← Адаб

Адаб · id 11239

سر الفصاحة

ابن سنان الخفاجي

Полный текст (286 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهو من أقبح الحشو ولا مناسبة بينه وبين بيت امرئ القيس في حال من الأحوال ومما تزدادج به عجبا أن على بن عيسى الرماني نقض على أبي هاشم مسائله هذه بكتاب معروف قصره على نقضها واعتمد فيه المناقشة وترك المسامحة في كل لفظة من ألفاظ أبي هاشم فلما وصل إلى هذه المسألة ونقضها لم يعرض لهذا الموضع الذي ذكرناه بل ظهر من كلامه أنه موافق فيه مسلم له. ولا نعلم السبب الموجب لخفاء مثله على أبي الحسن مع مكانه المشهور من الأدب. وأما مثال الكلمة التي تقع حشواً وتؤثر في المعنى نقصاً وفي الغرض فساداً فكقول أبي الطيب يمدح كافورا: ترعرع الملك الأستاذ مكتهلا ... قبل اكتهال أديباً قبل تأديب لأن قوله: الأستاذ بعد الملك نقص له كبير وبين تسميته له بالملك والأستاذ فرق واضح فالأستاذ قد وقع ها هنا حشواً ونقص به المعنى إذ كان الغرض في المدح تفخيم أحوال الممدوح وتعظيم شأنه لا تحقيره وتصغير أمره وقد رأيت في أخبار كافور الأخشيدي ما يقيم عذر أبي الطيب في هذا ويزيل عنه بعض اللوم وذلك أنه روى أن كافوراً لما غلب على ولد الأخشيد فاستبد بالأمور دونهم لم يخرج بذلك عن حد المدبر إلى المالك ولم يقم له على منبر دعوة ولا نقش باسمه سكة ولا اختار أن يخاطب إلا بالأستاذ فلم يسم في مدة أيامه بالأمير ولا بغيره مما يخاطب به من جرى مجراه. فإذا كان الأمر على هذا - ولا شك في صحته - فإن الأستاذ صار له بمنزلة اللقب الذي لا يجوز تغييره فإذا علم منه الشعراء حب المخاطبة بهذه التسمية نظموا ذلك في مديحهم فكأن أبا الطيب ذكر الأستاذ بعد الملك علماً منه بغرض كافور فأما تمثيلنا نحن بهذا البيت فصحيح وفي حكم النظم والنثر أن لا تذكر هذه الكلمة بعد كلمة هي

стр. 142

أشرف منها بدرجة عالية. فإن زعم زاعم: أن أبا الطيب قصد بقوله الأستاذ تقريع كافور بذلك بأنه خصي ونقصه كما كان يقصد ذلك بذكر سواده فإن هذه اللفظة أعني الأستاذ قد صارت في العرف مختصة بذلك وقد قال أبو الطيب كان كافور الأخشيدي يشق عليه أن يعرض له بالسواد فكنت أعتمد معه في كل قصيدة ذكر سواده حتى قلت فيه: بشمس منيرة سوداء ١. وقلت: سوابق خيل يهتدين بأدهم٢. وغير ذلك مما هو موجود في المديح لكافور فلعمري أن هذا القول مروى عن أبي الطيب لكنا إذا تكلمنا على المديح وما يجب أن يكون مبنياً عليه من التعظيم للمدوح لم نعرج على ما يقصده المادح من منافاة هذا الغرض إذ كان هذا بخلاف ما هو بصدده وقاصده وليس يكون فيه أكثر من عذر المادح وأنه لم يخف عنه ما يجب عليه وإنما قصده وتعمده فأما أن يكون ذلك سبباً لصحة الكلام في نفسه فلا ونحن إنما نتكلم على ذلك. فأما قول أبي الطيب أيضاً: فلا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب فإن الندى ها هنا حشو يفسد المعنى وذلك أن مقصوده أن الدنيا لا فضل فيها للشجاعة والصبر لولا الموت لأن الشجاعة إذا علم أن يخلد فأس فضل لشجاعته وكذلك الصابر فأما الندى فمخالف لذلك لأن الإنسان إذا علم أنه يموت هان عليه بذل ماله وكذلك يقول إذا عوتب

стр. 143

في بذله كيف لا أبذل ما لا أبقى له ومن أين أثق بالتمتع بهذا المال والأمر في هذا ظاهر قال طرفة: فإن كنت لا أسطيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بما ملكت يدي وقال مهيار بن مرزويه: وكل إن أكلت وأطعم أخاك ... فلا الزاد يبقى ولا الآكل وأما إذا كان الإنسان خالداً في الدنيا ثم جاد بماله فلعمري أن كرمه يكون أفضل وبذله لماله أشد والأمر في ذلك مخالف لحكم الشجاعة بغير شك لأن تلك لولا الموت لم تحمد والندى بالضد وإذا كان الأمر على هذا كان قوله والندى حشوا يفسد المعنى وقد قال الشريف المرتضى علم الهدى ﵁ أن المراد بالندى في البيت بذل النفس لا بذل المال كما قال مسلم بن الوليد: يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود قال: وإذا جاز أن يسمى بدل النفس جولاً جاز أن يسميه ندى أيضاً وكرماً وسخآء وهذا الذي ذكره ﵀ أقصى ما يجوز أن يتأول به ولا يحمل قول الشاعر على الفساد وإما إذا عدنا إلى التحقيق علمنا أن لفظ الندى المطلق لا يفيد إلا بذل المال والكرم ولا يكاد يستعمل في بذل النفس وإن استعمل فعلى وجه الإضافة فأما مع الإطلاق فلا يفيد ذلك ثم إذا سوغنا ما ذهب إليه على بعده كان لفظ الندى حشوا لأن الشجاعة قد أغنت عنه فيمكن حمل هذا البيت على الحشو الذي يحيل به المعنى على ما ذكرناه من تأويله الظاهر وعلى الحشو الذي يكون غير مؤثر في الكلام على خرجه الشريف ﵀ وتأويله. وأما الكلمة التي تقع حشوا غير مؤثرة فأمثلتها كثيرة موجودة في النظم والنثر ومنها قول أبي تمام:

стр. 144

جذبت نداه غدوة السبت جذبة ... فخر صريعاً بين أيدي القصائد لأن قوله: غدوة السبت حشو لا يحتاج إليه ولا تقع فائدة بذكره ومن ذا الذي يؤثر أن يعلم اليوم الذي أعطى الممدوح فيه أبا تمام ما أعطاه وأي فرق بين أن يقع عطاؤه في يوم السبت أو الأحد أو غيرهما من الأيام وما بقي عليه شئ إلا أن يخبر بتاريخ: لك الوقت وموقع ذلك اليوم من الشهر. فمثل هذا وأشباهه الحشو الذي يقع ولا تعرض في ذكره فائدة إلا ليصح الوزن وهو عيب فاحش في هذه الصناعة وما أكثر ما تستعمل أمسى وأصبح وأخواتها في هذا الموضع من الحشو ويجب أن تعتبر ذلك بأن تنظر الفائدة فيه فإن كان الأمر الذي ذكر أنه أصبح فيه لم يكن أحسن فيه. فالفائدة حاصلة. وإن كان الأمر بخلاف ذلك فهو حشو لا يحتاج إليه فاعتبار الفائدة فيه هو الأصل الذي يرجع إليه ويعول على النظر من جهته. ومثال ذلك أن يقال: أصبحنا مغيرين على بني فلان فإن موقع أصبحنا في هذا الموضع موقع صحيح لأنهم لم يكونوا أغاروا عليهم في وقت المساء. ومثل ذلك قوله ﵎: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ١ لأن الأمر لم يطرقهم إلا ليلاً فأما لو قال قائل: أصبح العسل حلوا لكان قوله: أصبح حشواً لأنه قد أمسى كذلك ويدل على صحة هذا واعتبار العلماء له ما ذكره أبو الحسن على بن عيسى الرماني في كتابه المعروف بالجامع في علم القرآن فإنه قال في قوله تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ ٢ وإنما ذكر الصباح من غير أن يرد به معنى الصباح لأنهم بمنزلة من أصبح على أسوإ حال وذلك لأن أكثر ما يكون من هيجان الإعلان بالليل فيؤمل لصاحبها حسن الحال

