← Акыда

Акыда · id 11213

رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت

عبيد الله السجزي

Полный текст (322 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقد ذكرنا قول الأوائل والعرب قبل هذا١ وأن الكلام هو الحروف المتسقة٢ والأصوات المقطعة والاسم والفعل والحرف الجاي لمعنى. وقد " نهى النبي ﷺ عن صوم الصمت "٣. وإذا كان الصامت متكلماً في حال صمته فلا معنى للنهي. ومن قول الحكماء: [لئن كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب] ٤.

стр. 177

ففضل السكوت على الكلام لاقتران السلامة به. فإن النبي ﷺ قال: "من صمت نجا "١. والشاعر قال: ما إن ندمت على سكوت مرة ... فلقد ندمت على الكلام مرارًا٢

стр. 178

والذي يقول في نفسه من غير أن ينطق به ساكت عند الخلق كافة. ولا يقع التفاضل بينه وبين السكوت وإنما يقع ذلك بين النطق بالحروف والأصوات والسكوت عنه. وقال عمر١بن الخطاب ﵁ في حديث السقيفة٢: [وكنت زورت في نفسي مقالة أردت أن أقوم بها بين يدي أبي بكر] ٣ فبين أنه لم يقم بها في حال تزوره. والتزوير٤ في هذا الموضع هو: أن يروي المرء في نفسه أولا ما يحب أن يتكلم به ويصلحه، ويتأمل إن قيل به، حتى يتصور كالمقول ثم ينطق به. وهذا شأن ذوي التحصيل خيفة منهم على٥ وقوع الزلل مع العجلة. وقال النبي ﷺ : "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما

стр. 179

لم تكلم أو تعمل به" ١. وهو حديث صحيح مشهور، وقد تلقته الأمة بالقبول وعلقوا به كثيراً من الأحكام. وقد أخرج النبي ﷺ حديث النفس عن أن يكون كلاماً في الحقيقة بقوله: "ما لم تتكلم به٢ فبين أن من تحدث (في) ٣ نفسه بالشيء غير متكلم به في تلك الحالة وغير مؤاخذ بما كان منه. وقال اليزيدي٤ في كتاب "ما اتفق لفظه واختلف معناه من لغات

стр. 180

العرب"١: الحرف هو الواحد من حروف الكلام، والحرف حرف البئر وحرف الرغيف، وحرف كل شيء جانبه، والحرف الشك، فسروا قوله جل وعز: (على حرف) ٢ على شك، والحرف الناقة الضامرة التي قد نحلت٣. فبين أن الكلام عند العرب هو الحروف لا غير. واليهود، والنصارى، مقرون بأن لله كلاماً، ومختلفون في نفي الخلق عنه وإثباته كاختلاف المسلمين، ومجمعون على أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً. فإن قال قائل: إن أكثر ما ذكرت في هذا الفصل مما يتعلق / بالشاهد والله تعالى بخلاف المشاهدات. فوجب أن لا يكون كلامه حرفاً وصوتاً، إلا أن يأتي نص من الكتاب أو إجماع من الأمة، أو خبر من أخبار التواتر بأن كلام الله سبحانه حرف وصوت. قيل له: الواجب أن يعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي ﷺ لما أداها بتفسير

стр. 181

يخالف الظاهر فهي على يعقلونه ويتعارفونه. والذي يوضح ذلك: هو أن الله سبحانه قد أثبت لذاته علماً ونطق بذلك كتابه فقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ١ وكان المعقول من العلم عند المخاطبين به أنه إدراك المعلوم على ما هو به فكان علم الله سبحانه إدراك المعلوم على ما هو به، وعلم المحدث أيضاً إدراك المعلوم على ما هو به. وكذلك لما أثبت الله لنفسه السمع بدلالة النص حيث قال: ﴿ِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ٢ وقال النبي ﷺ في ذكر الحجب: (ما أدركه بصره) ٣ وقالت عائشة٤ ﵂: (يا سبحان الله من وسع سمعه الأصوات)

