← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11245

سوء الخلق

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (169 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تمهيد هل يمكن تغيير الأخلاق أو لا؟ وبعد أن استبانت لنا بعض المعالم لسوء الخلق يحسن الوقوف ههنا حول سؤال يرد كثيرا مفاده: هل يمكن تغيير الأخلاق أم لا؟ والجواب عن ذلك قد اختلف فيه؛ فهناك من يرى أن الأخلاق ثابتة في الإنسان لا يمكن أن تتغير؛ لأنها غرائز فطر عليها، وطبائع جبل على التحلي بها؛ فلا يمكنه تغييرها، ولا يتصور فكاكه عنها. وهناك من يرى أن تغيير الأخلاق وارد ممكن؛ فليس متعذا ولا مستحيلا، خلافا لمن رأى غير ذلك. والرأي الثاني هو الصواب المقطوع فيه؛ ذلك أن الأخلاق على ضربين، فمنها ما هو غريزي فطري جبلي، ومنها ما هو اكتسابي يأتي بالدربة، والممارسة، والرياضة، والمجاهدة. ولو كانت الأخلاق لا تتغير لبطلت الوصايا، والمواعظ، والتأديبات. بل كيف ينكر هذا وتغيير خلق الحيوان البهيم ممكن؟ إذ أن البازي ينقل من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك عن التخلية، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد. وكل ذلك تغيير في الأخلاق.

стр. 72

فإذا كان هو الشأن مع الحيوان البهيم فأجدر بالإنسان أن يتغير خلقه، ويتبدل طبعه إلى حد الاعتدال، وذلك إن أخذ برياضة نفسه، وسياستها، وحملها على المكارم١. وهذا الأمر هو الذي تسنده أدلة الشرع والواقع. أما أدلة الشرع فكثيرة جدا، فهي تحث على التحلي بالفضائل، والتخلي من الرذائل. ولو كان ذلك غير ممكن لما أمر به. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] . وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] . ففي هاتين الآيتين دليل على أن الأخلاق تتغير، وأن الطباع تتبدل؛ ذلك أن حسن الخلق من الفلاح، والفلاح ينال بالتزكية. وقال النبي ﷺ : "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه" ٢.

стр. 73

ففي هذا الحديث دليل على أن الأخلاق قابلة للتغيير؛ ذلك أن الحلم من الأخلاق بل هو سيدها، وهو مع ذلك ينال ويكتسب بالتحلم، والمجاهدة، وحمل النفس على ذلك. لعمرك إن الحلم زين لأهله ... وما الحلم إلا عادة وتحلم١ أما دلالة الواقع فنرى، ونسمع أن أناسا يتصفون بالشره، والنزق، وسوء الخلق.

стр. 74

فإذا ما راض الواحد منهم نفسه، وساسها، وجاهدها، وأخذ بالأسباب المعينة على محاسن الأخلاق ـ تبدلت طباعه، وحسنت أخلاقه. وخير دليل على ذلك ما كان من أمر الصحابة ﵃ قبل البعثة، فلقد كانوا كسائر كثير من العرب ممن يتصفون بالشدة، والقسوة، والغلظة. فلما دخلوا في الإسلام، وخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم ـ رقت طباعهم، وحسنت أخلاقهم. بل إنهم أصبحوا مثالا يحتذى، ونهجا يقتفى، في الإيثار، والسماحة، والكرم، والحلم، ونحو ذلك من مكارم الأخلاق. وبعد أن تبين أن الأخلاق قابلة للتغيير نصل إلى مربط الفرس، وبيت القصيد، ألا وهو علاج سوء الخلق؛ ذلك أن غالبية الناس لا يخفى عليهم سوء الخلق، ولا يجهلون ضرره وقبحه، بل يعلمون ذلك ويتمنون الخلاص منه إن كانوا متصفين به. وإنما الذي يحتاجه أغلب الناس هو كيفية التخلي من سوء الخلق، والتحلي بحسن الخلق. وهذا ما سيتبين ـ إن شاء الله ـ من خلال الصفحات التالية عند الحديث عن حسن الخلق من حيث تعريفه، وفضائله، وأسباب اكتسابه، والسبل المعينة على ذلك. فالأشياء تتميز بضدها، والضد يظهر حسنه الضد.

