← Адаб

Адаб · id 11239

سر الفصاحة

ابن سنان الخفاجي

Полный текст (286 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لأن تقدير: وفاؤكما بان تسعدا كالربع أشجاه طاسمه ففصل وقدم وأخر. وكذلك قول أبي عدى القرشي: خير راعى رعية سره الله ... هشام وخير مأوى طريد أي خير راعى رعية هشام سره الله وقول الآخر: لعمر أبيها لا تقول خليلتي ... ألافر عني مالك بن أبي كعب يريد: لعمر أبي خليلتي. ومن وضع الألفاظ موضعها أن لا يكون الكلام مقلوباً فيفسد المعنى ويصرفه عن وجهه ولذلك أمثلة مذكورة. منها قول عروة بن الورد العبسي: فلو أني شهدت أبا سعاد ... غداة غد لمهجته يفوق فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوك إلا ما أطيق يريد أن يقول: فديت نفسه بنفسي. ومنه قول خداش بن زهير: وتركت خيل الهوادة بينها ... وتعصى الرماح بالضياطرة الحمر والضياطرة هي التي تشقى بالرماح. وكذلك قول الفررزدق: وأطلس عسال وما كان صاحباً ... رفعت لناري موهناً فأتاني وإنما النار هي المرفوعة للذئب ومن المقلوب أيضاً قول الآخر: ١

стр. 107

كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم١ وإنما الرجم فريضة الزناء. وعلى هذا حمل أبو القاسم الآمدي قول الطائي الكبير: طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا٢ قلل: لأنه يقول مضى حميداً شاهداً على أني رزئت ووجه الكلام أن يكون: وكفى برزءى شاهداً على أنه مضى حميداً لأن حميداً من الطلل قد مضى وليس بمشاهد معلوم وزرءه بما يظهر من تفجعه مشاهد معلوم فلأن يكون الحاضر شاهداً على الغائب أولى من أن يكون الغائب شاهداً على الحاضر. وهذا الذي ذكره الشيخ أبو القاسم ﵀ قول مثله من يتقدم الناس في هذا العلم ودقيق النظر فيه وكشف سرائره. وقد حمل بعضهم قول أبي الطيب: وعذلت أهل العشق حتى ذقته ... فعجبت كيف يموت من لا يعشق على المقلوب وتقديره عنده: كيف لا يموت من يعشق. وقال غيره: إن الكلام جار على طريقته والمراد به كيف تكون المنية غير العشق أي أن الأمر الذي يقدر في النفوس أنه في أعلى مراتب الشدة هو الموت ولما ذقت العشق فعرفت شدته عجبت كيف يكون هذا الأمر الصعب المتفق على شدته غير العشق وكيف يجوز أن لا تعم علته حتى تكون منايا الناس كلهم به - وكان هذا أشبه بمراد أبي الطيب من حمل الكلام على القلب.

стр. 108

فأما قول الله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ ١ ليس من هذا بشئ وإنما المراد والله أعلم أن المفاتح تنوء بالعصبة أي تميلها من ثقلها وقد ذكر هذا الفراء وغيره وكذلك قوله عز اسمه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ليس على ما يزعم بعضهم المراد به وأن حبه للخير لشديد بل المقصود به أنه لحب المال لبخيل - والشدة - البخل أي من حبه للمال يبخل. فأما قول الحطيئة: فلما خشيت الهون والعير ممسك ... على رغمه ما أمسك الحبل حافره٢ فقد قيل فيه إن الحبل إذا أمسك الحافر فالحافر أيضاً قد شغل الحبل فعلى هذا ليس بمقلوب. وكذلك قول أبي النجم: قبل دنو الأفق من جوزائه لأن الجوزاء إذا دنت من الأفق فقد دنا منها. وقد حمل أبو الفتح عثمان بن جني قول أبي الطيب: نحن ركب ملجن في زي ناس ... فوق طيرلها شخوص الجمال على المقلوب وقال تقديره: نحن ركب من الأنس في زي الجن فوق جمال لها شخوص طير وهذا عندي تعسف من أبي الفتح لا تقود إليه ضرورة. ومراد أبي الطيب المبالغة على حسب ما جرت به عادة الشعراء.

стр. 109

فيقول نحن قوم من الجن لجوبنا الفلاة والمهامه والقفار التي لا تسلك وقلة فرقنا فيها إلام أننا في زي الإنس - وهم على الحقيقة كذلك ونحن فوق طير من سرعة إبلنا إلا أن شخوصها شخوص الجمال ولا شك أيضاً في ذلك. فأما قول قطري بن الفجاءة المازني: ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام فقد حملوه على المقلوب. وقالوا: يريد قارح البصيرة جذع الإقدام. كما يقال: إقدام غرور أي مجرب وقد كان أبو العلاء صاعدين عيسى الكاتب جاراني في بعض الأيام هذا البيت وقال: ما المانع من أن يكون مقصوده لم أصب أي لم ألف على هذه الحال بل وجدت على خلافها جذع الإقدام قارح البصيرة ويكون الكلام على جهته غير مقلوب وتمكن الدلالة على أن قوله: لم أصب في البيت بمعنى لم ألف دون ما يقولون من أن مراده به لم أجرح قوله قبله: لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوفاً لحمام فلقد أراني للرماح رديئة ... من عن يميني تارة وأمامي حتى خضبت بما تحدر من دمى ... أكناف سرجى أو عنان لجامى فكيف يكون لم يصب وقد خضب هذا بدمه فأما قولهم إنه أراد من دمي أي من دم قومي وبني عمي فمبالغة منهم في التعسف والعدول عن وجه الكلام ليستمر لهم أن يكون فاسداً غير صحيح وهذا الذي ذكره أبو العلاء وسبق إليه له وجه يجب تقبله واتباعه فيه وفحوى كلام قطري يدل على أنه أراد جرح ولم يمت إعلاماً أن الإقدام غير علة في الحمام وحثاً على الشجاعة ونيها عن الفرار.

стр. 110

ومن طريف التفسير للشعر أن يتأول ليقع الفساد فيه ولو حمل على ظاهره كان صواباً صحيحاً وما أعرف أعجب من حمل كافة المفسرين قول الفرزدق: أن الذي سمك السماء بنا لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول على وجهين أحدهما أن يكون أعز وأطول بمعنى عزيزة طويلة والثاني أعز وأطول من بيتك يا جرير. فيتعسفون في التأويل ومراد الشاعر أوضح من أن يخفى وأشهر من أن يجهل وهو أعز وأطول من السماء التي ذكرها في أول البيت وإنما جاء بها لهذا الغرض وهذا مبالغة في العشر معروفة مستعملة وليست بالمكروهة ولا الغريبة. ومن وضع الألفاظ في موضعها حسن الاستعارة وقد حدها أبو الحسن على بن عيسى الرماني فقال: هي تعليق العبارة على غير ما وضعت في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة وتفسير هذه الجملة أن قوله ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ ١ استعارة لأن الاشتعال للنار ولم يوضع في أصل اللغة للشيب فلما نقل إليه بان المعنى لما اكتسبه من التشبيه لأن الشيب لما كان يأخذ في الرأس ويسعى فيه شيئاً فشيئاً حتى يحيله إلى غير لو نه الأول كان بمنزلة النار التي تشتعل في الخشب وتسرى حتى تحيله إلى غير حاله المتقدمة فهذا هو نقل العبارة عن الحقيقة في الوضع للبيان ولا بد من أن تكون أوضح من الحقيقة لأجل التشبيه العارض فيها لأن الحقيقة لو قامت مقامها كانت أولى لأنها الأصل والاستعارة الفرع وليس يخفى على المتأمل أن قوله عز اسمه: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾

стр. 111

أبلغ من كثير شيب الرأس وهو حقيقة هذا المعنى وقول امرئ القيس - قيد الأوابد أبلغ من مانع الأوابد عن جريها والأصل في ذلك ما أفاده التشبيه في الاستعارة نت البيان. فإن قال قائل: فما الفرق بين الاستعارة والتشبيه إذا كان الأمر على ما ذكرتم قيل: الفرق بينهما ما ذكره أبو الحسن وهو أن التشبيه على أصله لم يغير عنه في الاستعمال وليس كذلك الاستعارة لأن مخرج الاستعارة مخرج ليست العبارة له في أصل اللغة على أن الرماني قال في كلامه: إن التشبيه في الكلام بأداة التشبيه وهو يعني كأن والكاف وما جرى مجراهما وليس يقع الفرق عندي بين التشبيه والاستعارة باداة التشبيه فقط لأن التشبيه قد يرد بغير الألفاظ الموضوعة له ويكون حسناً مختاراً ولا يعده أحد في جملة الاستعارة لخلوة من آلة التشبيه ومن هذا قول الشاعر: سفرن بدوراً وانتقلن أهلة ... ومسن غصوناً والتفتن جاذراً١ وقول الآخر: وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد٢ وكلاهما تشبيه محض وليس باستعارة وإن لم يكن فيهما لفظ من ألفاظ التشبيه وإنما الفرق بين الاستعارة والتشبيه ما حكيناه أولا.

