← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1121

الهبات السنية العلية على أبيات الشاطبية الرائية

الملا على القاري

Полный текст (500 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ثم اعلم أن ما ذكره ابن قتيبة محمول على القواعد العربية، وأما في الرسم؛ فالأعلام المنقولة نحو: مالك وصالح فمحذوف الألف بلا خلاف (١)، بخلاف "صالحًا" و"خالدًا" حال كونهما وصفًا؛ فإنه لا خلاف في إثبات ألفهما (٢)، وأما ما ذكره الحافظ طاهر الأصبهاني (٣) في رسالته الموضوعة في رسم القرآن: أن كل ما جاء مالك وصالح وخالد بحذف ألفه فليس على إطلاقه في صالح وغير صحيح في خالد؛ إذ لم يوجد في القرآن خالد علمًا. فإن قيل: لِمَ لَمْ يذكر بقية ما حذف من الفاتحة هنا مثل الألف من ﴿اللَّهُ﴾ ومن ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ومن ﴿الْعَالَمِينَ﴾ ومن ﴿الضَّالِّينَ﴾ على أن فيه خلافًا؟ قلت: لأن ما لم يذكر غير مختص بالفاتحة فأخر إلى باب الحذف في كلمات يحمل عليها أشباهها (٤). فإن قيل: ﴿الصِّرَاطَ﴾ أيضًا لا يختص بالفاتحة؟ فالجواب: أنه لم يجعل بابًا لما رسم بحرف بدل حرف ليؤخر الصراط إليه بخلاف ما تقدم والله تعالى أعلم.

стр. 142

٤٧ - واحذفهما بعدُ في ادَّ ارَءْتُمُ ومَسَا … ـكِينٌ هنا ومعًا يُخَادِعُونَ جرى يقرأ البيت بصلة ميم الجمع، وضبط ﴿مَسَاكِينَ﴾ بالرفع على الحكاية (١)، وبالنصب (٢) وهو الأظهر لاشتماله على الحكاية (٣) والإعراب لأنه عطف على ما قبله وهو مجرور (٤)، اللهم إلا أن يُجعَلَ مبتدأً خبرُه: "جرى"؛ أي: جرى الرسم بالحذف في المبنى فإنه باعتبار المعنى أحرى؛ إذ لم يوجد الألف في ﴿مَسَاكِينَ﴾، والأساس في السليقة أن ينوَّن ﴿مَسَاكِينَ﴾ للضرورة، ثم الضمير في احذفهما مفسر بما بعده كما في قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (٥) [فصلت: ١٢]. والمعنى: احذف الألفين الملفوظين كما دل عليه قوله: "بالحذف مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" وأراد بهما اللذَيْنِ بعد همز الوصل في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢]، فالمحذوفان الألف الذي بعد الدال،

стр. 143

والهمز الذي بعد الراء ففيه تغليب (١)، أو الألف يطلق على اللينة وغيرها (٢)، وإنما حذفا دون همزة الوصل استغناء باللفظ عن الحذف بخلاف همزة الوصل فإنه لو حذف لم يبق ما يدل عليه لا في اللفظ ولا في الخط، واستُثْنِيَ منه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لما سبق (٣) من أنه جاز لكثرته، أو لدلالة طول الباء المعروف، عوضًا عن الألف المحذوف. ثم اعلم أنه لم يقرأ أحد من السبعة (٤) بحذفهما (٥) حتى في وقف حمزة على الهمزة بالرسم أيضًا؛ لأن حذف الألف لا يجوز؛ إذ لم يكن عن همز مطلقًا كـ ﴿الْعَالَمِينَ﴾، و ﴿الْكِتَابُ﴾ وأمثالهما، وأما حذف الهمز (٦) فلأنه يصرف المبنى ويحرف المعنى. نعم قرأ حمزة وقفًا بإبدالها ألِفًا؛ قياسًا لا رسمًا، ولهذا قال السخاوي: (وأما المحذوفتان فالثانية منهما هي صورة الهمزة، وحذفتا لأن موضعهما معلوم غير مجهول، ولم يمكن النطق بالكلمة إلا بهما؛ فحذفتا اختصارًا وتخفيفًا؛ إذ لو كتبت لاجتمعت الأمثال (٧) وذلك مكروه لما في صورة التكرار من الاستثقال، قال: وفي حذفهما أيضًا تنبيه على أن اتباع الخط ليس

стр. 144

بواجب (١)؛ فيقرأ القارئ بالإثبات في موضع الحذف، وبالحذف في موضع الإثبات، إذا كان ذلك من وجوه القراءات، ولم يذكر في المقنع حذف الألفين، وإنما قال في المقنع (٢): المتفق عليه ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ بغير الألف ولم يحذف إلا التي هي صورة الهمزة والصحيح ما ذكره صاحب القصيدة) (٣). كذا قاله السخاوي وهو مُوهِمٌ أن فيه شيئًا من الزيادات وليس كذلك (٤)؛ لأن مؤدَّى ما ذكراه واحد هنالك، فتأمل يظهر لك الزلل؛ فإن قوله: بغير ألف أفاد حذف الألف الأول، وقوله: ولم يحذف إلا التي هي صورة الهمزة مشيرًا إلى حذف الألف الثاني مع ما فيه من الاحتراز عن همزة الوصل، فإنها ليست صورة الهمزة في الأصل، ولذا لم يُكْتَب دائمًا إلا بالألف (٥)، ثم قوله: "هنا" المراد به سورة البقرة كما يدل عليه الترتيب وهو قيد لـ" مَسَاكِينَ " لا لـ"ادَّ ارَءْتُم" أيضًا ففيه احتراز عما في سورة المائدة [آية: ٩٥] في قوله تعالى ﴿كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ فإنه سيذكره في محله (٦) لكن لو قال معًا بدل "هنا" لوَفَّى إلا أنه كان يفوته الإجماع هنا والخلاف هناك (٧).

стр. 145

فالمعنى: واحذف الألف من مَسَاكِينَ في سورة البقرة [آية: ١٨٤] لأجل الرسم، وهو قوله تعالى: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾؛ فمن السبعة من قرأ بالحذف على أنه مفرد (١) فقد وافق الرسم، ومن قرأ بإثبات الألف وهو نافع والشامي (٢) فقد حذفها تخفيفًا وهو جمعٌ حينئذ. أما في المائدة فأجمعوا على جمعه في القراءة (٣) مع اختلافهم في الكتابة ولعل الناظم لهذا أفرده. وأما قوله: "ومعًا يُخَادِعُونَ " فأراد به جنسَ ما وقع في السورتين؛ حيث وقع هنا في سورة البقرة [آية: ٩] موضعان وهما ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ وموضع في سورة النساء [آية: ١٤٢] وهو قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ فالثلاثة مرسومة بحذف الألف مع الإجماع على إثبات الألف في النساء والأول من البقرة (٤). وأما الثاني فيها (٥) فالكوفيون وابن عامر (٦) على حذفها والباقون على إثباتها (٧)، وأغرب السخاوي حيث قال: (وقوله: "ومعًا يُخَادِعُونَ " من زياده