стр. 75

الفصل الأول حسن الخلق وفضائله المبحث الأول: تعريف حسن الخلق تعريف كلمة "حسن": قال ابن منظور: "الحسن ضد القبح ونقيضه"١. وقال عن الأزهري: "الحسن نعت لما حسن. حَسُنَ، وحَسَن يحسن حسنا فيهما فهو حاسن وحسن"٢. وقال عن الجوهري: "والجمع محاسن على غير قياس كأنه جمع محسن"٣. وقال: "والمحاسن في الأعمال ضد المساوئ"٤. تعريف حسن الخلق: عرف حسن الخلق بتعريفات عديدة متقاربة، ومنها ما يلي: ١ـ قيل: إن حسن الخلق هو: بذل الندى، وكف الأذى، واحتمال الأذى٥. ٢ـ قيل: حسن الخلق بذل الجميل، وكف القبيح٦. ٣ـ وقيل: التخلي من الرذائل، والتحلي بالفضائل٧.

стр. 76

٤ـ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وجماع الخلق الحسن مع الناس أن تصل من قطعك بالسلام، والإكرام، والدعاء له، والاستغفار، والثناء عليه، والزيارة له. وتعطي من حرمك من التعليم، والمنفعة، والمال. وتعفو عمن ظلمك في دم، أو مال، أو عرض. وبعض هذا واجب، وبعضه مستحب"١. ٥ـ وقال ابن القيم ﵀: "وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل"٢. ٦ـ وقال الماوردي ﵀ في تعريف حسن الخلق، ووصف حسن الخلق: "أن يكون سهل العريكة، لين الجانب، طليق الوجه، قليل النفور، طيب الكلمة"٣. ٧ـ وقال الشيخ ابن سعدي ﵀ في حسن الخلق: "هو خلق فاضل عظيم، أساسه الصبر، والحلم، والرغبة في مكارم الأخلاق، وآثاره العفو، والصفح عن المسيئين، وإيصال المنافع إلى الخلق أجمعين، فهو احتمال الجنايات، والعفو عن الزلات، ومقابلة السيئات بالحسنات، وقد جمع الله ذلك في آية واحدة وهي قوله: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ ٤ [الأعراف:١٩٩] .

стр. 77

المبحث الثاني: فضائل حسن الخلق لحسن الخلق فضائل عظيمة، في الدنيا والآخرة، على الأفراد والمجتمعات. فمن تلك الفضائل ما يلي: ١ـ أنه امتثال لأمر الله : قال تعالى: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] . فلقد جمع مكارم الأخلاق في تلك الآية، وأمر بالأخذ بها، والتحلي بما ورد فيها. ٢ـ أنه طاعة للرسول ﷺ : فلقد قال ﵊ في الحديث الذي رواه أبو ذر ومعاذ ﵄: "وخالق الناس بخلق حسن" ١. ٣ـ حسن الخلق اقتداء بالرسول ﷺ : فلقد كان ﵊ أكرم البشرية أخلاقا، وأزكاهم نفسا.

стр. 78

والله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] . ٤ـ أنه عبادة عظيمة: ذلك أن الله أمر به كما مر ورتب عليه الجزاء العظيم ـ كما سيأتي ـ فإذا اتصف المسلم بحسن الخلق، وكان ديدنا وعادة له صار معطيا لربه، متعبدا له في كل أحواله؛ فتعظم بذلك أجوره، وتقال عثراته. ثم إن حسن الخلق يتضمن عبادات عظيمة؛ ذلك أن الصبر، والحلم، والإحسان والكرم، ونحوهاـ تعد من الأسس الأخلاقية. وهذه الأمور مما يدخل في مفهوم العبادة؛ فهي مما يحبه الله ويرضاه. ٥ـ رفعة الدرجات: قال ﷺ :"إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم" ١. ٦ـ أنه أعظم ما يدخل الجنة: قال ﵊: "وأعظم ما يدخل الناس الجنة تقوى الله، وحسن الخلق" ٢.

