Полный текст (189 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وجعل الله ما حفظه من ذلك وجمع١ القلوب عليه حجة على من تعبد بعده٢ ﵇ بشر بعثه، ودلالة لمن٣ دعا إلى قبول ذلك ممن لم يشاهد الأخبار، وأكمل الله لجميعهم طرق الدين، وأغناهم عن التطلع إلى غيرها من البراهين، ودل على ذلك بقوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ ٤، وليس يجوز أن يخبر الله عن إكماله الدين مع الحاجة إلى غير ما أكمل لهم الدين به.
وبين النبي ﷺ معنى ذلك في حجة الوداع لمن كان بحضرته من الجم الغفير من أمته عند اقتراب أجله، ومفارقته لهم ﷺ بقوله٥: "اللهم هل بلغت ..." ٦.
الحواشي
(٣) .
وهذه الآية حجة قاطعة على الذين يدخلون البدع والمحدثات في الإسلام متوهمين أن ذلك من القربات، وهي في الحقيقة جلب لغضب الله وسخطه، وقد روى ابن جرير أن ابن عباس قال في الآية: "أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه الله عز ذكره فلا ينقصه أبداً وقد رضيه فلا يسخطه أبداً". (انظر: تفسير الطبري ٩/٥١٨ طبعة أحمد شاكر) .
ويقول ابن حجر في تعليقه على الآية: "... وإذا كان الدين قد كمل فلا تكون الزيادة فيه إلا نقصاناً في المعنى، مثل زيادة أصبع في اليد، فإنها تنقص قيمة العبد الذي يقع به ذلك". (انظر: فتح الباري ١٣/٣٥٢ المطبعة السلفية بالقاهرة) .
ويناقش القاسمي ﵀ الذين يستخدمون الرأي بعد هذا البيان والإكمال فيقول: "ويكفي في دفع الرأي، وأنه ليس من الدين قول الله تعالى هذا، فإنه إذا كان الله قد أكمل دينه قبل أن يقبض إليه نبيه ﷺ فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله بعد أن أكمل الله دينه؟ لأنه إذا كان من الدين في اعتقادهم فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم، وهذا فيه رد للقرآن، وإن لم يكن من الدين فأي فائدة في الاشتغال بما ليس منه؟ وما ليس منه فهو رد بنص السنة المطهرة كما ثبت في الصحيح، وهذه حجة قاهرة ودليل باهر لا يمكن أهل الرأي أن يدفعوه بدافع أبداً". ثم يقول: "فمن جاء بشيء من عند نفسه وزعم أنه من ديننا قلنا له: إن الله أصدق منك، ومن أصدق من الله قيلاً، اذهب لا حاجة لنا في رأيك وليت المقلدة فهموا هذه الآية حق الفهم حتى يستريحوا ويريحوا". (انظر: محاسن التأويل ٦/١٨٣٦) .
وعلى هذا يمكن القول بأن كل من أدخل في الدين شيئاً من عند نفسه فقد عصى الله ورسوله، وخرافة البدعة الحسنة والبدعة السيئة في دين الله لا مجال لها هنا، لأن كل بدعة في الدين ضلالة.
٥ "بقوله" ساقطة من (ت) .
٦ هذا جزء من حديث رواه البخاري عن ابن عباس في كتاب الحج باب الخطبة أيام منى وفيه يقول: "ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ ". (انظر ٢/١٩١) ، كما أخرجه في كتابه خلق أفعال العباد ص١٦٧، ١٨٢، وأحمد في مسنده ١/٣٠، كما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بلفظ: "اللهم أشهد؟ اللهم أشهد؟ ثلاث مرات". (انظر كتاب الحج باب ١٩ ج٢/٨٩٠، وأخرجه البخاري بهذا اللفظ في كتابه خلق أفعال العباد ص١٨٣.
قال ابن كثير: "وقد شهدت له أمته ببلاغ الرسالة وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من الصحابة نحو من أربعين ألفاً" (انظر تفسير ابن كثير ٣/١٤٢) .
وقال المقريزي: "والحق الذي لا ريب فيه أن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه، وجوهر لا سر تحته، وهو كله لازم كل أحد لا مسامحة فيه ولم يكتم رسول الله ﷺ من الشريعة ولا كلمة ولا أطلع أخص الناس به من زوجة أو لد عم على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم، ولا كان عنده ﷺ سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه، ولو كتم شيئاً لما بلغ كما أمر، ومن قال هذا فهو كافر بإجماع الأمة". (انظر: الخطط ٣/٣١٣) .
وبهذا يندفع قول من قال بالظاهر والباطن من الزنادقة كالباطنية والرافضة وغيرهم من الذين أولوا أحكام الشريعة على وجه يؤدي إلى رفع الشريعة. (انظر: مقالات الإسلاميين ١/٦٥، والفرق بين الفرق ص٨١، والتبصير في الدين ص٨٣، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص١١٩) لتقف على شيء من أمر هؤلاء الملاحدة.стр. 107
فلو كنا نحتاج مع ما١ كان منه ﵇ في معرفة ما دعانا إليه إلى ما رتبه أهل البدع من طرق الاستدلال لما كان مبلغاً (إذ كنا نحتاج في المعرفة بصحة ما دعانا إليه) ٢ إلى علم ما لم يبينه لنا من هذه الطرق التي ذكروها، ولو كان هذا كما قالوا لكان فيما دعا إليه وقوله بمنزلة اللغو٣، ولو كان ذلك كذلك لعارضه المنافقون وسائر المرصدين لعداوته في ذلك، ولم يمنعهم منه مانع كما لم يمنعهم من تعنيته في طلب الآيات ومجادلته في سائر الأوقات، ولكنهم لم٤ يجدوا سبيلاً إلى الطعن٥؛ لأنه ﵇ لم يدع شيئاً مما تهم٦ الحاجة إليه في معرفة سائر ما دعاهم إلى اعتقاده، أو مثل فعله إلا وقد بين لهم.
ويزيد٧ هذا وضوحاً قوله ﵇: "إني قد تركتكم على مثل الواضحة ليلها كنهارها"٨، وإذا كان هذا على ما رضينا علم أنه لم يبق بعد ذلك عتب لزائغ، ولا
الحواشي
(١) ١ في (ت) : "مما".
٢ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية، وفي (ت) : "إذ كنا نحتاج إلى المعرفة إليه". وفي الأصل ما يزيد على سطرين مع تكرار بعض كلمات العبارة السابقة وعدم وضوح بعض الكلمات وكل ذلك تحريف، والصواب ما أثبته من نسخة ابن تيمية.
٣ في نسخة ابن تيمية "الملغز".
٤ في الأصل "لا"، وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية.
٥ يبين الأشعري هنا أن الرسول ﷺ بين لأمته بياناً شافياً أصول الدين وفروعه، ومن أوضح الأدلة على ذلك أن المشركين الذين ناصبوه العداء لم يجدوا فيما دعاهم إليه أي خلل أو نقص يتهمونه فيه بالتقصير أو عدم الكمال، وبناءً عليه فلسنا بحاجة إلى ما جاء به أهل البدع والضلال، ويكفينا ما جاء من عند الله ورسوله.
٦ في نسخة ابن تيمية: "بهم".
٧ في الأصل: "ومزيد" وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية.
٨ يشير إلى معنى هذا الحديث ما أخرجه الحاكم عن العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله: إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعد إلا هالك ..." الحديث. انظر المستدرك ١/٩٦، ومسند أحمد ٤/١٢٦، وابن ماجة في مقدمة سننه ١/٤، وابن أبي عاصم في كتابه السنة، وقد حكم الألباني على مجموع أسانيد هذه الروايات بالصحة. انظر: تخريجه لكتاب السنة المسمى بظلال الجنة ١/١٩، ٢٠، ٢٦، ٢٧، وكلمة "الواضحة" الواردة في كلام الأشعري لم أقف عليها في الروايات المشار إليها، كما لم يشر إليها الألباني، لكن قد أخرج مالك في الموطأ قول عمر بن الخطاب ﵁: "... أيها الناس قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتكم على الواضحة...". (انظر تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك ٣/٤٢) .стр. 108
طعن لمبتدع، إذ كان ﵇ قد أقام الدين بعد أن أرسى أوتاده١، وأحكم أطنابه٢.
ولم يدع ﷺ لسائر من دعاه٣ إلى توحيد الله حاجة إلى غيره ولا لزائغ طعناً عليه، ثم مضى ﷺ محموداً بعد إقامته الحجة، وتبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، والنصيحة لسائر الأمة، حتى لم يحوج أحداً٤ من أمته البحث عن شيء قد أغفله هو مما ذكره لهم، أو معنى أسره إلى أحد من أمته٥ بل قد قال ﷺ في المقام الذي لم ينكتم قوله فيه لاستحالة كتمانه على من حضره، (أو طي شيء منه على من شهده) ٦ "إني خلفت فيكم ما إن تمسكتم به٧ لن تضلوا كتاب الله وسنتي"٨ ولعمري إن فيهما الشفاء من كل أمر
الحواشي
(١) ١ الأوتاد: جمع وتد، وهو ما رز في الحائط أو الأرض من الخشب قال تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ (انظر: لسان العرب ٣/٤٤٤، والقاموس ١/٣٥٦) .
٢ الأطناب: جمع طنب، والطنب: حبل طويل يشد به البيت من الحبال بين الأرض والطرائق. (انظر: لسان العرب ٢/٤٩، وقال ابن فارس: "هو لفظ يدل على ثبات الشيء وتمكنه في استطالة". انظر معجم مقاييس اللغة ٣/٤٢٦.
٣ في (ت) : "ما ادعاه".
٤ في (ت) : "أحد".
٥ ذكر الأشعري في الصفحات السابقة تبليغ النبي ﷺ لجميع ما نزل عليه من الوحي، وشهدت أمته له بذلك، وهنا يتعرض للطائفة الرافضة الذين يقولون بأن النبي ﷺ خص علياً بشيء من الرسالة لم يعرفه أحد من أمته، بل ذهبوا إلى أن القرآن الموجود بين يدي المسلمين اليوم محرف مبدل ناقص، والقرآن الحقيقي جمعه علي بن أبي طالب وهو محفوظ عند الإمام الغائب كما يزعمون. انظر ما ذكره أحد أئمتهم في الضلال المدعو حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي في كتابه: فصل الخطاب في تحريف كلام رب الأرباب، مطبوع مصور بمكتبة الجامعة الإسلامية المركزية تحت رقم عام ٤٥٠٩٣، وانظر الخطوط العريضة لمحب الدين الخطيب ص١٤، ١٥، طبعة الجامعة الإسلامية.
ومما يدفع هذا الضلال والبهتان قول علي نفسه لما سئل هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: "لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهماً يعطيه الله أحداً في كتابه وما في هذه الصحيفة..." الحديث أخرجه البخاري في كتاب العلم باب ٣٩ ج١/٣٦، ومسلم في الإيمان باب ١٢١، والترمذي في الديات باب ١٦ ج٤/٢٤، والنسائي في القسامة ٨/٢٣، والدارمي في الديات ٢/١٩٠، وأحمد في مسنده ١/٧٩.
٦ ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية، وفي الأصل، و (ت) : "أو ظن منه من شهده".
٧ ساقطة من (ت) .
٨ أخرج هذا الحديث محمد بن نصر المروزي في كتابه السنة بلفظ: "... وقد تركت فيكم أيها الناس ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنة نبيه...". انظر كتابه السنة ص٢٠، ٢١، وهكذا أخرجه الحاكم في المستدرك ١/٩٣ وصححه ووافقه الذهبي، وقال: وله أصل في الصحيح وذلك فيما أخرجه مسلم في كتاب الحج باب ١٩ ج٢/١٩٠.стр. 109
مشكل، والبرء من كل داء معضل١، وإن في حراستهما من الباطل على ما تقدم ذكرنا له آية٢ لمن نصح نفسه، ودلالة لمن كان الحق قصده.
وفيما ذكرنا دلالة على صحة ما استندوا إلى الاستدلال، وقوة لما عرفوا الحق منه، فإذا كان ذلك على ما وصفنا، فقد علمتم بهت أهل البدع لهم في نسبتهم لهم إلى التقليد، وسوء اختيارهم في المفارقة لهم، والعدول عما كانوا عليه معهم وبالله التوفيق٣.
وإذ قد بان بما ذكرناه استقامة طرق استدلالهم وصحة معارفهم فلنذكر الآن ما أجمعوا عليه من الأصول.
الحواشي
(١) ١ معضل: يعني شديد. قال ابن منظور: "وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: أعضل بي أهل الكوفة ما يرضون بأمير ولا يرضاهم أمير". قال الأموي في قوله: أعضل بي: هو من العضال، وهو الأمر الشديد الذي لا يقوم به صاحبه". (انظر: لسان العرب ١٣/٤٧٩) .
٢ ساقطة من (ت) .
٣ ذهب البعض إلى أن السلف كانوا في إيمانهم مقلدين، لا يعرفون معاني النصوص وما تدل عليه، وخاصة في باب الأسماء والصفات. وقال بعضهم: إن السلف أعلم، والخلف أحكم، وهو قول باطل فاسد؛ لأن السلف أعلم بكتاب الله وسنة رسوله فهم متبعون لا مبتدعون كالخلف ويكفيهم أنهم أتباع محمد ﷺ وصحابته الكرام، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون، والمبتدعون من الخلف لا يعرفون قدر السلف ومنزلتهم، ولقد رد عليهم ابن تيمية في ذلك. (انظر: الفتوى الحموية الكبرى ص٦ الطبعة الثالثة بالمطبعة السلفية بالقاهرة. وكذلك مختصر الصواعق ١/٨ لابن القيم، وفتح الباري ١٣/٣٥٢ لابن حجر) .
ولقد عرف السابقون علم السلف فشادوا به ودعوا الناس إلى تعلمه، قال الأوزاعي: "العلم ما جاء عن أصحاب محمد، وما لم يجيء عن واحد منهم فليس بعلم"، وورد مثل هذا عن الإمام أحمد وغيره. انظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/٢٩.
ونقل ابن رجب كلام الأوزاعي السابق، ثم قال: "وفي زماننا يتعين كتابة كلام السلف المقتدى بهم في زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم". انظر رسالته فضل علم السلف على الخلف ص١٣.
ويلحق بعلوم السابقين من سار على طريقتهم من العلماء المتمسكين بالكتاب والسنة السائرين على منهاج النبوة.стр. 110
(باب ذكر ما أجمع عليه السلف من الأصول) ١ التي نبهوا بالأدلة عليها وأمروا في وقت النبي ﷺ بها٢.
الحواشي
(١) ١ ما بين المعقوفتين من (ت) .
٢ في الجزء الآتي من الرسالة يذكر الأشعري معظم ما أجمع عليه سلف هذه الأمة في باب العقائد، لذا أحب أن أقدم بين يدي ما ذكره من إجماعات كلمة قصيرة عن معنى الإجماع وحكمه ومنزلته تاركاً التفصيلات في ذلك لكتب الأصول.
الإجماع لغة: العزم والاتفاق. قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُم﴾ أي: أعزموه، ويصح إطلاقه على الواحد فيقال: أجمع. (انظر: القاموس المحيط ٣/١٥، وشرح الكوكب المنير ٢/٢١١) .
وفي الاصطلاح: اتفاق مجتهدي الأمة في عصر على أمر، ولو كان الأمر فعلاً اتفاقاً كائناً بعد النبي ﷺ . (انظر المرجع السابق وشرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول ص٣٢٢، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي ص١٩، ٢٠) .
حكم الإجماع: ذهب جمهور العلماء إلى أن الإجماع حجة قاطعة يجب اتباعه وتحرم مخالفته، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء آية: ١١٥) .
قال ابن حزم: "ثم اتفقنا نحن وأكثر المخالفين لنا على أن الإجماع من علماء أهل الإسلام حجة وحق مقطوع به في دين الله " (انظر الإحكام في أصول الأحكام ٤/٦٤٠ الطبعة الأولى بتحقيق محمد أحمد عبد العزيز.
وقد ذكر الغزالي النص على حجية الإجماع من ثلاثة طرق، وهي الكتاب والسنة والعقل. انظر المستصفى ١/١٧٤.
منزلة إجماع السلف وأهميته في باب العقائد:
ذكر علماء السنة أن ما أجمع عليه في باب العقائد لا يمكن لأحد مخالفته ولا الخروج عنه؛ لأنه موافق للقرآن والسنة، وعلى هذا فالخارج عليه خارج عن الكتاب والسنة، ومن هنا قال اللالكائي في مقدمة كتابه: "أما بعد فإن أوجب ما على المرء: معرفة اعتقاد الدين، وما كلف الله به عباده من فهم توحيده وصفاته وتصديق رسله بالدلائل واليقين والتوصل إلى طرقها والاستدلال عليها بالحجج والبراهين، وكان من أعظم مقول وأوضح حجة ومعقول: كتاب الله الحق المبين. ثم قول رسول الله ﷺ وصحابته الأخيار المتقين، ثم ما أجمع عليه السلف الصالحون. ثم التمسك بمجموعها والمقام بها إلى يوم الدين". (انظر: أصول اعتقاد أهل السنة ١/٩ من النص المحقق) .
