← Акыда

Акыда · id 11214

رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب

أبو الحسن الأشعري

Полный текст (189 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وجعل الله ما حفظه من ذلك وجمع١ القلوب عليه حجة على من تعبد بعده٢ ﵇ بشر بعثه، ودلالة لمن٣ دعا إلى قبول ذلك ممن لم يشاهد الأخبار، وأكمل الله لجميعهم طرق الدين، وأغناهم عن التطلع إلى غيرها من البراهين، ودل على ذلك بقوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ ٤، وليس يجوز أن يخبر الله عن إكماله الدين مع الحاجة إلى غير ما أكمل لهم الدين به. وبين النبي ﷺ معنى ذلك في حجة الوداع لمن كان بحضرته من الجم الغفير من أمته عند اقتراب أجله، ومفارقته لهم ﷺ بقوله٥: "اللهم هل بلغت ..." ٦.

стр. 107

فلو كنا نحتاج مع ما١ كان منه ﵇ في معرفة ما دعانا إليه إلى ما رتبه أهل البدع من طرق الاستدلال لما كان مبلغاً (إذ كنا نحتاج في المعرفة بصحة ما دعانا إليه) ٢ إلى علم ما لم يبينه لنا من هذه الطرق التي ذكروها، ولو كان هذا كما قالوا لكان فيما دعا إليه وقوله بمنزلة اللغو٣، ولو كان ذلك كذلك لعارضه المنافقون وسائر المرصدين لعداوته في ذلك، ولم يمنعهم منه مانع كما لم يمنعهم من تعنيته في طلب الآيات ومجادلته في سائر الأوقات، ولكنهم لم٤ يجدوا سبيلاً إلى الطعن٥؛ لأنه ﵇ لم يدع شيئاً مما تهم٦ الحاجة إليه في معرفة سائر ما دعاهم إلى اعتقاده، أو مثل فعله إلا وقد بين لهم. ويزيد٧ هذا وضوحاً قوله ﵇: "إني قد تركتكم على مثل الواضحة ليلها كنهارها"٨، وإذا كان هذا على ما رضينا علم أنه لم يبق بعد ذلك عتب لزائغ، ولا

стр. 108

طعن لمبتدع، إذ كان ﵇ قد أقام الدين بعد أن أرسى أوتاده١، وأحكم أطنابه٢. ولم يدع ﷺ لسائر من دعاه٣ إلى توحيد الله حاجة إلى غيره ولا لزائغ طعناً عليه، ثم مضى ﷺ محموداً بعد إقامته الحجة، وتبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، والنصيحة لسائر الأمة، حتى لم يحوج أحداً٤ من أمته البحث عن شيء قد أغفله هو مما ذكره لهم، أو معنى أسره إلى أحد من أمته٥ بل قد قال ﷺ في المقام الذي لم ينكتم قوله فيه لاستحالة كتمانه على من حضره، (أو طي شيء منه على من شهده) ٦ "إني خلفت فيكم ما إن تمسكتم به٧ لن تضلوا كتاب الله وسنتي"٨ ولعمري إن فيهما الشفاء من كل أمر

стр. 109

مشكل، والبرء من كل داء معضل١، وإن في حراستهما من الباطل على ما تقدم ذكرنا له آية٢ لمن نصح نفسه، ودلالة لمن كان الحق قصده. وفيما ذكرنا دلالة على صحة ما استندوا إلى الاستدلال، وقوة لما عرفوا الحق منه، فإذا كان ذلك على ما وصفنا، فقد علمتم بهت أهل البدع لهم في نسبتهم لهم إلى التقليد، وسوء اختيارهم في المفارقة لهم، والعدول عما كانوا عليه معهم وبالله التوفيق٣. وإذ قد بان بما ذكرناه استقامة طرق استدلالهم وصحة معارفهم فلنذكر الآن ما أجمعوا عليه من الأصول.

стр. 110

(باب ذكر ما أجمع عليه السلف من الأصول) ١ التي نبهوا بالأدلة عليها وأمروا في وقت النبي ﷺ بها٢.