стр. 145

عند الصباح فإذا كان الضد من ذلك حصل على الهلاك فلم يرض أبو الحسن أن تقع أصبح في كلام الله تعالى حشوا بل تأول ذلك كما يتأوله مثله وفي ضمن قوله الشهادة بما ذكرناه والإذعان له. فإن قال قائل: كيف يمكنكم أن تقولوا هذا وعلى الصحيح من مذاهبكم أن دليل الخطاب عندكم ليس بحجة وأن تعليق الحكم باسم أو صفة أو شرط أو غاية لا يدل على انتفائه بانتفاء ذلك وإذا كان هذا قولكم فليس في قول القائل: أصبحي السكر حلواً دليل على أنه لم يمس كذلك كما زعمتم أن ليس في قول النبي ﷺ : " في سائمة الغنم الزكاة" ١ دليل على أن المعلوفة لا زكاة فيها ولا يمتنع عندكم أن يقال في ساعة الغنم الزكاة وإن كانت واجبة في معلومتها فكذلك لا يقبح أن يقال أصبح العسل حلواً. لأن وإن كان قد أحسن أيضاً بهذه الصفة قيل الجواب عن هذا السؤال: إن الفرق بين ما نحيره من تعايق الحكم بصفة وثبوته لما انتفت عنه تلك الصفة في مثل الصفة في مثل قوله ﵇ في سائمة الغنم الزكاة وبين ما تكرهه من قول القائل أصبح السكر حلواً لأن النبي ﷺ إذا قال: "في سائمة الغنم الزكاة" فليس مراده أن يبين لنا حال المعلوفة هل تجب فيها الزكاة أم لا بل هي مسكوت عنها فنجوز فيها ما كنا نجوزه في السائمة قبل هذا القول وليس كذلك قول القائل: أصبح العسل حلواً لأنه يريد حلو في كل حال من صباح أو مساء فلذلك كان ذكر الصباح حشواً. ومثاله في مسألتنا أن يكون ﷺ يقصد أن يبين لنا حال الزكاة في الغنم جميعها السائمة والمعلوفة ثم يقول في سائمة الغنم الزكاة فإنا نقول إن هذا اللفظ غير موافق للمقصود إذ كان لا يعطينا تصريحه ولا فحواه في المعلوفة حكماً كما قلنا إن من أراد أن يصف لنا العسل بالحلاوة

стр. 146

في جميع الأوقات ثم قال أصبح العسل حلواً فإنه قد أتى بأصبح حشواً لغير فائدة فبان الفرق بين الأمرين. ومن الحشو أيضاً قول أبي تمام: كالظبية الأدماء صافت فارتعت ... زهر العرار الغض والجثجاثا فإن الجثجاث إنما جاء به حشواً لأجل القافية وإلا فليس للظبية فضيلة إذا أرعت الجثجاث ولا له فيها ميزة على غيره من النبات وقد سبقه إلى مثل هذا الحشو في القافية عدى بن الرقاع العاملي فقال: وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جاذر جاسم لأن جاسم إنما وردت هنا لأجل القافية لا لمعنى فيها وهي قرية بالشام من أعمال دمشق وفيها ولد أبو تمام الطائي وليس لجاذرها ميزة على غيرها وقد سألت عن ذلك جماعة ممن يخبر تلك الناحية فما وجدت عندهم فيها إلا ما عندهم في غيرها من البلاد. ومن ذلك أيضاً قول علي بن محمد البصري: وسابغة الأذيال زعف مفاضة ... تكنفها مني بجاد مخطط١ فليس لكون البجاد مخططاً تأثير في صفة الدرع وإنما الغرض بذكره القافية. وأضداد هذا في وقوع الفائدة بالكلمة التي تكون فيها القافية فكثير ومنه قول امرئ القيس: كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب

стр. 147

فإنه لما أتى على التشبيه قبل القافية واحتاج إليها جاء بزيادة حسنة في قوله: لم يثقب لأن الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون. وكذلك قول زهير بن أبي سلمى: كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم فقوله: لم يحطم في هذا البيت مثل لم يثقب في البيت الذي قبله. وروى أبو الفرج قدامة بن جعفر عن محمد بن يزيد المبرد عن التوزي. قال قلت للأصمعي: من أشعر الناس. فقال: من يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيرا أو الكبير فيجعله بلفظه خسيساً أو ينقضي كلامه قيل القافية فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى قال نحو من قال: نحوذي الرمة: حيث يقول: قف العيس في أطلال مية فأسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء فتم الكلام. ثم قال: المسلسل فزاد شيئاً ثم قال: أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعا كتبديد الجمان فتم كلامه ثم قال: المفصل فزاد شيئاً. قال قلت ونحو من قال الأعشى حيث يقول: كناطح صخرة يوماً ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل فزاد معنى. قال قلت: وكيف صار الوعل مفضلاً على كل ما ينطح قال: لأنه ينحط من أعلى الجبل على قرنيه فلا يضيره. وقد سمى أصحاب صناعة الشعر هذا المعنى الإيغال وأرادوا بذلك أن الشاعر يوغل بالقافية في الوصف إن كان واصفاً وفي التشبيه أن كان مشبهاً.

стр. 148

ويجب أن تعلم أن هذا الموضع من حشو البيت شديد المراعاة لأجل أنه القافية فإذا وقعت فيه الإصابة أو الخطأ كان أظهر لهما إذا وقعا في كلمة من متن البيت لما يختص به هذا الموضع من فضل العناية إذ كان متميزاً بالقصد مما هو طرف وقافية. وعلى هذا يقع الأمر أيضاً في السجع من الكلام المنثور وكثيراً ما يتعذر على مؤلفه القرينة فيتحمل الكلام تمحلا شديداً ويأتي بمعان خارجة عن غرضه حتى يظفر بالسجعة بعد تعب ويكون معها بمنزلة من يطلب شيئاً يقصده فهو يجد في الطلب والمقصود يجتهد في الهرب ويجئ من هذا اختلاف الفصول في الطول والقصر يجتهد في الهرب ويجئ من هذا اختلاف الفصول في الطول والقصر لأنه يحتاج في طلب القرينة إلى إطالة الفصل حتى يزيد على ما قبله زيادة فاحشة وهذا عيب ظاهر في أكثر من ينتحل صناعة الكتابة في زماننا هذا. وقد سن الكتاب المتقدمون من تجنب السجع في أكثر كلامهم سنة لو اعتمدت لوجدت فيها الراحة من هذا العارض لأنهم إذا كانوا لا يحفلون بالسجع فالواجب إطراحه في الموضع الذي يكون متكلفاً نافراً. فأما الشعر فلا مندوحة عن القافية فإن تعذرت في البيت فليس غير ترك ذلك البيت رأساً وسيأتي الكلام في هذا الباب إذا صرنا إلى ذكر التناسب في الألفاظ بمشيئة الله وعونه. فأما زيادة: ما في قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ ٢ فإن لها هنا تأثيراً في حسن النظم وتمكيناً للكلام في النفس وبعداً به عن الألفاظ المبتذلة فعلى هذا لا يكون حشوا لا يفيد. وأهل النحو يقولون إن ما في هذا الموضع صلة مؤكدة للكلام وقد يكون التوكيد عندهم بالتكرار كما

