وقد أنكر عبد الملك بن مروان على جرير ما هو دون هذا من القول وذلك أنه لما أنشده:
أتصحو أم فؤادك غير صاح١
فقال له عبد الملك: بل فؤادك.
ويروى أن أبا نواس لما أنشد الفضل بن يحيى قصيدته:
أربع البلى أن الخشوع لبادي ... عليك وإني لم أخنك ودادي
تطير الفضل من هذا الابتداء فلما انتهى إلى قوله في القصيدة:
سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بنى برمك من رائحين وغاد
استحكم تطيره فلم يمض إلا أسبوع حتى نكب بنوبرمث وقتل جعفر بن يحيى
وبعض الناس يروى أن أبا عبادة أنشد يوسف بن محمد ابن يوسف الثغري قوله:
لك الويل من ليل تطاول آخره ... ووشك نوى حي تزم أباعره
ومن القوافي التي جاءت حشواً لأجل حرف الروي من غير معنى يختص به قول أبى عدى القرشي:
стр. 177
ووقيت الحتوف من وارث وال ... وأبقاك صالحاً رب هود
فليس في تسمية الباري ﵎: رب هود معنى ولا وجه لذلك إلا أن القصيدة دالية وإلا فهو تعالى رب نوح وهود وكل أحد وهذا كثير في الأشعار الضعيفة.
ومن تناسب القوافي: تجنب الإقواء فيها وهو اختلاف إعرابها فيكون بعضها مثلاً مرفوعاً وبعضها مجروراً وهذا يوجد في أشعار العرب. وقد روى أن الناغبة كان يقوى حتى دخل المدينة وسمع أهلها يغنون بقوله في قصيدته التي أولها:
من آل مية رائح أو مغتدى ... عجلان ذازاد وغير مزود
زعم البوارح أن رحلتنا غداً ... وبذاك خبرنا الغراب الأسودب١
ففطن للإقواء فتركه.
والإيطاء في القوافي عيب وهو أن تتفق القافتيان في قصيدة واحدة وأمثال ذلك كثيرة فأما أن يكون معنى القافيتين مختلفاً ولفظهما واحداً فذلك ليس بعيب مثل أن تأتي العين ويراد بها الجارحة والعين ويراد بها الذهب وإذا بعد ما بين القافيتين المتكررتين في القصيدة كان أصلح وإن كان الإيطاء عيباً على كل حال.
والسناد أيضا عيب وهو اختلاف في الحركات قبل حروف الروي كما قال عدي بن زيد:
ففاجأها لاقت جموعاً ... على أبواب حصن مصلتينا
стр. 178
فقدمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذباً وميناً١
فالميم من ميناً مفتوحة والتاء من مصلتينا مكسورة.
والسناد من قولهم خرج بنو فلان برأسين متساندين أي كل واحد منهما على حياله وكذلك قالوا كانت قريش يوم الفجار متساندين أي لا يقودهم رجل واحد.
ومن عيوب القوافي: أن يتم البيت ولا تتم الكلمة التي منها القافية حتى يكون تمامها في البيت الثاني مثل أبيات كتبها إلى الشيخ أبو العلاء بن سليمان في بعض كتبه وحكى أن أبا العباس المبرد ذكرها في كتابه الموضوع في القوافي وسمى هذا الجنس من عيوب القافيه المجاز والأبيات:
شبيه بابن يعقوب ... ولكن لم يكن يو
سف يشرب الخمر ... ولا يزني ولا يو
سع بالأمواه القهو ... ة مزجا لم يكن دو
ن في صبح وامسآء ... وهذا منكر يو
شك الرحمن أن يصليه ... في نار خزى هو
لها أهل فلا يكشف ... عنه ربنا السوء
قد النار لأضياف ... لوو قيل له ذو
دنانير وأموال ... فيارحمن لا تو
سع الرزق على هذا ... الذي منظره لو
لو والفعل ستوق ... فوزن الريش لا يو٢
стр. 179
وقطع الكلام على يو.
ومما يجرى هذا المجرى التضمين: وهو أن لا تستقل الكلمة التي هي القافية بالمعنى حتى تكون موصولة بما في أول البيت الثاني وذلك مثل قول النابغة الذبياني:
وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ أنى
شهدت لهم مواطن صادقات ... أتيتهم بنصح الود منى
ومن عيوب القوافي في ترك التناسب: أن يكون الروي على حرفين متقاربين كما قال بعض العرب:
بنى إن البر شئ هين ... المنطق اللين والطعيم
وهذا من الشاذ النادر الذي لا يلتفت إليه.
ومن عيوب القوافي: أن تكون قافية المصراع الأول من البيت الأول على روى ينبئ أن تكون قافية آخر البيت بحسبه فيأتي بخلافه كقول عمرو ابن شاس:
تذكرت ليلى لات حين أدكارها ... وقد حنى الأضلاع بتضلال١
فلما قال: أدكارها أو هم أن الروي حرف الراء بوصل وخروج وردف قبله ثم جاء بالقافية على اللام كذلك قول الشماخ:
لمن منزل عاف ورسم منازل ... عفت بعد عهد العاهدين رياضها
стр. 180
وقد سمى هذا الفن: التجيع وهو على كل حال من أسهل عيوب القوافي وأقربها إلى الجواز والصحة.
وأما التصريع فيجرى مجرى القافية وليس الفرق بينهما ألد أنه في آخر النصف الأول من البيت والقافية في آخر النصف الثاني منه وإنما شبه مع القافية بمصراعي الباب وقد استعلمه المتقدمون والمحدثون في أول القصيدة وربما استعملوه في أثنائها وممن كان يلهج به من المتقدمين امرؤ القيس فإنه صرع في أول قصيدته:
قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل
ثم قال من بعد:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وقال فيها:
وقال في التي أولها:
ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
ديار لسلمى عافيات بذي الخال ... ألح عليها كل أسحم هطال١
ألا أنني بال على جمل بال ... يقود بنا بال ويتبعنا بال
стр. 181
وكذلك اعتمد جماعة من الشعراء في بعض قصائدهم والذي أراه أن التصريع يحسن في أول القصيدة ليميز بين الابتداء وغيره ويفهم قبل تمام البيت روى القصيدة وقافيتها ولذلك قال أبو تمام:
وإنما يروقك بيت الشعر حين يصرع
فأما إذا تكرر الصريع في القصيدة فلست أراه مختاراً وهو عندي يجرى مجرى تكرر الترصيع والتجنيس والطباق وغير ذلك مما سيأتي ذكره وأن هذه الأشياء إنما يحسن منها ما قل وجرى منها مجرى اللمعة واللمحة فأما إذا تواتر وتكرر فليس عندي ذلك مرضياً.
فإن قال لنا قائل: كيف يكون التصريع وغيره من الأصناف التي أشرتم إليها حسناً إذا قل وإن كثر لم يكن حسناً قيل له: هذا غير مستنكر ولا مستطرف وله أشباه كثيرة فإن الخال يحسن في بعض الوجوه ولو كان في ذلك الوجه عدة خيلان لكان قبيحان ويكون في بعض النقوش يسير من سواد أو حمرة أو غيرهما من الألوان فيحسن ذلك المزاج والنقش بذلك القدر من اللون فإن زاد لم يكن حسناً وتستحسن غرة الفرس وهي قدر مخصوص فإن كان وجهه كله أبيض أو زاد ذلك القدر من البياض لم يحسن وأشباه هذا أكثر من أن يحصى والعلة فيه أنه إنما كان حسناً بالإضافة إلى غيره.
وقد ترك التصريع جماعة من الشعراء المتقدمين والمحدثين في أول القصيدة كما ابتدأ ابن أحمر قصيدته فقال:
قد بكرت عاذلتي بكرة ... تزعم أني بالصبا مشتهر
فلم يصرع ثم قال من بعده:
стр. 182
بل ودعيني طفل أنى بكر ... فقددنا الصبح فما انتظر
وربما أخل الشارع بالتصريع في جميع القصيدة.
