← Адаб

Адаб · id 11239

سر الفصاحة

ابن سنان الخفاجي

Полный текст (286 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأمثال هذا أكثر من أن تحصى. وأما التذييل: فهو العبارة عن المعنى بألفاظ تزيد عليه وإنما لم نقل في التذييل إيضاح المعنى كما قلنا في حد المساواة والإيجاز لما يذهب إليه من حمد الإيجاز والمساواة إذا كان المعنى فيهما واضحا فاحترزنا بالإيضاح من أن ندخل في الحد ما لا نحمده من المساواة والإيجاز اللذين يكون المعنى فيهما غامضاً خفيا فأما التذييل قانا على ما قدمناه لا نحمده في موضع من المواضع فلا معنى لاحترازنا بذكر الإيضاح في جده. فأما مثاله فكما وقفت لبعض الكتاب المتأخرين على فصل من كتاب له شفاعة وهو: وفلان بن فلان الرجل المشهور بالفروسية والرجلة والشجاعة والنجدة وله السن والحنكة والتجارب والدربة فهذا كله تطويل بإيراد ألفاظ كثيرة تدل على معنى واحد. وكذلك قول الشاعر: فقدمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذباً ومينا فالكذب والمين واحد والفرق بين التطويل والحشو أن الحشو لفظ يتميز عن الكلام بأنه إذا حذف منه بقى المعنى على حاله والتطويل هو أن يعبر عن المعاني بألفاظ كثيرة كل واحد منها يقوم مقام الآخر فأي لفظ شئت من تلك الألفاظ حذفته وكان المعنى على حاله وليس هو لفظاً متميزاً مخصوصاً كما كان الحشو لفظاً متميزاً مخصوصا يبين ذلك أن الحشو على ما قدمناه من وصفه نحو قول أبي عدي: نحن الرؤس وما الرؤس إذا سمت ... في المجد للأقوام كالأذناب فللأقوام هو الحشو لأن هذه اللفظة دون ألفاظ البيت هي التي إذا حذفت منه بقي المعنى بحاله والتطويل مثل ما حكيناه في قوله: الرجل

стр. 212

المشهور بالفروسية والرجلة والشجاعة والنجدة. لأن هذه الألفاظ كلها بمعنى واحد فأنت أن شئت حذفت الرجلة وإن شئت حذفت الشجاعة وإن شئت حذفت النجدة وإن حذفتهما معاً بقي الكلام بحاله فهذا هو الفرق بين الحشو والتطويل وعلى أن الحشو في الأكثر إنما يقع في النظم لأجل الوزن وفي النثر لأجل تساوى الفصول أو الأسجاع ويجب أن يعتبر الكلام في التطويل والحشو والمساواة والإيجاز والإخلال بهذا الاعتبار وهو أن يتأمل الكلام المؤلف فإن كان المعنى فيه ناقصاً غير مستوفى فذلك الإخلال. وإن كان المعنى تاماً فلا يخلو أن يكون في الألفاظ ما إذا حذفته بقي المعنى بحاله أو ليس في الألفاظ ما إذا حذف بقى المعنى بحاله فإن كان فيها ما إذا حذف بقى المعنى بحاله فلا يخلو من أن يتميز ذلك اللفظ الزائد من غيره أو لا يتميز فإن لم يتميز فتلك الإطالة وأن تميز فذلك الحشو وإن لم يكن في الكلام ما إذا حذف بقي المعنى بحاله فلا يخلو من أن يكون تمكن العبارة عن ذلك المعنى بأقل من تلك الألفاظ أو لا تمكن فإن كان تمكن العبارة عن ذلك المعنى بأقل من ذلك اللفظ فتلك المساواة وإن كان لا تمكن العبارة عن ذلك المعنى بأقل من ذلك اللفظ فذلك هو الإيجاز. فبهذا يصح لك اعتبار الأقسام المذكورة ولا يخفى شئ منها على المتأمل. ومن شروط الفصاحة والبلاغة: أن يكون معنى الكلام واضحاً ظاهراً جلياً لا يحتاج إلى فكر في استخراجه وتأمل لفهمه وسواء كان ذلك الكلام الذي لا يحتاج إلى فكر منظوماً أو منثوراً. وإنما احتجنا إلى هذا التفصيل لأن أبا اسحق إبراهيم بن هلال الصابي غلط في هذا الموضع فزعم أن الحسن من الشعر ما أعطاك معناه بعد مطاولة وممطالطة والحسن من النثر ما سبق معناه لفظه ففرق بين النظم والنثر في هذا الحكم ولا فرق بينهما ولا شبهة تعترض المتأمل في ذلك.

стр. 213

والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أناقد بينا أن الكلام غير مقصود في نفسه وإنما احتيج إليه ليعبر الناس عن أغراضهم ويفهموا المعاني التي في نفوسهم فإذا كانت الألفاظ غير دالة على المعاني ولا موضحة لها فقد رفض الغرض في أصل الكلام وكان ذلك بمنزلة من يصنع سيفاً للقطع ويجعل حده كليلا ويعمل وعاء لما يريد أن يحرزه فيقصد إلى أن يجعل فيه خروفاً تذهب ما يوعن فيه. فإن هذا مما لا يعتمده عاقل ثم لا يخلو أن يكون المعبر عن غرضه بالكلام يريد إفهام ذلك المعنى أولا يريد إفهامه فإن كان يريد إفهامه فيجب أن يجتهد في بلوغ هذا الغرض بإيضاح اللفظ ما أمكنه: وإن كان لا يريد إفهامه فليدع العبارة عنه فهو أبلغ في غرضه. وإذا كان هذا مفهوماً فالأسباب التي لأجلها يغمض الكلام على السامع سنة: اثنان منها في اللفظ بانفراده واثنان في تأليف الألفاظ بعضها مع بعض واثنان في المعنى. فأما اللذان في اللفظ بانفراده فأحدهما أن تكون الكلمة غريبة كما ذكرنا فيما تقدم من وحشي اللغة العربية والآخر أن تكون الكلمة من الأسماء المشتركة في تلك اللغة كالصدى الذي هو العطش والطائر والصوت الحادث في بعض الأجسام. وأما اللذان في تأليف الألفاظ فأحدهما فرط الإيجاز كبعض الكلام الذي يروى عن بقراط في علم الطب والآخر إغلاق النظم كأبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي وغيره. وكما يروى من كلام أرسطو طاليس في المنطق. وأما اللذان في المعني فأحدهما أن يكون في نفسه دقيقاً ككثير من مسائل الكلام في اللطيف والآخر أن يحتاج في فهمه إلى مقدمات إذا

стр. 214

تصورت بني ذلك المعنى عليها فلا تكون المقدمات حصلت للمخاطب فلا يقع له فهم المعنى كالذي يريد فهم فروع الكلام والنحو وغيرهما من العلوم قبل الوقوف على الأصول التي بنيت تلك الفروع عليها. وإذا كان هذا واضحاً فإن استعمال الألفاظ الغريبة الوحشية نقص في الفصاحة التي هي الظهور والبيان على ما قدمنا من ذلك فيما مضى من كتابنا هذا فأما استعمال الألفاظ المشتركة كالصدى فإنه يحسن في فصيح الكلام إذا كان في اللفظ دليل على المقصود مثل قول أبي الطيب: ودع كل صوت دون صوتي فإنني ... أنا الطائر المحكى والآخر الصدى فإن الصدا ها هنا لا يشكل بالصدى الذي هو الطعش ولا يسبق ذلك إلى فهم أحد من السامعين فأما إن كان ذلك في موضع يشكل فليس ذلك بموافق للفصاحة. وأما السببان اللذان في التأليف وهما إفراط الإيجاز وإغلاق اللفظ فمن شروط الفصاحة والبلاغة أن يسلم الكلام منهما لما قدمناه من الدلالة على ذلك. وأما السببان اللذان في المعاني وهما دقة المعنى في نفسه وحاجته إلى الإحاطة بأصل قد بني عليه فليس في أن يجعل المعنى الدقيق ظاهراً جلياً جله للمعبر عنه لكن يحتاج أن يحسن العبارة عنه ويبالغ في إيضاح الدلالة ليكون ما في المعنى من الدقة واللطافة بآزاء ما في العبارة عنه من الظهور والفصاحة وكذلك يحتاج السامع إلى إحكام الأصل قبل أن يقصد إلى فهم الفرع ويحتاج المخاطب إلى ذكر المقدمات إذا كان غرضه أن يفهم المخاطب كلامه.