стр. 146

هذه القصيدة على المقنع؛ لأن المقنع لم يذكر فيه إلا الحذف في الأول ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾؛ لأنه قال في المتفق عليه الذي رواه عن نصير وكتبوا ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بغير ألف، -وكذلك ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا﴾، وكذلك في النساء ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ بغير ألف (١) - والذي ذكره صاحب القصيدة صحيح، والمصاحف متفقة على حذف الألفين في الحرفين جميعًا) (٢) انتهى. ولا يخفى وجه غرابته، إذ اتفقا في كل من المواضع الثلاثة على كتابته (٣)،

стр. 147

غايته أن المتوسط هو المختلف في قراءته، والأول والثالث مجمع على إثبات الألف في روايته (١)، والله أعلم. ٤٨ - وَقَاتِلُوهُمْ وأفعال القتال بها … ثلاثةٌ قبلَه تبدو لمَنْ نظرا بألف الإطلاق؛ أي: يظهر حذف الألف في هذه الأفعال الأربعة "لمَنْ نظرا" في المرسوم بالاتفاق، أو تبدو هذه الأفعال الثلاثة لأهل الوفاق، فالأول قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣ والأنفال: ٣٩]، وقد اتفق السبعة (٢) على إثبات ألفه في القراءة، بل ولا يصح النطق فيه إلا بهذه العبارة (٣)، وأما "ثلاثةٌ قبل" قَاتِلُوهُمْ في التلاوة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فحذَف ألفَها حمزةُ والكسائيُّ (٤) وأثبتها غيرهما، واحترز بقوله "وأفعال القتال بها" أي: في

стр. 148

البقرة ثم بيَّنها بقوله"ثلاثةٌ قبله" عن قوله ﴿فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فإنه رسم بالألف (١) لأنه ليس من أفعال القتال؛ أي: ليس من باب المفاعلة؛ بل من المجرد وهو القتل، وليس فيه ألف حتى يحذف أَوْ لا يحذف، إلا أنه ربما كان يُتَوهَّم حذف ألف الوصل فيه، فدفع به ما ينافيه، وفهم أيضًا أن قوله تعالى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] بإثبات الألف فيهما (٢). ٤٩ - هنا وَيَبْسُطُ معْ مُصَيْطِرٍ وكذا الْـ … ـمُصَيْطِرُونَ بصادٍ مُبدَلٍ سُطِرا بألف الإطلاق؛ مبنيًّا للمفعول، والضمير راجع إلى ما ذكر أو إلى كل واحد، وقوله: "هنا" أي: في البقرة [آية: ٢٤٥]، ﴿وَيَبْسُطُ﴾ رسم بالصادِ، والواوُ من نفس التلاوة لا عاطفة، وقيد بـ"هنا" ليخرج نحو: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ حيث جاء، ولو بعد العطف (٣) فإنه بالسين اتفاقًا، وكذا رسم بالصاد ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ في الغاشية [آية: ٢٢] وكذا ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ في سورة الطور [آية: ٣٧]، واختلف في تلاوة هذه الثلاثة في السبعة (٤) وفي قوله "مُبدَلٍ"؛

стр. 149

أي: من السين؛ إشارة إلى أن الأصل في هذه الكلمات السين كما مر في الصِّرَ اطِ، أو إيماء إلى أنها إنما أبدلت صادًا ليوافق الطاء، وإنما رسم ﴿يَبْسُطُ﴾ في غير البقرة بالسين جمعًا بين اللغتين، ولعل وجهَ التخصيص مقابلةُ ﴿يَبْصُطُ﴾ لـ ﴿يَقْبِضُ﴾ هنا وهو مشتمل على حرف الطباق بخلاف غيرها فإنه مقابل بـ ﴿يَقْدِر﴾، والمفهوم في عدم ذكره ﴿بَسْطَةً﴾ أنه بالسين على ما هو الأصل فيه مع اختلاف القراء السبعة في ﴿فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩] (١) واتفاقهم في ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً﴾ [البقرة: ٢٤٧] (٢) فلا يرد على الناظم شيء كما توهم بعضهم فلو قال: هنا وَيَبْسُطُ مع فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً الْـ … ـمُصَيْطِرُونَ مُصَيْطِرْ صادُهُ سُطِرا؛ لاستوفى إلا أن فيه بحثًا من وجهين: أما أولا: فلأنه ليس في هذا الربع ولذا ذكره في الربع الثاني وقال: و ﴿بَسْطَةً﴾ باتفاق. وأما ثانيًا: فلأن هذه الكلمات مرويات نافع وتلك الكلمات مما اتفقوا على نقلها والله تعالى أعلم.

стр. 150

٥٠ - وفي الإمامِ اهْبِطُوا مِصْرًا به ألف … وقل وَمِيكَالَ فيه حذفُها ظَهَرَا بألف الإطلاق؛ أي: "وفي" مصحف "الإمام" الذي استخرجه أبو عبيد من خزائن بعض الأمراء رُسِم ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] بألف بدلًا من التنوين وقد قرأ السبعة (١) به وكأنه لم ينقل عن سائر المصاحف شيء، نعم هو في مصحف ابن مسعود بلا ألف، وقرأ هو والحسن والأعمش (٢) وأُبَيٌّ بغير تنوين على أن المراد به مصر المعروف والجمهور بالتنوين لإرادة التنكير. وقيد بـ ﴿اهْبِطُوا﴾ فإن ﴿مِصْرًا﴾ إذا لم يكن مقرونًا به فهو بلا ألف اتفاقًا، وقراءته بغير تنوين إجماعًا (٣). قال السخاوي: (فإن قيل: فما وجه إثباتِ الألف وصرفِه وقد روي عن أُبَيٍّ وابنِ مسعود والحسن والنخعي (٤) وقتادة والأعمش وغيرهم مصر بغير تنوين. قلت: في صرفه إن قلنا: إنه عربي وجهان؛ أحدهما: أن يراد الموضع فيصرف فإنه لا يبقى إلا العلمية (٥).

стр. 151

والثاني: أن يراد المدينة فيجتمع فيه التأنيث والعلمية لكنه ساكن الوسط فيقام السكون مقام أحد السببين فيصرف (١)، وصرفه هو اللغة الفصيحة التي عليها القرآن نحو: لوط ونوح، وأجراه آخرون على القياس فمنعوه الصرف. وإن قلنا: إنه غير عربي كان صرفه على مراد الموضع لأنه إذا أريد به المدينة امتنع صرفه لاجتماع العجمة والعلمية والتأنيث، فإذا قام السكون سببًا بقي سببان. فإن قيل: فمن أي شيء هو حتى يقال: إنه عربي؟ قلت: جاز أن يكون من المصر وهو الحد والحاجز بين الشيئين) (٢). وقد قيل: إن المراد مصرًا من الأمصار، فأما من قرأ: مصرَ فقد خالف حيث ترك الرسم المشهور المجمع عليه وإن كان ذلك يُرْوَى عن أُبَيٍّ وابنِ مسعودٍ؛ فقد تركوا قراءة ذلك حين أجمعوا على المصحف. ثم يتزن البيت بالإشباع في هاء "فيه"، والضمير راجع إلى "الإمام" وضمير "حذفها" عائد إلى "الألف"، والحاصل أن الألف التي بعد الكاف محذوفة في الإمام وكذا في سائر المصاحف، وأما الياء التي قبل الكاف (٣) فثابت بالاتفاق رسمًا وقراءة وكذا مركز الياء (٤) موجود بعد الكاف رسمًا بالاتفاق، وإنما الخلاف في قراءته فإن فيه ثلاث قراءات في السبعة: حذف الياء الأخيرة مع الهمزة (٥)، وحذف الياء فقط (٦)، وإثباتهما (٧)؛ فمن قرأ بإثباتهما