ومن التناسب أيضاً: الترصيع وهو أن يعتمد تصيير مقاطع الأجزاء في البيت المنظوم أو الفصل من الكلام المنثور مسجوعة وكأن ذلك شبه بترصيع الجوهر في الحلي وهذا مما قلنا أنه لا يحسن إذا تكرر وتوالى لأنه يدل على التكلف وشدة التصنع وإنما يحسن إذا وقع قليلاً غير نافر.
ومن أمثلة ذلك في النثر قول أبي على البصير في بعض كلامه: حتى عاد تعريضك تصريحاً وتمريضك تصحيحاً. وقالت الخنساء:
حامي الحقيقة محمود الحليقة مه ... دي الطريقة نفاع وضرار
جواب قاصية جزار ناصية ... عقاد ألوية للخيل جرار
وقال امرؤ القيس:
فتور القيام قطيع الكلا ... م تفتر عن ذي غروب خصر١
وقال بشامة بن عمرو بن الغدير:
هوان الحياة وخزى الممات ... وكلا أراه طعاماً وبيلا
وقال أبو العلاء أحمد بن عبد الله:
стр. 183
ألفت الملا حتى تعلمت بالفلا ... رنو الطلى أو صنعة الآل في الخدع١
فهذا وأمثاله إذا كان قدراً يسيراً حسن على ما ذكرناه فأما إذا توالى وكثر فإنه يقبح لدلالته على التكلف وإن كان كل منه بانفراده جيداً وذلك مثل قول أبي صخر الهزلي:
عذب مقبلها جدل مخلخلها ... كالدعص أسفلها مخصورة القدم٢
سود ذوائبها بيض ترائبها ... محض ضرائبها صيغت على الكرم٣
عبل مقيدها حال مقلدها ... بض مجردها لفاء في عمم٤
سمح خلائقها درم مرافقها ... يروى معانقها من بارد شبم
فهذا لما توالى لم يحسن والعلة في ذلك ما ذكرناه.
ومن التناسب أيضاً: حمل اللفظ على اللفظ في الترتيب ليكون ما يرجع إلى المقدم مقدماً وإلى المؤخر مؤخراً ومثال ذلك قول الشريف الرضى:
قلبي وطرفي منك هذا في حمى ... قيظ وهذا في رياض ربيع
стр. 184
فإنه لما قدم قلبي وجب أن يقدم وصفه بأنه في حمى قيظ فلو كان قال: طرفي وقلبي منك لم يحسن في الترتيب أن يؤخر قوله في رياض ربيع والطرف مقدم.
وكذلك أيضاً قول الآخر:
فاللامعات أسنة وأسرة ... والمائسات ذوابل وقدود١
لأن القدود لما كانت مؤخرة وجب أن تكون الأسرة كذلك وأن يقدم الأسنة كما قدمت الذوابل وأمثال هذا كثيرة.
ومن المناسبة أيضاً: التناسب في المقدار وهذا في الشعر محفوظ بالوزن فلا يمكن اختلاف الأبيات في الطول والقصر فإن زاحف بعض الأبيات أو جعل الشعر كله مزاحفاً حتى مال إلى الانكسار وخرج من باب الشعر في الذوق كان قبيحاً ناقص الطلاوة كقصيدة عبيد بن الأبرص:
أقفر من أهله ملحوب
وكقوله ابن يعفر:
إنا ذممنا على ما خيلت ... سع د بن زيد وعمراً من تميم
وضبة المشتري العار بنا ... وذاك عم بنا غير رحيم
ونحن قوم لنا رماح ... وثروة من موال وصميم٢
فإن هذا غير مستحسن لأنه خارج عن أسلوب المنظوم والمنثور وإن
стр. 185
كان في العروض مستقيماً وكان الخليل بن أحمد يستحسن بعض الزحاف في الشعر إذا قل وإذا كثر قبح عنده. وقال بعض الأدباء: هو مثل اللثغ في الجارية يشتهى القليل منه وإن كثر هجن وسمج. فأما الكلام المنثور فالأحسن منه تساوى الفصول في مقاديرها أو يكون الفصل الثاني أطول من الأول. وعلى هذا أجمع الكتاب وقالوا لا يجوز أن يكون الفصل الثاني أقصر من الأول والذوق يشهد بما قالوه ويقضى بصحته ولهذا السبب استقبحوا إطالة الفصول لئلا يؤتى بالجزء الأول طويلاً فيحتاج إلى إطالة التالي له ليساويه أو يزيد عليه فيظهر في الكلام التكلف ويقع ما لا حاجة لمعنى والغرض إليه.
ومن التناسب بين الألفاظ: المجانس١ وهو أن يكون بعض الألفاظ مشتقاً من بعض إن كان معناهما واحداً أو بمنزلة المشتق إن كان معناهما مختلفان أو تتوافق صيغتا اللفظتين مع اختلاف المعنى وهذا إنما يحسن في بعض المواضع إذا كان قليلاً غير متكلف ولا مقصود في نفسه وقد استعمله العرب المتقدمون في أشعارهم ثم جاء المحدثون فلهج به منهم مسلم بن الوليد الأنصاري وأكثر منه ومن استعمال المطابق والمخالف وهذه الفنون المذكورة في صناعة الشعر حتى قيل عنه أنه أول من أفسد الشعر. وجاء أبو تمام حبيب بن أوس بعده فزاد على مسلم في استعماله والإكثار منه حتى وقع له الجيد والرديء الذي لا غاية وراءه في القبح فمما للعرب قول امرئ القيس:
стр. 186
لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا١
وقول القطامي:
كنية الحي من ذي القيظة احتملوا ... مستحقبين فؤاداً ماله فاد
وقول جرير بن عطية:
وما زال معقولاً عقال عن الندى ... وما زال محبوساً عن الخير حابس٢
وقول حبان بن ربيعة الطائي:
لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حد إذا لبس الحديد٣
وقول النعمان بن بشير:
ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا ... وليلك عما ناب قومك نائم
وقال رجل من بني عيسى:
وذلكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن أنفكم لا يعرف الأنفا
стр. 187
وقول مسكين الدارمي:
وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية ... إذا الكواكب كانت في الدجا سرجا١
وقول زياد الأعجم:
ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام٢
وبعض البغداديين يسمى تساوى اللفظتين في الصفة مع اختلاف المعنى: المماثل ككاهل وكاهل في هذا البيت وهو جل وهو جل في قول قول الأفواه الأودي:
وأقطع الهوجل مستأنساً ... بهوجل عيرانة عنتريس٣
لأن لفظة الهوجل واحدة والمراد بالأولى الأرض البعيدة وبالثانية الناقة العظيمة الخلق ويسمى المجانس ما توافقت فيه اللفظتان بعض الاتفاق وأبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب يسمى هذا الفن الجنس ويسمى المطابق المتكافئ وقد أنكر عليه ذلك أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي.
وقال إن هذا البيت وإن صح بموافقته معنى الألقاب وإنها غير محظورة فإن الناس قد تقدموا أبا الفرج في تلقيب هذا الأنواع مثل أبي العباس عبد الله بن المعتز بالله وغيره وكفوه المؤنة في اختراع ألقاب تخالفهم والصواب ما قاله أبو القاسم.