стр. 182

وكان المعقول أن السمع هو إدراك المسموعات على ما هي به، والبصر إدراك كل ما يبصر على ما هو به، كان سمعه سبحانه إدراك المسموع، وبصره إدراك ما يبصر (به) ١ وكذلك سمع المحدث وبصره، ومع ذلك فليس مثل علمه علم، ولا مثل سمعه وبصره سمع ولا بصر، لأن علمه صفة لازمة لذاته سبحانه في الأزل لا يدخل عليه السهو، ولا يجوز الجهل ولا النسيان٢. وعلم المحدث عرض مكتسب، يوجد وقتاً ويعدم وقتاً. وكذلك السمع والبصر ليسا من الله تعالى جارحتين، وهما

стр. 183

من المحدث جارحتان. وهذه القضية توجب أن يكون كلامه حرفاً وصوتاً، وكذلك كلام المحدث، إلا أن كلامه معجز ولا انتهاء له وأزلي١ وكلام المحدث غير معجز وهو متناه، وعرض لم يكن في وقت، ولا يكون في وقت. وكلامه سبحانه بلا أداة ولا آلة ولا جارحة، وكلام المحدث لا يوجد إلا عن أداة وآلة وجارحة في المعتاد٢. وقول الأشعري: "لما كان سمعه بلا انخراق وجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت". مغالطة وبناؤه لا يقتضي ما قاله، وإنما يقتضي: أن سمعه لما كان بلا انخراق وجب أن يكون كلامه من غير لسان وشفتين وحنك، ولو قال ذلك لاستمر ولم يقع فيه خلاف. وإنما موه، وغالط ويمر ذلك على من قصر علمه.

стр. 184

فهذا الذي ذكرناه من طريق العقل الذي يدعون أنه الحجة القاطعة. وأما على طريقتنا١: فالله سبحانه قد بين في كتابه ما كلامه؟ وبين رسوله ﷺ ، واعترف به الصدر الأول والسلف الصالح ﵏، وآمنوا به. فقال الله سبحانه: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ ٢ اللَّهِ﴾ ٣ وقال: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ٤ وقال: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ٥. وما سمع مستجير قط إلا كلاماً ذا حروف وأصوات، ولا قرأ قارئ البتة إلا ذلك. فلما (سمى) ٦ سبحانه هذا القرآن العربي (الفصل) ٧ كلامه علم أن كلامه حروف، كيف وقد أكد ذلك بذكر الحروف المقطعة في أوائل السور منه مثل: ﴿الم﴾ ٨، و ﴿الر﴾ ٩،

стр. 185

و ﴿كهيعص﴾ ١، و ﴿طه﴾ ٢، و" ﴿حم﴾ ٣، و ﴿يس﴾ ٤، و ﴿ص﴾ ٥، و ﴿ق﴾ ٦، و ﴿ن﴾ ٧. فمن زعم أنها ليست من القرآن فهو كافر، ومن زعم أنها من القرآن والقرآن ليس بكلام الله فهو كافر، ومن زعم أنها عبارة عن الكلام الذي لا حروف فيه قيل له: هذا جهل وغباء؛ لأن الكلام الذي تزعمه ليس يعرفه سواك، ولا يدري ما هو غيرك وأنت أيضاً لا تدريه٨ وإنما تتخبط فيه. ثم لو كان قولك صحيحاً لوجب أن تكون عنه مفهومة المعنى بالاتفاق، لأن موضوع العبارة التفسير، ليفهم ما أشكل من ظاهر الكلام، فإذا كان الكلام شيئاً واحداً لا يدرى ما تفسيره، وكانت العبارة عنه حروفاً كثير الاختلاف في معانيها، ولم يتفق على معنى منها لم تفد العبارة شيئاً. والنبي ﷺ يقول: "من قرأ سورة الإخلاص "٩

стр. 186

و" من قرأ آية الكرسي "١. و" من قرأ حرفاً من

стр. 187

القرآن" ١. فبين أن القرآن سور وآي وحروف. ويقول: " من حلف بسورة البقرة لزمه في (كل) ٢ آية كفارة " ٣.