стр. 112

ولا بد للاستعارة من حقيقة هي أصلها: وهي مستعار ومستعار منه ومستعار له. فالمستعار لفظ الاشتعال فيما مثلنا به والنار مستعار منه والشيب مستعار له. ولها تأثير في الفصاحة ظاهر وعلقة وكيدة. والبعيد منها يقضي باطراح الكلام ويذهب طلاوته ورونقه ولأجل هذا احتاج إلى إيضاحها ووصف ما يحسن منها ويقبح والإكثار من الأمثلة التي تدل على ما أريده. وهي على ضربين قريب مختار وبعيد مطرح. فالقريب المختار ما كان بينه وبين ما استعير له تناسب قوى وشبه واضح والبعيد المطرح إما أن يكون لبعده مما استعير له في الأصل أو لأجل أنه استعارة مبنية على استعارة فتضعف لذلك والقسمان معا يشملهما وصفي بالبعد لكن هذا التفصيل يوضح وإذا ذكرت الأمثلة بان القريب في الاستعارة من البعيد وعرف المرضى منها والمكروه وتنزلت الوسائط بينهما بحسب النسبة إلى الطرفين. وهذا الفن قد أورده المحدثون كثيراً وإن كان المتقدمون بدؤا به وممن أكثر استعماله أبو تمام حبيب بن أوس فأورده منه في شعره الجيد المحمود والرديء الذي هو الغاية في القبح. سأذكر في شعره خاصة ما يستدل به على ذلك. وقد خرج على بن عيسى ما ورد في القرآن من الاستعارة فكان من ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراًً﴾ ١. لأن حقيقته عمدنا لكن قدمنا أبلغ لأنه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم يقدم من سفر لأنه من اجل إمهاله لهم عاملهم كما يفعل الغائب عنهم إذا قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم به وفي هذا تحذير من الاغترار بالإهمال. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ٢

стр. 113

لأن حقيقة طغي علا والاستعارة أبلغ لأن طغى علا قاهراً. وكذلك: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ١. لأن حقيقة عاتية شديدة والعتو أبلغ لأنه شدة فيها ثمرد. وقوله عز اسمه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ ٢ لأن انسلاخ الشئ عن الشئ هو أن يتبرأ منه ويزول عنه حالا فحالا وكذلك انفصال النهار عن الليل والانسلاخ أبلغ من الانفصال لما فيه من زيادة البيان وقوله : ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ٣ لأن تنفسها هنا مستعار وحقيقته بدأ انتشاره وتنفس أبلغ لما فيه من الترويح عن النفس وقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ٤ وحقيقته لا تمنع نالك كل المنع. والاستعارة أبلغ لأنه جعل منع النائل بمنزلة غل اليد إلى العنق وحال المغلول أظهر. وأمثال هذا في كتاب الله كثيرة وهو جار على عادة العرب المعروفة في الاستعارة. ومنه قول طفيل الغنوي: وجعلت كوري فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل٥ فإن اشتعارة هذا البيت مرضية عند جماعة العلماء بالشعر لأن الشحم لما كان من الأشياء التي تقتات وكان الرحل يتخونه ويذيبه كان ذلك بمنزلة من يقتاته وحسنت استعارته القوت للقرب والمناسبة والشبه الواضح.

стр. 114

وكذلك قول ذي الرمة في إحدى الروايات: أقامت به حتى ذوى العود والثرى ... ولف الثريا في ملاءته الفجر لأن الفجر لما غطى الليل ببياضه وشمل الأرض عند طلوعه حسنت استعارة الملاءة له لتضمنها هذا المعنى وعب بطلوع الثريا وقت طلوع الفجر بأنه لفها في ملاءته وتلك أحسن عبارة وأوضح استعارة. وقد اختار أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي الكاتب من جملة الاستعارة قول امرئ القيس: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل١ وقال: إن هذه الاستعارة في غاية الحسن والجودة والصحة لأنه إنما قصد وصف أحوال الليل الطويل فذكر امتداد وسطه وتثاقل صدره للذهاب والانبعاث وترداف أعجازه وأواخره شيئاً فشيئاً قال: وهذا عندي منتظم لجميع نعوت الليل الطويل على هيئته وذلك أشد ما يكون على من يراعيه ويترقب تصرمه فلما جعل له وسطاً يمتد وأعجازاً رادفة للوسط استعار له اسم الصلب وجعله متمطياً من أجل امتداده لأن قولهم تمطى وتمدد بمنزلة واحدة وصلح أن يستعير للصدر اسم الكلكل من أجل نهوضه وهذه أقرب الاستعارات من الحقيقة لملاءمة معناها لمعنى ما استعيرت له. وهذا الذي قاله أبو القاسم لا أرضى به غاية الرضى ولو كنت أسكن إلى تقليد أحد من العلماء بهذه الصناعة أو أجنح إلى اتباع مذهبه من غير نظر وتأمل لم أعدل عما يقوله أبو القاسم لصحة فكره وسلامة نظره وصفاء ذهنة وسعة علمه لكنني أغلب الحق عليه ولا

стр. 115

أتبع الهوى فيما يذهب إليه. وبيت امرئ القيس عندي ليس من جيد الاستعارة ولا رديئها بل هو من الوسط بينهما وبيتاً الغنوي وذي الرمة أحمد في الاستعارة وأشبه بالمذهب الصحيح منها وإنما قلت ذلك لأن أبا القاسم قد أفصح بأن امرأ القيس لما جعل الليل وسطاً وعجزاً استعار له اسم الصلب وجعله متميطاً من أجل امتداده وذكر الكلكل من أجل منهوضه فكل هذا إنما يحسن بعضه لأجل بعض فذكر الصلب إنما حسن لأجل العجز والوسط والتمطى لأجل الصلب والكلكل لمجموع ذلك. وهذه الاستعارة المبنية على غيرها فلذلك لم أر أن أجعلها من أبلغ الاستعارات وأجدرها بالحمد والوصف وكانت استعارة طفيل وذي الرمة عندي أوفق وأصح لأنها غنية بنفسها غير مفتقرة إلى مقدمة جلبتها. وقد اختار الآمدي أيضاً قول زهير: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله وقال لما كان من شأن ذي الصبا أن يوصف أبداً بأن يقال ركب هواه وجرى في ميدانه وجمح في عنانه ونحو هذا حسن أن يستعار للصبا اسم الأفراس وأن يجعل النزوع عنه بأن تعرى أفراسه ورواحله وكانت هذه الاستعارة من أليق نشيء بما استعيرت له. وعندي أن الاستعارة في بيت طفيل أليق منها في هذا البيت والعلة ما ذكرته في بيت امرئ القيس وذلك أن الاستعارة في بيت زهير مبنية على قولهم ركب هواه وجرى في ميدانه على محو ما قاله أبو القاسم وتلك استعارة بغير شك وقد بنى عليها. وبيت طفيل أقرب وأحسن لغناه بنفسه. وقد كنت مثلت في بعض المواضع الاستعارة المحمودة والمذمومة ببيتين:

стр. 116

أحدهما قول أبى نصر بن نباتة: حتى إذا بهر الأباطح والربا ... نظرت إليك بأعين النوار فنظر أعين النوار من أشبه الاستعارات وألقها لأن النوار يشبه العيون وإذا كان مقابلاً لم يجتر فيه ويمر به كان كأنه ناظر إليه وهذه الاستعارة الصحيحة الواضحة التشبيه. والبيت الثاني قول أبي تمام: قرت بقران عين الدين وانتشرت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما١ وقرة عين الدين وانشتار عيون الشرك من أقبح الاستعارات لعدم الوجه الذي لأجله جعل للدين والشرك عيوناً ومع تأمل هذين البيتين يفهم معنى الاستعارة لأن النوار والشرك لا عيون لهما على الحقيقة وقد قبحت استعارة العيون لأحدهما وحسنت للآخر وبيان العلة فيه أن النوار يشبه العيون والدين والشرك ليس فيهما ما يشبهها ولا يقاربها وهذه طريقة متى سلكت ظهر المحمود في هذا الباب من المذموم. وأما قول الشريف الرضى: والحب داء يضمحل كأنما ... ترغوا رواحله بغير لغام٢ فقريب من قول زهير - أفراس الصبا ورواحله - لكنه أبعد منه لأنه بنى عليه أمراً آخر غير قريب وهو قوله: إن رواحل الصبا ترغو ولا لغام لها. وهذا المذهب الرديء في الاستعارة على ما قدمناه.