стр. 152

اعتقد أن الألف حذفت منه كما حذفت في نحو: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ (١) ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ (٢)، والهمزة لم يصور لها صورة وهذه الياء هي التي في اللفظ، ومن قرأ بحذفِ الياء فقد اعتقد أن هذه الياء صورة الهمزة وحذفت الياء بعدها لئلا يجتمع ياءان في الخط وقد فعل نحو ذلك في ﴿إِسْرَائِيلَ﴾ (٣)، ومن قرأ بحذفهما على وزن مفتاح قدّر أن هذه الياء صورة الألف لأن حروف المد يقلب بعضها بعضًا في القراءة فكذا في الكتابة، وقرأ ابن محيصن (٤) مِيكَئِل بصورة الرسم على وزن ميكعل (٥). قال الجعبري (٦): (هذه العبارة (٧) ناقصة؛ لأنها لا تفهم البدل، وهي بياء بعد الكاف بلا ألف في مصحف الإمام وكذا في بقية المصاحف). قلت: ولعله اكتفى برسمه في البيت مركوزًا، فتكون الدلالة مرموزًا، ولا يبعد أنه جعل قراءة ابن محيصن أصلًا ضرورةً حيث إنه لغة ومع هذا لو قال:

стр. 153

ميكائيل حذفُها في رَسْمِهِ ظَهَرَا؛ لظَهَرَ له ظُهَرَا، على أنه قراءة نافع من القراء إلا أنه ينون في النظم ضرورةً. ٥١ - ونافعٌ حيث وَاعَدْنَا خَطِيئَتُهُ … والصَّعْقَةُ الرِّيحِ تَفْدُوهُمْ هنا اعْتُبِرا أخرج أبو عمرو الداني بسنده (عن نافع ابن أبي نعيم المدني قال الألف غير مكتوب؛ يعني في المصاحف فذكر منها: ﴿وَاعَدْنَا﴾ ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ﴾ [طه: ٨٠] حيث وقع (١)، ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] و ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥] و ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤ والجاثية: ٥] و ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]) (٢) ثم ألف"اعْتُبِرا" للإطلاق، وضميره للألف على تقدير مضاف؛ أي: "اعْتُبِر" حذفُ ألفِ ما ذكر، والتقدير: ونَقْلُ "نافعٍ" ما ذكر هنا "اعْتُبِر"، ولو قرئ بصيغة الفاعل له وجهٌ؛ أي: "نافع اعتَبر" حذفَ الألفاتِ هنا، ولا مفهوم له؛ إذ بقية الرسومِ موافقةٌ له. ثم اعلم أن قيد "هنا" واقع لـ"تَفْدُوهُمْ" فباقي الأمثلة تحت عموم "حيث"، إلا أن "خَطِيئَات" هنا أضيف إلى الضمير المفرد، وفيما عداه إلى ضمير الجمع خطابًا (٣) أو غيبة (٤) وهو داخل تحت عموم قاعدة حذف الألف من جمع المؤنث السالم على ما سيجيء (٥)، وأما ما ذكره السخاوي (٦) من أن

стр. 154

قوله: "هنا" ليس من أجل "تَفْدُوهُمْ" إنما هو من أجل "الصَّعْقَةُ" و"الرِّيحِ" مع أن الحصر ليس بصحيح (١)؛ فمبني على أن ألفه للتثنية (٢)، ولا يخفى بُعْدُه عن القواعد العربية حيث فصل بقوله: "تَفْدُوهُمْ". ثم اعلم أن حذف الألف إنما هو لاختلاف القراء في هذه الكلمات كما سبق في ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، إلا أن "الصَّعْقَة" لم يقرأ أحد من السبعة (٣) هنا بحذف ألفها بخلاف ما في الذاريات (٤) لقراءة الكسائي فيها (٥)، نعم يجوز أن تكون مرسومةً على قراءة ابن محيصن، وكانت قراءتُه مشهورةً وانقطع تواترُها بعده، فإنها تُرْوَى عن علي وعائشة وابن الزبير وقرأ بها أبو رجاء (٦) وأبو العالية (٧) وقتادة والنخعي (٨)، هذا وحَذْفُ العاطفِ في مواضع من البيت

стр. 155

للضرورة. ثم اعلم أن قوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ اختلف في تلاوته فقرأ نافع بإثبات الألف على صيغة الجمع والباقون بحذفها (١)؛ فنقل نافع حذف الألف من هاتين الكلمتين مع قراءته بإثباتها فيهما ليعلم أن القراءة إنما هي بالنقل والرواية لا اعتمادًا على مجرد الرسم أي: رسم الكتاب، وأما الهمز في "خَطِيئَتُهُ" مطلقًا فليس له صورة أصلًا، وكذا إذا لم تكن مضافة، وأما "الريح" فقرأ حمزة والكسائي بالإفراد (٢)، وأما ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ بإثبات الألف فقراءة نافع وعاصم (٣) والكسائي (٤)، فـ ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ بضم التاء، لأنه من باب المفاعلة، و"تَفْدُوهُمْ" بفتحها؛ لأنه من الفدية فهو من باب فدى يفدي كرمى يرمي. ٥٢ - معًا دِفَاعٌ رِهَانٌ معْ مُضَاعَفَةً … وعَاهَدُواْ وهنا تَشَابَهَ اختُصِرا بألف الإطلاق أي: اقتصر (٥) الألف للعلم بموضعها وجميع ما في هذا البيت نقله أبو عمرو بسنده عن قالون (٦) عن نافع أيضًا.

стр. 156

والمعنى: أن لفظ "دِفَاعٌ" رسم بحذف الألف في موضعين: أولهما في البقرة [آية: ٢٥١] ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾، وثانيهما في سورة الحج [آية: ٤٠] ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾. واختلف في التلاوة؛ فقرأ نافع بإثباته على خلاف ما نَقَلَ في الرسم تنبيهًا على ما سبق، والباقون بحذفها مع فتح الدال (١)، وكذا: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] مرسومة بحذف الألف، واختلف في التلاوة (٢)، وكذا " مُضَاعَفَةً " في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] رسم بالحذف واختلف في التلاوة إلا أن من قرأ بالقصر يُضَعِّفُ العين (٣)، وكذا " عَاهَدُوا " رسم بحذف الألف في قوله تعالى ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ [البقرة: ١٠٠]، واتفق السبعة (٤) على إثبات الألف في التلاوة، وقرئ في الشواذ بحذفها إلا أنه بكسر الهاء (٥)، فيجوز أن يكون الرسم باعتبار هذه القراءة أو

