← Акыда

Акыда · id 11213

رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت

عبيد الله السجزي

Полный текст (322 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فأما ما عدا ذلك من الروايات المعلولة والطرق الواهية، فلا يجوز أن يعتقد في ذات الله سبحانه ولا في صفاته ما يوجد فيها١ باتفاق العلماء للأثر٢. ومخالفة الأشعري وأضرابه للعقليات، ومناقضتهم تكثر ولعل الله سبحانه يسهل لنا جمع ذلك في كتاب بمنه، وإنما أشرنا هاهنا إلى يسير منه وفيه مقنع إن شاء الله تعالى. وأما تظاهرهم بخلاف ما يعتقدونه كفعل الزنادقة ففي إثبات أن الله سبحانه استوى على العرش، ومن عقدهم: أنّ الله سبحانه لا يجوز أن يوصف بأنه في سماء ولا في أرض، ولا على عرش ولا فوق٣.

стр. 142

وقد ذكر ابن١ الباقلاني: "أن الاستواء فعل له أحدثه في العرش"٢ وهذا مخالف لقول علماء الأمة، وقد سئل مالك بن أنس رحمة الله عليه عن هذه المسألة فأجاب: "بأن الاستواء غير مجهول، والكيفية غير معقولة، الإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة"٣.

стр. 143

قال الله سبحانه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١ وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ٢ وقال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٣ وقال: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٤ وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ﴾ الآية٥ والآية التي بعدها٦. وقال النبي ﷺ : "ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا – حتى ذكر سبع سماوات- وفوق ذلك بحر ما بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ذلك ثمانية أوعال٧ كواهلهم تحت عرش الرحمن، وأقدامهم تحت الأرض السابعة السفلى، وفوق ذلك العرش، والله (سبحانه)

стр. 144

فوق ذلك". (أخرجه) ١ أبو داود٢ في كتاب السنن عن أبي هريرة٣ ٤

стр. 145

وجبير بن مطعم ١ ٢ وغيرهما٣ عن النبي ﷺ هذا المعنى والطرق مقبولة٤

стр. 146

محفوظة وروي عن عبد الله بن مسعود١٢ وعبد الله بن عباس٣٤ وعبد الله بن عمر٥٦ وأنس بن

стр. 147

مالك١٢ وغيرهم٣ مثل ذلك موقوفاً. هـ ونص أحمد بن حنبل٤رحمة الله عليه على أن الله تعالى بذاته٥ فوق العرش، وعلمه بكل مكان٦. وروى ذلك هو وغيره عن عبد الله بن نافع٧ عن مالك بن

стр. 148

أنس رحمة الله عليه١ وقد رواه غير وحد مع ابن نافع عن مالك بن أنس، وكذلك رواه الثقات عن سفيان بن سعيد الثوري٢٣ وروي نحوه عن/ الأوزاعي٤٥ وهؤلاء أئمة الآفاق. واعتقاد أهل

стр. 149

الحق أنّ الله سبحانه فوق العرش بذاته ١ من غير

стр. 150

مماسة١ وأن الكرامية ٢ ومن تابعهم على قول المماسة ضلال ٣. وقد أقر الأشعري بحديث النزول٤٥ ثم قال: [النزول فعل

стр. 151

له يحدثه في السماء] ١. وقال بعض أصحابه: [المراد به نزول أمره] ٢ ونزول الأمر عندهم لا يصح٣ وعند أهل الحق الذات بلا كيفية ٤ ٥.

стр. 152

وزعم الأشعري: أن الله سبحانه غير ممازج للخلق وغير مباين لهم، والأمكنة غير خالية منه، وغير ممتلية به١. وهذا كلام مسفت٢ لا معنى تحته، وتحقيقه النفي بعد الإثبات. وبعض أصحابه وافق المعتزلة وسائر الجهمية في قولهم: إن الله بذاته في كل مكان٣ / وذكر عن بشر المريسي٤ أنه قيل له: فهو في جوف حمارك فقال نعم٥.