стр. 149

يكون بالعلامة الموضوعة له وإذا أفاد الكلام شيئاً فليس من الحشو المذموم لأن حقيقة الحشو هو الذي يكون دخوله في الكلام وخروجه على سواء. وإنما الغرض به إقامة الوزن في الشعر أو ما يجرى مجرى ذلك في النثر وقد جاءت أيضاً: ما في الشعر أيضاً على معنى ما وردت في الآية قال الشاعر: ١ فاذهبي ما إليك أدركني الحلم ... عداني عن هيجكم أشغالي ومن هذا القبيل أيضاً دخولها في: ابنما. قال المتلمس: وهل لي أم غيرها إن تركتها ... أبى الله ألا أن أكون لها ابنما وقال الآخر: ٢ لقيم بن لقمان من أخته ... فكان ابن أخت له وابنما وورودها في هذا الموضع خاصة كثير فهذا مبلغ ما نقوله في الحشو ليكون دليلا على غيره ومنبها على مثله. ومن وضع الألفاظ موضعها اللائق بها أن لا يكون الكلام شديد المداخلة يركب بعضه بعضاً وهذا هو المعاظلة التي وصف عمر بن الخطاب رضى الله عنه زهير بن أبي سلمى بتجنبها. فقال: كان لا يعاظل بين الكلام لأن المعاظلة المداخلة ومن ذلك يقال معاظلة الكلاب وغيرها مما يتعلق بعضه ببعض عند السفاد وقد غلط في تمثيل هذا أبو الفرج قدامة ابن جعفر الكاتب وبين خطأه فيه أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي ﵀. لأن أبا الفرج قال: إن المداخلة التي تكره ووصف عمر ﵁ زهيراً بتجنبها أن يدخل بعض الكلام فيما ليس من جنسه قال وما

стр. 150

أعرف ذلك ألا فاحش الاستعارة مثل قول أوس بن حجر: وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولباً جدعا١ فسمي الصبي تولباً والتولب ولد الحمار. ومثل قول الآخر: وما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر فسمى رجل الإنسان حافراً وهذا ليس من المعاظلة التي هي ركوب بعض الكلام بعضاً ومداخلة بعضه في بعض والصحيح من تمثيل ذلك ما ذكره أبو القاسم الآمدي وهو قول أبي تمام: خان الصفاء أخ خان الزمان أخاً ... عنه فلم يتخون جسمه الكمد٢ لأن ألفاظ هذا البيت تيشبث بعضها ببعض وتدخل الكلمة من أجل كلمة أخرى تجانسها وتشبهها مثل خان وخان ويتخون وأخ وأخ فهذا هو حقيقة المعاظلة. وكذلك قول أبي تمام أيضاً: يا يوم شرد يوم لهوي لهوه ... بصبابتي وأذل عز تجلدي فقوله: يا يوم شرد يوم لهوى لهوه شديد التعاظل حتى كأنه سلسلة. ومنه أيضاً قول أبي تمام: يوم أفاض جوى أغاض تعزياً ... خاض الهوى بحري حجاه المزبد

стр. 151

وقال أبو القاسم: فإن قال قائل إن هذا الذي أنكرته من تشبث الكلام بعضه ببعض وتعلق كل لفظة بما يليها وإدخال كلمة من أجل أخرى تشبهها وتجانسها هو المحمود من الكلام وليس من المعاظلة في شئ ألا ترى أن البلغاء والفصحاء لما وصفوا ما يستجاد ويستحب من النثر والنظم. قالوا: هذا كلام يدل بعضه على بعض ويأخذ بعضه برقاب بعض. قيل: هذا صحيح من قولهم ولم يريدوا به هذا الجنس من النظم والنثر ولا قصدوا هذا النوع من التأليف وإنما أرادوا المعاني إذا وقعت ألفاظها في مواقعها وجاءت الكلمة مع أختها المشاكلة لها التي تقتضي أن تجاورها بمعناها أما على الاتفاق أو التضاد حسبما توحيه قسمة الكلام وأكثر الشعر هذا سبيله. وذلك نحو قول زهير: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولاً لا أبالك يسأم لأنه قال في أول البيت: سئمت. وقال: ومن يعش ثمانين حولا اقتضى أن يكون في آخره يسأم. وكذلك قوله: والستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر فالستر الأول اقتضى الستر الثاني. وكذلك قول امرئ القيس: فإن تكتموا الداء لا نخفه ... وإن تقصدوا الذم لا نقصد فإن كل لفظة تقتضي ما بعدها فهذا هو الكلام الذي يدل بعضه على بعض ويأخذ بعضه برقاب بعض وإذا أنشدت صدر البيت علمت ما يأتي من عجزه فالشعر الجيد أو أكثره على هذا مبنى وهذا الذي ذكره أبو القاسم ﵀: صحيح ويجب أن

стр. 152

يقتدي به في هذا الباب وقد بين المعاظلة وفرق بينها وبين غيرها من العيوب بالتمثيل الذي ذكره. فأما الذي قاله من دلالة بعض الكلام على بعض حتى يمكن استخراج قوافيه إن كان شعراً ويكون بعض البيت شاهداً لبعض فهو من النعوت المحمودة وسيأتي الكلام في ذلك مستوفى عند ذكر القوافي والأسجاع بعون الله ومشيئته. وبعض الناس يسمى هذا الفن من الشعر التوشيح وبعضهم يسميه التسهيم١ ومثاله قول الشاعر: عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر٢ وقول عمرو: وكنت سناماً في فزارة تامكا ... وفي كل حي ذروة وسنام٣ وقوله أيضاً: إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وحاوزه إلى ما تستطيع٤ وقول أبي عبادة: مشيب كبث السرعى بحمله ... محدثه أو ضاق صدر مذيعه تلاحق حتى كاد يأتي بطيئه ... بحث الليالي قبل أتى سريعه٥ وقوله: أبكيكما دمعاً ولو أني على ... قدر الجوى أبكى بكيتكما دما٦

стр. 153

لأن هذه الأبيات كلها إذا سمع الإنسان صدورها وكان قد عرف الروى المقصود فيها أن عرف الكلمة التي تكون قافية قبل الوصول إليها وأمثال هذا كثيرة. وسيأتي ذكرها في باب القوافي والأسجاع وترك التكلف والتعقيد في الكلام بمشيئة الله وعونه. ومن وضع الألفاظ المعروفة للمدح بل يستعمل في جميع الأغراض الألفاظ اللائقة بذلك الغرض في موضعها أن لا تعبر عن المدح بالألفاظ المستعملة في الذم ولا في الذم موضع الجد ألفاظه وفي موضع الهزل ألفاظه ومثال ما استعمل من هذه الألفاظ في غير موضعه قول أبى تمام: ما زال يهذى بالمكارم دائباً ... حتى ظننا أنه محموم وقوله: وتثفى الحرب منه حين تغلى ... مراجلها بشيطان رجيم وقوله: ولى ولم يظلم وهل ظلم امرؤ ... حث النجاء وخلفه التنين وقول الحسين بن الضحاك: كذا من يشرب الراح ... مع التنين في الصيف وقول أبى نواس: جاد بالأموال حتى ... حسبوه الناس حمقا وقول العنبري: ما كان يعطى مثلها في مثله ... إلا كريم الخيم أو مجنون وقول أبى تمام: يا أبا جعفر جعلت فداك ... فاق حسن الوجوه حسن قفاك لأن يهذى والمحموم والشيطان الرجيم والتنين والحمق

стр. 154

والجنون وذكر القفا من الألفاظ التي تستعمل في الذم وليست من ألفاظ المدح. وقد كان بعض الأدباء يعيب قول ابن الرومي: من شعرها من فضة ... وثغرها من ذهب ويقول: إن التشبيه بالفضة والذهب إنما يقع في المدح وكان يجب أن يهجو هذه المرأة بما يستعمل من ألفاظ الذم وطرقه. فإن قال قائل: إذا كان التنين هو الحية وكانوا كثيراً ما يشبهون الممدوح بالحية. ويقولون: هو صل صفاة وحية واد وأرقم وأسود وغير ذلك كما قال أبو الطيب: يمد يديه في المفاضة ضيغم ... وعيناه من تحت التريكة أرقم١ وقال آخر: إني على رأس العدو وتحته ... لغمام قسطلة وحية واد٢ وقال الرضى: نبهت منى يا أبا الغيداق ... أصم لا يسمع صوت الراقي ذا ريقة تهزأ بالدرياق ... كأنما أم من الإطراق٣ وقال حريث بن عناب: أترجو الحياة يا بن بشر بن مسهر ... وقد علقت رجلاك في ناب أسودا من الصم تكفى مرة من لعابه ... وما عاد إلا كان في العود أحمدا