стр. 215

فإن قيل: فما تقولون في تأخير البيان عن وقت الخطاب أيجوز عندكم أم لا يجوز فإن منعتم من جوازه كان قولكم مطردا وأن أجزتموه فما وجه إنكاركم إغلاق اللفظ ومطالبتكم بإيضاح المعنى وبيان المراد مع قولكم بتأخير البيان عن وقت الخطاب قيل الجواب: إنا لا نذهب إلى أن كل أمر يؤثر في الفصاحة وتعتبر سلامة أعلى طبقاتها منه غير جائز في الاستعمال ولا سائغ في الكلام وكيف نقول ذلك وقد قدمنا من شروط الفصاحة أن تكون الكلمة مبنية من حروف متباعدة المخارج وغير كثيرة الحروف ومع ذلك فألفاظ العرب المبنية من الحروف المتقاربة المخارج والكثيرة الحروف أكثر من أن تحصى وقد استعملوا تلك الألفاظ في الفصيح من كلامهم وكذلك إذا قلنا من شروط الفصاحة الإيجاز لم يكن ذلك منعاً لجواز الإسهاب ولا رفضاً لاستعماله وإنما مقصودنا أن هذا النحو أحسن من هذا النحو وبهذا الوجه يستدل على الفصاحة أكثر من هذا الوجه. فإذا كان هذا بينا فلو قلنا بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لم يكن ذلك مناقضاً لقولنا: إن مقارنة البيان لوقت الخطاب أحسن وإلى حيز الفصاحة والبلاغة أقرب لأن لا نتكلم في هذا الموضع على الجائز والممتنع وإنما كلامنا على الأفصح والأحسن. على أن من منع من جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إنما علل ذلك لأنه خطاب لا يفهم منه المراد فجرى في القبح مجرى خطاب العربي بالزنجية ومن أجازه فرق بين الخطاب بالزنجية وبين تأخير البيان بأن في الخطاب مع تأخير البيان بعض الفائدة البيان بعض الفائدة والفهم للمراد كتوطين النفس على الفعل والعزم عليه إن كان الخطاب أمراً وليس في الخطاب للعربي بالزنجية ذلك. فقد وقع والإجماع على انه متى لم يفهم من الخطاب شئ كان قبيحاً. فإن قيل: كلامكم الماضي يدل على أن في القرآن ما بعضه أفصح

стр. 216

من بعض وفي الناس من يخالفكم ويأبى ذلك فما عندكم فيه قلنا: أما زيادة بعض القرآن على بعض في الفصاحة فالأمر منه ظاهر لا يخفى على من علق بطرف من هذه الصناعة وشدا شيئاً يسيرا١ وما زال الناس يفردون مواضع من القرى يعجبون منها في البلاغة وحسن التأليف كقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ٤. وقوله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ ٥. وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ٦. وأمثال هذا ونظائره كثير. فلو كانوا يذهبوا إلى تساويه في الفصاحة لم يكن لإفرادهم هذه المواضع المعينة المخصوصة دون غيرها معنى وإنما تدخل الشبهة في هذا ومثله على الأعاجم من الفقهاء والمتكلمين لجهلهم بهذه الصناعة وعدم فهمهم لقوانينها. فإن من عجيب أمرهم أن أحدهم إذا حاول ابتياع ثوب أو دابة وعلم أن غيرهن أخبر بذلك الجنس منه لم يرض بمقدار علمه حتى يرجع إلى من تظن معرفته بالثياب أو الدواب فيستفتيه ويقلده ويقبل رأيه كل ذلك خوفاً من أن يستمر عليه الغبن في شئ من ماله وإذا وصل إلى الكلام في كتاب الله تعالى ووجه

стр. 217

إعجازه ما هو وهل هو صرف العرب عن معارضته أو علوه عن كلامهم بفصاحته وكان ذلك يحتاج إلى صناعة لا يفهمها وعلوم لا يعرف شيئاً منها لم ير أن يرجع إلى أقوال العلماء بتلك الصناعة والمهتمين بفهم أسرار تلك العلوم. بل قال بغير حجة وأفتى من غير معرفة ورضي أن يغبن عقله ودينه من الموضع الذي تحرز فيه وأشفق أن يغبن شيئاً من ماله. وليت شعري أي فرق بين أن يخلق الله وجهين أحدهما أحسن وأصبح من الآخر وبين أن يحدث كلامين أحدهما أبلغ وأفصح من الآخر وهل من يفرق بينهما إلا مقترح. ثم ليس أحد ممن ينكر أن يكون بعض القرآن أفصح من بعض يتمنع من القطع على أن القرآن في لغته أفصح من التوراة في لغتها والإنجيل في لغته والزبور في لغته لأن تلك الكتب عنده لم تكن معجزة لخرقها العادة بالفصاحة وإن كان الجميع كلام الله تعالى. فما المانع من أن يكون بعض كلامه الذي هو القرآن أفصح من بعض حتى تكون آية منه أفصح من آية والجميع كلام الله كما جاز عنده أن يكون القرآن أفصح من الإنجيل وإن كان الجميع كلام الله وهذا لا يخفى على محصل. فإن قيل: الذي يمنع أن يكون بعض القرآن أفصح من بعض. القول بأن قدر كل سورة من قصار سور المفضل منه قد خرق العادة في الفصاحة بفصاحته وكان معجزاً لعلوه في الفصاحة وما كان خارفاً للعادة. في الفصاحة لا يكون غيره أفصح منه. قيل: الجواب عن هذا أولا أن الصحيح أن وجه الإعجاز في القرآن هو صرف العرب عن معارضنته وأن فصاحته قد كانت في مقدورهم لولا الصرف وهذا هو المذهب الذي يعول عليه أهل هذه الصناعة وأرباب هذا العلم وقد سطر عليه من الأدلة ما ليس هذا موضع ذكره فالسؤال على هذا

стр. 218

المذهب ساقط. ثم لو سلم أن وجه الإعجاز هو الفصاحة لم يمنع أن يكون كلام معجز يخرق العادة بفصاحته أفصح من كلام معجز يخرق العادة بفصاحته فإن نبياً لو أظهر الله على يده معجزاً - وهو حمله ألف رطل - لم يمنع أن يظهر على يده أو على يد بني غيره معجزا آخر وهو حمل ألفي رطل فيكون المعجزان أحدهما أعظم من الآخر مع كون كل واحد منهما معجزاً. فإن قيل: فما تقولون في الكلام الذي وضع لغزاً وقصد ذلك فيه. قيل: إن الموضوع على وجه الألغاز قد قصد قائله إغماض المعنى وإخفاءه وجعل ذلك فناً من الفنون التي يستخرج بها أفهام الناس وتمتحن أذهانهم فلما كان وضعه على خلاف وضع الكلام في الأصل كان القول فيه مخالفاً لقولنا في فصيح الكلام حتى صار يحسن فيه ما كان ظاهره يدل على التناقض. أو ما جرى مجرى ذلك. كما قال بعضهم في الشمع: تحيا إذا ما رؤسها قطعت ... وهن في الليل أنجم زهر وقد كان شيخنا أبو العلاء يستحسن هذا الفن ويستعمله في شعره كثيرا ومنه قوله: وجبت سرابياً كأن أكامه ... جوار ولكن ما لهن نهود تمجس حرباء الهجير وحوله ... رواهب خيط والنهار يهود١ فألغز بقوله: جوار عن الجواري من الناس وهو يريد كأنهن يجرين في السراب وبقوله: نهود عن نهود الجوارى وهو يريد بنهود نهوض أي كأنهن يجرين في السراب وما لهن على الحقيقة نهوض.