стр. 157

لمجرد التخفيف، وفي إيراد " عَاهَدُوا " بصيغة الجمع احتراز من المفرد؛ فإنه بالإثبات كقوله تعالى ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ﴾ [الفتح: ١٠] (١)، وهذا الحكم مختص بهذا الموضع؛ فقوله سبحانه: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] بالإثبات لا غير (٢)، وكذا قوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ "هنا" يعني في سورة البقرة [آية: ٧٠] رسم بحذف الألف، وما قرئ بحذفها إلا في الشواذ (٣) مع تشديد الباء وفتح الهاء وبضمها أيضًا، واحترز بقوله: "هنا" عمَّا في آل عمران [آية: ٧]: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ﴾ فإنه بإثبات الألف اتفاقًا (٤)، فكان الأَوْلى أن يقول: وههنا عَاهَدُوا تَشَابَهَ اقتُصِرا؛ بالقاف. ٥٣ - يُضَاعِفُ الخُلْفُ فيه كيف جا وَكِتَا … ـبِهِ ونافعُ بالتحريمِ ذاك أرى الهاء في "فيه" بالإشباع وقصر "جا" ضرورة، وفي نسخة: "في التحريم"، وفي "أرى" ضمير نافع، و"ذاك" إشارة إلى حذف الألف من قوله: "وَكِتَابِهِ" في التحريم ولم ينقل فيه شيء عن غيره. والمعنى: أن لفظ " يُضَاعِفُ " وقع الخلاف في إثبات ألفه وحذفه "كيف جاء" سواء اتصل بآخره ضمير أو لا، بشرط أن يكون فعلًا مضارعًا معروفًا أو مجهولًا، ففي البقرة: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [آية: ٢٤٥] ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [آية: ٢٦١]، وفي هود: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [آية: ٢٠]، وفي الأحزاب: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ [آية: ٣٠]، وفي الحديد: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [آية: ١١]

стр. 158

و ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ [آية: ١٨] واختلف في التلاوة (١)، وأما قوله: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ في سورة البقرة [آية: ٢٨٥] فكذلك اختلف المصاحف في رسم الألف وحذفها واختلف في التلاوة أيضًا (٢)، وأما ﴿وَكُتُبِهِ﴾ في سورة التحريم [آية: ١٢] فنص نافع على حذف ألفه، هذا مجمل الكلام، ومحصِّل المرام. وأما تفصيله؛ (فقال أبو عمرو فيما رواه عن محمد بن عيسى عن نصير: الخلف في موضع البقرة [الآية: ٢٤٥] وموضع الحديد [الآية: ١١]: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ وأن ذلك في بعض المصاحف بالحذف وفي بعضها بالإثبات، ولم يذكر ما في هود والأحزاب بحذف ولا إثبات، وذكر فيما رواه قالون عن نافع الذي في هود والأحزاب بالحذف ولم يذكر غيرهما، وهذا لا يوجب إطلاق الخلاف في الجميع؛ أما في البقرة والحديد فقد نص نصير على الخلف فيهما، وأما في هود والأحزاب فلو كان يعلم فيه خلافًا لذكره لأنه أورد في الباب ما اختلف فيه المصاحف وقد ذكرهما نافع بلا خلاف) كذا ذكره السخاوي (٣) وقرَّره، فيَرِدُ الاعتراض على شيخه فيما حرَّره، فلو قال: "والخُلْفُ في فيُضَاعِف حيث جا" لَنَص على موضع الخلاف في حذف ألفه إذا كانت مقرونة بالفاء كما في السورتين، وعلم بالمفهوم أن غيره محذوف الألف بلا اختلاف كما في الأخيرين.

стр. 159

وإنما أوقعنا الخلاف في الحذف دون الإثبات؛ لأن الإثبات هو الأصل، وهذا الكتاب موضوع للرسم المبين لمقام الحذف على خلاف القياس. وأما قوله "وَكِتَابِهِ" فذكر أبو عمرو في الباب المذكور عن نصير خُلْفَ المصاحف في سورة البقرة بأنه في بعض المصاحف بالألف، وفي بعضها بغير ألف، ولم يذكر الذي في التحريم أصلا، وذكر نافع الذي في التحريم أنه بالحذف، ولم يذكر الذي في البقرة، فتحصل من هذا أن ما في البقرة مختلف فيه كما ذكره نصير، وما في التحريم محذوف لا غير؛ لأن نافعًا نقله وليس له معارض ولم ينقل أحد بخلافه (١)، ولا يعارض المفهومُ المنطوقَ بقوله: "وَكِتَابِهِ" عطف على الضمير المجرور في "فيه" فيستفاد الخلاف منه في البقرة لأنها أول موضع وقع فيه، وهو من الربع الأول في القرآن إلا أن ذاك ربما يتوهم أنه إشارة إلى الخلاف، فلو قال: ونافع بالتحريم حذفًا ارى؛ لأَوْرَى لِلْوَرَى (٢). فإن قيل: ذَكَرَ لفظَ الكتابِ في باب الحذف في كلمات تحمل عليها أشباهها وأخبَرَ أن الألفَ حُذِفت منه في جميع القرآن ما عدا أربعة مواضع فلِمَ أَفرَدَ هنا هذين الموضعين؟ فالجواب: إنما أفردهما لبيان الاختلاف أو لبيان الناقل بخلاف غيرهما فإنه مجمع عليه، كذا ذكره بعضهم، والأظهر أنه خص هذين الموضعين لمكان الخلاف الشهير ولاختصاصهما بالإضافة إلى الضمير.

стр. 160

٥٤ - والحذفُ في ياءِ إِبْرَ اهِمَ قيل هنا … شامٍ عراقٍ ونِعْمَ العِرْقُ ما انتثرا افتعال من النثر بالمثلثة بمعنى النشر، وفي نسخة صحيحة ما انتشر بالشين المعجمة ومعناهما تفرق واشتهر، وألفه للإطلاق، والمراد "بالعراق" عراق العرب وهو الكوفة والبصرة فيشير إلى انتشار حذف "ياء ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ " (١) في مصاحف الشام والعراقيين واشتهاره، فيدل ذلك على قوة القراءة بحذفها لأن عرق النبات إذا كان ممتدًا فنعم العرق، ومعنى "قيل" روي، وهو خبر المبتدأ الذي هو "الحذف" والمراد بقوله: "هنا" سورة البقرة. والمعنى: اختلفت المصاحف في رسم الياء التي في " إِبْرَاهِيمَ " فنقل أن حذفه هنا منسوب إلى مصحف الشام والعراق، ومفهومه أنه ثبت في سائر المصاحف وأما ألفه فلم ترسم في جميع القرآن وهو الموافق للقاعدة العربية، في حذف الألفات من الأسماء العَلَمِيِّة. ثم اعلم أن السبعة (٢) اتفقوا على إثبات الألف التي بين الراء والهاء وإنما الخلاف فيما بين الهاء والميم؛ فقرأ هشام (٣) بأَلِفٍ أخرى في مواضع مخصوصة من البقرة وغيرها (٤) فصار ﴿إِبْرَ اهَام﴾، ولابن ذكوان وجهان في مواضع البقرة خاصة، والباقون بياء ساكنة مكان الألف الثانية (٥).

