وإضعافٌ لمنزلتها بين الناس، وربما يؤدي ذلك في النهاية إلى خلق جوٍّ علمي ثقافي مضطرب لا هو إلى الأجنبي ينتمي، ولا إلى العروبة ينتسب، وإنما هو جوٌّ فاقد الهوية مشتَّت السمات مشرد القسمات، ليس له حدود ضابطة ولا أصول ثابتة، وهذا هو الضياع القومي والانهيار الفكري الذي ينذر بمحو روح الانتماء التي تُعدُّ اللغة قطبها الذي يتجمع وتتمثل فيه كل القيم والمُثل وأنماط السلوك الفارقة بين قوم وقوم والمميزة لأمة عن أخرى.» (١)
ويقول د. محمود فوزي المناوي: « … وتعليم أجنبي بلغةٍ يزهو بها أصحابها وتزيد من تغريب شبابنا وعدم انتمائه. إن العرب يعيشون الآن مرحلة العولمة وهم يعانون الضعف والوهن الواضح، إننا أمام تحدٍّ خطير، فنحن في الوقت الذي نتطلع فيه إلى المستقبل بأمل المشاركة الفعالة في الحضارة الإنسانية نضع أيدينا على قلوبنا خشية ضياع هويتنا، والخوف كل الخوف من عدم استعمال الأسلوب العلمي في مواجهة العولمة، وأن يكون رد الفعل عندنا يفتقر إلى العقلانية فيتحه إما إلى تطرفٍ يتبنى الثقافة الغربية (التغريب) أو تطرفٍ ينحو نحو الانغلاق ورفض التعامل، وكلاهما كارثتان محققتان.» (٢)
تلك أصداءٌ معاصرة لنذرٍ تاريخيةٍ أقدم: يقول ابن حزم في «الإحكام»: «وأما من تلفتْ دولتهم وغلب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم، فمضمونٌ منهم موت الخواطر، وربما كان ذلك سببًا لذهاب لغتهم.» (٣) وفي «المقدمة» يقول ابن خلدون: « … وربما بقيت اللغة العربية المضرية بمصر والشام والأندلس بالمغرب لبقاء الدين طلبًا لها، فانحفظت بعض الشيء، وأما في ممالك العراق وما وراءه فلم يبق له أثرٌ ولا عين، حتى إن كتب العلوم (٤)
مهدَّدون نحن بالذوبان في عصر العولمة إذا لم نُحكِم قبضتنا على جمرة اللغة.
стр. 177
لم يعُد الاحتلال احتلال أرضٍ أو موارد ماديةٍ، إذن لكان الخلاص منه أيسر بما لا يقاس، الاحتلال اليوم هو احتلال العقل، احتلال الوعي، يتأتى بالمعلومة وبالمخترَع وباللغة، ولا يتم الاحتلال اليوم بالقهر والإرغام، وإنما بالرضا والوفاق وطيب الخاطر، وربما برغبةٍ من المهزوم ولهفةٍ وولوع. لم تعد كلمة «محتل» اسمَ فاعل بل اسم مفعول. يذكرنا هذا الاحتلال الجديد بقصر اللابرنت الذي صنعه ديدالوس لمينوس ملك كريت، ومن خصائصه أن من دخله لا يستطيع أن يجد منه مخرجًا. في رواية «ثيسيوس» لأندريه جيد، يقول ديدالوس مخاطبًا ثيسيوس: «وقد قدَّرتُ أن ليس هناك سجنٌ يستطيع أن يمتنع على رغبة السجين في الفرار، وأن ليس هناك أسوار ولا خنادق تستعصي على الجراءة والعزم، فرأيت أن الخير أن أقيم البناء وأنظمه بحيث لا يكون مُعجِزًا لساكنه عن الهرب بل مانعًا له من التفكير في الهرب، فجمعت في هذا البناء ما يستجيب لشهوات الناس على اختلافها … وكان يجب أيضًا بل قبل كل شيء أن أُضعِف إرادتهم … فاتخذت مواقد لا تخمد نارها في ليل أو في نهار … والأبخرة التي تصاعد منها لا تنيم الإرادة وحدها، ولكنها تشيع سكرًا خلَّابًا، وتدفع إلى فنون من الخطأ المغري، وإلى ضروب من النشاط الفارغ … ولكن أشد من هذا كله غرابةً أن هذه العطور إذا استنشقها الإنسان حينًا لم يستطع أن يستغني عنها؛ لأن الجسم والعقل قد اتخذ منها متاعًا لا قيمة بإزائه للحياة الواقعة ولا رغبة في العودة إليها، وإنما هو البقاء المتصل باللابرنت.» (١) والاستهلاك والتغريب.
كان غاندي يولي أهمية عظمى لقضية اللغة الوطنية، وينظر إليها باعتبارها رمزًا سياسيًّا، «وكان مما أعلنه غاندي عام ١٩٢٠ أن الأمة قد عانت كثيرًا من استخدام اللغة الإنجليزية؛ مما حرم الأجيال من اكتساب الخبرات المتراكمة بلغة وطنية، وضرب غاندي مثلًا باليابان التي لا توجد بها لغة أجنبية تحل محل اللغة الوطنية في البحث والتعليم؛
стр. 178
مما مكنها من تقديم كل شيءٍ منافس للغربيين بلغتهم اليابانية، وقد تطلَّب منهم ذلك ترجمة المفيد إلى اللغة الوطنية فحولوا التراث الغربي بذلك إلى تراث وطني.» (١)
ومن نكد الدنيا على الحر أن يعظه خصمُه، ويهديه عدوُّه سُبلَ الرشاد: فها هي اللغة العبرية تكشف إصداراتها من الكتب عن اعتزاز باللغة الوطنية: فمن بين ١١٤٧ عنوانًا طبعت عام ٨٦ - ٨٧ ظهر ٨٤? منها ابتداءً بالعبرية، و ١٦? ترجمة إلى العبرية، دون إصدار شيء بلغةٍ أخرى. (٢) «لم تحقق اللغة العبرية ما حققته من مكانة عن طريق القسر أو الضغط أو الإكراه من أفراد أو مؤسسات، وإنما قامت من مرقدها، ودبَّت فيها الحياة في الأعوام الأخيرة لتكون اللغة الوطنية لإسرائيل نتيجةً لتنامي الشعور الوطني، والإرادة الجماعية لليهود سواءٌ المتكلمون منهم باللغة العبرية أو المتكلمون بغيرها من المهاجرين الجدد، والاعتزاز بالذات من أفراد المجتمع الذي يستخدمها. وما يلفت النظر في التجربة اليهودية السرعةُ المذهلة في تنفيذها، وفاعليتها وشمولها بدرجة جعلت هذه اللغة شبه الميتة - في وقت قصير لا يزيد على مائة سنة - هي لغة الحياة، ووسيلة الاتصال داخل الدولة الحديثة، ووافية بالمراد لكل الأفراد من كل الجنسيات، ولجميع الأغراض، سواء كانت اجتماعية أو تقنية في مجتمع متقدم. وقد تم إحياء اللغة العبرية من خلال إرادة جماعة المتكلمين بها، وليس من خلال القرارات المجمعية (أنشئت أكاديمية اللغة العبرية في إسرائيل عام ١٩٥٣)، أو المراسيم الحكومية، أو سياسة الأمر الواقع. وحين كانت اللغة العبرية تصادف بعض المقاومة، كان الانتصار لها يأتي من الأفراد، ومن ضغط الرأي العام الذي يتحيز للغة العبرية، ويعتبرها جزءًا أساسيًّا من كيانه ووجوده، وقد حدث هذا عند إنشاء «معهد التكنولوجيا» في حيفا، فقد ثار جدلٌ حول استخدام اللغة الألمانية في البحث والتدريس فيه، ولكن انتصرت اللغة العبرية لا بتشريع، ولا بقوة قانون، ولكن بقوة الضغط الجماهيري، وبخاصة ضغط «اتحاد المعلمين».» (٣)
стр. 179
يخلص د. يحيى الرخاوي في مقاله «اللغة العربية وتشكيل الوعي القومي» إلى أن «لسان كل أمة هو تاريخها الحيوي المتراكم في عمق وجودها الآني، ولغتها بالتالي هي منطلق معارفها في مجال ما هو ظاهرة بشرية معرفية/ وجدانية. إن اللغة الأصل (اللغة العربية هنا) في حركيتها الموحية، لا تميز لساننا فحسب، بل تسهم بفاعلية أولية في تحديد طريقة تواجدنا في الحياة، وطريقة منهجنا للمعرفة، وطريقة تشكيلنا للوعي. إن اللغة الأصل هي المسئولة، من واقع صحتها وحركيتها، عن الإسهام الحقيقي في إبداعٍ متميز لأي مجموعة من البشر. إن اللغة العربية، بإيحاءاتها المنهجية يمكن أن تحتل مركزها المحوري في أي محاولة للتعرف على حركية نمونا وإمكانية بعثنا، وبالتالي تصبح البدايات منها (لا مجرد الترجمة إليها) هي أكبر إلزام مفروض على ضمائرنا ومحرك لفعل معرفتنا، وعلينا أن نتوقع إذا أحسنَّا استلهامها أن تقف في مواجهة اللغات الأخرى والمناهج الأخرى، في حوارٍ حضاري يعود على الجميع بالتكامل المحتمل بل الحتمي.» (١)
في كتابه «الشعرية العربية» يقول أدونيس: «والمشكلة هنا هي أن هذه اللغة التي ينظر إليها بوصفها جوهر الكائن العربي، تبدو في الممارسة العملية ركامًا من الألفاظ: هذا لا يتقنها، وذاك يهجرها إلى لغةٍ أخرى عامية أو أجنبية، وذلك لا يعرف أن يستخدمها إبداعيًّا، فكأنها «مستودعٌ» ضخم، ينفر منه بشكلٍ أو آخر، بحجةٍ أو أخرى، كلُّ من يدخل إليه ويغترف حاجته منه، فهناك مسافةٌ بينها وبين من ينطق بها. وهذا يعني أن ما كان غايةً يبدو الآن مجرد وسيلة، وكيف يمكن التوفيق بين ماضٍ يجعل من اللغة جوهر الإنسان، وحاضرٍ لا يرى فيها إلا أداة، ولا يتردد في الدعوة إلى تغيير بنائها، وإحلال العاميات محلها؟ وإذا تذكرنا صلتها في الوعي العربي الأصلي بالمقدس، وتحديدًا بالقرآن - أفلا نرى أن في جهلها أو الدعوة إلى تغيير بنائها وإحلال العاميات محلها، نوعًا من القول بوعيٍ آخر وهويةٍ مغايرة؟» (٢)
стр. 180
(٢) التعريب ضرورة علمية
كذلك لغة المرء هي الأقرب إليه؛ لأنها الألصق به إذ هي اللغة التي تحضر وحدها، وقبل كل الأخريات، في عقله.
دانتي: المأدبة
إني لأعجب لمن يريد أن يتضلع في الفلسفة والعلم وهو لا يعرف العربية.
روجر بيكون (القرن ١٣)
إن التعليم بلغة أجنبية لا تحصل منه الفائدة المنشودة، ولا ينتج عنه توطين العلم أو تعميم نفعه.
