← Язык

Язык · id 1122

مغالطات لغوية

عادل مصطفى

Полный текст (264 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(٣) الاشتقاق العربية أكثر اللغات قبولًا للاشتقاق، وهو مما يجعلها أكثر اللغات مرونةً وتمثلًا للمعاني الجديدة. يعرِّف السيوطي الاشتقاق بأنه «أخذ صيغة من أخرى، مع اتفاقهما معنى ومادةً وهيئة تركيب؛ ليدل بالثانية على معنى الأصل بزيادةٍ مفيدة لأجلها اختلفا حروفًا أو هيئةً.» والاشتقاق في العربية يقوم بدورٍ كبير في تنويع المعنى الأصلي وتلوينه، إذ يكسبه خواص مختلفة، بين طبع، وتطبع، ومبالغة، وتعدية، ومطاوعة، ومشاركة، ومبادلة، مما لا يتيسر التعبير عنه في اللغات الآرية مثلًا إلا بألفاظ خاصة ذات معانٍ مستقلة. (١) هذا المنهج الاشتقاقي أتاح للعربية ذخيرةً من المعاني لا يسهل أداؤها في اللغات الأخرى، ومن شأنه أن يتيح لها أن تؤدي معاني الحضارة الحديثة على اختلافها. «إن هذه الطريقة في توليد الألفاظ بعضها مع بعض تجعل من اللغة جسمًا حيًّا، تتوالد أجزاؤه ويتصل بعضها ببعض بأواصر قويةٍ واضحة، وتغني عن عدد ضخم من المفردات المفككة المنعزلة التي كان لا بد منها لو عُدم الاشتقاق. وإن هذا الارتباط بين ألفاظ العربية الذي يقوم على ثبات عناصر مادية ظاهرة، وهي الحروف أو الأصوات الثلاثة، وثبات قدر من المعنى، سواء كان ماديًّا ظاهرًا أو مختفيًا مستترًا، خصيصة عظيمة من خصائص هذه اللغة، تُشعِر متعلمها بما بين معانيها من صلاتٍ حية، تسمح لنا بالقول بأن ارتباطها حيوي وأن طريقتها حيوية توليدية، وليست آليةً جامدة.» (٢) خذ مثالًا كلمة «العيد»: فكلمة العيد مصدر من مصادر كثيرة، يدل على صفة العودة أو على هيئتها، ومن فعل «عاد» تؤخذ «العودة» للمرة من «العود»، وتؤخذ «العادة» للفعل أو الخلق الذي يكثر الرجوع إليه، ويؤخذ «المعاد» لمكان البعث أو زمانه، وتؤخذ «العيادة» للزيارة المتكررة، وتؤخذ «العائدة» لما «يعود» على الإنسان من نتائج عمله على معنًى قريب من معنى التبعة أو الجزاء، وتستعار «العوائد» لما يُعطى أو يؤخذ مع التكرار والتوقيت؛ لأن الإعطاء والأخذ معنًى واحدٌ من جانبين، فما يأخذه هذا هو عطاء من ذاك. ويأتي المضاعف والمزيد فيوسع دلالة المادة اللفظية أو يسري منها

стр. 212

إلى معانٍ تناسبها وقد تخالفها في بعض عوارضها. وهنا مجال واسع لمعاني الإعادة والاستعادة والتعويد والتعييد، ومجال واسع للتفرقة بين المعيد والمُستعيد وبين العود والمعاودة، والمعاد والمستعاد، ولا لبس في موضع لفظ من هذه الألفاظ لأنه وزن دليل على موضعه من التعبير.» (١) لا يقارن الاشتقاق في العربية بالاشتقاق في غيرها من اللغات السامية من حيث السعة وتقسيم القاعدة وتحكيم المتكلم في التعبير عن أغراضه على حسب كل احتمال معقول، «فالاشتقاق العربي يعطي المتكلم من الأوزان بمقدار ما يحتاج إليه من المعاني المحتملة على جميع الوجوه، والمتكلم هو صاحب الشأن في اختيار الكلمة وليست الكلمة هي العبارة المفروضة عليه لأنها وضعت من أصلها ارتجالًا أو محاكاة لصوتٍ أو تلفيقًا للأجزاء من مختلف المواد، ولا يحتاج العقل المعبر صيغة للاشتقاق بعد استيفاء صيغ المصدر للمرة أو للهيئة أو للدلالة على الجمع أو الجنس المجموع، ولا احتمال لصيغة مطلوبة بعد صيغ المبالغة والتضعيف واسم الفاعل واسم المفعول والصفة الملازمة والصفة المرتهنة بالحدث والزمان. فالمتكلم المعبر هنا هو صاحب الشأن في تصريف المشتقات على حسب أغراضه واحتمالات تفكيره، واللغة قد وصلت على ألسنة المتكلمين بها إلى خلق القواعد التي يتبعها تكوين المفردات، قبل أن تعرض لهم الحاجة إلى استخدام جميع تلك المفردات أو إنشاء الكلمات المرتجلة مع كل مشاهدة تأتي للمتكلم بشيء جديد يحتاج إلى لفظ جديد.» (٢) (٤) الثراء الدلالي في تراكيب العربية الجملة في العربية فعلية واسمية، وبخلاف الشائع من أن الجملة العربية فعلية أساسًا فإن الجملة الاسمية موجودة وكثيرة الاستعمال (اللهُ يَتَوفَّى الأنفُسَ/ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ/ والعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه/ الحزن يقلق والتجمل يردع/ العبد يُقرَع بالعصا … )، «فليس تقديم الفعل على الفاعل فيها عجزًا عن التركيب الذي يتقدم فيه الفاعل على الفعل،

стр. 213

ولكنه تقسيم الكلام على حسب مواضعه، وتصحيحٌ لموقع الفعل وموقع الفاعل من إرادة المتكلم وفهم السامع، ومتى ثبت لنا الفرق بين موقع الفعل والفاعل في الجملتين الاسمية والفعلية فالاكتفاء بالجملة الاسمية كما تقع في كلام الأوروبيين نقصٌ منتقَد وليس بالمزية التي تدل على الكمال والارتقاء، وليس في وسع من يفهم مواقع الكلم أن يجهل الفارق بين قولنا «محمد حضر» وقولنا «حضر محمد»: فإننا نقول: «محمد حضر» إذا كنا ننتظر خبرًا عن محمد أو عن حضوره على الخصوص، ولكننا نقول: «حضر محمد» لمن يسمع خبرًا من الأخبار على إطلاقه ولا يلزم أن يكون الخبر عن محمد ولا عن الحضور بل لعل السامع كان ينتظر كلامًا عن حسن وعن علي كما ينتظره عن محمد، أو لعله خبر سفرٍ وليس بخبر حضورٍ منتظر أو غير منتظر.» (١) وصيغة المجهول في العربية أوسع منها في اللغات الأخرى، وتنفرد العربية باستعداد لإثبات الفاعل على حسب درجاته من الأثر أو درجات العلم به عند السامع: فبالإضافة إلى صيغة المبني للمعلوم والمبني للمجهول تزيد العربية بصيغة لا وجود لها في اللغات الأخرى، هي صيغة الفعل المطاوع، «فيقول القائل (انفتح الباب)، ويعبر بذلك عن معنًى لا تدل عليه دلالته الدقيقة كلٌّ من صيغة المبني للمعلوم وصيغة المبني للمجهول، ويظهر الفارق في الدلالة على المعاني المختلفة في استخدام الفعل في الجمل المفيدة على حسب دلالتها: فإذا قلنا: «فتح محمدٌ الباب» فهذا لمن يهمه أن يعرف من الذي فتح الباب، وإذا قلنا: «فُتح الباب» فقد يكون الخبر موجهًا أيضًا إلى سامع يهمه أن يعلم شيئًا عن الفاعل، ولكن المتكلم يخبره بأنه لا يعرفه أو يخبره بأنه يعرفه ولا يريد أن يذكره. ولكن هناك حالة غير هذه وتلك، وهي حالة إنسان ينتظر فتح الباب ولا يعنيه مَنْ الذي فتحه كما لا يعنيه أن يقول له المتكلم إنه يجهله أو يسكت عنه، في هذه الحالة يقول العربي: «انفتح الباب» فيؤدي المعنى المطلوب بغير خلط بينه وبين الحالات التي ينتظر السامعون فيها خبرًا عن فاعل الفتح، معلومًا كان أو مجهولًا أو مسكوتًا عنه مع علم السامع به تعمدًا لإخفائه أو لإهماله. واللغة الدقيقة التي استوفت وجوه الدلالة هي اللغة التي تلاحظ مقتضى الحال في كل عبارة من العبارات الثلاث، ولا تستخدم عبارة واحدة لموضعين ملتبسين، بل تستخدم كل عبارة لموضعها الذي لا لبس فيه.» (٢)

стр. 214

«على أن درجة الفاعلية في الاسم تثبت في اللغة العربية باستخدام صيغ أخرى تتمم هذه الصيغة من صيغ البناء للمعلوم أو البناء للمجهول أو فعل المطاوعة، فهناك صيغة المبالغة من مادة الفعل نفسه بغير حاجة إلى مادة مستعارة من غيرها، ففي اللغة العربية صيغ للمبالغة تعطينا من مادة الفتح كلمة «فتَّاح» بمعنى الكثير الفتح والمقتدر على الفتح على السواء، ولا مقابل لهذه الصيغة في اللغات الهندية الجرمانية إلا باستخدام جملة أو عبارة مركبة من عدة كلمات. وفي اللغة العربية صيغة من صيغ المبالغة تحكي الصفة المشبهة باسم الفاعل؛ لأنها تدل على حالة ملازمة بغير اعتبار للحدث والزمان … مثال ذلك أننا نقول: «كريم»، ولا نقول: «كارم»؛ لأنَّنا نريد التعبير عن صفةٍ ملازمة وعن خلقٍ ثابت لا يتوقف على حدث في زمن محدود … » (١) تلك مزايا تستحق التنبيه إليها «في زمان يكثر فيه من يتحدثون من العرب أنفسهم عن اللغات التي تصلح أو لا تصلح للتعبير السليم أو الفصيح في أبواب العلوم والآداب.» (٢) يقول د. عبد السلام المسدي: «لأول مرة في تاريخ البشرية - على ما نعلمه من التاريخ الموثوق به - يُكتَب للسانٍ طبيعي أن يعمر حوالي سبعة عشر قرنًا محتفظًا بمنظومته الصوتية والصرفية والنحوية، فيطوعها جميعًا ليواكب التطور الحتمي في الدلالات دون أن يتزعزع النظام الثلاثي من داخله، بينما يشهد العلم في اللسانيات التاريخية والمقارنة أن الأربعة قرون كانت فيما مضى هي الحد الأقصى الذي يبدأ بعده التغير التدريجي لمكونات المنظومة اللغوية.» (٣) (٥) الإعراب الإعراب مَطلَب العَقْل في اللغة. د. عثمان أمين