стр. 117

وقد أعاد أبو نصر بن نباتة قوله نظرت إليك بأعين النوار - في موضع آخر فقال: إذا نظرت أرض الخليج بأعين ... من النور قامت للصوارم سوق وكلاهما واحد. فأما قول الرضى: رسا النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل المزن في أجداثكم تضع ولا يزال جنين النبت ترصعه ... على قبوركم العراصة الهمع١ فمن أحسن الاستعارات وألقيها لأن المزن تحمل الماء وإذا هملت وضعته فاستعارة الحمل لها والوضع المعروفين من أقرب شئ وأشبهه وكذلك قوله جنين النبت - لأن الجنين المستور مأخوذ من الجنة وإذا كان النبت مستوراً والغيث يسقيه كان ذلك بمنزلة الرضاع وكانت هذه الاستعارات من أقرب ما يقال وأليقه. وأما قول أبي ذؤيب الهذلي: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع فليس من أحسن الاستعارات ولا أقبحها ولا أراه نظير ما اخترته من قول طفيل وذي الرمة وابن نباتة والشريف الرضى. ولا الأمثلة البعيدة التي ذكرتها بل هو وسط وإن كان إلى الاختيار أقرب لما جرت به العادة من قولهم: علقت به المنية ونشبت وما أشبه ذلك ولأجل كثرة هذا حسن. ولأنه مبنى على غيره لم اجعله من أبلغ الاستعارات على ما قدمت ذكره.

стр. 118

وأما قول أبي تمام: أيامنا مصقولة أطرافها ... بك والليالي كلها أسحار فمن الاستعارة المختارة لأنه لما أراد الأيام المحمودة الصافية من الكدر والقذى جعلها مصقولة على وجه الاستعارة وهذا تشبيه ظاهر. وأما قوله: يا دهر قوم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك١ وقوله: فضربت الشتاء في أخدعيه ... ضربة غادرته عوداً ركوبا٢ وقوله: سأشكر فرجة اللب الرخى ... ولين أخادع الدهر الأبي٣ فإن أخادع الدهر والشتاء من أقبح الاستعارات وأبعدها مما استعيرت له وليس بقبح ذلك خفاء. ولا يعرف أبو تمام الوجه الذي لأجله جعل للشتاء والدهر أخادع إلا سوء التوفيق في بعض المواضع. وأما قول أبي الطيب:

стр. 119

مسرة في قلوب الطيب مفرقها ... وحسرة في قلوب البيض واليلب١ فمن أبعد ما يكون في هذا الباب ولا عذر يتوجه له في الاستعارة للطيب والبيض واليلب قلوباً تسر وتتحسر. وذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني٢ صاحب كتاب الوساطة بين المتنبي وخصمه: أن بعض أصحابه جاراه أبياتاً أبعد أبو الطيب فيها الاستعارة وخرج عن حد الاستعمال والعادة وكان منها هذا البيت الذي ذكرناه وقوله أيضاً: تجمعت في فؤاده همم ... ملئ فؤاد الزمان إحداها قال فقلت له: هذا ابن أحمر يقول: ولهت عليه كل معصفة ... هو جاء ليس للبها زبر٣ فما الفصل بين من جعل للريح لباً ومن جعل للبيض واليلب قلوباً وهذا الكميت يقول: ولما رأيت الدهر يقلب ظهره ... على بطنه فعل الممعك بالرمل٤ وهذا ابن رميلة يقول:٥ هم ساعد الدهر الذي يتقى به ... وما خير كف لا تنوء بساعد

стр. 120

وذكر أبياتاً من هذا النحو ثم قال: فكيف أنكرت على أبي الطيب أن جعل له فؤاداً قال فلم يحرجوا أبا غير أن قال إذا استبرأت نفسي١ وجدت بين استعارة ابن أحمر للريح لباً واستعارة أبي الطيب للطيب قلوباً بوناً بعيداً وربما قصر اللسان عن مجاراة الخاطر ولم يبلغ الكلام مبلغ الهاجس ثم قال القاضي أبو الحسن وقد أجد لهذا الفصل الذي تحمل له بعض البيان وذلك أن الريح لما خرجت بعصوفها عن الاستقامة وزالت عن الترتيب شبهت بالأهوج الذي لا مسكة في عقله ولا زبر للبه ولما كان مدار الهوج في الالتياث على العقل حسن من هذا الوجه أن يجعل للريح عقلاً فأما الدهر فإنما يراد بذكره أهله فإذا جعل الممدوح للدهر ساعداً فقد أقيم لأهله مقام هذه الجوارح من الإنسان وليس للطيب والبيض واليلب ما يشبه القلب ولا ما يجرى مع هذه الاستعارة في طريق ثم قال ابن عبد العزيز: وإنما يحمل ما جاء من ألفاظ المحدثين وكلام المولدين زائلاً عن السنن على وجوه تقربهم من الإصابة وتقيم لهم بعض العذر وتلك الوجوه تختلف بحسب اختلاف مواضعه وتتباين على قدر تباين المعاني المتضمنة له. ولهذا قال أبو الطيب: مسرة في قلوب الطيب مفرقها فإنما يريد أن مباشرة مفرقها شرف ومجاورته له زين ومفخر وأن التحاسد يقع فيه والحسرة تعظم عليه. فلو كان الطيب ذا قلب لسر كما لو كانت البيض ذوات قلوب لأسفت وإذا جعل للزمان فؤاداً ملأته هذه الهمة فإنما أورده على مقابلة اللفظ باللفظ فلما افتتح البيت بقوله: تجمعت في فؤاده همم

стр. 121

ثم أراد أن يقول إحداهما تشغل الزمان وأهله ترخص بأن جعل له فؤاداً وأعانه على ذلك أن الهمة لا تحل إلا الفؤاد وسهله ما تقدم من تسامح الشعراء في نعوت الدهر وتوسعهم في استعارة الأوصاف له. وإذا قال أبو تمام: يا دهر قوم من أخدعيك فإنما يريد أعدل ولا تجر وانصف ولا تحف لكنه لما رآهم قد استجازوا أن ينسبوا إليه الجور والميل وأن يقذفوه بالعسف والظلم وبالخرق والعنف وقالوا قد اعرض عنا وأقبل على فلان وقد جفانا وواصل غيرنا. وكان الميل والأعراض إنما يكون بانحراف الأخدع وازورار المنكب واستحسن أن يجعل له اخدعاً وأن يأمره بتقويمه وهذه أمور متى حملت على التحقيق وطلب منها محض التقويم أخرجت عن طريقة الشعر ومتى اتبع فيها الرخص وأجريت على المسامحة أدت إلى فساد اللغة واختلاط الكلام وإنما القصد فيها التوسط والاجتزاء بما قرب وعرف والاقتصار على ما ظهر ووضح وهذه حكاية كلام القاضي أبي الحسن. ونحن نذكر ما عندنا في كل فصل منه والانتفاع به في الاستعارة ظاهر. أما الذي أنكر على أبي الطيب استعارته هذه فلم يضع يده إلا على ما تشهد الافهام له وتقطع العقول على صحته وأما اعتذار القاضي له بالأبيات التي ذكرها فغن كان قصد بذلك التنبيه على أن أبا الطيب غير مبتدع لهذا الزلل والمخترع بل هو مشارك فيه مماثل به وقد تقدمه من سلك هذا الطريق ونحا هذا النحو فإن وجب اطراح شعر أبي الطيب لهذا السبب وجب اطراح الأشعار كلها لأن العلة واحدة فعلى هذا الوجه الكلام

стр. 122

في موضعه وإن كان القصد بذلك إقامة العذر للمتنبي وترك الإنكار عليه إذ كان النهج الذي سلك فيه مطروقاً فليس هذا الرأي من معتقده بصواب لأن القول في استعارة أبي الطيب إذا كانت بعيدة غير مرضية كالقول في كل استعارة كذلك سواء كانت لمتقدم أو لمتأخر وليس يتميز قبحها بإضافتها إلى رجل من الرجال ولا زمان من الأزمنة وإنما هذا شئ يقع للعامة وأشباههم من أغمار الأدبار فيتخيلون أن للحسن ولقبح حكما يرجع إلى التاريخ ويتعلق بالإضافة ولا بد لنا من الكلام على هذا المذهب الفاسد فيما يأتي من هذا الكتاب في موضع مفرد يليق به وإن كانت الشبهة لا تعترض فيه لمحصل. ومن لم يعلم الصواب فيه ابتداء من نفسه فأجدر به ألا يعرف مواقع الأدلة عليه والحجج فيه لكنا نذكره هناك عل كل حال مستوفى مستقصى. فعلى ما قلناه ليس قول ابن احمر حجة لأبي الطيب لأنا نقول لهما جميعاً أخطأتما منهج الاستعارة وعدلتما عن الغرض المختار فيها. وأما قول القاضي: إن الفصل الذي يتخيل بين استعارة أبي الطيب للطيب قلوباً واستعارة ابن أحمر للريح لباً إنما هو أن الريح لما خرجت بعصوفها عن الاستقامة شبهت بالأهوج الذي لا مسكة في عقله ثم لما كان مدار الأهوج على الالتياث في العقل حسن من هذا الوجه أن يجعل للريح عقلاً. فلعمري أن الأمر على ما ذكره وقد سهل بيت ابن أحمر بهذا التخريج الذي جرت به العادة وإن لم يكن حسناً ولا محموداً لكنه أصلح من قلوب الطيب لأن تلك الاستعارة لا وجه لها من عادة ولا غيرها وكذلك ما قاله في ساعد الدهر لأنه تأويل لا يستمر لأبي الطيب مثله. فأما قوله: إنما يحمل ما جاء من ألفاظ المحدثين وكلام المولدين وزائلاً عن السنن على وجوه تقربهم من الإصابة وتقيم لهم بعض العذر فكأنه بهذا القول يخص المحدثين من المتقدمين وليس بينهم من هذا الوجه فرق