ويقول ابن تيمية: "كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصاً عليه من الرسول، فالمخالف لهم مخالف للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف لله، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه فقد بينه الرسول، وهذا هو الصواب، فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به، كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص، وهو دليل ثان مع النص كالأمثال المضروبة في القرآن، وكذلك الإجماع دليل آخر، كما يقال قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها فإن ما دل عليه الإجماع، فقد دل عليه الكتاب والسنة، وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ، فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه، ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص". انظر رسالة معارج الوصول ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ص٢٠٥، مطبعة محمد علي صبيح، وانظر مجموع الفتاوى ٣/١٥٧.
وهذا التوضيح من ابن تيمية لا يحتاج إلى تعليق، غاية الأمر هو أنني أود أن أنبه بذلك إلى قيمة ما يذكره الأشعري من إجماعات في هذه الرسالة، وأن ما أجمع عليه في مسائل العقيدة، وورد إلينا عن سلف هذه الأمة هو دين الله الذي لا دين سواه، ومخالف ما صح من ذلك مخالف لله والرسول، وإليك الآن حكم مخالف.
قال القرافي: "تكفير المخالف له وإن قلنا به، فهو مشروط بأن يكون المجمع عليه ضرورياً من الدين، أما من جحد ما أجمع عليه من الأمور الخفية في الجنايات وغيرها من الأمور التي لا يطلع عليها إلا المتبحرون في الفقه فهذا لا نكفره، إذا عذر بعدم الاطلاع على الإجماع". (انظر: شرح تنقيح الفصول ص٣٣٧) .стр. 111
الإجماع الأول
واعلموا - أرشدكم الله - أن مما أجمعوا عليه - رحمة الله عليهم - على اعتقاده مما دعاهم النبي ﷺ إليه، ونبههم بما ذكرناه على صحته أن العالم بما فيه من أجسامه وأعراضه محدث لم يكن ثم كان١، وأن لجميعه محدثاً واحداً اخترع أجناسه، وأحدث جواهره وأعراضه، وخالف بين أجناسه٢.
وأنه لم يزل قبل أن يخلقه واحداً عالماً قادراً مريداً متكلماً سميعاً بصيراً له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأنهم عرفوا ذلك بما نبههم الله عليه، وبين لهم ﷺ وجه الدلالة فيه على ما تقدم شرحنا له قبل هذا الموضع٣.
الحواشي
(١) ١ مصداق هذا من كتاب الله قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ (الإنسان آية: ١) . ومن سنة رسول الله ﷺ قوله: "... كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء..." الحديث أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب ٢٢ ج٨/ ١٧٥.
٢ هذا الجزء من الإجماع الأول ذكره أيضاً البغدادي ضمن الأصول التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة فقال: "وأما الركن الثاني وهو الكلام في حدوث العالم - فقد أجمعوا على أن العالم كل شيء هو غير الله وعلى أن كل ما هو غير الله تعالى وغير صفاته الأزلية مخلوق مصنوع، وعلى أن صانعه ليس بمخلوق ولا مصنوع، ولا هو من جنس العالم، ولا من جنس شيء من أجزاء العالم". (انظر الفرق بين الفرق ص٣٢٨) .
٣ يطالعنا الأشعري في مستهل كلامه عن الصفات بموقف السلف جملة في أسماء الله وصفاته، ذاكراً بعض الصفات على سبيل المثال، وسيأتي إفراد بعضها بالحديث عنه وإثباته.
وقد ساق اللالكائي بإسناده إلى عبد الله بن أبي حنيفة الدبوسي قال: "سمعت محمد ابن الحسن يقول: "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وفارق الجماعة، فإنهم لم ينفوا ولم يفسروا ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة، ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ لأنه وصفه بصفة لا شيء". (انظر أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٤١٧، ومجموع الفتاوى لابن تيمية ٤/٤، ٥، ومختصر العلو للذهبي ص١٥٩) .
ومراد السلف هنا في نهيهم عن تفسير صفات الله هو عدم الخوض والبحث عن معرفة كنهها وحقيقتها، فإن هذا لا علم لأحد به، أما الإيمان بها وبمعناها وبما دلت عليه فهم يعرفونه، ومن هنا قال الإمام مالك لما سئل عن الاستواء: "الاستواء معلوم والكيف مجهول...". (انظر: أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٣٧٩) .стр. 112
الإجماع الثاني
وأجمعوا على أنه غير مشبه لشيء من العالم، وقد نبه الله على ذلك بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١.
الحواشي
(١١) .
وتمامها ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
ولقد اتفق أهل السنة والجماعة على معنى هذه الآية، وآمنوا أن الله لا يشبه أحداً من خلقه.
قال أبو حنيفة: "لا يشبه شيئاً من الأشياء من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه، لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته الذاتية والفعلية". (انظر الفقه الأكبر لأبي حنيفة ص١٥) .
وقال الطحاوي: "ولا شيء مثله". وعلق شارحه على ذلك بقوله: "اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله...". (شرح الطحاوي ص٣٨) .
ولقد ضل فريقان في هذا الباب أحدهما: الكرامية أتباع محمد بن كرام السجستاني. الذين شبهوا الله بخلقه، وأطلق عليهم الأشعري اسم المجسمة، وذكر أن أقوالهم بلغت ست عشرة مقالة. (انظر: مقالات الإسلاميين ١/٢٨١، والفرق بين الفرق ص٢١٦، ولوامع الأنوار البهية ١/٩١) .
ولقد سار في هذا الطريق أيضاً مقاتل بن سليمان وهشام بن الحكم قال ابن رجب: "وقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقول، وبالغوا في الطعن عليه، ومنهم من استحل قتله، منهم مكي بن إبراهيم شيخ البخاري وغيره". (انظر فضل علم السلف على الخلف ص٨) .
والفريق الثاني: الجهمية النافون للأسماء والصفات ومن شاكلهم كالمعتزلة، وذلك لما قام في قلوبهم من رجس التشبيه.
قال الإمام أحمد عنهم: "إذا سألهم الناس عن قول الله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ ما تفسيره؟ يقولون: ليس كمثله شيء من الأشياء وهو تحت الأرضين السبع كما هو على العرش لا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان...". (انظر الرد على الجهمية والزنادقة ص ٢٨) .
وكلا الفريقين السابقين في بعد عن الصواب، أما سلف هذه الأمة فقالوا: إن الله موصوف بصفات الجلال والكمال، كما وصف نفسه، وأنه مع اتصافه بهذه الصفات لا يشبه شيئاً من المخلوقات، فكانوا في ذلك وسطاً بين المشبهة والمعطلة. (انظر: في ذلك شرح الطحاوية ص٣٩، ٥٨، ٤٦٦، ٤٤٧، وشرح العقيدة الواسطية ص٤٩) .
وقال نعيم بن حماد: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيهاً". (انظر مختصر العلو للذهبي ص١٨٤) .
وقد اختلف في إعراب الكاف في قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ على وجوه ذكرها شارح الطحاوية ص٧٨، ٧٩، وتعرض لذلك الدكتور عبد الله دراز، ورجح أن الكاف أصلية وليست زائدة، وجودها ضروري وهادف من طريقين.
الطريق الأول: أن في وجود الكاف نفي المماثلة وما يشبهها أو يدنو منها.
الطريق الثاني: أنها نفت التشبيه وأقامت البرهان على نفيه، كأن الآية قالت: مثله تعالى لا يكون له مثل، تعني أن من كانت له تلك الصفات الحسنى وذلك المثل الأعلى لا يمكن أن يكون له شبيه، ولا يتسع الوجود لاثنين من جنسه. (باختصار وتصرف من كتابه النبأ العظيم ص١٣٢- ١٣٦) .стр. 113
وبقوله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ١ وإنما كان ذلك كذلك، لأنه تعالى لو كان شبيهاً لشيء من خلقه لاقتضى من الحدث والحاجة إلى محدث له ما اقتضاه ذلك الذي أشبهه، أو اقتضى ذلك قدم ما أشبهه من خلقه، وقد قامت الأدلة٢ على حدث جميع الخلق واستحالة قدمه على ما بيناه آنفاً، وليس كونه غير مشبه للخلق ينفي وجوده؛ لأن طريق إثباته كونه تعالى على ما اقتضته٣ العقول من دلالة أفعاله عليه دون مشاهدته.
الإجماع الثالث
وأجمعوا أنه تعالى لم يزل موجوداً حياً قادراً عالماً مريداً متكلماً سميعاً بصيراً على ما وصف به نفسه، (وتسمى) ٤ به في كتابه، وأخبرهم به ورسوله، ودلت عليه أفعاله، وأن وصفه بذلك لا يوجب شبهه لمن وصف من خلقه بذلك من قبل الشيئين لا يشبهان بغيرهما، ولا باتفاق أسمائهما٥، وإنما يشبهان بأنفسهما فلما كانت نفس الباري تعالى غير مشبهة لشيء من العالم بما ذكرناه آنفاً، لم يكن وصفه بأنه حي وقادر وعالم يوجب تشبهه لمن وصفناه بذلك منا، وإنما يوجب اتفاقهما في ذلك اتفاقاً٦ في٧ حقيقة الحي والقادر والعالم، وليس اتفاقهما في حقيقة ذلك يوجب (تشابهاً) ٨ بينهما، ألا ترى أن وصف الباري بأنه موجود ووصف الإنسان بذلك لا يوجب تشابهاً بينهما، وإن كانا قد اتفقا في حقيقة الموجود، ولو وجب تشابههما بذلك لوجب تشابه السواد والبياض بكونهما
الحواشي
(٤) .
وهذه الآية كالآية السابقة نص في نفي الشبيه والنظير لله ، وقد جاء في الحديث أن سورة الإخلاص هي صفة الرحمن. (انظر البخاري كتاب التوحيد باب ١ ج٨/١٦٥، والأسماء والصفات للبيهقي ص٢٧٩) .
٢ في (ت) "الدلالة".
٣ في الأصل: "ما اقتضاه". وما أثبته من (ت) .
٤ في الأصل: "وسمى". وما أثبته من (ت) .
٥ هكذا جاءت العبارة بالأصل، و (ت) ولعل الصواب "لا يشبهان بغيرهما لاتفاق أسمائهما" بدون "لا".
٦ في الأصل، و (ت) : "اتفاق" بالرفع، وهي مفعول يوجب.
٧ ساقطة من (ت) .
٨ في الأصل و (ت) : "تشبهاً"، ولعل الصواب ما أثبته.стр. 114
موجودين، فلما لم يجب بذلك بينهما (تشابه) ١ وإن كانا قد اتفقا في حقيقة الموجود، لم يجب أو يوصف الباري بأنه حي عالم قادر، ووصف الإنسان بذلك تشابههما، وإن اتفقا في حقيقة ذلك، وإن كان الله لم يزل مستحقاً لذلك، والإنسان مستحقاً لذلك عند خلق الله ذلك له وخلق هذه الصفات فيه٢.
الإجماع الرابع
وأجمعوا على إثبات٣ حياة الله لم يزل بها حياً، وعلماً لم يزل به عالماً، وقدرة لم يزل بها قادراً، وكلاماً لم يزل به متكلماً، وإرادة لم يزل بها مريداً، وسمعاً وبصراً لم يزل به سميعاً بصيراً٤.
وعلى أن شيئاً من هذه الصفات لا يصح أن يكون محدثاً، إذ لو كان شيئاً٥ منها
الحواشي
(١) ١ في الأصل و (ت) : "تشابهاً" بالنصب، وهي فاعل يجب.
٢ يقرر الأشعري في هذا الإجماع أن مجرد الاتفاق في الأسماء بين الله وبين خلقه لا يلزم منه نفي الأسماء والصفات عن الله ، إذ لا يلزم من اشتراكهما في الأسماء حدوث تماثل بينهما، ولقد ضرب الأمثلة على ذلك (وانظر التوحيد لابن خزيمة ص٢٨، ٢٩) .
ولقد فصل ابن تيمية هذه القضية تفصيلاً تاماً فقال: "وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره فلا يقول عاقل إذا قيل إن العرش شيء موجود، وإن البعوض شيء موجود أن هذا مثل هذا لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود". (انظر رسالة التدمرية ص٨ من الطبعة الثانية بالمطبعة السلفية بالقاهرة) .
ثم ساق ابن تيمية عدة أمثلة على ذلك مبيناً أن بين أسماء الله وصفاته من الفرق، كما بين ذات الخالق وذات المخلوق، وعقب على ذلك بذكر الأصلين والمثلين الذين يوضحان كل شبهة ويزيلان كل إشكال، ثم ختم بخاتمة جامعة حول هذا الباب. (انظر التدمرية ص١٣- ٤٦) .
٣ في الأصل: "وأثبتوا على إجماع"، وما أثبته من (ت) ، ولعل الصواب أن يقال: "وأجمعوا على أن لله حياة لم يزل بها حياً".
٤ سبق أن ذكر الأشعري هذه الصفات السبع في الإجماع السابق، وهذه الصفات هي التي يؤمن بها من ينتسب إلى الأشعري اليوم - وهي عقيدته وقت أن كان كلابياً- ولا يتعداها إلى غيرها كالاستواء واليد، مع أن الأشعري يؤمن بذلك بعد رجوعه إلى مذهب السلف، وسيأتي كلامه عن الاستواء واليد والنزول وغير ذلك.
ولقد تعرض السفاريني لتعريف كل صفة من هذه الصفات السبع وذكر مذهب أهل الحق فيها ورد على المخالفين. (انظر كتابه لوامع الأنوار البهية ١/١٣١- ١٥٢) .
٥ كذا في الأصل، ولعل الصواب "شيء".стр. 115
محدثاً لكان تعالى قبل حدثها موصوفاً بضدها، ولو كان ذلك لخرج١ عن الإلهية٢، وصار إلى حكم المحدَثين الذين يلحقهم النقص ويختلف عليهم صفات الذم والمدح، وهذا يستحيل على الله ، وإذا استحال ذلك عليه وجب أن يكون لم يزل بصفة الكمال؛ إذ كان لا يجوز عليه الانتقال من حال إلى حال٣.
الإجماع الخامس
وأجمعوا (على) ٤ أن صفته لا تشبه صفات المحدثين، كما أن نفسه لا تشبه أنفس المخلوقين، واستدلوا على ذلك بأنه لو لم يكن له هذه الصفات لم يكن موصوفاً بشيء منها في الحقيقة، (من قبل أن من ليس له حياة لا يكون حياً، ومن لم يكن له علم لا يكون عالماً في الحقيقة، ومن لم يكن له قدرة فليس بقادر في الحقيقة، وكذلك الحال في سائر الصفات، ألا ترى من لم يكن له فعل) ٥ لم يكن فاعلاً في الحقيقة، ومن لم يكن له إحسان لم يكن محسناً، ومن لم يكن له كلام لم يكن متكلماً في الحقيقة، ومن لم يكن له إرادة لم يكن في الحقيقة مريداً، وأن من٦ وصف بشيء من ذلك مع عدم الصفات التي توجب هذه الأوصاف له لا يكون مستحقاً لذلك في الحقيقة، وإنما يكون وصفه مجازاً٧ أو كذباً، ألا ترى أن وصف الله للجدار بأنه يريد أن ينقض، لما لم يكن له إرادة في الحقيقة كان مجازاً، وذلك أن هذه الأوصاف مشتقة من أخص أسماء هذه الصفات ودالة عليها، فمتى لم توجد هذه الصفات التي وصف بها كان وصفه بذلك
الحواشي
(١) ١ في الأصل و (ت) : "يخرج" بالياء.
٢ في (ت) : "الأهلية".
٣ ما ذكره الأشعري هنا من أن صفات الله أزلية قديمة صرح به جمهور أهل السنة والجماعة. قال البغوي: "ويجب أن يعتقد أن الله عز اسمه قديم بجميع أسمائه وصفاته، لا يجوز له اسم حادث ولا صفة حادثة". (انظر شرح السنة ١/١٧٩) .
وقال الطحاوي: "ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يزدد لكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته، كما كان بصفاته أزلياً كذلك لا يزال عليها أبدياً". (شرح الطحاوية ص٦٢) .
٤ ما بين المعقوفتين من (ت) .
٥ ما بين المعقوفتين ساقط من (ت) .
٦ ساقطة من (ت) .
٧ ذكر ابن تيمية أن وصف الله للجدار بأنه يريد أن ينقض ليس من باب المجاز، بل هو حقيقة ومن مشهور اللغة، وذلك أن لفظ الإرادة يستعمل في الميل الذي يكون معه شعور، وهو ميل الحي، وفي الميل الذي لا شعور فيه وميل الجماد، وعلى هذا يفسر معنى إرادة الجدار للانقضاض. (انظر كتاب الإيمان ص١٠٣ من الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ، المكتب الإسلامي) .стр. 116
تلقيباً أو كذباً، فإذا كان الله موصوفاً بجميع هذه الأوصاف في صفة الحقيقة وجب إثبات الصفات التي أوجبت هذه الأوصاف له في الحقيقة، وإلا كان وصفه بذلك مجازاً١ كما وصف الجدار بأنه يريد، لما لم يكن له إرادة مجازاً ويبين هذا أن وصف الإنسان بأنه مريد وسارق وظالم مشتق من الإرادة والسرقة والظلم، وكذلك وصفه بأنه أسود مشتق من السواد، فإذا وصف بذلك من ليس له هذه الصفات في الحقيقة كان وصفه بذلك تلقيباً٢، ألا ترى أن من سمت العرب من أولادها بذلك لم يستحق الذم، لأن تسميته بذلك لا يقتضي إثبات هذه الصفات، وإنما وضعوا ذلك لهم تلقيباً، كما يلقبونهم بزيد وعمرو، وعلى مثل هذا (جاء) ٣ السمع في تسمية الجدار بأنه يريد، لما لم يكن له إرادة، وإذا كان وصف الباري بسائر ما ذكرناه من كونه حياً وقادراً وعالماً ومتكلماً ومريداً وسميعاً وبصيراً في الحقيقة دون المجاز والتلقيب، وجب إثبات هذه الصفات التي اشتق له الأوصاف من أخص أسمائها، وقد أوضح ذلك بقوله : ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٤، وقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٥، وقال٦: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ ٧ ولا يجب٨ إذا أثبتنا هذه الصفات له على ما دلت العقول واللغة والقرآن والإجماع عليها أن تكون محدثة، لأنه تعالى لم يزل موصوفاً بها، ولا يجب أن تكون أعراضاً؛ لأنه ليس بجسم، وإنما توجد الأعراض في الأجسام٩،
الحواشي
(٥٨) .