стр. 215

العربية لغة إفصاح وإبانة، والإعراب، أي تغير نهايات الكلمة وفقًا للمعنى المقصود، من آلياتها الرئيسة لتحقيق الدقة في الدلالة والوضوح في المعنى. رُوي أن رجلًا دخل على أمير المؤمنين عليٍّ كرم الله وجهه، فقال من غير إعراب: «قتل الناسْ عثمانْ»، فقال له أمير المؤمنين: «بيِّن الفاعل من المفعول رضَّ الله فاك». وروي أن أبا الأسود الدؤلي قالت له ابنته وهي تتأمل السماء: «ما أجملُ السماء»، فقال لها: «نجومُها»، فقالت: «ما عن هذا أسأل، وإنما أنا أتعجب» فقال: «إذن فقولي: ما أجملَ السماءَ»، وسواء أصحَّت هذه الروايات أم كانت من خيال واضعيها، فإنها تكشف عن الوظيفة الدلالية للإعراب. الإعراب ضروري للإفادة والإبانة وتماسك المعنى، والإعراب ضروري للكتابة البليغة والشعر الرفيع؛ لأنه يتيح للكاتب التقديم والتأخير وهو بمأمنٍ من اللبس والغموض، فيكون حرًّا في الارتكاز على ما يشاء من عناصر الجملة، ويقدم الأهم على المهم، ويحقق في السبك قيمًا تشكيلية وموسيقية ما كانت تتأتَّى لولا الإعراب الذي يضم حبات الجملة في سمطٍ واحدٍ ويضمن لها ألا تنفرط مهما اختلف ترتيبها وتتابعها. واللغات التي تتنازل عن الإعراب (مثل العامية، ومثل اللغات الأوروبية الحديثة بعامة) تضطر إلى تقييد الترتيب في عناصر الجملة لكي يؤدي وظيفة الإعراب. مثل هذه اللغات أسهل من لغة الإعراب بما لا يقاس، غير أنها تشتري السهولة بثمنٍ باهظ: بالغُلِّ والقيد وتصلُّب الفقرات، والثقلة الموسيقية والدلالية والبيانية. وفي فن الشعر بخاصة تتجلى أهمية حركات الإعراب، «فإن هذه الحركات والعلامات تجري مجرى الأصوات الموسيقية وتستقر في مواضعها المقدورة على حسب الحركة والسكون في مقاييس النغم والإيقاع، ولها بعد ذلك مزية تجعلها قابلة للتقديم والتأخير في كل وزن من أوزان البحور؛ لأن علامات الإعراب تدل على معناها كيفما كان موقعها من الجملة المنظومة، فلا يصعب على الشاعر أن يتصرف بها دون أن يتغير معناها، إذ كان هذا المعنى موقوفًا على حركتها المستقلة الملازمة لها، وليس هو بالموقوف على رصِّ الكلمات كما ترص الجمادات.» (١)

стр. 216

قلنا: إن حركات الإعراب تدل على المعاني دلالةً تسمح بالتقديم والتأخير ووضع الكلمة في الموضع الذي يناسب مبنى البيت ولا يخل بمعناه، انظر هذا البيت للمتنبي: أتى الزمانَ بنوه في شبيبته … فسرَّهم وأتيْناهُ على الهرَمِ وانظر هذا البيت: سِوى وجعِ الحسَّادِ داوِ فإنه … إذا حلَّ في قلبٍ فليس يَحُولُ وهذا: قمرًا نَرَى وسحابتَينِ بمَوضعٍ … منْ وجْهِهِ ويَمينِه وشمالِهِ مثل هذه الطواعية وهذه الحرية لا تتاح للغة غير مُعرَبة، ومثل هذا النسق لا يستقيم لشاعرٍ ينظم بغير العربية؛ «لأن الترتيب الآلي يقيده بموضعٍ لا يتعداه، حيث يطلقه الإعراب «العربي» المعدود في عرف أعدائه الجهلاء قيدًا من القيود!» (١) لا شك أن الإعراب يمثل صعوبةً معينة، ولولا ذلك لما قال عبد الملك بن مروان: «شيَّبني ارتقاءُ المنابر وتوقُّعُ اللحن»، ولكن لا يُماري أحدٌ في أن لغة الإعراب تهيب بالقارئ أن يستجمع قواه الفكرية، وتدعوه إلى حسن التأهب لقطع أشواط الفهم. إن المران على صحة الإعراب هو في الوقت نفسه مران على يقظة الوعي وجودة الفهم، فالعربية بحكم تركيبها وبنائها تتطلب من المرء يقظةً واعية وجهدًا موصولًا وبُعدًا عن الآلية، ومتى تعوَّد المرء بذل الجهد لاستجماع الفكر قبل أن يقرأ أو يكتب أو يسمع نشأ لديه استعدادٌ للفهم يلازمه طول حياته، وكان في أحكامه أقرب إلى الروية والتدبر وأبعد عن التهور والتحيز، (٢) وهذه فضائل مستفادة أثمن بكثيرٍ مما بذل فيها وأنفق من أجلها.

стр. 217

(٦) العَروض العربية لغةٌ عَروضية: «فالتركيب الموسيقي أصلٌ من أصول هذه اللغة لا ينفصل عن تقسيم مخارجها، ولا عن تقسيم أبواب الكلمات فيها، ولا عن دلالة الحركات على معانيها ومبانيها بالإعراب أو بالاشتقاق.» (١) وهذا ما يسَّر النظم لأصحاب السليقة الشعرية من العرب منذ أقدم عصور الجاهلية. كان الشاعر الجاهلي ينظم الشعر في مختلف بحوره بغير علم بهذه البحور، ثم جاء الخليل بن أحمد فاستخلص الوزن الموسيقيَّ الكامن في هذا الشعر، وقعَّد له قواعده وأحصى بحوره، فإذا نحن بإزاء موازين دقيقةٍ دقةً رياضية، لا تقل عن دقة الموسيقى الخالصة ومقاماتها وإيقاعاتها وسُلَّمها، «لا حاجة بالشعر العربي إلى إيقاع الرقص الذي يصاحب إنشاد الشعر في اللغات الأخرى؛ لأن أشعار تلك اللغات تستعير الحركة المنتظمة من دقات الأقدام وحركات الأجسام في حلقات الرقص أو اللعب المنسق على حسب خطوات الإقبال والإدبار والدوران، ولا حاجة بالشعر العربي إلى ملازمة الإيقاع المستعار من الرقص واللعب؛ لأن أوزانه مستقلة بإيقاعها الذي يميز أقسامها وحدودها ويُغْنيها عن الأقسام والحدود الأخرى، ولا حاجة بالشعر العربي إلى مصاحبة الغناء لترتيب أوقاته (أزمنته) وضبط مواقع المد والسكون في كلماته؛ لأنه مرتب مضبوط في كل كلمة، بل في كل جزء من أجزاء الكلمة، ويجمع بين الحركة والسكون، وما من وزن على وضع من الأوضاع لا تضبطه حركة الشعر المسموع بغير حاجة إلى الغناء.» (٢) وأبلغ من كل ما تقدم في الإبانة عن معدن اللغة العربية وعن هذه الخاصة الفنية فيها أن أوزانها تتفق في كل ترتيل فصيح، ولو لم يكن شعرًا مقصودًا، كما اتفقت في الآيات الكثيرة من القرآن الكريم، رغم أن القرآن ليس شعرًا وما هو بقول شاعر: مما يوافق وزن البحر الطويل: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. ومما يوافق وزن الكامل: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا﴾، ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ﴾.

стр. 218

ومما يوافق البسيط: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾، ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾. ومما يوافق الخفيف: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾. (١) ومما يوافق الرمل: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ﴾، ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾. ومما يوافق الوافر: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾، ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾. ومما يوافق المتقارب: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، ﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾، ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ﴾. والسريع: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾. الرجز: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾، ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. المتدارك: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. المجتث: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾، ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. الهزج: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ﴾، ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا﴾، ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ﴾. مخلع البسيط: ﴿يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾. مجزوء الرمل: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. مجزوء الخفيف: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾. وتوكيدًا لفكرة أن لغتنا استمدت أوزانها من صميم تكوينها، فقد نظرنا إلى الصفحة نفسها التي كتب فيها العقاد ما يوافق البحور من الآيات (الصفحة ٢٤ من

стр. 219

كتاب اللغة الشاعرة)، وأمكننا أن نحصي أربعة أشطر موزونة جاءت في حديثه النثري اتفاقًا خلال بضعة أسطر! «وكما جاء في كلام الرسول» (الخفيف). «ومما يوافق بحر الرمل» (المتقارب). «مبلغ أوزان العروض العربية» (الرجز). «من دقة التقسيم والتفصيلِ» (الرجز أو الكامل). (١) عروض النثر: للعربية عروضها وموسيقاها، حتى في النثر! النثر في العربية «موزون» بمعنًى ما، ويعرف كل ناثر عربي كبير أنه لا يكتب كيفما اتفق، ولكنه يعمد إلى ضربٍ من التحكم النغمي المقصود، وأنه كثيرًا ما يغير مواضع ألفاظه وينتقي مرادفات ويستبعد أخرى تلبيةً لدواعٍ نغمية خالصة، وكثيرًا ما تقلقه عبارات صحيحة من جهة النحو والصرف والمعجم، ولكنه يحسُّ لها نشازًا ما، فهو لا يسيغها صوتيًّا أو لا يستريح لها نغميًّا: لكأن بها «كسرًا» ما في عروض النثر! ولا يزال بها حتى يقوِّم زيغها ويُسْلِس نغمها، عساها أن تقع في سمع القارئ موقعًا حسنًا وتؤتي فيه أثرًا. (٧) غياب فعل الكينونة لكأن المثالية برُمَّتها حاضرةٌ في هذا الغياب. في كتاب «الحروف» لاحظ الفارابي أن «فعل الكينونة» To be لا يظهر في اللغة العربية لأن الوجود متضمَّنٌ في الكلام ولا يحتاج إلى إثبات، لكأن الديكارتية، بل المثالية الفلسفية بأسرها متضمنة في هذا الحذف. وقد يذهب البعض بعيدًا في تفسير تجاهل فعل الكينونة في الجملة الاسمية، ويراه قصورًا ناجمًا عن طبيعة حياة الصحراء الساكنة الساجية الرتيبة، حيث لا شيء هناك وراء الأشياء الواقعية البسيطة المحدودة، ليس ثمة فعلٌ كلي، ليس ثمة فاعلية بشرية حضارية متراكمة، ليس ثمة غير «وعي جماعي لم يتعرف على الأفعال الكبرى الفيزيقية

стр. 220

للحضارات القديمة، لم يدرب عقله للنظر إلى ما وراء الطبيعة من خلال علاقاته الإنتاجية التي يعرف من خلالها عالمه الميتافيزيقي؛ لهذا غاب عنه أن يكون الوجود نتاجًا لفعلي الكينونة والصيرورة، واكتفى فقرًا وعيًا وثقافةً وحضارةً بالنبأ أو الخبر؛ لهذا فالسماء الممتدة مجرد مبتدأ وخبر، وليست موضوعًا أو جوهرًا وفعل صيرورة مضمرًا وصفة أو محمولًا … أخبار بني … أخبار القدماء … أخبار الحروب القديمة … ليس ثمة غير الخبر يحرك بركته الراكدة، خبر عن الحب، السطو، الإغارة، المطر، الرياح، العواصف، الغائبين … الصحراوي مُستلَبٌ من الفعل المركب العميق، الفعل الإنساني للحضارات الكبرى، الذي يستشف منه فعل الصيرورة الكامن في الوجود والكون، الفاعلية البشرية المتراكمة، تفاعلها مع الطبيعية إلى القدر الذي يتمايز في عقلها البشري، وفعلا الكينونة والصيرورة في الأشياء الكبرى التي تمس الوجود، حتى لو كان فعل الآلهة، حيث المحيط الأزلي … النطفة الأولى … ومن ثم التكون والصيرورة.» (١) وباختصار، ليس ثمة غير خبر، أو انتظارٌ لخبر. أما د. حسن حنفي فيرى أن «فعل الكينونة ليس مجرد فعل، بل هو الوجود المتضمن فيه، يظهر في اللغات الأجنبية ولا يظهر في اللغة العربية لأن الوجود متضمن في الكلام ولا يحتاج إلى إثبات كما لاحظ الفارابي من قبل في كتاب الحروف.» (٢) وأما د. عثمان أمين فيقف وقفةً طويلة عند غياب فعل الكينونة في العربية، ويستكشف فيه فلسفة بتمامها! يرى د. عثمان أمين أن لغتنا العربية في طبيعة بنيتها وتركيبها لا تحتاج الجملة الخبرية فيها إلى إثبات فعل الكينونة، فنحن نقول في العربية، على سبيل الإخبار: «فلان شجاع» دون حاجة إلى أن نقول: «فلان يكون شجاعًا»، ونقول: «كل إنسان فانٍ» دون حاجة إلى أن نقول: «كل إنسان يكون فانيًا». وإذا قلنا في العربية مثلًا: إن «الأمة العربية واحدة» ثبت هذا المعنى في نفوسنا ثبوتًا لا يحتاج بعده إلى شيء من الخارج، لا فعل الكينونة ولا أي رمز آخر من رموز اللغة أو أي أمر من أمور الحس. والفكرة المفهومة من الارتباط واضحة ماثلة دائمًا في نفس العربي، يلتفت