стр. 188

وروى: "في كل حرف"١ وأفتى بذلك غير واحد من الصحابة - رضوان الله عليهم - منهم عبد الله بن مسعود٢ وأبو هريرة٣. وأظهر مما ذكرنا ويبين خزي مخالفينا فيه قول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٤ وكن حرفان ولا يخلو الأمر من أحد وجهين، إما أن يكون المراد بقوله: (كن) التكوين كما قالت

стр. 189

المعتزلة١ أو يكون المراد به ظاهره وأن الله تعالى إذا أراد إنجاز شيء قال له كن. على الحقيقة فيكون. وقد اتفق الأشعري معنا على أنه على ظاهره لا بمعنى التكوين٢ واستدل على نفي الخلق عن القرآن لما رد على المعتزلة بقوله: (كن) فإن ثبت على أنه على ظاهره فهو حرفان وانتقض مذهبه. وإن قال: إنه ليس بحرف البتة صار بمعنى التكوين، ولم يبق بينه وبين المعتزلة فرق. وأيضاً فلو كان الكلام غير حرف، وكانت الحروف عبارة عنه لم يكن بد٣ من أن يحكم لتلك العبارة بحكم إما أن يكون الله أحدثها في صدر، أو لوح، أو أنطق بها بعض عبيده فتكون منسوبة إليه. (فيلزم) ٤ الأشعري أو من قال بقوله أن يفصح بما عنده في السور

стр. 190

والآي والحروف، أهي عبارة جبريل أم عبارة محمد ﵉. ثم يلزمه أيضاً أن يوسع على الخلق في العدول عن ألفاظها إلى غير تلك الألفاظ مما يؤدي معناها، كما وسع عليهم في التفسير والمعاني. وأن يجيز لهم القراءة في الصلاة بأي لغة أرادوا، إذا أدوا معنى ما في السور؛ لأن التضييق إنما وقع لكون السور كلام الله. فأما من قال: إنها ليست بكلام الله البتة فلا معنى لتضييقه. والإجماع حاصل من الفقهاء على أن الصلاة لا تجزي إلا بقراءة هذا النظم على ما هو به١ إلا ما كان من أبي حنيفة٢ فإنه قال: " تجوز القراءة بالفارسية "٣. وقد سألت القاضي أبا جعفر

стр. 191

النسفي١ عن هذه المسألة، فحكى عن أبي بكر الرازي٢ أنها تجوز عند أبي حنيفة إن سميت الفارسية قرآنا٣ وقال أبو جعفر: فالكلام يرجع إلى ارتفاع الخلف. وسألت أبا محمد عبد الله بن الحسين الناصحي٤ قاضي قضاة٥

стр. 192

خراسان١ عنها فقال: إنما تجوز القراءة بالفارسية إذا وافقت النظم والبلاغة وذلك متعذر. ثم عند أبي حنيفة لا يجوز أن يقرأ بالعربية بغير ألفاظه، ومقتضى مذهب الأشعري جواز ذلك. وإذا أفصح بأنها عبارة محمد وافق الوليد بن المغيرة٢ لما قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٣ ونحن (نقول) ٤ هو كلام الله تعالى. لقوله سبحانه: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٥ فمن لم يميز بين المقالتين كان كمن حش له٦. فهذا في الحروف.

стр. 193

وأما الصوت: فقد زعموا أنه لا يخرج إلا من هواء١ بين جرمين وذلك لا يجوز وجوده من ذات الله تعالى. والذي قالوه باطل من وجوه: ألا ترى أن النبي ﷺ ذكر سلام الحجر عليه٢، وعلم تسليم الحصا في يده٣، وتسبيح

стр. 194

الطعام١، بين يديه٢، وحنين الجذع عند مفارقته إياه٣، وما (جا) ٤ لشيء من ذلك هواء منخرق بين جرمين.