٥ سورة النساء آية:(١٦٦) .
٦ ساقطة من (ت) .
٧ سورة البقرة آية:(٢٥٥) .
٨ في الأصل: "ولا يجب أن إذا"، و"أن" هنا زائدة لا معنى لها وهي غير واضحة.
٩ في (ت) : "الأجساد"، وأحب أن أنبه هنا على أمر هام جداً، وهو أن السلف كانوا لا يطلقون هذا اللفظ على الذات الإلهية لا بنفي ولا بإثبات، بل ذموا من فعل ذلك. قال ابن تيمية عنهم: "وأما لفظ الجسم والجوهر والمتحيز والمركب والمنقسم، فلا يوجد له ذكر في كلام أحد من السلف، كما لا يوجد له ذكر في الكتاب والسنة لا بنفي ولا بإثبات، إلا بالإنكار على الخائضين في ذلك النفاة الذين نفوا ما جاءت به النصوص، والمشبهة الذين ردوا ما نفته النصوص، كما ذكرنا أن أول من تكلم بالجسم نفياً وإثباتاً هم طوائف من الشيعة المعتزلة، وهم من أهل الكلام الذين كان السلف يطعنون عليهم". (انظر بيان تلبيس الجهمية ١/٥٤، ومجموع الفتاوى ٧/١٠٢) ، وبهذا يظهر أن إطلاق هذه الألفاظ على الذات الإلهية من البدع المحدثة، وهذه الألفاظ من آثار الاعتزال والكلابية التي كان عليها الأشعري.стр. 117
ويدل بأعراضها فيها وتعاقبها عليها على حدثها، ولا يجب أن تكون غيره ؛ لأن غير الشيء هو ما يجوز مفارقة صفاته له من قبل أن في مفارقتها له ما يوجب حدثه وخروجه عن الألوهية، وهذا يستحيل عليه (كما لا يجب) ١ أن تكون نفس٢ الباري جسماً أو جوهراً، أو محدوداً، أو في مكان دون مكان، أو في غير ذلك٣ مما لا يجوز عليه من صفاتنا لمفارقته لنا، فلذلك لا يجوز على صفاته ما يجوز على صفاتنا، ولا يجب إذا لم تكن هذه الصفات غيره أن تكون نفسه٤ لاستحالة كونه حياة، أو علماً، أو قدرة؛ لأن من كان كذلك لم يتأت منه الفعل، وذلك أن الفعل يتأتى من الحي القادر العالم دون الحياة والعلم والقدرة٥.
الحواشي
(١) ١ ساقط من (ت) .
٢ في (ت) : "تفسير".
٣ يؤمن الأشعري كما يؤمن غيره من السلف أن الله على العرش استوى وسيأتي إثبات ذلك، ولعله هنا يقصد شيئاً آخر. والله أعلم.
وعبارة "أوفي مكان دون مكان" خطأ، لأن الله استوى على عرشه وعرشه فوق سماواته، وقد أخبر الله بذلك في غير آية من كتاب الله تعالى، وأخبر الرسول ﷺ بذلك، وحديث الجارية التي قالت إن الله في السماء، وشهد لها رسول الله ﷺ بذلك أوضح دليل في هذا. (انظر نص الحديث في صحيح مسلم ١/٣٨١، وسنن النسائي ٣/١٧، ومسند أحمد ٥/٤٤٧، وموطأ مالك ٣/٥، ٦) .
٤ الصفات معان زائدة على الذات، وليست غيرها؛ لأن الله بأسمائه وصفاته إله واحد، ولا يتحقق الإيمان بالله إلا إذا آمنا بذات متصفة بصفات الكمال، وعليه فالمغايرة بين الذات والصفات بهذا المعنى باطلة، مع التأكيد على أن للصفات معان نفهمها منها زائدة على الذات. (انظر بدائع الفوائد ١/٢١، وكتاب الصفات الإلهية في الكتاب والسنة المحمدية للدكتور محمد أمان ص٣٤١- ٣٤٣) .
٥ يشير الأشعري في هذا الإجماع إلى ما سبق أن قرره من عدم مشابهة الله لأحد من خلقه، وأن صفات الله ليست كصفات المخلوقين، ثم أخذ في الرد على المعتزلة الذين نفوا صفات الله ، وقالوا بأنه لا يوصف بالعلم والقدرة وسائر الصفات، لأنها قديمة ولو وصف بها لتعدد القدماء وهو باطل. (انظر شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص١٨٢، والمقالات للأشعري ١/٢٤٤، والإبانة ص٣٨، والفرق بين الفرق للبغدادي ص١١٤، والملل والنحل للشهرستاني ١/٤٩) .
والمعتزلة يثبتون الأسماء وينفون الصفات، فألزمهم الأشعري الإيمان بها كما آمنوا بالأسماء، وقد وضح هذا الإلزام لهم في كتابه الإبانة فقال: "وجدنا اسم عالم اشتق من علم، واسم قادر اشتق من قدرة، وكذلك اسم حي من حياة، واسم سميع من سمع، واسم بصير من بصر.
ولا تخلو أسماء الله من أن تكون مشتقة، إما لإفادة معنى، أو على طريق التلقيب، فلا يجوز أن يسمى الله على طريق التلقيب باسم ليس فيه إفادة معنى، وليس مشتقاً من صفة، فإذا قلنا إن الله عالم قادر فليس ذلك تلقيباً كقولنا زيد وعمرو، وعلى هذا إجماع المسلمين وإذا لم يكن ذلك تلقيباً، وكان مشتقاً من علم وجب إثبات العلم". (انظر: الإبانة ص٤٠) .
ويؤكد الرازي كلام الأشعري في هذا المقال فيقول: "إن صدق المشتق لا ينفك عن صدق المشتق منه خلافاً لأبي علي وأبي هاشم فإن العالم والقادر والحي أسماء مشتقة من العلم والقدرة والحياة، ثم إنهما يطلقان هذه الأسماء على الله تعالى، وينكران حصول العلم والقدرة والحياة لله تعالى". (انظر المحصول في علم أصول الفقه ص٣٢٧ بتحقيق د/ طه جابر) .
ويقول محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "والمعتزلة ينفونها - أي الصفات - ويثبتون أحكامها فيقولون: هو تعالى حي قادر، مريد عليم، سميع بصير، متكلم بذاته لا بقدرة قائمة بذاته، ولا إرادة قائمة بذاته، وهكذا فراراً منهم من تعدد القديم.
ومذهبهم الباطل لا يخفى بطلانه وتناقضه على أدنى عاقل، لأن من المعلوم أن الوصف الذي منه الاشتقاق إذا عدم فالاشتقاق منه مستحيل، فإذا عدم السواد عن جرم مثلاً استحال أن تقول هو أسود، إذ لا يمكن أن يكون أسود ولم يقم به سواد، وكذلك إذا لم يقم العلم والقدرة بذات استحال أن تقول: هي عالمة قادرة لاستحالة اتصافها بذلك، ولم يقم بها علم ولا قدرة. قال في مراقي السعود:
وعند فقد الوصف لا يشتق ... وأعوز المعتزليَ الحق
(انظر أضواء البيان ٢/٢٧٧) .стр. 118
الإجماع السادس
وأجمعوا على أن١ أمره وقوله غير محدث ولا مخلوق وقد دل الله تعالى على صحة ذلك بقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٢، ففرق تعالى بين خلقه وأمره.
الحواشي
(٥٤) .
ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الله متصف بصفة الكلام وأنه سبحانه لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وقد خالف في ذلك المبتدعة من الجهمية والمعتزلة، وسائر الفرق الضالة. (انظر أقوال الناس في مسألة الكلام في شرح الطحاوية ص١٠٦، والصواعق ٢/٢٨٦، وفتح الباري ١٣/٤٩٣) .
ولقد عقد الإمام أحمد فصلاً في كتابه "الرد على الجهمية" عَنوَن له من مفهوم الآية السابقة فقال: "باب بيان ما فصل الله بين قوله وخلقه وأمره" ثم ذكر أن الله إذا سمى الشيء الواحد باسمين، أو ثلاثة أسامي جاء به مرسلاً مفصلاً، وإذا سمى شيئين مختلفين لا يدعهما مرسلين حتى يفصل بينهما. من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً﴾ ، فهذا شيء واحد سماه بثلاثة أسامي وهو مرسل، ولما كان الخلق غير الأمر فصل بينهما فقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ وهذا يدل على أن الخلق بخلاف الأمر الذي هو صفة من صفات ذاته". (انظر الرد على الجهمية والزنادقة ص٣٤) ، وقال في رسالة السنة: "والقرآن كلام الله تكلم به ليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر". (انظر ص٧٦، وانظر كتاب السنة أيضاً لعبد الله ابن الإمام أحمد ص٣٣- ٤٠) .
كما ذكر البخاري هذه الآية في بابي ٣٠، ٥٦ من كتاب التوحيد وعقب عليها في الباب الأخير بقول ابن عيينة: "بين الله الخلق من الأمر بقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ . قال ابن حجر: "وسبق ابن عيينة إلى ذلك محمد بن كعب القرظي وتبعه الإمام أحمد بن حنبل وعبد السلام بن عاصم وطائفة أخرج كل ذلك ابن أبي حاتم عنهم". (انظر فتح الباري ١٣/٥٣٣) . وقال سفيان بن عيينة: "أدركت مشايخنا منذ سبعين سنة، منهم عمرو بن دينار يقولون: "القرآن كلام الله وليس بمخلوق". (رواه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد ص١١٧) ، وقال ابن أبي عاصم: "والقرآن كلام الله ﵎ تكلم الله به ليس بمخلوق، ومن قال مخلوق ممن قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل أن تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه". (انظر السنة لابن أبي عاصم ٢/٦٤٥) .
وقال ابن تيمية: "إن مذهب السلف وأهل السنة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود هكذا قال غير واحد من السلف. روي عن سفيان بن عيينة وكان من التابعين الأعيان وقال: ما زلت أسمع الناس يقولون ذلك". (انظر مجموع الفتاوى (٣/٤٠١) . ويقول أيضاً: "إنه لم يزل متكلماً إذا شاء بكلام يقوم به، وهو متكلم بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يجعل نفس الصوت المعين قديماً، وهذا هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة". (انظر منهاج السنة النبوية ١/٢٩٦، وانظر أيضاً باب الرد على الجهمية في شرح السنة للبغوي ١/٨١، والشريعة للآجري ص٧٥، وأصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ١/٢٢١- ٣٠٦، وعقيدة أصحاب الحديث للصابوني ص١٠٦ ضمن الرسائل المنيرية، ومختصر الصواعق المرسلة ٢/٢٧٧- ٣٣٢، وشرح الطحاوية ص١١٥، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني ١/١٣٢- ١٤٣) .стр. 119
وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١، فبين بذلك تعالى أن الأشياء المخلوقة تكون شيئاً بعد أن لم تكن بقوله وإرادته.
وأن قوله غير الأشياء المخلوقة من قبل أن٢ أمره تعالى للأشياء وقوله لها كوني، لو كان مخلوقاً لوجب أن يكون قد خلقه بأمر آخر، وذلك القول لو كان مخلوقاً (لكان مخلوقاً) ٣ بقول آخر، وهذا يوجب على قائله أحد شيئين: إما أن يكون كل قول محدث قد تقدمه قول محدث إلى ما لا نهاية له، وهذا قول أهل الدهر بعينه، أو يكون ذلك القول حادثاً بغير أمره له، فبطل معنى الامتداح بذلك٤.
وقد نص على هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بحضرة أوليائه من الصحابة وأعدائه من الخوارج لما أنكروا عليه التحكيم فقال: والله ما حكمت مخلوقاً وإنما حكمت كلام الله٥، فلم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة الذين يوالونه، ولا أحد من الخوارج الذين يعادونه، ولا روي عن أحد منهم خلاف له في ذلك.
الحواشي
(٨٢) .
استدل الأشعري بهذه الآية أيضاً على إثبات صفة الكلام لله تعالى، وقد استدل بها البخاري أيضاً للغرض نفسه في كتابه خلق أفعال العباد، وذكرها أيضاً عقب استدلاله بالآية السابقة التي استدل بها الأشعري. انظر كتابه ص١٣٦.
كما بوب البخاري في الصحيح بما يشبه هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ انظر كتاب التوحيد باب ٢٩، والإبانة ص١٩.
ووجه الاستدلال من الآية: أن الله خلق الخلق بقوله: "كن" فلا يمكن أن يكون مخلوقاً، لأن المخلوق لا يخلق، وهو أمر مسلم به.
وقال ابن أبي حاتم: "حدثنا أبي قال: قال أحمد بن حنبل دل على أن القرآن غير مخلوق حديث عبادة: أول ما خلق الله القلم فقال اكتب... الحديث. قال: إنما نطق القلم بكلامه لقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . قال: فكلام الله سابق على أول خلقه فهو غير مخلوق". (انظر فتح الباري ١٣/٤٤٣) .
٢ ساقطة من (ت) .
٣ ما بين المعقوفتين ساقط من (ت) .
٤ ما ذكره الأشعري هنا أشار إليه في الإبانة ص٢٠ وما بعدها، وإلزامه لهم بما ألزمهم به حق لا يستطيعون الفرار منه، ولقد ألزمهم الربيع بن سليمان بشيء من ذلك أيضاً فقال: "خلق الله الخلق كله بقوله "كن" فلو كان "كن" مخلوقاً لكان قد خلق الخلق بمخلوق وليس كذلك". (انظر فتح الباري ١٣/٤٤٣، وانظر أيضاً الرد على الجهمية للإمام أحمد ص٣٦) .
٥ قال اللالكائي: "روي عن علي ﵁ أنه قال يوم صفين ما حكمت مخلوقاً، وإنما حكمت القرآن، ومعه أصحاب رسول الله ﷺ ومع معاوية أكثر منه فهو إجماع بإظهار وانتشار وانقراض عصر من غير اختلاف ولا إنكار". ثم قال: "وعن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود مثله". (انظر أصول اعتقاد أهل السنة ١/٢٢١) .
ثم ساق اللالكائي ثلاث روايات فيها نسبة هذا القول إلى علي اثنتان من طريق "عمرو بن جميع" وقد كذبه ابن معين، وقال الدارقطني وجماعة: متروك الحديث، وقال ابن عدي: يتهم بالوضع، وقال البخاري منكر الحديث. (انظر ميزان الاعتدال ٣/٢١٥ طبعة الحلبي بالقاهرة) .
والأثر الثالث فيه عتبة بن السكن. قال فيه الدارقطني: متروك الحديث. (انظر ميزان الاعتدال ٣/٢٨) .
وقد ذكره البيهقي بالإسناد نفسه وقال عقبه: "هذه الحكاية شائعة فيما بين أهل العلم ولا أراها شاعت إلا عن أصل". (انظر الأسماء والصفات ص٣١٣) .
قلت: هذا غير لازم، وقد شاعت الأحاديث الموضوعة والباطلة، ومع هذا فليس لها أصل، وشيوع الشيء لا يدل على صحته، والعبرة في ذلك ثبوت الدليل وصحته. وهذه الآثار مع ضعف أسانيدها إلا أن معناها ثابت وصحيح.
وبعد هذا العرض، وبيان مذهب السلف في هذه الصفة يتبين لنا أن ما عليه الأشاعرة اليوم من قولهم بأن القرآن عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله، خطأ واضح، ولم يكن السلف يعتقدون ذلك، ومعهم الأشعري بعد عودته إلى المذهب السلفي.
ويذهب ابن تيمية إلى أن ابن كلاب هو أول من قال في الإسلام هذه المقالة، فأخذ بذلك بنصف قول المعتزلة ونصف قول أهل السنة، ثم جاء بعده أبو الحسن الأشعري فسلك مسلكه في إثبات أكثر الصفات وفي مسألة القرآن أيضاً، واستدرك عليه قوله: بأن القرآن حكاية عن كلام الله، وقال المناسب أن نقول: عبارة عن كلام الله. (انظر مجموع الفتاوى ١٢/٢٧٢) .
أما ما استقر عليه الأشعري وكانت عليه خاتمته في الاعتقاد هو ما ذكره هنا وفي الإبانة والمقالات من أن القرآن كلام الله حقيقة، وكتبه أمامنا ناطقة بذلك وتأمل قوله في الإبانة: "والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، مسموع لنا في الحقيقة كما قال : ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ". (الإبانة ص٢٩) .
وتأمل أيضاً قوله: "ولا يجوز أن يقال أن شيئاً من القرآن مخلوق؛ لأن القرآن بكماله غير مخلوق" (الإبانة ص٣٠) .