стр. 221

إليها حين يواجه المعنى، فإذا أراد أن يبرزها أو أن يؤكدها مثَّلها بلفظٍ مثل قوله: «إنه هو الحق»، ومعنى هذا أن الإسناد في اللغة العربية يكفي فيه إنشاء علاقة ذهنية بين «موضوع» و «محمول» أو مسند إليه ومسند، دون حاجة إلى التصريح بهذه العلاقة نطقًا أو كتابةً، في حين أن هذا الإسناد الذهني لا يكفي في اللغات الهندوأوروبية إلا بوجود لفظٍ صريحٍ مسموع أو مقروء، يشير إلى هذه العلاقة في كل مرة، وهو فعل الكينونة في اصطلاحهم، ويسمونه في تلك اللغات «رابطة» Copula من شأنها أن تربط بين الموضوع والمحمول إثباتًا أو نفيًا، وقد التفت بعض المناطقة الغربيين في العصور الحديثة إلى تكلُّف هذه «الرابطة» اللفظية في أكثر اللغات الهندوأوروبية: فقد بيَّن جون ستيوارت مل في كتابه «نسق في المنطق» أننا لا نحتاج في الحقيقة إلى شيء سوى «الموضوع» و «المحمول»، وأن «الرابطة» إنما هي مجرد علامة على ارتباطهما من حيث هما موضوع ومحمول. (١) يرى د. عثمان أمين أن غياب فعل الكينونة ميزةٌ فلسفية امتازت بها لغتنا على غيرها من اللغات: فالعربية ترى من نافلة القول أن نضطر إلى إثبات فعل الكينونة في كل قضية كيما نصدِّق بها، بل أكثر من هذا، أن العربية تفترض «أولانيًّا» (٢) وابتداءً أن مجرد إخطار المعنى في الذهن، ومجرد «ثبوت الإنية» - كما يقول الفارابي وابن سينا - أو وجود الذات العارفة التي تقرر المعنى، كافٍ وحده لإثبات هذا المعنى، وبعبارة أخرى إن العربية تفترض دائمًا أن شهادة الفكر أصدق من شهادة الحس أو، بتعبير فلسفي شائع لدى فلاسفة العرب ومتكلميهم، أن العربية بطبيعة بنيتها وصياغتها تقرر أن «الماهية متقدمة على الوجود» (تقدُّم رتبةٍ وحيثيةٍ لا تقدم زمانٍ أو وضعٍ في المكان). ويعلم كل دراس للفلسفة الديكارتية أن فعل الكينونة هذا قد أحدث خلطًا في فهم الكثيرين للكوجيتو الديكارتي، وأدى إلى ارتباكٍ ذهني كبير في الغرب في مستهل الفلسفة الحديثة. مثل هذا الخلط لا يمكن أن يقع في اللغة العربية لأنها استغنت أولانيًّا عن فعل الكينونة، ولم تسلِّم بأن له وظيفةً منطقيةً، فضلًا عن عدم التسليم بأنه «فعل» من الأفعال اللغوية.

стр. 222

«إن «الكينونة»، تبعًا لمنطق اللغة العربية، هي في الوجود الذهني، والوجود الذهني متضمَّن في كل قضية صادقةً كانت أو كاذبة، ومن أجل ذلك وجدت اللغة العربية من نافلة القول أن تؤكد هذا الوجود بفعل الكينونة (الذي ليس في الحقيقة فعلًا): فهذه اللغة ترى أن كل ما يعرض للذهن، كل فكر، «كائن»، وهذا يصير بديهيًّا لمجرد كونه مفكَّرًا فيه. وها هنا مزية الذهن على المادة. إن الفلسفة الديكارتية التي تبدأ بالكوجيتو، ومنه تستخلص التمييز الحاسم بين النفس والبدن، تسير سيرًا مطِّردًا في الطريق الذي رسمته فلسفة اللغة العربية، وإن شئنا قلنا: إن اللغة العربية «مثالية» قبل مثالية ديكارت بمئات السنين، والفلسفة الديكارتية تجد ولا ريب سندًا لها راسخًا في مطالب اللغة العربية التي تفترض الوجود في الأذهان تحت كل فعل من أفعال العقل، وهي بهذا تقيم صدارة الفكر على كل ما عداه.» (١) (٨) لغة تحتضن منهجًا يقول د. عثمان أمين في كتابه «فلسفة اللغة العربية»: «فقد أظهرتنا بحوث الأستاذ لوي ماسينيون على أن اللغة العربية قد امتازت بخصائص قلَّ أن نجد لها مثيلًا في اللغات الأخرى؛ ففي حين أن اللغات الهندوأوروبية إنما جعلت للتعبير عن نظام العالم الخارجي، نجد اللغة العربية وكأنها هي لغة التأمل الداخلي؛ تأمل الفكر والروح. العربية «تملك ديالكتيك المعجزة» التي ترنو إلى الأبدي، وتصرف النظر عن المتغير وعن كل ما هو زائل، إن في العربية استعدادًا للرؤية الجوانية يتذوقه من نشئوا على التحدث بها، وفي العربية، بفضل تركيبها الداخلي وطراز الخلوة التي توحي به، قدرة خاصة على التجريد والنزوع إلى الكلية والشمول، ومن هنا كان للعرب الفضل في استكشاف رموز الجبر وصيغ الكيمياء والمسلسلات الحسابية. ويذكر ماسينيون أن «واحدًا من الأوروبيين المساكين» قال له مرة في معرض الزراية على العرب: «ليس لهؤلاء الناس أدب» فأجابه: «لم نقل في ثلاثمائة جملة ما يمكن أن يُقال في سطر واحد؟»، يقول ماسينيون: «إن الشعوبية المتزمِّتة، شعوبية دولة إسرائيل الجديدة، لا تؤمن بشيء قدر إيمانها بلغتها العبرية، وإن مدارسها الأولية تعلِّم العبرية وفقًا للإعراب العبري التقليدي المنقول عن

стр. 223

اللغة العربية، ووفقًا للأبجدية القديمة. اللغة العربية لغة وعي، ولغة شهادة، وينبغي إنقاذها سليمة بأي ثمن، للتأثير في اللغة الدولية المستقبلية، واللغة العربية بوجهٍ خاص هي شهادة دولية يرجع تاريخها إلى ثلاثة عشر قرنًا.» (١) ويقول المستشرق الفرنسي هنري لوسل في مقال له بعنوان «اللغة العربية والحضارة العربية الإسلامية تزودان الدارس لهما بنظرةٍ جديدةٍ إلى العالم»: « … يجد الطالب في العربية معاني لغوية تختلف اختلافًا كبيرًا عن معاني الفرنسية أو اللاتينية أو أي لغة أوروبية … ويستوقف نظره في الوقت نفسه سير الكتابة العربية من اليمين إلى الشمال، ولكن هذا السير يبدو مطابقًا لحركة فزيولوجية أكثر اتفاقًا مع الطبيعة. ثم إذا به يكتشف كلمات ذات أصول ملحَّنة واضحة ونسقًا صرفيًا مبتكرًا داخل الكلمة يستبعد كل إضافة خارجية من المقاطع لأوائل الكلمات أو أواخرها، ويتيح ثروة من الاشتقاق من الأصل الواحد، وتقدم العربية أيضًا نسقًا من قواعد الإعراب بسيطًا وفيه قدر كبير من المرونة، كما تقدم أساليب من تركيب الكلام تجمع بين البساطة والدقة، ونسقًا من الأفعال يتسم بالبساطة، ويحير الناظر أول الأمر ولكنه مع ذلك قد بلغ من التمام في منطقه ما بلغه النسق الفرنسي، ومع العربية ينفتح أمام نظر التلميذ عالم جديد يخالف العوالم التقليدية المأثورة. لقد ذهب التعليم الفرنسي إلى البلاد العربية، ولكنه عجز عن أن يفيد منها لنفسه نظرة جديدة عن الإنسان يعود بها إلى فرنسا. إن دراسة القرآن، ولو كانت دراسةً سطحية، تكشف للتلاميذ شيئًا فشيئًا تصورًا جديدًا للعالم.» (٢) وللأستاذ الدكتور يحيى الرخاوي خواطر وتساؤلات طليعية جريئة بشأن العربية والمنهج العلمي الذي تضمره في داخلها، وعلينا نحن أن نستكشفه ونفيد منه، يتساءل د. الرخاوي: «هل يتغير المنهج العلمي بتغير اللغة أم أن المسألة هي مجرد تغيير ألفاظ؟» ولا يفوته أن يشير بسهمٍ إلى إجابة: « … ولعل اللغة العربية بثباتها كل هذه القرون هي التي حافظت على علاقتنا بالطبيعة، ولعلها توحي لنا مؤخرًا - إذ نحاول الإفاقة - أن

стр. 224

للحياة هدفًا آخر، وأن الإنسان ليس إلهًا وأن المنهج القائم الغالب والمحتكر لما يسمى علمًا لا يفي بسبر غور الحقيقة كل الحقيقة، أو أغلبها، وأن لنا علاقة متصلة بالطبيعة غير الاقتحام والسيطرة والاستنزاف … إن الانطلاق من لغتنا العربية، تركيبًا له بنيته الخاصة، وليس ترجمة عاجزة عن الحركة المستقلة، لهو من العوامل الأساسية التي قد تتيح لنا الفرصة لاختبار منهج آخر أكثر قدرة على سبر غور الحقيقة والإلمام بأبعاد المعرفة، وليس هنا مجال لتفصيل أكثر، وإنما أكتفي بمجرد الإشارة إلى ما سبق أن أشرتُ إليه من أفول نجم هذا المنهج التجريبي المعتمد على الرصد السلوكي كأساس يكاد يحتكر ما يسمى موضوعية المعرفة؛ الأمر الذي يتواكب مع مناهج وطريقة تفكير تصبغ الطبيعة الحديثة والرياضة الحديثة، وتفتح الأفق إلى مناهج ومنطق أكثر قدرة وكلية وإحاطة وتداخلًا، وكلها مناهج أقرب إلى بنية اللغة العربية القادرة منها إلى التنظيم الخطِّي المنفصل بعضه عن بعض في لغات أخرى مسطحة بشكل أو بآخر. لو تبينَّا أننا نتميز عن غيرنا، ليس بالضرورة تفوقًا فقط، مجرد تميز، وأن هذا يسمح لنا بالحركة في مساحة أخرى، من منطلق آخر، وأن هذا وذاك يتيح لنا فرصة اقتحام مجاهل المعرفة بشكل آخر في مسار آخر، وأن كل هذا يعني أن لنا توجُّهًا آخر؛ لو حدث كل هذا فإنه يحتاج إلى أن نفعله من خلال بنيتنا العربية المتدينة الغائرة التي بعض صورها النطق بهذا اللسان العربي. فالعقل العربي لا يستعيد استقلاله وحريته باستعادة النطق بلسانه، وإنما تتاح له الفرصة من خلال استعمال لغته - تركيبًا غائرًا - بما يتيح تجديدها، ثم هو يستعيد أو لا يستعيد - بحسب مسئوليته وإسهامه - دوره، فريادته على طريق المعرفة/ الحضارة/ التطور، فإذا فعل عادت لغته إلى الحياة ثم تطورت بدورها فأعطت وتحاورت، وإذا لم يفعل فهو الخاسر نفسه ولغته وعطاء غيره في آن، ولا يبقى له إلا أن يتبع ويطيع (ويسمع الكلام)!» (١)