стр. 195

وقد أقر الأشعري: أن السماوات والأرض ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ١ حقيقة لا مجازاً٢، ولا خلاف بين العقلاء ... ٣ في أن الله سبحانه قادر على أن ينطق الحجر الأصم على ما هو به، وقال الأشعري: (بعد أن يجعل فيه روحاً) ٤ والناس كلهم مخالفون له فيما قال. وإذا وصف بقدرة على إنطاق الحجر الأصم على ما هو به. بطل قول من زعم أن وجود الصوت غير جائز إلا من هواء منخرق بين جرمين. ثم لو كان الأمر على ما زعموا، لم يجب أن يوصف الله سبحانه بما يخالف الشاهد ألا ترى أن الله سبحانه بالاتفاق واحد، حي، قادر، عالم،

стр. 196

سميع، بصير، قوي، مريد، فاعل، وليس بجسم ولا في معناه١.

стр. 197

وفي الشاهد لا يجوز وجود حي عالم، قادر، سميع بصير، إلا جسماً. وإذا صح ما ذكرناه. لم يضرنا قول من زعم أن الصوت في الشاهد لا يوجد إلا من هواء منخرق بين جرمين كيف وقد بينا بطلان دعواه قبل هذا. وقبل كل شيء ينبغي أن يعلم اعتمادنا في المعتقدات أجمع على السمع، فإذا ورد السمع بشيء قلنا به، ولم نلتفت إلى شبهة يدعيها مخالف. وقد ورد السمع بذكر الصوت من قبل الله تعالى، ومن قبل أنبيائه- ﵈ ١ ومن قبل الأئمة والعلماء بعدهم. قال الله سبحانه لموسى ﵇: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ٢ وكان يكلمه من وراء حجاب، لا ترجمان بينهما، واستماع البشر في الحقيقة لا يقع إلا للصوت. ومن زعم أن غير الصوت يجوز في المعقول أن يسمعه من كان على هذه البنية التي نحن عليها، احتاج إلى دليل. وقد روى الزهري٣ عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن

стр. 198

الحارث١ عن جرير بن جابر٢ عن كعب٣ أنه قال: "لما كلم الله موسى ﵇ كلمه بالألسنة كلها، قبل لسانه فطفق موسى يقول: والله يا رب ما أفقه هذا حتى كلمه بلسانه آخر الألسنة بمثل صوته". وذكر الحديث٤.

стр. 199

وهذا محفوظ عن الزهري رواه عنه ابن أبي عتيق١ والزبيدي٢، ومعمر٣

стр. 200

شمالك، وأمامك، وخلفك، ومحيط بك) ، وذكر الحديث١. وررى أبو الحويرث٢: أن قوم موسى ﵇ كانوا ينظرون إلى أذنه، فقال ﵇ (ما لكم تنظرون إلى أذني؟ فقالوا: أذن سمعت كلام الله سبحانه٣. وروى همام بن يحيى ٤ عن القاسم بن عبد الواحد ٥ عن عبد الله

стр. 201

ابن محمد بن عقيل١ عن جابر بن عبد الله٢ عن عب د الله بن أنيس٣ عن النبي ﷺ أنه قال: "يحشر الله الناس يوم القيامة عراة حفاة٤ بهما٥

стр. 202

فيناديهم بصوت يسمعه من بُعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان" وذكر الحديث. رواه عن همام، يزيد بن هارون١ وأبو الوليد الطيالسي٢ وجماعة من الأئمة، واستشهد به البخاري في كتابه الصحيح٣.