وعليه أقول: ينبغي لكل أشعري يسلك مذهب شيخه أن يقف على معتقده الذي لقي الله عليه وأن يقول به ولا يفتري عليه فينسب إليه ما تبرأ منه، وقد بينت ذلك في المقدمة.стр. 120
الإجماع السابع
وأجمعوا على أنه يسمع ويرى، وأن له تعالى (يدين مبسوطتين) ١ وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه من غير أن يكون جوارحاً، وأن يديه تعالى غير نعمته٢.
الحواشي
(١) ١ في الأصل و (ت) : "يدان مبسوطتان" بالرفع، وهي اسم أن فتكون منصوبة وعليه فما أثبته في صلب النص هو الصواب.
٢ يستدل الأشعري على إثبات صفة اليد لله بما أشار إليه من آيات، وهكذا فعل الدارمي في رده على بشر المريسي لما قال بأن اليد بمعنى النعمة. (انظر كتابه ص٢٥، وكتاب التوحيد لابن خزيمة ص٥٣- ٩٠، والأسماء والصفات للبيهقي ص٣١٤- ٣٤١، والرد على الجهمية لابن مندة ص٦٨- ٩٤، وأصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٢/ ٣٩٤) .
كما رد الأشعري أيضاً في الإبانة على من ذهب إلى أن اليد بمعنى النعمة وقرر أنهم لا يجدون دليلاً لا من اللغة، ولا من الإجماع. (انظر ص٣٤- ٣٨) .
كما تعرض لهم الباقلاني في التمهيد ورد عليهم بعد حكايته لقولهم بقوله: "يقال لهم: هذا باطل، لأن قوله "بيدي" يقتضي إثبات يدين هما صفة له، فلو كان المراد بهما القدرة لوجب أن يكون له قدرتان... وقد أجمع المسلمون من مثبتي الصفات والنافين لها، على أنه لا يجوز أن يكون له تعالى قدرتان فبطل ما قلتم، وكذلك لا يجوز أن يكون الله تعالى خلق آدم بنعمتين؛ لأن نعم الله تعالى على آدم وغيره لا تحصى ...". (انظر كتابه التمهيد ص٢٠٩) . وقال اللالكائي: سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على أن من صفات الله الوجه والعينين واليدين، ثم ساق ما يؤيد ذلك من القرآن والسنة. (انظر شرح اعتقاد أهل السنة ٣/٤١٢- ٤٣٤، وانظر تتمة الكلام حول صفة اليد في الصفحات التالية) .стр. 121
وقد دل على ذلك تشريفه لآدم ﵇ حيث خلقه بيده، وتقريعه لإبليس على الاستكبار عن السجود مع ما شرفه به بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١.
الإجماع الثامن
وأجمعوا على أنه يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفاً لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها، فيغفر لمن يشاء من المذنبين، ويعذب منهم من يشاء كما قال، وليس مجيئه حركة ولا زوالاً، وإنما يكون المجيء حركة وزوالاً إذا كان الجائي جسماً أو جوهراً، فإذا ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه نقلة أو حركة٢، ألا ترى
الحواشي
(٧٥) .
استدل الأشعري بهذه الآية أيضاً على إثبات صفة اليد لله وقد ذكر الاستدلال منها كما ترى.
وقال الآجري: "ويقال للجهمي الذي ينكر أن الله خلق آدم بيده كفرت بالقرآن ورددت السنة، وخالفت الأمة". (انظر كتابه الشريعة ص٣٢٣) .
ومجيء الآية على هذا التركيب يدل دلالة قاطعة على ثبوت هذه الصفة وبطلان ما ذهب إليه أهل التأويل فيها، وفي ذلك يقول ابن القيم: "إن هذا التركيب المذكور في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يأبى حمل الكلام على القدرة؛ لأنه نسب الخلق إلى نفسه سبحانه، ثم عدى الفعل إلى اليد، ثم ثناها، ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قولك "كتبت بالقلم"، ومثل هذا نص صريح لا يحتمل المجاز". (انظر الصواعق المرسلة ٢/١٥٧) .
ومما يؤيد ثبوت هذه الصفة لله كغيرها من الصفات اطراد لفظها في موارد الاستعمال وتنوعه، وتأمل في ذلك في الآيات التي جاء فيها ذكر اليد لله، وكذلك في سنة الرسول ﷺ حيث ذكر أن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، وكذلك الأحاديث التي جاء فيها الهز والقبض وأخذ الذرية من ظهر آدم وما إلى ذلك. (انظر ما أحلناك عليه سابقاً في كتاب التوحيد لابن خزيمة والأسماء والصفات للبيهقي والصواعق لابن القيم) .
وقال ابن حجر: "لو كانت اليد بمعنى القدرة، لم يكن بين آدم وإبليس فرق لتشاركهما فيما خلق كل منهما به وهي قدرته، ولقال إبليس: وأي فضيلة له علي، وأنا خلقتني بقدرتك كما خلقته بقدرتك، فلما قال ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ دل على اختصاص آدم بأن الله خلقه بيديه، ولا جائز أن يراد باليدين النعمتان؛ لاستحالة خلق المخلوق بمخلوق، لأن النعم مخلوقة". (انظر فتح الباري ١٣/٢٩٤) .
وقال ابن التين في قول النبي ﷺ : "وبيده الأخرى الميزان" يدفع تأويل اليد هنا بمعنى القدرة، وكذا قوله في حديث ابن عباس: "أول ما خلق الله القلم، فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين". (المرجع السابق، نفس الصفحة) .
ولقد بوب البخاري في الصحيح لهذه الآية في كتاب التوحيد باب ١٩ وذكر تحتها ستة أحاديث لا تحتمل تأويلاً على الإطلاق.
٢ سبق القول أن إطلاق مثل هذه الألفاظ على الله لا يجوز نفياً أو إثباتاً. (انظر ما تقدم ص٢٢٦- ٢٢٧) .стр. 122
أنهم لا يريدون بقولهم: جاءت زيداً الحمى أنها تنقلت إليه، أو تحركت من مكان كانت فيه إذ لم تكن جسماً ولا جوهراً، وإنما مجيئها إليه وجودها به١.
وأنه ينزل إلى السماء٢ الدنيا كما روي عن النبي ﷺ ، وليس نزوله نقله، لأنه ليس بجسم ولا جوهر، وقد نزل الوحي على النبي ﷺ عند من خالفنا٣.
الحواشي
(١) ١ ينص الأشعري في هذا الإجماع على إثبات صفة المجيء لله كما نطق بذلك القرآن الكريم في أكثر من موضع، وصح ذلك عن رسول الله ﷺ كما جاء في حديث أبي هريرة: "إذا كان يوم القيامة نزل الرب إلى العباد" أخرجه الحاكم في المستدرك ١/٤٨١ وصححه ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضاً في العلو. (انظر مختصر العلو ص١١٠) .
وفي حديث الرؤية الطويل قول الرسول ﷺ : "فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفونه..." أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب ٢٤ ج٨/٧٩، وكتاب الرقاق باب ٥٢ ج٧/٢٠٥، ومسلم في كتاب الإيمان باب ٨١ ج١/١٦٣.
وقال الحافظ أبو نعيم وهو يذكر ما أجمع عليه السلف: "... وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده والملائكة صفاً صفاً كما قال تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ (انظر الفتوى الحموية الكبرى لابن تيمية ص٣٥، ٣٦) .
كما تعرض ابن القيم لهذه الصفة، وأبطل تأويل المعطلة لها من عشرة أوجه أذكر منها: أن عطف مجيء الملك في الآية على مجيء الله يدل على تغاير المجيئين، وأن مجيئه سبحانه حقيقة كما أن مجيء الملك حقيقة، وهكذا الأمر في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ حيث فرق سبحانه بين إتيان الملائكة، وإتيانه، وإتيان بعض الآيات، فقسم ونوع، ومع هذا التقسيم يمتنع أن يكون القسمان واحداً. انظر مختصر الصواعق ٢/١٠٦- ١٠٨) .
وذكر الأشعري هنا أن مجيء الله ليس كمجيء البشر، بمعنى أنه لا يترتب عليه ما يترتب على مجيء البشر، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، أما ما ذكره من كون مجيئه ليس حركة ولا انتقالاً، فهذا شيء لم يتكلم السلف فيه، ولم يوردوه في كتبهم؛ لأن الأصل الذي اعتمدوا عليه في ذلك - وهو إثبات الصفات دون تكييف - رفع عنهم البحث في ذلك. (انظر ما سبق ذكره في التعليق على الإجماع الثاني) .
ويقول الهراس وهو يعرض لمسألة نزول الرب عند ابن تيمية - أن ابن تيمية يؤمن بنزول الرب حقيقة من على العرش، ثم يطرح سؤالاً موجهاً إلى كلام ابن تيمية: هل يجوز عليه الحركة والانتقال؟، ثم يجيب قائلاً: "لم أجد لابن تيمية نصاً يفيد هذا، بل مذهبه الصريح الذي يذكره في عامة كتبه أن الله فوق سماواته على عرشه بائن عن خلقه، وأنه لا يحصره ولا يحيط به شيء من مخلوقاته، كما أنه لا يحل في شيء منها". (انظر كتابه ابن تيمية السلفي ص١٥٦) .
وما يقال في النزول يقال في المجيء، فالكل من باب واحد، وسيأتي الكلام على صفة النزول.
٢ في (ت) : "سماء" بدون أل.
٣ ذهب أهل السنة والجماعة إلى ما ذكره الأشعري من أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا لثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ .
قال ابن خزيمة: "باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي ﷺ في نزول الرب جل وعلا إلى سماء الدنيا كل ليلة" ثم ساق الأحاديث. (انظر كتاب التوحيد ص١٢٥) .
وقال ابن أبي زمنين: "ومن قول أهل السنة أن الله ينزل إلى سماء الدنيا ويؤمنون بذلك من غير أن يروا فيه حداً". (انظر أصول السنة ورقة ٤/ ب، وانظر السنة لابن أبي عاصم ١/٢١٦، والشريعة للآجري ص٣٠٦، واعتقاد أهل السنة للالكائي ٢/٤١٨، وعقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ص١١٢، ومختصر العلو للذهبي ص١٢٨) .
كما نص على إجماع السلف على ذلك الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف فيما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية. (انظر الحموية الكبرى ص٤٦) .
وقد ألف الدارقطني كتاباً سماه "أحاديث النزول" تضمن ستة وتسعين حديثاً وأثراً في إثبات هذه الصفة، كما ألف ابن تيمية كتاباً سماه "شرح حديث النزول" قرر فيه هذه الصفة على ضوء عقيدة السلف ورد على المخالفين.
وقال الذهبي: "وأحاديث نزول الباري متواترة قد سقت طرقها وتكلمت عليها بما أسأل عنه يوم القيامة" (انظر مختصر العلو ص١١٠) .
وقد ذكر ابن القيم تسعة وعشرين صحابياً رووا أحاديث النزول عن رسول الله ﷺ . (انظر الصواعق ٢/٢٣٠، ولوامع الأنوار البهية ١/٢٤٢) .
وقال ابن حجر آل بوطامي: "... والحاصل أن حديث النزول حديث صحيح فقد رواه نحو من ثمانية وعشرين صحابياً عن النبي ﷺ واشتملت عليه كتب الإسلام كالبخاري ومسلم ومسند أحمد وموطأ مالك، ورواه علماء الحجاز والعراق، وأطبق على اعتقاد نزوله بلا كيف جميع علماء الأمصار، كالإمام أبي حنيفة ومالك والسفيانين والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وسائر المحدثين والفقهاء، ولم يخالف في ذلك إلا أهل التعطيل والتأويل هدانا الله وإياهم سواء السبيل". (انظر كتابه العقائد السلفية ص٧٦) .
وقد ذهب الخلف إلى تأويل هذه الصفة قائلين: إن المراد من النزول نزول أمره ورحمته، وقد رد عليهم أعلام السلف في ذلك، قال الدارمي في رده على بشر المريسي: "... وهذا أيضاً من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان، ولا لمذهبه برهان، لأن أمر الله ورحمته ينزل في كل ساعة ووقت وأوان ... " (انظر كتابه ص٢٠) .
وقد حاول المعطلة الاعتراض على أحاديث النزول من وجه آخر قائلين: إن ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين، ولقد رد عليهم ابن رجب الحنبلي بعد حكاية قولهم قائلاً: "ومعلوم قبح هذا الاعتراض، وأن الرسول ﷺ أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه، بل بادروا بعقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين". (انظر فضل علم السلف على الخلف ص٦) .
كما رد عليهم ابن تيمية في شرح حديث النزول ص٦٨- ١٠٦، والهراس في تعليقه على كتاب التوحيد لابن خزيمة ص١٢٨.стр. 123
الإجماع التاسع
وأجمعوا على أنه يرضى عن الطائعين له، وأن رضاه عنهم إرادته لنعيمهم، وأنه يحب التوابين ويسخط على الكافرين ويغضب عليهم، وأن غضبه إرادته لعذابهم، وأنه لا يقوم على غضبه شيء١.
وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وقد دل على ذلك بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ
الحواشي
(١) ١ ما ذكره الأشعري هنا مخالف لما عليه سلف هذه الأمة، ولم يجمعوا مطلقاً على ما ذكره؛ لأنهم كما ذكرت عنهم فيما مضى آمنوا بجميع الصفات، وفوضوا علم الكيفية إلى الله تعالى.
ولعل الأشعري هنا أراد أن يفسر الصفة، أو يذكر شيئاً من لوازمها أما إذا كان قصده تأويل الرضى بالنعيم، والغضب بالعذاب فهذا لم يصح عن السلف، بل هو تأويل باطل يأباه منهج السلف الذي رجع إليه في آخر حياته.
والقول الحق في ذلك وما عليه سلف الأمة ما ذكره الطحاوي في قوله: "والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى" وعلق شارح الطحاوية على قوله بذكر بعض الآيات التي تثبت هاتين الصفتين، ثم قال: "ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضا، والعداوة والولاية، والحب والبغض، ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى". (انظر شرح الطحاوية ص٤١١، ٤١٢) .
وقال ابن القيم: "والقرآن مملوء بذكر سخطه وغضبه على أعدائه وذلك صفة قائمة به يترتب عليها العذاب واللعنة، لا أن السخط هو نفس العذاب واللعنة، بل هما أثر السخط والغضب وموجبهما ولهذا يفرق بينهما كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ ففرق بين عذابه وغضبه ولعنته، وجعل كل واحد غير الآخر، وكان من دعاء النبي ﷺ : "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، ,أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك". فتأمل ذكر استعاذته ﷺ بصفة "الرضا" من صفة "الغضب" وبفعل "المعافاة" من فعل "العقوبة" فالأول للصفة، والثاني لأثرها المترتب عليها، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره..." (انظر مدارج السالكين ١/٢٥٤، طبعة دار الكتب / بيروت ١٣٩٢هـ)
وقال ابن حجر آل بوطامي: "ومن الصفات التي جاء بها القرآن والسنة، وأثبتها السلف صفة الرضا لله تعالى ...، كما ورد اتصافه بالغضب...، ثم قال: قال الخلف: إن الرضا إرادة الإحسان، والغضب غليان دم القلب لإرادة الانتقام، وهذا نفي للصفة". (انظر العقائد السلفية ص٨٦، ٨٧) .стр. 124
مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ ١ وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٢.
وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣، وليس استواؤه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر؛ لأنه لم يزل مستولياً على كل شيء.
وأنه يعلم السر وأخفى من السر، ولا يغيب عنه شيء في السماوات والأرض حتى
الحواشي
(١٦) .
٢ سورة فاطر آية:(١٠) .
ينص الأشعري في هذا الإجماع على أن الله فوق سماواته على عرشه، كما نطق بذلك القرآن، وآمن وصدق بذلك أهل الهدى والإيمان، قال الإمام أحمد وهو يذكر مذهب أهل السنة: "... والماء فوق السماء العليا السابعة وعرش الرحمن فوق الماء والله على العرش..." (انظر رسالة السنة ص٧٤، ٧٥، وكذلك نقل هذا الإجماع عن السلف اللالكائي في كتابه أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٩٦٩، وانظر التوحيد لابن خزيمة ص١٠١، والأسماء والصفات للبيهقي ص٤٠٥- ٤٣٠، والحموية الكبرى لابن تيمية ص٢٣- ٣٢، وشرح الطحاوية ص٢٢٩- ٢٣٥) .
كما بوب البخاري في الصحيح لذلك وأثبت العرش وعلو الله عليه، ونقل عن أبي العالية قوله: استوى إلى السماء: ارتفع، وعن مجاهد: استوى: علا على العرش. (انظر كتاب التوحيد باب ٢٢ ج٨/١٧٥) .
وقد أفرد كل من الإمامين الجليلين الذهبي وابن القيم مصنفاً في هذه المسألة جمع الأول في كتابه نقولاً عن ثمانية وستين ومائة عالم من علماء السلف ذكرهم حسب طبقاتهم وتاريخ وفياتهم وسمى كتابه "العلو للعلي الغفار"، أما الثاني فذكر العلماء الذين أثبتوا هذه الصفة من كل فن على حدة، فذكر أقوال المفسرين والفقهاء وعلماء اللغة وغيرهم حتى استدل بأقوال الطيور والحشرات كالنمل وسمى كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية". ومع هذه النقول الكثيرة عن السلف في إثبات الاستواء ذهب الخلف إلى إنكاره وتأويله، وسيأتي توضيح ذلك في الصفحة التالية.
٣ سورة طه آية:(٥) .
