواشي
(١) ١ خ: كتاب العتق / باب الخطأ والنسيان ٥/ ١٦٠ حـ ٢٥٢٨ من حديث أبي هريرة ﵁. وكتاب الأيمان والنذور / باب إذا حنث ناسياً في الأيمان ١١/ ٥٤٨ حـ ٦٦٦٤. وكتاب الطلاق باب الطلاق في الإغلاق ... والنسيان ٩/ ٣٨٨ حـ ٥٢٦٩.
م: الإيمان /باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر ١/١١٦ حـ ٢٠١، ٢٠٢
ت: الطلاق / باب ما جاء فيمن يحدث نفسه بطلاق امرأته ٣/ ٤٨٠ حـ ١١٨٣
د: الطلاق / باب في الوسوسة بالطلاق ٢/ ٦٥٧ حـ ٢٢٠٩.
ن: الطلاق / باب من طلق في نفسه ٦/ ١٢٧.
جه: الطلاق / باب من طلق في نفسه ولم يتكلم ١/ ٦٥٨ حـ ٢٠٤٠، وباب طلاق المكره والناسي ١/ ٦٥٩ حـ ٢٠٤٤.
حم: ٢/ ٤٢٥، ٤٧٤، ٤٨١، ٤٩١ مسند أبي هريرة.
٢ في الأصل يتكلم وهو خلاف الرواية.
٣ ليست في الأصل. والسياق يقتضيها.
٤ هو إبراهيم بن أبي محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي اليزيدي أبو إسحاق،
أديب وشاعر من ندماء المأمون العباسي، توفي سنة ٢٢٥ هـ. ترجمته لدى: ابن خلكان: وفيات الأعيان ٦/ ١٩٠، والأعلام: ١/ ٧٤.стр. 180
العرب"١: الحرف هو الواحد من حروف الكلام، والحرف حرف البئر وحرف الرغيف، وحرف كل شيء جانبه، والحرف الشك، فسروا قوله جل وعز: (على حرف) ٢ على شك، والحرف الناقة الضامرة التي قد نحلت٣.
فبين أن الكلام عند العرب هو الحروف لا غير.
واليهود، والنصارى، مقرون بأن لله كلاماً، ومختلفون في نفي الخلق عنه وإثباته كاختلاف المسلمين، ومجمعون على أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً. فإن قال قائل: إن أكثر ما ذكرت في هذا الفصل مما يتعلق / بالشاهد والله تعالى بخلاف المشاهدات. فوجب أن لا يكون كلامه حرفاً وصوتاً، إلا أن يأتي نص من الكتاب أو إجماع من الأمة، أو خبر من أخبار التواتر بأن كلام الله سبحانه حرف وصوت.
قيل له: الواجب أن يعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي ﷺ لما أداها بتفسير
الحواشي
(١) ١ ص: ٢٤٥، بتحقيق د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين.
٢ سورة الحج آية ١١ – وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ .
٣ وانظر هذه المعاني والإطلاقات للحرف في: (لسان العرب ٩/ ٤١ – ٤٢) .следующие страницы →