стр. 155

وأمثال هذا كثيرة فكيف يكون ذكر التنين عيباً ولا يكون ذكر الأرقم والصل والأسود عيباً أن ومعنى الجميع واحد. قيل له: إننا لم ننكر التنين لأجل معناه فيقال لنا: إن معنى التنين والحية واحد وإنما عبناه من أجل مدحه لأن هذه اللفظة لم تستعمل في المدح وتلك الألفاظ قد استعملت فيه وليس يمتنع أن يكون للشيء الواحد اسمان يستعمل أحدهما في موضع ويستعمل الآخر في موضع آخر وهذا شئ إنما أصله العرف والعادة دون أصل وضع الأسماء في اللغة ألا ترى أن الإنسان إذا مدح ذكر الرأس والكاهل والهامة وإذا هجا ذكر القفا والأخادع والقذال وإن كانت معاني الجميع متقاربة. وليس يحسن أن يخاطب الملوك فيقال لبعضهم وحق يا فوخك أو قمحدودتك أو أخادعك أو قذالك أو قفاك قياساً على أن يقال له وحق رأسك لأن الاستعمال يختلف في الألفاظ وإن كان المعنى فيها غير مختلف على ما قدمناه. ومن هذا الجنس حسن الكناية عما يجب أن يكنى عنه في الموضع الذي لا يحسن فيه التصريح وذلك أصل من أصول الفصاحة وشرط من شروط البلاغة. وإنما قلنا في الموضع الذي لا يحسن فيه التصريح لأن مواضع الهزل والمجون وإيراد النوادر يليق بها ذلك ولا تكون الكناية فيها مرضية فإن لكل مقام مقالاً أن ولكل غرض فنا وأسلوباً ومما يستحسن من الكنايات قول امرئ القيس: فصرنا إلى الحسنى ودق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال لأنه كنى عن المباضعة بأحسن ما يكون من العبارة. وروى عن أبي الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة: أنه لما أجاب أبا الجيش خمارويه بن أحمد ابن طولون عن المعتضد بالله من كتابه بانفاذ ابنته التي زوجها منه. قال في الفصل الذي احتاج فيه إلى ذكرها وأما الوديعة

стр. 156

فهي بمنزلة ما انتقل من شمالك إلى يمنيك عناية بها وحياطة لها ورعاية لمواتك فيها. وقال للوزير أبى القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب: والله إن تسميتي إياها بالوديعة نصف البلاغة واستحسنت هذه الكناية حتى صار الكتاب يعتمدونها. وكتب أبو إسحاق الصابي عن عز الدولة بختيار بن معز الدولة إلى أبى تغلب ابن ناصر الدولة في انفاذ ابنته المزوجة منه: وقد توجه أبو النجم الحرمى أيده الله نحوك بالوديعة وهو الأمين على ما يحوطه ويحفظه والوفى بما يحرسه ويلحظه وإنما نقلت من مغرس إلى معرس١ ومن وطن إلى سكن ومن مأوى بر وانعطاف وإلى مثوى كرامة وإلطاف. فأجاب أبو تغلب عن هذا بكتاب من إنشاء أبي الفرج الببغا قال في جوابه عن هذا الفصل: ووصل أبو النجم بدر الحرمي بالأمانة العظيم قدرها والصفوة البينة نسبها وذكرها. فقال: عوض الوديعة الأمانة ليغاير بين اللفظين. وكذلك سبق بعضهم إلى الكناية عن الهزيمة بالتحيز اتباعاً لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ﴾ ٢ ثم صارت هذه العبارة للكتاب سنة. وخبرني من أثق به عن رجل من أهل بغداد يصنع الغزل من الذهب. قال: أحضرني الوزير أبو الحسن على بن عبد العزيز المعروف بابن حاجب النعمان وزير القادر بالله وأخرج إلى علماً مذهباً عليه اسم المقتدر بالله قد بلى وخلق ونقى فيه الذهب. فقال لي كيف السبيل إلى أخذ ما على هذا من الذهب فقلت: يحرق فصاح صيحة عظيمة وقال ويلك ما هذا التهجم أتحرق أعلام أمير المؤمنين وأمر بإخراجي فدفعت وقد قاربت التلف من هيبته والخوف منه وتعقبني أهل المجلس بالسؤال في بسط عذري بعدم الفهم.

стр. 157

لما أنكره على فأمر بإعادتي إليه وقال: هيه ما الذي تقول. فقلت: ما يرسمه سيدنا الوزير فقال قل: يستخلص. فقلت: يستخلص فقال خذه وانصرف فأخذت العلم ومضيت فأحرقته وأحضرت له ما خرج فيه من الذهب فأخذه. ومن هذا الفن أيضاً من حسن الكناية قول أبي الطيب: تدعى ما ادعيت من ألم الشو ... ق إليها والشوق حيث النحول لأنه كنى عن كذبها فيما ادعته من شوقها بأحسن كناية وكذلك قوله: لو أن فنا خسر صبحكم ... وبرزت وحدك عاقه الغزل١ لأنه أراد انهزم فكني عن هزيمته بعاقه الغزل. وتلك أحسن كناية في هذا الموضع. وأضداد هذا من قبح العبارات قول أبي الطيب: إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها وقول الآخر: تعطين من رجليك ما ... تعطى الأكف من الرغاب٢ وقول الرضى يرثى والدته:

стр. 158

كان ارتكاضي في حشاك مسبباً ... ركض الغليل عليك في أحشائي لأنك إذا تأملت هذين البيتين وجدتهما يجريان من بيت امرئ القيس مجرى الضد وذلك أن امرأ القيس عبر عما يجب أن يكنى عنه من المباضعة فكنى بأحسن كناية وهذان عبرا عما لا يجب أن يكنى عنه فأتيا بألفاظ يجب عنها وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ ١ كناية عن الحدث وليس الأمر على ما قال بل معنى الكلام على ظاهره لأنه كما لا يجوز أن يكون المعبود محدثاً كذلك لا يجوز أن يكون طاعماً وهذا شئ ذكره أبو عثمان الجاحظ وهو صحيح. ومن وضع الألفاظ موضعها: أن لا يستعمل في الشعر المنظوم والكلام المنثور من الرسائل والخطب: ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم والألفاظ التي تختص بها أهل المهن والعلوم لأن الإنسان إذا خاض في علم وتكلم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وكلام أصحاب تلك الصناعة. وبهذا شرف كلام أبى عثمان الجاحظ وذلك أنه إذا كاتب لم يعدل عن ألفاظ الكتاب وإذا صنف في الكلام لم يخرج عن عبارات المتكلمين فكأنه في كل علم يخوض فيه لا يعرف سواه ولا يحسن غيره. ومما يذكر من هذا النوع في استعمال ألفاظ المتكلمين قول أبي تمام: مودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض لأن الجوهر والعرض من ألفاظ أهل الكلام الخاصة بهم.