стр. 225

الفصل العاشر ضرورة الإصلاح نحن بين اثنتين: إما أن نُيسِّر علوم اللغة العربية لتحيا، وإما أن نحتفظ بها كما هي لتموت. طه حسين مستقبل الثقافة في مصر في كتابه الذي صدر عام ١٩٥٤ يقول الأستاذ سعيد عقل: «معضلة اللغة عرضت وستعرض لكل الشعوب المتمدنة؛ لأن اللغة بطبيعتها تخلق لنفسها هذه المعضلة كل نحوٍ من ألف عام، أما مبدأ الحل فقد استخرج من الحياة: اللغة هي ما في الفم لا ما في الكتاب، ولو أن رقعة العالم الغربي، على سعتها، من اسكتلندا إلى صقلية، مضافًا إليها رومانيا، بقيت مسايِرةً عاطفيةَ الشعب وما تتوهمه من وحدةٍ لغويةٍ تربط بين أجزائه، لما كانت إيطاليا وفرنسا وإنجلترا وألمانيا اليوم زعيمات العقل الغربي، ولما أطلعْنَ عباقرة الشعر والفلسفة.» (١) … «معضلتان (اللغة والتدوين) على حلهما في الشرق يتوقف إيجاد

стр. 226

اللغة التي هي حق كل المؤسسات، وما بقي الحُقُّ خرِبًا فعبثًا نفكر باقتناء العطور، لا نهضة لنا في الشرق ما لم نحل معضلتي اللغة والتدوين.» (١) وإذا كنا لا نتفق مع الأستاذ سعيد عقل في الحل الذي خلص إليه، فنحن نذكر له التفاته المبكر للمشكلة وإدراكه العميق لخطرها. موت اللغات هو ألا تعود تستعمل. وما تعانيه العربية اليوم ليس محلًّا للجدل بل للملاحظة. ما تعانيه العربية اليوم أشبه بالموت السريري: لكأنها ماتت ونحن نتكتم الخبر ونحفظ حياتها اصطناعيًّا بمضخات التنفس والتقطير الوريدي. وما أوصلنا لهذه الحال سوى سلفٍ أغلق باب الاجتهاد، وخلفٍ لجَّ في التزمُّت، ومجمعٍ تردد في العلاج، وأساتذة ترددوا في التعريب، ومرفقٍ تعليمي باع التعليم وأكل من خبز الهيكل، وشعراء اغتربوا وأغربوا وآثروا أن يكتبوا لأنفسهم لا للناس، وعقلٍ عربيٍّ عَقِم عن الإبداع وهو مشطورٌ بين فصحى لا يجيدها وعاميةٍ لا تجيده! (١) تشبيه دورة الحياة هذا جاثومٌ ما قصصته إلا لكي أنذر بحجم الخطر الذي يتهددنا، وحرج الموقف الذي نعيشه؛ فاللغة وسيط التفكير والحس والشعور والإبداع، وموت اللغة يعني موت هذه الأشياء جميعًا. على أن الأمر لا يعدو أن يكون «تشبيهًا» أو «مماثلة» (أنالوجي): فالحق أن اللغة «تُشبِه» الكائن الحي ولكنها ليست كائنًا حيًّا، وقد سبق لفلاسفة التاريخ أن شبهوا الحضارات بالكائن الحي وأخذوا ب «مماثلة دورة الحياة» Life Cycle Analogy، فارتكبوا مغالطة، وبلغ الغلو بالبعض أن يمتد بالتشبيه إلى تبرير الاستعمار! (٢) وفاته أن الشبه غير الهوية، وأن التشبيه وسيلة إيضاح لا برهان، وأن التشبيه قد ينطبق

стр. 227

في جوانب ولا ينطبق في أخرى؛ وعليه فإذا كانت اللغة مثل الكائن الحي تنشأ وتنمو وتشيخ وتموت، فإنها بعكس الكائن الحي قد تحتفظ بالحياة بل قد تعاد إلى الحياة إذا شاء أهلها ذلك: فقد اختار اليابانيون الاحتفاظ بلغتهم في أحلك الظروف كأداة للعلم وعنوان للهوية، وقد بعث جيرانُنا الألدَّاءُ العبرية من مرقدها لتكون لغة حياة وأدب وعلم، وإن مهمتنا تجاه العربية لأيسر بكثير من مهمتهم التي بدأوها وأكملوها! وإن لدينا من الدواعي القومية والروحية مثل ما لديهم وزيادة. (٢) بين الحتمية الاجتماعية والمذهب العملي تخضع اللغة في سيرها، كما يقول د. علي عبد الواحد وافي، لقوانين مطردة ثابتة، لا يد لأحدٍ على وقف عملها أو تغيير ما تؤدي إليه، ولا نقصد بذلك أن نقرر مبدأ الجبرية المطلقة في حياة اللغة، ولا أن ننكر إمكان التدخل في شئونها، ولكننا نقصد بذلك أن نبين أن كل تدخل يتنافر مع القوانين الطبيعية التي تسير عليها اللغة في حياتها لن يغير شيئًا مما تقضي به هذه القوانين، وأن التدخل المنتج هو الذي يساير هذه القوانين، ويهيئ الظروف المواتية لتحققها في الناحية المقصودة.» (١) «فما ذهب إليه فرنسيس بيكون بصدد التدخل في الظواهر الطبيعية إذ يقرر أنها «لا تمكن السيطرة على ظواهر الطبيعة إلا بطاعتها ومسايرتها» يصدق كذلك على ظواهر اللغة وما إليها من الظواهر الاجتماعية الأخرى.» (٢) وفي المجال الاجتماعي والتاريخي يقول ماركس في «رأس المال»: «حتى إذا اهتدى مجتمعٌ ما إلى الطريق الصحيح لاكتشاف القوانين الطبيعية لحركته، فما هو بمستطيع، لا بقفزات جريئة ولا بتشريعات قانونية، أن يزيل العقبات التي تفرضها المراحل

стр. 228

المتعاقبة لنموه الطبيعي … فذلك أمر يتوقف على هذه القوانين نفسها، وعلى هذه الميول وهي تمضي بضرورة لا تلين إلى نتائج محتومة» … وبعبارة أخرى فإن معرفة المجتمع لقانونه الطبيعي الذي يعين حركته لن تمكِّنه من تخطي المراحل الطبيعية لتطوره أو حذفها من الوجود بجرة قلم، وليس باستطاعته أن يفعل إلا شيئًا واحدًا: هو التقليل من آلام الوضع والتقصير من مدتها، غير أن الماركسية، وكل نزعة تاريخية حقيقية، لا تستلزم القول بالقدرية ولا تؤدي إلى التكاسل عن العمل، بل الصحيح خلاف ذلك تمامًا، فكثير من التاريخانيين تظهر عندهم ميول واضحة نحو «النزعة العملية» Activism، والمذهب التاريخاني يعلم تمام العلم أن رغباتنا وأفكارنا وأحلامنا واستدلالاتنا، ومخاوفنا ومعارفنا، ومصالحنا وأعمالنا، هي كلها قوًى مؤثرة في تطور المجتمع. ولا يقول المذهب بعجزنا عن إحداث أي شيء كان، وإنما يتنبأ بأنك لن تستطيع أن تحقق شيئًا بأحلامك أو بما يركبه عقلك طبقًا لخطة مرسومة، فلا تأثير إلا للخطط التي تتمشى مع تيار التاريخ الرئيسي. ونرى الآن على وجه الدقة أي نوع من العمل يعتبره التاريخانيون معقولًا؛ فالأعمال المعقولة ليست إلا ما يتلاءم مع التغيرات الوشيكة الوقوع ويساعد على تحقيقها؛ إذن فالتوليد الاجتماعي هو العمل الوحيد الذي يمكن أن يُعتمد عليه على أساس من بُعد النظر العلمي. إن المجتمع متغير بالضرورة، ولكنه يسير في طريقٍ مرسوم لا يمكن أن يتغير، ويمر بمراحل عينتها من قبل ضرورةٌ لا تلين، ومن ثم فالنزعة العملية لا يمكن تبريرها إلا إذا سايرت التغيرات الوشيكة الوقوع وساعدت على تحقيقها. إن خضوعنا لقوانين التطور القائمة هو كخضوعنا لقانون الجاذبية أمر لا مفر منه، وإن أكثر المواقف مطابقة للعقل هو أن يعدل المرء مجموع القيم التي يأخذ بها بحيث تصير موافقة للتغيرات الموشكة على الوقوع. (١)

стр. 229

هذا إسهاب مقصودٌ حتى يعلم كل من يحاول إصلاحًا لغويًّا أن عليه «أن يعمد قبل كل شيء إلى دراسة حياة اللغة، ومناهج تطورها، وما تخضع له في حياتها من قوانين؛ حتى يتميز له الممكن من المستحيل، ويستبين له ما يتفق مع السنن الكونية وما يتنافر مع طبيعة الأشياء، وحتى تأتي إصلاحاته مسايرة لهذه الطبيعة، فتؤتي أكلها وتكلل بالنجاح.» (١) من هنا يأتي إلحاح المجددين في اللغة على معرفة السنن الخاصة بتطور العربية من أجل تطويرها على نحوٍ صحيح ناجح، يقول الأستاذ أمين الخولي: «هذا التطور يقتضينا عملًا جليلًا جبارًا في الدرس اللغوي للعربية، كشفًا لمسارب سيره ومسالك تنقله، ليكون حديثنا عن هذه العربية حديثًا صحيح الأصل سديد الخطوات، وليكون عملنا في خدمتها أو إصلاح شيء من أمرها صحيح الأساس، موفق الاتجاه، محققًا لغاية … حين يأخذ الوجهة التي يدل التطور على اتجاهها إليها.» (٢) وفي كتابه «مقدمة لدرس لغة العرب» يقول الأستاذ عبد الله العلايلي: «إن اللغة العربية أخذت طريقها التطوري في الحياة، تمر من دور إلى دور، وتتغير تغيرًا شاملًا في أصولها وكلماتها ودلالاتها وأسلوبها ومنهجها البياني، وحتى ظهور الإسلام لم تكن قد استقرت على وجه التمام، بل ظلت غير خالصة من علائق الفوضى في غير ناحية، كالموازين وصيغ الجموع وأبواب الأفعال … إلخ، وذلك النقص لأسباب انقلابية مفاجئة، وقفت بها عند حد ما نراها مسطورة في الكتب العجمية … وقفت اللغة، ولم تنته، فكان

стр. 230

لها انجذار مفاجئ أوقف ما فيها من عناصر فعالة … وقد بقي فيها شيء من مظاهر الطفولية، اجتهدت العربية بالتخلص منه، ولكن بقي على بعض صوره، والمسافات الواسعة التي بقيت واضحة في منطق القبائل الشتى، ومنطق القبيلة الواحدة، حتى ذهل من كثرتها علماء اللغة جميعًا، وراحوا في تعليلها على مذاهب متباينة، وابتدعوا لها وجوهًا من الاختلاف القبلي وتداخل اللغات والضرائر والشذوذ والغلط، وهي في حقيقة الأمر ليست غير أثر من آثار التطور العامة، الذي تخضع له كل لغة في سيرها الارتقائي، وتبقى هذه البواقي والمتخلفات؛ لأسباب مكانية وظرفية، أو لأن التطور لم يتم دورته، والذي لا شك فيه أن العربية لم تستقر لعهد القرآن على وجهٍ نهائي … وكانت تصل إلى مستوًى بعد ذلك لو ظلت في محيطها بجزيرتها دون خروج، لكن خروج العرب من الجزيرة في الحركة الإسلامية منع ذلك.» (١) لقد مضت العربية في تطورها على مذهب خاص ومعقول عربي لو أدركناه لاستطعنا أن نجعل العربية تتابع نماءها، وتحقق ما اتجه إليه ارتقاؤها، ولكنه توقف بخروج العرب من الجزيرة عند الفتح الإسلامي وتوزعهم في الأنحاء، ثم تناول اللغويون للعربية تناولًا طابعه الجمع فقط، وفقدان النظرة العامة إلى اللغة، والوقوف في وجه كل اجتهاد. (٢) يشيد الشيخ أمين الخولي بمحاولة العلايلي النظرية (مقدمة لدرس لغة العرب) والتطبيقية (المعجم)، ويرى أن العلايلي لا يقف عند بيان هذا التطور، بل يمضي إلى ما وراء ذلك من اهتداء بهذا التطور في دفع العربية اليوم إلى السير استئنافًا لتطورها الذي أوقفه خروجها من الجزيرة عند الفتح الإسلامي، فهو يهتدي بهذا التطور إلى معرفة «معقول» العربي ووجهته في السير بلغته، أو سير الحياة بها، وما كان ينتظر أن ينتهي إليه الأمر في رقيها واستقرار أمرها، والتخلص من ظواهر الفوضى أو الاضطراب في مادتها وصورتها، وبهذا الهدي التطوري يرى أننا نستطيع رد الحياة إلى العربية، ودفعها إلى استكمال ما عوقتها الظروف عن استكماله فتقرر اليوم النتائج التي دلنا التطور على أنها كانت تتجه إلى تقريرها، وتبسط رقعة الوضع أمام الواضع الجديد