كلوت بك
من الحقائق المقررة في العلم (١) نفسه أن التعليم المثالي ينبغي أن يكون باللغة الأم؛ اللغة التي تشكل بها العقل وصُبَّتْ بها مقولات الفهم؛ وذلك لكي يكتمل الفهم والاستيعاب، والهضم والتمثل، بدقةٍ وسهولة واقتصاد ذهني، وحتى تعمل ملكة التحليل والجدل والنقد والتساؤل في أعلى مستوى لها، وحتى يمكن إحالة المادة المدروسة إلى الكيان العضوي للمرء بما يسمح بالإضافة إليها والإبداع فيها، تقول الأستاذة ليلى الشربيني الباحثة في معهد الإحصاء في اللغويات الكمية، جامعة القاهرة: «اللغة هي نظام الترميز داخل الذاكرة، وهي التي تعطي بنيةً داخل الذهن البشري، والإبداع هو إعادة تنظيم المعلومات داخل الذاكرة. نخلص من ذلك إلى أن من يملك لغته امتلاكًا جيدًا تتاح له فرصة الإبداع حيث هي أول من ولد في ذهنه نظامًا له بنية.» (٢)
وقد قام عددٌ من خبراء منظمة اليونسكو بإعداد تقرير شامل عن قضية استخدام اللغات الوطنية في التعليم، يوصي باستخدام اللغة الأم في التعليم لأعلى مرحلة ممكنة،
стр. 181
وشدد التقرير على ضرورة تعليم التلاميذ في المراحل المدرسية الأولى بلغتهم الوطنية؛ لأنهم يفهمون تلك اللغة ويتقنونها أكثر من غيرها. يقول د. عبد الحافظ حلمي العميد الأسبق لكلية العلوم بجامعة عين شمس ورئيس الجمعية المصرية لتعريب العلوم وعضو مجمع اللغة العربية: «إن تعريب لغة العلوم في بلادنا تعليمًا وتثقيفًا قضيةٌ بالغة الخطر، وتنبع أهميتها من الدور الجوهري الذي يؤديه العلم واللغة في حياة الأفراد والأمم. والدعوة لتعريب العلوم مطلب قومي، والدافع لذلك أمران: «ضروراتٌ ملزمة» و «منافع مؤكدة» ويقف في سبيلهما «اعتراضات مفنَّدة» و «تسويفاتٌ مفتعلة». ويشير د. عبد الحافظ حلمي إلى أن المشكلة في العالم العربي في المعاهد والجامعات التي ما زال العلم يدرس فيها بلغاتٍ أجنبية، وهذا يؤثر سلبيًّا على المستوى العلمي للطلاب فنجدهم في مواقف النقاش العلمي مُلجَمي اللسان ومحجمين عن السؤال والجواب، هذا في الوقت الذي نجد فيه مزايا متعددة حين نعلِّم أبناءنا باللغة العربية، كما تفعل أممٌ أخرى حين تعلِّم أبناءها بلغتها الأصلية، ومن هذه المزايا جعل عملية التعليم عند الطالب أقرب إلى التمثيل البيولوجي الصحيح للغذاء، ويحيل العلم جزءًا من صحيح بنائه الذهني، له آثارٌ أبقى وأقوى وأعمق، فتتجمع عنده أدوات المقدرة على التحليل والمناقشة والنقد والفهم الدقيق، وكذلك يصبح تعلم العلم عنده معرفةً وثقافة، فضلًا عن كونه تخصصًا أو مهنة، ومن تعلم بالعربية سوف يكون قادرًا على أن يعلِّم بالعربية ويمارس عمله ويفكر بها.» (١)
وخير مثال على ما نقول: تجربة اليابان في ترجمة العلوم إلى اليابانية وتعليمها العلم بلغتها الوطنية، لقد بدأت اليابان نهضتها في القرن التاسع عشر، بعدنا بعدة عقود، واستطاعت أن تحدث طفرةً صناعية كبرى خلال نصف قرن، واستطاعت بعد الحرب العالمية الثانية أن تقوم من كبوتها في زمن قياسي، ذلك أن اليابان وضعت بين أيدي عمالها وفنييها أحدث النظريات التطبيقية في الصناعة الأمريكية والأوروبية بلغتهم القومية. جاء في تقرير المجلس القومي للثقافة والفنون والآداب والإعلام ٢٠٠٤: «إن الموازنة بين بداية التعليم العالي والنهضة الحديثة في مصر في عهد محمد علي، وبين المحاولات التي كانت تترسم خطاها في اليابان لهي موازنةٌ ذات مغزًى عميق لمن يتدبرها، ولا شك أن العامل الأساسي الذي ساعد اليابان على أن ترقى بصناعتها في خلال نصف
стр. 182
قرن هو أنها وضعت أحدث النظريات التطبيقية في الصناعة الأمريكية والأوروبية بين أيدي العمال والفنيين في اليابان بلغتهم القومية.» (١)
وللدكتور عبد الملك عبد الرحمن أبو عوف تجربةٌ تستحق التسجيل، فقد اضطر عندما انتدب إلى جامعة دمشق أن يدرس الكيمياء العضوية باللغة العربية، فاستطاع أن يفعل ذلك بعد أسابيع، ثم قارن بين عمله في القاهرة وفي دمشق في قوله: «وما أحب أن أركز عليه … هو حسن النتائج التي أحرزها الطلاب مقارنة بنتائج كلية الصيدلة بالقاهرة، وضخامة التحصيل وحسن الاستيعاب الذي توصلوا إليه؛ لأن الطالب هناك كان يفهم دقائق الموضوع؛ مما كان يتيح له فرصة استيعاب قدرٍ أكبر من معلومات المادة المعطاة، فتفهم الطالب للغة المحاضرة والشرح كان يعفيه من بذل مجهودٍ مضاعف ينصرف نصفه لفهم اللغة والتعرف على المفردات الصعبة في اللغة الجنبية التي يدرس بها، وذلك مهما تحرز المحاضر وتبسط، وينصرف النصف الآخر من الجهد لاستيعاب المادة نفسها، فضلًا عما يعتري ذهن الطالب أحيانًا من غموضٍ في المعنى أو نقصٍ فيه، يختل معه بناء المعلومات أو تنقل إليه بغير الصورة المقصودة من المحاضر والمتفقة مع حقائق العلم الذي يدرسه الطالب. ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يتعداه إلى قطع الصلة بين الأستاذ والطالب، فإن كثيرًا من الطلبة يخشون ألا يستطيعوا التعبير عما يريدون أمام أساتذتهم وزملائهم، فيمتنعون عن السؤال والمناقشة، ولو كانت العربية أداة التعليم ما وقع هذا، ويزيد هذا الأمر سوءًا الأعداد الغفيرة التي تمتلئ بها الجامعات العربية، وتجعل التفاهم بلغةٍ أجنبية قريبًا من المحال.» (٢)
(٢ - ١) اللغة الأجنبية تشجع الحفظ دون الفهم
تتساءل الأستاذة مديحة دوس أستاذة اللغة الفرنسية: «كيف يمكن لطفل في السادسة أو السابعة من عمره أن يحصل على معلومات علمية بلغة أجنبية لم يكن قد اكتسبها بعد؟ هل يمكن أن يصل إلى المعلومات فهمه وإدراكه من خلال لغة لا يملك منها إلا
стр. 183
عناصرها الأولية؟ أظن أن الرد هو بالطبع لا، ونتيجة لذلك فلم يعد أمام التلميذ سوى حلٍّ واحد: هو الحفظ والاعتماد على الذاكرة في تعامله مع المواد العلمية، ومن هنا يلجأ التلميذ إلى وسيلة الحفظ كحلٍّ وحيد. وقد أشار كل من اهتم بأمور التعليم وكل من شارك في محاولات تقييمه إلى التعارض بين تنمية مهارات النقد والتحليل من ناحية وعادة الحفظ أو الاستظهار من جهة أخرى. ثمة خطورة أخرى لعادة الاستظهار، وهي خلق عقلية شفاهية عند التلميذ، وعند المجتمع بدرجةٍ ما.» (١)
وقد جاء في تقرير المجلس القومي للثقافة والفنون والآداب والإعلام ٢٠٠٤ أن «المناداة بأن تكون اللغة العربية لغة تلقي العلوم في المرحلة الجامعية الأولى ليس مبعثُه نعرةً قومية أو اعتزازًا باللغة العربية وغيرة عليها - وهي جديرة بهما ولا ريب - وإنما هو استجابة لضرورات ملزِمة يكابدها المعلمون والمتعلمون، وليست خيارًا يجوز تركه، فالكثرة الغالبة من طلاب الجامعات المصرية قد أصبحت - منذ عقود - بعيدة كل البعد عن التمكن من اللغة الإنجليزية؛ ولذلك يضطر الأستاذ المحاضر إلى صرف جزء كبير من وقت المحاضرة في تفسير ألفاظ وتراكيب إنجليزية عادية، وإلى اللجوء إلى الشرح والتعليق باللغة العربية - أو بالأحرى العامية - مضمنًا كلامه عددًا من الألفاظ المفككة والجمل البتراء باللغة الإنجليزية، ومتجنبًا على قدر الإمكان الألفاظ والعبارات الدقيقة، ويعلم الطالب أن المذكِّرة الرديئة الطباعة والإعداد، أو الكتاب المدرسي المقرَّر - إن وجدا - ستعصيان عليه، فيلهث وراء المحاضر محاولًا تسجيل كل كلمة يتسقَّطها منه، في بنيانٍ غير محكَم، ولأنه يدرك أيضًا عجزه الكامل عن طلاقة التعبير باللغة الإنجليزية، يلجأ إلى استظهار ما دَوَّنه أو قرأه - على علاته - استظهارًا دون فهمٍ حقيقي أو استيعابٍ عميق، وهكذا حين ينبغي للطالب الجامعي أن يحلق ببصره إلى آفاقٍ واسعة، ويتعمق في أغوارٍ بعيدة، نجد اللغة الإنجليزية قيدًا محددًا لأبعاد دراسته كمًّا وكيفًا، ومهددًا التعليم الجامعي بالضحالة وعدم الدقة. هذا عن أثر اللغة الإنجليزية على التحصيل والاستيعاب، أما عن وظيفة اللغة الإنجليزية من حيث اكتساب الطالب مقدرة التعبير البيِّن الصحيح والمحاجة وتقليب الآراء، وإعمال الفكر، فيتجلى كونها قيدًا
стр. 184
على الطالب - في هذا كله - حين نجد الطالب ملجم اللسان يعجز عن النقاش ويحجم عن الاستفسار أو الإجابة.» (١)
«واللغة ليست أمرًا ثانويًّا في حياة الإنسان، أو مجرد أداة تواصل في مجتمعه، بل هي قوام فكره وخياله ووجدانه، وصيغة قيمه وعقائده، ودراسة العلوم بلغةٍ أجنبية تضفي هذا الوصف (الأجنبي) على العلوم نفسها، فما يحس الطالب إحساسًا عميقًا بأنها شيء ينتمي إليه أو إلى بني قومه، بل إنها أقحمت على ذاكرته وفكره إقحامًا، فآثارها سرعان ما تزول، وحتى إذا احتاج الخريج إلى استعمال ما تعلم استعمله فنيًّا ومهنيًّا، ولا يكون العلم والأسلوب العلمي جزءًا عضويًّا من كيانه الفكري والسلوكي.» (٢)
«ومما يساق من الاعتراضات أن الإنجليزية تتخذ لغةً لتدريس العلوم لأنها توفر لقارئها مددًا غنيًّا من المراجع، فضلًا عن مصادر المعلومات الأخرى. ولكننا إذا تأملنا واقع الحال وجدنا أن اللغة الإنجليزية تصبح - لقدرة الطالب المحدودة فيها - أغلالًا يرسف فيها الطالب مقيَّدًا في متنٍ واحدٍ ضيق، حاول أستاذه جاهدًا أن يذلِّله له، ولا تمكنه قدراته اللغوية من ارتياد سواه، وعلى نقيض ذلك تمامًا لن تكون اللغة عائقًا أمامه للاستزادة من مراجع متعددة باللغة العربية لو أنه تعلم بها.» (٣)
(٢ - ٢) شهادة التاريخ للعربية
لقد سجَّل التاريخ للعربية كفاءتها التامة للوفاء بمتطلبات العلم والحضارة، ولدينا شاهدا عدل فوق مظنة التحيز، أولهما الدكتور G.A.Russell (١٩٨١) الأستاذ بمعهد ولكوم لتاريخ الطب في لندن، في معجمٍ حديث لتاريخ العلوم باللغة الإنجليزية. فبعد أن استعرض الأستاذ المعالم الجوهرية للعلم الإسلامي قال ما ترجمته: « … وكانت العربية هي أداة هذا النشاط العلمي كله، فلما كانت اللغة العربية لغة القرآن أصبح لها أهمية خاصة في الإسلام، بيد أن طبيعة اللغة العربية نفسها هي التي قامت بالدور الحاسم،
стр. 185
فمرونتها الرائعة قد مكَّنت المترجمين من دمغ مفرداتٍ محكمةٍ دقيقة للمصطلحات العلمية والتكنولوجية أو ابتكارها، وهكذا اتخذت لغة الشعر اللغة العالمية للعلم والحضارة» (p. ٢١٥) ٢١٥)، وأما الشهادة الثانية فهي شهادة Stephen Gaukroger الأستاذ بكلية الفلسفة بجامعة سيدني في مجلة Metascience إذ يصدِّر عرضه لموسوعة عن العلم العربي صدرت في لندن عام ١٩٩٦ بقوله: «كانت اللغة العربية لغة العلم من القرن التاسع حتى نهاية القرن الحادي عشر، بمعنى أنها كانت اللغة العالمية لعلماء المسلمين من سمرقند إلى غرناطة، أيًّا كانت لغاتهم الأصلية، وبمعنى أن الحضارة العربية كانت مستودع العلم الكلاسيكي والمبتكرات العلمية المعاصرة في ذلك الزمان.» يقول د. عبد الحافظ حلمي: «ولي تحفُّظٌ على مدى الزمن الذي أشار إليه الأستاذ، فكثير من مؤرخي العلم يبدءونه من القرن الثامن ويمدونه حتى نهاية القرن الخامس عشر الذي ظهر فيه ابن خلدون.» (١)
(٢ - ٣) تحفُّظ د. فؤاد زكريا
في كتابه «خطاب إلى العقل العربي» يسجل د. فؤاد زكريا بعض التحفظات الوجيهة تجاه مسألة التعريب، ويكشف عن الصعوبات التي تقف في طريقها، وينوِّه إلى الخطأ الكبير في تشبيه حركة التعريب المعاصر بنظيرتها التي تمت في العصر العباسي، ويحذر من التأثيرات العكسية التي يمكن أن يفضي إليها التعريب في ظروف التراجع والانهزام التي نمر بها في الزمن الراهن. يقول د. فؤاد زكريا: «أول ما تنبغي ملاحظته، في صدر المقارنة بين الحركتين القديمة والحديثة، أن الأولى كانت لنتاجٍ ثقافي ينتمي إلى حضارة كانت قد توقفت عن العطاء في الوقت الذي اهتدت فيه الثقافة العربية إليها … أما اتصالنا المعاصر بالحضارة الغربية وسعينا إلى تعريب نواتجها، فهو اتصال بحضارةٍ دائمة التغير، تتخذ في كل يوم موقعًا جديدًا، وتفاجئنا دائمًا بتحولات وثورات غير متوقَّعة في ميادين العلم والفكر والأدب. وهكذا انقلبت الأدوار اليوم، فأصبحنا نحن أصحاب التراث المحدد الذي توقف منذ وقتٍ طويل عن التجدد والعطاء، وأصبحوا هم
стр. 186
أصحاب الثقافة المتوثِّبة الطموح، التي لا تظل لحظة واحدة في موقعٍ ثابت. ويترتب على هذا اختلافٌ آخر أساسي بين الحالتين: فقد حدثت حركة التعريب القديمة في إطار تفوقٍ عربي شامل، كانت فيه الشعوب التي نقلنا ثقافتها قد تدهورت، ولم يكن واحد منها ندًّا للأمة العربية التي كانت صاحبة الكلمة العليا في تلك المرحلة من تاريخها، ولا جدال في أن حركة التعريب التي تتم في ظل السيادة والتفوق تختلف كل الاختلاف عن تلك التي تتم في ظروف التراجع والانهزام، وهي الظروف التي تميز موقفنا الراهن إزاء الحضارة الغربية. هذه الأوضاع تشكل فوراق هامة ينبغي أن نعمل حسابها قبل أن نتسرع بتشبيه حركة التعريب في أيامنا هذه بنظيرتها في عهد الخليفة المأمون.