стр. 159

ومن ألفاظ النحويين قوله أيضا: خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلعب الأفعال بالأسماء١ وقول أبي الطيب: إذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاً ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم وقوله: وكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءى حروف أنيسيان٢ وقول أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان فيما قرأته عليه: تلاق تفرى عن فراق تذمه ... مآق وتكسير الصحائح في الجمع٣ وقوله أيضاً في بعض رسائله: فحرس الله عز سيدنا حتى تدغم الطاء في الهاء فتلك حراسة بغير انتهاء وكثيراً ما يسلك هذه الطريقة في كلامه وهي لائقة به لأنه لم تكن له يد في صناعة الكتابة ولا طريقة محمودة وإنما رسائله معدودة في كتب اللغة ودساتير الأدب فاستعمال هذا وما يجرى مجراه فيها لائق ومن هذا النوع ما يحكى من أشعار أصحاب المهن واستعمالهم لألفاظ صناعاتهم ومعانيها فيما ينظمونه أو ينثرونه وربما كان ذلك أو بعضه شيئاً يصنع وينسب إليهم. وحكى أن بعض المهندسين حضرته الوفاة فقال: يا عالماً بجذر الأصم ومحيط الدائرة لا تقبض روحي إلا على خط مستقيم وزوايا قائمة. وقيل أن بعض الملوك أنفذ صاحباً له في جيش وكان طبيباً فلما عاد

стр. 160

إليه سأله عن الوقعة فقال له: التقت الفئتان في موضع كرحبة البيمارستان فلو ألقى مبضع لما وقع إلا على قيفال١ فما كانت إلا ساعة حتى أبحر أعداؤنا بحراناً مهلكان وعدنا في صحة مطلقة باقبالك يا معتدل المزاج. وخبرت أن عز الدولة بختيار بن معز الدولة قال يوماً وفي مجلسه جماعة من ندمائه وكتابه: لينشدني كل واحد منكم أغزل ما يعرفه من الشعر فأنشده كل واحد منهم ما حضره فلما انتهى القول إلى أبي الخطاب مفضل بن ثابت الصابي وكان أبوه طبيباً أنشده قول أبي العتاهية: قال لي أحمد ولم يدر ما بي ... اتحب الغداة عتبة حقاً فتنفست ثم قلت نعم حباً ... جرى في العروق عرقا فعرقا فقال له: بختيار لا تخرج بنا يا أبا الخطاب عن صناعة الطب التي ماترثها عن كلالة. وكان أصحابنا إذا سمعوا قول المهلبي: يا من له رتب ممكنة ... القواعد من فؤادي قالوا: هذا يصلح أن يكون شعر بناء. وقال الظاهر الجزري: محاسنه هيولي كل حسن ... ومغناطيس أفئدة الرجال وهذا كأنه شعر فيلسوف. وحكى أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ. قال: أنشدت أبا شعيب الفلال أبيات أبي نواس: ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس

стр. 161

فقال: هذا شعر لو نقرته طن فوصفه من طريق صناعته. وقال: أبو القاسم الآمدي في قول أبي تمام: العار والنار والمكروه والعطب ... والقتل والصلب والمران والخشب١ هذا كأنه من كلام خالد الحداد. وكان بمعرة النعمان شارع يعرف بالوامق موصوف بالخلاعة والمجون فكان ينظم أشعاراً: في حائك واسكاف وصائغ ومن يجرى مجراهم ويستعمل ألفاظ تلك الصناعة ومعانيها في ذلك الشعر فمما يروى له في غلام اسكاف قوله: إن سن بالهجران شفرته ... ليقد قلبي قد مجتهد فلأصبرن كصبر تجتجة ... متمسكاً بمحلل العقد وهذا إنما يسوغ على هذا السبيل من الهزل والخلاعة فأما في باب الجد فليس يحسن أن يستعمل في كل موضع منه إلا الألفاظ اللائقة به. وشعر أبي عبد الله بن الحجاج وأن تضمن كثيراً من الألفاظ التي لا تحسن في مواضع الجد فإنه قد جاء بها في الموضع اللائق بها ولأجل هذا حسنت ولم تقبح ألا ترى أن قول ابن نباتة: وقال لنا الزمان ظلمتموهم ... فقلنا للزمان دع الفضولا ليس بمختار على طريقته في الجد وفنه ولو ورد في شعر أبي عبد الله بن الحجاج كان مرضياً مختاراً. ومن شروط الفصاحة: المناسبة بين الألفاظ وهي على ضربين: مناسبة بين اللفظين من طريق الصيغة. ومناسبة بينهما من طريق المعنى

стр. 162

فأما المناسبة من طريق المعنى فسنذكرها في المعاني إذا وصلنا إليها من هذا الكتاب بعون الله ومشيئته. وأما المناسبة بينهما من طريق الصيغة فلها تأثير في الفصاحة ومثال ذلك ما رواه أبو الفتح عثمان بن جنى. قال قرأت على أبي الطيب قوله: وقد صارت الأجفان قرحاً من البكا ... وصار بهاراً في الخدود الشقائق١ فقلت: قرحى فقال: إنما قلت قرحاً لأن قولي بهاراً. فهذه المناسبة التي تؤثر في الفصاحة والشعراء الحذاق والكتاب يعتمدونها وكتب بعضهم: إذا كنت لا تؤتى من نقص كرم وكنت لا أوتى من ضعف سبب فكيف أخاف كم خيبة أمل أو عدولا عن اغتفار زلل أو فتوراً عن لم شعث وإصلاح خلل فناسب: بين نقص وضعف وكرم وسبب وعدول وفتور بالصيغ. وإلا فقد كان يمكنه أن يقول: مكان نقص قلة فلا يكون مناسباً لضعف ومكان كرم جوداً فلا يكون مناسباً لسبب أو مكان سبب شكراً فلا يكون مناسباً لكرم ومكان فتور تقصيراً فلا يكون مناسبا لعدول. ومن هذا النحو أيضا قول أبي تمام: مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل فناسب بين مهى وقنى والوحش والخط. وكذلك قول أبي عبادة: فأحجم لما لم يجد فيك مطعماً ... وأقدم ملا لم يجد عنك مهربا٢

стр. 163

فناسب بين أحجم وأقدم ومطمعاً ومهرباً وعنك وفيك. وأمثلة هذا أكثر من أن تحصى. ومن المناسبة بين الألفاظ في الصيغ: السجع والازدواج ويحد السجع بأنه تماثل الحروف في مقاطع الفصول وبعض الناس يذهب إلى كراهة السجع والازدواج في الكلام وبعضهم يستحسنه ويقصده كثيراً وحجة من يكرهه أنه ربما وقع بتكلف وتعمل واستكراه فأهذب طلاوة الكلام وأزال ماءه وحجة من يختاره أنه مناسبة بين الألفاظ يحسنها ويظهر آثار الصنعة فيها لولا ذلك لم يرد في كلام الله تعالى وكلام النبي ﷺ والفصيح من كلام العرب وكما أن الشعر يحسن بتساوي قوافيه كذلك النثر يحسن بتماثل الحروف في فصوله والمذهب الصحيح: أن السجع محمود إذا وقع سهلاً متيسراً بلا كلفة ولا مشقة وبحيث يظهر أنه لم يقصد في نفسه ولا أحضره إلا صدق معناه دون موافقة لفظه ولا يكون الكلام الذي قبله إنما يتخيل لأجله ورد ليصير وصلة إليه فإنا متى حمدنا هذا الجنس من السجع كنا قد وافقنا دليل من كرهه وعملنا بموجبه لأنه إنما دل على قبح ما يقع من السجع بتعمل وتكلف. ونحن لم نستحسن ذلك النوع ووافقنا أيضاً دليل من اختاره لأنه إنما دل به على حسن ما ورد منه في كتاب الله تعالى وكلام النبي ﷺ والفصحاء من العرب. وكان يحسن الكلام ويبين آثار الصناعة ويجرى مجرى القوافي المحمودة والذي يكون بهذه الصفات هو الذي حمدناه واخترناه وذكرنا أنه يكون سهلاً غير مستكره ولا متكلف. وقد حكى الجاحظ عن بشر بن المعتمر١ أنه قال في وصيته في البلاغة:

стр. 164

إذا لم تجد اللفظة واقعة موقعها ولا صائرة إلى مستقرها ولا حالة في مركزها بل وجدتها قلقة في مكانها نافرة من موضعها فلا تكرهها على القرار في غير موطنها فإنك إذا لم تتعاط قريض الشعر الموزون ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بترك ذلك أحد. وإذا أنت تكلفتهما ولم تكن حاذقاً فيهما عابك من أنت أقل عيباً منه وأزرى عليك من أنت فوقه. وهذا كلام صحيح يجب أن يقتدي به في هذه الصناعة. وأما الفواصل التي في القرآن فإنهم سموها فواصل ولم يسموها أسجاعاً وفرقوا فقالوا: إن السجع هو الذي يقصد في نفسه ثم يحمل المعنى عليه والفواصل التي تتبع المعاني ولا تكون مقصودة في أنفسها وقال على بن عيسى الرماني: إن الفواصل بلاغة والسجع عيب وعلل ذلك بما ذكرناه من أن السجع تتبعه المعاني والفواصل تتبع المعاني وهذا غير صحيح والذي يجب أن يحرر في ذلك أن يقال: إن الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفصول على ما ذكرناه والفواصل على ضربين ضرب يكون سجعاً وهو ما تماثلت حروفه في المقاطع وضرب لا يكون سجعاً وهو ما تقابلت حروفه في المقاطع ولم تتماثل ولا يخلو كل واحد من هذين القسمين أعني المتماثل والمتقارب من أن يكون يأتي طوعا سهلا وتابعا للمعاني وبالضد من ذلك حتى يكون متكلفاً يتبعه المعنى فإن كان من القسم الأول فهو المحمود الدال على الفصاحة وحسن البيان وإن كان من الثاني فهو مذموم مرفوض. فأما القرآن فلم يرد فيه إلا ما هو من القسم المحمود لعلوه في الفصاحة وقد وردت فواصله متماثلة ومتقاربة فمثال المتماثلة قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ ١ وقوله عز اسمه: ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلاً مِمَّنْ مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢

стр. 165

وقوله ﵎: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ ١ وقوله ﵎: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ ٢ وقوله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاد فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ ٣ وحذفوا الياء من يسرى والوادي طلبا للموافقة في الفواصل. وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ٤ وجميع هذه السورة على هذا الازدواج وهذا جائز أن يسمى سجعاً لأن فيه معنى السجع ولا مانع في الشرع يمنع من ذلك. ومثال المتقارب في الحروف قوله ﵎: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٥ وقوله ﵎: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ٦ وهذا لا يسمى سجعاً لأنا قد بينا أن السجع ما كانت حروفه متماثلة. فأما قول الرماني: أن السجع عيب والفواصل بلاغة على الاطلاق فغلط لأنه إن أراد بالسجع ما يكون تابعاً للمعنى وكأنه غير مقصود

стр. 166

فذلك بلاغة والفواصل مثله وإن كان يريد بالسجع ما تقع المعاني تابعة له وهو مقصود متكلف فذلك عيب والفواصل مثله. وكما يعرض التكلف في السجع عند طلب تماثل الحروف كذلك يعرض في الفواصل عند طلب تقارب الحروف وأظن أن الذي دعا أصحابنا إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعاً رغبة في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروى عن الكهنة وغيرهم وهذا غرض في التسمية قريب. فأما الحقيقة فما ذكرناه لأنه لا فرق بين مشاركة بعض القرآن لغيره من الكلام في كونه مسجوعاً وبين مشاركة جميعه في كونه عرضاً وصوتاً وحروفاً وعربياً ومؤلفاً وهذا مما لا يخفى فيحتاج إلى زيادة في البيان. ولا فرق بين الفواصل التي تتماثل حروفها في المقاطع وبين السجع. فإن قال قائل: إذا كان عندكم أن السجع محمود فهلا ورد القرآن كله مسجوعاً وما الوجه في ورود بعضه مسجوعاً وبعضه غير مسجوع. قيل: إن القرآن أنزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم وكان الفصيح من كلامهم لا يكون كله مسجوعاً لما في ذلك من أمارات التكلف والاستكراه والتصنع لا سيما فيما يطول من الكلام فلم يرد مسجوعاً جرياً به على عرفهم في الطبقة العالية من كلامهم. ولم يخل من السجع لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة التي قدمناها وعليها ورد في فصيح كلامهم فلم يجز أن يكون عالياً في الفصاحة وقد أخل فيه بشرط من شروطهاً فهذا هو السبب في ورود القرآن مسجوعاً وغير مسجوع والله أعلم. ومن الكتاب المحدثين من كان يستعمل السجع كثيراً ولا يكاد يخل به وهو: أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي١ وأبو الفرج

стр. 167

المعروف بالببغاء١ ومنهم من كان يتركه ويتجنبه وهو: أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميد٢ وطريقة غير هؤلاء استعمله مرة ورفضه أخرى بحسب ما يوجد من السهولة والتيسير أو الإكراه والتكلف فأما عبد الحميد بن يحيى وعبد الله بن المقفع وأبو الربيع محمد بن الليث وجعفر بن يحيى بن خالد وإبراهيم بن العباس وسعيد بن حميد وأبو عثمان الجاحظ وأبو علي البصير وأحمد بن يوسف وإسماعيل بن صبيح ومحمد بن غالب ومحمد بن عبد الله الأصفهاني وابن ثوابه وأبو الحسين أحمد بن سعد وأبو مسلم محمد بن بحر وأشباههم. فإن السجع فيما وقفت عليه من كلامهم قليل لكنهم لا يكادون يخلون بالمناسبة بين الألفاظ في الفصول والمقاطع إلا في اليسير من المواضع. وأما قول أبى الحسين بن سعد في بعض رسائله: وقد عرفت القدر فيما تراخى من كتبك وأبطأ عني من برك ورجعت فيما اتفق من حال الجفاء في هذه الوهلة إلى ما عرفت صحته من العهد وخلوصه من الود فلم

стр. 168

أجد لسوء الظن مساغاً ولا لظاهر الإعراض قبولاً لأنك الأخ المبلوة أخباره المتكافئة في الجميل أفعاله غير أن النفس تستوحش لما ينكر من حيث عرفت وتذم من حيث حمدت ويتضاعف عليها الأسف للجفاء إذا وقع من معدن البر والارتياب إذا كان رديفاً للثقة وأرجو أن أكون من تلون الزمان فيك على أمن ومن وفائه بعهد مودتك على أقوى أمل. فان في هذا الكلام تركا للمناسبة بين الألفاظ: لأن قبولا ليس على وزن مساغ وتستوحش ليس بأزائها كلمة لأنه كان ينبغي أن يقال: تستوحش لما يستنكر من حيث عرفت وتنفر مما تذم من حيث حمدت أو غير يستنكر من الألفاظ التي تكون مناسبة لتستوحش وكذلك البر لا يناسب الثقة في الصيغة وأمن ليس على وزن أمل وهذا ليس بعيب فاحش وإنما هو ترك للأفضل والأولى من اعتماد المناسبة. وحدثني أبو القاسم زيد بن علي الفارسي قال حدثنا أبو عبيد نعيم بن مسعود الهروي قال حدثنا أبو القاسم يحيى بن القاسم القصباني قال حدثنا دعلج بن أحمد بن دعلج قال حدثنا على بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام عن غير واحد من رجاله عن أبي نعامة عمرو بن عيسى العدوى عن مسلم بن بديل عن إياس بن زهير عن سويد بن هبيرة عن النبي ﷺ قال: "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة " ١. فقال: مأمورة لأجل المناسبة والمستعمل مومرة أي كثيرة النتاج كما قرئ: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ ٢ أي كثرنا.