стр. 231

اليوم، وبهذا تستبدل العربية بضمورها نماءً، وزيادة، على أنها ستنمو نموًا داخليًّا ذاتيًّا بمواد من كيانها لا بمعربات من غيرها، ولا منحوتات مصطنعة من كلمها. (١) من النتائج التي رتبها العلايلي على ما قال إنه معقول العربي ووجهته في السير بلغته، والتي يرى أن علينا نحن أن نتابع تحقيقها لنصل بالعربية إلى الاستقرار والاستكمال والتخلص من ظواهر الفوضى والاضطراب: اختلاف أبواب الفعل الثلاثي مثل من عدم الاستقرار، ويظن العلايلي أن العربي قصد طرد الأفعال المضارعة على الكسر دون تخلف، فالماضي يكون على وزن «فعل» - بفتح العين مطلقًا، إلا لحاجة معنوية فينقل قياسًا إلى بابي «طرب» و «كرم»، وهذا في غير الحلقي فيكون من باب «فتح» مطلقًا؛ وعليه فكل ماض بالفتح مطلقًا، وكل مضارع بالكسر مطلقًا، وكل حلقي بفتحتها مطلقًا، وكل اشتقاق مستقبل يلزم هذا السبيل وينطرد عليه، على أنه لا يخرق بهذا حرمة النص، بل يتقيد بما مضت به المعاجم إذا كان محل وفاق، فإن اختلفت فيه فالراجح الكسر (مقدمة لدرس لغة العرب). المصادر من الثلاثي بقيت قلقة كذلك، وكذلك الجموع لم تستقر إلا في قلة من الكلمات، غير أن العربي أخذ بصورة جدية لإقرارها. لم تتحدد للصيغة دلالة على اطراد، فتحمل الكلمة معنيين أو معنًى مؤلفًا مما تقيده الصيغة والمادة التي منها الاشتقاق، على أن العربية مع كل ما ترى فيها من فوضى هذه الناحية لا ينكر أنها أخذت في سيطرة الاشتقاق وغلبته بهذا النحو، وبقاء الموازين على فوضاها لا يتناسب مع المفاهيم العلمية الدقيقة، التي تضطرنا لأن نجعل دلالة لازمة أبدًا للهيئة الميزانية، ومن ثم لا يكون عناء الوضع كبيرًا، كما ترتسم للميزان أيضًا صورة عند السامع، تكون على مقدار من المعنى. فعلى الواضع الجديد أن يتوفر على تخصيص الموازين بما يقارب أن يكون جامعًا لشتى المشتقات عليها. (٢) تلك مجرد شواهد على أن محاولة فهم التطور اللغوي للعربية تنتهي بالباحثين إلى نتائج بعيدة وهامة، وأنه لا سبيل إلى رد الحياة على العربية وتيسير النماء الحي لها إلا

стр. 232

إذا عُرف كيف دبت الحياة في هذه العربية، وكيف سارت الحياة بها لنعرف من ذلك كيف تتابع سيرها في هذه الحياة. (٣) التزمُّت يخلق الثورة مات الكسائي شيخ الكوفيين وهو لا يحسن «نِعْمَ» و «بِئس»، وفارق تلميذه الفراء الدنيا وفي نفسه شيءٌ من «حتى». الضغط يُولَّد الانفجار، والتصلب الانكسار، والتزمُّت الثورة. ويوشك المحافظون الغيورون أن يقتلوا العربية اختناقًا، وفيما يلي أورد قطوفًا من أقوالٍ حقيقية لمجمعيين حقيقيين، ثقاتٍ أئمة، في مناقشاتهم في دورات المجمع: « … ولنقف عند هذا خشية أن ينتهي الأمر إلى اعترافٍ كامل بها (العامية) له أخطاره ومغبته.» (د. بيومي مدكور) «ومجمع اللغة العربية لا يؤخذ بأخطاء الناس، ولكنه يؤخذ إذا هو وضع خاتمه الشرعي على أخطاء الناس، ولا يجوز لنا أن نجيز أخطاء الناس وإن كنا أحيانًا نسكت عنها. لعل إخواننا في مصر لا يدركون مدى الحملة على اللغة العربية في أقطارٍ أخرى، ولم يحسوا بالخطر الكامن وراء الدعوة إلى التمهيل والتبديل في اللغة العربية، فرجاؤنا أن يشعروا معنا بذلك، وأن يظلوا السور الذي يحمي لغتنا فلا يفتحوا فيه ثغرةً جديدة.» (د. عمر فروخ) « … يجب ألا نفتح ثغرة مهما كانت صغيرة ينفذ منها من يريدون القضاء على العربية.» (أ. زكي المهندس) « … فأما حملة د. محمد كامل حسين على اللغة العربية وأنها يجب أن تساير العصر ويُتساهل فيها فهذا غير ما بُني عليه المجمع من المحافظة على سلامة اللغة العربية، وحملته على الأشموني والألفية فيها تجنٍّ كثير، فهذه الكتب حفظت لنا اللغة بدقائقها وتفاصيلها، وإذا كان فيها شيءٌ من الصعوبة فلها من يستسيغها ويفهمها.» (الشيخ محمد علي النجار) «يجب أن تُقوَّم الألسنة المعوجة لتستقيم على منهاجها الواضح المبين، لا أن تعوج هي لتطاوع الألسنة المعوجة بحجة التيسير عليها لتبقي على اعوجاجها.» (أ. عبد الفتاح الصعيدي)

стр. 233

«لا أرى أن نتخذ من القواعد ما نقر به المخطئ على خطئه، ومن الخير أن نلتزم اللغة الفصحى، وننبه على أن المستعمل بخلافها في الصحف أو غيرها غير مقبول، وليس من الخير أن نضع خاتم الشرع على أخطاء الكاتب أو المتحدث، ولو أجزنا لكل مخطئ أن يخطئ فسينتهي بنا الأمر إلى تسويد لغة العامة.» (د. عمر فروخ) تلك أقوالٌ محافظة اجتزأتُها اجتزاءً وانتقاءً لكي تمثل المنطق المحافظ، مع كل الإجلال للقائلين ونياتهم الطيبة. إنهم يتحدثون كأن المعيار هو التراث لا العرف، أو كأن السلطة هي المجمع لا الحياة، ويصدرون الأحكام من غير سُدة الحكم! ولقد تركتهم اللغة يحافظون عليها في عالمهم الافتراضي ومضت في سبيلها لا تلوي على شيء. لقد أتت جهودكم بعكس الذي توسموه، وها هي شواهد احتضار العربية تكاد تفقأ عين أوديب. التطور لا يغالَب بل يوجه ويضبط، وقديمًا قال ماكيافيللي للأمير «إذا أردت أن تتفادى ثورةً فاصنعها بنفسك!»، وقريب من ذلك قول د. محمد كامل حسين في مؤتمر المجمع، الدورة ٢٨، ١٩٦١: «فيما يتعلق بالثورة على اللغة في لبنان أرى أن الطريقة إلى منع الثورة في كل العالم هو التطور التدريجي، فلو تطور الروس ما قامت الثورة الروسية، والمحافظة الشديدة على تفاصيل اللغة العربية الفصحى على صعوبتها ستؤدي إلى الثورة عليها وانتصار العامية، والطريقة الوحيدة لتلافي ذلك هو التطور بالفصحى، وأؤكد أن التطور يكون إلى التقدم، والتقدم أميل إلى التبسيط» (مجلة المجمع، ج ١٥، ص ٨٠). نعم، التبسيط يُماشي سُنن التطور ويساير اتجاهاته وميوله، وقد سبق أن قلنا: إن مبدأ «الاقتصاد» من أهم السنن المسيرة للتطور اللغوي، وكذلك مبدأ «القياس» بمعنى الاطراد والتجانس، ينبغي أن نعترف أن الفصحى على حالها الراهن صعبةٌ عسيرة الدراسة والتمثل. وهذا طه حسين، وهو سيد من سادة الفصحى، يقول في «مستقبل الثقافة في مصر»: «معنى ذلك أن تيسيره (أي تعليم العربية) قد أصبح فرضًا لا محيد عنه، وضرورةً لا خلاص منها، فليس كل الناس قادرًا على أن يتعلم اللغة العربية قراءةً وكتابةً وفهمًا مع ما تمتاز به قراءتها وكتابتها وعلومها من الصعوبة والتعقيد، وليس كل الناس مستعدًّا لأن ينفق من حياته الأعوام الطوال ليدرس أبواب النحو والصرف كما يريد هؤلاء السادة أن يحتفظوا بها، حتى إذا أنفق من وقته ما أنفق، وبذل من جهده

стр. 234

ما بذل.» (١) … «وأنا من أجل هذا أدعو إلى أن تتولى الدولة بواسطة العلماء القادرين إصلاح علومها وتيسيرها والملاءمة بينها وبين الحياة الحديثة والعقل الحديث، وأنا نذيرٌ للذين يقاومون هذا الإصلاح بخطرٍ منكر ما أرى أنهم يحبونه أو يطيقونه أو يسعون إليه أو يرغبون فيه، وهو أن اللغة العربية الفصحى إذا لم ننل علومها بالإصلاح صائرةٌ، سواء أردنا أم لم نرد، إلى أن تصبح لغةً دينية ليس غير، يحسنها أو لا يحسنها رجال الدين وحدهم ويعجز عن فهمها وذوقها فضلًا عن اصطناعها واستعمالها غير هؤلاء السادة من الناس … فاللغة العربية في مصر لغة إن لم تكن أجنبية فهي قريبة من الأجنبية، لا يتكلمها الناس في البيوت، ولا يتكلمها الناس في الشوارع، ولا يتكلمها الناس في الأندية، ولا يتكلمها الناس في المدارس، ولا يتكلمونها في الأزهر نفسه أيضًا … فالخطر الذي أنذر به إذا لم نتدارك اللغة وعلومها بالإصلاح والتيسير؛ إن لم يكن واقعًا فهو قريب الوقوع، وتبعة هذا كله إنما تقع على الذين يمانعون في الإصلاح والتيسير … وينسون أن الذين أنشئوا هذه العلوم (علوم اللغة) إنما أنشئوها لأسباب منها حماية اللغة من أن تفسد أو تضيع، كما أننا نريد أن نصلحها ونيسرها لنحميها من أن تفسد أو تضيع … أريد كما يقول بهي الدين باشا بركات في هذه الأيام، وكما قال غيره من قبله، أن يقرأ الناس ليفهموا لا أن يفهموا ليقرءوا … والخير كل الخير أن نقبل على هذا الإصلاح عن رغبة ورضا، لا أن نعرض عنه حتى تفرضه علينا الظروف إن انتصر، أو تموت اللغة العربية إن كتبت لها الهزيمة لا قدر الله.» (٢) وها هو الأستاذ محمود تيمور، وهو أديب كبير وعضو مجمع، يقول: «لا خلاف على أن قراءة الكلام غير المضبوط قراءةً صحيحة أمرٌ يتعذر على المثقفين عامة، بل إن المختصين في اللغة الواقفين حياتهم على دراستها لا يستطيعون ذلك إلا باطراد اليقظة ومتابعة الملاحظة، وإن أحدًا منهم إذا حرص على ألا يخطئ لا يتسنى له ذلك إلا بمزيد من التأني وإرهاف الذاكرة وإجهاد الأعصاب.» (٣) ويقول حسام الخطيب: «ولا نعرف أناسًا في الدنيا يستخدمون لغتهم بمثل ما يصاحب استخدام اللغة العربية لدى أبنائها من تهيُّب وتحفُّز وتردد وتوتر نفسي ورهق.» (٤)