стр. 153

ومن قال هذا فهو كافر، والله سبحانه متعال عما قالوه. وعند أهل الحق أن الله سبحانه مباين لخلقه بذاته فوق العرش بلا كيفية بحيث لا مكان١. وقد ثبت الحديث الذي في موطأ مالك٢ بن أنس ﵀ وفي

стр. 154

غيره من كتب العلماء١: أنّ النبي ﷺ قال للجارية التي أراد عتقها من عليه عتق رقبة مؤمنة: " أين الله؟ قالت: في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة". وعند الأشعري أن من اعتقد أن الله بذاته في السماء فهو كافر٢. وإن زمانا يقبل فيه قول من يرد على الله سبحانه، وعلى الرسول ﷺ ، ويخالف العقل، ويعد مع ذلك إماماً، لزمان صغب٣ والله المستعان. ولقد قال الأوس بن حارث بن ثعلبة٤ عند موته قصيدة يوصي

стр. 155

فيها إلى ابنه مالك١ وذلك قبل الإسلام فيها: فإن تكن الأيام أبلين أعظمي وشيبن رأسي والمشيب مع العمر فإن لنا ربا عليٌ فوق عرشه عليماً بما نأتي من الخير والشر٢ وقال غيره قبل الإِسلام: وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا ٣

стр. 156

وقيل إن عبد الله بن رواحة١ قاله في الإسلام، وهو صحابي. ومثله في الشعر وكلام العرب قديماً كثير. وليس٢ في٣ قولنا: إنّ الله سبحانه فوق العرش تحديد٤ وإنما التحديد يقع للمحدثات، فمن العرش إلى ما تحت الثرى محدود والله سبحانه٥ فوق ذلك بحيث لا مكان ولا حد، لاتفاقنا أن الله سبحانه٦ كان ولا مكان، ثم خلق المكان وهوكما كان قبل خلق المكان) ٧.

стр. 157

وقد ذكر الله سبحانه في القرآن ما يشفي الغليل وهو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ ١ فخص العرش بالاستواء، وذكر ملكه لسائر الأشياء فعلم أنّ المراد به غير الاستيلاء. وإنما يقول بالتحديد من يزعم أنه سبحانه بكل٢ مكان، وقد علم أنّ الأمكنة محدودة، فإذا٣ كان فيها بزعمهم كان محدوداً، وعندنا أنه

стр. 158

مباين للأمكنة، ومن حلها ومن فوق١ كل محدث. فلا تحديد٢ في قولنا٣ وهو ظاهر لا خفاء به٤ هـ.

стр. 159

الفصل الخامس: في بيان أن فرق اللفظية والأشعرية موافقون للمعتزلة في كثير من مسائل الأصول وزائدون عليهم في القبح وفساد القول في بعضها وأما موافقتهم للمعتزلة: فإن المعتزلة قالت: لا تجوز رؤية الله تعالى بالأبصار، وأنه ليس بمرئي١. وقال الأشعري: هو مرئي ولا يرى بالأبصار عن مقابلة٢. فأظهر

стр. 160

خلافهم وهو موافق لهم. وقالت المعتزلة: لا يجوز أن توصف ذات الله بالكلام١، ولا كلام إلا ما هو حرف وصوت٢. وقال الأشعري: [يجب وصف ذاته سبحانه بالكلام وليس ذلك بحرف ولا صوت] ٣ فنفى ما نفته المعتزلة وأثبت ما لا يعقل، فهو مظهر خلافهم موافق لهم في الأصل. وأنكرت حديث المعراج.

стр. 161

وقال الأشعري: إنه ثابت١، ثم قال: [الله لا يجوز أن يوصف أنه فوق] ٢ فكذب بما في حديث المعراج، فصار موافقاً لهم مع (إظهاره) ٣ الخلاف. وقالت المعتزلة: السور والآي مخلوقة، وهي قرآن معجز٤.