ومن مجانس أبي تمام المختار قوله:
стр. 188
يمدون من أيد عواص عواصم ... تطول بأسياف قواض قواضب١
وقوله:
أرامة كنت مألف كل رئم ... لو استمتعت بالأنس المقيم
وقوله:
فيا دمع أنجدني على ساكني نجد
ومن قبيح تجنيه قوله:
قرت بقران عين الدين وانشترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما
وقوله:
خشنت عليه أخت بني خشين
وقوله:
فأسلم من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى ومهما أورق السلم٢
وقوله:
سلم على الربع من سلمى بذي سلم
وقوله:
تجرع أسى قد أقفر الأجرع الفرد
وله من هذا الجنس أبيات كثير والسبب في ذلك أنه أحب الإكثار ولم يقنع باليسير الذي يسمح به خاطره ويقع بغير تكلف ولا تعمل.
стр. 189
ومما ورد في القرآن العظيم من هذا الفن قوله ﵎: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ١ وقوله ﵎: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ ٢ وقوله : ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ٣ ومن كلام النبي ﷺ : " عصية عصت الله وغفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله " وقال خالد ابن صفوان لرجل من بني عبد الدار: هشمتك هاشم وأمتك أمية وخزمتك مخزوم فأنت ابن عبد دارها ومنتهى عارها. وكتب بعض الكتاب: العذر مع التعذر واجب فرأيك فيه وقال آخر: لا ترى الجاهل إلا مفرطاً أو مفرطاً.
وقال العلاء بن سليمان:
والحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر
وقال مهيار بن مرزويه:
وإذا عددت سنى لم أك صاعداً ... عدد الأنابيب التي في صعدتي
وألام فيك شبت على الصبا ... يا جور لأئمتي عليك ولمتي٤
وقال أبو العلاء بن سليمان:
إن جهلاً سلمى لآل سليمى ... وثنائي على عذاب الثنايا
وقال أبو عبادة:
стр. 190
ورأيتني فرأيت أحسن منظر ... رب القصائد في القنا المتقصد١
وقال أيضاً:
ومذهب حب لم أجد عنه مذهباً ... وشاغل حب لم أجد عنه شاغلا
وقال:
هل لما فات من تلاق تلاف ... أو لشاك من الصبابة شاف
وقد سمى قدامة بن جعفر٢ هذا الفن من المجانس في تلاق وتلاف المضارعة إذا كانت إحدى اللفظتين تماثل الأخرى بأكثر الحروف ولا تشابهها في الجميع ومثل ذلك بقول نوفل بن مساحق للوليد وقد اعتد عليه بالأذن له على نفسه وهو يلعب بالحمام. وقال: خصصتك بهذه المنزلة فقال له نوفل: ما خصصتني ولكن خسستني لأنك كشفت لي عورة من عوراتك. وأمثال هذا كثير. والمحمود منه ما قل ووقع تابعاً للمعنى غير مقصود في نفسه.
ومن المجانس: فن ورد في شعر أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان وسماه لنا مجانس التركيب لأنه يركب من الكلمتين ما يتجانس به الصيغتان كقوله:
مطايا مطايا وجدكن منازل ... مني زل عنها ليس عني بمقلع
وما أحفظ لأحد من الشعراء شيئاً من قبيله وهو عندي غير حسن ولا مختار ولا داخل في وصف من أوصاف الفصاحة والبلاغة.
стр. 191
فأما مجانس التصحيف فقد ورد في شعر أب عبادة كقوله:
ولم يكن المغتر بالله إذ شرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه١
وكقوله:
وكأن السليل والنثرة الحصداء ... منه على سليل عريق٢
وهذا أول طبقات المجانس لأنه مبنى على تجانس أشكال الحروف في الخط وحسن الكلام وقبحه لا يستفاد من أشكال حروفه في الكتابة إذ لا علقة بين صيغة اللفظ في الحروف وشكله في الخط.
فأما تناسب الألفاظ من طريق المعنى فإنها تتناسب على وجهين أحدهما أن يكون معنى اللفظتين متقارباً والثاني أن يكون أحد المعنيين مضاداً للآخر أو قريباً من المضاد فأما إذا خرجت الألفاظ عن هذين القسمين فليست بمناسبة وقد سمى أصحاب صناعة الشعر المتضاد من معاني الألفاظ المطابق وسماه أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب المتكافيء وأنكر ذلك عليه أبو القاسم الحسن بن بشر على ما حكيناه في المجانس. وحكى أبو علي محمد بن المظفر الحاتمي عن أبي الفرج على بن الحسين الأصفهاني. قال: قلت لأبي الحسن على بن سليمان الأخفش أجد قوماً يخالفون في الطباق فطائفة تزعم وهي الأكثر: أنه ذكر الشئ وطائفة تخالف في ذلك وتقول: هو اشتراك المعنيين في لفظ واحد فقال: من هو الذي يقول هذا فقلت قدامة فقال:
стр. 192
هذا يا بني هو التجنيس ومن زعم أنه طباق فقد ادعى خلافاً على الخليل والأصمعي فاتفق الأخفش والآمدي على مخالفة أبي الفرج في التسمية وسمى أصحاب صناعة الشعر ما كان قريباً من التضاد المخالف وقسم بعضهم التضاد فسمى ما كان فيهما لفظتان معناهما ضدان كالسواد والبياض المطابق وسمى تقابل المعاني والتوفيق بين بعضها وبعض حتى تأتي في الموافق بما يوافق وفي المخالف بما يخالف على الصحة: المقابلة. وسمى ما كان فيه سلب وإيجاب: بالسلب والإيجاب ولم يجعله من المطابق ولكل من ذلك أمثلة سنذكرها ونوضحها فأما التسمية فلا حاجة بنا إلى المنازعة فيها لأن الغرض فهم هذه المناسبة دون الكلام في أحق الأسماء بها على أن الذي أختاره تسمية الجميع بالمطابق لأن الطبق للشيء إنما قيل له طبق لمساواته إياه في المقدار إذا جعل عليه أو غطى به وإن اختلف الجنسان وفي المثل وافق شن طبقه ومنه طباق الخيل.
يقال: تطابق الفرس إذا وقعت رجلاه في موضع يديه في المشي والعدو وكذلك الكلاب.
قال النابغة الجعدي:
وخيل يطابقن بالدار عين ... طباق الكلاب يطأن الهراسا١
وقد فسر قول الله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ ٢ أي حالاً بعد حال ولم يرد تساويهما في نفس المعنى وإنما أراد تساويهما في المرور عليكم والتعيير لكم فإذا كان هذا حقيقة الطباق وهو مقابلة الشئ بمثله الذي هو على قدره سمو المتضادين إذا تقابلا متطابقين.
وهذا الباب يجرى مجرى المجانس ولا يستحسن مه إلا ما قل ووقع غير مقصود ولا متكلف فإما إذا كان معنياً الكلمتين غير
стр. 193
متناسبين لا على التقارب ولا على التضاد فإن ذلك يقبح ومنه ما أنكره نصيب على الكميت في قوله:
أم هل ظعائن بالعلياء نافعة ... وإن تكامل فيها الدال والشنب
فإنه قال له: أين الدل من الشنب إنما يكون الدل مع الغنج ونحوه والشنب مع اللعس أو ما يجري مجراه من أوصاف الثغر والفم. فكان الدل والشنب في قول الكميت عيباً لأنهما لفظتان لا يتناسبان بتقارب معنيهما ولا بتضادهما.