стр. 235

وها هو الدكتور محمد كامل حسين، وهو ضليع في اللغة وعضو مجمع، يقول في واحدة من مداولات المجمع عام ١٩٦١: «أما فيما يتعلق بالإبقاء على اللغة العربية، فإننا نعمل جهد الطاقة للحفاظ عليها، غير أننا لا نريد أن نبقيها متحجرة حتى لا يبعد عنها المثقفون، وهذا لا يتأتى إلا بأن نغير منها بحيث تصبح مقبولة عند المحدثين، أما التمسك بجميع تفاصيل قواعد النحو والصرف فهذا يتطلب أمة متفرغة للغة وقواعد اللغة، وهذا زمن انتهى فلم يعد في الإمكان أن تكون جميع الحركات الفكرية العربية متعلقة باللغة وحدها، فوقتنا لا يسمح مطلقًا بأن تكون الثقافة العربية محصورة في اللغة وإلا احتاج الأمر إلى أن نتفرغ لها مدى الحياة لكي نعرف ما هو الصحيح وما هو الخطأ، وحتى علماء اللغة دائمو الرجوع إلى معاجمها، ونحن نفعل ذلك هنا (في المجمع) دائمًا وبيننا صفوة من علماء اللغة، فمن يريد المحافظة على اللغة العربية لا يرضى لها أن تبقى متحجرة أو محنطة، بل يجعلها مسايرة للحياة، ولمطالب المحدثين الذين يريدون لغةً عربية مقبولة … هذا النوع من التفكير أصبح لا يطيقه العصر الحاضر، نريد أن نسهل هذه القواعد بحيث تصبح في متناول المتكلمين؛ حتى لا يشعروا بالعجز وبأنهم دائمًا مخطئون، فكل منا مهما كان علمه سيجد من يخطِّئه.» (١) يقول أدونيس: «إن ما ينبغي أن نتمسك به ونحاكيه هو، بالأحرى، ذلك اللهب الذي حرك أسلافنا، لهب السؤال، والبحث والمعرفة، من أجل أن ننتج ما يكمل نتاجهم، برؤيةٍ جديدة للإنسان والكون، وبمقارباتٍ معرفية جديدة، وهذا يقتضي تفكيك معارفهم ونظراتهم وتمثلها نقديًّا، بحيث يبدو الجديد كأنه طالعٌ من القديم، لكنه في الوقت نفسه، شيءٌ آخر، مختلفٌ كليًّا، وفي هذا سر التواصل العميق الخلاق بين القديم والحديث.» (٢) (٤) الإصلاح لا يكون إلا جزئيًّا هناك اعتبارٌ آخر ينبغي أن يراعيه كل مصلح، لغوي أو غير لغوي، يريد لعمله أن يبلغ غايته ولا يذهب أدراج الرياح، ذلك أنك لا تبدأ إصلاحك من «نقطة أرشيميدية» تقع خارج العالم! ولا تبدأ من «رسم» Blueprint يوتوبي مثالي كامل تريد أن تطبقه على

стр. 236

واقع عنيد صلب له تعاريجه وتضارسه، وله ميوله واتجاهاته، وله مقتضياته وإملاءاته، ثمة معطيات قائمة عليك أن تبدأ منها وبها، ومن ثم فإن الإصلاح الحقيقي لا يكون إلا جزئيًّا متدرجًا. إن البشر، كما يصفهم أوتو نويرات في تشبيهٍ شهير، «أشبه ببحارة سفينة في عرض البحر: يمكنهم أن يصلحوا أي جزء من السفينة التي يعيشون فيها، ويمكنهم أن يصلحوا السفينة كلها جزءًا جزءًا، ولكن لا يمكنهم أن يصلحوها كلها دفعةً واحدة». أول خطوة إصلاحية هي إعادة اختراع «الدولة»! وهي، إن شئت الدقة، ليست خطوةً بل هي شرط كل خطوةٍ وأرضيتها: ثمة «أمرٌ» لا بد له من «ولاة»! ثمة علوم يجب أن تُعرَّب، فلنبدأ بالتعريب أولًا ثم نتناقش في أمر النتوءات العابرة التي ستصادفنا والتي يذللها السير نفسه: لنبدأ، «اختباريًّا» Tentatively بقسمٍ من الطلاب يدرسون بعض المواد بالعربية، مع كتابة المصطلح الأجنبي إجباريًّا والإلمام به والسؤال فيه، لا معنى لتسويف هذه التجربة البسيطة التي نوقن بنجاحها: بمنطق العقل، ومنطق الأشياء، وخبرة الأمم الأخرى، ثم نتدرج في التعريب، وأول الغيث قطرة. ثمة قنوات فضائية للأطفال، فلندبلج، وننتج، لهم أجود الرسوم والأفلام بعربية شائقة ميسرة، ولنجند لذلك أقدر الممثلين والمخرجين، بإشراف المجمع، ورعاية الدولة وإغداقها. ثمة قنوات فضائية مرموقة وسابقة، كالجزيرة، تعمل بالعربية بنجاحٍ تام وجاذبية مشهودة، فلنعمم التجربة عندنا ونفرد قنواتٍ تنطق بفصحى ميسرة، ترفرف كالعرب على الإعراب ولا تتفيهق فيه وننتدب لها أكفأ الإعلاميين ونُغدِق. ثمة ندوبٌ وبثور في وجه القاهرة والمدن الأخرى: لافتات وإعلانات وواجهات بالإنجليزية والعامية، لها أن تمهل للإزالة؛ حفاظًا على الهوية القومية والذوق العام، ولسنا في ذلك بدعًا بين الأمم. لنشجع حفظ القرآن، بغض النظر عن الديانة وبمعزلٍ عن المسألة الدينية، ونجعل لحفظته مزيةً كالتي لأبطال الرياضة في الشهادات العامة، وإن سلامة اللغة لمزيةٌ علمية كبيرة يحق لصاحبها، من أي ديانة، أن يتميز على أقرانه. لنتوقف عن السخرية من العربية ومن أستاذ العربية في أفلامنا وإعلامنا، ماذا يضحكنا في ذلك؟ إنما يضحكنا جهلنا واغترابنا عن ذاتنا وخزينا في أنفسنا! إننا لفي غنًى عن ضحكةٍ تباع لنا بثمنٍ باهظ، وإن مجال الضحك من بعد ذلك لممدودٌ ذو سعة.

стр. 237

(٥) الاستعمال وصفةٌ شاملةٌ للإصلاح اللغوي: نريد لغةً نستعملها لا لغةً تستعملنا. اللغة استعمال. وهناك وجه شبهٍ كبير بين اللغة والعملة التي يستعملها الناس في البيع والشراء (النقد/ النقود)، فالنقود، كما لاحظ ماريوباي، لا تعدو أن تكون «رمزًا» لقوةٍ شرائية تواضع عليها الناس، ليس لورق النقود (أو معدنها) بحد ذاته قيمة تذكر بجانب قوتهما الشرائية، ومن ثم فالقيمة الحقيقية للنقود هي خاصة يسبغها عليها المجتمع الذي يتعامل بهذه العملة. وكذلك الأمر في اللغة: «فقيمة اللغة في التزام أهلها بها وبطريقتها في التعبير، ورواجها بينهم، وتداولها على ألسنتهم، واحترامهم لها، وثقتهم بها في حمل أفكارهم ومعتقداتهم والتعبير عن انفعالاتهم وعواطفهم.» وبالتالي فما من لغة إلا وهي قادرة على التعبير عن أية فكرة متى قامت في نفوس أصحابها، وليس هناك معنًى لأن تكون لغةٌ ما عاجزة عن التعبير عن أي معنًى من المعاني متى قام هذا المعنى في نفوس المتكلمين بها، «فالفكرة متى قامت في ذهن الإنسان استطاع التعبير عنها بلغته إن كان متمكنًا من هذه اللغة، وعاملًا على رفعة شأنها.» (١) حياة اللغة أن تستعمل وموت اللغة ألا تستعمل … الاستعمال يحيي ويميت. مفتاحٌ بسيط لمشكلة العربية، ولكنه عمومي شامل يسعفنا في مجال تقعيدها، وتعليمها، والتعلم بها. (٥ - ١) في مجال التقعيد التضخم علامةٌ مرضية، هي دائمًا نتاج شيخوخةٍ ونذير موت. تضخم القوانين في التشريع، وتضخم الطقوس في الديانة، وتضخم القواعد في اللغة،

стр. 238

كلها تعبر عن ضمور الجوهر واللباب، وغلبة اللحاء والقشور، وكلها دليلٌ على الترهل والضعف، وعبءٌ على الحيوية، وأذانٌ بالزوال. أسرف النحاة الأوائل في تضخيم قواعد اللغة وإثقالها بكل ما لا يفيد الاستعمال الحقيقي للغة: من حذف وتأويل وقياس واستتار وتقدير، فلا يخلص المرء إلى تعلم ما يفيده إلا وقد تعلم ما لا يفيده! يحكي الجاحظ أنه قال لأبي حسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنحو، فلم لا تجعل كتبك مفهومة كلها؟ وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها؟ وما بالك تقدم بعض العويص وتؤخر بعض المفهوم؟ قال الأخفش: أنا رجل لم أضع كتبي هذه لله، وليست هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه قلت حاجاتهم إليَّ فيها … وإنما قد كسبت في هذا التدبير إذ كنت إلى التكسب ذهبت، (١) وقد تفطَّن ابنُ مضاء القرطبي لهذه المأساة منذ ثمانية قرون، ودعا إلى دراسة اللغة كما ينطقها العرب، لا كما تخيَّلها النحاة. لسنا نتنازل عن درهمٍ من زبدة اللغة، وإنما نريد إزالة هذا اللحاء اليابس المتراكم الذي يخنقها ويثقل على حاملها فيصرفه عن قشرها ولُبابها معًا، ليبقى جاهلًا بها أبد الدهر. ليكن مبدؤنا في استخلاص القواعد: كيف نستعمل اللغة كما استعملها العرب وكيف نربي السليقة ونكوِّنها، لا كيف نحفظ ألاعيب النحاة ونخبُّ في كل لونٍ من التعليل والتأويل والتشذيذ … إلخ مما لم يعرفه الأوائل سادة اللغة أنفسهم ولا خطر لهم في بال! نريد قواعد تعيد إلينا سليقة هؤلاء، أو سليقة قريبة من سليقتهم، نريد لغةً نستعملها لا لغةً تستعملنا! وسأضرب مثالَيْن على هذا اللحاء الثقيل الذي يمكن للطالب المبتدئ أن يستغني عنه دون أن يفوته شيءٌ من زبدة العربية أو من منطق العرب: أسلوب التعجب: من قبيل «ما أجمل السماء». (٢)

стр. 239

الإعراب القياسي الحالي: ما: نكرةٌ تامة بمعنى شيء عظيم. أجمل: فعلٌ ماضٍ/ جامد/ مبني على الفتح/ فاعله مستتر/ وجوبًا/ تقديره هو/ يعود على «ما». السماء: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة. يكفي هنا، كما يقول د. أحمد مختار عمر، أن يعرف الطالب شيئين: (١) أن هذا الأسلوب يبدأ ب «ما» متلوةً بكلمة على وزن «أفعل» يليها المتعجب منه. (٢) أن الكلمة التي على وزن أفعل، والمتعجب منه يكونان دائمًا منصوبين، (مع التجاوز عن أن الفتحة الأولى عند النحاة فتحة بناء والثانية فتحة إعراب؛ لأنه لا أثر لذلك في تصحيح النطق أو تقويم اللسان). (١)