стр. 162

وقال الأشعري: [القرآن كلام الله سبحانه والسور والآي ليست بكلام الله سبحانه وإنما هي عبارة عنه، وهي مخلوقة] ١. فوافقهم في القول بخلقها، وزاد عليهم بأنها ليست قرآن ولا كلام الله سبحانه. فإن زعموا أنهم يقرون بأنها قرآن. قيل لهم: إنما يقرون بذلك على وجه المجاز، فإن من مذهبهم أن القرآن غير مخلوق، وأن الحروف مخلوقة، والسور حروف بالاتفاق، من أنكر ذلك لم يخاطب. وإذا كانت حروفاً مخلوقة لم يجز أن يكون قرآناً غير مخلوق. وقالت المعتزلة: الزنا والسرقة، وأخذ أموال الناس بغير حق، وما

стр. 163

شاكل ذلك حرام وهو قبيح في العقل قبل التحريم١. وقال الأشعري: العقل لا يقتضي حسن شيء ولا قبحه، وإنما عرف القبيح والحسن بالسمع ولولا السمع ما عرف قبح شيء ولا حسنه٢.

стр. 164

ثم زعم أن معرفة الله سبحانه واجبة في العقل قبل ورود السمع، وأن تارك النظر فيها مع التمكن منه مستحق للعقوبة١. والنص٢ إنما دل على ترك عقوبته لا على أنه مستحق لها. فإن قال: إن معرفة الله وجبت ولم يعلم حسنها واستحق تارك النظر فيها اللوم. كان متلاعباً. وإن قال: إنها حسنة. فقد أقر بأن العقل يقتضي معرفة الحسن والقبيح. وِإنما ضاق به النفس لما قالت له المعتزلة: الظلم قبيح في العقل، وإذا أراد (الله) ٣ شيئاً ثم عذب عليه كان ظلماً. فركب الطريقة الشنعاء

стр. 165

في أن لا حسن في العقل ولا قبيح. وكان الأمر (أيسر) ١ في رد ما قالوه من هذا، لأن موضوع اسم الظلم: لوضع الشيء في غير موضعه، وأخذ ما ليس للآخذ أخذه٢ والله خالق الأشياء ومالكها، ومدبرها وليس لأحد أن يعترض عليه فيما يصنع فيها، ولا يضع الشيء إلا فيما يجعله موضعاً له، ولا يأخذ شيئاً إلا وهو أولى به، ولا يتصور معنى الظلم في أفعاله. وقد قال الله سبحانه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٣. ولقد حكى محمد بن عبد الله المالكي المغربي٤٥ وكان فقيهاً صالحاً عن الشيخ أبي سعيد البرقي٦ وهو من شيوخ فقهاء المالكيين ببرقة٧ عن أستاذه خلف المعلم٨ وكان من فقهاء المالكيين

стр. 166

أيضاً أنه١ قال: أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة، فرجع عن الفروع وثبت على الأصول. وهذا كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره ٢.

стр. 167

ففي هذا القدر كفاية، ولعل غير هذه الرسالة يأتي على شرح موافقته لهم فيقفوا عليه إن شاء الله تعالى.

стр. 168

الفصل السادس: في إيراد الحجة على أن الكلام لن يُعرَّى عن حرف وصوت البتة، وأن ما عُرّى عنهما لم يكن كلاماً في الحقيقة وإنما سمي في وقت بذلك تجوزاً واتساعاً وتحقيق جواز وجود الحرف والصوت من غير آلة وأداة وهواء منخرق وبيان قول السلف وإفصاحهم بذكر الحرف والصوت أو ما دل عليهما. ينبغي: أن ينظر في كتب من درج، وأخبار السلف هل قال أحد منهم: إن الحروف المتسقة التي يتأتى١ سماعها وفهمها ليست بكلام الله سبحانه على الحقيقة؟ وأن الكلام غيرها ومخالف لها، وأنه معنى لا يدرى ما هو غير محتمل شرحاً وتفسيراً؟ فإن جاء ذلك عن أحد من الأوائل والسلف، وأهل النحل قبل مخالفينا الكلابية والأشعرية عذروا في موافقتهم إياه. وإن لم يرد ذلك عمن سلف من القرون٢ والأمم ولا نطق به كتاب منزل ولا فاه به نبي مرسل ولا اقتضاه عقل، علم جهل مخالفينا وإبداعهم٣