ومما يستحسن من المطابق قول أبي عبادة البحتري:
فأراك جهل الشوق بين معالم ... منها وجد الدمع بين ملاعب
وهذه هي ديباجة أبي عبادة المعروفة وكلامه السهل الممتنع وشعره الخضل لكثرة مائه وقول أبي الطيب:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغرى بي
فهذا البيت مع بعده من التكلف كل لفظة من ألفاظه مقابلة بلفظة هي لها من طريق المعنى بمنزلة الضد: فأزورهم وأنثني وسواد وبياض والليل والصبح ويشفع ويغرى ولي وبي وأصحاب صناعة الشعر لا يجعلون الليل والصبح ضدين بل يجعلون ضد الليل النهار لأنهم يراعون في المضادة استعمال الألفاظ وأكثر ما يقال الليل والنهار ولا يقال الليل والصبح وبعضهم يقول في مثل هذا: مطابق محض ومطابق غير محض فالليل والصبح عنده من بيت المتنبي طباق غير محض
стр. 194
ومن المطابق المحض قول دعبل بن علي:
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
ولو قال: تبسم وبكا لم يكن عندهم من المطابق المحض. ومن المطابق قول بعضهم: كدر الجماعة خير من صفو الفرقة فكدر وصفو والجماعة والفرقة من الطباق المحض وقال محمد بن عمران التيمي: ما اجمد في الحق ولا أذوب في الباطل. وقال عمر بن الخطاب: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه.
وقال زهير:
ليث يعثر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا١
وقال طفيل الغنوي:
بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول٢
وقال حبيب بن أوس:
ما إن ترى الأحساب بيضاً وضحاً ... إلا بحيث ترى عنكم المنايا سوداً
وقال جرير بن عطية:
وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شر عنكم بشماليا
وقال عبد الله بن الزبير الأسدي:
فرد شعورهن السود بيضاً ... ورد وجوههن البيض سودا
стр. 195
وقال الفرزدق:
لعن الإله بني كليب أنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار
يستقظون إلى نهاق خميرهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار
وقال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان فيا قرأنا عليه:
ومن دونها يوم من الشمس عاطل ... وليل بأطراف الأسنة حال١
وقال بشار بن برد:
إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمراً ثم نم
وهذا كله من المطابق المختار فأما المتكلف القبيح فكقول حبيب ابن أوس:
لعمري لقد حررت يوم لقيته ... لو أن القضاء وحده لم يبرد
وقوله:
وإن خفرت أموال قوم اكفهم ... من النيل والجدوى فكفاك مقطع٢
فهذان البيتان من الطباق القبيح الذي لم يرد لحسن معناه وسلامة لفظه بل لتكون في الشعر مطابقة فقط.
ومما يجري مجرى المطابق: أن يقدم في الكلام جزء ألفاظه منظومة نظاماً ويتلى بآخر يجعل فيه ما كان مقدماً في الأول مؤخراً في الثاني وما كان مؤخراً مقدماً وقد سمى قدامة بن جعفر الكاتب هذا الفن
стр. 196
التبديل ومثله بقوله بعضهم: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك وبقول الحسن البصري: إن من خوفك حتى تلقى الأمن وير لك ممن أمنك حتى تلقى الخوف. وقول عمر بن عبيد في بعض دعائه: اللهم أغنني بالفقر إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك. وقول رجل لآخر وكان يتعهده بالبر: اسأل الذي رحمني بك أن يرحمك بي
فأما المخالف فهو الذي يقرب من التضاد فكقول أبي تمام:
تردى ثياب الموت حمراً فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر
قال الحمر والخضر من المخالف وبعض الناس يجعل هذا من المطابق.
وكذلك قول عمر بن كلثوم:
بانا نورد الرايات بيضاً ... وتصدرهن حمراً قد روينا
وقول الوليد بن عبيد البحتري:
والصحيح أنهم يعتبرون في التضاد استعمال الألفاظ والأحمر والأبيض ليسا بضدين على عرفهم. وإنما ضد البياض السواد على ما ذكرناه آنفاً.
ومن قبيح المخالف قول أبي تمام:
مكرهم عنده فصيح وإن هم ... خاطبوا مكره رأوه جليباً
لأنه لما أراد أن يخالف بين فصيح وجليب وهو الذي قد جلب في السبي فلم يفصح بالكلام وجعل المكر جليباً وذلك من الاستعارات المستحيلة والأغراض الفاسدة.
стр. 197
وأما الإيجاب والسلب فكقول أبي عبادة:
تقيض لي من حيث لا أعلم النوى ... ويسرى إلي الشوق من حيث أعلم
وكقول السموأل:
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
وكقول الشماخ:
هضيم الحشا لا يملأ الكف خصرها ... ويملأ منها كل حجل ودملج
فقوله: لا أعلم واعلم وننكر ولا ينكرون ولا يملأ ويملأن من السلب والإيحاب.
فأما الذي ذكرناه أنه يسمى المقابلة في مراعاة المعاني حتى يأتي في الموافق وفي المخالف ما يخالف على الصحة فسنورد أمثلته عند شروعنا في الكلام على المعاني بعد الفراغ من الألفاظ وما يتعلق بها بمشيئة الله وبعونه.
ومن شروط الفصاحة والبلاغة: الإيجاز والاختصار وحذف فضول الكلام حتى يعبر عن المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة. وهذا الباب من أشهر دلائل الفصاحة وبلاغة الكلام عند أكثر الناس حتى أنهم إنما يستحسنون من كتاب الله تعالى ما كان بهذه الصفة ومن الناس من يقول: إن من الكلام ما يحسن فيه الاختصار والإيجاز كأكثر المكاتبات والمخاطبات والأشعار ومنه ما يحسن فيه الإسهاب والإطالة كالخطب والكتب التي يحتاج أن يفهمها عوام الناس وأصحاب الأذهان البعيدة فإن الألفاظ إذا طالت فيها وترددت في إيضاح المعنى أثر ذلك عندهم
стр. 198
فيه ولو اقتصر بهم على وحى الألفاظ وموجز الكلام لم يقع لأكثرهم.
حتى يقال في ذكر السيف: الحسام القاطع والجزار الباتر وفي وصف الشجاع: البطل الفاتك النجد الباسل وما يجرى هذا المجري. قالوا: وربما كان ذلك الكتاب بالفتح أو الخطبة تقرأ في موقف حافل يكثر فيه لغط الناس وصخبهم فيحتاج إلى تكرار الألفاظ ليكون ما يفوت سماعه قد استدرك ما هو في معناه.
والذي عندي في هذا الباب أنهم إن كانوا يريدون بالإطالة تكرر المعاني والألفاظ الدالة عليها وخروجها في معاريض مختلفة ووجوه متباينة - وإن كان الغرض الأصل واحد - فليس هذا مما نحن بسبيله لأنه بمنزلة إعادة كلام واحد مراراً عدة فإن تلك الإعادة لا تؤثر فيه حسناً ولا قبحاً وإن كانوا يريدون أن المعنى الذي يمكن أن يعبر عنه بألفاظ يسيرة موجزة قد يحسن أن يعبر عنه بألفاظ طويلة ليكون ذلك داعياً إلى فهم العامي والبليد له وتكون الإطالة في هذا الموضع خاصة أصح وأحمد كما أن الوحي والإشارة في موضعهما أوفق وأحسن فأنا لا نسلم ذلك لأنا نذهب إلى أن المحمود من الكلام ما دل لفظه على معناه دلالة ظاهرة ولم يكن خافياً مسغلقاً كالمعنى التي وردت في شعر أبي الطيب وسنذكر ذلك مستوفى مستقصى فيما يأتي من هذا الكتاب. فإن كان الكلام الموجز لا يدل على معناه دلالة ظاهرة فهو عندنا قبيح مذموم لا من حيث كان مختصراً بل من حيث كان المعنى فيه خافياً وإن كان يدل على معناه دلالة ظاهرة إلا أنها تخفى على البليد والبعيد الذهن ومن لا يسبق خاطره إلى تصور المعنى ولو كان الكلام طويلاً لجاز أن يقع لهم الفهم فليس هذا عندنا بموجب أن يكون الإسهاب في موضع من المواضع أفضل من الإيجاز.
كما أن النقوش الغليظة في كثير من الصناعات لا تكون أحسن من النقوش الدقيقة.