стр. 79

٧ـ كسب القلوب: فحسن الخلق من أعظم الأسباب الداعية لكسب القلوب؛ فهو يحبب صاحبه للبعيد والقريب، وبه ينقلب العدو صديقا، ويصبح البغيض حبيبا، ويصير البعيد قريبا. وبحسن الخلق يتقرب المرء للناس، ويتمكن من إرضائهم على اختلاف مشاربهم، وطبقاتهم؛ فكل من جالس حسَن الخلق أحبه، ورغب في مجلسه. ٨ـ تيسير الأمور: فحسن الخلق سبب لذلك؛ لأنه من تقوى الله، والله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤] . ٩ـ حسن الخلق مدعاة للذكر الحسن: فالناس تلهج ألسنتها بذكر أهل الخلق الحسن، والتاريخ يسطر مآثرهم، والركبان تسري بحديثهم. ١٠ـ السلامة من شر الخلق: لأن صاحب الخلق الحسن لا يقابل الإساءة بالإساءة، وإنما يقابلها بالصفح، والعفو، والإعراض، وربما قابلها بالإحسان.

стр. 80

ولو جارى الناس في سفههم لما كان له فضل عليهم، ولما سلم من أذاهم. فلو لم تأت من حسن الخلق إلا هذه الفائدة لكان حريا بالعاقل أن يتحلى به. ١١ـ القرب من مجلس النبي ﷺ يوم القيامة: قال ﵊: "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا" ١. ١٢ـ محبة الله : فالله يحب مكارم الأخلاق، ويحب أهلها، بل إن أحب العباد إلى الله أحسنهم أخلاقا. فعن أسامة بن شريك ﵁ قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ ، فكأنما على رؤسنا الطير، ما يتكلم منا متكلم، إذ جاءه أناس فقالوا: من أحب عباد الله إلى الله؟ قال: "أحسنهم أخلاقا" ٢. وإذا أحب الله يوما عبده ... ألقى عليه محبة في الناس٣.

стр. 81

١٣ـ حسن الخلق أثقل شيء في الميزان يوم القيامة: فعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ : "ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق"١. ١٤ـ زيادة الأعمار وعمارة الديار: قال ﵊:"حسن الخلق، وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار" ٢. ١٥ـ حسن الخلق إحسان قد يزيد على الإحسان المالي: لأن المال قد يصحبه منه وتعال على الخلق، ولأن صاحب المال قد لا يسع الناس بماله. أما حسن الخلق فإحسان لا يصحبه منة، ولا تعال على الخلق، وصاحب الخلق الحسن يسع الناس بخلقه. وإذا كان المال يدخل السرور على المساكين والفقراء ونحوهم فكذلك حسن الخلق يدخل السرور والبهجة على النفوس مهما اختلفت مشاربها. إضافة إلى ذلك فبذل المال داخل في مكارم الأخلاق.

стр. 82

١٦ـ التوصل للحق: فبحسن الخلق يتوصل المناظر أو المخاصم من إبداء حجته، وفهم حجة صاحبه، ويسترشد بذلك إلى الصواب قولا وعملا. وكما أنه سبب لحصول ذلك في نفس المناظر أو المخاصم فهو كذلك من أقوى الدواعي لحصوله لمن ناظره أو خاصمه. وبذلك يتمكن الطرفان من الوصول للحق، ويسلم كل واحد منهما من اللجاج، والجدال، والمراء، والتعصب. ١٧ـ زيادة العلم: فبالخلق الحسن يصفو القلب، وتطمئن النفس، وذلك مدعاة لأن يتمكن المرء من معرفة العلوم التي يسعى لإدراكها، والمعارف التي يروم تحصيلها. ثم إن حسن الخلق يدعو صاحبه للتواضع، والتأدب في مجالس العلم، وهذا مما يزيد العلم، ويقوي الإدراك. ١٨ـ حصول الخيرية: فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: لم يكن رسول الله ﷺ ، فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول: "خياركم أحاسنكم أخلاقا" ١. ١٩ـ السلامة من مضار الطيش والعجلة: فبالخلق الحسن يسلم المرء من مضار العجلة والطيش،