стр. 219

وأراد بقوله: تمجس الحرباء أي صار لاستقباله الشمس كالمجوس التي تعبدها وتسجد لها وجعل الرواهب النعام لسوادها ويهود: يرجع وهو يلغز بذلك عن اليهود لما ذكر المجوس والرواهب. وكذلك قوله: إذا صدق الجد اتفرى العم للفتى ... مكارم لا تكرى وإن كذب الخال١ لأنه يريد بالجد: الحظ وبالعم: الجماعة من الناس وبالخال: المخيلة وقد ألغز بذلك عن العم والجد والخال من النسب. فهذا وأمثاله ليس من الفصاحة بشئ وإنما هو مذهب مفرد وطريقة أخرى. فإن قيل: فما عندكم في الحكاية التي تحكى عن أبي تمام أنه لما قصد عبد الله ابن طاهر بقصيدته التي أولها: أهن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزماً فقدماً أدرك السؤل طالبه وعرض هذه القصيدة على أبي العميثل صاحب عبد الله بن طاهر٢ وشاعره. فقال له أبو العميثل عند إنشاده أول القصيدة -: لم لا تقول يا أبا تمام من الشعر ما يفهم. فقال: وأنت يا أبا العميثل لم لا تفهم من الشعر ما يقال فانقطع أبو العميثل: قيل: إن الذي قاله أبو تمام وأبو العميثل صحيح لأن أبا العميثل طلب من أبي تمام إذ كان حاذقاً في صناعة الشعر وقد قصد مثل عبد الله بن طاهر بالمديح أن

стр. 220

يكون شعره مفهوماً واضحاً يسبق معناه لفظه فكان هذا من أبي العميثل كلاماً صحيحاً في موضعه وطلب أبو تمام من أبي العميثل إذ كان يدعى علم الشعر ويتحقق بالأدب ويخدم عبد الله بن طاهر في اعتراض قصائد الشعراء وترتيبهم على مقدار ما يستحقه كل منهم بحظه من الصناعة أن يكون يفهم معاني الشعر ويطلع على الغامض والظاهر منها وكان هذا من أبي تمام أيضاً كلاماً صحيحا وكانا فيه بمنزلة من يقول لصاحبه لم فعلت ذلك الفعل وهو قبيح. فيقول كما فعلت أنت ذلك الفعل الآخر وهو قبيح فيكون كل واحد منهما قد أجاب من طريق الجدل وإن كان لم يدل على أنه أصاب وأخطأ صاحبه. وإذا كان هذا مفهوماً فأمثله الكلام الذي يظهر معناه ولا يحتاج إلى الفكر في استخراجه كثيرة وعامة شعر أبي عبادة البحتري عليه فأمام الذي يسأله عن معناه ويفكر في فهمه فكالأبيات التي من شعر أبي الطيب المتنبي وقد نعاها عليه الصاحب أبو القاسم بن عباد ﵀ وكان يسميها رقى العقارب والناس إلى اليوم مختلفون في معاني بعضها وكل يذهب إلى فن ويسبق خاطره إلى غرض كقوله: ذم الزمان إليه من أحبته ... ماذم من بدره في حمد أحمده وقوله: عيون رواحلي إن جزت عيني ... ولك بغام رازحة يغامي١ فأما غير ذلك مما قد فهم معناه ولم يختلف فيه إلا أنه مع ذلك لا يخرج إلا بطرف من الفكر فكقوله:

стр. 221

ودون الذي ينعون ما لو تخلصوا ... إلى الموت منه عشت والطفل أشيب وقوله أيضاً: سرب محاسنه حرمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موصوفاتها١ وقوله: رجلاه في الركض رجل واليدان يد ... وفعله ما تريد الكف والقدم وأمثال هذا له ولغيره كثير. وقد قال بشر بن المعتمر في وصيته: إياك والتوعر في الكلام فإنه يسلمك إلى التعقيد والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويمنعك من مراميك. وحكى أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ عن بعض من وصف البلاغة. فقال: ينبغي أن يكون الاسم للمعنى طبقاً وتلك الحال له وفقاً ولا يكون الاسم لا فاضلاً ولا مقصراً ولا مشتركاً ولامضمناً. فهذا كله يدل على صحة ما قلناه وإن كانت الشبهة لا تعترض فيه لمتأمل. ومن نعوت البلاغة والفصاحة: أن تراد الدلالة على المعنى فلا يستعمل اللفظ الخاص الموضوع له في اللغة بل يؤتى بلفظ يتبع ذلك المعنى

стр. 222

ضرورة فيكون في ذكر التابع دلالة على المتبوع وهذا يسمى الإرداف والتتبيع لأنه يؤتى فيه بلفظ هو ردف اللفظ المخصوص بذلك المعنى وتابعه والأصل في حسن هذا أنه يقع فيه من المبالغة في الوصف ما لا يكون في نفس اللفظ المخصوص بذلك المعنى ومثاله قول عمر بن أبي ربيعة: بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم١ فإنه إنما أراد أن يصف هذه المرأة بطول العنق فلو عبر عن ذلك باللفظ الموضوع له لقال طويلة العنق فعدل عن ذلك وأتى بلفظ يدل عليه وليس هو الموضع له. فقال: بعيدة مهوى القرط فدل بعد مهوى قرطها على طول الجيد وكان في ذلك من المبالغة ما ليس في قوله: طويلة العنق لأن بعد مهوى القرط يدل على طول أكثر من الطول الذي يدل عليه طويلة العنق لأن كل بعيدة مهوى القرط طويلة العنق وليس كل طويلة العنق بعيدة مهوى القرط إذا كان الطول في عنقها يسيرا وهذا موضع يجب فهمه. ومنه قول امرئ القيس: وتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل٢ فإنه لما أراد أن يصف ترفه هذه المرأة ونعمتها. قال: نؤوم الضحى يبقى فتيت المسك فوق فراشها لم تنتطق لتخدم نفسها فعبر بذلك عن غناها وترفهها وخفص عيشها وأتى بألفاظ تدل على ذلك أبلغ مما يدل عليه قوله: إنها غنية مرفهة.

стр. 223

وكذلك قوله: وقد اغتدى والطير في وكناتها١ ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل لأنه أراد أن يصف الفرس بالسرعة فلم يقل إنه سريع وقال: قيد الأوابد وهي الوحوش أي أنه إذا طلبها على هذا الفرس لحقها لسرعته فكأنه قيدها له وفي هذا من المبالغة ما ليس في وصف الفرس بأنه سريع لأن الفرس قد يكون سريعاً ولا يلحق الوحش حتى تصير بمنزلة المقيدة له. وقد استحسن الناس هذا اللفظ من امرئ القيس حتى قالوا: هو أول من قيد الأوابد. وأصحاب صناعة البلاغة يذكورن الأرداف ولا يشرحون العلة في سببه وحسنه من المبالغة التي نبهنا عليها ومنه في النثر قول أعرابية وصفت رجلاً فقالت: لقد كان فيهم عمار وما عمار طلاب بأوتار لم تخمد له قط نار. فأرادت بقولها: لم تخمد له قط نار كثرة إطعامه الطعام فلم تأت بذلك اللفظ بعينه بل بلفظ هو أبلغ في المقصود لأن كثيراً ممن يطعم الطعام تخمد ناره في وقت. وكذلك قول الأخرى: له إبل قليلات المسارح كثيرات المبارك وإذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك. فأرادت: أن هذا الرجل ينحر إبله فقل ما تسرح وتبعد في المرعى لأنه يبركها بفنائه ليقرب عليه نحرها للضيوف والمزهر العود الذي يغنى به فإذا سمعت الإبل صوته أيقنت أنها هوالك لما قد اعتادته من نحره لها إذا سمع الغناء وانتشى وذلك لاتعتاده الإبل وتفهمه إلا مع الاستمرار والدوام.وهذا كله أبلغ من قولها: إنه ينحر الإبل على ما قدمناه وبيناه. ومن هذا الفن من الإرداف قول أبي عبادة:

стр. 224

فأوجرته أخرى فأضللت نصله ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد١ لأنه أراد القلب فلم يعبر عنه باسمه الموضوع له وعدل إلى الكناية عنه بما يكون اللب والرعب والحقد فيه وكان ذلك أحسن لأنه إذا ذكره بهذه الكنايات كان قد دل على شرفه وتميزه عن جميع الجسد بكون هذه الأشياء فيه وأنه أصاب هذا المرمى في أشرف موضع منه. ولو قال: أصبته في قلبه لم يكن في ذلك دلالة على أن القلب أشرف أعضاء الجسد فعلى هذا السبيل يحسن الإرداف. ومما يجرى مجرى قول أبي عبادة قول غيره: ٢ الضاربين بكل أبيض مخذم ... والطاعنين مجامع الأضغان وفيما ذكرناه كفاية في الدلالة على كل ما هو من هذا الجنس. ومن نعوت الفصاحة والبلاغة: أن يراد معنى فيوضح بألفاظ تدل على مغنى آخر وذلك المعنى مثال للمعنى المقصود وسبب حسن هذا مع ما يكون فيه من الإيجاز أن تمثيل المعنى يوضحه ويخرجه إلى الحس والمشاهدة وهذه فائدة التمثيل في جميع العلوم لأن المثال لا بد من أن يكون أظهر من الممثل فالغرض بإيراده إيضاح المعنى وبيانه ومن هذا الفن قول الرماح بن ميادة: ألم تك في يمنى يديك جعلتني ... فلاتجعلني بعدها في شمالكا فأراد: أني كنت عندك مقدما فلا تؤخرني ومقربا فلا تبعدني.

стр. 225

فعدل في العبارة عن ذلك إلى أني كنت في يمينك فلا تجعلني في شمالك لأن هذا المثال أظهر إلى الحس. وكذلك قول الآخر: تركت يدي وشاحا له ... وبعض الفوارس لا يعتنق فعبر عن قوله: عانقته بأنني تركت يدي وشاحاً له فأوضح المعنى حين جعل له مثالا معروفاً مشاهدا. ومنه أيضاً قول زهير: ومن بعض أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهذم١ لأنه عدل عن وقوله: ومن لم يطع باللين أطاع بالعنف إلى أن قال: ومن لم يطع زجاج الرماح أطاع الأسنة وكان في هذا التمثيل بيان المعنى وكشفه. ومن أمثلة ذلك في النثر ما كتب به الوليد بن يزيد - لما بويع - إلى مروان ابن محمد قد بلغه توقفه عن البيعة له: أما بعد فإني أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام. فعبر عن مراده بمثال أوضحه وأوجزه. ومنه أيضاً ما كتب به الحجاج إلى المهلب حين حضه على قتال الأزارقة وتوعده له حيث قال: فإن أنت فعلت ذلك وإلا شرعت إليك صدر الرمح. فأجابه المهلب وقال: فإن يشرع الأمير إلى صدر الرمح قلبت له ظهر المجن. وهذا كله

стр. 226

إنما حسن لما فيه من الإيضاح والإيجاز وقدمنا تأثيرهما في الفصاحة والبلاغة. فهذا منتهى ما نقوله في الألفاظ بانفرادها واشتراكها مع المعاني ومن وقف عليه عرف حقيقة الفصاحة ومائتيها وعلم أسرارها وعللها فأما الكلام على المعاني بانفرادها فقد قدمنا القول بأن البلاغة عبارة عن حسن الألفاظ والمعاني وإن كل كلام بليغ لا بد من أن يكون فصيحا وليس كل فصيح تبليغاً إذ كانت البلاغة تشتمل على الفصاحة وزيادة لتعلق البلاغة مع الألفاظ بالمعاني. فإذا كان قد مضى الكلام في الألفاظ على الانفراد والاشتراك فلنذكر الآن الكلام على المعاني مفردة من الألفاظ ليكون هذا الكتاب كافياً في العلم بحقيقة البلاغة والفصاحة فإنهما وإن تميزا من الوجه الذي ذكرته فهما عند أكثر الناس شئ واحد ولا يكاد يفرق بينهما إلا القليل والله يمن بالمعونة والتسديد برحمته.

стр. 227

الكلام في المعاني مفردة أما حصر المعاني بقوانين تستوعب أقسامها وفنونها على حسب ما ذكرناه في الألفاظ فعسير متعب لا يليق بهذا الكتاب تكلفه لأنه ثمرة علم المنطق ونتيجة صناعة الكلام ولسنا بذاهبين في هذا الكتاب إلى تلك الأغراض والمطالب. ولكن نحتاج إلى أن نومئ إلى المعاني التي تستعمل في صناعة تأليف الكلام المنظور والمنثور ونبين كيف يقع الصحيح فيها والفاسد والتام والناقص على أن من كان سليم الفكر صحيح التصور لم يخف عنه شئ مما تستر النفوس وإن كان قد يخفى عنه كثير مما ذكرناه من الكلام والألفاظ لأن في الألفاظ مواضعة واصطلاحاً يختلف الناس في المعرفة بهما بحسب اختلافهم في معرفة اللغة وفهم الاصطلاح

стр. 228

والمواضعة والمعاني ليس فيها شئ من ذلك. وإنما معيارها العقل والعلم وصفاء الذهن في الوجود وهي أربعة مواضع الأول وجودها في أنفسها والثاني وجودها في إفهام المتصورين لها والثالث وجودها في الألفاظ التي تدل عليها. والرابع وجودها في الخط الذي هو أشكال تلك الألفاظ المعبر بها عنه وإذا كان هذا مفهوماً فإنا في هذا الموضع إنما نتكلم على المعاني من حيث كانت موجودة في الألفاظ التي تدل عليها دون الأقسام الثلاثة المذكورة ثم ليس نتكلم عليها من حيث وجدت في جميع الألفاظ بل من حيث توجد في الألفاظ المؤلفة المنظومة على طريقة الشعر والرسائل وما يجرى مجراهما فقط إذ كان ذلك هو مقصودنا في هذا الكتاب. وإذا بان هذا فإن الأوصاف التي تطلب من هذه المعاني: هي الصحة والكمال والمبالغة والتحرز مما يوجب الطعن والاستدلال بالتمثيل والتعليل وغيرهما وسنذكر من أمثلة ذلك ما يعرب عن قصدنا ويوضح مرادنا. أما الصحة في التقسيم: فإن تكون الأقسام المذكورة لم يخل بشئ منها ولا تكررت ولا خدل بعضها تحت بعض ومثال هذا في النظم قول نصيب: فقال فريق القوم لا وفريقهم ... نعم! وفريق قال ويحك ما ندري فليس في أقسام الإجابة عن مطلوب إذا سئل عنه غير هذه الأقسام ومنه قول الشماخ يصف صلابة سنابك الحمار وشدة وطئه الأرض: متى ما تقع أرساغه مطمئنة ... على حجر يرفض أو يتدحرج فليس في أمر الوطء الشديد إلا أن يكون الذي يوطأ رخوا فيرض أو صلباً فيندفع.