وصف الله نفسه في سبع آيات من كتابه بأنه استوى على العرش كما جاء في هذه الآية، ومع هذا ذهب المعطلة إلى تأويلها قائلين: إن استوى بمعنى استولى، وهذا في الحقيقة تحريف لكتاب الله ورد له، وقد بين الأشعري فساد هذا التأويل وأبطله كما ترى، وكذلك فعل في الإبانة ص٣٠، ٣٤، كما رد عليهم الدارمي وأبطل تأويلهم لذلك بقوله: "فهل من مكان لم يستول عليه ولم يعله حتى خص العرش بالذكر من بين الأمكنة والاستواء ... ثم قال: هذا محال من الحجج وباطل من الكلام لا تشكون أنتم - إن شاء الله - في بطوله واستحالته، غير أنكم تغالطون به الناس". (انظر الرد على الجهمية ص١٨) .
وسئل الباقلاني: هل تقولون إنه في كل مكان؟ قال: "معاذ الله بل مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (انظر كتابه التمهيد ص ٢٦٠)
وقال الذهبي ﵀ كلمة حكيمة بعد ذكره لكثير من الآيات والآثار التي تثبت فوقية الله واستواءه على العرش: "والقرآن مشحون بذكر العرش وكذلك الآثار بما يمتنع أن يكون مع ذلك، أن المراد بذلك الملك (أي: الاستيلاء) ، فدع المكابرة والمراء، فإن المراء في القرآن كفر ما أنا قلته، بل المصطفى ﷺ قاله" (انظر مختصر العلو ص١٠٠) .
كما تعرض ابن القيم في الصواعق لذلك وأبطل تأويل المعطلة لهذه الصفة من اثنين وأربعين وجهاً. (انظر كتابه ٢/١٢٦- ١٥٣) .
وقال الهراس: "أخبر الله عن استوائه على عرشه في سبع مواضع من القرآن، وكلها بلفظ "استوى" مما يدل أعظم دلالة أنه أراد بالاستواء حقيقة معناه الذي هو العلو والارتفاع، فإن فعل الاستواء إذا عدي بالحرف "على" لا يفهم منه إلا ذلك، ولهذا روى البخاري عن أبي العالية ومجاهد تفسيره بالعلو والارتفاع". (انظر تعليقه على التوحيد لابن خزيمة ص١٠١) .стр. 125
كأنه حاضر مع كل شيء، وقد دل الله على ذلك بقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ١ وفسر ذلك أهل العلم بالتأويل أن علمه محيط بهم حيث كانوا.
وأنه له كرسياً دون العرش، وقد دل الله سبحانه على ذلك بقوله: ﴿وَسِعَ
الحواشي
(٤) .
يستدل الأشعري بهذه الآية على أن الله مع استوائه على عرشه لا يغيب عنه شيء من أطراف مملكته، أي أن علمه بكل شيء محيط.
وقد احتج المعطلة على نفي الاستواء بهذه الآية وأمثالها، وقد رد عليهم الإمام أحمد بقوله: "إنما يعني بذلك العلم،؛ لأن الله تعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا، ويعلم ذلك كله، وهو بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان" (انظر رسالة السنة ص٧٥) .
وقال في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني إلا الله بعلمه رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم يعني الله بعمله "سادسهم" ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ﴾ يعني بعلمه فيهم ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يفتح الخبر بعلمه ويختم الخبر بعلمه". (انظر الرد على الجهمية والزنادقة ص٥٢) .
وقال الدارمي في رده على المعطلة: "... فاحتج بعضهم فيه - أي في الاستواء - بكلمة زندقة استوحش من ذكرها، وتستر آخر من زندقة صاحبه فقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ ...﴾ الآية" قلنا: هذه الآية لنا عليكم لا لكم إنما يعني أنه حاضر كل نجوى، ومع كل أحد من فوق العرش بعلمه، لأن علمه بهم محيط، وبصره فيهم نافذ..." (انظر كتابه الرد على الجهمية ص١٩) .
وقال الإمام أبو عمر الطلمنكي في كتابه: "الوصول إلى معرفة الأصول": "وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء". (انظر بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ٢/٣٨) .
وقال ابن تيمية: "وليس معتنى قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان...". (انظر العقيدة الواسطية مع شرحها ص١٣٤. وانظر أيضاً مختصر الصواعق لابن القيم ٢/٢٦٢- ٢٧٩) .стр. 126
كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ١ وقد جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ أن الله تعالى يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه.
الإجماع العاشر
وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه، ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكييف له، وأن الإيمان به واجب، وترك التكييف له لازم٢.
الحواشي
(٢٥٥) .
وقد أخرج ابن مندة بسنده إلى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن قول الله هذا فقال: "كرسيه موضع قدمه، والعرش لا يقدر قدره إلا الله". (انظر كتابه الرد على الجهمية ص٤٥، ٤٦) .
وقد أجمع أهل السنة على أن لله كرسياً هو موضع قدميه، قال الإمام أحمد في "رسالة السنة": "والماء فوق السماء العليا السابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، والله على العرش، والكرسي موضع قدميه". (انظر ص٧٤، ٧٥) .
وقال الطحاوي: "والعرش والكرسي حق" وعلق شارح الطحاوية على ذلك بقوله: "وأما الكرسي فقال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ وقد قيل: هو العرش، والصحيح أنه غيره، نقل ذلك عن ابن عباس ﵄ وغيره، ثم ذكر الحديث الذي أخرجه الحاكم عن ابن عباس أنه قال: "الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى". (انظر شرح الطحاوية ص٢٢٥، ٢٢٦) ، وحديث الحاكم في المستدرك ٢/٢٨٢ موقوفاً على ابن عباس. قال الحاكم بعد روايته هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
وقال ابن أبي زمنين: "باب في الإيمان بالكرسي"، ثم قال: "ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش، وأنه موضع القدمين" (انظر كتابه أصول السنة ورقة ٣/ ب)
٢ ذهب أهل السنة والجماعة إلى وصف الله بما وصف به نفسه أو جاء على لسان رسوله ﷺ ولم يزيدوا على ذلك شيئاً، كما لم ينقصوا منه شيئاً، وقد سبق أن أشرت إلى ذلك عند الكلام على الإجماع الأول، ويوضح هذا أن الله أخبرنا عن نفسه وبما هو عليه سبحانه من صفات الجلالة والكمال واعتقد ذلك خيار هذه الأمة، وكل خير في اتباع من سلف.
أما ما نص عليه الأشعري من تركهم التكييف لصفات الله فهذا حق لا مرية فيه، وما كان عليه سلف الأمة أكبر دليل على ذلك، وما قاله ربيعة ومالك في الاستواء هو من هذا الباب، ومن قول أحمد بن حنبل: "لا يتجاوز القرآن والحديث"، وهذا يعني الوقوف عند حدود النصوص ومعرفة الصفات وما تدل عليه دون البحث عن كيفياتها.
وقال الحافظ الصابوني: "أصحاب الحديث حفظ الله أحياءهم، ورحم أمواتهم يشهدون لله تعالى بالوحدانية وللرسول ﷺ بالرسالةوالنبوة، ويعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له ﷻ ما أثبت لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله...، ولا يعتقدون تشبيهاً" (انظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث ١/١٠٦ ضمن مجموعة الرسائل المنيرية) .
ويحكي ابن تيمية مذهب أهل السنة في ذلك، ويؤكد أنهم لا يكيفون ولا يمثلون صفات الله بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه . (انظر في ذلك شرح العقيدة الواسطية ص٢١- ٢٦، وانظر رسالة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات) .стр. 127
الإجماع الحادي عشر
وأجمعوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة بأعين وجوههم على ما أخبر به تعالى في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١.
وقد بين معنى ذلك النبي ﷺ ودفع كل إشكال فيه بقوله للمؤمنين: "ترون ربكم عياناً" ٢.
الحواشي
(١) ١ سورة القيامة آية: (٢٢، ٢٣) .
وهاتان الآيتان نص في رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة، ولقد وردت روايات كثيرة عن أعلام المفسرين من السلف بذلك. (انظر تفسير الطبري ٢٩/١٩١- ١٩٣) .
ويذكر البيهقي وجه الدليل من الآية، ويبين أن لفظ "ناضرة" من النضرة بمعنى السرور، ولفظ "ناظرة" يحتمل في كلام العرب أربعة أشياء: نظر التفكر والاعتبار كقوله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ، ونظر الانتظار كقوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ، ونظر التعطف والرحمة كقوله: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ ، ونظر الرؤية كقوله: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ ، والثلاثة الأول غير مرادة أما الأول: فلأن الآخرة ليست بدار الاستدلال، وأما الثاني: فلأن في الانتظار تنغيصاً وتكديراً، والآية خرجت مخرج الامتنان والبشارة، وأما الثالث: فلا يجوز، لأن المخلوق لا يتعطف على خالقه، فلم يبق إلا نظر الرؤية، وانضم إلى ذلك أن النظر إذا ذكر مع الوجه انصرف إلى نظر العينين اللتين في الوجه، لأنه هو الذي يتعدى "بإلى"، وإذا ثبت أن "ناظرة" بمعنى "رائية" اندفع قول من زعم أن المعنى: "ناظرة إلى ثواب ربها"، لأن الأصل عدم التقدير. (انظر الاعتقاد للبيهقي ص٤٥، ٤٦، وانظر أيضاً الرد على الجهمية للإمام أحمد ٤٤- ٤٦، والتوحيد لابن خزيمة ص١٨٠، والإبانة للأشعري ص١٢، ١٣، وحادي الأرواح لابن القيم ص٢٠٣) .
كما بوب البخاري في الصحيح مستدلاً على ثبوت الرؤية ووقوعها بهذه الآية، ثم تلاها بالأحاديث. (انظر كتاب التوحيد باب ٢٤ ج٨/١٧٦) .
وقد نص على إجماع السلف في هذه المسألة أيضاً الإمام أحمد في رسالة السنة. (انظر ص٧٦) .
وقال ابن أبي زمنين: "ومن قول أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة، وأنه يحتجب عن الكفار والمشركين فلا يرونه، وقال : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (انظر أصول السنة ورقة ٥/ ب) .
وقال ابن أبي شامة: "أطبق أهل السنة على أن الله تعالى يرى بالأبصار في الدار الآخرة خلافاً للمعتزلة، والدلائل السمعية دالة على حصول الرؤية" (انظر ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري ورقة ٢/ أ) .
وقال البغدادي: "وأجمع أهل السنة على أن الله تعالى يكون مرئياً للمؤمنين في الآخرة" (انظر الفرق بين الفرق ص٣٣٥) .
وقال ابن القيم: "اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، وجميع الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المتهوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون ومن حبل الله منقطعون، وعلى مسبة رسول الله ﷺ عاكفون..." (انظر حادي الأرواح ص١٩٦) .
٢ أخرجه البخاري في صحيحه عن جرير بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : "إنكم سترون ربكم عياناً". (انظر كتاب التوحيد باب ٢٤ ج٨/١٧٦) .стр. 128
وقوله: "ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته" ١. فبين أن رؤيته تعالى بأعين الوجوه.
ولم يرد النبي ﷺ أن الله مثل القمر من قبل أن النبي ﷺ شبه الرؤية بالرؤية، ولم يشبه الله تعالى بالقمر وليس يجب إذا رأيناه تعالى أن يكون شبيهاً لشيء مما نراه، كما لا يجب إذا علمناه أنه يشبه شيئاً نعلمه، ولو كان يجب إذا رأيناه أن يكون مثل المرئيين منا لوجب إذا كان الله رائياً لنا وعالماً بنا أن يكون مثل الرائين العالمين منا٢.
الإجماع الثاني عشر
وأجمعوا على أنه غير محتاج إلى شيء مما خلق، وأنه تعالى٣ يضل من يشاء
الحواشي
(١) ١ انظر ما يشير إلى معنى هذا الحديث في البخاري كتاب التوحيد باب ٢٤ ج٨/ ١٧٦، وكتاب المواقيت باب ١٦ ج١/١٣٩، وأبو داود في كتاب السنة باب ٢٠ ج٥/٩٧، والترمذي في كتاب الجنة باب ١٦ ج٤/٦٨٧، ومسند أحمد ٣/٢١٦، وابن ماجة في المقدمة باب ١٣ ج١/٦٣.
وأحاديث الرؤية كثيرة جداً أخرجها المحدثون بألفاظ مختلفة وبأسانيد متعددة. (انظر ما أحلناك عليه سابقاً، وانظر كتاب التوحيد لابن خزيمة ص١٦٧- ١٩٦) .
وقال ابن مندة: "ذكر وجوب الإيمان برؤية الله ثم ساق ثمانية وعشرين حديثاً صريحة في الرؤية" (انظر كتاب الإيمان ٣/٧٥٨- ٧٨١ والرد على الجهمية له أيضاً ص٩٥- ١٠٣، وأصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٢/٤٤١- ٤٩٦) .
وقال ابن بطال عن أحاديث الرؤية: "تلقاها المسلمون بالقبول من لدن الصحابة والتابعين حتى حدث من أنكر الرؤية وخالف السلف" (انظر فتح الباري ١٣/٤٢٦) .
وقال شارح الطحاوية: "وأما الأحاديث عن النبي ﷺ الدالة على الرؤية فمتواترة رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن" (انظر الطحاوية ص١٣٤) .
وقال ابن حجر: "جمع الدارقطني طرق الأحاديث الواردة في رؤية الله تعالى في الآخرة فزادت على العشرين، وتتبعها ابن القيم في حادي الأرواح فبلغت الثلاثين وأكثرها جياد، وأسند الدارقطني عن يحيى بن معين قال: عندي سبعة عشر حديثاً في الرؤية صحاح". (انظر فتح الباري ١٣/٤٣٤) .
٢ يبين الأشعري هنا مراد النبي ﷺ بقوله: "كما ترون القمر ليلة البدر"، ويقرر أن المراد من هذا التشبيه إنما هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، لأن الله ليس كمثله شيء". (انظر في ذلك شرح العقيدة الواسطية ص١٢٣) .
ويقول شارح الطحاوية: "وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيهاً لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي". (انظر ص١٣٥، وانظر الإبانة للأشعري ص١٧) .
٣ ساقطة من (ت) .стр. 129
ويهدي١ من يشاء، (ويعذب من يشاء، وينعم على من يشاء) ٢ ويعز من يشاء، ويغفر لمن يشاء٣، ويغني من يشاء٤.
وأنه لا يسأل في شيء من ذلك عما يفعل، ولا لأفعاله علل؛ لأنه مالك غير مملوك، ولا مأمور ولا منهي٥.
الحواشي
(١) ١ في (ت) : "ويهدي وينعم على من يشاء".
٢ ما بين المعقوفتين ساقط من (ت) .
٣ ساقطة من (ت) .
٤ يستهل الأشعري كلامه عن القدر بالرد على المعتزلة القائلين: بوجوب فعل الأصلح للعبد، حيث ذهبوا إلى أن الله لا يضل الكافرين، لأن الكفر قبح والله لا يفعل القبيح، ولذلك يجب عليه فعل الأصلح لعباده. (انظر تفصيل مقالتهم في شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص١٣٢- ١٣٤، ومقالات الإسلاميين ١/٣٢٥، والملل والنحل للشهرستاني ١/٥٠، والطحاوية ص٨٧) .
أما أهل السنة والجماعة فقد ذهبوا إلى ما ذكره الأشعري عنهم، قال الطحاوي: "يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً". (انظر الطحاوية ص٨٦، والفرق بين الفرق للبغدادي ص٣٤٠، ٣٤١، وانظر منهاج السنة لابن تيمية ١/١٧١) ، ويقول ابن القيم: "وقد اتفقت كل رسل الله من أولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والضلال بيده لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه...". (انظر شفاء العليل ص١٤٢، ولوامع الأنوار البهية ١/٣٣٤- ٣٣٥) .
٥ ما ذكره الأشعري هنا من إجماع أهل السنة على أنه ليس لأفعال الله علل غير سليم، بل هو مذهب له ولبعض الطوائف من أصحاب مالك والشافعي وابن حنبل. (انظر في ذلك مجموع الفتاوى ٨/٨٣) ، ولم أقف على نص عن الأشعري يفيد رجوعه عن هذا القول، وبالتالي فهذا القول أثر من آثار الكلابية التي اعتقدها فترة من الزمن، أما أهل السنة وكذلك المعتزلة فيقولون بالحكمة والتعليل لأفعال الله تعالى.
يقول القاضي عبد الجبار: "إن الله ابتدأ الخلق لعلة، ولا يقال خلقه لا لعلة، لما فيه من إيهام أنه خلقهم عبثاً". (انظر المغني ١١/٩٢) .
ويقول ابن تيمية: "والقول بإثبات هذه الحكمة ليس هو قول المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة فقط، بل هو قول جماهير طوائف المسلمين من أهل التفسير والفقه والحديث والتصوف والكلام وغيرهم، فأئمة الفقهاء متفقون على إثبات الحكمة والمصالح في أحكامه الشرعية". (انظر منهاج السنة النبوية ١/٤٤) .
ويقول ابن القيم: "إن الله لا يفعل شيئاً عبثاً ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة، لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلام الله ورسوله على ذلك". (انظر شفاء العليل ص٤٠٠) .
كما تعرض الشاطبي لهذه المسألة، وقرر رأي أهل السنة فيها، وأكد أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل، ورد على الرازي في مخالفته لذلك، واستدل بقوله الله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (انظر الموافقات ٢/٦) .