стр. 111

الإجماع الأول واعلموا - أرشدكم الله - أن مما أجمعوا عليه - رحمة الله عليهم - على اعتقاده مما دعاهم النبي ﷺ إليه، ونبههم بما ذكرناه على صحته أن العالم بما فيه من أجسامه وأعراضه محدث لم يكن ثم كان١، وأن لجميعه محدثاً واحداً اخترع أجناسه، وأحدث جواهره وأعراضه، وخالف بين أجناسه٢. وأنه لم يزل قبل أن يخلقه واحداً عالماً قادراً مريداً متكلماً سميعاً بصيراً له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأنهم عرفوا ذلك بما نبههم الله عليه، وبين لهم ﷺ وجه الدلالة فيه على ما تقدم شرحنا له قبل هذا الموضع٣.

стр. 112

الإجماع الثاني وأجمعوا على أنه غير مشبه لشيء من العالم، وقد نبه الله على ذلك بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١.

стр. 113

وبقوله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ١ وإنما كان ذلك كذلك، لأنه تعالى لو كان شبيهاً لشيء من خلقه لاقتضى من الحدث والحاجة إلى محدث له ما اقتضاه ذلك الذي أشبهه، أو اقتضى ذلك قدم ما أشبهه من خلقه، وقد قامت الأدلة٢ على حدث جميع الخلق واستحالة قدمه على ما بيناه آنفاً، وليس كونه غير مشبه للخلق ينفي وجوده؛ لأن طريق إثباته كونه تعالى على ما اقتضته٣ العقول من دلالة أفعاله عليه دون مشاهدته. الإجماع الثالث وأجمعوا أنه تعالى لم يزل موجوداً حياً قادراً عالماً مريداً متكلماً سميعاً بصيراً على ما وصف به نفسه، (وتسمى) ٤ به في كتابه، وأخبرهم به ورسوله، ودلت عليه أفعاله، وأن وصفه بذلك لا يوجب شبهه لمن وصف من خلقه بذلك من قبل الشيئين لا يشبهان بغيرهما، ولا باتفاق أسمائهما٥، وإنما يشبهان بأنفسهما فلما كانت نفس الباري تعالى غير مشبهة لشيء من العالم بما ذكرناه آنفاً، لم يكن وصفه بأنه حي وقادر وعالم يوجب تشبهه لمن وصفناه بذلك منا، وإنما يوجب اتفاقهما في ذلك اتفاقاً٦ في٧ حقيقة الحي والقادر والعالم، وليس اتفاقهما في حقيقة ذلك يوجب (تشابهاً) ٨ بينهما، ألا ترى أن وصف الباري بأنه موجود ووصف الإنسان بذلك لا يوجب تشابهاً بينهما، وإن كانا قد اتفقا في حقيقة الموجود، ولو وجب تشابههما بذلك لوجب تشابه السواد والبياض بكونهما

стр. 114

موجودين، فلما لم يجب بذلك بينهما (تشابه) ١ وإن كانا قد اتفقا في حقيقة الموجود، لم يجب أو يوصف الباري بأنه حي عالم قادر، ووصف الإنسان بذلك تشابههما، وإن اتفقا في حقيقة ذلك، وإن كان الله لم يزل مستحقاً لذلك، والإنسان مستحقاً لذلك عند خلق الله ذلك له وخلق هذه الصفات فيه٢. الإجماع الرابع وأجمعوا على إثبات٣ حياة الله لم يزل بها حياً، وعلماً لم يزل به عالماً، وقدرة لم يزل بها قادراً، وكلاماً لم يزل به متكلماً، وإرادة لم يزل بها مريداً، وسمعاً وبصراً لم يزل به سميعاً بصيراً٤. وعلى أن شيئاً من هذه الصفات لا يصح أن يكون محدثاً، إذ لو كان شيئاً٥ منها