ففي عصرنا الراهن يصنع التقدم العلمي والفكري عندهم، لا عندنا، وتظهر الكتابات والأبحاث التي تقف في الصف الأول من إنتاج العقل البشري في بلادهم لا في بلادنا، وتظهر بلُغاتهم لا بلُغتنا، وهذه الحقيقة البسيطة، والأليمة في نفس الوقت تضفي على حركة التعريب في عصرنا الراهن سماتٍ ينبغي أن نواجهها بصراحة وشجاعة؛ ذلك لأنها تفرض على التعريب حدودًا لا يستطيع أن يتعداها، فإذا كان التعريب على مستوى التعليم العام، وربما على مستوى التعليم الجامعي أيضًا، ضرورةً قومية، فإنه لا يستطيع أن يمتد إلى المستويات العليا من البحث العلمي المتخصص؛ وذلك لأنه من المستحيل عمليًّا تعريب ذلك الفيض الهائل من الأبحاث التي تنتجها الدول المتقدمة علميًّا بمعدلٍ متزايد، ومن ثم يتعين على من يريد متابعة أعلى صور التقدم في ميدان تخصصه أن يقرأ ما يكتب بلغة أخرى غير العربية. وفضلًا عن ذلك فإن الفجوة بيننا وبينهم، في ظل أوضاعنا المتردية الراهنة، تزداد اتساعًا على الدوام، وفي كل عام يتدفق كمٌّ هائل من التعبيرات والمصطلحات الجديدة، وتُطرَق ميادين لم تكن معروفة من قبل، وتتراكم خبرات لم نكتسبها وتجارب لم نعشها. كل ذلك يضع أمام حركة التعريب صعوبات عملية ونظرية يكاد يكون من المستحيل التغلب عليها … وهكذا أصبحنا الآن نعيش في ظل أوضاعٍ ثقافية تحتم علينا أن ندقق ونعيد النظر في المفاهيم التي اعتدنا أن نتداولها على ألسنتنا، وأعني بها أن التعريب هو في كل الأحوال طريقنا إلى خلق ثقافةٍ قوميةٍ متميزة؛ ذلك لأن أمورًا كثيرة تتوقف على الجو العقلي والثقافي الذي يتم فيه التعريب، ففي كثير من الأحيان قد يؤدي التعريب، إذا ما حدث في إطار من التدهور الثقافي، إلى مزيدٍ من الاعتماد على الثقافات الأجنبية، وأيًّا كان الأمر، فليس من الحكمة أن نسارع إلى تشبيه حركة التعريب في عصرنا الراهن بما حدث في فترة ازدهار الحضارة العربية، وإنما
стр. 187
ينبغي علينا أن نضع حركة التعريب المعاصرة في إطارها الخاص، ونتنبه إلى الظروف المميزة التي تتسم بها هذه الحركة، والتي تضع عقباتٍ كأْداءَ أمام تحقق الهدف المنشود للتعريب، وأعني به خلق ثقافة قومية أصيلة.» (١)
ليس من الحكمة أن نستهين بهذه المحاذير، ومن الحصافة أن نأخذها بعين الاعتبار وأن نتركها تتفاعل جدليًّا مع دعوى التعريب، فنخلص إلى جماع رأي أقرب إلى الرشد بسطه د. محمود محفوظ حين ألحَّ على ضرورة إتقان اللغة الأجنبية و «التعلم» بها. يقول د. محفوظ: إن العلوم ثابتة الأصل تنتقل بلغة ناقلها ومستخدمها؛ فالطب في الصين باللغة الصينية وفي ألمانيا بالألمانية وفي فرنسا بالفرنسية، وهذا ما يعرف ب «التعليم»، إنما التقدم العلمي هو الذي يتطلب القدرة والتمكن من لغة أجنبية شائعة في ربوع المعرفة العلمية، فكما كانت العربية هي الشائعة في العصر الوسيط، واللاتينية في عصر النهضة، فإن الإنجليزية هي الشائعة في عالمنا المعاصر، وعن طريق التمكن من اللغة الأجنبية تأتي القدرة على استيعاب المعرفة والمعلومات، وسرعة نقلها من اللغة الأجنبية إلى اللغة الوطنية، وهو ما يعرف ب «التعلم». على ذلك يكون «التعليم» باللغة الأم، وأما «التعلم» والتقدم العلمي والتكنولوجي فيكون بالتمكن من اللغة الأجنبية نطقًا وكتابةً؛ لأن الاطلاع على المراجع الأجنبية لا يتحقق بغيرها. (٢)
ومن الحجج الرئيسية التي يستند إليها مناهضو التعريب ضخامة المادة العلمية الوافدة، والانفجار المعرفي، وسرعة تدفق المعلومات العلمية الجديدة وغزارتها، بحيث تجعل من المستحيل ملاحقتها واستيعابها باللغة الأم. والحق أن مقدمة (Premise) هؤلاء، على صدقها، لا تفضي إلى النتيجة Conclusion التي خلصوا إليها، وربما كان العكس أقرب إلى الصواب! يقول د. نبيل علي، خبير المعلوماتية، «تزداد أهمية تعريب العلوم مع تضخم المادة العلمية، حيث تساعد اللغة الأم على زيادة معدل الاستيعاب ورسوخ المفاهيم.» (٣) (بشرط تنشيط الترجمة بجميع مستوياتها وطرائقها).
стр. 188
ومن جانبٍ آخر فإن اكتساب المتخصصين لمعارفهم بلغاتٍ أجنبية دون رابط من اللغة الأم، يجعل من الصعوبة بمكان إقامة حوار بينهم، وهو الوضع الذي يتناقض في جوهره مع تزايد النزعة الاندماجية لفروع العلوم المختلفة وانهيار كثير من الحواجز المنهجية التي تفصل بينها (وميلاد الكثير من الأفرع التكاملية البينية Interdisciplinary وتزايد أهميتها)، وهو ما أدى بدوره إلى الانتقال من تربية قائمة على التخصص الضيق إلى تربية تسعى إلى تنوع المعارف والمهارات. وقد جاء في تقرير التنمية البشرية لعام ٢٠٠٣ أن قضية تعريب التعليم العالي لم تعد قضية قومية فقط، وإنما باتت شرطًا أساسيًّا لتنمية أدوات التفكير وتنمية القدرات الذهنية والملكات الإبداعية، فضلًا عن استيعاب المعرفة المتسارعة المتجددة؛ لذا فإن عدم التسارع في تعريب العلوم يمثل عقبة أساسية في طريق إقامة جسور التواصل بين التخصصات العلمية المختلفة، ذلك أن اللغة هي «رابطة العقد» في منظومة المعرفة الإنسانية.
وكما تكون اللغة واسطة العقد أفقيًّا بين التخصصات المختلفة، فإنها واسطة العقد بين مختلف المستويات العاملة في التخصص الواحد: بين العامل والفني والتكنولوجي والمهندس، أو بين الفنيين الصحيين والممرضين والأطباء … إلخ.
(٢ - ٤) المصطلحات ليست مشكلة
«ينغلق المصطلح على حاله ويتدرَّع بأقواسه؛ لكي يضمن ثباته في كل سياق، ويتفادى ما في اللغة الطبيعية من غموضٍ وتلونٍ وتحولٍ وسيولة.»
الانفجار المعرفي إذن هو شيءٌ أدعى إلى التعريب، يعزز من ذلك أن المصطلحات العلمية ليست هي المشكلة، فالمصطلحات هي:
قوالب لفظية متواضَع عليها لكي تستوعب معاني محددة.
تنحو إلى التركيز والترميز لا إلى الحشو والإطناب المضادين للغة العلوم.
نوعية في دقتها وترميزها، أي من طراز رياضي.
تواضعية صرف، للعلماء كامل الحرية في وضعها.
لا يعدو المصطلح أن يكون عنوانًا أو رمزًا لفكرةٍ شاملة أو صورةٍ مملوءة بالتفاصيل التي لا يعبر عنها المعنى الحرفي إلا لمامًا، وقد يتجاوز المصطلح
стр. 189
معناه الحرفي تمامًا، على أن خاصة التواضع فيه تحول دون الخلاف حوله ومن هنا قال القدماء: «لا مشاحة (١) في المصطلح.»
تحتاج إلى الشرح ولو كانت عربية.
عالمية مشاع بين الأمم على اختلاف لغاتها.
اصطناعية بالأساس، ولا شأن لها بالوساد اللغوي الطبيعي الذي يحتويها.
من الممكن إذن، إذا فشلت الترجمة والتوليد والنحت، أن نعرِّب المصطلح، أي نجعله عربيًّا بإخضاعه لمقتضيات العربية الصوتية والصرفية، ومن الممكن حتى إبقاؤه باللغة التي وضع بها حتى يتم (أو لا يتم) الاتفاق على مقابل له بالعربية، فلا حياة للمصطلح بدون استعماله، والمصطلح أيًّا كانت لغته ليس هو جوهر المشكلة وإنما المشكلة هي اللغة من حيث هي وسيلة الطالب في التلقِّي والاستيعاب والتعبير، بل وفي التفكير والتصور، والنص العلمي ليس مجموعة من المصطلحات بل هو وصف وشرح وعرض وتحليل تتخللها المصطلحات، ولسنا في هذا الأمر بدعًا بين الأمم؛ فإن روسيا تأخذ المصطلحات الغربية وتكتبها بحروف سلافية، والصين تأخذ مصطلحات الفريقين وتكتبها بحروف صينية، ولا ننس أن أسلافنا العرب في العصر العباسي عند بدء تعريبهم العلوم اليونانية القديمة استعلموا الكثير من المصطلحات اليونانية كما هي فقالوا: قاطيغورياس، إيساغوجي، طوبيقا، أنالوطيقا، أريتيميتي، الدوسانتر، المالينخوليا، الديابيطس … إلخ. لم يكن السلف في صعودهم يعانون عقدة النقاوة اللغوية؛ فأقبلوا بثقة على تعريب المصطلحات التي تعذرت ترجمتها بمقابلٍ عربي دقيق من السريانية والإغريقية والفارسية. ومن المعلوم أن ابن سينا قد عرَّب ثلث المصطلحات التي استخدمها في الفلسفة والطب.