стр. 199
لأن تلك يدركها الضعيف البصر ويتعذر عليه إدراك هذه ولو اعتبرنا هذا في الكلام وفهم البليد له لاعتبرنا ذلك في النقوش وإدراك الضعيف البصر لهاً وهذا فاسد. ويلزم من ذهب إلى اختيار العبارة عن المعنى بالألفاظ الكثيرة من حيث كان ذلك سبباً لفهم عوام الناس ومن لا يسبق ذهنه إلى تصور المعنى أن يختار الألفاظ العامية المبتذلة على الألفاظ الفصيحة التي لم تكثر استعمالها العامة ولا ابتذلوهاً لأن علته في اختيار الطويل لأجل فهمهم له قائمة في الألفاظ المتبذلة ولا خلاف أنهم إلى فهمها أقرب من فهم ما يقل ابتذالهم له وهذا مما لا يذهب إليه أحد ولا التزامه ملتزم.
وقد قسموا دلالة الألفاظ على المعاني ثلاثة أقسام أحدها المساواة وهو أن يكون المعنى وفاضلاً عنه والثالث الإشارة وهو أن يكون المعنى زائداً على اللفظ. أي أنه لفظ موجز يدل على معنى طويل على وجه الإشارة واللمحة.
وقالوا: إن التذبيل يصلح للمواقف الجامعة وبحيث يكون الكلام مخاطباً به عامة الناس ومن لايسبق ذهنه إلى تصور المعاني والإشارة تصلح لمخاطبة الخلفاء والملوك ومن يقتضى حسن الأدب عنده التخفيف في خطابه وتجنب الإطالة فيما يتكلف سماعه والمساواة إلي هي الوسط بني هذين الطرفين من الإشارة والتذبيل تصلح للوسط بين الطرفين اللذين هما الملوك وعوام الناس. والذي عندي في هذا ما ذكرته وهو أن المختار في الفصاحة والدال على البلاغة هو أن يكون المعنى مساوياً للفظ أو زائداً عليه وأعنى بقولي زائداً عليه أن يكون اللفظ القليل يدل على المعنى الكثير دلالة واضحة ظاهرة لا أن تكون الألفاظ لفرط إيجازها قد ألبست المعنى وأغمضته حتى يحتاج في استنباطه إلى
стр. 200
طرف من التأمل ودقيق الفكر فإن هذا عندي عيب في الكلام ونقص على ماأبينه فيما بعد وقد دللت على اختيار الإيجاز والاختصار بما تقدم ويدل عليه أيضاً أن من اختار الإطالة وسماها التذبيل إنما حجته في ذلك أنه اعتبر الكلام بالإضافة إلى المخاطب به وليس للمخاطب تأثير في حسن تأليف الكلام وقبحه ولو جاز أن يعتبر الكلام بالإضافة إلى المخاطب لجاز أن يعتبر بالإضافة إلى المخاطب به حتى يكون ذلك مؤثراً في صحته أو فساده وحسنه أو قبحه وكنا نستحسن كلام العالم العاقل وإن كان ردئ التأليف ونستقبح كلام الجاهل وإن كان في أعلى طبقات الفصاحة حتى يكون شعر أبي عثمان الجاحظ وأبي إسحاق النظام أعظم عندنا من شعر أبي حية النميري ومن جرى مجراه وهذا مما لا يدخل في مثله شبهة. وسنتكلم على من يعتبر الكلام بالإضافة إلى زمان قائلة حتى يقدم كثيراً من المتقدمين على المحدثين بمجرد تقدمهم بما نستوفي الحجة فيه ونزيل موقع الشبهة وإن كانت ضعيفة لا تخفى على من طباعه سليمة وبنيته صحيحة.
وذكروا أن جعفر بن يحيى بن خالد١ كان يقول لكتابه: إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل التوقيف فافعلواً فهذا أمر لهم بالإيجاز وتجنب الإطالة وقد كان جعفر كبيراً في هذه الصناعة.
فأما قول قيس بن خارجة الفزاري لما قيل له ما عندك في حمالات داحس. قال: عندي قرى كل نازل ورضي كل ساخط وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب آمر فيها بالتواصل وأنهى عن التقاطع. فليس
стр. 201
ذلك من الإطالة في العبارة عن المعنى الواحد بالألفاظ الكثيرة لأنه يجوز أن يكون أراد خطبة تكثر فيها المعاني والألفاظ على ما قدمناه.
ومن أمثلة الإيجاز والاختصار قول الله ﵎: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ١.
لأن هذه الألفاظ على إيجازها قد عبر بها عن معنى كثير وذلك أن المراد يها أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل كان ذلك داعياً هل قوياً إلى أن لا يقدم على القتل فارتفع بالقتل الذي هو قصاص كثير من قتل بعضهم لبعض فكان ارتفاع التقل حياة لهم وهذا معنى إذا عبر عنه بهذه الألفاظ اليسيرة في قوله تعالى ولكم في القصاص حياة كان ذلك من أعلى طبقات الإيجاز.
وقد استحسن أيضاً في هذا المعنى قولهم: القتل أنفى للقتل. وبينه وبين لفظ القرآن تفاوت في البلاغة وذلك من وجوه: أحدها أنه ليس كل قتل ينفى القتل وإنما القتل الذي ينفيه ما كان على وجه القصاص والعدل ففي ذكر القصاص بيان للمعنى وكشف للغرض وثانيها أن في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ من إبانة الغرض المرغوب فيه بذكر الحياة ما ليس في قوله القتل أنفى للقتل وهذه زيادة في الإيضاح وثالثها أن نظير قوله القتل أنفى للقتل القصاص حياة والقصاص حياة أوجز لأنه عشرة أحرف والقتل أنفى للقتل أربعة عشر حرفاً ورابعها أن في القتل أنفى للقتل تكريراً وليس في القصاص حياة تكرير وقد قدمنا أن تكرير الحروف عيب في الكلام على ما ذكرناه فيما مضى من هذا الكتاب.
ومن الإيجاز أيضاً قوله ﵎: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا
стр. 202
فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ ١ وقوله ﵎: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ٣. وأمثال هذا في القرآن كثير.
والقصد الإيجاز فيما وقع فيه حذف كثير حتى حذفت الأجوبة لدلالة الكلام عليها كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ ٤.
كأنه يريد لكان هذا القرآن ولم يقل ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ ٥ كأنه يريد لما كان هذا كله حصلوا على النعيم الذي لا يشوبه كدر أو غير ذلك من الألفاظ ولم يقله. وفي هذا الحذف في الكلام مع الدلالة على المراد فائدة لأن النفس تذهب فيه كل مذهب ولو ورد ظاهراً في الكلام لاقتصر به على البيان الذي تضمنه فكان حذف الجواب أبلغ لهذه العلة. كما تقول: لو رأيت علياً بين الصفين وتحذف الجواب فيذهب السامع كل مذهب ولو قلت: لو رأيت علياً ﵇ بني الصفين لرأيت شجاعاً أو لرأيت رجلاً يقتل الأبطال أو ما يجري هذا المجرى لم يكن في العظم عند السامع بمنزلة حذف الجواب لأنه يذهب مع الحذف كل مذهب ولا يعول على نفس ما كان يرد في اللفظ فقط.
ومما قصد به الإيجار: حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه بحث يقع العلم ويزول اللبس كقوله ﵎: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ ٦ والمعنى أهل القرية وأصحاب العير.
стр. 203
وكان أبو الحسن عل نب عيسى الرماني يسمى هذا الجنس - وهو إسقاط كلمة لدلالة فحوى الكلام عليها: الحذف ويسمى بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف: القصر ويجعل الإيجار على ضربين القصر والحذف. وكان يسمى العبارة عن المعنى بالكلام الكثير. مع أن القليل يكفى فيه: التطويل ويسمى العبارة عن المعنى بالكلام الكثير الذي يستفاد منه إيضاح ذلك المعنى وتفصيلة: الإطناب ويجعل التطويل عيباً وعياً والأطناب حسناً ومحموداً.