ومن الجدير بالذكر هنا أن أذكر الفرق بين قول المعتزلة والسلف رغم اشتراكهما في القول بالحكمة والتعليل، وذلك أن السلف يؤمنون بأن الحكمة صفة لله غير مخلوقة، أما المعتزلة فهي عندهم مخلوقة منفصلة، وتعود على العباد. (انظر مجموع الفتاوى ٨/٣٥، ٣٦، ٨٩- ٩٤) .
ولعله من المناسب هنا أن أذكر دافع الأشعري، ومن ذهب مذهبه إلى هذا القول، وذلك أنهم قالوا: لو خلق الخلق لعلة لكان ناقصاً بدونها مستكملاً بها، وهذا محال وعليه فلا نقول ذلك، وهذه شبهة باطلة؛ لأن مالك الملك ليس بحاجة إلى غيره، ويلزم على قولهم هذا أن لا يحدث شيئاً في الوجود وأن كل ما حدث حدث بغير محدث، وهذا من أبين الباطل. (انظر تفصيل ذلك في مجموع الفتاوى ٨/٨٣، ولوامع الأنوار البهية ١/٣٨٠) .
والذي يظهر أن الأشعري أخذ هذا القول من ابن كلاب، وقد ذكر ابن تيمية أن هذا من أصول ابن كلاب ومن تابعه. (انظر مجموع الفتاوى ٨/٤٣٢) .стр. 130
وأنه يفعل ما يشاء، (ويفضل على من يشاء، كما قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ١ وقال: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ ٢ وبين تعالى أنه ليس يجري في أفعاله مجرى خلقه بقوله : ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٤.
الإجماع الثالث عشر
وأجمعوا على أن القبيح من أفعال خلقه ما نهاهم عنه، وزجرهم عن فعله، وأن الحسن ما أمرهم به، أو ندبهم إلى فعله، أو أباحه لهم، وقد دل على ذلك بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٥.
الحواشي
(٤) .
٢ سورة الأعراف آية:(١٥٦) .
٣ سورة الأنبياء آية:(٢٣) .
٤ سورة البروج آية:(١٦) .
يؤكد الأشعري ما سبق أن قرره في بداية هذا الإجماع، وهي مسألة الهدى والضلال، ويستدل بهذه الآيات على أن الله يفعل ما يشاء، ولا يرد على فعله ما يرد على فعل العبيد، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فمن أكرمه وهداه وأدخله الجنة فبفضله ورحمته، ومن أضله وأدخله النار فبعدله وحكمته.
٥ سورة الحشر آية:(٧) .
يقرر الأشعري في هذا الإجماع مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الحسن والقبح، ويبين أن القبيح ما قبحه الشرع، والحسن ما حسنه الشرع.
وذهبت المعتزلة والكرامية: إلى أن الحسن والقبح راجع إلى العقل وأوجبوا على العباد فعل الحسن والكف عن القبيح حتى ولو لم يرد بذلك شرع، يقول الشهرستاني عن المعتزلة: "وقال أهل العدل: المعارف كلها معقولة بالعقل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح" (انظر الملل والنحل ١/٤٨، ١٠٣) .
ويظهر من كلام الأشعري - كما ذكر ابن تيمية - أن الأشياء في ذاتها ليست حسنة ولا قبيحة إلا بعد ورود الشرع بالتحسين أو التقبيح، ويميل ابن تيمية إلى أن الشيء قد يشتمل على مصلحة أو مفسدة، أي: يكون حسناً، أو قبيحاً قبل ورود الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم مشتمل على فساده، لكن لا يلزم من ذلك أن يثاب فاعل المصلحة، أو يعاقب فاعل المفسدة قبل ورود الشرع، فترتيب الثواب والعقاب على الفعل لا يكون إلا بعد ورود الشرع، كما قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ . (انظر مجموع الفتاوى ٨/٤٣٤، ٤٣٥) .
وما ذكره ابن تيمية هو الصواب، كما تشهد له الفطرة وتؤيده الطباع السليمة، ولذلك لما أتى الوحي للرسول ﷺ وكان وقتئذٍ غريباً عليه، وخشي منه على نفسه قالت له زوجته خديجة ﵂: "والله لا يخزيك الله أبداً، إنك تصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم... الخ" (انظر البخاري كتاب بدء الوحي ١/٣) .
ففهم السيدة خديجة ومعرفتها أن هذه صفات حميدة لو توفرت في شخص حفظ برعاية الله وعنايته دليل على أن الصفات الحميدة تدرك بالعقل وكذلك الحال في القبيحة.
وقد يتوهم متوهم أن هناك توافقاً بذلك بين السلف والمعتزلة في هذه المسألة، والأمر ليس كذلك، وذلك أن المعتزلة ترتب الثواب والعقاب على تحسين العقل وتقبيحه قبل ورود الشرع، أما السلف فيقولون: إن الأشياء قد تكون حسنة أو قبيحة قبل ورود الشرع ولكن لا يثبت لها حكم قبل ورود الشرع فالثواب والعقاب مترتب على ما جاء به الشرع ومن جهته فقط، وفي ذلك يقول ابن تيمية أيضاً: "والنصوص الدالة على أن الله لا يعذب إلا بعد الرسالة كثيرة ترد على من قال من أهل التحسين والتقبيح أن الخلق يعذبون في الأرض بدون رسول أرسل إليهم" (انظر مجموع الفتاوى ٨/٤٣٥) .стр. 131
الإجماع الرابع عشر
أجمعوا على أن على جميع الخلق الرضا بأحكام الله التي أمرهم أن يرضوا بها، والتسليم في جميع ذلك لأمره، والصبر على قضائه، والانتهاء إلى طاعته فيما دعاهم١ إلى فعله، أو تركه٢.
الحواشي
(١) ١ في (ت) : "دعواهم".
٢ ذهب أهل السنة إلى أن من حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر التسليم المطلق لله ، والرضا بحكمه، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ .
وأخرج أحمد في مسنده عن النبي ﷺ أنه قال: "لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه" المسند ٦/٤٤١ وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة، وقال الألباني: إسناده صحيح ١/١١٠.
ويقول ابن تيمية: "ينبغي للإنسان أن يرضى بما يقدره الله عليه من المصائب التي ليست ذنوباً مثل: أن يبتليه بفقر أو مرض، أو ذل وأذى الخلق له، فإن الصبر على المصائب واجب، وأما الرضا بها فهو مشروع" (مجموع الفتاوى ٨/١٩١) .
وتقييد الأشعري الرضا بأحكام الله على ما أمر به، وكذلك ابن تيمية في كلامه السابق يفيد أن ما لم يأمر به فهو غير مرضي له ولا محبوب، وإن كان داخلاً فيما أراده وقضاه؛ لأنه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وسيأتي تفصيل ذلك. (انظر ما سيأتي ص٢٥٦، ٢٥٨) .
ويقول ابن تيمية: "ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله آية ولا حديث يأمر العباد أن يرضوا بكل مقضي مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها، فهذا أصل يجب أن يعتنى به، ولكن على الناس أن يرضوا بما أمر الله به، فليس لأحد أن يسخط ما أمر الله به". (المرجع السابق ص١٩٠) .
وعلى هذا أقول: يجب على المرء المسلم أن يصبر ويرضى بما قدره الله عليه ولا يسخط منه شيئاً وهذا في المصائب لا في الذنوب، فالذنوب من فعل العبد واختياره لا يجب الرضا بها، بل عليه الندم والاستغفار وإن كان كل شيء بقدر الله وخلقه، فلا يخرج شيء من أفعال عباده عن خلقه حتى العجز والكيس كما هو اعتقاد أهل السنة.стр. 132
الإجماع الخامس عشر
وأجمعوا على أنه عادل في١ جميع أفعاله وأحكامه ساءنا ذلك، أم سرنا، نفعنا٢، أو ضرنا٣.
الحواشي
(١) ١ في (ت) "على".
٢ ساقطة من (ت) .
٣ سبق أن أشار الأشعري في الإجماع الثاني عشر إلى أن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وسيأتي ذكره لتقسيم الله لخلقه فرقتين، فرقة في الجنة، وفرقة في السعير.
وقد يعترض معترض على مقادير الله ، فنص الأشعري هنا على أن الله عادل في أفعاله كلها.
قال الشهرستاني: "وأما العدل، فعلى مذهب أهل السنة: أن الله تعالى عدل في أفعاله، بمعنى أنه متصرف في ملكه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فالعدل وضع الشيء في موضعه، وهو التصرف في الملك على مقتضى المشيئة والعلم، والظلم بضده، فلا يتصور منه جور في الحكم وظلم في التصرف". (انظر الملل والنحل ١/٤٨، وانظر أيضاً شفاء العليل لابن القيم ص٣٧٧) .
وذهب المعتزلة إلى أن العدل: هو ما يقتضيه العقل من الحكمة وهو إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة. (انظر الملل والنحل ١/٤٨، والمقالات ١/٢٩٨، ٢٩٩، والإبانة للأشعري ص٤٢) .
ومن هنا قالوا: إن الله لا يريد من العباد خلاف ما يأمر به. فالله لا يريد الشر والمعاصي، ولا يقدر شيئاً من ذلك، وعليه فالعبد خالق لأفعال نفسه، ولا دخل لله فيها.
والذي دفعهم إلى ذلك تسويتهم بين الإرادة العامة، وهي مشيئته المطلقة، وبين الإرادة الدينية وهي المتضمنة للمحبة والرضا، ولما لم يفرقوا بينهما قالوا: إن الله لا يرضى الكفر ولا يحبه، فهو لا يريده ولا يخلقه.
أما المحققون من أهل السنة فهداهم الله إلى الحق وفرقوا بينهما قائلين: إن الإرادة في كتاب الله نوعان:
أحدهما: إرادة كونية قدرية، وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، ومنها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ وكقول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهذه الإرادة هي التي يجب مرادها سواء أحبه الله ورضيه، أم لا.
والأخرى: إرادة دينية شرعية، وهي المتضمنة للمحبة والرضا ومنها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وهذه الإرادة لا يجب مرادها، ولذلك تجد الناس يقولون لمن يفعل القبائح هذا ما لا يحبه الله ولا يرضاه.
وهذا التقسيم وارد عن أعلام السلف، وبه يزول كل إشكال ويتضح المراد في هذه القضية، كما يظهر خطأ المعتزلة في ذلك ويتضح أن قولهم بأن العبد يخلق فعل نفسه باطل. انظر ذلك بتفصيل في منهاج السنة النبوية ١/٣٥٩، ٣٦٠، وشفاء العليل ص٥٨٥- ٥٩٢، وشرح الطحاوية ص١٩٨، ١٩٩، ولوامع الأنوار البهية ١/٣٣٨.стр. 133
الإجماع السادس عشر
وأجمعوا على أنه تعالى قد١ قدر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون٢، وقد دل (على) ٣ ذلك٤ بقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ٥.
الحواشي
(١) ١ ساقطة من (ت) .
٢ في (ت) : "منهم يوم القيامة تبعثون".
٣ ما بين المعقوفتين من (ت) .
٤ ساقطة من (ت) .
٥ سورة القمر آية: (٥٢، ٥٣) .
ذهب أهل السنة إلى أن الله قدر جميع أفعال العباد خيرها وشرها وعلم ما هم صائرون إليه، وكتب كل ذلك في اللوح المحفوظ.
قال الإمام أحمد: "والقدر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه وحلوه ومره، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره من الله قضاء قضاه، وقدراً قدره عليهم، لا يعدوا واحد منهم مشيئة الله ولا يجاوز قضاءه، بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدر عليهم لا محالة، وهو عدل منه ربنا ، والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والشرك بالله والمعاصي كلها بقضاء وقدر من غير أن يكون لأحد من الخلق على الله حجة، بل لله الحجة البالغة على خلقه...". (انظر رسالة السنة ص٦٨، ٦٩) .
وقال البخاري: "فأما أفعال العباد فقد حدثنا علي بن عبد الله، ثنا مروان بن معاوية، ثنا أبو مالك عن ربعي بن خراش عن حذيفة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إن الله يخلق كل صانع وصنعته". وتلا بعضهم عند ذلك: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة". (انظر كتاب خلق أفعال العباد ص١٣٧) .
كما بوب في الصحيح للمشيئة والإرادة، وذكر سبعة عشر حديثاً كلها في إثبات المشيئة العامة المطلقة لله تعالى. (انظر البخاري مع الفتح ١٣/٤٤٥) .
كما بوب لقوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن حجر: "مراد البخاري بذلك بيان كون أفعال العباد بخلق الله تعالى، إذ لو كانت أفعالهم بخلقهم لكانوا أنداداً لله وشركاء له في الخلق، كما تضمنت الرد على الجهمية في قولهم: لا قدرة للعبد أصلاً، وعلى المعتزلة حيث قالوا: لا دخل لقدرة الله تعالى فيها". (انظر فتح الباري ١٣/٤٩١) ، ويلاحظ من كلام ابن حجر أن الجهمية تقابل المعتزلة في هذه المسألة فهما طرفا نقيض فيها، ومع هذا فقد اتفقا على نفي الصفات الثابتة لله . كما رد الأشعري عليهم في كتابه الإبانة أيضاً (انظر ص٤٢، ٤٣) .
ويقول ابن تيمية: "ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأن العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم الله عليهم مع قولهم: "إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله" (انظر مجموع الفتاوى ٨/٤٥٩) .
وبهذا الكلام الجامع من ابن تيمية تخرج الطوائف المنحرفة عن الحق في هذا الباب وهم: القدرية الأولى: الذين نفوا علم الله بالأشياء، وقالوا لا قدر والأمر أنف، هؤلاء نفوا علم الله بالأشياء وخلقه لها وقد سبق ذكر مقالتهم، انظر ص١٩٣، ١٩٤.
والقدرية الثانية: الذين أثبتوا العلم ونفوا أن يخلق الله، أو يريد أفعال العباد وهم المعتزلة، وهم بهذا يختلفون عن القدرية الأولى لإثباتهم العلم، ويتفقون معهم في نفي خلق الله لأفعال العباد.
والجبرية: الذين يقولون بأن العبد مجبور في جميع أفعاله كالريشة في الهواء. انظر تفصيل ذلك في الإبانة للأشعري ص٣٨- ٤٨، والمجلد الثاني من الفتاوى لابن تيمية، وشفاء العليل لابن القيم، وشرح الطحاوية ص٨٤- ٨٨، وجامع العلوم والحكم ٢٤، ٢٥، ١٨٢، ١٨٤، وشرح النووي على مسلم ج١/١٥٤، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني ج١/٣٠٠، ٣٠١.стр. 134
وأخبر أنه يقرع الجاحدين لذلك في جهنم بقوله: ﴿يَوْمَ ١ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٢.
الإجماع السابع عشر
وأجمعوا على أنه تعالى قسم خلقه فرقتين، فرقة خلقهم للجنة وكتبهم بأسمائهم (وأسماء آبائهم) ٣، وفرقة خلقهم للسعير وذكرهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ممتثلين في ذلك بقوله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ ٤.
الحواشي
(١٧٩) .
يستدل الأشعري بهذه الآية على تقسيم الله السابق لخلقه إلى فرقتين، وهو ما ذكره علماء التفسير قال ابن كثير: "خلق الله لجهنم كثيراً من الجن والإنس، أي: هيأهم لها وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون قبل كونهم فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ورد في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" (مسلم كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى ٤/٢٠٤٢) .
وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث عائشة بنت طلحة عن خالتها عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت يا رسول الله: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم" (مسلم كتاب القدر ٤/٢٠٤٧، وتفسير ابن كثير ٣/٥١٤، وتفسير الطبري ١٣/٢٢٢، والرد على الجهمية لابن مندة ص٥٣- ٦٣، وشرح الطحاوية ص١٩٣- ١٩٥) .стр. 135
ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ١.
وقد بين ذلك ما روي عن النبي ﷺ في حديث القبضتين٢.
وحديث الصادق المصدوق عن عبد الله بن مسعود٣، وما قاله النبي ﷺ لعمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - حين قال: يا رسول الله أرأيت ما نحن فيه٤ أمر قد فرغ منه، أم أمر مستأنف، فقال ﵇: بل أمر قد فرغ منه، قال عمر: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ٥ وغير ذلك مما جاء في الكتاب والسنة.
الحواشي
(١٠١) .
يواصل الأشعري استدلاله بالقرآن الكريم على ما سبق أن ذكره في مقدمة هذا الإجماع، وهو استدلال صحيح يتفق مع ما ورد عن المفسرين في ذلك يقول ابن جرير: قال بعضهم: "عنى به كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه أنه عن النار مبعد" (انظر تفسير الطبري ١٧/٩٦) .
ويقول ابن تيمية: "وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ...﴾ فمن سبقت له من الله الحسنى فلابد أن يصير مؤمناً تقياً فمن لم يكن من المؤمنين لم يسبق له من الله حسنى، ولكن إذا سبقت للعبد من الله سابقة استعمله بالعمل الذي يصل به إلى تلك السابقة كمن سبق له من الله أن يولد له ولد، فلابد أن يطأ امرأة يحبلها، فإن الله سبحانه قدر الأسباب والمسببات فسبق منه هذا وهذا، فمن ظن أن أحداً سبق له من الله حسنى بلا سبب فقد ضل، بل هو سبحانه ميسر الأسباب والمسببات، وهو قدر فيما مضى هذا وهذا". (انظر مجموع الفتاوى ٨/٢٦٦) .