стр. 115

محدثاً لكان تعالى قبل حدثها موصوفاً بضدها، ولو كان ذلك لخرج١ عن الإلهية٢، وصار إلى حكم المحدَثين الذين يلحقهم النقص ويختلف عليهم صفات الذم والمدح، وهذا يستحيل على الله ، وإذا استحال ذلك عليه وجب أن يكون لم يزل بصفة الكمال؛ إذ كان لا يجوز عليه الانتقال من حال إلى حال٣. الإجماع الخامس وأجمعوا (على) ٤ أن صفته لا تشبه صفات المحدثين، كما أن نفسه لا تشبه أنفس المخلوقين، واستدلوا على ذلك بأنه لو لم يكن له هذه الصفات لم يكن موصوفاً بشيء منها في الحقيقة، (من قبل أن من ليس له حياة لا يكون حياً، ومن لم يكن له علم لا يكون عالماً في الحقيقة، ومن لم يكن له قدرة فليس بقادر في الحقيقة، وكذلك الحال في سائر الصفات، ألا ترى من لم يكن له فعل) ٥ لم يكن فاعلاً في الحقيقة، ومن لم يكن له إحسان لم يكن محسناً، ومن لم يكن له كلام لم يكن متكلماً في الحقيقة، ومن لم يكن له إرادة لم يكن في الحقيقة مريداً، وأن من٦ وصف بشيء من ذلك مع عدم الصفات التي توجب هذه الأوصاف له لا يكون مستحقاً لذلك في الحقيقة، وإنما يكون وصفه مجازاً٧ أو كذباً، ألا ترى أن وصف الله للجدار بأنه يريد أن ينقض، لما لم يكن له إرادة في الحقيقة كان مجازاً، وذلك أن هذه الأوصاف مشتقة من أخص أسماء هذه الصفات ودالة عليها، فمتى لم توجد هذه الصفات التي وصف بها كان وصفه بذلك

стр. 116

تلقيباً أو كذباً، فإذا كان الله موصوفاً بجميع هذه الأوصاف في صفة الحقيقة وجب إثبات الصفات التي أوجبت هذه الأوصاف له في الحقيقة، وإلا كان وصفه بذلك مجازاً١ كما وصف الجدار بأنه يريد، لما لم يكن له إرادة مجازاً ويبين هذا أن وصف الإنسان بأنه مريد وسارق وظالم مشتق من الإرادة والسرقة والظلم، وكذلك وصفه بأنه أسود مشتق من السواد، فإذا وصف بذلك من ليس له هذه الصفات في الحقيقة كان وصفه بذلك تلقيباً٢، ألا ترى أن من سمت العرب من أولادها بذلك لم يستحق الذم، لأن تسميته بذلك لا يقتضي إثبات هذه الصفات، وإنما وضعوا ذلك لهم تلقيباً، كما يلقبونهم بزيد وعمرو، وعلى مثل هذا (جاء) ٣ السمع في تسمية الجدار بأنه يريد، لما لم يكن له إرادة، وإذا كان وصف الباري بسائر ما ذكرناه من كونه حياً وقادراً وعالماً ومتكلماً ومريداً وسميعاً وبصيراً في الحقيقة دون المجاز والتلقيب، وجب إثبات هذه الصفات التي اشتق له الأوصاف من أخص أسمائها، وقد أوضح ذلك بقوله : ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٤، وقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٥، وقال٦: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ ٧ ولا يجب٨ إذا أثبتنا هذه الصفات له على ما دلت العقول واللغة والقرآن والإجماع عليها أن تكون محدثة، لأنه تعالى لم يزل موصوفاً بها، ولا يجب أن تكون أعراضاً؛ لأنه ليس بجسم، وإنما توجد الأعراض في الأجسام٩،

стр. 117

ويدل بأعراضها فيها وتعاقبها عليها على حدثها، ولا يجب أن تكون غيره ؛ لأن غير الشيء هو ما يجوز مفارقة صفاته له من قبل أن في مفارقتها له ما يوجب حدثه وخروجه عن الألوهية، وهذا يستحيل عليه (كما لا يجب) ١ أن تكون نفس٢ الباري جسماً أو جوهراً، أو محدوداً، أو في مكان دون مكان، أو في غير ذلك٣ مما لا يجوز عليه من صفاتنا لمفارقته لنا، فلذلك لا يجوز على صفاته ما يجوز على صفاتنا، ولا يجب إذا لم تكن هذه الصفات غيره أن تكون نفسه٤ لاستحالة كونه حياة، أو علماً، أو قدرة؛ لأن من كان كذلك لم يتأت منه الفعل، وذلك أن الفعل يتأتى من الحي القادر العالم دون الحياة والعلم والقدرة٥.

стр. 118

الإجماع السادس وأجمعوا على أن١ أمره وقوله غير محدث ولا مخلوق وقد دل الله تعالى على صحة ذلك بقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٢، ففرق تعالى بين خلقه وأمره.