стр. 229

ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى: يطعنهم ما ارتموا حتى إذا أطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاروبا اعتنقا وهذا تقسيم صحيح. ومنه قول الحارثي: فكذبت طرفي عنك والطرف صادق ... وأسمعت أذني فيك ماليس تسمع وما أسكن الأرض التي تسكنينها ... لئلا يقولوا صابر ليس يجزع فلا كمدي يغنى ولا لك ذمة ... ولا عنك إقصار ولا فيك مطمع لقيت أموراً فيك لم ألق مثلها ... وأعظم منها منك ما أتوقع وهذا كلها أقسام صحيحة. ومن أمثلة ذلك في النثر قول بعضهم في كتاب له: فإنك لم تخل فيما بدأتني به من مجد أثلته أو شكر تعلجته أو أجر ادخرته أو متجر اتجرته أو من أن تكون جمعت ذلك كله فلم يبق في هذا المعنى قسم لم يأت به ولا من الأقسام شئ تكرر. فأما الأقسام الفاسدة فكقول جرير: صارت حنيفة أثلاثاً فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها فهذه قسمة فاسدة من طريق الاخلال لأنه قد أخل بقسم من الثلاثة. قيل: إن بعض بنى حنيفة سئل من أي الأثلاث هو من بيت جرير فقال: هو من الثلث الملغي. ومنها قول أبي تمام:

стр. 230

قسم الزمان ربوعها بين الصبا ... وقبولها ودبورها أثلاثاً فهذا فاسد من طريق التكرار لأن القبول هي الصبا على ما ذكره جماعة من أهل اللغة. ومن ذلك أيضاً قول هذيل الأشجعي: فما برحت تومى إلي بطرفها ... وتومض أحياناً إذا خصمها غفل لأن-تومي بطرفها وتومض-في معنى واحد. ومنه قول الآخر: أبادر إهلاك مستهلك ... لمالي أو عبث العابث فهذا فاسد لدخول أحد القسمين في الآخر لأن عبث العابث داخل في استهلاك المستهلك. ومن هذا الجنس: أن بعض المتخلفين سأل مرة قال علقمة بن عبدة جاهلي أو من بني تميم فضحك منه لأن الجاهلي قد يكون من بني تميم ومن بني عامر والتميمي قد يكون جاهلياً وإسلامياً. وكتب بعضهم إلى عامل من قبله: ففكرت مرة في عزلك وأخرى في صرفك وتقليد غيرك وكتب أيضاً في هذا الكتاب: فتارة تسترق الأموال وتختزلها وتارة تقتطعها وتحتجنها. وهذا مثل الأول في التكرير. وكتب آخر في فتح فقال: فمن بين جريح مضرج بدمائه وهارب لا يلتفت إلى ورائه. وهذان القسمان يدخل كل واحد منهما في الآخر لأن الجريح قد يكون هاربا والهارب قد يكون جريحاً. وروى أبو الفرج قدامة بن جعفر: أن ابن منارة وقع على ظهر رقعة عامل من عماله هرب من صارفه - وكتب إليه رقعة يعلم بها ما عنده

стр. 231

إنك لا تخلو في هربك من صارفك من أن تكون قدمت إليه اساءة خفت منه معها أو خنت في عملك خيانة رهبت تكشفه إياك عنها فإن كنت أسأت. فأول راض سنة من يسيرها وإن كنت خنت خيانة فلا بد من مطالبتك بها. فكتب العامل تحت هذا التوقيع: قد بقي من الأقسام ما لم تذكره - وهو أني خفت ظلمة إياي بالبعد عنك وتكثيره على بالباطل عندك ووجدت الهرب إلى حيث يمكنني فيه دفع ما يتخرصه أنفي للظنة عني والبعد عمن لا يؤمن ظلمه أولى بالاحتياط لنفسي فوقع ابن منارة تحت ذلك: قد أصبت فصر إلينا آمناً بالاحتياط لنفسي فوقع ابن منارة تحت ذلك: قد أصبت. فصر إلينا آمناً من ظلمة عاجلاً على أن ما يصح عليك فلا بد من مطالبتك به. وقد ذهب أبو القاسم الآمدي إلى فساد القسمة من قول أبي عبادة البحتري: ولا بد من ترك أحدى اثنتين ... إما الشباب وإما العمر قال: لأن ها هنا قسماً آخر وهو أن يتركا معاً فيموت الإنسان شاباً. وأجاب الشريف المرتضى ﵁ عن ذلك: بأن المراد بترك الشباب تركه بالشيب وبترك العمر تركه بالموت وهذا هو المستعمل المألوف في هذه الألفاظ فمن مات شاباً فلا يقال عنه أنه ترك الشباب لأنه لم يشب وإنما يقال عنه أنه ترك العمر فدخل في أحد القسمين. ولى في هذا الموضع نظر وتأمل. ومن الصحة تجنب الاستحالة والتناقض: وذلك أن يجمع بين المتقابلين من جهة واحدة. والتقابل يكون على أربع جهات أما على

стр. 232

طريق المضاف وهو الشيء الذي يقال بالقياس إلى غيره مثل الضعف بالقياس إلى نصفه والأب إلى ابنه والمولى إلى عبده وأما على طريق التضاد مثل الأبيض والسود والشرير والخير وأما على طريق العدم والقنية كالأعمى والبصير والأمرد وذي اللحية وأما على طريق النفي والإثبات مثل أن يقال زيد جالس زيد ليس بجالس. فإذا ورد في الكلام جمع بين متقابلين من هذه المتقابلات من جهة واحدة فهو عيب في المعنى والمراد بقولنا من جهة واحدة أن لا يكون المتقابلان من جهتين فإنهما إذا كانا من جهتين لم يكن الكلام مستحيلا مثال ذلك أن يقال: العشرة ضعف ونصف لكنها ضعف الخمسة ونصف العشرين فيكون هذا صحيحاً لأنه تقابل من جهتين فأما لو كان من جهة واحدة حتى يقال: إن العشرة ضعف الخمسة ونصفها لكان ذلك محالا وكذلك يقال في المتقابلين بالعدم والقنية زيد أعمى العين بصير القلب فيكون ذلك صحيحاً فأما لو قيل زيد أعمى العين بصير العين كان ذلك محالا وكذلك في التضاد أن يقال: الفاتر حار عند البارد وبارد عند الحار ولا يكون حاراً بادراً عند أحدهما وزيد كريم بالطعام بخيل بالثياب ولا يصح أن يقال كريم بالثياب بخيل بها. وإذا كان هذا مفهوماً فالذي يقع في النظم والنثر من هذا التناقض على هذا النحو عيب في المعاني بغير شك وإن كانوا قد تسمحوا في الشعر أن يكون في البيت شيء وفي بيت آخر ما ينقضه حتى يذم في بيت شئ من وجه ويمدح في بيت آخر من ذلك الوجه بعينه وإنما أجازوا هذا لأنهم اعتقدوا أن كل بيت قائم بنفسه فجرى البيتان مجرى قصيدتين. فكما جاز للشاعر أن يناقض في قصيدتين كذلك جاز له أن

стр. 233

يناقض في بيتين ولم يختلفوا في أن البيت إذا ولى البيت وكان معنى كل واحد منهما متعلقاً بالآخر فلن يجوز أن يكون في أحدهما ما يناقض الآخر وإنما أجازوا ذلك مع عدم الاتصال والتعلق على أن تجتنب هذا في القصيدة - وإن كانوا قد أجازوه - أحسن وأولى. وقد قال أبو عثمان الجاحظ: إن العرب تمدح الشئ وتذمه لكنهم لا يمدحون الشيء من الوجه الذي يذمونه به. وما أحسن ما قال أبو عثمان: لعمري أنهم على ذلك يتصرف قولهم وإن أبا تمام لما وصف يوم الفراق بالطول فقال: يوم الفراق لقد خلقت طويلا ... لم تبق لي جلداً ولا معقولا قالوا الرحيل فما شككت بأنها ... نفسي من الدنيا تريد رحيلا علل طوله بما لقي فيه من الوجد لرحيل أحبابه عنه وأبو عبادة لما وصفه بالقصر فقال: ولقد تأملت الفراق فلم أجد ... يوم الفراق على امرئ بطويل قصرت مسافته على متزود ... منه لدهر صبابة وغليل علل قصره بأنه اجتمع فيه بمن يحبه للوداع وتزود منه لأيام البعد عنه. فهما وإن كان كل واحد منهما قد خالف صاحبه في مدح الفراق وذمه فقد ذكر لما ذهب إليه وجهاً يصح به وعلى هذا الطريق يحسن وقوع الخلاف في أغراض الشعراء إلا أن يكون أحد القولين صحيحاً والآخر فاسداً. فأما المتناقض في العشر فكقول عبد الرحمن بن عبد الله القس: أرى هجرها والقتل مثلين فأقصروا ... ملامكم فالقتل أعفى وأيسر فقال هذا الشاعر: إن الهجر والقتل مثلان ثم سلبهما ذلك