٢ وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى عن رسول الله ﷺ منها ما أخرجه أحمد والحاكم عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره وقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي، قال: فقال قائل: يا رسول الله: فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر". (انظر المسند ٤/١٨٦، والمستدرك ١/٣١، وقال الحاكم بعد روايته: صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي، وانظر مجمع الزوائد ٧/١٨٥، ١٨٦، وقال الألباني القدر وحديث القبضتين حق. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد الأول ص٧٦) .
٣ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق قال: إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع برزقه وأجله وشقي أو سعيد، فوالله إن أحدكم، أو الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باع، أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع، أو ذراعين، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها". (انظر البخاري كتاب القدر باب ١ ج٧/ ٢١٠، ومسلم كتاب القدر باب ١ ج٤/٢٠٣٦، ومسند أحمد ١/٣٨٢، ٤٣٠) .
٤ ساقطة من (ت) .
٥ الحديث أخرجه الترمذي من رواية علي بن أبي طالب بهذا اللفظ، وقال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح، وأخرج نحوه من حديث عمر وقال عقبه: وفي الباب عن علي وحذيفة بن أسيد وأنس وعمران بن حصين". (انظر سننه ٤/٤٤٥، وانظر البخاري كتاب التوحيد باب ٥٤ ج٨/ ٢١٥، وكتاب القدر باب ٤ ج٧/ ٢١٢، ومسند أحمد ١/٢٩، ٥٢) .
وقد ورد في معنى هذا الحديث أحاديث كثيرة، وكلها تفيد تقدم علم الله وكتابته للأشياء قبل كونها، وأن ذلك لا ينافي وجود الأعمال التي يقوم بها العبد فتحصل بسببها السعادة، أو الشقاوة، ولذلك نهي عن الاتكال وترك العمل. (انظر ذلك بتفصيل في مجموع الفتاوى ٨/٢٧٢- ٢٨٠) .стр. 136
الإجماع الثامن عشر
وأجمعوا على أن الخلق لا يقدرون على الخروج مما سبق في علم الله فيهم، وإرادته لهم، وعلى أن طاعته تعالى واجبة عليهم فيما أمرهم به، (وإن كان) ١ السابق من علمه فيهم وإرادته لهم أنهم لا يطيعونه، وأن ترك معصيته لازم لجميعهم، وإن كان السابق في علمه وإرادته أنهم يعصونه، وأنه تعالى يطالبهم بالأمر والنهي، ويحمدهم على الطاعة فيما أمروا به، ويذمهم على المعصية فيما نهوا عنه، وأن جميع ذلك عدل منه تعالى عليهم كما أنه تعالى عادل على من خلقه منهم مع علمه أنه يكفر إذا أمره، وأعطاه القدرة التي يعلم أنها تصيره إلى معصيته، وأنه عدل في تبقيته المؤمنين إلى الوقت الذي يعلم أنهم يكفرون فيه ويرتدون عما كانوا عليه من إيمانهم، وتعذيبهم لهم على الجرم المنقطع بالعذاب الدائم، لأنه ملك لجميع ذلك فيهم غير محتاج في فعله إلى تمليك غيره له ذلك، حتى يكون جائراً فيه قبل تملكه، بل هو تعالى في فعل جميع ذلك عادل له وله مالك يفعل ما يشاء، كما قال : ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٢.
الحواشي
(١٦) .
ينص الأشعري في هذا الإجماع أيضاً على أن الله قدر المقادير خيرها وشرها، وأن العباد لا يقدرون على الخروج عما قدر عليهم، وهو عادل في جميع ذلك، ولا يعترض على الله سبحانه في شيء من ذلك أو يدعي أحد أن ذلك فيه إسقاط للأمر والنهي، أو أنه ظلم وجور تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. (انظر ما سبق ذكره في الإجماع السابع عشر)
كما تعرض الأشعري في الإبانة لهذه المسألة بتفصيل أكثر. (انظر ٩، ١٠) ولعله من الملاحظ أن الأشعري هنا يعرف الظلم الذي نزه الله نفسه عنه، بأنه: التصرف في ملك الغير، أما التصرف فيما يملك فليس بظلم، وتأمل قوله في ذلك: "... لأنه ملك لجميع ذلك فيهم...".
وتعريف الأشعري الظلم بذلك يخالف ما عليه سلف الأمة، كما ذكر ذلك عنهم ابن تيمية في تعريفه الظلم عند الطوائف المختلفة في قوله: "قالت طائفة: الظلم ليس بممكن الوجود، بل كل ممكن إذا قدر وجوده منه عدل، والظلم هو الممتنع مثل الجمع بين الضدين، وكون الشيء موجوداً ومعدوماً، فإن الظلم: إما التصرف في ملك الغير، وكل ما سواه ملكه، وإما مخالفة الأمر الذي تجب طاعته، وليس فوق الله تعالى آمر تجب عليه طاعته، وهذا قول المجبرة مثل جهم ومن اتبعه، وهو قول الأشعري وأمثاله من أهل الكلام.
والطائفة الثانية قالت: بأنه عدل لا يظلم، لأنه لم يرد وجود شيء من الذنوب، لا الكفر ولا الفسوق، ولا العصيان، بل العباد فعلوا ذلك بغير مشيئته، وهذا قول القدرية من المعتزلة وغيرهم.
والطائفة الثالثة قالت: إن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والعدل وضع الشيء في موضعه، وهو سبحانه حكم عدل يضع الأشياء مواضعها.. ثم قال: وما ذكرناه من الأقوال الثلاثة نضبط أصول الناس فيه، ونبين أن القول الثالث هو الصواب، وبه يتبين أن كل ما يفعله الرب فهو عدل، وأنه لا يضع الأشياء في غير موضعها، فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يجزي أحداً بغير ذنبه، وهذا قول أهل السنة". (انظر في ذلك رسالته في معنى كون الرب عادلاً وفي تنزهه عن الظلم ضمن جامع الرسائل ١٢٣- ١٢٦) .
ويقول ابن القيم: "إن الله نزه نفسه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها وذلك خير كله، والشر وضع الشيء في غير محله، فإذا وضع في محله لم يكن شراً". (انظر شفاء العليل ص٣٧٨) .стр. 137
الإجماع التاسع عشر
وأجمعوا على أنه خالق لجميع الحوادث وحده، لا خالق لشيء منها (سواه) ١ وقد زجر الله من ظن ذلك بقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ٢ كما زجر من ادعى إلهاً غيره بقوله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ٣، وإنما سمى غيره خالقاً في قوله: ﴿اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٤ وإن كان خالقاً وحده على طريق الاتساع، كما يقال: عدل العمرين على طريق الاتساع، وإن كان عمر واحداً.
الحواشي
(٣) .
٣ وردت مرتين في سورة القصص آية: (٧١، ٧٢) .
٤ سورة المؤمنين آية:(١٤) .
أجمع أهل السنة على أن الله خالق لجميع الحوادث، ومنها أفعال العباد خيرها وشرها، وقد سبق توضيح ذلك. (انظر الإجماع الخامس عشر والسادس عشر) .
أما ما ذهب إليه في الآية ﴿اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ من أنها من باب الاتساع، ولا يطلق لفظ الخلق إلا على الله، فليس كذلك. وذلك أن الخلق في الآية بمعنى الصنع كما ذكر ذلك أهل اللغة والتفسير وقد ذكر ابن جرير عن مجاهد أنه قال في الآية: "يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين". ورجح ابن جرير ذلك، وقال: إن العرب تسمى كل صانع خالقاً، ومنه قول زهير بن أبي سلمى: ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري. (انظر تفسير الطبري ١٨/١١) .
وقال القرطبي: "أحسن الخالقين"، أي: أتقن الصانعين يقال لمن صنع شيئاً خلقه، ثم ذكر قول زهير السابق وقال: ولا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع، وإنما هي منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم". (انظر الجامع لأحكام القرآن ١٢/١١٠) .
وقال أبو حيان: "ومعنى الخالقين: المقدرين، وهو وصف يطلق على غير الله تعالى كما قال زهير". (انظر البحر المحيط ٦/٣٩٨) .
وقال أبو بكر الأنباري: الخلق في كلام العرب على وجهين:
أحدهما: الإنشاء على مثال أبدعه.
والآخر: التقدير. ثم ذكر أنه هو المراد في الآية (انظر لسان العرب ١١/٣٧٢، ٣٧٣) .стр. 138
وكما سمى غيره إلهاً في قوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾ ١ في المجاز.
الإجماع العشرون
وأجمعوا على أن جنس استطاعة الإيمان غير جنس استطاعة الكفر من قبل أن جنس استطاعة٢ الإيمان هدى وتوفيق يرغب إلى الله في فعلها، ويشكر على التفضل بها، واستطاعة الكفر ضلال وخذلان يستعاذ بالله منها، ويسأل العصمة بالهدى وقوة الإيمان بدلها، وأن قدر المحدثين تختلف وتتجانس وتتضاد، كما يختلف علمهم ويتجانس ويتضاد٣.
الحواشي
(٩٧) .
الإله في الآية بمعنى المعبود، وقد اتخذ المشركون غير الله إلهاً بمعنى أنهم عبدوا غيره.
قال الراغب: "وإله جعلوه لكل معبود لهم وكذلك الذات، وسموا الشمس إلهة لاتخاذهم إياها معبوداً" (المفردات ص٢١) .
وعلى هذا فلفظ الإله يطلق على المعبود سواء كان حقاً أو باطلاً، والآية التي نحن بصددها أطلقت لفظ الإله على المعبود الباطل، ولذلك قال ابن جرير في تفسيرها: "وانظر إلى معبودك الذي ظلت عليه مقيماً تعبده" (انظر تفسير الطبري ١٦/٢٠٩، وتفسير أبي السعود ٣/٦٦٤) .
٢ في (ت) : "الاستطاعة".
٣ مراد الأشعري بذلك هو تأكيد ما سبق أن أشار إليه في مسألة الهدى والضلال، وبيان أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ومن مقتضيات ذلك أن يفرق سبحانه بين أسباب الهداية، وأسباب الضلال، ويجعل لكل طريق منهما صفات تخصه، ولذلك نقول: إن الله سبحانه زين لأوليائه طريق الإيمان وكره إليهم الكفر بخلاف الكافرين، فلم يفعل ذلك لهم، وعليه فاستطاعة الإيمان التي مكن الله عباده المؤمنين من تحصيلها هدى وتوفيق من رب العالمين لعباده المؤمنين، ويجب عليهم شكر ربهم عليها، واستطاعة الكفر خذلان من الله للكافرين يجب على كل مسلم أن يستعيذ بالله منها. (وانظر ما سيأتي ص٢٧٤- ٢٧٥) .
وقد أوضح ابن جرير هذا المعنى وهو بصدد تفسيره لقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: "وفي هذا أوضح البيان على تكذيب الله الزاعمين أن الله فوض الأمور إلى خلقه في أعمالهم، فلا صنع له في أفعالهم، وأنه قد سوى بين جميعهم في الأسباب التي بها يصلون إلى الطاعة والمعصية، لأن ذلك لو كان كما قالوا، لكان قد زين لأنبيائه وأوليائه من الضلالة والكفر نظير ما زين من ذلك لأعدائه وأهل الكفر به، وزين لأهل الكفر به من الإيمان به نظير الذي زين منه لأنبيائه وأوليائه..." (انظر تفسير الطبري ١٢/٩٢، ٩٣) .стр. 139
الإجماع الحادي والعشرون
وأجمعوا على أن الإنسان غير غني عن ربه في سائر أوقاته، وعلى الرغبة إليه في المعونة على سائر ما أمر به ممتثلين لما أمرهم به في قوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١ فلم يفرق بين العبادة وبين الاستعانة٢.
الإجماع الثاني والعشرون
وأجمعوا على أن الإنسان لا يستطيع أن يفعل ما علم الله أنه لا يفعله٣ وقد نص على ذلك تعالى فيما حكاه عن الخضر في قوله لموسى ﵉ لما لم يصبر معه ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ٤ ولم ينكر موسى قوله، ولا رد عليه ما ذكره٥.
الحواشي
(٥) .
٢ لم يفرق الله بين العبادة والاستعانة، لأن العبادة لا تكون إلا لله، والاستعانة لا تكون إلا بالله، والعبد في جميع أحواله وأوقاته محتاج إلى ربه وعونه ومدده، ولا تقع العبادة من العبد إلا بعون الله له وتوفيقه إياه.
وقد قال ابن جرير في قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ "وإياك ربنا نستعين على عبادتنا إياك، وطاعتنا لك، وفي أمورنا كلها لا أحد سواك، وساق بسنده إلى ابن عباس أنه قال: "إياك ربنا نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها". (انظر تفسير الطبري ١/١٦٢) .
وقال ابن كثير في الآية: "الأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله ، وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ". (انظر تفسير ابن كثير ١/٤١) .
٣ سبق أن نص الأشعري على أن الله سبق في علمه ما يكون في ملكه وأنه كتب ذلك في اللوح المحفوظ، واستدل هنا بقصة الخضر وموسى على ذلك. (انظر ما سبق ذكره في الإجماع السادس عشر وما بعده) .
٤ سورة الكهف آية:(٧٥) .
والمراد بالصبر المنفي عنه في الآية هو: نفي حقيقة قدرته على الصبر لا نفي أسباب الصبر وآلاته فإنها ثابتة له. (انظر شرح الطحاوية ص٣٨٠) .
٥ الخضر عبد من عباد الله تعالى كان موجوداً في زمن موسى بن عمران، وقد ذكر أبو حيان أنه كان نبياً، وقال: إن هذا رأي الجمهور. (انظر تفسير البحر المحيط ٦/١٤٧) .
والذي يعنينا هنا في موضوع الخضر أن نناقش ما ذهب إليه المتصوفة من ادعاء أئمتهم معرفة علم الغيب استناداً إلى ما وقع من الخضر مع موسى، وقصتهما معروفة في القرآن، وكذلك سنتكلم عن حياته وهل هو حي أو مات؟.
والواقع الذي تشهد له النصوص أن الخضر كان على علم علمه الله إياه وهذا العلم جاءه من طريق علام الغيوب سبحانه، ولولا ذلك ما عرف شيئاً، وعليه نقول: إنه لم يشاهد غيباً، ولم يطلع على اللوح المحفوظ، كما ذهب إليه من يقول بذلك، وقد ذكر الله عن الخضر قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ وهذا دليل في غاية الوضوح، كما أن موسى ﵇ كان على علم من ربه لا يعلمه الخضر أيضاً، فكل منهما كان يعلم علماً من قبل الله ليس عند الآخر، وقد قال الخضر نفسه لموسى ﵇ "يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه، وأنت على علم من علمه علمكه لا أعلمه". (الحديث أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب ٢٧ ج٤/١٢٦، وكتاب التفسير ٥/٢٣٠) .
وبهذا يظهر أن الخضر وموسى اشتركا في أن كلاً منهما على علم لا يعلمه الآخر، فما يقال في موسى يقال في الخضر ولا يزاد.
وأما اختلاف الناس في حياته فقد قال به الكثيرون من المتصوفة، والحق أنه مات. قال أبو حيان: "الجمهور على أن الخضر مات، ونقل عن أبي الخضر المرسي أنه قال: أما خضر موسى بن عمران فليس بحي؛ لأنه لو كان حياً للزمه المجيء إلى النبي ﷺ والإيمان به واتباعه". (انظر البحر المحيط ٦/١٤٧) .
ونقل القاسمي عن ابن تيمية أنه قال في بعض فتاويه: "وكذلك الذين يرون الخضر أحيانا هو جني رأوه، وقد رآه غير واحد ممن أعرفه وقال "انني" وكان ذلك جنياً لبس على المسلمين الذين رأوه، وإلا فالخضر الذي كان مع موسى ﵇ مات، ولو كان حياً على عهد رسول الله ﷺ لوجب عليه أن يأتي إلى النبي ﷺ ويؤمن به ويجاهد معه، فإن الله فرض على كل نبي أدرك محمداً أن يؤمن به ويجاهد معه كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ (انظر محاسن التأويل للقاسمي ١١/٤٠٩٤، ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/٢٧، ٢٨) .
وقال ابن حجر: "... وأخرج النقاش أخباراً كثيرة تدل على بقائه لا تقوم بشيء منها حجة. قاله ابن عطية، قال: ولو كان باقياً لكان له في ابتداء الإسلام ظهور، ولم يثبت شيئاً من ذلك". ثم ساق ابن حجر الروايات الواردة في بقائه وحكم عليها بالضعف. (انظر فتح الباري ٦/٤٣٤) كما كتب ابن حجر رسالة خاصة في هذا الموضوع بعنوان "الزهر النضر في نبأ الخضر" وختمها بقوله: "وأقوى الأدلة على عدم بقائه عدم مجيئه إلى رسول الله ﷺ ، وانفراده بالتعمير من بين أهل الأعصار المتقدمة بغير دليل شرعي". (انظر رسالته هذه ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ٢/٢٣٤) .
ونقل صديق حسن خان أقوال العلماء السابقين في ذلك فقال: "قال النووي: قال الأكثرون: هو حي موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه بين الصوفية ...
وقال البخاري وطائفة من أهل الحديث: إنه مات قبل القضاء مائة سنة من الهجرة..
وقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: وأما رواية اجتماعه مع النبي ﷺ وتعزيته لأهل البيت، فلا يصح من طرقها شيء...