للأستاذ محمد علي زيد، الرئيس السابق لشعبة الترجمة العربية باليونسكو، خبرة خاصة بهذه المسألة يليق بنا أن نفيد منها. يقول سيادته: «ومن تجربتي في الترجمة على مدى أكثر من أربعين عامًا، أسجل هنا أن الترجمة الدقيقة تقتضي من المترجم في أحوالٍ كثرة أن يتبنى اللفظ الأجنبي بحروف عربية، وإلا اضطر إلى مقابلة اللفظ الواحد
стр. 190
بعبارة طويلة عديدة الكلمات فيما يمكن تسميته ب «الترجمة التفسيرية» التي يندر أن يسمح بها السياق، في حين أن تبني اللفظ نفسه - مع شرح مدلوله في هامش مرة أو مرتين - يحل المشكلة ويثري اللغة.» (١)
ومنذ زمنٍ مبكر (١٩٤٥) عرض الأستاذ سلامة موسى لمشكلة المصطلح العلمي ورأى فيها رأيًا يجمع بين البساطة والعمق: «فالعلم تفكير جديد يحتاج إلى لغةٍ جديدة، وهذا ما حدث في أوروبا، فإن الأوروبيين حين شرعوا يفكرون تفكير المنطق والتجربة، تفكير الذهن واليد، أي التفكير العلمي، وجدوا أن دقة التعبير تحتاج إلى كلمات جديدة ليست لها أية ملابسات قديمة؛ فاخترعوا هذه الكلمات ليس من لغاتهم بل من لغاتٍ قديمة لا يعرفها الجمهور، وبذلك أصبح لكل علم لغته الخاصة التي لا يمكن أن يُقال: إنها إنجليزية أو فرنسية أو روسية، بل هي لغة العلم، فكلمة «بيولوجية» لا يعرفها رجل الشارع في لندن أو باريس أو نيويورك؛ لأنها كلمة مشتقة من اللاتينية، كي تعبر عن معنًى لم يكن الجمهور في حاجة إليه قبل مئتي سنة مثلًا. وقس على هذا كلمات كثيرة مثل: المندلية في الوراثة، اليوجينية في إصلاح النسل، السيميائية في المنطق اللغوي، والإسبكتروسكوب، والتلسكوب، والميكروسكوب … والتلغراف، والهرمونات من الغدد والفيتامينات … إلخ.» (٢)
كتب الأستاذ سلامة موسى هذا الكلام منذ ثلثي قرن، فلمس لب المشكلة وقدَّم حلًّا لو انتبه إليه الأكاديميون في ذلك الوقت، وقدروه حق قدره، لعربوا العلم دون تردد ووفروا على الجميع سنواتٍ طوالًا من التهيُّب والتوجس والمماحكة، فجميع هذه الكلمات العلمية، وآلاف غيرها «يعرفها الياباني والإنجليزي والهندوكي والأرجنتيني، ولا يحاول واحدٌ منهم أن يترجمها إلى لغته؛ أولًا: لأنه يحس أنه إذا اختار كلمة من لغته فإنها تحمل معها ملابسات (٣) لا يعرف كيف يتخلص منها، وثانيًا: لأنه عندئذٍ ينعزل بكلمة
стр. 191
خاصة ليست في لغة هذا العلم التي يعرفها العلميون في الأقطار الأخرى … وكلمات العلم أجنبية في جميع اللغات، وليس علينا حرج أن تكون كذلك أجنبية في لغتنا، بل إن رجال العلم الأوروبيين يأخذون كلمات المتوحشين حين تكون لها دلالة في الأنثروبولوجيا مثلًا، كما نرى في كلمتي «طبو» و «طوطم».» (١)
«والمصري الذي يتخصص في علمٍ ما، يحتاج إلى متابعة الدراسة مدى حياته لهذا العلم، ولا غنًى له عن كلمات هذا العلم التي يستعملها جميع المتخصصين فيه في القارات الخمس، وهو يفكر بهذه الكلمات، ومن التكليف المرهق أن نطالبه بترجمة هذه الكلمات إلى لغتنا؛ لأن كل ما نحتاج إليه أن نعرف هذه الكلمات وأن نصوغها في صيغةٍ عربية إذا كنا سنؤلف بها في لغتنا الدارجة، أو لا نصوغها إذا كانت ستبقى مقصورة على المتخصصين.» (٢)
نستثني من ذلك بالطبع كل ما له في العربية أصلٌ رائجٌ راسخٌ غير ملتبس، ومن مناقب هذه النظرة إلى المصطلح أنها تعجل بالتعريب وتسد الطريق على الذين يشترطون توافر المصطلحات والكتب العربية قبل بدء التعريب، واضعين العربة أمام الحصان، بل مغلقين حلقةً موبقة وفاتحين مجال التسويف إلى غير حد. يقول د. عبد الحافظ حلمي محمد، عضو المجمع اللغوي: «إن تعويق مسيرة التعريب تحت دعاوى استكمال المصطلحات، والتي تزيد يومًا بعد يوم، لفريةٌ سخيفة يراد لنا بها أن نوقف مسيرة التعريب، خاصة إذا علمنا أن نسبة الكلمات العلمية في المراجع العلمية محدودة؛ فهي في مراجع الطب على سبيل المثال لا تزيد عن ٣.٣%، إن خير وسيلة لاستكمال مقومات تعريب التعليم هي الشروع فيه، دون تسويف أو تَوانٍ.» (٣)
والدكتور خليل النعيمي خير من يؤخذ رأيه في قضية كهذه، والدكتور النعيمي طبيب وجراح سوري درس الطب في دمشق بالعربية ويعمل في فرنسا. يقول النعيمي: «عندما كنا نتعلم الطب في جامعة دمشق باللغة العربية لم يكن يخطر لنا أن اللغة التي
стр. 192
تتفتح عليها مداركنا، والتي تملأ أرواحنا باشتقاقاتها البديعة يمكن أن تكون عائقًا (كما يزعم بعضهم) أمام تطورنا العقلي والمهني فيما بعد (وهي لم تكن كذلك أبدًا). وللحقيقة أؤكد، بعد هذه السنين من تخرجي، أن الفضل الأساسي الذي أحسبني مدينًا به لأساتذتي الكرام، هو «فضل اللغة»: «لغة علمتني، وسمحت لي أن أعبر عما يدور في رأسي بلا تلعثم، لغة علمتني أن «القرحة» أسهل بالنسبة للعربي (طبيبًا ومريضًا) من (الألسر) Ulcer، وأن الشاعر العربي قال قديمًا:
ولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعُني … بها كبدًا ليستْ بذاتِ قُروح
وأن «العصب المبهم» أقرب إلينا من «لونير فاغ» Vagus Nerve، وأن «الخثرة» كذلك أقرب إلينا وأسهل استيعابًا من «الترمبوز» Thrombus، وأن «الأبهر» أقرب إلى فهمنا من «الأورطة» Aorta، فهو أبهر لأنه الشريان الأساسي في الجسد، ولأن نزفه باهر ومخيف (الأبهر ألا يعبر الاسم نفسه، عن قوة العضو وطاقته؟!) وأن الوريد «الأجوف» أسهل على الفهم أيضًا من «لا فين كاف» Vena Cava، إنه أجوف لأنه يستقبل كامل الدم تقريبًا، ليوصله إلى القلب، إنه نوع من الجوف الوعائي الهائل، وهو أيضًا غامض ومخيف لأنه «أجوف»، ومعروف أن إصابته من أخطر الإصابات الوعائية على الحياة وأصعبها إصلاحًا. التعريب ليس دائمًا تخريبًا، كما ترون، إنه على العكس سلاح إضافي بالنسبة للطبيب العربي (مثلًا) لأن لغة الدراسة ولغة الممارسة هي نفسها، وإذا ما قرر أن يتخصص فإنه بالتأكيد سيكون قادرًا على تخطي عوائق تعلم لغة جديدة (وبخاصة عندما يكون قد تعلم أثناء دراسته الجامعية المصطلحات الأساسية باللغة الأجنبية كما هي الحال في دمشق).» (١)
يقول د. يحيى الرخاوي: «المسألة هي أن اللغة العربية تعلن عن، وتمثل، حضارة راسخة سُجِّلت بلسانٍ عربي، وظلت نفس اللغة قائمةً كما هي بأقل قدر من التشويه، أرسخ من كل لغات العالم الحالية … فهي تاريخ بشري قائم بيننا/ فينا، وربما هو
стр. 193
قادر على أن يلحق بنا ينبهنا ولعله يسعفنا ونحن نتشوه بلغات جزئية نشأت في ظروف حضارية مشكوك في بعض أوجه عطائها. ومسألة دراسة الطب بالعربية إن كانت مجرد ترجمة من لسانٍ إلى لسان فلا فرق ولا مبرر ولا تغيير، أما إذا كانت الدعوة هي انطلاقًا من اللغة العربية بما تعنيه من «كلية الحضور»، وفنية الترابط، ودفء العلاقات، والتناغم مع الطبيعة، فلا بد أن تختلف ممارسة الطب، عامة، من واقع العربية ليصبح أقرب إلى العلوم الإنسانية التي تستعمل مفردات العلم، وليس مجرد صيانة أجزاء إنسان لها عمرها الافتراضي لا أكثر … وأهمية الطب بوجه خاص ليكون بلغة من يمارسه هو أن تاريخ هذا الفن يقول إنه كان دائمًا من علامات حضارة أي أمة، فتَقَدُّم الطب هو من أول النشاطات الدالة على نهضة أمة من الأمم، وهو يأتي في ذيل قائمة التدهور عند انحلال الأمم، أي أنه أول من ينشط تقدمًا وآخر ما يضمحل تدهورًا، أفلا ينبهنا هذا إلى أهمية أن يكون بلغة قومه بأي ثمن؟» (١)(٣) التعريب ضرورة لغوية
إن لغةً لا تسقى بماء العلوم هي لغةٌ في طريقها إلى الموت.
د. خليل النعيمي
أن نعرِّب العلم يعني أن نُعلْمِن (٢) العربية، أي نعلمن عقولنا وأطرنا الذهنية ومورفولوجيتنا الدماغية، أما أن نتحدث العلم بالإنجليزية وعقولنا مصبوبةٌ بلغةٍ كهفيةٍ حُرِمَت قرونًا من النور فتعاطت الوهم وتقولبت بالخرافة، فذاك انفصامٌ معوق يجعلنا غرباء عن العلم مهما حفظناه وتقوَّلناه، ويجعلنا عاجزين عن الإضافة الحقيقية إليه والإبداع الأصيل فيه، وهو واقعٌ صلبٌ لا محل فيه لجدل ولا نملك وجهًا لنقاشه.
стр. 194
إن جميع الألسن قد لحقت بركب العلم وامتزجت بنوره، «إلا لساننا الذي فاته قطار التحديث فبقي يجتر ذاكرته التراثية كبديلٍ عن الالتحاق بقافلة المعارف والعلوم التي أقلعت في القرن السابع عشر بدونه.» (١)
يقول شبلي شميل: «تحيا اللغة بحياة الأمم، وحياة الأمم إنما تكون بعلومها وصناعاتها، وحياة العلوم والصناعات بالعلماء والصناع منها؛ فإذا خلت أمة منهم ذهب استقلالها وكان القضاء عليها أمرًا محتومًا. ومن يوم تحول علم الطب في مدارس مصر وسورية إلى الإنجليزية والفرنسية فقدت اللغة أقوى أركانها العلمية حتى صار من الصعب عليها جدًّا اللحاق بالعلوم الطبيعية في سيرها السريع.» (٢)
وما لنا لا نقتدي بأسلافنا في العصر العباسي، الذين سادوا زمانهم، وملكوا لغتهم فتصرفوا تصرف السادة الأحرار، لم تملكهم اللغة التي عشقوها وأجَّلوها، ولو أن ذلك حدث لجمدوا وجمدوها، ولكنهم أحسنوا توظيفها في الحضارة الجديدة المتفتحة أمامهم، فطوعوها وأغنوها، وجعلوها - كما رأينا - عنصرًا أساسيًّا في قيام هذه الحضارة، بل في صياغة علم عالمي ما زالت الإنسانية تجني ثماره المتجددة. (٣)
لقد أدى هذا السلف العظيم مهمته على خير وجه، وها نحن نقف على محك مماثل، وقد عرضت علينا أمانةٌ تاريخية فهل نحن حاملوها؟ أمانة خدمة اللغة وإثرائها وتجديد دمائها، وعصرنتها بحيث يمكنها أن تكون لغةً بحق: تعبر عن قضايا العصر وعلومه، وتسهم في بناء الحضارة بسهم.
(٣ - ١) تعريب العلم أفتك سلاح ضد الإرهاب
لا تعشش الخرافة وتفرخ إلا في خرابٍ لغوي.