стр. 119

وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١، فبين بذلك تعالى أن الأشياء المخلوقة تكون شيئاً بعد أن لم تكن بقوله وإرادته. وأن قوله غير الأشياء المخلوقة من قبل أن٢ أمره تعالى للأشياء وقوله لها كوني، لو كان مخلوقاً لوجب أن يكون قد خلقه بأمر آخر، وذلك القول لو كان مخلوقاً (لكان مخلوقاً) ٣ بقول آخر، وهذا يوجب على قائله أحد شيئين: إما أن يكون كل قول محدث قد تقدمه قول محدث إلى ما لا نهاية له، وهذا قول أهل الدهر بعينه، أو يكون ذلك القول حادثاً بغير أمره له، فبطل معنى الامتداح بذلك٤. وقد نص على هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بحضرة أوليائه من الصحابة وأعدائه من الخوارج لما أنكروا عليه التحكيم فقال: والله ما حكمت مخلوقاً وإنما حكمت كلام الله٥، فلم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة الذين يوالونه، ولا أحد من الخوارج الذين يعادونه، ولا روي عن أحد منهم خلاف له في ذلك.

стр. 120

الإجماع السابع وأجمعوا على أنه يسمع ويرى، وأن له تعالى (يدين مبسوطتين) ١ وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه من غير أن يكون جوارحاً، وأن يديه تعالى غير نعمته٢.

стр. 121

وقد دل على ذلك تشريفه لآدم ﵇ حيث خلقه بيده، وتقريعه لإبليس على الاستكبار عن السجود مع ما شرفه به بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١. الإجماع الثامن وأجمعوا على أنه يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفاً لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها، فيغفر لمن يشاء من المذنبين، ويعذب منهم من يشاء كما قال، وليس مجيئه حركة ولا زوالاً، وإنما يكون المجيء حركة وزوالاً إذا كان الجائي جسماً أو جوهراً، فإذا ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه نقلة أو حركة٢، ألا ترى

стр. 122

أنهم لا يريدون بقولهم: جاءت زيداً الحمى أنها تنقلت إليه، أو تحركت من مكان كانت فيه إذ لم تكن جسماً ولا جوهراً، وإنما مجيئها إليه وجودها به١. وأنه ينزل إلى السماء٢ الدنيا كما روي عن النبي ﷺ ، وليس نزوله نقله، لأنه ليس بجسم ولا جوهر، وقد نزل الوحي على النبي ﷺ عند من خالفنا٣.

стр. 123

الإجماع التاسع وأجمعوا على أنه يرضى عن الطائعين له، وأن رضاه عنهم إرادته لنعيمهم، وأنه يحب التوابين ويسخط على الكافرين ويغضب عليهم، وأن غضبه إرادته لعذابهم، وأنه لا يقوم على غضبه شيء١. وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وقد دل على ذلك بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ

стр. 124

مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ ١ وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٢. وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣، وليس استواؤه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر؛ لأنه لم يزل مستولياً على كل شيء. وأنه يعلم السر وأخفى من السر، ولا يغيب عنه شيء في السماوات والأرض حتى

стр. 125

كأنه حاضر مع كل شيء، وقد دل الله على ذلك بقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ١ وفسر ذلك أهل العلم بالتأويل أن علمه محيط بهم حيث كانوا. وأنه له كرسياً دون العرش، وقد دل الله سبحانه على ذلك بقوله: ﴿وَسِعَ

стр. 126

كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ١ وقد جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ أن الله تعالى يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه. الإجماع العاشر وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه، ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكييف له، وأن الإيمان به واجب، وترك التكييف له لازم٢.

стр. 127

الإجماع الحادي عشر وأجمعوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة بأعين وجوههم على ما أخبر به تعالى في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١. وقد بين معنى ذلك النبي ﷺ ودفع كل إشكال فيه بقوله للمؤمنين: "ترون ربكم عياناً" ٢.

стр. 128

وقوله: "ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته" ١. فبين أن رؤيته تعالى بأعين الوجوه. ولم يرد النبي ﷺ أن الله مثل القمر من قبل أن النبي ﷺ شبه الرؤية بالرؤية، ولم يشبه الله تعالى بالقمر وليس يجب إذا رأيناه تعالى أن يكون شبيهاً لشيء مما نراه، كما لا يجب إذا علمناه أنه يشبه شيئاً نعلمه، ولو كان يجب إذا رأيناه أن يكون مثل المرئيين منا لوجب إذا كان الله رائياً لنا وعالماً بنا أن يكون مثل الرائين العالمين منا٢. الإجماع الثاني عشر وأجمعوا على أنه غير محتاج إلى شيء مما خلق، وأنه تعالى٣ يضل من يشاء

стр. 129

ويهدي١ من يشاء، (ويعذب من يشاء، وينعم على من يشاء) ٢ ويعز من يشاء، ويغفر لمن يشاء٣، ويغني من يشاء٤. وأنه لا يسأل في شيء من ذلك عما يفعل، ولا لأفعاله علل؛ لأنه مالك غير مملوك، ولا مأمور ولا منهي٥.