стр. 203

وروى عطية بن سعد١وأبو صالح السمان٢عن أبي سعيد الخدري٣

стр. 204

(﵁ عن النبي ﷺ في ذكر إسرافيل١ أنه قد التقم القرن بفيه وحنى جبهته وأصغى سمعه تحت العرش ينتظر متى يؤمر فينفخ ٢ والنفخة الآخرة التي للبعث قد نطقت الأخبار بأنها تكون ولا حي إذ ذاك إلا الله سبحانه، ثم إن٣ إسرافيل٤ فإصغاء سمعه تحت العرش انتظارا للأمر لا يكون إلا لصوت٥ الآمر. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ ٧ وقال ﷻ : ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا

стр. 205

نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.والنداء عند العرب صوت لا غير٢، ولم يرد عن الله تعالى ولا عن رسوله ﵇ أنه من الله غير صوت. ولا خلاف بيننا في أن موسى مكَلَّم بلا واسطة، فسقط قول من زعم أن العرب تقول: نادى الأمير من ينادي. وروى أحمد بن حنبل٣ رحمة الله عليه عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي٤ عن الأعمش٥, عن مسلم بن صبيح٦ عن مسروق٧

стр. 206

عن عبد الله بن مسعود١ ﵁ قال: "إذا تكلم الله سبحانه بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجداً". ذكره بهذا اللفظ عبد الله بن أحمد٢ عن أبيه في "كتاب الرد على الجهمية"٣ وما في رواته إلا إمام مقبول٤.

стр. 207

وقد ذكرنا في كتاب الإبانة١ عدة أحاديث سوى ما ذكرناه هاهنا في ذكر الصوت. وحد الصوت: هو ما يتحقق سماعه، فكل متحقق سماعه صوت، وكل ما لا يتأتى سماعه البتة ليس بصوت٢. وصحة الحد هذا وهو أن يكون مطرداً، منعكساً٣ يمنع غيره من الدخول عليه. وأما قول خصومنا إن الصوت هو: الخارج من هواء بين جرمين. فحد غير صحيح، لأنا قد بينا أنه قد يوجد خلاف ما زعموه، والله أعلم٤. فإن قالوا: الصوت والحرف إذا ثبتا في الكلام اقتضينا ٥ عدداً والله سبحانه واحد من كل وجه٦.

стр. 208

قيل لهم: قد بينا لكم مراراً أن اعتماد أولى الحق في هذه الأبواب على السمع، وقد ورد السمع بأن القرآن ذو عدد١، وأقر المسلمون بأنه كلام الله حقيقة لا مجازاً. وكلامه صفة وقد عد الأشعري صفات الله سبحانه (سبع عشرة) ٢ صفة، وبين أن منها ما لا يعلم إلا بالسمع٣ وإذا جاز أن يوصف بصفات معدودة لم يلزمنا بدخول العدد في الحروف شيء. فإن قالوا: إن التعاقب يدخلها وكل ما تأخر عن ما سبقه محدث٤.

стр. 209

قيل: دخول التعاقب إنما يتعين فيما يتكلم بأداة، والأداة تعجز عن (أداء) ١ شيء إلا بعد الفراغ من غيره. وأما المتكلم بلا جارحة٢ فلا يتعين في تكلمه التعاقب. وقد اتفقت العلماء على أن الله سبحانه يتولى الحساب بين خلقه يوم القيامة في حالة واحدة٣، وعند كل واحد منهم أن المخاطب في الحال هو وحده، وهذا خلاف التعاقب. ثم لو ثبت التعاقب لم يضرنا، لأن النبي ﷺ قال لما خرج من باب الصفا: "نبدأ بما بدأ الله به ثم قرأ: ﴿إن

стр. 210

الصفا والمروة من شعائر الله﴾ ١ ٢ فبين أن الله بدأ بذكر الصفا. والقرآن كله بإجماع المسلمين كلام الله سبحانه. وفي هذا القدركفاية لمن وفق للصواب. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب "الرد على الجهمية"٣ سألت أبي فقلت: إن قوماً يزعمون أن الله لا يتكلم بصوت فقال أبي: بلى إن الله سبحانه يتكلم بصوت وإنما (ينكر) ٤ هذا الجهمية، وإنما يدورون على التعطيل٥. واحتج بحديث عبد الرحمن بن محمد المحاربي