حين تجري الحداثة والمفاهيم العلمية والفلسفية الجديدة في عروق اللغة، فإنها بالفعل ذاته تجري في العقول التي تشكلها اللغة. العلم حق، ويوم يتحدث العلم بالعربية ستتبدد من عقولنا، تلقائيًّا، قطع الظلام وتفر الخرافة التي لا تعشش ولا تفرخ إلا في
стр. 195
العقول المظلمة الكسولة. تعريب العلم خروجٌ بنا من كهفنا التاريخي، وحلٌّ لكل ما نعانيه من مواتٍ واستنامة وانكفاء، العلم حق، وتعريب العلوم بمثابة جيشٍ من جند الله الحقيقيين كفيل مع الزمن بدحر قوى الظلام في عقولنا دون إراقة نقطة دم واحدة، لماذا لا نجرب هذا الحل؟
يسيء الظن بالعربية من يخشى على العربية من لغة العلوم، العربية لغة شديدة المرونة هائلة الجرم تتطور «من داخلها»، تهضم العلم ولا يهضمها العلم، وكل ما يتم في العربية من ترجمة أو تعريب هو رصيد يضاف إلى العربية ويثريها، ويفتق فيها عوالم جديدة، وينقل إليها أجواءً ومناخاتٍ مغايرة، ولا ضير البتة من أخذ اللفظ الأجنبي كما هو وتعليمه العربية! أعني «تعريبه»: أي تطويعه للمقتضيات الصوتية والصرفية للغة العربية، بحيث «يستعرب» ويصبح عربيًّا ونكاد ننسى أصله الأجنبي: فنقول: «أكسجين»، «أكسيد»، «هدرجة»، «بلمرة»، «بروتون»، «بروتين»، «هرمون»، «إنزيم»، «برلمان»، «فلسفة»، «جيولوجيا»، «جغرافيا»، «بيولوجيا» … من شأن ذلك أن يحيي العربية ويضيف إليها البعد العلمي، ويبعثها من رقادها لتكون لغة حياة ولا تعود لغة موت، هنالك يتعذر على الكهفيين اختطافها واختطاف «تراثها» المجيد وإخراسه وتسخيره لخدمة الظلام والتخلف.
(٣ - ٢) النبوءة المحققة لذاتها
لا يزال الناعي الكاذب ينعب حتى يَصْدُق نعيه!
ثمة صنفٌ من النبوءات يتصف بصفةٍ عجيبة: أنه يصْدق إذا صدقناه!
«العربية عاجزةٌ عن نقل العلوم» - تنتمي إلى هذا الصنف، فكيف كان ذلك:
النبوءة المحققة لذاتها هي تنبؤٌ يؤدي بنفسه، على نحو مباشر أو غير مباشر، إلى أن يصبح حقًّا، فرغم أنه في البداية تحديدٌ زائف للموقف، إلا أنه يحفز سلوكًا جديدًا من شأنه أن يجعل التصور الزائف الأصلي يتحقق ويصير واقعًا، يعمل هذا الصواب الخادع للنبوءة على استتباب الخطأ ودوامه؛ لأن المتنبئ سوف يستشهد بالمجرى الفعلي للأحداث كبرهانٍ على أنه كان صادقًا منذ البداية، وبعبارة أخرى: فإن تنبؤًا معلنًا على أنه صادق (بينما هو في الحقيقة كاذب) قد يؤثر في الناس (من خلال الخوف، أو الخلط المنطقي، أو الإحجام، أو الإقدام، أو الحماس، أو الفتور، أو التشجيع، أو
стр. 196
التثبيط … ) بحيث تفضي استجاباتهم في النهاية إلى تحقيق التنبؤ الذي كان كاذبًا من قبل. (١)
стр. 197
ونحن حين نتنبأ بأن العربية عاجزة عن نقل العلوم فإننا نتردد ونتلكأ في التعريب، ويطول هجرنا وإهمالنا للعربية؛ فتجف وتضمر، وتهزل وتذبل، وتعجز عن العطاء لأنها حرمت من الأخذ! ومن ثم يرفع نُذُر الشؤم عقيرتهم ويعلنون عجزها وقد جعله تنبؤنا حقًّا!
يقول الأستاذ ساطع الحصري (رائد القومية العربية): «لا شك أنها إن أمست اليوم عاجزة وفقيرة، بعد أن كانت بالأمس غنية وقديرة، فما ذلك إلا لأن المتكلمين بها قد انقطعوا عن مزاولة العلوم منذ قرون، ولأنهم حبسوا أذهانهم في دائرة ضيقة من الأدبيات والشرعيات، منصرفين إليها عن كل ما سواها، وكأني باللغة العربية قد ظلت داخل هذه الشرنقة المعنوية جامدة خامدة، لا تتحول ولا تتكيف، ولا تنمو ولا تتطور.» (١) ويقول أ. حسام الخطيب: «إن اللغة العربية غير مخدومة لغويًّا وعلميًّا وتربويًّا وإعلاميًّا، وإنها تحتاج إلى جهودٍ علمية - عملية حتى تنتقل من عبءٍ نفسي عند مستخدميها إلى بهجة ويسر ودافع إيجابي.» (٢)
ويقول الأستاذ إبراهيم اليازجي: «اللغة بأهلها، تشبُّ بشبابهم وتهرم بهرمهم، وإنما هي عبارة عما يتداولونه بينهم، لا تعدو ألسنتهم ما في خواطرهم، ولا تمثل ألسنتهم إلا صور ما في أذهانهم؛ ولذلك فإن كان ثمة هرمٌ فإنما
стр. 198
هو في الأمة لا في اللغة، لأن ما عرض لها من الهجر والإهمال غير لاحقٍ بها ولا ملحِقٍ بها وهنًا وعجزًا، وإنما هو عجزٌ في ألسنة الأمة ومداركها وتأخرٌ في أحوالها واستعدادها.» (١)(٤) التعريب ضرورة نفسية/ اجتماعية
ولخزيهم الأبدي وبؤسهم أولئك الأوغاد من الإيطاليين الذين يمدحون لغة الأغيار ويحتقرون لغتهم، أود أن أقول إن لديهم في ذلك خمسة بواعث مقيتة هي: عمًى فكريٌّ، وأعذارٌ خبيثة، وتوقٌ إلى الاختيار، وحجةٌ قائمة على الحسد، وأخيرًا وهن الروح أي الجبن. ولكل من هذه الشرور أتباعٌ كثر، وقلَّما يبرأ منها أحد.
دانتي: المأدبة
بدايات القرن الرابع عشر
يتنفَّج بلغة الغير
أصبح مستهلكًا حتى للغة - بيت الوجود؛ مطبخ الخبرة
ومستعيرًا حتى لدرجات صوته، وزفرات صدره، وخلجات ضميره
أصبح ذيلًا بامتياز.
(٤ - ١) التبعية اللغوية مظهرٌ جديد للاستعمار العقلي
الإنسان الذي يتحدث لغة غيره دون ضرورة هو إنسانٌ مستعمَر، إنسانٌ محتل، وليته محتلٌّ في أرضه أو داره، إنه محتل في عمق أعماق وعيه، وقدس أقداس روحه، وإذا وجدتَ أمةً تتباهى بالحديث بلغة غيرها فاعلم أنها شاخت، وهانت على نفسها، وصارت على غيرها أهون.
стр. 199
من السواء النفسي والاجتماعي أن يتحدث كل قومٍ بلغتهم، وأن يتحدث كل فرد بلغته، مثلما يزفر بصدره ويصرخ بفمه ويمشي بقدميه، وإن قومًا يجتمعون لكي يتحدثوا بلغةٍ غريبة لا يجيدونها هم قومٌ بلغ بهم الشذوذ والضعة والهوان مبلغًا عظيمًا. ليست لهم هذه اللغة التي يرتضخونها (١) وإنما لآخرين هم الذين يبدعونها ويطوِّرونها ويعدِّلونها ويغيِّرونها، وهي تتفتق من شئونهم وشجونهم، وتتخلق من أغوار تاريخهم وتضاريس إقليمهم ونزوات طقسهم، وتتحلب من ميازيب أزقتهم ومسام جلودهم وأطراف أناملهم، التنفج بلغة الغير إثم جماعيٌّ لا يمر بغير عقاب، وعقابه مزيدٌ من التبعية والدونية والنقص، وشلل الإرادة وعقم الخواطر.
للتعريب فوائد ليس أقلها استرداد الهوية واستعادة الثقة وانطلاق الإبداع، «خذ أطفالنا في المدارس الأجنبية مثلًا، خذ ما يدرسون ثم ما يصلهم من خلال المتاح في وسائل الإعلام، تجدهم يبرمجون بأبجديةٍ بعيدة عن خبراتهم الذاتية، فيضطرون إلى أن يتشكلوا تبعًا لها، وليس تبعًا لما يعيشونه من واقع تركيبهم اللغوي المتجذر، فيترتب على ذلك نوعٌ مقابل من الاختزال والتشويه، إذ يتشكل الوعي مائعًا مهتزًّا ومغتربًا عن أصله بما لا يسمح بإضافة أو إبداع.» (٢)
(٤ - ٢) جذور عقدة النقص
«بدأت محنة هذه اللغة العظيمة مع العصر العباسي الثاني حين كُتب النصرُ للمعسكر الداعي إلى التشبث بالقديم وعدم الحيدة عنه، على المعسكر الداعي إلى التجديد والتطوير والمرونة، بفضل قوة اتصال الأول بالخلفاء وكثرة الأتباع والأشياع ولجوئه إلى المكر؛ إذ صبغ دعوته صبغةً دينية. وقد أثرت هذه الدعوة تأثيرًا ضارًّا لا في اللغة العربية فحسب، بل وفي الأدب العربي كله، وفي تكييف العقلية العربية. والغريب الشائق أن الغالبية العظمى من أصحاب الاتجاه المحافظ الرافض للتطوير والمرونة كانت من الأعاجم المستعربين، فالأعجمي إذا استعرب كان قصارى همه وغايته أن يصل فنه إلى
стр. 200
العربي الأصيل، ولا تحدثه نفسه أن يبتكر في القديم، أو يجدد في الشيء الأصلي، (١) فكان أن قُضي على المرونة باعتبارها مستنكرة، وأغلق باب الاجتهاد في اللغة باعتباره بدعة.» (٢)
يشير ابن منظور في مقدمة معجمه «لسان العرب» إلى شيوع الخطأ على الألسنة في عصره (القرن السابع الهجري)، وتراجع مكانة العربية، واتجاه الناس إلى النطق باللغات الأجنبية، وما أشبه الليلة بالبارحة! فيقول: «فإنني لم أقصد بتأليفه سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط فضلها؛ وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحنًا مردودًا، وصار النطق بالعربية من المعايب معدودًا، وتنافس الناس في تصانيف الترجمات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير العربية. فجمعتُ هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعتُه كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون.»
في مؤتمر المجمع اللغوي المنعقد في أبريل ١٩٩٤ يستعرض الدكتور أحمد شفيق الخطيب، عضو المجمع المراسل من فلسطين، جذور عقدة النقص، ويؤكد أن اللغة العربية لا تفتقر إلى خصائص اللغة العلمية ولا مقوماتها، وأن الذين يتهمون العربية بالعجز عن مجاراة التطورات الحضارية العلمية إنما يعترفون بعجزهم هم، وبعجزنا نحن أو غالبيتنا في دنيا العرب. «أيام صدقت النية وشمخت المعنويات، عامرة بالثقة والإيمان، لم يجبن السلف أمام تيارات الحضارة اليونانية والفارسية والهندية، فأخذوا وأعطوا وعربوا وترجموا وألَّفوا وأبدعوا، وانطاعت لهم العربية فكان لهم جامعاتهم في بغداد وفاس وقرطبة والقاهرة ودمشق وتونس. ثم دارت على العرب والعربية الدوائر؛ فركد العلم وخمد البحث العلمي في دنيانا طوال عصر الانحطاط المديد فركدت اللغة العربية وخمدت. العجز الذي يعزونه إلى اللغة العربية إذن ليس في العربية بل في أهلها اليوم، في بيئة الجمود الاتكالية الغيبية والكسل العقلي والانهزامية والقصور؛ التي سادت نتيجة لسياسات القهر والتجهيل طوال عهود الظلمة والانحطاط، قبيل السيطرة العثمانية وخلالها، ثم استمرت بعدها، بدرجات وأشكال متباينة متفاوتة في مختلف أرجاء الوطن العربي، بفضل المخططات الغربية الخبيثة السلسة الاندساس حينًا
стр. 201
والشرسة أحيانًا، ولم تنج حركة تعريب العلوم وتعريب التعليم إجمالًا، منذ فواتحها، من بعض هذه المخططات.» (١)
ويمضي د. الخطيب في تتبع المسار التاريخي للنهضة العربية الحديثة وموقفها من التعريب، فيقول: «مع بدايات عصر النهضة العربية الحديثة أوائل القرن الماضي انطلقت العربية تأخذ طريقها مجددًا إلى دنيا العلوم والحضارة الحديثة، وكان طبيعيًّا أن تتخذ مدارس محمد علي القاهرية منذ تأسيسها عام ١٨٢٥، في الطب والهندسة والزراعة والعسكريات، اللغة العربية وسيلة لها في تعليم المناهج على كل المستويات - مدعمة بمدرسة الألسن وجهود المبعوثين في مختلف فروع العلم. وكذلك كانت الحال في الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأمريكية في بيروت لاحقًا) أواسط القرن الماضي أيضًا، حيث مؤلفات المستشرقين الأمريكان تغطي برامج الدراسة في علوم الطب والفيزياء والكيمياء والصيدلة والرياضيات والفلك وسواها بلغة عربية سليمة ومستوًى علمي جيد، ولم يكن يخطر ببال رواد النهضة الحديثة، عربًا أو أجانب من المخلصين، التدريس بغير العربية - تطبيقًا لمنطقٍ علمي براجماتي بسيط ما زال هو المنطق العلمي الصحيح اليوم كما سيكون غدًا.»