стр. 240

أسلوب لا سيما: مثل: «أكثروا من الضحك لا سيما خالد.» في «تجديد النحو» يقول د. شوقي ضيف: «تكلَّف النحاة في إعراب صيغة لا سيما صورًا كثيرة من التكلف البعيد، فقد ذهب أبو علي الفارسي إلى أن «سيَّ» حال، وذهب ابن هشام في كتابه المغني إلى أن «لا» نافية للجنس، و «سي» اسمها، و «ما» زائدة، و «خالد» بعدها مضاف إلى سي مجرور، أو مرفوع على أنه خبر لمضمر محذوف أي «لا سيما هو خالد»، و «ما» حينئذٍ - إما موصولة وإما نكرة موصوفة بالجملة بعدها، وذهب بعض النحاة إلى أن «لا سيما» أداة استثناء وما بعدها منصوب. ويستخلص من هذه الآراء أن ما بعد «لا سيما» يمكن أن يكون مجرورًا أو منصوبًا أو مرفوعًا، وإذن ففيم كل هذا العناء في الإعراب وما بعدها يجوز فيه الرفع والنصب والجر؟ طبيعي لذلك أن يلغى إعراب لا سيما من الكتاب». (١) وهكذا نختصر قاعدة لا سيما في كلمات أربع: «ما/ بعد/ لا سيما/ مثلثة» فلا يفوتنا شيء مما يتصل بالنطق العربي السليم، (٢) وهكذا يتبين لنا أي نزيف للجهد يحيق بالطالب فيما لا طائل منه إلا النهج والدوار، وثأرٌ لا شعوريٌّ من هذا العلم الثقيل وهذا الكتاب المضجِر. (٥ - ٢) في مجال التعليم توجز الدكتورة بنت الشاطئ أزمة تعليم العربية في فقرة مأثورة: ليست عقدة الأزمة في اللغة ذاتها، العقدة فيما أتصور هي أن أبناءنا لا يتعلمون أن اللغة لسان أمةٍ ولغة حياة، وإنما يتعلمونها بمعزلٍ عن سليقتهم اللغوية، قواعد صنعةٍ وقوالب صماء، تجهد المعلم تلقينًا والتلميذ حفظًا، دون أن تكسبه ذوق العربية ومنطقها وبيانها.

стр. 241

ويقول أ. إبراهيم اللبان عضو المجمع اللغوي: « … ويهمني أن أشير إلى حلٍّ خاص كرجل اشتغل بالتعليم في مصر وخارجها، وفي الشرق وفي إنجلترا: ذلك أن اللغة عادة؛ عادة لسانية، وعلماء النفس يقولون إن العادة تتكون بالتكرار؛ لذلك يجب أن يعاد النظر في أمر تعليم اللغة العربية، فهذا التعليم إذا اتجه إلى تكوين العادات المثالية بكل عناية أمكن تذليل الكثير من العقبات.» (مجلة المجمع، ج ١٥، ص ٨٠) وفي كتابه «مشكلة اللغة العربية» يقترح الأستاذ محمد عرفة إلغاء تعليم القواعد في المدارس الابتدائية، والتشديد على تعلم اللغة بالتكرار، والحفظ، والإكثار من المطالعة، وحفظ الكثير من أدب العرب. (١) وللأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني حديثٌ شائق عن قصته مع النحو، يخلص منها إلى ضرورة تعليم اللغة كسليقة لا كعلمٍ منفصل. والمازني من أساتذة النثر العربي في كل العصور، وهو شاعر أيضًا ومؤسس مدرسة شعرية (مدرسة الديوان مع رفيقيه العقاد وشكري). يقول المازني: «كنت أقرأ ورقة الأسئلة (في الامتحان) وأترك النحو إلى آخر الوقت ثم أتناوله وأروح أجمع طائفة من الأمثلة أستخلص منها القاعدة فأجعل هذا جوابي. هذه كانت طريقتي، وقد استغنيت بها عن حفظ ما في كتب النحو، وأراني الآن أصبحت كاتبًا، وكنت في زماني شاعرًا كذلك، وقد وسعني هذا وذاك بغير معونة النحو!» (٢) ويحدثنا المازني عن الأسئلة التي كانت توجه إليه في الامتحانات الشفهية فيقول: «وشرع يسألني عن كلمة (العدوان) ما فعلها الثلاثي؟ ولماذا يقال اعتدَيا بفتح الدال للماضي واعتديا بكسرها للأمر؟ فلم أعرف لهذا جوابًا؛ فقلت هكذا نطق العرب وعنهم أخذنا. فألحَّ في طلب الجواب المُرضي؛ فقلت إن اللغة نشأت قبل القواعد، وأنا أنطق وأكتب وأقرأ كما كان العرب يفعلون من غير أن يعرفوا قاعدةً أو حُكمًا، فساءه جوابي ونهرني … » ويقترح المازني أن تحل قراءة الأدب العربي محل النحو، وأن يتم وضع مختارات صالحة لكل سن، وإذا كان لا بد من النحو فليكن ذلك عرضًا وأثناء القراءة وعلى سبيل الشرح وللاستعانة به على الفهم، وعلى ألا يكون ذلك درسًا مستقلًّا يؤدَّى فيه امتحان. وينتقل المازني إلى نقد طريقة تدريس العربية فيقول: «أما الطريقة

стр. 242

التي يتعلم بها أبناؤنا العربية فإني أراها مقلوبةً لأنها تبدأ بما يجب الانتهاء إليه.» ويعلق على طريقته المقترحة فيقول: «والطريقة التي أشير بها تجعل العربية سليقة على خلاف ما هو حاصل الآن، فإن أبناءنا يتعلمون العربية كما يتعلمون الإنجليزية أو أية لغة أجنبية أخرى لا يشعرون بصلة بينها وبين نفوسهم، وكثيرًا ما يتفق أن يخرج التلميذ وهو أعرف باللغة الأجنبية منه بالعربية، وليس بعد هذا فشلٌ والعياذ بالله.» (١) تعليم اللغة باستعمالها. تمامًا مثلما يتعلم الطفل لغة الحياة، وهي تطرق سمعه آناء الليل وأطراف النهار فيقلِّدها ويحاكيها، وكم ذا يقع في التعثر و «القياس الخاطئ» فيقوم بإعادة الصواب على سمعه وليس بتلقينه قاعدةً صماء، وهكذا ينبغي أن يكون تعليم العربية بالمدارس: أن يقرأ التلميذ ويقرأ، ويسمع ويستمع، ويجول مستطلعًا دهشًا في النصوص الشائقة الممتعة. أن يبدأ بكل ما هو وظيفي تطبيقي عملي، ثم تأتي القواعد والأصول في المحل الثاني، ويأتي التنظير والحكمة في المرحلة الآخرة (مثل بومة منرفا لا تشرع في التحليق إلا عندما يحل الغسق)، هكذا تواتيه القاعدة وتسقط في يده كتفاحةٍ ناضجة، فيراها بعينيه بعد أن كان يراها بأشواقه. «معرفة أن» و «معرفة كيف» ثمة تمييز شهير في نظرية المعرفة بين «معرفة أن» Knowing that و «معرفة كيف» Knowing how، «فأن نعرف كيف نقود سيارة أو كيف نخبز كعكة الأناناس المقلوبة، أو كيف نقف على أيدينا؛ تلك معرفة كيف، أو المعرفة كمهارةٍ أو مقدرة، ونحن عادة ما نعجز عن أن نعبر عنها بالألفاظ، فمثل تلك المعرفة تُعلَّم بالتمثيل لا بالكلام، ويطلق على المعرفة حين نعني بها «معرفة أن» اسم «معرفة قَضَوية» Propositional Knowledge، ومن المفترض عامة أن المعرفة القضوية يمكن أن يعبر عنها لفظيًّا تعبيرًا تامًّا، بعكس «معرفة كيف».» (٢)

стр. 243

وفي ضوء هذا التمييز الإبستمولوجي بين «معرفة أن» و «معرفة كيف»، يمكننا أن نقول بحسم: إنَّ معرفة اللغة تنتمي إلى مقولة «معرفة كيف» أكثر مما تنتمي إلى «معرفة أن»: فتعليم اللغة ليس عرْضًا لكمٍّ من المعلومات أو القضايا Propositions، ولكنه بالدرجة الأولى «مهارة». وإن تعليم النحو، كما يقول د. أحمد مختار عمر، لا يتحقق إلا إذا حول القاعدة إلى مهارة، ومكَّن الدارس من استعمال العبارات استعمالًا سليمًا دون تفكير أو وعي بالقاعدة. وقد جاء عن ابن خلدون في «المقدمة» ما يُشير إلى الْتفاته لهذه المسألة، وسبقه في كل ما هو تحليلي علمي. يقول ابن خلدون في الفصل الخمسين المُعنون «في أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربي ومستغنية عنها في التعليم»: «والسبب في ذلك أن صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصةً، فهو علمٌ بكيفيةٍ لا نفس كيفية (أي هو معلومات عن الطريقة وليس الطريقة نفسها)، فليست نفس الملكة وإنما هي بمثابة من يعرف صناعة من الصنائع عِلمًا ولا يُحكِمها عَمَلًا مثل أن يقول بصيرٌ بالخياطة غير محكم لملكتها: الخياطة هي أن يدخل الخيط في خرت الإبرة ثم يغرزها في لفقي الثوب مجتمعين ويخرجها من الجانب الآخر بمقدار كذا ثم يردها إلى حيث ابتدأت ويخرجها قدام منفذها الأول بمطرح ما بين الثقبين الأولين، ثم يتمادى على ذلك إلى آخر العمل ويعطي صورة الحبك والتثبيت والتفتيح وسائر أنواع الخياطة وأعمالها، وهو إذا طولب أن يعمل ذلك بيده لا يحكم منه شيئًا، وكذا لو سئل عالم بالنجارة عن تفصيل الخشب، فيقول هو أن تضع المنشار على رأس الخشبة وتمسك بطرفه وآخر قبالتك ممسكٌ بطرفه الآخر، وتتعاقبانه بينكما وأطرافه المضرسة المحددة تقطع ما مرت عليه ذاهبةً وجائيةً إلى أن ينتهي إلى آخر الخشبة، وهو لو طولب بهذا العمل أو شيءٍ منه لم يحكمه، وهكذا العلم بقوانين الإعراب مع هذه الملكة في نفسها، فإن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل؛ ولذلك نجد كثيرًا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علمًا بتلك القوانين إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامة أو قصدٍ من قصوده؛ أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن.» (١)

стр. 244

(٥ - ٣) في مجال التعليم باللغة «لا توجد لغة يمكن أن تُتهَم - في ذاتها - بالقصور أو العجز؛ لأن أي لغة، على حد تعبير هلمسليف، «تملك القوة الكامنة للتعبير عن الحاجات الضرورية لأي حضارة … بمعنى أنه لا توجد لغة يمكن أن يقال عنها إنها بدائية، أو إنها ناقصة التكوين.» (١) وليس هناك معنًى لأن نقول: إن العربية عاجزة عن نقل العلوم بينما نحن لا نستخدمها في نقل العلوم! فاللغة لا تنمو في فراغ، وإنما تنمو نتيجة نمو أصحابها، وتزداد ثروتها اللغوية بازدياد خبرات أهلها وتجاربهم، والدراسة النظرية وحدها لا تخلق لغة، وإنما يخلقها الاستخدام والممارسة، وربطها باحتياجات أهلها وخبراتهم وحياتهم العلمية واليومية.» (٢) وقد أثبتت العربية قديمًا، وهي قريبة عهد بالبداوة وحياة الصحراء، قدرتها الهائلة على نقل العلوم والفلسفات وهضمها والإضافة إليها، وكم بالحري أن تكون قادرة اليوم على نقل العلوم بعد كل ما اكتسبته واختزنته، والعود أحمد. (٦) الفرصة السانحة مما يدعو للاستبشار ويجعل الإصلاح المنشود أمرًا ممكنًا أننا في كدحنا الإصلاحي المقترح إنما تُظاهرُنا قوةٌ عارمة لم تكن تخطر ببال أحد من السلف: العولمة، وقوى العولمة وبخاصة وسائط الاتصال. من شأن هذا الاندماج الجديد أن يعكس السنن القديمة للتطور اللغوي! فلم تعد هناك «عزلة» تسبب انشعاب اللغة إلى لهجات ثم تبلور اللهجات إلى لغات منفصلة. تؤدي قوى العولمة على العكس إلى تقريب اللهجات ثم توحيدها في النهاية، ويبقى أن نُسخِّر ذلك لخدمة فصحى جديدة تنشرها الفضائيات وتلقيها على سمع الناس بكرةً وعشيًّا، فصحى قريبة من عقول الناس وقلوبهم، ومعايشة لعصرهم وجيلهم، ومترجمة لشئونهم وشجونهم، فصحى تسترفد العامية والأجنبية ولا تنفصل عنهما تمام الانفصال، فصحى يستعرب فيها كل جديدٍ ابتلعته وهضمته وأحالته إلى

стр. 245

كيانها وبنيتها، فصحى جديدة نتآزر جميعًا على تأسيسها كما أسس دانتي الإيطالية، غير أنها لا تعزب عن فصحى التراث لأنها امتدادٌ لعربيةٍ أصيلة تتطور من داخلها ولا تفقد جذرها الثلاثي أبدًا، فصحى تفهمنا وتفهم حياتنا الجديدة العجيبة، ولا نزال نفهم بها حياة الأعشى والشنفري وتأبط شرًّا!