стр. 161

وفي شرح السخاوي: (قال أبو عمرو: قال أبو عبد الله محمد بن عيسى عن نصير: في سورة البقرة إلى آخرها في بعض المصاحف: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ بغير ياء، وفي بعضها بالياء، قال أبو عمرو: ولم أجد أن ذلك في مصاحف العراق إلا في سورة البقرة خاصة، قال: وكذلك رسم في مصاحف أهل الشام، وقال بسنده إلى أبي عبيد قال: تتبعت رسمه في المصحف فوجدته كتب في سورة البقرة خاصة بغير ياء) (١) فوجه رسمه كذلك التنبيه على قراءة ﴿إِبْرَ اهَام﴾، وحذف الألف منه اختصارًا. قلت: وهذا في رسم سورة البقرة، وأما فيما عداها حيث قرأها هشام بالألف فكأنه جعل المركز عوضًا عن الألف كما في ﴿بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧، والشمس: ٥] ونحوها. ٥٥ - أَوْصَى الإمامُ مع الشاميِّ والمدني … شامٍ وَقَالُوا بحذف الواو قبلُ يُرى بصيغة المجهول فالضمير "للحذف"، أو بالفاعل فالضمير "للشام" (٢)، و"قبلُ": مبني على الضم، والتقدير قَبْلَ "أوصى" ذكره السخاوي (٣)، والأَوْلى أن يقال: قبل "قالوا" احترازًا من الواو التي في آخر

стр. 162

"قالوا" فإنها ضمير فاعل لم يحذف في جميع المصاحف، واكتفى في "أَوْصَى" باللفظ عن القيد، والتقدير: "أَوْصَى" مرسومُ "الإمام" مع المصحف "الشامي" والمصحف "المدني" على تقدير المضاف (١) وهو أولى من تقدير السخاوي: (أي موضعُه ومكانُه؛ الإمامُ، و"أَوْصَى": مبتدأ، و"الإمام": خبر لمبتدأ محذوف (٢)، وهو وخبره؛ خبر الأول (٣) (٤)، ثم قال: (وقوله: "شام وقالوا" مبتدأٌ وخبرٌ، إلا أن "شام" هو الخبر وهو مقدم على المبتدأ، وهو كقولك: تميمي زيد) (٥)، وأقول: بل التقدير ومرسوم مصحف شام إلى آخره. والمعنى: أنه رسم في مصحف الإمام الذي رآه أبو عبيد، وفي مصحف المدينة والشام أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَوْصَى﴾ [البقرة: ١٣٢]؛ بإثبات همز بين واوين كما قرأه نافع وابن عامر (٦) من باب الإفعال (٧)، وفي بقية المصاحف -وهي المكي والكوفي والبصري- رسمت بواوين بلا همزة من باب التفعيل (٨) كما هو قراءة الباقين من السبعة (٩)، واكتفى في ﴿أَوْصَى﴾ باللفظ عن القيد، ولو قال: أَوْصَى يوصي الإمام الشام والمدني. إلى آخره، لأوفى.

стр. 163

ثم حذفت الواو التي قبل "قَالُوا" في سورة البقرة [آية: ١١٦] في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ في مصحف الشامي كما في قراءة ابن عامر ورسمت في سائر المصاحف كما في قراءة الباقين (١)، (وحَذْفُ هذه الواوِ وإثباتُها ليس من قِبَلِ الكاتب، وإنما إثباتها وحذفها قراءتان مُنزلَتان، ولم يمكن إثباتها وحذفها في مصحف واحد فجعلت في مصحفٍ ثابتةً كما أنزلت، وفي آخرَ محذوفةً كما أنزلت) (٢). ثم اعلم أنه (قال أبو عبيد: في مصاحف المِصْرَيْن؛ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿وَوَصَّى﴾، وفي مصاحف الحجاز والشام بالألف، قال: ورأيتها في الذي يقال له "الإمام"؛ مصحفِ عثمان بن عفان هكذا أيضًا بالألف) (٣)، كذا نقله أبو عمرو (٤) عن أبي عبيد، وذكر بإسناده أيضًا عن أسيد (٥) عن مصحف عثمان ﴿وَوَصَّى﴾ بغير ألف، ولعل وجه الجمع أن أسيدًا رآه بمصحفِ عثمان؛ المصحفِ الذي أمر بكتابته لأهل المدينة، وأبو عبيد أراد ما خصه لنفسه المسمى بالإمام، والله أعلم بحقيقة المرام. هذا، وذكر (٦) بإسناده أيضًا عن (خالد بن إياس بن صخر بن أبي الجهم يذكر أنه قرأ مصحف عثمان بن عفان فوجد فيه مما يخالف مصاحف أهل المدينة اثني عشر حرفًا منها في سورة البقرة [آية: ١٣٢]: ﴿وَوَصَّى﴾؛ بغير ألف، وفي آل عمران [آية: ١٣٣]: ﴿وَسَارِعُوا﴾ بالواو، وفي المائدة [آية: ٥٣]:

стр. 164

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ﴾ بالواو، وفيها [آية: ٥٤] ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ بدال واحدة، وفي براءة [آية: ١٠٧]: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ بواو، وفي الكهف [آية: ٣٦]: ﴿خَيْرًا مِنْهَا﴾ بالإفراد، وفي الشعراء [آية: ٢١٧]: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ بالواو، وفي المؤمن (١) [آية: ٢٦]: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ بالألف، وفي الشورى [آية: ٣٠]: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ﴾ بالفاء، وفي الزخرف [آية: ٧١]: ﴿تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ﴾ بغير هاء، وفي الحديد [آية: ٢٤]: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ بلفظ هُوَ، وفي الشمس [آية: ١٥]: ﴿وَلَا يَخَافُ﴾ بالواو، وكذا ذكره بإسناده عنه وعن غيره أن هذه الحروف مكتوبة في مصحف عثمان وهي تخالف قراءة أهل المدينة ومصاحفهم وهي اثنا عشر حرفًا) (٢). ٥٦ - يُقَاتِلُونَ الَّذِينَ الحذفُ مُخْتَلَفٌ … فيه معًا طَائِرًا عن نافعٍ وَقَرَا بألف الإطلاق؛ أي: ثبت الحذف عن نافع واستقر، وقال السخاوي: (يحتمل الألف في قوله: "وَقَرَا" أن يكون للتثنية لأنهما حرفان في موضعين، وأن يكون للإطلاق لأن لفظ "طَائِرًا" واحد) (٣) انتهى. ولا يخفى أنه إذا كان الضمير راجعًا إلى "طَائِرًا" أو طائرين لا يستفاد الحكم من البيت إلا أن يقدر مُقَدَّر. ثم يُقرأ البيت بإشباع ضمير "فيه"، و"الحذفُ" خبر " يُقَاتِلُونَ " والتقدير حذف ألفه.

стр. 165

والمعنى: اختلف المصاحف في حذفِ ألف " يُقَاتِلُونَ " المصاحب لـ " الَّذِينَ " بعده وإثباتِها، وهو الذي في سورة آل عمران [آية: ٢١]: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾ كما اختلف في تلاوته فإن حمزة يقرأ بإثبات الألف والباقون بالحذف (١) بخلاف: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ٢١] فإن الحذف فيه مجمع عليه كتابةً وقراءةً، ثم روى نافعٌ حذفَ الألف من "طَائِرًا" في موضعين من سورة آل عمران والمائدة وهو قوله: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] (٢) وإن كان قراءة نافع إثباتها (٣)، واحترز بما نطق به من نصب قوله: "طَائِرًا" وتنوينِه مُنَكَّرًا؛ من نحو قولِه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] وقولِه سبحانه: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] كذا ذكره شارح، وفيه أنهما ليسا من الربع الأول مع أنهما محذوفا الألف كما سيأتي في محلهما (٤) فتأمل، وسيأتي قريبًا (٥) ﴿وَلَا طَائِرٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أنه بالحذف أيضًا، فكأن الناظم أراد أن يذكر كلًّا في موضعه على حدة، لا سيما والطائران في الأعراف والإسراء ليسا بمعنى الطير المتعارف (٦).