стр. 123

وكما يلتمس من المتأخر الحسن الصحيح كذلك يلتمس من المتقدم. ومن عدل منهما كان التأويل له واحداً بحيث يمكن ولا يبعد ولم يقع بينهما تميز فيما يوجبه النظر ويتقدمه الفحص وما أحسب أن أحداً ممن ينتسب إلى العلم ويتميز بصحة الفهم يحتاج في اختيار الاستعارة إلى معرفة صاحبها وزمانه حتى يكون حكمه على من تقدم مولده يخالف حكمه على من قرب عهده فلعل من يجدنا نستدل بكلام العرب المتقدمين على لغتهم لا نستدل بكلام المتأخرين يتحيل أن هذا شئ يرجع إلى الزمان وليس الأمر كذلك وإنما العرب الأول لما كثر الإسلام واتصلت الدعوة وانتشرت حضر أكثرهم١ وسكنوا الأرياف وفارقوا البدو وخالطهم الباقي فامتزج كلامهم بمن جاوروه من الأنباط وعاشروه من الأعاجم وعدم منهم الطبع السليم الذي كانوا عليه قبل هذه المخالطة فهم الآن لا يحتج بكلامهم لهذه العلة لا لأن القدم والحدوث سببان في الصواب والخطأ ولهذا كان الأصمعي ينكر أن يقال في لغة العرب مالح فلما أنشد في ذلك شعر ذي الرمة. قال: إن ذا الرمة قد بات في حوانيت البقالين بالبصرة زماناً. فأراد بذلك أن بمخالطتهم سمعهم يقولون مالح فقاله فلم يجز أن يحتج بكلامه لهذا السبب ولو فرضنا اليوم أن في بعض الصحارى النائية عن العمارة قوماً على عادة المتقدمين في البدو وترك الإلمام بأهل المدر متمسكين بطبعهم وجارين على سجيتهم كان على هذا الفرض قولهم حجة واتباعهم واجباً ولهذه العلة تختلف العرب في كلامهم بحسب تباينهم في المخالطة. فنجد اليوم من بعد منهم عن الحضر أكثر من غيره إلى الصواب أميل ومن جانبه أقرب. وأما قوله: إن أبا الطيب يريد أن مباشرة مفرقها شرف ومجاورته زين ومفخر وأن التحاسد يقع فيه والحسرة تعظم عليه فلو كان الطيب

стр. 124

ذا قلب لسر كما لو كانت البيض ذوات قلوب لأسفت فلم يزد على أن فسر مراد أبي الطيب بقوله: إن الطيب يسر بمفرق هذه المرأة والبيض تتحسر. والمعنى ظاهر فيه لا خفاء به. وقوله: إن مراده لو كان الطيب ذا قلب لسر ليس بعذر في قوله قلوب الطيب لأن بين قوله: لو كان للطيب قلب وبين قوله للطيب قلب فرقاً ظاهراً لا يخفى على أحد لأن أحدهما قد جعله واجباً والآخر ممتنعاً ليس فيه أكثر من الفرض الذي يعلم من فحوى اللفظ انه لم يقع وليس يخفى على متأمل أن بين قول البحتري: فلو أن مشتاقاً تكلف غير ما ... في طبعه لمشى إليه المنبر١ وبينه لو كان قال: إن المنبر مشى إليك ميزة بينة ظاهرة. وهذا أمر لا يستمر في مثله شبهة فيحتاج إلى الإسهاب في إيضاحه. وأما قوله: إنه جعل للزمان فؤاداً ملأته هذه الهمة على مقابلة اللفظ باللفظ لما افتتح البيت بقوله: تجمعت في فؤاده همم فليس بمعتمد لأن مقابلة اللفظ باللفظ على ما أراده مجاز والمجاز لا يقاس عليه وليس يحسن بنا أن نقابل اللفظ باللفظ في كل موضع من الكلام قياساً على مقابلة اللفظ باللفظ في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٢ كما لا يجوز منا أن نحذف المضاف ونقيم المضاف إليه مقامه أبداً اتباعاً لقوله عز اسمه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ ٣ والمراد أهل القرية حتى نقول ضربت زيداً ونريد غلام زيد والعلة في الجميع

стр. 125

واحدة وهو أن المجاز لا يقاس عليه وإنما يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه في موضع دون موضع بحسب ما يتفق من فهم المقصود وزوال اللبس والأشكال وكذلك نقابل بعض الكلام ببعض بحيث لا يعرض فيه فساد في المعنى ولا خلل في العبارة فإذا اعترضنا في المقابلة مثل هذه الاستعارة لم نجزها كما إذا تطرق إلينا في حذف المضاف وجود اللبس لم نركن إليه ولا نعرج عليه. وأما قوله: إنه أراد أن يقول أحداها تشغل الزمان وأهله فترخص بأن جعل له فؤاد وأعانه على ذلك أن الهمة لا تحل إلا الفؤاد وسهلة ما تقدم من تسامح الشعراء في نعوت الدهر وتوسعهم في استعارة الأوصاف فليس هذا القول بحجة لأن الشعراء إذا تسمحوا وأبعدوا في الاستعارة نسبوا إلى ما نسب إليه أو الطيب من الخطأ والعدول عن الوجه في الكلام وليس يعذر لهم كما لا يحتج لهم به وكلهم في هذا الباب شرع واحد. وقوله فيما بعد: إن أبا تمام قال: يا دهر قوم من أخدعيك فقد لما رآهم قد استجازوا أن ينسبوا إليه الجور والميل وقالوا قد أعرض عنا وأقبل على فلان وجفانا والميل والأعراض إنما يكون بانحراف الأخدع وازورار المنكب كلام لا يغنى عن أبي تمام شيئاً لأنا قد ذكرنا أن الاستعارة إذا بنيت على استعارة قبحت وبعدت والواجب أن تكون لها حقيقة ترجع إليها بلا واسطة وإذا كان الأمر على هذا وكان قولهم عن الدهر قد أعرض عنا وأقبل على فلان استعارة ومجازا بغير شك ولم يحسن أن يجريه مجرى الحقيقة ونبنى عليه أمرا بعيدا حتى نجعل للدهر أخدعا لأجل قولهم إنه قد عرض عنا وانحرف. ويقال للقاضي أبي الحسن: هل تجيز: هي تجيز لبعض المحدثين أن يبنى استعارة

стр. 126

أخرى على الأخدع في الدهر لأن أبا تمام قد استعمل ذلك ويبنى غيره على قول هذا المحدث استعارة أخرى بعيدة ويؤول هذا إلى ما لا نهاية له حتى يفسد الكلام وتختل العبارة ويذهب التمييز في الوجوه المحمودة والذميمة فإن أجاز ذلك بأن فساد قوله لكافة العقلاء وأن امتنع منه وقال لا بد للاستعارة من حقيقة يرجع إليها ويكون بينهما شبه ظاهر وتعلق وكيد قيل له: فبهذا نخاطبك وله قطعنا على قبح استعارة أبي تمام للدهر أخدعا فاعرض الآن عن هذا التعليل منك بالباطل جانبا فإنه غير لائق بك وبمن يجرى مجراك من أهل العلم بهذه الصناعة ثم ما الفرق بينك فيما ذكرته وبين من عذر القائل: باض الهوى في فؤادي ... وفرخ التذكار وقال: لما كانت العادة جارية في الهوى أن يقال حل في الفؤاد وأقام وليس بزائل ولا ذاهب وكان الطائر ذو البيض أو الفراخ شديد المقام على وكره والألف له والحنين إليه ترخص بان استعار للهوى باض وللتذكار فرخ كناية عن مقامهما وثباتهما في فؤاد وتشبيهاً بما ذكرناه من حال الطائر فإن ادعى صحة هذا التخريج وألحقه بما ذكره في بيت أبي تمام وجب الإمساك عنه وإن أفصح بخلافة للعلة التي بيناها فهي موجودة في الأبيات التي ذكرها على أنه قال في آخر كلامه: إن هذه أمور لا تحمل على التحقيق ولا يتبع فيها الرخص ثم حملها على أشد الرخص إحالة وفساداً. ومن التوسط الذي حمده وأشار إليه أن لا يتعدى في الاستعارة حدها ولا يعدل بها عن منهجها. فأما قول أبي الطيب: وقد ذقت حلواء البنين على الصبا ... فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل١