стр. 130

وأنه يفعل ما يشاء، (ويفضل على من يشاء، كما قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ١ وقال: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ ٢ وبين تعالى أنه ليس يجري في أفعاله مجرى خلقه بقوله : ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٤. الإجماع الثالث عشر وأجمعوا على أن القبيح من أفعال خلقه ما نهاهم عنه، وزجرهم عن فعله، وأن الحسن ما أمرهم به، أو ندبهم إلى فعله، أو أباحه لهم، وقد دل على ذلك بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٥.

стр. 131

الإجماع الرابع عشر أجمعوا على أن على جميع الخلق الرضا بأحكام الله التي أمرهم أن يرضوا بها، والتسليم في جميع ذلك لأمره، والصبر على قضائه، والانتهاء إلى طاعته فيما دعاهم١ إلى فعله، أو تركه٢.

стр. 132

الإجماع الخامس عشر وأجمعوا على أنه عادل في١ جميع أفعاله وأحكامه ساءنا ذلك، أم سرنا، نفعنا٢، أو ضرنا٣.

стр. 133

الإجماع السادس عشر وأجمعوا على أنه تعالى قد١ قدر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون٢، وقد دل (على) ٣ ذلك٤ بقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ٥.

стр. 134

وأخبر أنه يقرع الجاحدين لذلك في جهنم بقوله: ﴿يَوْمَ ١ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٢. الإجماع السابع عشر وأجمعوا على أنه تعالى قسم خلقه فرقتين، فرقة خلقهم للجنة وكتبهم بأسمائهم (وأسماء آبائهم) ٣، وفرقة خلقهم للسعير وذكرهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ممتثلين في ذلك بقوله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ ٤.

стр. 135

ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ١. وقد بين ذلك ما روي عن النبي ﷺ في حديث القبضتين٢. وحديث الصادق المصدوق عن عبد الله بن مسعود٣، وما قاله النبي ﷺ لعمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - حين قال: يا رسول الله أرأيت ما نحن فيه٤ أمر قد فرغ منه، أم أمر مستأنف، فقال ﵇: بل أمر قد فرغ منه، قال عمر: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ٥ وغير ذلك مما جاء في الكتاب والسنة.

стр. 136

الإجماع الثامن عشر وأجمعوا على أن الخلق لا يقدرون على الخروج مما سبق في علم الله فيهم، وإرادته لهم، وعلى أن طاعته تعالى واجبة عليهم فيما أمرهم به، (وإن كان) ١ السابق من علمه فيهم وإرادته لهم أنهم لا يطيعونه، وأن ترك معصيته لازم لجميعهم، وإن كان السابق في علمه وإرادته أنهم يعصونه، وأنه تعالى يطالبهم بالأمر والنهي، ويحمدهم على الطاعة فيما أمروا به، ويذمهم على المعصية فيما نهوا عنه، وأن جميع ذلك عدل منه تعالى عليهم كما أنه تعالى عادل على من خلقه منهم مع علمه أنه يكفر إذا أمره، وأعطاه القدرة التي يعلم أنها تصيره إلى معصيته، وأنه عدل في تبقيته المؤمنين إلى الوقت الذي يعلم أنهم يكفرون فيه ويرتدون عما كانوا عليه من إيمانهم، وتعذيبهم لهم على الجرم المنقطع بالعذاب الدائم، لأنه ملك لجميع ذلك فيهم غير محتاج في فعله إلى تمليك غيره له ذلك، حتى يكون جائراً فيه قبل تملكه، بل هو تعالى في فعل جميع ذلك عادل له وله مالك يفعل ما يشاء، كما قال : ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٢.