فماذا كانت استجابة العربية لمناخ العلم؟ انتعشت ونمت وأصدرت المعاجم التراثية وجدد بعضها، وأصدرت معاجم علمية مترجمة، وقد كان يرجى للغة العربية في هذا العهد أن تبلغ درجات الرقي لو أتيح لها أن تكون وتستمر لسان حال النهضة العلمية العصرية، ولكن سياسات الغرب الاستعمارية حالت دون ذلك، فما إن ثبت الاجتياح البريطاني أقدامه في مصر حتى عرقل هذه المسيرة - أولًا بتحويل التدريس في مدرسة الطب إلى اللغة الإنجليزية عام ١٨٨٧، ثم إغلاق مدرسة الألسن ونفي رفاعة الطهطاوي ومؤيديه إلى السودان، وتوجيه البعثات إلى إنجلترا (بدل فرنسا وإيطاليا)، «وما هو إلا عام أو بعضه حتى حذا الأمريكيون في الكلية السورية الإنجيلية حذو البريطانيين، فتحول التدريس فيها، للأسف، من العربية إلى الإنجليزية بدءًا من ١٨٩٠ (بعد حوالي ربع قرن من تدريس الطب والصيدلة والعلوم الطبيعية الأخرى فيها بالعربية بمستوًى
стр. 202
راقٍ مرموق)، وهكذا حُرِمت اللغة العربية من فرصتها الذهبية وغُرست بذور الشك والريبة في نفوس أبناء العربية بلُغتهم - بأهم مقومات أصالتهم وحضارتهم.»
ويوجز الأستاذ حسين أحمد أمين القصة بقوله: « … أُغلِق باب الاجتهاد في العصر العباسي الثاني، ثم توالت المحن بتدهور حال الأمة، وحال الثقافة عند أبنائها، ثم بالغزو العسكري فالغزو الفكري الأجنبيين، مما تسبب في انحسار ثقة العرب - خاصة من الشباب - بأنفسهم، وبتراثهم ولغتهم ونظمهم، فضعفت حصيلة الشباب من اللغة العربية، وكذا قدرتهم على التعبير بها عما يدور بنفوسهم من مشاعر، وبأذهانهم من أفكار. وقد حرمهم فساد منهج تعليم اللغة العربية في مدارسنا من القدرة على النظر في كتب التراث العربي القديم لعجزهم عن فهم لغتها، فإن نظروا فيها كان ذلك من قبيل الرغبة في التندر على سخافة نظرة الأسلاف، خاصة من جانب المُتفرنجين المبالغين في النظرة إلى الغربيين وكأنهم أنصاف آلهة، والمبالغين في التحقير من شأن تراث أمتهم الذي حسبوه المسئول عن التخلف الذي صرنا إليه. وبانقطاع صلتهم بتراثهم وماضيهم، تلاشت القدرة على الاستعانة بالجانب الحي الإيجابي من التراث في مواجهة تحديات المستقبل.» (١)
ونعود للدكتور أحمد شفيق الخطيب في بحثه العميق الشائق أمام مؤتمر المجمع، الذي يمزج بين رصانة المادة وحرارة العاطفة، يقول سيادته: «إن العقبات التي كان يقال باعتراضها سبيل التعليم باللغة العربية ممكن التغلب عليها، فقد تيسر ذلك للأتراك مع أن لغتهم أحدث عهدًا بالعلوم من اللغة العربية ودونها في غزارة المادة، أليس مؤسفًا ومذلًّا أن الأكثر من عشرين بلدًا من بلاد العرب، مفردة ومجتمعة، تتعاجز عن تجاوز صعوبات موهومة في معظمها، في حين نجح في تجاوزها قرابة المائتي بلدٍ في عالمنا اليوم، عدد سكان الكثير منها لا يتجاوز بضعة ملايين؟ قالوا هكذا عن تعليم العلوم بالعربية في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، ثم طُبِّق تعريب هذه المواد في مختلف هذه المراحل ولم ينخفض مستوى تعليم العلوم بسبب ذلك (٢) … كذلك ثبت بطلان هذه
стр. 203
المقولة في إنجازات الأطباء السوريين الذين يتابعون دراساتهم في الخارج (١) … مشكلة الكتب والدوريات والمراجع والمصطلحات العلمية أيضًا مشكلة واحدة مترابطة، وهي في الواقع مشكلة كل لغة وليست خاصة باللغة العربية، وإلا ماذا كان يقول الكوري والألباني والبلغاري واليوغوسلافي والإيراني والتركي والخمسون ثقافة التي كانت تؤلف الاتحاد السوفيتي؟ وكلهم طبقوا توطين العلوم واستنباتها بلغاتهم القومية بإمكانات لغوية ومادية وبشرية تتقزم أمام الإمكانات اللغوية والمادية والبشرية العربية. الذين يطلبون توافر الكتب والمراجع والمصطلحات قبل التعريب يضعون العربة أمام الحصان، ويقيني أنهم أدرى الناس بذلك، والتعريب حتى يتجاوز كل ذلك لأنه قضية كرامة؛ كرامة لغة وكرامة أمة.
والذين اغتصبوا أرضنا، يا سادتي، ألم يُعَبْرِنوا العلوم على اختلافها، والأبحاث بمختلف تقاناتها، بلغةٍ موات؟ باللغة التي أقاموها من العدم، بعد دثورٍ دام عشرين قرنًا، فجعلوا منها لا لغة التدريس في شتى العلوم والتقانات فقط، ولا أداة حضارية تقام بها الندوات العلمية في علم الذرة وتقانة الإلكترونيات فحسب، بل جعلوا منها أيضًا وسيلة ترابطٍ جامعةً أسهمت في خلق الكيان الصهيوني وتوحيد شراذم المهاجرين إليه، المتعددي المشارب واللغات.» (٢)
في كتابه «في التعريب والتغريب» يتساءل د. محمود فوزي المناوي حول التنفج المتفشي بالكلمات الأجنبية، فيقول: «ويمكن لأي مواطن عندنا الآن أن يلحظ طوفان الكلمات الدخيلة التي يستملحها البعض ويرددونها على ألسنتهم، بينما يوجد لها مقابلٌ أجمل وأوضح في التعبير تتمتع به لغتنا، ولا يعرف أحد على وجه اليقين لماذا يفضلون الدخيل على الأصيل: أهي هجمة «التفرنج» عادت من جديد؟ أم هي اتجاه إلى نبذ أصالتنا وهجر انتمائنا؟» (٣)
стр. 204
ولعل القارئ الآن قد عرف على وجه اليقين لماذا كان ذلك: لعقدة الدونية المزروعة في أعماقنا منذ قرون وقد اشتد عودها واستوت على سوقها، وجعلتنا بعد رحيل الاستعمار المادي نهفو إلى الاستعمال العقلي وننشده طوعًا واختيارًا، وننشئ مزيدًا من المدارس الأجنبية ومدارس اللغات والأقسام الجامعية الأجنبية، ونحشر فيها الأنبغ والأقدر من أبنائنا ليجري مسخه حثيثًا، ونفتح سوق العمل ونمنح أعلى الأجور لمن يجيد الرطانة ويحسن التنفُّج.
«هذا التباعد بين الإنسان العربي الحالي ولغته الأصيلة جعلها عبئًا عليه، فراح يتعامل معها كجسمٍ غريبٍ ناشز، أو في أحسن الأحوال كأثرٍ تاريخي يوهم بفخرٍ زائف: أحدهما راح يندب حظها ويرثي مآلها، ثم يتمادى في تثبيت مواقعها في سجون معاجمها وكهوف نحوها، أما الآخر فقد انصرف هربًا منها وهو يتخلى عنها سرًّا وعلانية، إهمالًا أو تشويهًا، حتى ظهرت تلك البثور المتقيحة على وجهها: إما من لغات أخرى أو من لا لغة أصلًا. لعل ما آلت إليه حال لغتنا هكذا ليس إلا إعلانًا عما آل إليه حالنا كله في أكثر من مجال، هذا الرطان المتقيح يعلن فيما يعلن عن احتمال رطان اقتصادي، ورطان اجتماعي، ورطان سياسي بشكل أو بآخر.» (١) «فما كان العلامة الأُولى على حضور العرب، كيانيًّا وإبداعيًّا، يَفسُد ويتراجع. فالعربي اليوم، بعبارة أخرى، لا «يعرف» الأساس الأول الذي عرف به الوجود، وأسس حضوره في التاريخ. لقد فقد حس اللغة، بالمغنى الذي يتحدث عنه ابن خلدون، وفي ذلك يبدو كأنه يجهل ما أعطاه هويته، أو يجهل ما هو.» (٢)
صفوة القول أنَّ ما نفعله بأنفسنا هو انتحارٌ جماعي بشع، يتضاءل بجانبه كل ما عانيناه من كروبٍ وحروب، وأن تعريب التعليم، العام والجامعي، قد أصبح ضرورة بقاء، تستدعي منا استنفار كل جهودنا وتجنيد كل طاقاتنا.
стр. 205
الفصل التاسع
مزايا العربية
لا يطالَب العربي بحماية لسانه فحسب، ولكنه مطالبٌ بحماية العالم من خسارة فادحة تصيبه بما يصيب هذه الأداة العالمية من أدوات المنطق الإنساني بعد أن بلغت مبلغها الرفيع من التطور والكمال.