стр. 234

فقال: إن القتل أعفى وأيسر فكأنه قال إن القتل مثل الهجر وليس هو مثله وذلك متناقض ولو كان استوى له أن يقول بل القتل أعفى وأيسر لكان الشعر مستقيماً لأن لفظة بل تنفى الماضي وتثبت المستأنف كما قال زهير: حي الديار لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم على أنهم قد عابوا هذا البيت على زهير لكنه بمجيء بلى فيه لم يكن عندي فاسدا وقد يمكن فيه من التأويل وجه آخر: وهو أن زهيراً قال لم يعفها القدم وغيرتها الريح والأمطار وليس ذلك بمتناقض لأن التغير دون أن تعفو والقدم غير الريح والمطر. ومن قال: لم يقتل زيد عمراً بل ضربه بكر لم يكن متناقضا وإنما المناقضة أن يقول: لم يقتل زيد عمراً وقتله زيد ويكون الأول هو الثاني وهذا واضح. ومن الاستدلال قول الآخر: ١ أليس قليلاً نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل وقد ذهب أبو الفرج قدامة بن جعفر إلى أن قول ابن هرمة في صفة الكلب: تراه إذا ما أبصر الضيف مقبلاً ... يكلمه من حبه وهو أعجم من المتناقض لأنه اقنى الكلب الكلام في قوله يكلمه ثم أعدمه إياه عند قوله: إنه أعجم وهذا غلط من أبي الفرج طريف

стр. 235

لأن الأعجم ليس هو الذي قد عدم الكلام جملة كالأخرس وإنما هو الذي يتكلم بعجمة ولا يفصح قال الله ﵎: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . ١ وإذا قيل: فلان يتكلم وهو أعجم لم يكن ذلك متناقضا على أن الرواية الصحيحة في بيت ابن هرمة: يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلاً وهذا البيت من إحسان ابن هرمة المشهور. وكذلك ذهب أبو القاسم الآمدي إلى تناقض بيت أبي تمام في صفة الفرس: وبشعلة تبدو كأن فلولها ... في صهوتيه بدو شيب المفرق مسود شطر مثل ما اسود الدجى ... مبيض شطر كابيضاض المهرق٢ قال: لأنه ذكر في البيت الأول إنه اشعل ثم قال في الثاني: إن نصفه أسود ونصفه أبيض وذلك هو الأبلق فكيف يكون فرس واحد أشعل أبلق وهذا من أبي القاسم تحامل على أبي تمام لأنه يصف فرساً أشعل ويريد بقوله: إنه مسود شطر ومبيض شطر أن سواده وبياضه متكافئان فلو جمع السواد لكان نصفه وكذلك البياض وهذا الوصف من تكافي السواد والبياض في الأشعل محمود حتى أن النخاسين يقولون: أشعل شعرة شعرة فعلى هذا لا يكون شعر أبي تمام من المتناقض. ومما يعترض الشك فيه قول أبي العلاء احمد بن عبد الله بن سليمان: ولقد سلوت عن الشباب كما سلا ... غيري ولكن للحزين تذكر

стр. 236

فيقال كيف يجوز أن يسلو وهو حزين يتذكر وقد قرأت هذا البيت عليه في جملة شعره ولم أسأله عنه والذي يحتمل عندي من التأويل أنه أراد بالسلو ها هنا اليأس ورفض الطمع فكأنه قال: قد يئست من الطمع للشباب كما أيس غيري ولكني حزين عليه أتذكره وهذا وجه قريب. وذهب أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب إلى تناقض قول أبي نواس في صفة الخمر: كأن بقايا ما عفا من حبابها ... تفاريق شيب في سواد عذار تردت به ثم انفرى عن أديمها ... تفرى ليل عن بياض نهار١ وقال: إنه وصف في البيت الأول الحباب بالبياض حين شبهه بالشيب ولن يشبه الشيب في شئ إلا في بياضه ووصف الخمر بالسواد حين شبهها بسواد العذار ثم وصف الحباب في البيت الثاني بالسواد حين شبهه يتفرى الليل ووصف الخمر بالبياض حين قال بياض نهار وكون كل واحد من الحباب والخمر أسود وأبيض مستحيل. وقد سأل أو الفرج نفسه فقال أن قيل: إنه لم يصف الحباب في البيت الثاني بالسواد وإنما شبهه بالليل في تفريه وانحساره عن النهار دون نفس اللون. وأجاب عن هذا: بأن أبا نواس قد صرح بأنه لم يرد غير اللون فقط لقوله عن بياض نهار. وفي هذا الشعر نظر وتأمل ليس هذا موضع تقصيه وإنما الغرض هنا التمثيل. وقد فرق بين المستحيل والممتنع: بأن المستحيل هو الذي لا يمكن وجوده ولا تصوره في الوهم مثل كون الشئ أسود أبيض وطالعاً نازلاً فإن هذا لا يمكن وجوده ولا تصوره في الوهم والممتنع هو:

стр. 237

الذي يمكن تصوره في الوهم وإن كان لا يمكن وجوده مثل أن يتصور تركيب بعض أعضاء الحيوان من نوع في نوع آخر منه كما يتصور يد أسد في جسم إنسان فإن هذا وإن كان لا يمكن وجوده فإن تصوره في الوهم ممكن وقد يصح أن يقع الممتنع في النظم والنثر على وجه المبالغة ولا يجوز أن يقع المستحيل البتة فأما قول أبي عبادة: لما مدحتك وأفاني نداك على ... أضعاف ظني فلم أظفر ولم أخب فليس هذا من المتناقض لأنه من جهتين على ما ذكرناه فيما تقدم ألا ترى أن معناه لم أظفر بنفس ما ظننته لأنك زدت عليه فكأن ظنى لم يصدق لأنه لو صدق لكان وقع على ما ظننته بعينه من غير زيادة عليه ولم أخب لأنك قد أعطيتني ومن أعطى فما خاب وهذا صحيح واضح. ومن المتناقض على طريق المضاف قول عبد الرحمن بن عبد الله القس: وإني إذا ما الموت حل بنفسها ... يزال بنفسي قبل ذاك فأقبر لأنه وضع هذا القول وضع الشرط وجعل جوابه يزال بنفسي. ثم قال: قبل ذاك فكأنه قال أن نفسي تزول بعد نفسها وقبلها وهذا مثل قول القائل: إذا دخل زيد الدار دخل عمرو قبله وذلك متناقض. وقد ذهب أبو القاسم الآمدي إلى مناقضة أبي تمام في قوله: الرزق لا تكمد عليه فإنه ... يأتى ولم تبعث إليه رسولا وقوله بعده في صفة الناقة: لله درك أي معبر قفرة ... لا يوحش أنب البيضة ألا جفيلا