стр. 169

وحدثني زيد بن على بهذا الإسناد عن أبي عبيد القاسم بن سلام عن يزيد بن سفيان عن منصور عن المنهال ابن عمور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ . أنه كان يعود الحسن والحسين ﵉ فيقول: "أعيذ كما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة" ١. ولم يقل ملمة لأجل المناسبة وكذلك قوله ﷺ في بعض الحديث: "ترجعن مأزورات غير مأجورات" لأن مأزورات من الوزر والمتسعمل موزورات فجاء به هكذا لأجل المناسبة. والسجع الواقع موقعه كثير لمن طلبه ومنه قول أبى الفرج عبد الواحد بن نصر الببغا في أول رسالة له: إذا كانت حقيقة الشكر أطال الله بقاء سيدنا الأمير سيف الدولة في متعالم العرف والعادة إنما هي علة موضوعي لاستجلاب الزيادة فقد لزم بدليل العقل وحجة الفضل أن يسمى الشاكر مستزيداً لا مكافياً ومستديماً لا مجازيا وتبقى النعمة مطالبة بواجبها والمنة مقتضية عن صاحبها وقوله في فصل آخر: وعلمي بأن أقرب مؤمليه إليه وأوجبهم حرمة عليه أشدهم استزادة لنعمه وأكثرهم إلحاحاً على كرمه بعثني على التقرب إلى قلبه بالسؤال ومناجاة كرمه بلسان الآمال فسألت متقربا وطلبت متسحباً. وبلغ على بن الحسن ﵇ قول نافع بن جبير في معاوية: كان يسكته الحلم وينطقه العلم فقال: بل كان يسكته الحصر وينطقه البطر. ووقف الأحنف على قبر الحارث بن معاوية المازني فقال: رحمك الله أبا المورق كنت لا تحقر ضعيفاً ولا تحسد شريفاً.

стр. 170

وقال بعضهم: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتباراً. وقال أبو إسحاق الصابي في بعض كتبه: وييسر له الفتوح شرقاً وغرباً ويمكنه من نواصي أعدائه سلماً وحرباً ويجعله في أحواله كلها سعيداً مخظوظاً وبعين رعايته ملحوظاً محفوظا ولا يخليه من مزيد تتوافر مادته إليه وإحسان لله يتظاهر لديه ويصل ما منحه بنظائر تتلوه وتتبعه. وأمثال تقفوه وتشفعه. ومن كتاب له آخر: وصل كتاب مولانا الأمير الجليل عضد الدولة جواباً وفهمته. وما اقترن به ثواباً وقبضته ووقع منى موقع الماء من ذي الغلة والشفاء من ذي العلة وأعظمت قدر ما اختصنى به من عنايته وأبانه في من رعايته وجعلت ذلك جنة بيني وبين الزمان وأثرة لي على الأضراب والأقران وشكرت أنعامه مجتهداً محتفلاً وادرعته مفتخراً متجملا. وهذا كله سجع يتبع المعاني غير متكلف ولا مستكره وأمثاله أكثر من أن تحصى. وقد سمى قدامة بن جعفر ترك المناسبة في مقاطع الفصول: التجميع ومثل ذلك بقول سعيد بن حميد في أول كتاب له: وصل كتابك فوصل به ما يستعبد الحر وإن كان قديم العبودية ويستغرق الشكر وإن كان سالف فضلك لم يبق شيئاً منه لأن المقطع على العبودية منافر للمقطع على منه. فهذا هو مثال ما تترك به المناسبة مع قدمناه ومثال الأسجاع التي تكون غير متكلفة قد ذكرناه فأما إذا تكلفت واعتمدت وكانت المعاني تابعة لها فليس ذلك بمرضي.

стр. 171

ومما يجب اعتماده في هذا ألا تجعل الرسالة كلها مسجوعة على حرف واحد لأن ذلك يقع تعرضاً للتكرار وميلا إلى التكلف وقد استعمل ذلك في الخطب وغيرها من المنثور وهو يقبح في المكاتبات خاصة. فأنا القوافي في الشعر فإنها تجري مجرى السجع وأن المختار منها ما كان متمكناً يدل الكلام عليه وإذا أنشد صدر البيت عرفت قافتيه كما قال ابن نباته في وصف قصيدته: خذها إذا أنشدت للقوم من طرب ... صدورها علمت منها قوافيها وقد قدمنا لذلك أمثلة وبينا ما يكون من القوافي حشواً في باب الحشو. وقد صنف العلماء في باب القوافي كتباً بينوا فيها ما تجب إعادته من الحروف والحركات وما لا تجب إعادته ووضعوا لتلك الحروف والحركات أسماء لا حاجة بنا إلى ذكر شئ من ذلك لأنه هناك مستوفى مستقصى وليس مما نحن بسبيل. وقد التزم بعض الشعراء في القوافي إعادة ما لا يلزمه إعادته طلباً للزيادة في التناسب والاغراق في التماثل كقول الحطيئة: ألا من لقلب عارم النظرات ... يقطع طول الليل بالزفرات إذا ما الثريا آخر الليل اعنقت ... كواكبها كالجزع منحدرات١ فالتزم الرآء في جميعها قبل حرف الروي وهي غير لازمة. وكقول حسان:

стр. 172

بكل كميت جوزه نصف خلقه ... وقب طوال مشرفات الحوارك١ فالتزم الرآء التي تسميها أصحاب القوافي الدخيل بين ألف التأسيس وحرف الروى. وكان شيخنا يذهب إلى أن قصيدة كثير التي أولها: خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم أبكيا حيث حلت قد لزم اللام في جميعهاً فلما سألناه عن البيت الذي يروى فيها وهو: أصاب الردى من كان يهوى لك الردى ... وجن اللواتي قلن عزة جنت قال: هذا البيت ليس من القصيدة وأما أبو عبادة البحتري فإنه التزم الدال في قصيدته التائية التي مدح فيها المهتدي بالله وفيها يقول: أسفت لأقوام ملكت بعيدهم ... وكانت دجت أيامهم واسوأدت مضوا لم يروا من حسن عدلك منظرا ... ولم يلبسوا نعماك حين استجدت ولم يعلموا أن المكارم أبديت ... جداعا ولا أن المظالم ردت وكان علي بن العباس الرومي: يلتزم هذا كثيراً وهو موجود في شعره ونظم أبو العلاء أحمد بن عبيد الله بن سليمان شعره - المعروف بلزوم ما لا يلزم - على هذه الطريقة وكذلك أكثر كلامه المنثور سلك فيه هذا المنهج. وليس يغتفر للشاعر إذا نظم على هذا الفن لأجل ما ألزم نفسه ما لا يلزمه شئ من عيوب القوافي لأنه إنما فعل ذلك طوعا واختيارا من غير

стр. 173

الجاء ولا إكراه. ونحن نريد الكلام الحسن على أسهل الطرق واقرب السبل وليس بنا حاجة إلى المتكلف المطرح وإن ادعي علينا قائلة أن مشقة نالته وتعباً مر به في نظمه. وورود القوافي متمكنة في الأشعار المختارة موجود ومنه قول أبي عبادة: أخيال علوة كيف زرت وعندنا ... أرق يشرد بالخيال الزائر طيف ألم لها ونحن بمهمه ... قفر يشق على الملم الخاطر أفضى إلى شعث تطير كراهم ... روحات قود كالقسي ضوامر١ حتى إذا نزعوا الدجي وتسربلوا ... من فضل هلهلة الصباح النائر٢ ورنوا إلى شعب الرحال بأعين ... يكسرن من نظر النعاس القاتر أهوى فأسعف بالتحية خلسة ... والشمس تلمع في جناحي طائر وقول أبي الطيب المتنبي: يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شئ بعدكم عدم إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما الجرح إذا أرضاكم ألم وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم وقول أبى العلاء بن سليمان فيما قرأته عليه: ردى كلامك ما أمللت مستمعاً ... ومن يمل من الأنفاس ترديدا باتت عرى النوم عن جفني محللة ... وبات كوري على الوجناء مشدودا

стр. 174

وقوله أيضاً: لاقاك في العام الذي ولى فلم ... يسألك إلا قبلة في القابل إن البخيل إذا يمد له المدى ... في الجود هان عليه وعد السائل وأمثال هذا أكثر من أن تحصى. ومما يجب أن يعتمد في القافية أن لا تكون الكلمة إذا سكت عليها كانت محتملة لمعنى يقتضي خلاف ما وضع الشعر له مثل أن يكون مديحاً فيقتضى بالسكوت عليها وقطع الكلام بها وجهاً من الذم أو معنى يتطير منه الممدوح أو ما يجرى هذا المجرى كما حكى أن الصاحب إسماعيل بن عباد أنشد عضد الدولة قصيدة مدحه بها فقال فيها: ضممت على أبناء تغلب تائها ... فتغلب ماكر الجديد أن تغلب١ فتطير عضد الدولة من مواجهته إياه بتغلب وقال: يكفى الله ذلك ولو قال في وسط البيت تغلب وتغلب لم يكن في ذلك من القبح ما يكون في القافية لأنها موضع قطع وسكوت ووقوف على ما مضى واستئناف لما يأتي. وروى أن أبا الطيب لما أنشد قصيدته التي ودع بها عضد الدولة فقال فيها: وأيا شئت يا طرقي فكوني ... أذاة أو نجاة أو هلاكا قال عضد الدولة: يوشك أن يصاب في طريقه وكانت منيته فيه. وقال أبو الفتح عثمان بن جني: جعل القافية هلاكا فهلك.