стр. 127

فقد كان الصاحب كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن عباد أنكره على أبي الطيب وذكره في جملة المساوي من شعره والأمر فيه على ما قاله وهو من رديء الاستعارة وأرى أن الزائد في قبحه قوله حلواء لأن المستعمل في هذا الفن حلاوة وتلك اللغة في العرف مفردة لأمر آخر حقيقي هي غير مستعارة فيه. وأما قول أبي تمام: وكم أحرزت منكم على قبح قدها ... صروف النوى من مرهف حسن القد فإن استعارة القد لصروف النوى من أبعد ما يقع في هذا الباب وأقبحه وإنما يقود أبا تمام إلى هذا وأمثاله رغبته في الصنعة حتى كأنه يعتقد أن الحسن في الشعر مقصور عليها فيورد منه لأجل التكليف ما لا غاية لقبحه ويسعده الخاطر في بعض المواضع فيأتي بالعجائب الغرائب. ومن مختار الاستعارة قول الشريف الرضي: وما نطفة مشمولة في مجمة ... وعاها صفا من آمن الطود فارع من البيض لولا بردها قلت دمعة ... مرنقة ما أسلمتها المدامع١ لأنه استعار لأعلى الجبل الأمن عبارة عن الارتفاع وتعذر الوصول إليه وهذا لائق محمود في الصناعة ومعلوم عند أهلها وما زلت أسمع أبا العلاء يقول: إن من الشعر ما يصل إلى غاية لا يمكن تجاوزها وهذا البيت عندي من ذلك القبيل حسناً وصحة نسج وعذوبة لفظ. وللسري الموصلي أبيات مرضية في معناها وهي:

стр. 128

أقول لحنان العشى المغرد ... يهز صفيح البارق المتوقد تبسم عن ري البلاد حبيه ... ولم يبتسم إلا لإيجاز موعد ثم بعدها أبيات: وياديرها الشرقي لا زال رائحً ... يحل عقود المزن فيك ويغتدى عليلة أنفاس الرياح كأنما ... يعل بماء الورد نرجسها الندى يشق جيوب الورد في شجراته ... نسيم متى ينظر إلى الماء يبرد وفي هذه الأبيات استعارات عدة كل منها مختار: أما حنان العشي مغرد فمعروف والعادة جارية باستعارة الحنين والتغريد: للغيث لأن له صوتاً على كل حال. وكذلك صفيح البارق وأشبه شئ بالبرق لمع السيوف والتبسم فيه أيضاً ظاهر لضوء برقه في خلاله وعقود المزن لائقة لتشبيه القطرات من الماء والدمع بالعقد إذا وهي من سلكه وأنفاس الرياح تكاد تكون حقيقة لوضوحه واستعمال العلة فيها كناية عن الضعف والخفوت وقلة الحركة على وجه التشبيه بالمريض وجيوب الورد مختار لأن النسيم إذا أظهره من أكمامه ونشره عن طيه بعد ذلك كان بمنزلة الجيوب التي تشق وعبارته عن سرعة برد الماء بالنسيم إنه متى نظر إليه برد مرضية لأن النظر ليس هو الرؤية وإنما هو ضرب من المقابلة والمواجهة تقع الرؤية بعده ومثل هذا في النسيم موجود ولائق غير بعيد. وأنا أختار أيضاً قول الأمير أبي الحسن على بن مقلد بن منقذ: لا يحفظون سوى أسمال زادهم ... ولا يضيعون إلا حرمة الجار لأن الأسمال الأخلاق١ وإذا استعيرت لبقية الزاد وفضلته كانت من

стр. 129

أحسن شئ وأليقه وأقربه إلى الحقيقة والجامع بينهما أن كلا منهما غبر وعقابيل قد أنهجت جدته وذهب أكثره وهو معرض للنبذ وهو منسوب إلى الاطراح والرفض وهذه وجوه ظاهرة تحمل الاستعارة عليها. وأما قول أبي عبادة البحتري: وكنت إذا استبطأت ودك زرته ... بتفويف شعر كالرداء المحبر عتاب بأطراف القوافي كأنه ... طعان بأطراف القنا المتكسر فلعمري أن هذه المقابلة الصحيحة لأن للقوافي طرفاً بلا شك وأولاً ووسطا وآخراً فإن كان أبو عبادة لا يريد طرف القافية الحقيقي وإنما مقصوده أنى ألوح بالعتاب في القصائد ولا أصرح به فهو يفهم من معاريضها وملاحنها وحيا وعلى وجه الإيماء والاشارة وهي غير مقصورة عليه ولا مفردة لذكره فبهذا أيضاً جرت العادة في استعمال الطرف. وإذا قال القائل تلوحت من أطراف كلام فلان كذا وكذا فإنما هذا المعنى يريد وله يعنى والبحتري على كل حال محسن: وأما تفويف شعر فإن النظم إذا كان نسجاً وصف بالصقال والرقة وكثرة الماء والهلهلة والمتانة وغير ذلك مما يستعمل في الثياب المنسوجة من النعوت المحمودة والمذمومة كان التفويف فيه جاريا هذا المجرى ومعدودا من هذا القبيل. وأما قول الرضى: ملك سماحتي تحلق في العلا ... وأذل عرنين الزمان السامي١ فليس عرنين الزمان من الاستعارة الجيدة وإنما بناه على ذكر الأنف الحقيقي عند وصف صاحبه بالذل وقد وردت استعارة الأنف في مثل هذا الموضع وكلاهما قبيح قال تأبط شراً:

стр. 130

نحز رقابهم حتى صدعنا ... وأنف الموت منخره رثيم فجعل للموت أنفا ومنخر رثيما من قولهم: - رثمت أنف الرجل فهو رثيم - إذا ضربته فدمى. وقال ذو الرمة: يعز ضعاف القوم عزة نفسه ... ويقطع أنف الكبرياء من الكبر فاستعار للكبرياء أنفا أو لعله أراد أنف صاحب الكبرياء وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقال معقل بن خويلد الهذلي: تخاصم قوماً لا تلقى جوابهم ... وقد أخذت من أنف لحيتك اليد يريد قبضت على طرف لحيتك كما يفعل المهموم فجعل للحية أنفاً: وقال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان فيما قرأته عليه: إذا ذن أنف البرد سرتم فليته ... عقيب التنائي كان عوقب بالجدع١ وقال أيضاً: للطيب في منزلها سورة ... مناخر البدر بها تفغم٢ فاستعار للبرد أنفاً وللبدر مناخر وقال سلم الخاسر: لولا المقادير ما حط الزمان به ... لكن تولى بأنف كلمه دام فجعل للزمان أنفاً دامياً. وقال الحسين بن مطير: فلما مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا

стр. 131

وكل هذا من الاستعارة البعيدة الذميمة وقد حمل بعض المفسرين قول ذي الرمة: أنف الكبرياء على أنه أراد أوله والمقدم منه كما قال امرؤ القيس: قد غدا يحملني في أنفه ... لا حق الإطلين محبوك ممر١ أي في أول جرية أو في أول الغيث الذي ذكره قبل هذا البيت وهذا التأويل على بعده ليس يسوغ في جميع الأبيات المذكورة لأن المعنى فيها مبنى على الأنف الذي هو العضو. ومن الاستعارة المحمودة التي كأنها حقيقة قول شيخنا أبي العلاء: وكأن حبك قال حظك في السري ... فالطم بأيدي العيس وجه السبسب وهذا من قربه لو قيل إنه حقيقي غير مستعار جاز ذلك وإن كان على محض الاستعارة أحسن وأحمد فأما قوله: ولما ضربنا قونس الليل من عل ... تفرى بنضخ الزعفران أو الردع٢ فإن قونس الليل ليس بمرضى على أن ذا الرمة قد أتى بمثله في قوله: تيممن يا فوخ الدجى فصدعنه ... وجوز الفلا صدع السيوف القواطع٣ وإن كان يا فوخ الدجى أقبح وأشنع لكن هذا عندنا ليس بعذر وما