стр. 169

ولن يقدر أحد (في) ١ علمي على إيراد ذلك عن الأوائل ولا اتخاذه إيانا٢ في أثر ولا عقل. وكل ما يتعلق به مخالفونا في هذا الفصل فمن المجاز، أو بنيات الطرق، والعقل والسمع معاً يؤيدان ما نقوله، وبه ينطق الكتاب والأثر، وثبت العرف به. فأما تعلقهم ببيت الأخطل٣ فإن معنى قوله: إن البيان من الفؤاد٤ ... هو: أن المرء إنما يروي في نفسه أولاً ما يريد أن يتكلم به، فالموجب للبيان هو الذي انطوى عليه القلب٥ وحقيقة الكلام هو النطق به المسموع لا غير. والذي قاله الأخطل إنما يكون في أوقات مخصوصة لآحاد من الناس. والغالب من أحوالهم الكلام على الهاجس٦ بما لم يرددوه في أنفسهم ولم يهموا به.

стр. 170

ولو كان حقيقة الكلام ما يتعلق بالفؤاد دون النطق لكان كل ذي فؤاد ناطقاً متكلماً في حال سكوته، ووجود الآفة به، كالأخرس١ والطفل والنائم. ولا خلاف بين العقلاء في أن الطفل الرضيع أول (ما) ٢ يولد غير متكلم، وأن الأخرس والساكت ليسا بمتكلمين، وكذلك النائم في الغالب٣. وقد دل القرآن على أن القرآن هو النطق، وذلك قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ٤. والإنصات عند العرب ترك النطق٥، وقال النبي ﷺ : " رحم الله (من) ٦ تكلم فغنم،

стр. 171

أو سكت فسلم" ١ فعلم بذلك أن السكوت والكلام لا يجتمعان في الوقت الواحد، في محل واحد. ولا خلاف بين صدور علماء المسلمين (في أن) ٢ من قال في نفسه: عبدي حر من غير أن ينطق بذلك، لم يعتق عبده. ولو قال: عبدي حر نطقاً ثم قال: لم أنو بما قلت عتقه. حكم بعتق العبد ولم يلتفت إلى نيته.

стр. 172

ولو قال إنسان في نفسه: أم فلان زانية أو فلان زان ولم ينطق بذلك لم يلزمه حد القذف، وإن نطق بذلك وقال: ما في نفسي شيء مما قلته. حُدّ، ولم يلتفت إلى ما في نفسه١. وغير جائز عند ذوي التحصيل تعلق الأحكام بالمجاز دون الحقيقةفيها. فلما وجدنا أحكام الشريعة المتعلقة بالكلام منوطة بالنطق الذي هو حرف وصوت، دون ما في النفس، علمنا أن حقيقة الكلام هي الحرف والصوت. ولو حلف امرء أنه لا يتكلم ساعة من النهار، فأقام في تلك الساعة

стр. 173

يحدث نفسه بأشياء، ولا ينطق بها، كان باراً غير حانث، ولو كان الكلام هو ما في النفس حنث في أول ما يحدث به نفسه١. فإن قيل: الأيمان إنما تعلق بالعرف فلذلك لم يحنث إذا لم ينطق. قيل: هذا أعظم الحجج عليكم لأنكم أُلجئتم إلى إقرار بأن عرف الناس كافة، هو: أن حقيقة الكلام هي النطق الذي لا يعرى عن حرف وصوت، دون ما في النفس. ولو كان الكلام من الفؤاد على ما زعموا لم يجز أن يوصف الله سبحانه بالكلام أصلاً؛ لأنه ليس بذي فؤاد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً٢.