كما نقل عن أبي الحسين بن المناوي مثل ذلك، وعقب على هذه الأقوال بقوله: "والحق ما ذكرناه عن البخاري وأضرابه في ذلك، ولا حجة في قول أحد كائناً من كان إلا الله سبحانه ورسوله ﷺ ولم يرد في ذلك نص مقطوع به ولا حديث مرفوع إليه ﷺ حتى يعتمد عليه ويصار إليه، وظاهر الكتاب والسنة نفي الخلد وطول التعمير لأحد من البشر وهما قاضيان على غيرهما، ولا يقضي غيرهما عليهما". (انظر فتح البيان ٥/٤٩٢) .стр. 140
الإجماع الثالث والعشرون
وأجمعوا على أن الله قد كلف الكفار الإيمان والتصديق بنبيه ﷺ وإن كانوا غير عاملين بذلك؛ لأن النبي ﷺ قد أوضح لهم الدلالة، ولزمهم حكم الدعوة، وإنما وجب عليهم من إيجاب الله له، وطريق معرفتهم بذلك العقول التي جعلت آلة تمييزهم، وأنهم أثموا في الجهل في ذلك من قبل إعراضهم عن تأمل ما دعوا إلى تأمله من
стр. 141
الأدلة لتي جعل لهم بها السبيل إلى معرفة وجوب ما دعوا إليه من النظر في آياته التي أزعج بخرق العادات فيها قلوبهم، وحرك بها دواعي نظرهم١.
الإجماع الرابع والعشرون
وأجمعوا على أنهم يستحقون الذم بإعراضهم وتشاغلهم بما نهوا عنه عن التشاغل به٢.
الإجماع الخامس والعشرون
وأجمعوا أيضاً على أن الكافرين غير قادرين على العلم بما دعوا إليه مع تشاغلهم بالإعراض٣ عنه، وإيثارهم للجهل عليه مع كونهم غير عاجزين عن ذلك، ولا ممنوعين منه لصحة أبدانهم وقدرتهم على ما تشاغلوا به من الإعراض عنه، وآثروه من الجهل عليه، وإنما أتوا في ذلك من جهة إعراضهم عنه، وسوء الاختيار في التشاغل بتركه، ولو
الحواشي
(١) ١ يشير الأشعري هنا إلى أن الله كلف الكافرين وأمرهم بالإيمان مع سبق علمه أنهم لا يؤمنون، كما حدث مع أبي جهل مثلاً، وهذا يؤكد ما سبق ذكره في مسألة الهدى والضلال، وأنه لا يجب على الله فعل الأصلح لعباده.
كما أنه ينص على أن الحجة قامت على العباد ببعثة النبي ﷺ وتبليغه الرسالة، وأن من أعرض وكذب بعد ذلك فهو جاحد معاند مخالف للحق الذي وجب عليه الإيمان به، ومقصر في تركه الاستفادة من نعم الله عليه. (وانظر الفرق بين الفرق للبغدادي ص٣٢٧) .
ويتفرع على هذه المسألة القول في التكليف وأقسامه، وسأفرد الكلام عليه في الإجماع الآتي.
٢ ذكر الأشعري في الإجماع السابق أن الله أمر الكافرين بالإيمان مع علمه السابق أنهم لا يؤمنون، فهل هذا تكليف بما لا يطاق؟.
يجيب الأشعري عن ذلك ضمناً بكلامه في هذا الإجماع وما قبله ويفصل ذلك في اللمع فيقول: "فإن قال قائل: أليس قد كلف الله تعالى الكافر الإيمان؟ قلنا له: نعم، فإن قال: أفيستطيع الإيمان؟ قيل له: لو استطاع لآمن، فإن قال: أفكلفه ما لا يستطيع؟ قيل له: هذا كلام على أمرين: إن أردت بقولك أنه لا يستطيع الإيمان لعجزه عنه فلا، وإن أردت أنه لا يستطيعه لتركه والاشتغال بضده فنعم". (انظر اللمع ص٩٩) .
ويذهب ابن تيمية إلى ما ذهب إليه الأشعري فيقول: "ما لا يطاق يفسر بشيئين: مالا يطاق للعجز عنه فهذا لم يكلفه الله أحداً، ومالا يطاق للاشتغال بضده، فهذا هو الذي وقع فيه التكليف". (انظر منهاج السنة النبوية ١/٣٧٤، والموافقه ١/٤٣) .
٣ في (ت) : "باعراض".стр. 142
كرهوا ما هم (عليه) ١ من الإعراض عن تأمل أدلة الله التي نبههم نبيه ﷺ عليها ودعاهم إلى تأملها لتأتى لهم ذلك وحصل لهم العلم به والقدرة عليه٢.
الإجماع السادس والعشرون
وأجمعوا على أن الإنسان لا يقدر بقدرة واحدة على مقدورين، كما أنه لا يعلم بعلم واحد يكتسبه شيئاً من تصرفه إلا بقدرة تخصه في حال وجوده؛ لأن التصرف لا يصح وجوده إلا بها، فلو وجد تصرفه مع عدم القدرة عليه لاستغنى في وجوده عنها، كما أنها٣ لو وجدت الحركة مع عدم محلها لاستغنت في الوجود عنه ولم تحتج إليه٤.
الحواشي
(١) ١ ما بين المعقوفتين غير موجود في المخطوطتين والسياق يقتضيه.
٢ خلاصة ما ذكره ﵀ في هذا الإجماع هو ما سبق ذكره من أنه لا يخرج أحد من عباد الله عما قدره الله وقضاه، وأن العبد له اختيار فيما يفعل، فمن سلك طريق العلم الموصل إلى الإيمان بالله حدث له ذلك، ويكون هذا مما قدره الله له، ومن سلك طريق الجهل وصرف جهده إليه واشتغل به عن الإيمان بالله حدث له الكفر والشقاق، ويكون هذا مما قدره عليه، وسيأتي توضيح الأشعري لذلك أكثر في الإجماع السابع والعشرين، والمراد بالأدلة التي نبه رسول الله ﷺ عليها هي ما دعاهم القرآن إليها من التأمل في أنفسهم وفيما خلق الله ليصلوا من خلال ذلك وبدعوة الرسول ﷺ إلى الإذعان لخالقهم والإيمان به، وترك الكفر المتلبسين به.
٣ في (ت) "أنه".
٤ مراد الأشعري هنا الرد على القدرية القائلين بأن القدرة لابد وأن تكون قبل الفعل، ولا يوجد للفعل قدرة تخصه عند القيام به. (انظر شرح أصول الخمسة ص٣٩١) .
كما ذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وعقب عليه بقوله: "وبنوا ذلك على أصلهم الفاسد، وهو أن أقدار الله للمؤمن والكافر والبر والفاجر سواء، فلا يقولون إن الله خص المؤمن المطيع بإعانة حصل بها الإيمان". (انظر منهاج السنة النبوية ١/٣٧٠) .
أما مذهب أهل السنة والجماعة، فهو مذكور في كلام الأشعري السابق وفصله ابن تيمية بقوله: "جمهور أهل السنة يثبتون للعبد القدرة هي مناط الأمر والنهي، وهذه قد تكون قبل الفعل، لا يجب أن تكون معه ويقولون أيضاً: إن القدرة التي يكون بها الفعل لابد أن تكون مع الفعل لا يجوزون أن يوجد الفعل بقدرة معدومة ولا بإرادة معدومة، كما لا يوجد بفاعل معدوم، وأما القدرية فيزعمون أن القدرة لا تكون إلا قبل الفعل ومن قابلهم من المثبتة يقولون: لا تكون إلا مع الفعل، وقول الأئمة والجمهور هو الوسط، أنها لابد أن تكون معه، وقد تكون مع ذلك قبله، كقدرة المأمور العاصي، فإن تلك القدرة تكون مقدمة على الفعل بحيث تكون لمن لم يطع". (انظر منهاج السنة ١/٣٦٩) .
ويقول في موطن آخر: "والصواب الذي عليه أئمة الفقه والسنة أن القدرة نوعان: نوع مصحح للفعل يمكن معه الفعل والترك، وهذه هي التي يتعلق بها الأمر والنهي، فهذه تصلح للمطيع والعاصي وتكون قبل الفعل، وقد تبقى إلى حين الفعل إما بنفسها عند من يقول ببقاء الأعراض، وإما بتجدد أمثالها عند من يقول: إن الأعراض لا تبقى، وهذا قد يصلح للضدين وأمر الله لعباده مشروط بهذه الطاقة فلا يكلف الله من ليست معه هذه الطاقة ... ، ولكن هذه الاستطاعة مع بقائها إلى حين الفعل لا تكفي في وجود الفعل، ولو كانت كافية لكان التارك كالفاعل، بل لابد من إحداث إعانة أخرى تقارن هذا، مثل جعل الفاعل مريداً، فإن الفعل لا يتم إلا بقدرة وإرادة، والاستطاعة المقارنة للفعل تدخل فيها الإرادة الجازمة بخلاف المشروطة في التكليف، فإنه لا يشترط فيها الإرادة، فالله تعالى يأمر بالفعل من لا يريده، لكن لا يأمر به من أراده فعجز عنه، وهذا الفرقان هو فصل الخطاب في هذا الباب". (انظر منهاج السنة النبوية ١/٣٧٢، ٣٧٣، والموافقة ١/٣٩، ٤٠، وشرح الطحاوية ص٣٧٩) .стр. 143
الإجماع السابع والعشرون
وأجمعوا على أنه لا يصح تكليف الإنسان الطاعة ونهيه عن المعصية إلا مع صحة بدنه وسلامة آلات فعله، وإن كان لكل فعل يكتسبه قوة تخصه غير القوة عليه١ على تركه، وغير الفعل المقدور بها وغير صحة بدنه، كما أنه لا يصح أن يكلف فعلاً إلا مع٢ صحة عقله وآلات تمييزه، وإن كان يحتاج في المعرفة لكل ما دعي٣ إلى معرفته إلى علم يخصه ويصح معه فعله، وليس يجب إذا كلفوا معرفة ما لا يعلمونه في حال التكليف لإعراضهم٤ عنه أن يكلفوا الفعل مع عدم جميع علومهم إذ كان عدم جميع علومهم يخرجهم عن صحة عقولهم، ويصيرهم إلى الجنون الذي لا يصح تكلف الاستدلال معه، وكذلك الحكم في تكليفهم الإيمان الذي علم الله أنهم لا يفعلونه وسبق في الكتاب أنهم لا يكتسبونه وهم غير قادرين عليه ولا عن الخروج من علم الله فيه (وخبره عنهم به لا يخل) ٥ بتكليفهم فعله من قبل أن أبدانهم صحيحة، وآلات فعل ما كلفوه موجودة، وقد مكنوا في فعله فهم غير عاجزين عنه ولا ممنوعين منه، وإنما أتوا في ذلك بإعراضهم عما أمروا به وتشاغلهم بالكفر الذي قد آثروه عليه وشغلوا قدرهم بكسبه.
ولو كرهوا الكفر وما هم عليه من الإيثار له، وأرادوا الإيمان لقدروا عليه، ولا يجب إذا كلفوا ما هم غير قادرين على ما كلفوه من الإيمان لتشاغلهم عنه بالكفر الذي نهوا عنه أن يكلفوا الأفعال مع عدم جميع القدر من قبل أن خروجهم عن جميع القدر يصيرهم إلى العجز وفساد الأبدان والآلات التي لا يصح منهم الفعل مع عدمها، كما لا يصح تكليفهم الاستدلال مع عدم جميع العلوم، من قبل أن عدم جميع العلوم يصيرهم إلى فساد آلات الاستدلال التي لا يتأتى لهم الاستدلال مع فسادها، وإنما يصح تكليفهم
الحواشي
(١) ١ هكذا بالأصل، و (ت) ولعلها زائدة.
٢ ساقطة من (ت) .
٣ في (ت) : "ما ادعى".
٤ في (ت) : "لا اعتراضهم".
٥ في الأصل: "وخيرهم عنه به لا يخل" وفي (ت) : "وخبرهم عنه به لا يحل" ولعل الصواب ما أثبته.стр. 144
الأفعال مع صحة عقولهم وأبدانهم التي يتأتى لهم الأفعال معها، وكونهم غير قادرين على ما تركوا من الأفعال وتشاغلوا عنه لا يخرجهم عن صحة أبدانهم، ولا يصيرهم إلى العجز الذي لا يصح معه فعلهم، كما أن (قولهم غير) ١ عالمين إلى ما دعوا إلى معرفته وتشاغلهم بالإعراض عن الاستدلال عليه لا يخرجهم عن صحة عقولهم ولا يصيرهم إلى٢ الجنون الذي لا يصح معه تكليفهم٣.
الإجماع الثامن والعشرون
وأجمعوا على أن جميع ما عليه سائر الخلق من تصرفهم قد قدره الله قبل خلقه لهم، وأحصاه في اللوح المحفوظ لهم، وأحاط علمه به وبهم وأخبر بما يكون منهم، وأن أحداً لا يقدر على تغيير شيء من ذلك ولا الخروج عما قدره الله تعالى وسبق علمه به، وبما يتصرفون في علمه وينتهون إلى مقاديره فمنهم شقي وسعيد٤.
الإجماع التاسع والعشرون
وأجمعوا على أنه تعالى تفضل على بعض خلقه بالتوفيق والهدى وحبب إليهم الإيمان وشرح صدورهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وجعلهم راشدين، كما قال عز
الحواشي
(١) ١ في (ت) : "كونهم" بدلاً من "قولهم غير".
٢ ساقطة من (ت) .
٣ انظر ما سبق ذكره في الإجماع الثالث والعشرين حيث قد سبق ذكر ما جاء في هذا الإجماع فيما تقدم.
٤ يواصل الأشعري كلامه حول القضاء والقدر مؤكداً ما سبق أن ذكره من تقدير الله السابق وعلمه الشامل بأفعال العباد، وما سيكونون عليه، وأن كل شيء قد كتب في اللوح المحفوظ.
وقد سبق أن ذكرت طوائف القدرية، ومنهم قوم أنكروا علم الله السابق للأشياء قبل وجودها، وزعموا أن الله لم يتقدم له علم بما يقع في ملكه، وكل هذا رد على باطلهم وإحباط لما ذهبوا إليه من ذلك.
وانظر ما سبق ذكره في الإجماع السادس عشر صفحة ٢٥٧، وقال الآجري باب الإيمان بأن الله قدر المقادير على العباد قبل أن يخلق السماوات والأرض ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر: "فرغ الله من مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء". كما ذكر غيره من الأحاديث. (انظر الشريعة ص١٧٦) . ثم عقب باباً بعده قال فيه باب الإيمان بما جرى به القلم مما يكون أبداً وذكر فيه ما يؤيد ذلك. (انظر المرجع السابق ص١٧٧) .
وقال ابن تيمية: "جميع الأسباب قد تقدم علم الله بها وكتابته لها وتقديره إياها وقضاؤه بها ..." (انظر مجموع الفتاوى ٨/٢٧٧) .стр. 145
وجل: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ١ وقال: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ ٢ فعدد بذلك نعمته عليهم.
الإجماع الثلاثون
وأجمعوا على أن ما يقدر عليه من الألطاف التي لو فعلها لآمن٣ جميع الخلق غير متناهية، وأن فعل ذلك غير واجب عليه، بل هو تعالى متفضل بما يفعله منها، وأنه تعالى لم يتفضل على بعض خلقه بذلك، بل أضلهم كما قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ ٤، وقد قال موسى ﵇ لما جيء بالعجل الذي عمله السامري لبني إسرائيل، وكان خواره فعل الباري تعالى عنه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ ٥ ولم ينكر الله ذلك عليه، ولو كان وصفه بذلك جوراً كما يقول القدرية لما ترك الإنكار ذلك عليه وزجره عنه، وقد قال نبينا ﵇: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ٦.
الحواشي
(١٢٥) .
ومعنى شرح صدر العبد للإسلام أن يفسح للإيمان صدره وأن يهونه عليه وييسره له. (انظر تفسير الطبري ١٢/٩٩، وابن كثير ٣/٣٢٨) .
والأشعري بذلك يرد على القدرية القائلين بأن العبد يخلق فعل نفسه، وأن الله يجب عليه فعل الأصلح لعباده، وهذه الآية من أعظم الحجج عليهم، ولذلك علق عليها ابن جرير بقوله: "وفي هذه الآية أبين البيان لمن وفق لفهمها عن أن السبب الذي يوصل إلى الإيمان والطاعة غير السبب الذي يوصل إلى الكفر والمعصية، وأن كلا السببين من عند الله". (انظر تفسير الطبري ١٢/١٠٨) .
٢ سورة الحجرات آية:(٧) .
وهذه الآية كالتي قبلها في الهدف والمضمون، وقد علق عليها أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية واستخرج منها مذهب أهل السنة في ذلك فقال: "أهل السنة متفقون على أن لله على عبده المطيع المؤمن نعمة دينية خصه بها دون الكافر، وأنه أعانه على الطاعة إعانة لم يُعِنْ بها الكافر كما قال تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ، فبين أنه حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، فالقدرية يقولون: هذا التحبيب والتزين على كل الخلق، أو هو بمعنى البيان وإظهار دلائل الحق، والآية تقتضي أن هذا خاص بالمؤمنين ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ والكفار ليسوا براشدين، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ". (انظر منهاج السنة النبوية ١/٣٧٠) .
وقد سبق ذكر إجماع السلف على أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء. (انظر الإجماع الثاني عشر/
وسيأتي مزيد كلام للأشعري حول هذا المعنى في الصفحات القادمة.
٣ في (ت) : "لأن".
٤ سورة الأنعام آية:(١٢٥) .
٥ سورة الأعراف آية:(١٥٥) .
٦ الحديث سبق تخريجه انظر ص٢٦٢ وانظر الإجماع الآتي.следующие страницы →