стр. 132

يتوجه على أحدهما إلا ما يتوجه على الآخر. وما زال العلماء بالشعر ينكرون هذه الاستعارة على ذي الرمة ويعتدونها من اساآته وقد تجاوز الشريف الرضى في بعض المواضع ذكر الرأس لليل إلى أن جعل له مخاً وعظماً فقال: ليالي أسرى في أصيحاب لذة ... ومخ الدجى رار وقد دق عظمه١ وهو من أردأ ما يكون في هذا الباب وأشنعه. وما زال الناس ينكرون قول أبي تمام: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماس بكائي ويحكون الحكاية المعروفة عن سائل سأل أبا تمام أن ينفذ له في إناء شيئاً من ماء الملام وربما نسبها بعض الرواة إلى عبد الصمد بن المعذل. وقد تصرف أصحاب أبي تمام في التأويل له فقال بعضهم إن أبا تمام أبكاه الملام وهو يبكى على الحقيقة فتلك الدموع هي ماء الملام وهذا الاعتذار فاسد لأن أبا تمام قال: - قد استعذبت ماء بكائي - وإذا كان ماء الملام هو ماء بكائه فكيف يكون مستعفياً منه مستعذباً له. وقال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي ٢: كيف يعاب أبو تمام إذا قال ماء الملام وهم يقولون كلام كثير الماء وقال يونس بن حبيب في تقديم الأخطل. لأنه أكثرهم ماء شعر ويقولون ماء الصبابة وماء الهوى يريدون الدمع. وقال ذو الرمة: أأن توهمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم٣

стр. 133

وقال أيضاً: أداراً بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهواء يرفض أو يترقرق وقالوا: ماء الشباب. قال أبو العتاهية: ظبى عليه من الملاحة حلة ... ماء الشباب يجول في وجناته وهو من قول عمر بن أبي ربيعة: وهي مكنونة تحير منها ... في أديم الخدين ماء الشباب فما يكون إذا استعار أبو تمام من هذا كله حرفاً فجاء به في صدر بيته لما قال في آخره - إنني صب قد استعذبت ماء بكائي - قال في أوله: لا تسقني ماء الملام وقد تحمل العرب اللفظ على اللفظ فيما لا يستوي معناه. قال الله جل وعز: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ١ فالسيئة الثانية ليست بسيئة لأنها مجازاة ولكنه لما قال وجزاء سيئة سيئة حمل اللفظ على اللفظ وكذلك: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٢إنما حمل اللفظ على اللفظ فخرج الانتقام بلفظ الذنب لن الله لا يمكر. وكذلك: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ ٣ لا قال فبشر هؤلاء بالجنة قال: وبشر هؤلاء بالعذاب والبشارة إنما تكون في الخير لا في الشر. هذه جملة ما قاله أبو بكر وهي غير لائقة بمثله من أهل العلم بالشعر لأن قولهم كلام كثير الماء وماء الشباب وقول يونس إن الأخطل أكثرهم ماء شعر إنما المراد به الرونق كما يقال ثوب له ماء ويقصد بذلك رونقه ولا يحسن أن يقال ما شربت أعذب من ماء هذا

стр. 134

الثوب كما لا يحمل أن يقال ما شربت أعذب من ماء هذه القصيدة لأن هذا القول مخصوص بحقيقة الماء لا بماء هو مستعار له وأبو تمام بقوله: لا تسقني ما الملام ذاهب عن الوجه على كل حال ثم لا يجوز أن يريد هنا بالماء الرونق لأن الملام لا يوصف بذلك وإنما يذم ويستقبح ولا يحمد ويستحسن وأبو تمام القائل: عذلاً شبيهاً بالجنون كأنما ... قرأت به الورهاء شطر كتاب١ فبهذا وأمثاله ينعت الملام لا بالماء الذي هو الرونق والطلاوة فقد بان فساد هذا الاعتذار من هذا النحو. وأما ماء الصبابة وماء الهوى فقد بين أبو بكر أنهم يريدون به الدمع فكيف يقول إنه استعارة والدمع ماء حقيقي بلا خلاف وعلى أي وجه يحمل ماء الملام في الاستعارة على ماء الدمع وهو حقيقة؟ وأما مقابلة اللفظ باللفظ واستشهاده بالآيات المذكورة فقد ذكرنا الكلام عليه فيما تقدم وبينا أن هذا مجاز ولا يقاس عليه ولا يحسن منا المقابلة في موضع يعترضنا فيه فساد في المعنى أو خلفي اللفظ كهذه الاستعارة أو ما يجرى مجراها كما لا يحسن بنا غير ذلك في المجاز إذا أدى إلى اللبس والإشكال. وقال أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي٢: ليس قول أبي تمام لا تسقني ماء الملام بعيب عندي لأنه لما أراد أن يقول قد استعذبت ماء بكائي جعل للملام ماء ليقابل ماء بماء وإن لم يكن للملام ماء على

стр. 135

الحقيقة فإن الله جل اسمه يقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ١ ومعلوم أن الثانية ليست بسيئة وإنما هي جزاء على السيئة وكذلك: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ ٢ والفعل الثاني ليس بسخرية ومثل هذا في الشعر والكلام كثير ومستعمل فلما كان في مجرى العادة أن يقول القائل: أغلظت لفلان القول وجرعته منه كأساً مرة أو سقيته منه أمر من العلقم وكان الملام مما يستعمل فيه التجرع جعل له ماء على الاستعارة وهذا كثير موجود. وهذا الذي قاله أبو القاسم عن المقابلة قد ذكرناه فلا وجه لإعادة الكلام عليه وأما اعتذاره بأن العادة جارية أن يقال: جرعته من القول كأسا مرة فلما استعمل في الملام التجرع على الاستعارة جعل له ماء على الاستعارة فلعمري أن هذا أقرب ما يعتذر به لأبي تمام في هذا البيت وأولى من جميع ما قد ذكر لما قدمناه من فساد التعلق بذلك لكنا قدمنا أن الاستعارة إذا بنيت على استعارة بعدت وإن اعتبر فيها القرب فماء الملام ليس بقريب وإن لم يعتبر فيها لم ينحصر وبنى على كل استعارة استعارة وأدى ذلك إلى الاستحالة والفساد على ما قدمناه. وليس هذا البيت عندي بمحمود ولا من أقبح ما يكون في هذا الباب بعد قول أبي تمام: لها بين أبواب الملوك مزامر ... من الذكر لم تنفخ ولا هي تزهر وقوله: إلى ملك في أيكة المجد لم يزل ... على كبد المعروف من نيله برد وقوله:

стр. 136

وتقسم الناس السخاء مجزأ ... وذهبت أنت برأسه وسنامه وتركت للناس الإهاب وما بقي ... من فرثه وعروقه وعظامه فانظر كيف جعل للذكر مزامر لم تنفخ وللمعروف كبدا تبرد ولم يقنع بأن استعار للسخاء رأساً وسناما وإهابا وعظاما وعروقا حتى جعل له فرثا. وتعالى الله كيف يذهب هذا على من يقول: أخرجتموه بكره من سجيته ... والنار قد تنتضى من ناضر السلم١ ويقول: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود لكن أعوز الكمال واستولى الخلل على هذه الطباع فالمحمود من كانت سيئاته مغمورة بحسناته وخطأه يسيرا في جانب صوابه. وقد قدمنا فيما مضى من هذا الكتاب أننا لم نذكر هذه الأبيات الذميمة وغرضنا الطعن على ناظمها وإنما قادتنا الحاجة في التمثيل إلى ذكر الجيد والردئ والفاسد والصحيح على ما ذكرناه سالفاً ومعاذ الله أن يخرجنا بغض التقليد وحب النظر من الطرف المذموم في الإتباع والانقياد إلى الجانب الآخر في التسرع إلى نقص الفضلاء والتشييد لما لعله اشتبه على بعض العلماء والرغبة في الخلاف لهم وإيثار الطعن عليهم بل نتوسط إن شاء الله بين هاتين المنزلتين فننظر في أقوالهم ونتأمل المأثور عنهم ونسلط عليه صافي الذهن ونرهف له ماضي الفكر فما وجدناه موافقاً للبرهان وسليما على السبر اعترفنا بفضيلة السبق فيه وأقررنا لهم بحسن النهج لسبيله. وما خالف ذلك وباينه اجتهدنا في تأويله وإقامة المعاذير فيه.