стр. 166

٥٧ - وَقَاتَلُوا وَثُلَاثَ معْ رُبَاعَ كِتَا … ـبَ اللّاهِ معْهُ ضِعَافًا عَاقَدَتْ حَصَرَا جميع ما في هذا البيت مما رواه قالون عن نافع أيضًا فهو معطوف على ما قبله "معًا طائِرًا عن نافع"، وفي "حَصَرَ" ضميرٌ راجعٌ إلى "نافعٍ" أي: حَصَرَ جميعَ ذلك وأحصاه، وقيل: "حَصَرَا"؛ حال بتقدير قد، أو بدونه؛ أي: حال كونه "حَصَرَ" حذف الألف فيها. والمعنى: روى نافع حذف الألف في قوله تعالى: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا﴾ في آل عمران [آية: ١٩٥]، واختلف في التلاوة فحذفها حمزة والكسائي (١) وأثبتها غيرهما (٢)، وكذا رَوَى حذفَ الألف في "ثُلَاثَ مع رُبَاعَ" في قوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، ولم يقرأ أحد بحذف الألف هنا فحَذْفُه تخفيف مع العلم بموضعه. ثم اعلم أنّا فسرنا كلام الناظم بما في النساء وإن كان ما في سورة فاطر [آية: ١] من قوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أيضًا رسم بالحذف؛ لأن الكلام في هذا الربع، ولأن نافعًا ما روى إلا ما في سورة النساء، وأما ما في سورة فاطر فيشمله قوله: وكل ذي عدد … الخ (٣). نعم لو قال: وَقَاتَلُوا وَثُلَاثَ مع رُبَاعَ معًا … مع الْكِتَابِ ضِعَافًا عَاقَدَتْ حصرا؛ لحصر، لكنه يتوهم أنهما في السورتين مروي عن نافع. والمعنى: أن حذف ألف ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] مروي عن نافع وهو لا ينافي عمومَ حذفِ الألفِ في " الْكِتَابِ "، إلا ما استثني فيما يأتي من الكتاب،

стр. 167

وكذا رسم ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩] بحذف الألف، ولم يقرأ بحذفه أحد (١)، وأما ﴿عَقَدَتْ﴾ في سورة النساء [آية: ٣٣]؛ فرسم بالحذف واختلف في التلاوة؛ فالكوفيون بالقصر، والباقون بالألف (٢). ٥٨ - مُرَاغَمًا قَاتَلُواْ لَامَسْتُمُ بهما … حرْفَا السَّلَامِ رِسَالَاتِهْ معًا أَثَرا بألف الإطلاق؛ أي: روى نافع الحذف في الكلمات المتقدمة وهي قوله تعالى: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٠٠] ولم يقرأ بحذف ألفه أحد، وقوله تعالى: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ في سورة النساء [آية: ٩٠]؛ بحذف الألف كتابةً لا (٣) قراءةً، وإنما قرأ الحسن وجماعة: ﴿فَلَقَتَّلُوكُمْ﴾ بغير ألف شاذة (٤)، وقوله تعالى: ﴿لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ في الموضعين المعروفين من سورة النساء [آية: ٤٣] والمائدة [آية: ٦]، واختلف في التلاوة (٥)، وقوله تعالى: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ في المائدة [آية: ١٦] و ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ في الأنعام [آية: ١٢٧] ولم يقرأ أحد من السبعة (٦) بحذف الألف فيهما، وقوله

стр. 168

تعالى: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ في سورة المائدة [آية: ٦٧]، وكذا في ﴿حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] واختلف في التلاوة (١)، وأما حذف الألف التي قبل اللام فيُعْلَم مما سيأتي (٢) في حكمِ الجمعِ، وإسكانُ هاءِ "رِسَالَاتِهْ" للضرورة. ٥٩ - وَ بَالِغَ الْكَعْبَةِ احْفَظْهُ وقل قِيَمًا … و الْأَوْلَيَانِ و أَكَّالُونَ قد ذَكَرا (٣) بألف الإطلاق مَبْنِيًّا للفاعل وضميره لنافع، ولا يبعد أن يكون مَبْنِيًّا للمفعول وألفه للتثنية، ثم قوله: "وَ بَالِغَ الْكَعْبَةِ " معطوف على ما تقدم لأنه مما رواه نافع أيضًا، وضمير "احْفَظْهُ" بالإشباع. والمعنى: احفظ حذْفَ ألفِ ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] ولم يقرأ أحد بحذفها من السبعة (٤) بخلاف قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٧] فإنه روي عن نافع حذفُ الألف التي بين الياء والميم (٥)، وقرأ ابن عامر بحذفها، والباقون بإثباتها (٦)، وأما ﴿قِيَامًا﴾ في أول سورة النساء [آية: ٥] فرسم بالحذف واختلف في القراءة؛ فقرأ نافع وابن عامر بحذف الألف (٧)

стр. 169

وهذا (١) غير مستفاد من العقيلة (٢) وكذا من أصلها (٣) نبه عليه الحافظ طاهر الأصبهاني (٤)، والرواية في النظم على حرف التثنية في الْأَوْلَيَانِ حيث حذف الألف فيه من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧]، واختلف في التلاوة فقرأ حمزة وأبو بكر (٥) ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ بلفظ الجمع (٦)، ثم قوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]؛ رسم بحذف الألف والقراءة على إثباتها (٧) مع أنه يمكن أن يقرأ بصيغة الجمع لاسم الفاعل على صورة الرسم إلا أن مدار القراءة على صحة الرواية لا على مجرد رسم الكتابة وإن وافق القاعدة العربية مبنًى ومعنًى والله أعلم. ٦٠ - وقل مَسَاكِينَ عن خُلْفٍ وهودُ بها … وذي ويونسُ الُاولى سَاحِرٌ خُبِرَا (٨) بألف الإطلاق مبنيًّا للمفعول، والضمير إلى "خُلْفٍ"، أي: عُلِمَ "الخُلْفُ" في حذف ألف ﴿سَاحِرٌ﴾ في المواضع الثلاثة وهي سورة هود [آية: ٧] وهو قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا

стр. 170

إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١) وفي هذه السورة أي: سورة المائدة [آية: ١١٠] وهو قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٢)، وفي سورة يونس [آية: ٢] وهي الكلمة الأولى منها وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ (٣)، وسيأتي حكم تمام ﴿سَاحِرٌ﴾ آخر يونس [آية: ٧٩] المحترز عنه بالأولى في الأعراف (٤)، واختلف السبعة في تلاوة لفظ ﴿سَاحِرٌ﴾ هذه الثلاثة إثباتًا وحذفًا (٥) ثم "هود"؛ مبتدأ، أي: سورة هود، وجملة "بها ساحر"؛ خبره، والضمير في "بها" راجع إلى سورة هود، والباء بمعنى في، و"ذي" عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجارِّ وهو جائز عند الجمهور (٦)، ويُقْرَأ "الُاولى" بالنقل. وفي شرح السخاوي: (قال نصير: " سَاحِرٌ " في جميع ذلك ثابت الألف في بعض المصاحف دون بعض، ولم يذكر نافع هذه الثلاثة ولم يتعرض لها

стр. 171

بحذف ولا إثبات، وأما ساحر الذي لا يمكن فيه القراءة بوجه آخر كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ (١) فهو محذوف الألف إلا في موضع واحد (٢) وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى (٣) (٤) انتهى. وأما قوله: "وقل مَسَاكِينَ عن خُلْفٍ" من جملة ما رواه نافع؛ فهو عطف على ما قبله. والمعنى: أن رسم مساكين هنا مختلف فيه فرسم في بعض المصاحف بحذف ألفها وفي بعض بإثباتها، وذِكْرُه بعد ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] يفيد محل الخلاف وقيد في الأصل (٥) بـ ﴿طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥] ليخرج عنه ﴿عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ بالمائدة [آية: ٨٩] فإنه حذف بلا خلاف، فلو قال: ثاني مَسَاكِينَ، لكان أظهر. وقد قرأ جماعة منهم أبو المتوكل (٦) وأبو نهيك (٧): مِسْكِينٍ، بالإفراد.