стр. 175

ومن هذا الجنس أيضاً الابتداء في القصائد فإنه يحتاج إلى تحرز فيه حتى لا يستفتح بلفظ محتمل أو كلام يتطير منه وقد روى أن ذا الرمة أنشد هشام بن عبد الملك قصيدته البائية فلما ابتدأ وقال: ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب قال هشام: بل عينك١ وقد كان أبو الطيب افتتح قصيدته التي مدح فيها عضد الدولة بقوله: أوه بديل من قولتي واها ... لمن نأت والحديث ذكراها فقال له: أوه وكيه ويقال إن بعض الشعراء٢ دخل على الداعي العلوي٣ في يوم مهرجان فأنشده: لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الداعي ويوم المهرجان فبطحه وضربه خمسين عصاً وقال: إصلاح أدبه أبلغ في ثوابه. وكان شيخنا يعيب قول أبي الطيب: إذا ما لبست الدهر مستمعاً به ... تخرقت والملبوس لم يتخرق ويقول: إذا طولب الشاعر بحسن الأدب وجب أن لا يقابل الممدوح بمثل هذا الكلام.

стр. 176

وقد أنكر عبد الملك بن مروان على جرير ما هو دون هذا من القول وذلك أنه لما أنشده: أتصحو أم فؤادك غير صاح١ فقال له عبد الملك: بل فؤادك. ويروى أن أبا نواس لما أنشد الفضل بن يحيى قصيدته: أربع البلى أن الخشوع لبادي ... عليك وإني لم أخنك ودادي تطير الفضل من هذا الابتداء فلما انتهى إلى قوله في القصيدة: سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بنى برمك من رائحين وغاد استحكم تطيره فلم يمض إلا أسبوع حتى نكب بنوبرمث وقتل جعفر بن يحيى وبعض الناس يروى أن أبا عبادة أنشد يوسف بن محمد ابن يوسف الثغري قوله: لك الويل من ليل تطاول آخره ... ووشك نوى حي تزم أباعره ومن القوافي التي جاءت حشواً لأجل حرف الروي من غير معنى يختص به قول أبى عدى القرشي:

стр. 177

ووقيت الحتوف من وارث وال ... وأبقاك صالحاً رب هود فليس في تسمية الباري ﵎: رب هود معنى ولا وجه لذلك إلا أن القصيدة دالية وإلا فهو تعالى رب نوح وهود وكل أحد وهذا كثير في الأشعار الضعيفة. ومن تناسب القوافي: تجنب الإقواء فيها وهو اختلاف إعرابها فيكون بعضها مثلاً مرفوعاً وبعضها مجروراً وهذا يوجد في أشعار العرب. وقد روى أن الناغبة كان يقوى حتى دخل المدينة وسمع أهلها يغنون بقوله في قصيدته التي أولها: من آل مية رائح أو مغتدى ... عجلان ذازاد وغير مزود زعم البوارح أن رحلتنا غداً ... وبذاك خبرنا الغراب الأسودب١ ففطن للإقواء فتركه. والإيطاء في القوافي عيب وهو أن تتفق القافتيان في قصيدة واحدة وأمثال ذلك كثيرة فأما أن يكون معنى القافيتين مختلفاً ولفظهما واحداً فذلك ليس بعيب مثل أن تأتي العين ويراد بها الجارحة والعين ويراد بها الذهب وإذا بعد ما بين القافيتين المتكررتين في القصيدة كان أصلح وإن كان الإيطاء عيباً على كل حال. والسناد أيضا عيب وهو اختلاف في الحركات قبل حروف الروي كما قال عدي بن زيد: ففاجأها لاقت جموعاً ... على أبواب حصن مصلتينا

стр. 178

فقدمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذباً وميناً١ فالميم من ميناً مفتوحة والتاء من مصلتينا مكسورة. والسناد من قولهم خرج بنو فلان برأسين متساندين أي كل واحد منهما على حياله وكذلك قالوا كانت قريش يوم الفجار متساندين أي لا يقودهم رجل واحد. ومن عيوب القوافي: أن يتم البيت ولا تتم الكلمة التي منها القافية حتى يكون تمامها في البيت الثاني مثل أبيات كتبها إلى الشيخ أبو العلاء بن سليمان في بعض كتبه وحكى أن أبا العباس المبرد ذكرها في كتابه الموضوع في القوافي وسمى هذا الجنس من عيوب القافيه المجاز والأبيات: شبيه بابن يعقوب ... ولكن لم يكن يو سف يشرب الخمر ... ولا يزني ولا يو سع بالأمواه القهو ... ة مزجا لم يكن دو ن في صبح وامسآء ... وهذا منكر يو شك الرحمن أن يصليه ... في نار خزى هو لها أهل فلا يكشف ... عنه ربنا السوء قد النار لأضياف ... لوو قيل له ذو دنانير وأموال ... فيارحمن لا تو سع الرزق على هذا ... الذي منظره لو لو والفعل ستوق ... فوزن الريش لا يو٢

стр. 179

وقطع الكلام على يو. ومما يجرى هذا المجرى التضمين: وهو أن لا تستقل الكلمة التي هي القافية بالمعنى حتى تكون موصولة بما في أول البيت الثاني وذلك مثل قول النابغة الذبياني: وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ أنى شهدت لهم مواطن صادقات ... أتيتهم بنصح الود منى ومن عيوب القوافي في ترك التناسب: أن يكون الروي على حرفين متقاربين كما قال بعض العرب: بنى إن البر شئ هين ... المنطق اللين والطعيم وهذا من الشاذ النادر الذي لا يلتفت إليه. ومن عيوب القوافي: أن تكون قافية المصراع الأول من البيت الأول على روى ينبئ أن تكون قافية آخر البيت بحسبه فيأتي بخلافه كقول عمرو ابن شاس: تذكرت ليلى لات حين أدكارها ... وقد حنى الأضلاع بتضلال١ فلما قال: أدكارها أو هم أن الروي حرف الراء بوصل وخروج وردف قبله ثم جاء بالقافية على اللام كذلك قول الشماخ: لمن منزل عاف ورسم منازل ... عفت بعد عهد العاهدين رياضها

стр. 180

وقد سمى هذا الفن: التجيع وهو على كل حال من أسهل عيوب القوافي وأقربها إلى الجواز والصحة. وأما التصريع فيجرى مجرى القافية وليس الفرق بينهما ألد أنه في آخر النصف الأول من البيت والقافية في آخر النصف الثاني منه وإنما شبه مع القافية بمصراعي الباب وقد استعلمه المتقدمون والمحدثون في أول القصيدة وربما استعملوه في أثنائها وممن كان يلهج به من المتقدمين امرؤ القيس فإنه صرع في أول قصيدته: قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل ثم قال من بعد: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل وقال فيها: وقال في التي أولها: ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي ديار لسلمى عافيات بذي الخال ... ألح عليها كل أسحم هطال١ ألا أنني بال على جمل بال ... يقود بنا بال ويتبعنا بال
следующие страницы →