стр. 211

الذي سقناه١. فقول خصومنا: إن أحداً لم يقل إن القرآن٢ كلام الله حرف وصوت كذب وزور. بل السلف كلهم كانوا قائلين بذلك، وإذا أوردنا فيه المسند وقول الصحابة من غير مخالفة وقعت بينهم في ذلك صار كالإجماع. ولم أجد أحداً يعتد به ولا يعرف ببدعة (من) ٣ نفر من ذكر الصوت إلا البويقي٤ إن صح عنه ذلك. فإن عند أهل مصر رسالة يزعمون أنها عنه وفيها: لا أقول إن كلاَم الله حرف وصوت ولا أقول إنه ليس بحرف وصوت٥.

стр. 212

وهذا إن صح عنه فليس فيه أكثرمن إعلامنا أنه لم يتبين هذه المسألة ولم يقف على الصواب فيها. وأما غيره ممن نفى الحرف والصوت فمبتدع ظاهر البدعة أو مقروف بها ١ مهجور على ما جرى منه. والله الموفق للصواب.

стр. 213

الفصل السادس: في إيراد الحجة على أن الكلام لن يُعرَّى عن حرف وصوت البتة، وأن ما عُرّى عنهما لم يكن كلاماً في الحقيقة وإنما سمي في وقت بذلك تجوزاً واتساعاً وتحقيق جواز وجود الحرف والصوت من غير آلة وأداة وهواء منخرق وبيان قول السلف وإفصاحهم بذكر الحرف والصوت أو ما دل عليهما ... ويونس بن يزيد١، وشعيب بن أبي "حمزة"٢ وهؤلاءكلهم أئمة ولم ينكره واحد منهم. وقوله: بمثل صوته معناه: أن موسى ﵇ حسبه مثل صوته في تمكنة من سماعه وثباته عنده ويوضح صحة هذا آخر الحديث فإنه قال: (لو كلمتك يا موسى بكلامي لم تك شيئا ولم تستقم له٣) . وروي عن وهب بن منبه٤ أنه قال: لما سمع موسى ﵇ كلام الله تعالى أنس بالصوت فقال: (يا رب (أسمع) ٥ صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ فقال الله سبحانه: أنا فوقك، وعن يمينك، وعن

стр. 214

الفصل السابع: في بيان فعلهم في إثبات الصفات في الظاهر وعدولهم إلى التأويل في الباطن وينبغي أن يتأمل قول الكلابية والأشعرية في الصفات، ليعلم أنهم غير مثبتين (إلهاًَ) ١ في الحقيقة، وأنهم يتخيرون من النصوص ما أرادوه، ويتركون سائرها ويخالفونه. من ذلك اعترافهم بأن الله سبحانه موصوف بأن له يداً وأن هذه الصفة إنما عرفت من جهة السمع، وأظهروا الرد على المعتزلة في ذلك. وأهل السنة متفقون على أن لله سبحانه يدين، بذلك ورد النص في الكتاب والأثر، قال الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٢. وقال النبيّ ﷺ : "وكلتا يدي الرحمن يمين" ٣.

стр. 215

وعند الكلابية أن له يدا واحدة١ ومن أثبت له يدي صفة فقد ضل. ثم فسروا اليد وعدلوا في التفسيرعن الظاهر إلى تأويل مخالف له فعادوا إلى المعتزلة. والأشعري أثبت يدين لكنه وافق ابن كلاب في التأويل٢. وكل حديث جاء في الصحيح مما يتعلق في الصفات عدلوا به إلى معنى غير الصفة. منها حديث ابن مسعود عن النبيّ ﷺ في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٣
следующие страницы →