عباس محمود العقاد
«اللغة الشاعرة»
تتمتع اللغة العربية بمرونةٍ هائلة، واتتها بفضل الاشتقاق الذي لم يبلغ في لغة من اللغات مبلغه في العربية من سعةٍ وانضباط واطراد، «وتمتلك العربية، فضلًا عن ضمائم محدودة تجتمع أحرفها في لفظة «سألتمونيها»، أسلوبًا آخر للتوالد تفتقر إلى مثله المجموعة الأوروبية، ويقوم على زيادة الأحرف والحركات أو الانتقاص منها في داخل الكلمة الواحدة، فالعربية لغة عمودية، تدور ألفاظها من حول الجذر أو «الجد» وفي داخل أحشائه، فيما تكتفي اللغات الأوروبية بالتفرع الخارجي من خلال الضمائم وحسب، فتظل أفقية المنحى.» (١)
стр. 206
«هذه المرونة التامة في اللغة العربية، وهذه القدرة على الاشتقاق والمجاز والقلب والإبدال والنحت، هما اللتان مكنتا اللغة العربية من أن تكون لغة القرآن الكريم، والحديث الشريف، وما فيهما من معانٍ رفيعة سامية، وتعبيرات دينية واجتماعية وتشريعية، ولم يكن للعرب بها عهد في جاهليتهم، كما استطاعت بعد ذلك أن تكون أداةً لكل ما نُقل من علوم الفرس والهند واليونان وغيرهم، ففي نحو ثمانين عامًا من بدء العصر العباسي، كانت خلاصة كل هذه الثقافات مدونةً باللغة العربية، على الرغم من أن العرب لم يكونوا يعرفون شيئًا من مصطلحات الحساب والهندسة والطب، ولا شيئًا من منطق أرسطو وفلسفة أفلاطون، فإذا هم وقد أصبحوا يعبرون بالعربية عن أدق نظريات إقليدس، وطب جالينوس، وحِكَم بزرجمهر، وسياسة كسرى، وما كانت تستطيع ذلك كله لولا ما بلسانهم من حياة ومرونة ورقي، وبذا خرجت العربية من هذا المأزق سليمةً قوية واسعة، هي لغة الدين، ولغة العلم والفلسفة، ولغة الأدب، واضمحلت بجانبها كل لغات البلاد المفتوحة، فاللغة السريانية التي تُرجمتْ إليها الكتب اليونانية، أخذت تتدهور بعد أن نُقِل ما فيها إلى اللغة العربية. والفرس في ذلك العصر أصبحت لغتهم العلمية والأدبية هي اللغة العربية، إن ألفوا وشعروا أو كتبوا فبالعربية، أما اللغة الفارسية فإنما كانت تستخدم في الحديث بين عامة الناس، أو في طقوس الديانة المجوسية. وكذلك اللغات الأخرى، من يونانية في الشام، أو قبطية في مصر. وكسبت اللغة العربية من ذلك أنها أصبحت في تأليفها وأدبها وعلومها نتاج كل هذه الأمم، تعبر عن كل أفكارهم، ويكسبون هم منها ما أفرزته من ثقافة دينية وأدبية.» (١)
«كانت العربية لغة العولمة في خلال العصور الوسطى، وفرس الرهان لأعظم حضارات تلك الفترة المديدة، مما ليَّن مفصلاتها وأثرى عدتها الدلالية واللفظية، وأتاح إغناءها بالتعريب والاشتقاق والنحت وتوليد المعاني والأساليب، فإذا أريد بالصعوبة (أي صعوبة العربية) الغنى، جراء امتداد المدى الثقافي لأكثر من خمسة عشر قرنًا، وفوق رقعة فسيحة من العالم القديم، فتهمة الصعوبة هذه تشكل مدحًا في باب الذم!» (٢)
стр. 207
(١) مزايا صوتية
تَستخدم العربية جهاز النطق في الإنسان على أكمل نحوٍ وأقومه، ولا تهمل منه أي شيء بوسعه أن يؤديه. «إن جهاز النطق الإنساني أداة موسيقية وافية، لم تحسن استخدامها على أوفاها أمةٌ من الأمم القديمة أو الحديثة كما استخدمتها الأمة العربية؛ لأنها انتفعت بجميع المخارج الصوتية في تقسيم حروفها، ولم تهمل بعضها، وتكرر بعضها الآخر بالتخفيف تارة والتثقيل تارة أخرى، كما فعل المتكلمون بسائر اللغات المعروفة.» (١)
«العربية هي أوفر اللغات عددًا في أصوات المخارج التي لا تلتبس ولا تتكرر بمجرد الضغط عليها، فليس هناك مخرج صوتي واحد ناقص في الحروف العربية، وإنما تعتمد هذه اللغة على تقسيم الحروف على حسب موقعها من أجهزة النطق، ولا تحتاج إلى تقسيمها باختلاف الضغط على المخرج الواحد، كما يحدث في الباء الخفيفة والباء الثقيلة التي يميزونها بثلاث نقط من تحتها بدلًا من النقطة الواحدة، أو كما يحدث في الفاء ذات النقطة الواحدة والفاء ذات النقط الثلاث، أو كما يحدث في الجيم المعطشة وغيرها. وعلى هذه الصورة تمتاز اللغة العربية بحروف لا توجد في اللغات الأخرى كالضاد والظاء والعين والقاف والحاء والطاء، أو توجد في غيرها أحيانًا ولكنها ملتبسة مترددة لا تُضبط بعلامة واحدة.» (٢)
ليس هناك لبس بين مخارج الحروف في اللغة العربية، ولا إهمال لمخرج منها، ولا تكرار نطق من مخرج واحد. والفصاحة هي امتناع اللبس، وهذه هي الخاصة النطقية التي تحققت في العربية لمخارج الحروف كما تحققت للحروف، فليس في العربية حرف يلتبس بين مخرجين، وليس في النطق العربي مخرج ينطبق فيه حرفان، ليس في العربية حرف يستخدم مخرجين كحرف «بسي» في اليونانية وهو مختلط من الباء الثقيلة والسين، ولا كحرف «تشي» في تلك اللغة وهو خليط من التاء والشين. لا تزدحم أصوات الحروف في العربية على مخرجٍ واحد، كما قلنا، مع ترك مخارج الحلق مهملة،
стр. 208
وهي تتسع من أقصى الحلق إلى أدناه لسبعة حروف هي الهمزة والهاء والألف والعين والحاء والغين والخاء، وهي مميزة في النطق والسمع بغير التباس ولا ازدواج في الأداء.» (١)
«واللسان العربي المبين يتجنب اللبس في الحركات الأصلية كما يتجنب اللبس في الحروف الساكنة، فلا لبس بين الفتح والضم والكسر والسكون، وإذا وقعت الإمالة بين حركتين لم تكن وجوبًا قاطعًا تثبته الحروف، بل كان قصاراه أنه نمط من أنماط النطق يشبه العادات الخاصة عند بعض الأفراد أو بعض الجماعات في أداء الحركة وإشباعها أو قصرها، كيفما كان رسم الحرف في الكلام المكتوب، وكيفما كان جوهره المميز في الكلام المسموع.» (٢)(٢) معاني الأبنية
من أهم مميزات العربية أن «الأصل الواحد فيها يتوارد عليه مئات من المعاني، بدون أن يقتضي ذلك أكثر من تغيرات في حركات أصواته الأصلية نفسها مع زيادة بعض أصوات عليها أو بدون زيادة، وأن كل ذلك يجري وفق قواعد مضبوطة دقيقة نادرة الشذوذ، ولم تصل أية لغة سامية أخرى في ذلك إلى ما وصلت إليه العربية من ثراءٍ ودقة: تقول عَلِم عَلِمنا … أَعْلَم يَعْلم نَعْلم … اعْلَمْ اعلمي … عَلَّمَ نُعَلَّم … تَعَلَّم … تَعالَمَ … عُلِمَ يُعلَم … عِلْمٌ عَلَمٌ علامةٌ عُلومٌ أَعْلامٌ علامات عالمِ عليم عَلَّامة عُلَماء عالمِون مُتَعَلِّم مُعْلَم مُعَلَّم معلوم، عالَم عالَمون … إلخ»، (٣) ترى كم كلمة في الإنجليزية عليك أن تستظهرها بحقها الشخصي لكي تؤدي كل هذه الألوان المتفاوتة من المعاني؟ أليس هذا أمرًا يحسب في جانب السهولة (٤) في العربية لا في جانب العسر؟
ويطَّرِد ورود بعض الأوزان في العربية للدلالة على معانٍ خاصة، من ذلك أوزان أفعال الماضي والمضارع والأمر وأوزان اسم الفاعل وصيغ المبالغة والصفة المشبهة واسم المفعول وأفعل التفضيل والتعجب واسم الآلة والمصدر واسم الزمان والمكان وجموع التكسير.
стр. 209
الوزن في العربية هو قوام التفرقة بين أقسام الكلام، ولم تبلغ لغةٌ مبلغ العربية في ضبط المشتقات بالموازين التي تسري على جميع أجزائها، وتوفق أحسن التوفيق المستطاع بين المبنى والمعنى. بعض هذه الأوزان لا يقتصر على الإشارة إلى مجمل مدلول الكلمة، بل يشير كذلك إلى بعض تفاصيل تتعلق بهذا المدلول، الأمر الذي يمنح العربية دقةً خاصة في الدلالة والإمساك بالظلال الدقيقة للمعاني، ويتسنَّى به للكاتب بالعربية أن يطمح للتعبير العلمي الأدق والتعبير الفني الأكثر إيحاءً وأسرًا، كل ذلك ببساطةٍ وسهولة واطراد، واقتصادٍ ذهني ورفقٍ بالذهن والحافظة.
فصيغة «فِعالة» تدل على حرفة أو ولاية، مثل: حياكة، نجارة، تجارة، عرافة، خلافة، إمارة، سياسة، صناعة. وصيغة «فُعال» تدل على الأدواء، مثل: سُعال، زكام، سبات، فواق، صداع، دوار؛ وعلى الأصوات، مثل: صراخ، نباح، ثغاء، خوار، رغاء. وصيغة «فعيل» تدل على الأصوات أيضًا، مثل: صهيل، هدير، هديل، هرير، زَئير، خَرير، صَليل، نَعيق، صرير، نهيق، ضجيج، نعيب. وصفة «فعيل» تدل على الأوصاف الثابتة الملازمة للنفوس كشريف ونبيل وكبير وحقير ووَضيع وصغير. ووزن «فَعْلان» يدل على صفات من أحوال، مثل: عطشان، شبعان، ريَّان، سكران، غضبان، حران، ظمآن. ووزن «فَعول» يدل على الأدوية، مثل: اللَّعوق، والسَّعوط، والنَّشوق، والقطور والذرور. ووزن «تَفعال» يكون للتكثير والمبالغة: كالتجوال، والتطواف، والتسيار، والترداد، والتهدار، والتلعاب، والتعداد، والتهداد. ووزن «فعيلة» للأطعمة: كالعصيدة، والسخينة، والبسيسة، والنقيعة. ووزن فعللة يدل على حكاية الأصوات، مثل: صرصرة، قرقرة، خشخشة، قعقعة، جلجلة، غرغرة. ووزن «أفعل» يدل على صفات بالألوان، مثل: أبيض، أحمر، أسود، أصفر، أخضر، وكذلك على العيوب، مثل: أحول، أعور، أقرع، أعرج، أخنف. وأكثر العادات في الاستكثار على «مفعال»، مثل: مضياف، مهذار، معطار. ووزن «فعلة» من الثلاثي يدل على المرة كضرب ضربة. أما «فِعْلة» فيدل على الهيئة كجلس جِلسة (جلسة الأسد مثلًا)، و «إذا قتلتم فأحسنوا القِتلة»، و «مات مِيتةً تقوم مقام النصر». وصيغة «فَعَّال» في غير المبالغة من اسم الفاعل تدل على الاحتراف أو ملازمة الشيء كالبقَّال والنجَّار والحدَّاد.
وصيغ الأفعال وأوزانها في العربية عامل من عوامل ثروة اللغة وقدرتها على الدلالة على فروق وظلال تنضاف إلى المعنى الأصلي، دون زيادة في اللفظ ومع الاحتفاظ بطابع التركيز الذي تميزت به لغة القرآن: فصيغة «فَعَّل» ترد بمعنى المبالغة، كقوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾، ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾، وبمعنى النسبة، مثل: «جَهَّله» إذا نسبه إلى
стр. 210
الجهل، و «ظَلَّمه» إذا نسبه إلى الظلم، وبالمثل خطَّأ، ألَّه، سفَّهه … إلخ، وصيغة «فاعَلَ» تدل على المبادلة، مثل: ضاربه، وبارزه، وخاصمه، وحاربه، وقاتله. وصيغة «تفعَّلَ» ترد بمعنى التكلف، مثل: تَشَجَّع، وتجلَّد، وتحلَّم، أي تكلف الشجاعة والجلد والحلم، وترد بمعنى أخذ الشيء أو تلقيه، مثل: تَأَدَّبَ، وتفقَّه، وتعلَّم، أي تلقَّى الأدب والفقه والعلم. (١) وصيغة «استفعل» تكون بمعنى التكلف، نحو استعظم، أي تعظم، واستكبر، أي تكبر، ويكون استفعل أيضًا بمعنى الاستدعاء والطلب، نحو استطعم، استسقى، استوهب، ويكون استفعل أيضًا بمعنى فَعَلَ، نحو استقرَّ أي قرَّ، ويكون بمعنى صار، نحو استنوق الجمل، واستنسر البغاث. وصيغة «انفعل» فعل مطاوعة، نحو كسرته فانكسر، وجبرته فانجبر، وقلبته فانقلب، وسحبته فانسحب، شققته فانشق. ووزن «أَفْعَلَ» تفيد التعدية، كأقام الدنيا وأقعدها، وملكية الشيء، كألبن وأتمر، والدخول في المكان والزمان، كأشأم وأعرق وأصبح وأمسى، والاستحقاق، كأَحْصَدَ الزرع (استحق الحصاد)، وتعريض الشيء لأمر ما، كأرهنت المتاع وأبعته (عرضته للرهن والبيع)، والتمكين، كأحفرته الأرض أي مكنته من حفرها. وصيغة «افتعل» تفيد الاتخاذ، كاختتم واختدم أي اتخذ خاتمًا وخادمًا، والاجتهاد والطلب كاكتسب واكتتب، والتشارك كاخصتم فلان وفلان واختلفا، والإظهار كاعتظم أي أظهر العظمة، والمبالغة في معنى الفعل كاقتدر أي بالغ في القدرة، ومطاوعة الثلاثي، كعدلته فاعتدل وجمعته فاجتمع.