وهذا المذهب من أبى الحسن موافق لما اخترناه لأنه يذهب إلى حسن الأطناب الذي هو عنده طول الكلام في فائدة وبيان وإخراج للمعنى في معاريض مختلفة وتفصيل له ليتحققه السامع ويستقر عنده فهمه وهذا هو الذي اخترناه وقلن أنه في إنه على التحقيق ألفاظ كثيرة ومعان كثيرة وكذلك قد وافقنا استقباح التطويل وحمد الإيجاز على ما فسره من معنييهما عنده.
ويجب أن نحد الإيجاز المحمود بأن نقول: هو إيضاح المعنى بأقل ما يمكن من اللفظ وهذا الحد أصح من حد أبي الحسن الرماني بأنه العبارة عن المعنى بأقل ما يمكن من اللفظ وإنما كان حدنا أولى لأنا قد احترزنا بقولنا: إيضاح من أن تكون العبارة عن المعنى وإن كانت موجزة غير موضحة له حتى يختلف الناس في فهمه فيسبق إلى قوم دون قوم بحسب أقساطهم من الذهن وصحة التصور فإن ذلك وإن كان يستحق لفظ الإيجاز والاختصار فليس بمحمود حتى يكون دلالة ذلك اللفظ على المعنى دلالة واضحة.
وقد قدمنا ما ورد في القرآن من أمثلة ذلك وإن كانت كثيرة يطول استقصاؤها ومنه قول أمير المؤمنين ﵇: قيمة كل امرئ ما يحسن فإن هذه الألفاظ على غاية الإيجاز وإيضاح المعنى وظهور حسنها يغنى عن وصفه.
стр. 204
وروى أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب عن أحمد بن يوسف الكاتب أنه قال: دخلت يوماً على المأمون وفي يده كتاب وهو يعاود قراءته تارة بعد أخرى ويصعد ويصوب فيه طرفه قال: فلما مرت على ذلك مدة من زمانه التفت إلى فقال: يا أحمد أراك مفكراً فيما تراه منى قلت: نعم! وفى الله أمير المؤمنين المكاره وأعاذه من المخاوف قال: فإنه لا مكروه في الكتاب ولكني قرأت فيه كلاماً وجدته نظير ما سمعت الرشيد يقوله في البلاغة فإني سمعته يقول: البلاغة التباعد عن الإطالة والتقرب من معنى البغية والدلالة بالقليل من اللفظ على المعنى وما كنت أتوهم أن أحداً يقدر على المبالغة في هذا المعنى حتى قرأت هذا الكتاب أتوهم أن أحداً يقدر على المبالغة في هذا المعنى حتى قرأت هذا الكتاب ورمى به إلى. وقال هذا كتاب عمرو بن مسعدة إلينا. قال: فقرأته فإذا فيه: كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من قواده وسائر أجناده في الانقياد والطاعة على أحسن ما يكون طاعة جند تأخرت أرزاقهم وانقياد كفاة تراخت أعطياتهم فاختلت لذلك أحوالهم والتاثت معه أمورهم فلما قرأته قال لي: إن استحساني إياه بعثني على أن أمرت للجد قبله بعطاياهم لسبعة أشهر وأنا على مجازاة الكاتب بما يستحقه من حل محله في صناعته.
وروى عن المأمون أيضاً: أنه أمر عمرو بن مسعدة أن يكتب لرجل يعنى به إلى بعض القمال وأن يختصر كتابه ما أمكنه حتى يكون ما يكتب به في سطر واحد فكتب إليه عمرو بن مسعدة: كتابي إليك كتاب واثق بمن كتبت إليه معنى بمن كتبت له ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله.
ومن أمثلة الإيجاز في النظم قول زهير:
فإني لو لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاه
стр. 205
لأن مقصوده إنني لو واجهتك لكان عندي مكافأة لك على كل أمر يبدو منك أنكره فقد أورد المعنى في لفظ قليل وبهذا كان يوصف شعره زهير أنه كثير الإيجاز مع الإيضاح لمعانيه.
ومن ذلك أيضاً قول امرئ القيس:
على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كز ولا وان١
لأنه جمع بقوله: أفانين جرى ما لو عد كان كثيراً وأضاف إلى ذلك أوصاف الجودة في الفرس بقوله: إنه يعطى قبل سؤاله أفانين جريه ولا يحتاج إلى حث ونفى عنه بقوله: غير كز ولا وان أن تكون معه الكزازة من قبل الجماح والمنازعة والوني من قبل الاسترخاء والفترة. فكان في هذا البيت جملة من وصف الفرس قد عبر بها عن معان كثيرة.
ومما يذكر من الإيجاز أيضاً قول امرأة من عكل: يا ابن الدعي إنه عكل:
يا بن الداعي إنه عكل فقف ... لتعلمن اليوم إن لم تنصرف
أن الكريم واللئيم مختلف
وهذا إجمال في المعنى وإيجاز في العبارة عنه.
ومن ذلك أيضاً قول الشريف الرضى:
مالوا على شعيب الرحال وأسندوا ... أيدي الطعان إلى قلوب تخفق٢
لأنه لما أراد أن يصف هؤلاء القوم بالشجاعة في متابعتهم الغرام والصبابة عبر عن ذلك بقوله: أيدي الطعان فأتى بأخصر ألفاظ وأوجزها.
стр. 206
ومن الإيجاز أيضاً قول عمر بن معد يكرب:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت
أي شقت لساني كما يجر لسان الفصيل يريد أنها اسكتتني
ومن هذا الفن أيضاً قول حميد بن ثور الهلالي:
أرى بصرى قد خانني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما
فإن قوله: وحسبك داء أن تصح وتسلما من الإيجاز الحسن. وكذلك قول نصيب.
فإن قوله: لو سكتوا اثنت عليك الحقائب من الكلام الحسن الموجز.
والأصل في مدح الإيجاز والاختصار في الكلام أن الألفاظ غير مقصودة في أنفسها وإنما المقصود هو المعاني والأغراض التي احتيج إلى العبارة عنها بالكلام فصار اللفظ بمنزلة الطريق إلى المعاني التي هي مقصودة وإذا كان طريقان يوصل كل واحد منهما إلى المقصود على سواء في السهولة إلا أن أحدهما أخصر وأقرب من الآخر فلا بد أن يكون المحمود منهما هو أخصرهما وأقربهما سلوكا إلى المقصد فإن تقارب اللفظان في الإيجاز وكان أحدهما أشد إيضاحاً للمعنى كان بمنزلة تساوى الطريقين في القرب وزيادة أحدهما بالسهولة. ومثل هذا قول أبى عبادة:
ولم أني ليلتنا في العناق ... لف الصبا بقضيب قضيبا
وقول غيره:
وضم لا ينهنهه اعتناق ... كما التف القضيب على القضيب
стр. 207
فإن هذين البيتين وأن تساويا في كمية الألفاظ فإن بيت أبي عبادة أوضح لأنه بين بذكر الصبا ما يلف القضيب على القضيب.
ومن ذلك أيضاً قول أبي القاسم المطرز البغدادي:
وردت وقد حل لي ماؤه ... فلما بكيت عليه حرم
وقول مهيار بن مرزويه:
فبيت مهيار وأن قارنت ألفاظه عدد ألفاظ بيت المطرز فقد تضمن من إيضاح المعنى ما لم يتضمنه بيت المطرز لأن قائلاً لو قال لم حرم الماء لما بكى عليه لو جب - في حق تفسير المعنى وإيضاحه - أن يقال: لأن دموعه كانت دماً غلب على هذا الماء والدم حرام فقد أتى مهيار بهذا التفسير في متن البيت.