стр. 172

٦١ - وَسَارِعُوا الواوُ مكيٌّ عراقِيَةٌ … وبا وَبِالزُّبُرِ الشاميْ فشا خَبَرا (١) بالنصب على التمييز؛ أي: اشتهر "خبر" رسمه بزيادة باء في أوله، وقصر "با" ضرورة، وكذا تخفيف "الشامي" و"عراقية" وتذكير "مكّي" لأن الحرف يذكر ويؤنث، وهذا يدل على أن المصحف المكي له أصل، و"الواو" مبتدأ ثان مع خبره؛ خبر قوله: " وَسَارِعُوا " أي: واوه، أو (٢) "الواوُ" فيه "مَكِّيٌّ" إلخ، و"با"؛ مبتدأ، "فشا"؛ خبره. والمعنى: أن إثبات الواو الأولى من وَسَارِعُوا منسوب إلى مصحف مكة والبصرة والكوفة، وأما في بقية المصاحف فمحذوفة، واختلفت القراءة في السبعة (٣)، وأما ألف ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣] ثابتة اتفاقًا، وأما إثبات الباء الأولى في ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤] فمنسوب إلى الشامي وقرأ به ابن عامر (٤) بلا خلاف عنه، بخلاف ما سيأتي عنه في قوله: ٦٢ - وَبِالْكِتَابِ وقد جاءَ الخلافُ به … وَرَسْمُ شامٍ قَلِيلًا منهمُ كَثَرَا (٥) بفتح المثلثة أي: غلب غيرَها من المصاحف في إثبات ألفها في قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] كما نطق به على أنه منصوب بالاستثناء، وبه قرأ ابن عامر، والباقون بحذف الألف (٦) على أنه مرفوع بالبدل (٧)، ولو قال:

стр. 173

ونصب شام قليلًا منهم كثرا (١)؛ لظهر أمره بلا مِرا، لاشتماله على كتابة الشامي وقراءته، ثم يجوز ضم المثلثة في "كثرا" أيضًا أي: كثر نقله، لا يقال: "نصب شام" يوهم أنه أراد به القراءة؛ لأنا نقول: هذا الكتاب موضوع لبيان رسم الكتابة، ويتزن البيت بضم ميم الجمع. وأما قوله: " وَبِالْكِتَابِ " فمعطوف على وَبِالزُّبُرِ، والتقدير: " وَبِالْكِتَابِ " "رسم الشامي" والحال أنه قد ثبت الخلاف في إثبات ألفه وحذفه (٢) رسمًا وكتابةً (٣)، وكذا اختلف فيه عن ابن عامر قراءةً فأثبت عنه هشام (٤) روايةً. ثم اعلم أن (٥) (جميع ما في هذا الحديث وما قبله مما ذكره أبو عمرو في المقنع (٦) وقال: إنه سمع من غير واحد من شيوخه أن في مصاحف المدينة والشام - ﴿سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] بغير واو قبل السين، وفي سائر

стр. 174

المصاحف ﴿وَسَارِعُوا﴾ (١)، ثم ذكر (٢) بسنده (٣) عن علي بن حمزة الكسائي قال: اختلف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام؛ فأهل المدينة والشام- (٤) ﴿سَارِعُواْ﴾ بغير واو، وأهل الكوفة والبصرة بالواو) انتهى (٥). ولا يخفى أن في الأصل (٦) ليس في (٧) ذكر مصحف أهل مكة فهو من الزائد والله تعالى أعلم (٨). ثم (٩) (قال أبو عمرو: وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ بزيادة باء في الموضعين في مصحف (١٠) أهل الشام، وأسنده بإسناده المتصل إلى ابن عامر وكذا إلى أبي الدرداء (١١)، وقال أبو عمرو أيضًا: ورأيت هارون بن موسى الأخفش يقول في كتابه: الباء زيدت في الإمام الذي وجه به إلى الشام في قوله ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾

стр. 175

[آل عمران: ١٨٤] وحدها (١)، قال أبو عمرو: والأول عندي أثبت لأنه عن أبي الدرداء (٢)، وفي سائر المصاحف بغير باء في الحرفين، وقال أبو محمد المكي (٣) في كتاب الكشف له: وقرأ هشام: ﴿وَبِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٤] بزيادة باءٍ؛ إعادة للحرف تأكيدًا، قال: وكذلك هي في مصاحف أهل الشام (٤) وقال في الهداية غير هذا (٥). قلت (٦): والذي قاله الأخفش هو الصحيح إن شاء الله تعالى لأني كذلك رأيته في مصحف لأهل الشام عتيق يغلب على الظن أنه مصحف عثمان أو هو منقول عنه وهذا المصحف موجود في مدينة دمشق في مسجد بنواح الموضع المعروف بالكشك، وهم يزعمون أنه مصحف علي كرم الله وجهه وقد كشفته وتتبعت الرسم الذي اختص به مصحف الشام فوجدته كله) (٧). ٦٣ - ورَسْمُ وَالْجَارِ ذَا الْقُرْبَى بطائفةٍ … من العراق عن الفراء قد ندرا (٨) بألف الإطلاق؛ أي: "ندر" هذا النقل عن "الفراء" (٩) أنه رسم "ذا" من قوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] بألف في "طائفة من" مصاحف أهل

стр. 176

"العراق"، قال أبو عمرو: (ولم أجد ذلك في شيء من مصاحفهم ولا أحد منهم قرأ به) (١) انتهى. ولا يخفى أن شارح الخطب الأربعين ذكر أنه قرئ: ﴿وَالْجَارِ ذَا الْقُرْبَى﴾ بالنصب على الاختصاص تعظيمًا وتنبيهًا على عظم حقه، ثم اكتفى الناظم بقوله: " ذَا الْقُرْبَى " عن بيان نصه، فلو قال: وَنَصْبُ وَالْجَارِ ذَا الْقُرْبَى؛ لكان أظهر. وفي شرح السخاوي: (وهذا البيت مما قد رواه أبو عمرو عن شيوخه، قال: وقال الفراء: في بعض مصاحف أهل الكوفة ﴿وَالْجَارِ ذَا الْقُرْبَى﴾ بالألف، قال أبو عمرو: "ولم أجد ذلك في شيء من مصاحفهم ولا قرأ به أحد منهم"، قلت: قرأ بذلك ابن قيس (٢) وابن خثيم (٣) وأبو حصين وابن أبي عبلة (٤) وابن قائد، وذلك مع جر الراء من الجار) (٥) انتهى. وهو لا ينافي ما سبق عن أبي عمرو لأنه أراد نفي القراءة المتواترة، ثم قال أبو عمرو (٦) بسنده (عن خالد بن اسماعيل بن مهاجر الزهري قال: قرأت على حمزة الزيات ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ثم قلت: إن مصاحفنا " ذَا " فما أقرؤها؟