стр. 246

تذييل مقدمة كتاب: تجديدٌ لا تبديد (١) بقلم د. عادل مصطفى العربية في أزمة؛ يجفوها أهلها ويهجرها بنوها، ولا يكاد يتقنها سدنتها وأحبارها. العربية على فراش المرض، تعاني من تضخم في القواعد والأصول، وفقرٍ في المصطلح، وعجزٍ عن مواكبة الجديد ومجاراة العصر. الداء واضحٌ للعيان، ولم يعد بالإمكان إخفاؤه، فبئس الدواء إنكار المرض، وبئس الحل إنكار المشكلة. وقد رأيت الناس في هذا الأمر واحدًا من اثنين: إما كاره للعربية بطبيعته ومستصعب بها وراغب في أن يسمع نعيها في أسرع وقت، وإما متزمِّت يريد أن يحنطها كما هي ويقف بها حيث وقف الأسلاف منذ أكثر من ألف عام، وفي الكتاب الذي بين يديك يخط الدكتور سليمان جبران طريقًا ثالثًا أكثر واقعيةً وحصافةً ونبلًا.

стр. 247

هذا الحزب الثاني، حزب الغلاة الغيورين المحافظين، ليس بعيدًا في مآله عن الأول: يوشك تنطُّعُهم القائم على أساسٍ مغلوطٍ ومصادراتٍ باطلة أن يترك مركب اللغة يغرق بحمله، وتوشك العربية في قبضتهم المتشنِّجة أن تموت اختناقًا. ينسى المحافظون، هواة قُلْ ولا تَقُلْ، أن اللغة ليست كيانًا كلسيًّا نهائيًّا، إنما اللغة في سيولةٍ دائمة، وفي تحوِّلٍ دائب وإن كان بطيئًا لا يكاد يدرك إلا بمَرِّ العقود أو القرون. علوم اللغة كانت تقعيدًا للغة في لحظةٍ زمنيةٍ معينة، وفي لحظة أخرى ينبغي أن تكون هناك علومٌ أخرى. ينسى هؤلاء أن اللغة في سيرورتها في الزمان تعتريها تغيراتٌ كثيرة: منها التغير الصوتي والتغير النحوي والتغير الدلالي أو «السيمانتي». (١)

стр. 248

(١) العربية لا هي عاجزة ولا معجزة يقوم الدرس اللغوي العربي على مصادرةٍ نهائية، سواء صرح بها أو لم يصرح، مفادها أن اللغة البشرية هبطت من السماء، وظهرت فجأة، بطريقةٍ إعجازيةٍ خارقة، في لحظةٍ زمنيةٍ واحدة، مستويةً مكتملة، كما ولدت منرفا من رأس زيوس! اللغة عند هؤلاء هي «توقيف» أو وحي أو إلهام من الله، وحتى القلة من اللغويين العرب التي ذهب إلى أن اللغة «اصطلاحٌ» أو عرفٌ أو تواضعٌ بين ثلةٍ من الحكماء (من البشر أو غير البشر)؛ حتى هذه القلة (١) لا تحيد كثيرًا عن فكرة التوقيف في صميمها ولبابها: فاللغة، بعد كل شيء، هي كيانٌ نهائيٌّ ثابتٌ محكم، خلاب الصورة مذهل البنيان، أتى بتدبير مدبرٍ وفعل فاعل. لم يكن العقل الإنساني في هذه المرحلة التاريخية من تطوره، لحظة تأسيس علوم اللغة، لم يكن قد تخلص بعدُ من آثار الشفاهية والبدائية وسذاجة الطفولة البشرية، كان عقلًا قديمًا يهيمن عليه «باردايم» (٢) قديمٌ بائد، وما يزال يتلقط روايةً من هنا وأسطورةً من هناك يسد بها الثغرة وينفي الحيرة. وكان التاريخ عنده لا يتجاوز بضعة آلافٍ من السنين، ومن ثم لم يكن بوسع الإنسان في هذا التاريخ المقزَّم أن يصنع شيئًا هائلًا كاللغة؛ من هنا تنفذ الأسطورة وتستوي وتتربع. وجه الأمر أن كفاح الإنسان على الأرض بدأ منذ ملايين السنين، كما تدلنا علوم الأنثروبولوجيا والجيولوجيا، وأن اللغة ظاهرةٌ اجتماعية نشأت على رسلها كنتيجةٍ حتميةٍ للحياة في جماعةٍ أفرادها يجدون أنفسهم مضطرين إلى اتخاذ وسيلةٍ للتواصل والتعبير وتبادل الأفكار والخواطر، اللغة ظاهرةٌ اجتماعيةٌ تظهر بظهور المجتمع وتتأثر بعاداته وتقاليده وطرائق سلوكه وتفكيره، وتخضع لسنن التطور الذي يخضع لها المجتمع، فترتقي بارتقائه وتنحط بانحطاطه.

стр. 249

لم يكن العرب نسيج وحدهم حين نسبوا لغتهم إلى قوةٍ عليا خارقةٍ وأضفوا عليها صفة الكمال وقالوا بأسبقيتها على بقية اللغات وبأفضليتها على سواها وباستحالة البيان بأي لغة أخرى، تلك هي «مركزية العرق» أو «المركزية الإثنية» Ethnocentrism التي تَسِمُ كل المجتمعات البشرية، وبخاصةٍ في مراحل تطورها الأولى، وتحمل كل شعبٍ على أن يغلو ويتشدد في أية عناصر يجدها خاصةً به وحده ومميزةً له عن الآخرين: جماعتنا هي الصواب وغيرها الخطأ … هي الحق وغيرها الباطل. الحق أن جميع الثقافات القديمة ذهبت إلى أن لغتها كانت هي اللغة الأولى، وكانت من صنع الآلهة، وكانت أفضل اللغات. يقول جالينوس: «لغة اليونانيين هي أفضل اللغات؛ لأن سائر اللغات تشبه إما نباح الكلاب وإما نقيق الضفادع»، وقد ذهب المصريون القدماء إلى أن اللغة الأولى هي اللغة المصرية، وأن أسلافهم الآلهة قد أنعموا بها على أهل مصر القديمة، (١) وكما قال أول فرعون مصري بإحضار اللغة للإنسان، كذلك قام الإمبراطور الصيني تين تسو، ابن السماء، بفعل الشيء نفسه. أما في اليابان فقد كانت الإلهة إماتراسو، إلهة الشمس، هي خالقة الإنسان ولغته، بينما قام إنليل بهذا الدور في الشرق الأوسط، (٢) وقد ادعى اليهود أن لغة الرب ولغة الملائكة هي العبرية، وأن أول شيءٍ كتب على صفحة السماء السابعة بيد الله هو حروف هذه اللغة، كما ادعى الفرس أن لغتهم ستكون لغة التخاطب في الجنة، وقبلهم قال السريان إن لغة أهل الجنة ولغة الحساب في الآخرة هي السريانية. (٣) ليست العربية أم اللغات، ولا هي لغة مقدسة لا تتغير ولا تتبدل، ومثل هذه الدعاوى المتعصبة لا تخدم اللغة في شيء، بل تؤدي إلى جمودها وموتها، ومن جهة أخرى ليست العربية عاجزة، والحق أنه ليست هناك لغةٌ عاجزة، وليس هناك معنى لقولك: «اللغة س عاجزة»، إنما العجز صفةٌ لأصحاب اللغة، فاللغة مرآة أصحابها كيفما كانوا، وأنت حين تقول: «اللغة س عاجزة» تقع في «خطأٍ مقولي» Category Mistake خفيٍّ وتصف الأشياء بما لا توصف به. والصواب أن تقول «الجماعة ص عاجزةٌ لغويًّا في اللحظة ن»،

стр. 250

فإذا ما شبَّ هؤلاء عن الطوق وأرادوا أن يرتقوا بقدراتهم الاتصالية والتعبيرية فلن يعجزهم هنالك أن يجدوا الغطاء الرمزي اللازم، ستواكبهم لغتهم في تطورهم وترتقي بارتقائهم، وليست العربية فاشلةً في نقل العلوم، وإنما نحن من تحْكُمنا عقدة الفشل فنتردد في التعريب ونتهيب التجربة ونسوِّفها، لتبقى العربية في مجال العلوم ضامرةً هزيلة، وتحقق النبوءة ذاتها: «العربية عاجزةٌ عن نقل العلوم». (٢) الترادف، غنًى أم ثرثرة؟ في مقالة «الترادف: غنًى أم ثرثرة؟» تجد تحليلًا عميقًا لنشأة الترادف في اللغة العربية واتساع مداه، ونقدًا سديدًا لأثره وجدواه، وأود أن أفيض بعض الشيء فيما أشار إليه المؤلف باقتضاب وهو يعرض لأسباب نشأة الترادف المفرط في اللغة العربية، أفيض في ذلك لا لشيء إلا لأنه يلقي الضوء أيضًا على نشأة العربية الفصحى بصفة عامة: إن من أسباب الترادف عملية جمع المادة اللغوية على أيدي قدماء النحاة. لقد قام قدماء النحاة بالخلط بين اللهجات العربية جميعًا خلطًا أدى إلى اضطراب القواعد اللغوية بصورة تصل إلى حد التناقض، وقدموا لنا في النهاية وصفًا لا ينطبق على أي لهجةٍ من اللهجات التي كان يتحدث بها العرب في ذلك الوقت. لقد كانوا يحتالون لجمع المادة اللغوية من كل سبيل، بالارتحال إلى البادية، وباستقبال البدو في الحواضر والأخذ عنهم، وهم في ذلك الأخذ لم يفرقوا بين قبيلة وأخرى، أو بين فرد وآخر، أو بين النثر (وهو اللغة المعيارية المنضبطة) والشعر (وهو المدلَّل بالضرورات والرخص)، (١) ولم يفرقوا بين المثقفين والأجلاف، وربما أخذوا عن النساء (كذا) والصبيان والمجانين دون تفطُّنٍ منهم إلى وجود فوارق تركيبيةٍ ودلالية بين المستويات اللهجية ومستوى اللغة الفصحى، لعل هذا الخلط في الأخذ والتلقِّي كان من الأسباب التي أدت إلى اضطراب بعض القواعد، وإلى ظاهرة الترادف وكثرة المترادفات بدرجة غير معقولة، وإلى الاضطراب الواضح في أوزان الفعل الثلاثي وصيغه المختلفة، بل إن كثيرًا من المواد التي استندت إليها أحكام قدماء النحاة هو من اختراع هؤلاء النحاة أنفسهم، ومن
следующие страницы →