وصيغة «تفاعل» تفيد التشريك بين اثنين فأكثر كتجاذبا وتخاصما، والتظاهر بالفعل كتجاهل وتمارض وتعالم وتصابى وتغابى، وحصول الشيء بالتدريج كتزايد الدخل وتواردت الأخبار، ومطاوعة فاعل، كباعدته فتباعد. ووزن «افْعَوْعَل» تفيد المبالغة والتوكيد، مثل اخشوشن الرجل في معيشته إذا بالغ في خشونة مأكله وملبسه ونحوهما، واعشوشبت الأرض إذا كثر عشبها وعمها فلم يترك بها مكانًا خاليًا، واحلَوْلَى الزمان إذا ذهبت منغصاته وبدت مسراته. وصيغة «فَعالِ» المبني على الكسر للدلالة على الأمر (اسم فعل أمر) كحَذارِ وتَراكِ (٢)
стр. 211
(٣) الاشتقاق
العربية أكثر اللغات قبولًا للاشتقاق، وهو مما يجعلها أكثر اللغات مرونةً وتمثلًا للمعاني الجديدة. يعرِّف السيوطي الاشتقاق بأنه «أخذ صيغة من أخرى، مع اتفاقهما معنى ومادةً وهيئة تركيب؛ ليدل بالثانية على معنى الأصل بزيادةٍ مفيدة لأجلها اختلفا حروفًا أو هيئةً.» والاشتقاق في العربية يقوم بدورٍ كبير في تنويع المعنى الأصلي وتلوينه، إذ يكسبه خواص مختلفة، بين طبع، وتطبع، ومبالغة، وتعدية، ومطاوعة، ومشاركة، ومبادلة، مما لا يتيسر التعبير عنه في اللغات الآرية مثلًا إلا بألفاظ خاصة ذات معانٍ مستقلة. (١) هذا المنهج الاشتقاقي أتاح للعربية ذخيرةً من المعاني لا يسهل أداؤها في اللغات الأخرى، ومن شأنه أن يتيح لها أن تؤدي معاني الحضارة الحديثة على اختلافها. «إن هذه الطريقة في توليد الألفاظ بعضها مع بعض تجعل من اللغة جسمًا حيًّا، تتوالد أجزاؤه ويتصل بعضها ببعض بأواصر قويةٍ واضحة، وتغني عن عدد ضخم من المفردات المفككة المنعزلة التي كان لا بد منها لو عُدم الاشتقاق. وإن هذا الارتباط بين ألفاظ العربية الذي يقوم على ثبات عناصر مادية ظاهرة، وهي الحروف أو الأصوات الثلاثة، وثبات قدر من المعنى، سواء كان ماديًّا ظاهرًا أو مختفيًا مستترًا، خصيصة عظيمة من خصائص هذه اللغة، تُشعِر متعلمها بما بين معانيها من صلاتٍ حية، تسمح لنا بالقول بأن ارتباطها حيوي وأن طريقتها حيوية توليدية، وليست آليةً جامدة.» (٢)
خذ مثالًا كلمة «العيد»: فكلمة العيد مصدر من مصادر كثيرة، يدل على صفة العودة أو على هيئتها، ومن فعل «عاد» تؤخذ «العودة» للمرة من «العود»، وتؤخذ «العادة» للفعل أو الخلق الذي يكثر الرجوع إليه، ويؤخذ «المعاد» لمكان البعث أو زمانه، وتؤخذ «العيادة» للزيارة المتكررة، وتؤخذ «العائدة» لما «يعود» على الإنسان من نتائج عمله على معنًى قريب من معنى التبعة أو الجزاء، وتستعار «العوائد» لما يُعطى أو يؤخذ مع التكرار والتوقيت؛ لأن الإعطاء والأخذ معنًى واحدٌ من جانبين، فما يأخذه هذا هو عطاء من ذاك. ويأتي المضاعف والمزيد فيوسع دلالة المادة اللفظية أو يسري منها
стр. 212
إلى معانٍ تناسبها وقد تخالفها في بعض عوارضها. وهنا مجال واسع لمعاني الإعادة والاستعادة والتعويد والتعييد، ومجال واسع للتفرقة بين المعيد والمُستعيد وبين العود والمعاودة، والمعاد والمستعاد، ولا لبس في موضع لفظ من هذه الألفاظ لأنه وزن دليل على موضعه من التعبير.» (١)
لا يقارن الاشتقاق في العربية بالاشتقاق في غيرها من اللغات السامية من حيث السعة وتقسيم القاعدة وتحكيم المتكلم في التعبير عن أغراضه على حسب كل احتمال معقول، «فالاشتقاق العربي يعطي المتكلم من الأوزان بمقدار ما يحتاج إليه من المعاني المحتملة على جميع الوجوه، والمتكلم هو صاحب الشأن في اختيار الكلمة وليست الكلمة هي العبارة المفروضة عليه لأنها وضعت من أصلها ارتجالًا أو محاكاة لصوتٍ أو تلفيقًا للأجزاء من مختلف المواد، ولا يحتاج العقل المعبر صيغة للاشتقاق بعد استيفاء صيغ المصدر للمرة أو للهيئة أو للدلالة على الجمع أو الجنس المجموع، ولا احتمال لصيغة مطلوبة بعد صيغ المبالغة والتضعيف واسم الفاعل واسم المفعول والصفة الملازمة والصفة المرتهنة بالحدث والزمان. فالمتكلم المعبر هنا هو صاحب الشأن في تصريف المشتقات على حسب أغراضه واحتمالات تفكيره، واللغة قد وصلت على ألسنة المتكلمين بها إلى خلق القواعد التي يتبعها تكوين المفردات، قبل أن تعرض لهم الحاجة إلى استخدام جميع تلك المفردات أو إنشاء الكلمات المرتجلة مع كل مشاهدة تأتي للمتكلم بشيء جديد يحتاج إلى لفظ جديد.» (٢)(٤) الثراء الدلالي في تراكيب العربية
الجملة في العربية فعلية واسمية، وبخلاف الشائع من أن الجملة العربية فعلية أساسًا فإن الجملة الاسمية موجودة وكثيرة الاستعمال (اللهُ يَتَوفَّى الأنفُسَ/ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ/ والعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه/ الحزن يقلق والتجمل يردع/ العبد يُقرَع بالعصا … )، «فليس تقديم الفعل على الفاعل فيها عجزًا عن التركيب الذي يتقدم فيه الفاعل على الفعل،
стр. 213
ولكنه تقسيم الكلام على حسب مواضعه، وتصحيحٌ لموقع الفعل وموقع الفاعل من إرادة المتكلم وفهم السامع، ومتى ثبت لنا الفرق بين موقع الفعل والفاعل في الجملتين الاسمية والفعلية فالاكتفاء بالجملة الاسمية كما تقع في كلام الأوروبيين نقصٌ منتقَد وليس بالمزية التي تدل على الكمال والارتقاء، وليس في وسع من يفهم مواقع الكلم أن يجهل الفارق بين قولنا «محمد حضر» وقولنا «حضر محمد»: فإننا نقول: «محمد حضر» إذا كنا ننتظر خبرًا عن محمد أو عن حضوره على الخصوص، ولكننا نقول: «حضر محمد» لمن يسمع خبرًا من الأخبار على إطلاقه ولا يلزم أن يكون الخبر عن محمد ولا عن الحضور بل لعل السامع كان ينتظر كلامًا عن حسن وعن علي كما ينتظره عن محمد، أو لعله خبر سفرٍ وليس بخبر حضورٍ منتظر أو غير منتظر.» (١)
وصيغة المجهول في العربية أوسع منها في اللغات الأخرى، وتنفرد العربية باستعداد لإثبات الفاعل على حسب درجاته من الأثر أو درجات العلم به عند السامع: فبالإضافة إلى صيغة المبني للمعلوم والمبني للمجهول تزيد العربية بصيغة لا وجود لها في اللغات الأخرى، هي صيغة الفعل المطاوع، «فيقول القائل (انفتح الباب)، ويعبر بذلك عن معنًى لا تدل عليه دلالته الدقيقة كلٌّ من صيغة المبني للمعلوم وصيغة المبني للمجهول، ويظهر الفارق في الدلالة على المعاني المختلفة في استخدام الفعل في الجمل المفيدة على حسب دلالتها: فإذا قلنا: «فتح محمدٌ الباب» فهذا لمن يهمه أن يعرف من الذي فتح الباب، وإذا قلنا: «فُتح الباب» فقد يكون الخبر موجهًا أيضًا إلى سامع يهمه أن يعلم شيئًا عن الفاعل، ولكن المتكلم يخبره بأنه لا يعرفه أو يخبره بأنه يعرفه ولا يريد أن يذكره. ولكن هناك حالة غير هذه وتلك، وهي حالة إنسان ينتظر فتح الباب ولا يعنيه مَنْ الذي فتحه كما لا يعنيه أن يقول له المتكلم إنه يجهله أو يسكت عنه، في هذه الحالة يقول العربي: «انفتح الباب» فيؤدي المعنى المطلوب بغير خلط بينه وبين الحالات التي ينتظر السامعون فيها خبرًا عن فاعل الفتح، معلومًا كان أو مجهولًا أو مسكوتًا عنه مع علم السامع به تعمدًا لإخفائه أو لإهماله. واللغة الدقيقة التي استوفت وجوه الدلالة هي اللغة التي تلاحظ مقتضى الحال في كل عبارة من العبارات الثلاث، ولا تستخدم عبارة واحدة لموضعين ملتبسين، بل تستخدم كل عبارة لموضعها الذي لا لبس فيه.» (٢)
стр. 214
«على أن درجة الفاعلية في الاسم تثبت في اللغة العربية باستخدام صيغ أخرى تتمم هذه الصيغة من صيغ البناء للمعلوم أو البناء للمجهول أو فعل المطاوعة، فهناك صيغة المبالغة من مادة الفعل نفسه بغير حاجة إلى مادة مستعارة من غيرها، ففي اللغة العربية صيغ للمبالغة تعطينا من مادة الفتح كلمة «فتَّاح» بمعنى الكثير الفتح والمقتدر على الفتح على السواء، ولا مقابل لهذه الصيغة في اللغات الهندية الجرمانية إلا باستخدام جملة أو عبارة مركبة من عدة كلمات. وفي اللغة العربية صيغة من صيغ المبالغة تحكي الصفة المشبهة باسم الفاعل؛ لأنها تدل على حالة ملازمة بغير اعتبار للحدث والزمان … مثال ذلك أننا نقول: «كريم»، ولا نقول: «كارم»؛ لأنَّنا نريد التعبير عن صفةٍ ملازمة وعن خلقٍ ثابت لا يتوقف على حدث في زمن محدود … » (١)
تلك مزايا تستحق التنبيه إليها «في زمان يكثر فيه من يتحدثون من العرب أنفسهم عن اللغات التي تصلح أو لا تصلح للتعبير السليم أو الفصيح في أبواب العلوم والآداب.» (٢)
يقول د. عبد السلام المسدي: «لأول مرة في تاريخ البشرية - على ما نعلمه من التاريخ الموثوق به - يُكتَب للسانٍ طبيعي أن يعمر حوالي سبعة عشر قرنًا محتفظًا بمنظومته الصوتية والصرفية والنحوية، فيطوعها جميعًا ليواكب التطور الحتمي في الدلالات دون أن يتزعزع النظام الثلاثي من داخله، بينما يشهد العلم في اللسانيات التاريخية والمقارنة أن الأربعة قرون كانت فيما مضى هي الحد الأقصى الذي يبدأ بعده التغير التدريجي لمكونات المنظومة اللغوية.» (٣)(٥) الإعراب
الإعراب مَطلَب العَقْل في اللغة.
د. عثمان أمين
стр. 215
العربية لغة إفصاح وإبانة، والإعراب، أي تغير نهايات الكلمة وفقًا للمعنى المقصود، من آلياتها الرئيسة لتحقيق الدقة في الدلالة والوضوح في المعنى.
رُوي أن رجلًا دخل على أمير المؤمنين عليٍّ كرم الله وجهه، فقال من غير إعراب: «قتل الناسْ عثمانْ»، فقال له أمير المؤمنين: «بيِّن الفاعل من المفعول رضَّ الله فاك». وروي أن أبا الأسود الدؤلي قالت له ابنته وهي تتأمل السماء: «ما أجملُ السماء»، فقال لها: «نجومُها»، فقالت: «ما عن هذا أسأل، وإنما أنا أتعجب» فقال: «إذن فقولي: ما أجملَ السماءَ»، وسواء أصحَّت هذه الروايات أم كانت من خيال واضعيها، فإنها تكشف عن الوظيفة الدلالية للإعراب. الإعراب ضروري للإفادة والإبانة وتماسك المعنى، والإعراب ضروري للكتابة البليغة والشعر الرفيع؛ لأنه يتيح للكاتب التقديم والتأخير وهو بمأمنٍ من اللبس والغموض، فيكون حرًّا في الارتكاز على ما يشاء من عناصر الجملة، ويقدم الأهم على المهم، ويحقق في السبك قيمًا تشكيلية وموسيقية ما كانت تتأتَّى لولا الإعراب الذي يضم حبات الجملة في سمطٍ واحدٍ ويضمن لها ألا تنفرط مهما اختلف ترتيبها وتتابعها. واللغات التي تتنازل عن الإعراب (مثل العامية، ومثل اللغات الأوروبية الحديثة بعامة) تضطر إلى تقييد الترتيب في عناصر الجملة لكي يؤدي وظيفة الإعراب. مثل هذه اللغات أسهل من لغة الإعراب بما لا يقاس، غير أنها تشتري السهولة بثمنٍ باهظ: بالغُلِّ والقيد وتصلُّب الفقرات، والثقلة الموسيقية والدلالية والبيانية.
وفي فن الشعر بخاصة تتجلى أهمية حركات الإعراب، «فإن هذه الحركات والعلامات تجري مجرى الأصوات الموسيقية وتستقر في مواضعها المقدورة على حسب الحركة والسكون في مقاييس النغم والإيقاع، ولها بعد ذلك مزية تجعلها قابلة للتقديم والتأخير في كل وزن من أوزان البحور؛ لأن علامات الإعراب تدل على معناها كيفما كان موقعها من الجملة المنظومة، فلا يصعب على الشاعر أن يتصرف بها دون أن يتغير معناها، إذ كان هذا المعنى موقوفًا على حركتها المستقلة الملازمة لها، وليس هو بالموقوف على رصِّ الكلمات كما ترص الجمادات.» (١)