وعلى هذا القياس يعتبر الإيضاح في الإيجاز لئلا يقع فيه إخلال بالمعنى وإشكال فيه ولذلك أمثله منها قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
أعاذل عاجل ما أشتهى ... أحب من الأكثر الرائث
لأنه أراد عاجل ما اشتهى مع القلة أحب إلى من الأكثر المبطي فترك مع القلة وبه تمام المعنى.
ومنها قول عروة بن الورد:
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... وفقدلهم عند الوغى كان أعذرا
كأنه أراد أن يقول: عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم في السلم
стр. 208
وقتلهم في الحرب أعذر فترك في السلم وبه يتم المعنى.
ومنها قول الحارث بن حلزة:
والعيش خير في ظلا ... ل النوك ممن عاش كدا١
فأراد أن يقول: والعيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال العقل فأخل بأكثر المعنى.
ومن أمثلة ذلك في النثر ما حكاه أبو الفرج قدامة بن جعفر أن بعضهم كتب في كتاب له: فإن المعروف إذا وحى٢ كان أفضل منه إذا توفر وأبطأ. فأراد أن يقول: أن المعروف إذا قل ووحا كان أفضل منه إذا كثر وأبطأن فترك ما بنى المعنى عليه وهو ذكر القلة. وكذلك كتب بعضهم: فما زال حتى أتلف ماله وهلك رجاله وقد كان ذلك في الجهاد والإبلاء أحق بأهل الحزم وأولى. فاخل بما فيه تمام المعنى وذلك أن الذي أراد: أنه أنفق ماله وأهلك رجاله في السلم والموادعة وقد كان ذلك في الجهاد أفضل فاخل بذكر السلم أو ما يقوم مقامه فصار المعنى ناقصاً.
ولحمد الإيجاز فضل أحد الشاعرين على صاحبه إذا كانا قد اشتركا في معنى وأوجز أحدهما في ألفاظه أكثر من الآخر ولهذا قدموا قول الشماخ بن ضرار:
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين٣
على قول بشر بن أبي حازم:
стр. 209
إذا ما المكرمات رفعن يوماً ... وقصر مبتغوها عن مداها
وضاقت أذرع المثرين عنها ... سما أوس إليها فاحتواها١
وإن كان ابن أبي خازم سبق الشماخ إلى المعنى إلا أنه جاء به في بيتين واختصره الشماخ فأتى به في بيت واحد.
ومن هذا القبيل أيضاً قول امرئ القيس:
إذا ما استحمت كان فيض حميمها ... على متنتيها كالجمان لدى الجالي٢
فإن امرئ القيس أتى بهذا التشبيه في بيت واحد وأخذه الوليد بن يزيد فأساء لأنه أتى به في بيتين فقال:
كأن الحميم على متنها ... إذا غرفته بأطساسها
جمان يجول على فضة ... جلته حدايد دواسها
على أن الوليد قد زاد في التشبيه بقوله: على فضة لكن بين ألفاظه وألفاظ امرئ القيس تفاوت لا يخفى.
فأما المساواة بين اللفظ والمعنى كما وصف بعض الأدباء رجلاً فقال: كانت ألفاظه قوالب لمعانيه أي هي مساوية لها لا يفضل أحدهما على الآخر وحد المساواة المحمودة هو إيضاح المعنى باللفظ الذي لا يزيد عنه ولا ينقص وقد احترزت بقولي: إيضاح مما احترزت منه في حد الإيجار لما أذهب إليه من قبح العبارة عن المعنى باللفظ الذي لا يوضحه وفرقت بين المساواة والتذييل بقولي: لا يزيد عنه لأن التذييل لفظ يزيد على المعنى وفرقت بين المساواة والإيجاز والإخلال بقولي: ولا ينقص لأن الإيجاز والإخلال لفظ ينقص عن المعنى إلا أن الفرق بين الإيجار والإخلال أن الإيجاز على ما ذكرناه إيضاح المعنى بأقل ما
стр. 210
يمكن من اللفظ والإخلال هو نقص المعنى باختصار اللفظ فقد فهم بهذا القول: الإيجاز والإخلال والمساواة والتذييل ولكل من ذلك أمثلة.
فأما أمثلة الإيجاز والإخلال فقد ذكرناها وأما أمثلة المساواة فكثيرة ومنها قول زهير:
ومهما يكن عند امرئ من خليفة ... ولو خالها تخفى على الناس تعلم
وقوله أيضاً:
إذا أنت لم تقصر عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل
وقوله طرفة بن العبد:
ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقول أبي نصر بن نباتة:
عسى ممسك الريح القبول يعيدها ... وينقص من أنفاسنا ويزيدها١
وقوله أيضاً:
إذا كان نقصان الفتى في تمامه ... فكل صحيح في الأنام عليل
وقول أبي الطيب:
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم
وقول أبي عبادة:
ما زال يسبق حتى قال حاسده ... له طريق إلى العلياء مختصر
стр. 211
وأمثال هذا أكثر من أن تحصى.
وأما التذييل: فهو العبارة عن المعنى بألفاظ تزيد عليه وإنما لم نقل في التذييل إيضاح المعنى كما قلنا في حد المساواة والإيجاز لما يذهب إليه من حمد الإيجاز والمساواة إذا كان المعنى فيهما واضحا فاحترزنا بالإيضاح من أن ندخل في الحد ما لا نحمده من المساواة والإيجاز اللذين يكون المعنى فيهما غامضاً خفيا فأما التذييل قانا على ما قدمناه لا نحمده في موضع من المواضع فلا معنى لاحترازنا بذكر الإيضاح في جده. فأما مثاله فكما وقفت لبعض الكتاب المتأخرين على فصل من كتاب له شفاعة وهو: وفلان بن فلان الرجل المشهور بالفروسية والرجلة والشجاعة والنجدة وله السن والحنكة والتجارب والدربة فهذا كله تطويل بإيراد ألفاظ كثيرة تدل على معنى واحد. وكذلك قول الشاعر:
فقدمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذباً ومينا
فالكذب والمين واحد
والفرق بين التطويل والحشو أن الحشو لفظ يتميز عن الكلام بأنه إذا حذف منه بقى المعنى على حاله والتطويل هو أن يعبر عن المعاني بألفاظ كثيرة كل واحد منها يقوم مقام الآخر فأي لفظ شئت من تلك الألفاظ حذفته وكان المعنى على حاله وليس هو لفظاً متميزاً مخصوصاً كما كان الحشو لفظاً متميزاً مخصوصا يبين ذلك أن الحشو على ما قدمناه من وصفه نحو قول أبي عدي:
نحن الرؤس وما الرؤس إذا سمت ... في المجد للأقوام كالأذناب
فللأقوام هو الحشو لأن هذه اللفظة دون ألفاظ البيت هي التي إذا حذفت منه بقي المعنى بحاله والتطويل مثل ما حكيناه في قوله: الرجل
стр. 212
المشهور بالفروسية والرجلة والشجاعة والنجدة. لأن هذه الألفاظ كلها بمعنى واحد فأنت أن شئت حذفت الرجلة وإن شئت حذفت الشجاعة وإن شئت حذفت النجدة وإن حذفتهما معاً بقي الكلام بحاله فهذا هو الفرق بين الحشو والتطويل وعلى أن الحشو في الأكثر إنما يقع في النظم لأجل الوزن وفي النثر لأجل تساوى الفصول أو الأسجاع ويجب أن يعتبر الكلام في التطويل والحشو والمساواة والإيجاز والإخلال بهذا الاعتبار وهو أن يتأمل الكلام المؤلف فإن كان المعنى فيه ناقصاً غير مستوفى فذلك الإخلال. وإن كان المعنى تاماً فلا يخلو أن يكون في الألفاظ ما إذا حذفته بقي المعنى بحاله أو ليس في الألفاظ ما إذا حذف بقى المعنى بحاله فإن كان فيها ما إذا حذف بقى المعنى بحاله فلا يخلو من أن يتميز ذلك اللفظ الزائد من غيره أو لا يتميز فإن لم يتميز فتلك الإطالة وأن تميز فذلك الحشو وإن لم يكن في الكلام ما إذا حذف بقي المعنى بحاله فلا يخلو من أن يكون تمكن العبارة عن ذلك المعنى بأقل من تلك الألفاظ أو لا تمكن فإن كان تمكن العبارة عن ذلك المعنى بأقل من ذلك اللفظ فتلك المساواة وإن كان لا تمكن العبارة عن ذلك المعنى بأقل من ذلك اللفظ فذلك هو الإيجاز. فبهذا يصح لك اعتبار الأقسام المذكورة ولا يخفى شئ منها على المتأمل.