стр. 137

وحملناه على أحسن وجوهه وأجمل سبله وإيجاباً لحقهم الذي لا ينكر وإذعاناً لفضلهم الذي لا يجحد وعلما أنهم لم يؤتوا من ضلالة ولا كلال ذهن وفطنة ولكن لاستمرار هذه القضية في المحدثين وعمومها أكثر المخلوقين ومن الله نستمد التوفيق والمعونة برحمته. فهذه الجملة تكشف لك عن نهج الاستعارة وتوضح كيف تقع الألفاظ موقعها في المجاز. فأما الحقيقة فلا نحتاج فيها إلى مثال لأن أكثر الكلام على ذلك ولكن ها هنا ألفاظ قد وضعت في غير موضعها ليس على وجه الاستعارة ولا الحقيقة فإنا أذكر لك منها ما تجعله دليلا على الباقي وتعتبر في الكلام الذي تؤثر معرفة حظه من الفصاحة أن يكون خالياً من مثل تلك الألفاظ بل كل كلمة منه موضوعة في موضعها اللائق بها إما حقيقة أو على وجه المجاز السائغ المختار الذي نبهتك على علمه. فمن تلك الألفاظ قول أبي تمام: سعى فاستنزل الشرف اقتساراً ... ولولا السعي لم تكن المساعي فإن استنزال الشرف ليس بحقيقة فيه ولا على وجه الاستعارة الصحيحة لأن الشرف إذا حط وأنزل فقد وصف بما لا يليق به من الاذالة والخفض والمحمود في هذا أن يقال رفعت منار الشرف وشيدته فهو سام على الكواكب وعال عن درجة الأفلاك فأما استنزلته فلا يحسن في هذا الموضع البتة وقد كان يمكنه أن يعبر عن نيله الشرف ووصوله إليه بغير استنزاله. فإن الرجل الشريف الآباء لو ذم لكان أبلغ ما يذم به أن يقال حططت شرفك ووضعت منه وما يجرى هذا المجرى. فهذا هو وضع الألفاظ في غير الموضع الذي يليق بها. ومن ذلك أيضاً قول أبي تمام: جذبت نداه غدوة السبت جذبة ... فخر صريعاً بين أيدي القصائد

стр. 138

لأن هذا الموضع لا يليق به جذبت والممدوح يوصف بأنه أعطى طوعاً واختياراً وحباً للكرم وصبابة إلى الإحسان. وإذا جذب الندى حتى يخر صريعاً فليس من الطوع بشيء إنما ذلك لفظ القسر والغلبة والجبر وهذا لا يكون مدحاً إنما هو صريح الهجو ومحضه. ومن هذا الفن أيضاً قوله: ضعفت جوانح من أذاقته النوى ... طعم الفراق فذم طعم العلقم لأن دعاءه على من ذم طعم العلقم بالإضافة إلى طعم الفراق بضعف الجوانح كلام موضوع في غير موضعه وذكر الحواس التي يضاف إليها الذوق في هذا الموضع أليق فأما الجوانح فلا معنى لها وقوله: ضعفت كلام ضعيف ها هنا. فعلى هذا النحو يكون وضع الألفاظ في غير موضعها على الوجه الذي لا يوافق الاستعارة وحقيقتها فتأمله وقس غيره عليه فإنك تجده في الكلام كثيراً. ومن وضع الألفاظ موضعها أن لا تقع الكلمة حشوا وأصل الحشو أن يكون المقصد بها إصلاح الوزن أو تناسب القوافي وحرف الروي إن كان الكلام منظوما وقصد السجع وتأليف الفصول إن كان منثورا من غير معنى تفيده أكثر من ذلك وهذا الباب يحتاج إلى شرح وبيان وتفصيله أن كل كلمة وقعت هذا الموقع من التأليف فلا تخلو من قسمين إما أن تكون أثرت في الكلام تأثيراً لولاها لم يكن يؤثر أو لم تؤثر بل دخولها فيه كخروجها منه وإذا كانت مؤثرة فهي على ضربين أحدهما أن تفيد فائدة مختارة يزداد بها الكلام حسنا وطلاوة والآخر أن تؤثر في الكلام نقصا وفي المعنى فساداً. والقسمان مذمومان والآخر هو المحمود وهو

стр. 139

أن تفيد فائدة مختارة ولكل من ذلك مثال فمثال الكلمة التي تقع حشوا وتفيد معني حسناً قول أبي الطيب: وتحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها وحاشاك فانياً لأن حاشاك ها هنا لفظة لم تدخل إلا لكمال الوزن لأنك إذا قلت احتقار مجرب يرى كل ما فيها فانياً كان كلاماً صحيحاً مستقيما فقد أفادت مع إصلاح الوزن دعاءً حسنا للممدوح في موضعه. ومثله قول أبي محلم: ١ إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان لأن وبلغتها تجرى مجرى وحاشاك في الفائدة ولو ألغيت من البيت لصح المعنى دونها على حد ما قلناه في البيت الأول وليس يخفى على المتأمل حسن المقصود بحاشاك وبلغتها في هذين الموضعين. وكذلك أيضاً قول أبي الطيب: نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد لأن قوله لهنئت الدنيا بمنزلة الحشو إذ كان المعنى يتم من دونه ولو استوى له أن يقول نهبت من الأعمار ما لو حويته لخلدت في الدنيا لكان المعنى مستقيما لكنه لما احتاج إلى ألفاظ يصح بها الوزن جاء بقوله لهنئت الدنيا فأنى بزيادة من المدح وفضلة من التقريظ والوصف لإخفاء بحسن موقعها فهذا وما أشبهه هو الحشو المحمود المختار. وقد زل في هذا الموضع أبو هاشم عبد السلام بن محمد فالحق الحشو الجيد بالرديء وقال في المسائل البغداديات في مسألة ذكرها في إيجاز

стр. 140

القرآن أن الشاعر إذا احتاج إلى الوزن ذكر ما لا يحتاج إليه في الكلام المنثور ألا ترى إلى قول امرئ القيس: ورضت فذلت صعبة أي إذلال١ ولو كان في الكلام لكان يقول: ورضيت فذلت أي إذلال لو شاء ولو شاء لقال ورضت فذلت صعبة فقد بان أنهم ربما ذكروا المصادر والظروف ليتم الوزن هذا في الشعر الرصين. ولهذا ما قال الأعشى: فأصبحت حبة قلبها وطحالها ولولا الوزن لاكتفى بقوله: فأصبت حبة قلبها وهذا كلام بعيد من الصواب لأن صعبة من بيت امرئ القيس وقوله أي إذلال حشو مختار حسن يقصد في المنثور مثله الحذاق بتأليفه لأنه لو قال ورضت فذلت لم يكن في الكلام دليل على أن هناك صعوبة ولا ثم تمنعا وبقوله: صعبة قد حصل هذا وهو مقصود في الغرض لا يخيل على عاقل في هذا الموصوف وفي تأليف الكلام لا يخفى على من له أدنى علم بهذه الصناعة ثم في قوله بعد: أي إذلال وصف حسن لذلها ليس يستفاد من الأول لموقع التعجب فيه والوصف وليس هذا الموضع مما يقصر في فهمه أحد من المتوسطين في هذا العلم. وأبو هاشم وإن كان العالم المتقدم في صناعة الكلام فليس معرفته بالجواهر والأعراض وكلامه في العدل والألطاف مما يفيده العلم بصناعة نقد الكلام المؤلف وفهم النظم والنثر كما أن من المتقدمين في هذا العلم من يجهل أول ما يجب على العاقل فضلا عما تجاوزه ونعوذ بالله من تعاطي ما لا نحسنه ونسأله التوفيق والعصمة فيما نقوله ونفعله. فأما بيت الأعشى فالأمر فيه على ما وقع لأبي هاشم

стр. 141

وهو من أقبح الحشو ولا مناسبة بينه وبين بيت امرئ القيس في حال من الأحوال ومما تزدادج به عجبا أن على بن عيسى الرماني نقض على أبي هاشم مسائله هذه بكتاب معروف قصره على نقضها واعتمد فيه المناقشة وترك المسامحة في كل لفظة من ألفاظ أبي هاشم فلما وصل إلى هذه المسألة ونقضها لم يعرض لهذا الموضع الذي ذكرناه بل ظهر من كلامه أنه موافق فيه مسلم له. ولا نعلم السبب الموجب لخفاء مثله على أبي الحسن مع مكانه المشهور من الأدب. وأما مثال الكلمة التي تقع حشواً وتؤثر في المعنى نقصاً وفي الغرض فساداً فكقول أبي الطيب يمدح كافورا: ترعرع الملك الأستاذ مكتهلا ... قبل اكتهال أديباً قبل تأديب لأن قوله: الأستاذ بعد الملك نقص له كبير وبين تسميته له بالملك والأستاذ فرق واضح فالأستاذ قد وقع ها هنا حشواً ونقص به المعنى إذ كان الغرض في المدح تفخيم أحوال الممدوح وتعظيم شأنه لا تحقيره وتصغير أمره وقد رأيت في أخبار كافور الأخشيدي ما يقيم عذر أبي الطيب في هذا ويزيل عنه بعض اللوم وذلك أنه روى أن كافوراً لما غلب على ولد الأخشيد فاستبد بالأمور دونهم لم يخرج بذلك عن حد المدبر إلى المالك ولم يقم له على منبر دعوة ولا نقش باسمه سكة ولا اختار أن يخاطب إلا بالأستاذ فلم يسم في مدة أيامه بالأمير ولا بغيره مما يخاطب به من جرى مجراه. فإذا كان الأمر على هذا - ولا شك في صحته - فإن الأستاذ صار له بمنزلة اللقب الذي لا يجوز تغييره فإذا علم منه الشعراء حب المخاطبة بهذه التسمية نظموا ذلك في مديحهم فكأن أبا الطيب ذكر الأستاذ بعد الملك علماً منه بغرض كافور فأما تمثيلنا نحن بهذا البيت فصحيح وفي حكم النظم والنثر أن لا تذكر هذه الكلمة بعد كلمة هي