стр. 137

الإجماع التاسع عشر وأجمعوا على أنه خالق لجميع الحوادث وحده، لا خالق لشيء منها (سواه) ١ وقد زجر الله من ظن ذلك بقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ٢ كما زجر من ادعى إلهاً غيره بقوله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ٣، وإنما سمى غيره خالقاً في قوله: ﴿اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٤ وإن كان خالقاً وحده على طريق الاتساع، كما يقال: عدل العمرين على طريق الاتساع، وإن كان عمر واحداً.

стр. 138

وكما سمى غيره إلهاً في قوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾ ١ في المجاز. الإجماع العشرون وأجمعوا على أن جنس استطاعة الإيمان غير جنس استطاعة الكفر من قبل أن جنس استطاعة٢ الإيمان هدى وتوفيق يرغب إلى الله في فعلها، ويشكر على التفضل بها، واستطاعة الكفر ضلال وخذلان يستعاذ بالله منها، ويسأل العصمة بالهدى وقوة الإيمان بدلها، وأن قدر المحدثين تختلف وتتجانس وتتضاد، كما يختلف علمهم ويتجانس ويتضاد٣.

стр. 139

الإجماع الحادي والعشرون وأجمعوا على أن الإنسان غير غني عن ربه في سائر أوقاته، وعلى الرغبة إليه في المعونة على سائر ما أمر به ممتثلين لما أمرهم به في قوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١ فلم يفرق بين العبادة وبين الاستعانة٢. الإجماع الثاني والعشرون وأجمعوا على أن الإنسان لا يستطيع أن يفعل ما علم الله أنه لا يفعله٣ وقد نص على ذلك تعالى فيما حكاه عن الخضر في قوله لموسى ﵉ لما لم يصبر معه ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ٤ ولم ينكر موسى قوله، ولا رد عليه ما ذكره٥.

стр. 140

الإجماع الثالث والعشرون وأجمعوا على أن الله قد كلف الكفار الإيمان والتصديق بنبيه ﷺ وإن كانوا غير عاملين بذلك؛ لأن النبي ﷺ قد أوضح لهم الدلالة، ولزمهم حكم الدعوة، وإنما وجب عليهم من إيجاب الله له، وطريق معرفتهم بذلك العقول التي جعلت آلة تمييزهم، وأنهم أثموا في الجهل في ذلك من قبل إعراضهم عن تأمل ما دعوا إلى تأمله من

стр. 141

الأدلة لتي جعل لهم بها السبيل إلى معرفة وجوب ما دعوا إليه من النظر في آياته التي أزعج بخرق العادات فيها قلوبهم، وحرك بها دواعي نظرهم١. الإجماع الرابع والعشرون وأجمعوا على أنهم يستحقون الذم بإعراضهم وتشاغلهم بما نهوا عنه عن التشاغل به٢. الإجماع الخامس والعشرون وأجمعوا أيضاً على أن الكافرين غير قادرين على العلم بما دعوا إليه مع تشاغلهم بالإعراض٣ عنه، وإيثارهم للجهل عليه مع كونهم غير عاجزين عن ذلك، ولا ممنوعين منه لصحة أبدانهم وقدرتهم على ما تشاغلوا به من الإعراض عنه، وآثروه من الجهل عليه، وإنما أتوا في ذلك من جهة إعراضهم عنه، وسوء الاختيار في التشاغل بتركه، ولو

стр. 142

كرهوا ما هم (عليه) ١ من الإعراض عن تأمل أدلة الله التي نبههم نبيه ﷺ عليها ودعاهم إلى تأملها لتأتى لهم ذلك وحصل لهم العلم به والقدرة عليه٢. الإجماع السادس والعشرون وأجمعوا على أن الإنسان لا يقدر بقدرة واحدة على مقدورين، كما أنه لا يعلم بعلم واحد يكتسبه شيئاً من تصرفه إلا بقدرة تخصه في حال وجوده؛ لأن التصرف لا يصح وجوده إلا بها، فلو وجد تصرفه مع عدم القدرة عليه لاستغنى في وجوده عنها، كما أنها٣ لو وجدت الحركة مع عدم محلها لاستغنت في الوجود عنه ولم تحتج إليه٤.