стр. 177

قال: لا تقرأها إلا " ذِي "، وقال (١) بإسناده عن خلاد بن خالد المقرئ عن علي بن حمزة الكسائي، قال: في مصاحف أهل الكوفة: ﴿وَالْجَارِ ذَا الْقُرْبَى﴾ وكان بعضهم يقرؤها كذلك، ولست أعرف أحدًا يقرؤها اليوم إلا ذي) (٢) وقال السخاوي (٣): (وإنما قال الناظم: "عن الفراء"؛ اعتمادًا على قول أبي عمرو: إنه لم يجدها في مصاحفهم ولم يقرأ بها أحد منهم) (٤). قلت: بل الظاهر أنه اعتمد على مجموع ما تقدم (٥) إلا أن تعبير الناظم بـ"العراق" موهم أن يكون الفراء نسب إلى مصحف البصري أيضًا (٦) وليس كذلك، فكان الأولى أن يقول: ونصب وَالْجَارِ ذَا الْقُرْبَى بكوفية ..................................... وليندفع به أيضًا أن الفراء نقل هذا عن طائفة من أهل العراق (٧) فإنه ليس كذلك بالاتفاق. ٦٤ - مع الْإمام وشامٍ يَرْتَدِدْ مدني … وقبله وَيَقُولُ بالعراق يُرى (٨) بصيغة المجهول أي: "يُرى" إثباتُ واوِه قبل يائِه، وقوله: " يَرْتَدِدْ " اكتفاء باللفظ عن القيد فإن الوزن لا يستقيم إلا بالفكِّ الدالِّ على الدالَيْن.

стр. 178

والمعنى: أنه رسم قوله تعالى في سورة المائدة [آية: ٥٤]: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ في "الإمام" وفي مصحف "الشام" وكذا في مصحف مدينة الإسلام (١) بدالَيْن. كما قرأ به نافع وابن عامر، وفي بقية المصاحف رسم بدالٍ واحدة، وهي مشددة مفتوحة، كما قرأ به الباقون (٢)، وفي شرح السخاوي: (قال أبو عمرو فيما رواه عن غير واحد من شيوخه: "وفي مصاحف أهل المدينة والشام ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ بدالين، وهو في سائر المصاحف ﴿يَرْتَدَّ﴾ بدال واحدة، وقال أبو عبيد في كتاب القراءة له: قرأها أهل المدينة -نافع وغيره-: ﴿يَرْتَدِدْ﴾ بدالين، وكذلك هي في مصاحفهم، ووافقهم عليه أهل الشام، ثم قال: ورأيته (٣) في الذي يقال له: الإمام؛ مصحف عثمان كذلك بدالين، فقوله (٤): "مع الإمام" خبر مقدم، و"شام" معطوف على "الإمام"، و"مدني" هو المبتدأ (٥) (٦) انتهى. والأظهر أنّ "يرتدد": مبتدأ، و"مدني": خبره، "مع الإمام": حال، والتقدير: رَسْمُ "يرتدد" بدالين منسوبٌ إلى المصاحف الثلاثة، ثم قال أبو عمرو فيما رواه عن شيوخه: في مصاحف أهل الشام والمدينة: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾ [المائدة: ٥٣] بغير واو قبل ﴿يقولُ﴾، وفي مصاحف أهل الكوفة وسائر العراق: ﴿ويقولُ﴾ بالواو أي: العاطفة واختلف بالتلاوة (٧) والله تعالى أعلم.

стр. 179

٦٥ - وبِالْغَدَاةِ مَعًا بالواوِ كلُّهُمُ … وقلْ معًا فَارَقُواْ بالحذفِ قد عُمِرَا (١) بألف الإطلاق؛ أي: "عُمِرَ" حذفه أو حذفهما في الرسم. والمعنى: رَسَمَ كلُّ الناقلين عن الرسم بالواو في لفظ "الْغَدَاةِ" في سورة الأنعام (٢) والكهف (٣)، ولم يوجد في غيرهما، واختلف في القراءة (٤)، وكذا اجتمعت المصاحف على حذف الألف من "فَارَقُواْ" في موضعين هما سورة الأنعام (٥) والروم (٦) واختلف في القراءة (٧). ٦٦ - وقل وَلَا طَائِرٍ بالحذف نافعُهُمْ … ومَعْ أَكَابِرَ ذُرِّيَّاتِهِم نَشَرا (٨) بصيغة المجهول فألفه للتثنية راجعًا إلى لفظ " أَكَابِرَ " و"ذُرِّيَّاتِهِم"، أو بصيغة الفاعل؛ فألفه للإطلاق، وضميره راجع إلى "نافع"؛ أي: بث ذلك وأذاع وأشاع، لأنه كان مخفيًّا ومطويًّا عن الأسماع، وقوله: "نافعهم" أي: مرسومُهُ، وهو مبتدأ وخبره، أي: مرسومُهُ نقْلُ نافع وفي شرح السخاوي: (ومما رواه قالون عن نافع أنه قال: وفي الأنعام [آية: ٣٨] ﴿وَلَا طَائِرٍ﴾ بغير ألف بعد الطاء وكذا قوله تعالى فيها [آية: ٨٧] ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ و ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣]) (٩) انتهى.

стр. 180

ولا ينافي نقلُ نافعٍ خصوصَ "ذُرِّيَّاتِهِم" في هذه السورةِ إجماعَهم على تعميمِ حذفِ الألفِ من جمعِ المؤنثِ السالمِ جميعِهِ. ٦٧ - و فَالِقُ الْحَبِّ عنْ خُلْفٍ وَجَاعِلُ والـ … ـكوفيُّ أَنْجَيْتَنَا في تائه اختصرَا (١) روى أبوعمرو عن نصير أن قوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾ [الأنعام: ٩٥] وقوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ اللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٩٦] في بعض المصاحف بإثبات ألفهما وفي بعضها بحذفها. وكذا ﴿أَنْجَيْتَنَا﴾ [الأنعام: ٦٣] في بعضها بالياء والتاء على صيغة الخطاب (٢)، وفي بعضها ﴿أَنْجَانَا﴾؛ بالياء المبدلة عن الألف فقط على صيغة الغيبة (٣). ولم يقرأ أحد من السبعة (٤) بحذف ألف ﴿فَالِقُ﴾ وإنما قرأ النخعي وابن خثيم وابن قيس والأعمش: (فَلَقَ)؛ بفتح اللام ونصب (الحبَّ) (٥) بخلاف "جَاعِلُ " فإنه قرأ الكوفيون بحذفها والباقون بإثباتها (٦) وكذا الخلاف في ﴿أَنْجَيْتَنَا﴾ ولا يخفى أن خلاف الرسم في "جَاعِلُ " لا يستفاد من البيت فكان الأولى كـ"جَاعِلُ ".
следующие страницы →