стр. 83

برزانته، وصبره، ونظره لكل ما يمكن من الاحتمالات. ٢٠ـ الوفاء بالحقوق الواجبة والمستحبة: فبالخلق الحسن يتمكن المرء من الوفاء بتلك الحقوق للأهل، والأولاد، والأقارب، والأصحاب، والجيران، والمعاملين، وسائر من بينه وبينهم مخالطة أو حق؛ فكم من حقوق أضيعت من جراء سوء الخلق. ٢١ـ الإنصاف: فبحسن الخلق تنال فضيلة الإنصاف، وأكرم بها من فضيلة، فصاحب الخلق الحسن يأبى عليه خلقه الحسن من التعصب المقيت، والانتصار للنفس؛ لأن ذلك يحمل على الاعتساف وقلة الانصاف. ٢٢ـ راحة البال وطيب العيش: فصاحب الخلق الحسن في راحة حاضرة، ونعيم عاجل؛ فإن قلبه مطمئن، ونفسه ساكنة، وذلك مادة الراحة العاجلة، وطيب العيش. كما أن صاحب الخلق السيئ في شقاء حاضر، وعذاب مستمر، ونزاع ظاهري وباطني مع نفسه، وأولاده، ومخالطيه، مما يشوش عليه حياته، ويكدر عليه أوقاته، مع ما يترتب على ذلك فوات الآثار الطيبة، والتعرض لضدها. "فمن حسن خلقه طابت معيشته، ودامت سلامته، وتأكدت في الناس محتبه.

стр. 84

ومن ساء خلقه تكدرت معيشته، ودامت بغضته، ونفر الناس منه"١. ٢٣ـ حصول الوئام والاتفاق التام في المجتمع: فإذا حسنت الأخلاق في مجتمع ما شاع الوئام والتراحم، وسادت الألفة والمودة في ذلك المجتمع. ذلك "أن الامتزاج بمكارم الأخلاق يجبي إلى صاحبه عرفان ما له من الحقوق، وما عليه من الواجبات؛ فلا يخل حينئذ بواجب، ولا يدعي إلا بحق. وذلك يدعو بالضرورة إلى شدة الارتباط، وكمال الالتئام الذي يجعل أفراد الأمة عضوا واحدا للتعاون على البر والتقوى، والتعاضد على الأعمال التي تنتج لهم التقلب في عيشه راضية، وتحفظ لأعقابهم مستقبلا حسنا"٢. ٢٤ـ صد هجمات الأعداء: فالعدو إنما يتسلل، ويبث سمومه في صفوف الأمة المنهارة في أخلاقها. أما الأمة التي تتمتع بالأخلاق الفاضلة ففي منعة من ذلك. ٢٥ـ وبه يتمكن المرء من إصلاح ذات البين: فحسن الخلق يرضى به جميع الأطراف، وبذلك يستطيع أن يجمع القلوب المتنافرة، والآراء المشتتة.

стр. 85

٢٦ـ حسن الخلق يستر العيوب: فقد يبتلى المرء بكثير من الآفات والعيوب الخلقية من دمامة ونحوها، مما يجعله عرضة للذم، وغرضا للسخرية من بعض الناس. ولكن ذلك لا يقصره عن مجد، ولا يقعد به عن سؤدد، وذلك إذا رزق بخلق حسن، وعقل راجح. فحسن الخلق يغطي غيره من القبائح، كما أن سوء الخلق يقبح غيره من المحاسن١ فهذا الأحنف بن قيس الذي سارت بأخباره الركبان كان من أقبح الناس خلقة؛ فما من خصلة ذم إلا وهي موجودة فيه. ومع ذلك بلغ ما بلغ من المجد والسؤدد بحلمه، وشجاعته، وحسن خلقه، وروعة بيانه. "روى الهيثم بن عدي عن أبي يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير، قال: قدم علينا الأحنف بن قيس الكوفة مع مصعب بن الزبير، فما رأيت خصلة تذم في رجل إلا وقد رأيتها فيه، كان صعل الرأس٢، أحجن٣ الأنف، أغضف٤الأذن، متراكب الأسنان، أشدق٥ مائل الذقن، ناتئ الوجنة، باخق٦ العين، خفيف

стр. 86

العارضين، أحنف الرجلين، ولكنه كان إذا تكلم جلى عن نفسه"١. ليس الجمال بمئزر ... فاعلم إذا رديت بردا إن الجمال معادن ... ومناقب أورثن مجدا٢.