ومن شروط الفصاحة والبلاغة: أن يكون معنى الكلام واضحاً ظاهراً جلياً لا يحتاج إلى فكر في استخراجه وتأمل لفهمه وسواء كان ذلك الكلام الذي لا يحتاج إلى فكر منظوماً أو منثوراً.
وإنما احتجنا إلى هذا التفصيل لأن أبا اسحق إبراهيم بن هلال الصابي غلط في هذا الموضع فزعم أن الحسن من الشعر ما أعطاك معناه بعد مطاولة وممطالطة والحسن من النثر ما سبق معناه لفظه ففرق بين النظم والنثر في هذا الحكم ولا فرق بينهما ولا شبهة تعترض المتأمل في ذلك.
стр. 213
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أناقد بينا أن الكلام غير مقصود في نفسه وإنما احتيج إليه ليعبر الناس عن أغراضهم ويفهموا المعاني التي في نفوسهم فإذا كانت الألفاظ غير دالة على المعاني ولا موضحة لها فقد رفض الغرض في أصل الكلام وكان ذلك بمنزلة من يصنع سيفاً للقطع ويجعل حده كليلا ويعمل وعاء لما يريد أن يحرزه فيقصد إلى أن يجعل فيه خروفاً تذهب ما يوعن فيه. فإن هذا مما لا يعتمده عاقل ثم لا يخلو أن يكون المعبر عن غرضه بالكلام يريد إفهام ذلك المعنى أولا يريد إفهامه فإن كان يريد إفهامه فيجب أن يجتهد في بلوغ هذا الغرض بإيضاح اللفظ ما أمكنه: وإن كان لا يريد إفهامه فليدع العبارة عنه فهو أبلغ في غرضه.
وإذا كان هذا مفهوماً فالأسباب التي لأجلها يغمض الكلام على السامع سنة: اثنان منها في اللفظ بانفراده واثنان في تأليف الألفاظ بعضها مع بعض واثنان في المعنى.
فأما اللذان في اللفظ بانفراده فأحدهما أن تكون الكلمة غريبة كما ذكرنا فيما تقدم من وحشي اللغة العربية والآخر أن تكون الكلمة من الأسماء المشتركة في تلك اللغة كالصدى الذي هو العطش والطائر والصوت الحادث في بعض الأجسام.
وأما اللذان في تأليف الألفاظ فأحدهما فرط الإيجاز كبعض الكلام الذي يروى عن بقراط في علم الطب والآخر إغلاق النظم كأبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي وغيره. وكما يروى من كلام أرسطو طاليس في المنطق.
وأما اللذان في المعني فأحدهما أن يكون في نفسه دقيقاً ككثير من مسائل الكلام في اللطيف والآخر أن يحتاج في فهمه إلى مقدمات إذا
стр. 214
تصورت بني ذلك المعنى عليها فلا تكون المقدمات حصلت للمخاطب فلا يقع له فهم المعنى كالذي يريد فهم فروع الكلام والنحو وغيرهما من العلوم قبل الوقوف على الأصول التي بنيت تلك الفروع عليها.
وإذا كان هذا واضحاً فإن استعمال الألفاظ الغريبة الوحشية نقص في الفصاحة التي هي الظهور والبيان على ما قدمنا من ذلك فيما مضى من كتابنا هذا فأما استعمال الألفاظ المشتركة كالصدى فإنه يحسن في فصيح الكلام إذا كان في اللفظ دليل على المقصود مثل قول أبي الطيب:
ودع كل صوت دون صوتي فإنني ... أنا الطائر المحكى والآخر الصدى
فإن الصدا ها هنا لا يشكل بالصدى الذي هو الطعش ولا يسبق ذلك إلى فهم أحد من السامعين فأما إن كان ذلك في موضع يشكل فليس ذلك بموافق للفصاحة.
وأما السببان اللذان في التأليف وهما إفراط الإيجاز وإغلاق اللفظ فمن شروط الفصاحة والبلاغة أن يسلم الكلام منهما لما قدمناه من الدلالة على ذلك.
وأما السببان اللذان في المعاني وهما دقة المعنى في نفسه وحاجته إلى الإحاطة بأصل قد بني عليه فليس في أن يجعل المعنى الدقيق ظاهراً جلياً جله للمعبر عنه لكن يحتاج أن يحسن العبارة عنه ويبالغ في إيضاح الدلالة ليكون ما في المعنى من الدقة واللطافة بآزاء ما في العبارة عنه من الظهور والفصاحة وكذلك يحتاج السامع إلى إحكام الأصل قبل أن يقصد إلى فهم الفرع ويحتاج المخاطب إلى ذكر المقدمات إذا كان غرضه أن يفهم المخاطب كلامه.
стр. 215
فإن قيل: فما تقولون في تأخير البيان عن وقت الخطاب أيجوز عندكم أم لا يجوز فإن منعتم من جوازه كان قولكم مطردا وأن أجزتموه فما وجه إنكاركم إغلاق اللفظ ومطالبتكم بإيضاح المعنى وبيان المراد مع قولكم بتأخير البيان عن وقت الخطاب قيل الجواب: إنا لا نذهب إلى أن كل أمر يؤثر في الفصاحة وتعتبر سلامة أعلى طبقاتها منه غير جائز في الاستعمال ولا سائغ في الكلام وكيف نقول ذلك وقد قدمنا من شروط الفصاحة أن تكون الكلمة مبنية من حروف متباعدة المخارج وغير كثيرة الحروف ومع ذلك فألفاظ العرب المبنية من الحروف المتقاربة المخارج والكثيرة الحروف أكثر من أن تحصى وقد استعملوا تلك الألفاظ في الفصيح من كلامهم وكذلك إذا قلنا من شروط الفصاحة الإيجاز لم يكن ذلك منعاً لجواز الإسهاب ولا رفضاً لاستعماله وإنما مقصودنا أن هذا النحو أحسن من هذا النحو وبهذا الوجه يستدل على الفصاحة أكثر من هذا الوجه. فإذا كان هذا بينا فلو قلنا بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لم يكن ذلك مناقضاً لقولنا: إن مقارنة البيان لوقت الخطاب أحسن وإلى حيز الفصاحة والبلاغة أقرب لأن لا نتكلم في هذا الموضع على الجائز والممتنع وإنما كلامنا على الأفصح والأحسن.
على أن من منع من جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إنما علل ذلك لأنه خطاب لا يفهم منه المراد فجرى في القبح مجرى خطاب العربي بالزنجية ومن أجازه فرق بين الخطاب بالزنجية وبين تأخير البيان بأن في الخطاب مع تأخير البيان بعض الفائدة البيان بعض الفائدة والفهم للمراد كتوطين النفس على الفعل والعزم عليه إن كان الخطاب أمراً وليس في الخطاب للعربي بالزنجية ذلك. فقد وقع والإجماع على انه متى لم يفهم من الخطاب شئ كان قبيحاً.
فإن قيل: كلامكم الماضي يدل على أن في القرآن ما بعضه أفصح