стр. 143

الإجماع السابع والعشرون وأجمعوا على أنه لا يصح تكليف الإنسان الطاعة ونهيه عن المعصية إلا مع صحة بدنه وسلامة آلات فعله، وإن كان لكل فعل يكتسبه قوة تخصه غير القوة عليه١ على تركه، وغير الفعل المقدور بها وغير صحة بدنه، كما أنه لا يصح أن يكلف فعلاً إلا مع٢ صحة عقله وآلات تمييزه، وإن كان يحتاج في المعرفة لكل ما دعي٣ إلى معرفته إلى علم يخصه ويصح معه فعله، وليس يجب إذا كلفوا معرفة ما لا يعلمونه في حال التكليف لإعراضهم٤ عنه أن يكلفوا الفعل مع عدم جميع علومهم إذ كان عدم جميع علومهم يخرجهم عن صحة عقولهم، ويصيرهم إلى الجنون الذي لا يصح تكلف الاستدلال معه، وكذلك الحكم في تكليفهم الإيمان الذي علم الله أنهم لا يفعلونه وسبق في الكتاب أنهم لا يكتسبونه وهم غير قادرين عليه ولا عن الخروج من علم الله فيه (وخبره عنهم به لا يخل) ٥ بتكليفهم فعله من قبل أن أبدانهم صحيحة، وآلات فعل ما كلفوه موجودة، وقد مكنوا في فعله فهم غير عاجزين عنه ولا ممنوعين منه، وإنما أتوا في ذلك بإعراضهم عما أمروا به وتشاغلهم بالكفر الذي قد آثروه عليه وشغلوا قدرهم بكسبه. ولو كرهوا الكفر وما هم عليه من الإيثار له، وأرادوا الإيمان لقدروا عليه، ولا يجب إذا كلفوا ما هم غير قادرين على ما كلفوه من الإيمان لتشاغلهم عنه بالكفر الذي نهوا عنه أن يكلفوا الأفعال مع عدم جميع القدر من قبل أن خروجهم عن جميع القدر يصيرهم إلى العجز وفساد الأبدان والآلات التي لا يصح منهم الفعل مع عدمها، كما لا يصح تكليفهم الاستدلال مع عدم جميع العلوم، من قبل أن عدم جميع العلوم يصيرهم إلى فساد آلات الاستدلال التي لا يتأتى لهم الاستدلال مع فسادها، وإنما يصح تكليفهم

стр. 144

الأفعال مع صحة عقولهم وأبدانهم التي يتأتى لهم الأفعال معها، وكونهم غير قادرين على ما تركوا من الأفعال وتشاغلوا عنه لا يخرجهم عن صحة أبدانهم، ولا يصيرهم إلى العجز الذي لا يصح معه فعلهم، كما أن (قولهم غير) ١ عالمين إلى ما دعوا إلى معرفته وتشاغلهم بالإعراض عن الاستدلال عليه لا يخرجهم عن صحة عقولهم ولا يصيرهم إلى٢ الجنون الذي لا يصح معه تكليفهم٣. الإجماع الثامن والعشرون وأجمعوا على أن جميع ما عليه سائر الخلق من تصرفهم قد قدره الله قبل خلقه لهم، وأحصاه في اللوح المحفوظ لهم، وأحاط علمه به وبهم وأخبر بما يكون منهم، وأن أحداً لا يقدر على تغيير شيء من ذلك ولا الخروج عما قدره الله تعالى وسبق علمه به، وبما يتصرفون في علمه وينتهون إلى مقاديره فمنهم شقي وسعيد٤. الإجماع التاسع والعشرون وأجمعوا على أنه تعالى تفضل على بعض خلقه بالتوفيق والهدى وحبب إليهم الإيمان وشرح صدورهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وجعلهم راشدين، كما قال عز

стр. 145

وجل: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ١ وقال: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ ٢ فعدد بذلك نعمته عليهم. الإجماع الثلاثون وأجمعوا على أن ما يقدر عليه من الألطاف التي لو فعلها لآمن٣ جميع الخلق غير متناهية، وأن فعل ذلك غير واجب عليه، بل هو تعالى متفضل بما يفعله منها، وأنه تعالى لم يتفضل على بعض خلقه بذلك، بل أضلهم كما قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ ٤، وقد قال موسى ﵇ لما جيء بالعجل الذي عمله السامري لبني إسرائيل، وكان خواره فعل الباري تعالى عنه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ ٥ ولم ينكر الله ذلك عليه، ولو كان وصفه بذلك جوراً كما يقول القدرية لما ترك الإنكار ذلك عليه وزجره عنه، وقد قال نبينا ﵇: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ٦.
следующие страницы →