стр. 238

بنت القفار متى تخدبك لا تدع ... في الصدر منك على الفلاة غليلا١ قال: لأنه صرح في البيت الأول بذكر القعود عن طلب الرزق وأتبعه في البيت الثاني بلا فصل بذكر الناقة وصفتها والرحيل عليها فكان ذلك مناقضة ظاهرة. ومن الصحة أن لا يضع الجائز موضع الممتنع فإنه يجوز أن يضع الممتنع موضع الجائز إذ كان في ذلك ضرب من الغلو والمبالغة ولا يحسن أن يوضع الجائز موضع الممتنع لأنه لا علة لجواز ذلك وهو ضد ما يحمد من الغلو والمبالغة في الشعر. ومن أمثلة هذا قول الشاعر:٢ وإن صورة راقتك فاخبر فربما ... أمر مذاق العود والعد أخضر فبنى الكلام على أن العود في الأكثر يكون حلواً بقوله: فربما وليس الأمر كذلك بل العود الأخضر في الأكثر من وكأن هذا الشاعر وضع الأكثر موضع الأقل وذلك غلط في المعنى. ومنه ما أنكره أبو القاسم الآمدي على أبي تمام في قوله يمدح الواثق بالله. جعل الخلافة فيه رب قوله ... سبحانه للشيء كن فيكون قال: لأن مثل هذا إنما يقال في الأمر العجب الذي لم يكن يقدر ولا يتوقع ولا يظن إنه مثله يكون فيقال إذا وقع ذلك قدرة قادرة واحد وفعل من لا يعجزه أمر وتلك واحد ومن يقول للشئ كن فيكون فأما الأمور التي لا يتعجب منها ولا تستغرب والعادات جارية بها وبما أشبهها فلا يقال فيها مثل هذا وإنما يسبح الله ﵎ وتذكر قدرته على تكوين الأشياء لو جاؤا بأبي العبر أو بجحا فجعلوه خليفة. فأما الواثق

стр. 239

فما وجه تسبيح أبي تمام في أن أفضت الخلافة إليه وأبوه المعتصم وجده الرشيد وجد أبيه المهدي وجد جده المنصور وأخو جد جده السفاح وعماه خليفتان الأمين والمأمون وعم أبيه الهادي فذلك ثمانية خلفاء هو تاسعهم. وهذا الذي ذكره أبو القاسم صحيح واضح. ومن الصحة: صحة التشبيه وهو أن يقال أحد الشيئين مثل الآخر في بعض المعاني والصفات ولن يجوز أن يكون أحد الشيئين مثل الآخر من جميع الوجوه حتى لا يعقل بينهما تغاير البتى لأن هذا لو حاز لكان أحد الشيئين هو الآخر بعينه وذلك محال. وإنما الأحسن في التشبيه أن يكون أحد الشيئين يشبه الآخر في اكثر صفاته ومعانيه وبالضد حتى يكون ردئ التشبيه ما قل شبهه بالمشبه به. وقد يكون التشبيه بحروفه كالكاف وكأن وما يجرى مجراهما وقد يكون بغير حرف على ظاهر المعنى ويستحسن ذلك لما فيه من الإيجاز. والأصل في حسن التشبيه: أن يمثل الغائب الخفي الذي لا يعتاد بالظاهر المحسوس المعتاد فيكون حسن هذا لأجل إيضاح المعنى وبيان المراد أو يمثل الشئ بما هو أعظم وأحسن وأبلغ منه فيكون حسن ذلك لأجل الغلو والمبالغة. ومما ورد في القرآن من ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ ٢. وقوله

стр. 240

تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ٢. وقوله جل وعز: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ ٣ وقوله ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٤. وقوله جل وعز: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ ٥. وهذه التشبيهات كلها على ما بيناه من تشبيه الخفي بالظاهر المحسوس والذي لا يعتاد بالمعتاد لما في ذلك من البيان إلا قوله ﵎: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ ٦. فانه شبه الشئ بما هو أعظم منه على وجه المبالغة. ومن التشبيه في العشر قول النابغة الذبياني: فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع وهذا التشبيه يجمع المقصودين من الظهور والمبالغة وأما الظهور فلأن علم الناس بأن الليل لا بد من إدراكه له أظهر من علمهم بأن النعمان لا بد من إدراكه له وأما المبالغة فإن تشبيهه بالليل الذي لا يصددونه حائل أعظم وأفخم وأبلغ في المدح.

стр. 241

ومن التشبيه أيضاً قول يزيد بن عوف العليمي يذكر صوت جرع رجل قراه اللبن: فعب دخالا جرعه متواتر ... كوقع السحاب بالطراف الممدد وهذا تشبيه جيد لأنه شبه صوت اللبن على عصب المرئ من حلق الإنسان بصوت المطر على الخباء المصنوع من الأدم وذلك من أصح التشبيه لأن المرئ من جنس الأدم واللبن من جنس الماء فصوتاهما متشابهان لأن السبب في اختلاف الأصوات تخالف الأجسام التي تحدث فيها والغرض في هذا التشبيه المبالغة. ومن التشبيه المختار قول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطباً ويابساً لدى وكرها العناب والحشف البالي وهذا من التشبيه المقصود به أيضا الشيء لأن مشاهد العناب والحشف البالي١ أكثر من مشاهد قلوب الطير رطبة ويابسة. وروى عن بشار بن برد إنه قال: ما زلت منذ سمعت بيت امرئ القيس هذا اطلب أن يقع لي تشبيهان في بيت واحد حتى قلت: كأن مثار النقع فوق رؤسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه٢ فشبهن النقع بالليل والسيوف بالكواكب وهذا تشبيه للمبالغة والتفخيم ومن التشبيه المختار قول عدى بن الرقاع العاملي: وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جاذر جاسم وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم٣

стр. 242

وقوله أيضاً: تزجى أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها١ وقول عنترة: وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم هزجاً يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم٢ وقول الحسين بن مطير الأسدي: في عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا وقال الطرماح: يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد وقول أبي الحسن التهامي: والصبح قد غمر النجوم كأنه ... سيل طغى فطفا على النوار وقول ابي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان: والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر

стр. 243

وقوله: وسهيل كوجنة الحب في اللو ... ن وقلب المحب في الخفقان يسرع اللمح في احمرار كما تسر ... ع في اللحظ مقلة الغضبان وقوله: تراقب أظلاف الوحوش نواصلا ... كأصداف بحر حول أزرق مترع وهذه تشبيهات صحاح وأمثالها كثيرة وقد وإلى أبو القاسم محمد ابن هانئ الأندلسي التشبيه بكأن في أبيات كثيرة فقال: كأن رقيب النجم أجدل مرقب ... يقلب تحت الليل في ريشه طرفا١ كأن بني نعش ونعشاً مطافل ... بوجرة قد أضللن في مهمه خشفا٢ كأن سهيلاً في مطالع افقه ... مفارق إلف لم يجد بعده إلفا٣

стр. 244

كأن سهاها عاشق بين عود ... فاونة يبدو واونة يخفى١ كأن معلى قطبها فارس له ... لوان مركوزان قد كره الزحفا كأن قدامى النسر والنسر واقع ... قصصن فلم تسم الخوافي به ضعفا٢ كأن أخاه حين دوم طائراً ... أني دون نصف البدر فاختطف النصفا كأن الهزيع الأبنوسي آونا ... سرى بالنسيج الخسرواني ملتفا٣ كأن ظلام الليل إذا مال ميلة ... صريع مدام بات يشربهان صرفا كأن عمود الصبح خاقان معشر ... من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى كأن لواء الشمس غرة جعفر ... رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا فأما التشبيه بغير حرف التشبيه فكقول امرئ القيس: سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال

стр. 245

وقول النابغة: نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر المريض إلى وجوه العود١ وقوله أيضاً: فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب وقول أبي عبادة: يهوى كما تهوى العقاب وقد رأت ... صيداً وتنتصب انتصاب الأجدل٢ وقول أبي نصر بن نباتة وقد يذكر في التمثيل: خلقنا بأطراف القنا لظهورهم ... عيوناً لها وقع السيوف حواجب وقول أخت ذى الكلب: تمشى النسور إليه وهي لاهية ... مشى العذارى عليهن الجلابيب٣ وقول ديك الجن: سفرن بدوراً وانتقبن أهلة ... ومسن غصوناً والتفتن جاذرا وقول الوأواء الدمشقي:

стр. 246

فأسبلت لؤلؤا من نرجس وسقت ... ورداً وعضت على العناب بالبرد وقول أبي إسحاق الصابي يصف الطير التي تصاد بالبندق محمولة على حكم الكفار إذ يقتلون ومصيرهم إلى النار. ومما يحتاج إليه التشبيه: أن يكون الأمر المشبه به واقعاً مشاهداً معروفاً غير مستنكر ليوافق ذلك المقصود بالتشبيه والتمثيل من الإيضاح والبيان ولهذا عاب نصيب على الكميت قوله: كأن الغطامط من غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا١ وقال له: أخطأت ما هجت أسلم غفارا قط وأراد نصيب من الكميت أن يكون شبه بشئ واقع معروف وهذا كما يقال: كان مناقضة فلان وفلان مناقضة جرير والفرزدق. فيكون هذا الكلام صحيحاً. ولو قيل: كأن مناقضتهما مناقضة الأحوص وعمر بن أبي ربيعة لم يكن ذلك التشبيه صحيحاً. إذ كان المشبه به لم يقع وعلى هذا أكره قول علقمة ابن عبدة: كأن إبريقهم ظبى على شرف ... مقدم بسبا الكتان ملثوم٢ على أن يكون مقدم من صفة الظبي لأن الظبي لا يكون مقدماً بسب الكتان ملثوما فكأن التشبيه وقع بما لا يشاهد ولا يعرف وإن كان المقدم راجعاً إلى الإبريق فذلك صحيح.

стр. 247

وكذلك قول الحكم لعله عبد الرحمان بن الحكم وليحقق: كانت بنو غالب لأمتها ... كالغيث في كل ساعة يكف فإن العادة لم تجر بأن الغيث يكف في كل ساعة وإن كان هذا البيت يحتمل من التأويل أن يكون معناه كان هؤلاء القوم كالغيث إلا أنه غيث يكف كل ساعة وإن لم يدل لفظه على هذا المعنى دلالة واضحة. ومن هذا الفن. قول أيمن: ١ فإننا قد وجدنا أم بشر ... كأم الأسد مذكاراً ولودا لأن أم الأسد ليست كذلك. وأما ردى التشبيه فكقول المرار: وخال على خديك يبدو كأنه ... سنا البدر في دعجاء باد دجونها٢ لأن الخدود بيض والمتعارف أن يكون الخال أسود فتشبيه الخدود بالليل والخال بضوء البدر تشبيه ناقض للعادة. فإن قيل: قد مضى في كلامكم أن المشبه به يجب أن يكون معروفاً واضحاً أبين من الشئ الذي يشبه فما تقولون في قوله تعالى في شجرة الزقوم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ٣ ورؤوس الشياطين غير مشاهدة. قيل: إن الزقوم غير مشاهد ورؤس الشياطين غير مشاهدة إلا أنه قد استقر في نفوس الناس من قبح الشياطين بما صار بمنزلة المشاهد كما استقر في

стр. 248

نفوسهم من حسن الحور العين ما صار بمنزلة المشاهد حتى أنهم إذا شبهوا وجهاً بوجه الحور كان تشبيها صحيحاً وإن كانت الحور لم تشاهد ولم يستقر في نفوسهم قبح طلع الزقوم كما استقر في نفوسهم قبح رؤوس الشياطين فكأن المشبه به أوضح وفي رؤوس الشياطين أيضاً من المبالغة في القبح ما ليس في طلع الزقوم. وقد قيل في بعض التفاسير: إن الشياطين هنا الحيات. وعلى هذا القول يسقط السؤال لأن الحيات مشاهدة. ومن ظريف التشبيه قول ابن هرمة: وإن وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زناداً شحاحا١ كتاركة بيضها بالعر اء ... وملبسة بيض أخرى جناحا وقول الفرزدق: وإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم٢ كمهريق ماءٍ بالفلاة وغره ... سارب أذاعته رياح السمائم٣ فإن بيت ابن هرمة الثاني يليق بييت الفرزدق الأول وبيت الفرزدق الثاني يليق ببيت ابن هرمة الأول حتى أن ابن هرمة لو قال: وإني وتركي ندى الأكرم ... ين وقدحي بكفي زناداً شحاحاً كمهريق ماء بالفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم والفرزدق لو قال: وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أوسحوق العمائم

стр. 249

كتاركة بيضها بالعر ... اء وملبسة بيض أخرى جناحا لكان كل واحد منهما قد شبه تشبيهاً واضحاً صحيحاً فأما والشعر على ما هو عليه فإن التشبيه بعيد. ومن الصحة: صحة الأوصاف في الأعراض وهو أن يمدح الإنسان بما يليق به ولا ينفر عنه فيمدح الخليفة بتأييد الدين وتقويه أمره ومحبة الناس وطاعتهم والتقى والورع والرحمة والرأفة وإقامة العدل وشرف الحسب وحسن السياسة والتدبير والاضطلاع بالأمور والحلم والعفو والعلم وحفظ الشرع والجمال والبهاء والهيبة والشجاعة وكرم الأخلاق ولينها وما يجري هذا المجرى. ويمدح الوزير والكاتب وبالعقل والحلم وسداد الرأي وحسن التدبير والبلاغة وتثمير الأموال والعدل والكرم وما يلحق بهذا. ويمدح الأمير وقائد الجيش بالشجاعة والمعرفة بالحرب وحسن النقيبة والظفر والصبر وسداد التدبير وما أشبه ذلك وعلى هذا السبيل يجرى الأمر في النسيب فيذكر فيه صدق الهوى والمحبة وشدة الوجد والصبابة وكتمان الأسرار ومخالفة العذال وما يتفرع عن ذلك ويلحق به. وكذلك في كل غرض من الأغراض الشعرية من هجاء وفخر وعتاب ووصف وغير ذلك حتى يكون كل شئ موضوعا في المكان الذي يليق به. فأما النثر فيجرى على هذا المنهاج ويحتاج فيه إلى معرفة المواضعات في الخطاب والاصطلاحات فإن للكتب السلطانية من الطريقة ما لا يستعمل في الإخوانيات وللتوقيعات من الأساليب ما لا يحسن في التقاليد وهذا الباب أعنى المواضعة والاصطلاح في الخطاب يتغير بحسب تغير الأزمنة والدول فإن العادة القديمة قد هجرت ورفضت والتسجد الناس عادة بعد عادة حتى أن الذي يستعمل اليوم في الكتب غير ما

стр. 250

كان يستعمل في أيام أبي إسحاق الصابي مع قرب زمانه منا وإذا كان الأمر على هذا جارباً فليس يصح لنا أن نضع رسموماً نوجب اقتفاءها لأنا نحن في هذا الزمان قد غيرنا الرسم المتقدم لمن قبلنا وكذلك ربما جرى الأمر فيما بعدنا. لكن أصول الأغراض في الأوصاف والمعاني مما لا تتبدل ولا تتغير فليكن الائتمام بها واقعا والاجتهاد في جريها على قانون السداد والصواب حاصلا فقد عيب أبو عبادة في مديحه الخليفة بقوله: لا العدل يردعه ولا التعنيف ... عن كرم يصده وقيل: من هو الذي يجسر على عذل الخليفة وتعنيفه وليس هذا المدح مما يصلح للملوك والأمراء فضلا عن الأئمة والخلفاء. وعيب أبو ذؤيب الهذلي في قوله يصف الفرس: قصر الصبوح لها فشرج لحمها ... بالتي فهي تثوخ فيها الإصبع١ وقيل: وصف لحمها باللين وإنما يحمد صلابة لحم الفرس. وعيب قول أبي عبادة: ذنب كما سحب الرداء يذب عن ... عرف وعرف كالقناع المسبل وقول امرئ القيس قبله: لها ذنب مثل ذيل العرو ... من تسد به فرجها من دبر
следующие страницы →