стр. 174

والأخطل نصراني١ إسلامي٢ وهو ومن تقدمه من شعراء الجاهلية، إنما نحتج بقولهم في موضوعات لغة العرب. ومعرفة الكلام ما هو؟ مما يشترك فيه العرب وسائر الناس ولا يحتج فيه ببيت نادر مع ظهور فساده٣. وأما احتجاجهم بقوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ يما نقول﴾ ٤

стр. 175

فنقلت١ عليهم؛ لأن القول لما كان في الحقيقة هو الحروف المتسقة٢ المسموعة، والذي من المنافقين بخلاف ذلك بين الله سبحانه أنهم قالوه في أنفسهم. ونحن لا ننكر تجويز العرب وسائر العقلاء أن يقال: قلت في نفسي، وحدثت نفسي، وإنما نقول: إن ذلك تجوز واتساع وليس بحقيقة الكلام لما ذكرنا أولاً من تعلق الأحكام بما هو حروف دون ما في النفس٣. وأما تعلقهم بقوله ﷻ : ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً﴾ ٤ فمثل الأول والقول في النفس مجاز وإنما سمي بذلك لأنه يصير في ثاني الحال قولاً، والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان قريباً منه أو كان منه بسبب٥.

стр. 176

وقد ذكرنا قول الأوائل والعرب قبل هذا١ وأن الكلام هو الحروف المتسقة٢ والأصوات المقطعة والاسم والفعل والحرف الجاي لمعنى. وقد " نهى النبي ﷺ عن صوم الصمت "٣. وإذا كان الصامت متكلماً في حال صمته فلا معنى للنهي. ومن قول الحكماء: [لئن كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب] ٤.

стр. 177

ففضل السكوت على الكلام لاقتران السلامة به. فإن النبي ﷺ قال: "من صمت نجا "١. والشاعر قال: ما إن ندمت على سكوت مرة ... فلقد ندمت على الكلام مرارًا٢

стр. 178

والذي يقول في نفسه من غير أن ينطق به ساكت عند الخلق كافة. ولا يقع التفاضل بينه وبين السكوت وإنما يقع ذلك بين النطق بالحروف والأصوات والسكوت عنه. وقال عمر١بن الخطاب ﵁ في حديث السقيفة٢: [وكنت زورت في نفسي مقالة أردت أن أقوم بها بين يدي أبي بكر] ٣ فبين أنه لم يقم بها في حال تزوره. والتزوير٤ في هذا الموضع هو: أن يروي المرء في نفسه أولا ما يحب أن يتكلم به ويصلحه، ويتأمل إن قيل به، حتى يتصور كالمقول ثم ينطق به. وهذا شأن ذوي التحصيل خيفة منهم على٥ وقوع الزلل مع العجلة. وقال النبي ﷺ : "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما

стр. 179

لم تكلم أو تعمل به" ١. وهو حديث صحيح مشهور، وقد تلقته الأمة بالقبول وعلقوا به كثيراً من الأحكام. وقد أخرج النبي ﷺ حديث النفس عن أن يكون كلاماً في الحقيقة بقوله: "ما لم تتكلم به٢ فبين أن من تحدث (في) ٣ نفسه بالشيء غير متكلم به في تلك الحالة وغير مؤاخذ بما كان منه. وقال اليزيدي٤ في كتاب "ما اتفق لفظه واختلف معناه من لغات

стр. 180

العرب"١: الحرف هو الواحد من حروف الكلام، والحرف حرف البئر وحرف الرغيف، وحرف كل شيء جانبه، والحرف الشك، فسروا قوله جل وعز: (على حرف) ٢ على شك، والحرف الناقة الضامرة التي قد نحلت٣. فبين أن الكلام عند العرب هو الحروف لا غير. واليهود، والنصارى، مقرون بأن لله كلاماً، ومختلفون في نفي الخلق عنه وإثباته كاختلاف المسلمين، ومجمعون على أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً. فإن قال قائل: إن أكثر ما ذكرت في هذا الفصل مما يتعلق / بالشاهد والله تعالى بخلاف المشاهدات. فوجب أن لا يكون كلامه حرفاً وصوتاً، إلا أن يأتي نص من الكتاب أو إجماع من الأمة، أو خبر من أخبار التواتر بأن كلام الله سبحانه حرف وصوت. قيل له: الواجب أن يعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي ﷺ لما أداها بتفسير
следующие страницы →