стр. 142

أشرف منها بدرجة عالية. فإن زعم زاعم: أن أبا الطيب قصد بقوله الأستاذ تقريع كافور بذلك بأنه خصي ونقصه كما كان يقصد ذلك بذكر سواده فإن هذه اللفظة أعني الأستاذ قد صارت في العرف مختصة بذلك وقد قال أبو الطيب كان كافور الأخشيدي يشق عليه أن يعرض له بالسواد فكنت أعتمد معه في كل قصيدة ذكر سواده حتى قلت فيه: بشمس منيرة سوداء ١. وقلت: سوابق خيل يهتدين بأدهم٢. وغير ذلك مما هو موجود في المديح لكافور فلعمري أن هذا القول مروى عن أبي الطيب لكنا إذا تكلمنا على المديح وما يجب أن يكون مبنياً عليه من التعظيم للمدوح لم نعرج على ما يقصده المادح من منافاة هذا الغرض إذ كان هذا بخلاف ما هو بصدده وقاصده وليس يكون فيه أكثر من عذر المادح وأنه لم يخف عنه ما يجب عليه وإنما قصده وتعمده فأما أن يكون ذلك سبباً لصحة الكلام في نفسه فلا ونحن إنما نتكلم على ذلك. فأما قول أبي الطيب أيضاً: فلا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب فإن الندى ها هنا حشو يفسد المعنى وذلك أن مقصوده أن الدنيا لا فضل فيها للشجاعة والصبر لولا الموت لأن الشجاعة إذا علم أن يخلد فأس فضل لشجاعته وكذلك الصابر فأما الندى فمخالف لذلك لأن الإنسان إذا علم أنه يموت هان عليه بذل ماله وكذلك يقول إذا عوتب

стр. 143

في بذله كيف لا أبذل ما لا أبقى له ومن أين أثق بالتمتع بهذا المال والأمر في هذا ظاهر قال طرفة: فإن كنت لا أسطيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بما ملكت يدي وقال مهيار بن مرزويه: وكل إن أكلت وأطعم أخاك ... فلا الزاد يبقى ولا الآكل وأما إذا كان الإنسان خالداً في الدنيا ثم جاد بماله فلعمري أن كرمه يكون أفضل وبذله لماله أشد والأمر في ذلك مخالف لحكم الشجاعة بغير شك لأن تلك لولا الموت لم تحمد والندى بالضد وإذا كان الأمر على هذا كان قوله والندى حشوا يفسد المعنى وقد قال الشريف المرتضى علم الهدى ﵁ أن المراد بالندى في البيت بذل النفس لا بذل المال كما قال مسلم بن الوليد: يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود قال: وإذا جاز أن يسمى بدل النفس جولاً جاز أن يسميه ندى أيضاً وكرماً وسخآء وهذا الذي ذكره ﵀ أقصى ما يجوز أن يتأول به ولا يحمل قول الشاعر على الفساد وإما إذا عدنا إلى التحقيق علمنا أن لفظ الندى المطلق لا يفيد إلا بذل المال والكرم ولا يكاد يستعمل في بذل النفس وإن استعمل فعلى وجه الإضافة فأما مع الإطلاق فلا يفيد ذلك ثم إذا سوغنا ما ذهب إليه على بعده كان لفظ الندى حشوا لأن الشجاعة قد أغنت عنه فيمكن حمل هذا البيت على الحشو الذي يحيل به المعنى على ما ذكرناه من تأويله الظاهر وعلى الحشو الذي يكون غير مؤثر في الكلام على خرجه الشريف ﵀ وتأويله. وأما الكلمة التي تقع حشوا غير مؤثرة فأمثلتها كثيرة موجودة في النظم والنثر ومنها قول أبي تمام:

стр. 144

جذبت نداه غدوة السبت جذبة ... فخر صريعاً بين أيدي القصائد لأن قوله: غدوة السبت حشو لا يحتاج إليه ولا تقع فائدة بذكره ومن ذا الذي يؤثر أن يعلم اليوم الذي أعطى الممدوح فيه أبا تمام ما أعطاه وأي فرق بين أن يقع عطاؤه في يوم السبت أو الأحد أو غيرهما من الأيام وما بقي عليه شئ إلا أن يخبر بتاريخ: لك الوقت وموقع ذلك اليوم من الشهر. فمثل هذا وأشباهه الحشو الذي يقع ولا تعرض في ذكره فائدة إلا ليصح الوزن وهو عيب فاحش في هذه الصناعة وما أكثر ما تستعمل أمسى وأصبح وأخواتها في هذا الموضع من الحشو ويجب أن تعتبر ذلك بأن تنظر الفائدة فيه فإن كان الأمر الذي ذكر أنه أصبح فيه لم يكن أحسن فيه. فالفائدة حاصلة. وإن كان الأمر بخلاف ذلك فهو حشو لا يحتاج إليه فاعتبار الفائدة فيه هو الأصل الذي يرجع إليه ويعول على النظر من جهته. ومثال ذلك أن يقال: أصبحنا مغيرين على بني فلان فإن موقع أصبحنا في هذا الموضع موقع صحيح لأنهم لم يكونوا أغاروا عليهم في وقت المساء. ومثل ذلك قوله ﵎: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ١ لأن الأمر لم يطرقهم إلا ليلاً فأما لو قال قائل: أصبح العسل حلوا لكان قوله: أصبح حشواً لأنه قد أمسى كذلك ويدل على صحة هذا واعتبار العلماء له ما ذكره أبو الحسن على بن عيسى الرماني في كتابه المعروف بالجامع في علم القرآن فإنه قال في قوله تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ ٢ وإنما ذكر الصباح من غير أن يرد به معنى الصباح لأنهم بمنزلة من أصبح على أسوإ حال وذلك لأن أكثر ما يكون من هيجان الإعلان بالليل فيؤمل لصاحبها حسن الحال

стр. 145

عند الصباح فإذا كان الضد من ذلك حصل على الهلاك فلم يرض أبو الحسن أن تقع أصبح في كلام الله تعالى حشوا بل تأول ذلك كما يتأوله مثله وفي ضمن قوله الشهادة بما ذكرناه والإذعان له. فإن قال قائل: كيف يمكنكم أن تقولوا هذا وعلى الصحيح من مذاهبكم أن دليل الخطاب عندكم ليس بحجة وأن تعليق الحكم باسم أو صفة أو شرط أو غاية لا يدل على انتفائه بانتفاء ذلك وإذا كان هذا قولكم فليس في قول القائل: أصبحي السكر حلواً دليل على أنه لم يمس كذلك كما زعمتم أن ليس في قول النبي ﷺ : " في سائمة الغنم الزكاة" ١ دليل على أن المعلوفة لا زكاة فيها ولا يمتنع عندكم أن يقال في ساعة الغنم الزكاة وإن كانت واجبة في معلومتها فكذلك لا يقبح أن يقال أصبح العسل حلواً. لأن وإن كان قد أحسن أيضاً بهذه الصفة قيل الجواب عن هذا السؤال: إن الفرق بين ما نحيره من تعايق الحكم بصفة وثبوته لما انتفت عنه تلك الصفة في مثل الصفة في مثل قوله ﵇ في سائمة الغنم الزكاة وبين ما تكرهه من قول القائل أصبح السكر حلواً لأن النبي ﷺ إذا قال: "في سائمة الغنم الزكاة" فليس مراده أن يبين لنا حال المعلوفة هل تجب فيها الزكاة أم لا بل هي مسكوت عنها فنجوز فيها ما كنا نجوزه في السائمة قبل هذا القول وليس كذلك قول القائل: أصبح العسل حلواً لأنه يريد حلو في كل حال من صباح أو مساء فلذلك كان ذكر الصباح حشواً. ومثاله في مسألتنا أن يكون ﷺ يقصد أن يبين لنا حال الزكاة في الغنم جميعها السائمة والمعلوفة ثم يقول في سائمة الغنم الزكاة فإنا نقول إن هذا اللفظ غير موافق للمقصود إذ كان لا يعطينا تصريحه ولا فحواه في المعلوفة حكماً كما قلنا إن من أراد أن يصف لنا العسل بالحلاوة
следующие страницы →