стр. 87

الفصل الثاني: أسباب اكتساب حسن الخلق لا ريب أن أثقل ما على الطبيعة البشرية تغير الأخلاق التي طبعت عليها النفس، إلا أن ذلك ليس متعذرا ولا مستحيلا ـ كما مر. بل إن هناك أسبابا عديدة، ووسائل متنوعة يستطيع الإنسان من خلالها أن يكتسب حسن الخلق. ١ـ سلامة العقيدة: فشأن العقيدة عظيم، وأمرها جلل؛ فالسلوك ـ في الغالب ـ ثمرة لما يحمله الإنسان من فكر، وما يعتقده من معتقد، وما يدين به من دين. والانحراف في السلوك إنما هو ناتج عن خلل في المعتقد. ثم إن العقيدة هي الإيمان، وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا؛ فإذا صحت العقيدة حسنت الأخلاق تبعا لذلك؛ فالعقيدة الصحيحة تحمل صاحبها على مكارم الأخلاق من صدق، وكرم، وحلم، وشجاعة، ونحو ذلك. كما أنها تردعه وتزمه عن مساوئ الأخلاق من كذب، وشح، وطيش، وجهل ونحوها.

стр. 88

قال الغزالي ﵀:"آداب الظواهر عنوان آداب البواطن، وحركات الجوارح ثمرات الخواطر، والأعمال نتيجة الأخلاق، والآداب رشح المعارف، وسرائر القلوب هي مغارس الأفعال ومنابعها، وأنوار السرائر هي التي تشرق على الظواهر فتزينها، وتجليها، وتبدل بالمحاسن مكارهها ومساويها. ومن لم يخشع قلبه لم تخشع جوارحه، ومن لم يكن صدره مشكاة الأنوار الإلهية لم يفض على ظاهره جمال الآداب النبوية"١. فإذا كان الأمر كذلك فما أجدر المسلم أن يحرص كل الحرص على سلامة عقيدته وصفائها من كل شائبة تشوبها، وما أحرى بالمخلصين أن يقدموا أمر العقيدة على كل شيء؛ لأن الناس إذا صحت عقائدهم زكت نفوسهم، واستقامت أخلاقهم تبعا لذلك. ٢ـ الدعاء: فالدعاء باب عظيم، فإذا فتح للعبد تتابعت عليه الخيرات، وانهالت عليه البركات. فمن رغب بالتحلي بمكارم الأخلاق، ورغب بالخلي من مساوئ الأخلاق ـ فليلجأ إلى ربه، وليرفع إليه أكف الضراعة؛ ليرزقه حسن الخلق، ويصرفه عنه سيئه؛ فالدعاء مفيد في هذا الباب وغيره، ولهذا كان النبي ﷺ كثير الضراعة إلى ربه يسأله أن يرزقه حسن الخلق، وكان يقول في دعاء الاستفتاح: "اللهم اهدني لأحسن الأخلاق؛ لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني

стр. 89

سيئها؛ لا يصرف عني سيئها إلا أنت" ١. وكان من دعائه: "اللهم جنبني منكرات الأخلاق، والأهواء، والأعمال، والأدواء" ٢. وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والهرم، والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات" ٣. ٣ـ المجاهدة: فالمجاهدة تنفع كثيرا في هذا الباب؛ ذلك أن الخق الحسن نوع من الهداية يحصل عليه المرء بالمجاهدة. قال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] . فمن جاهد نفسه على التحلي بالفضائل، وجاهدها على التخلي من الرذائل حصل له خير كثير، واندفع عنه شر مستطير؛ فالأخلاق ـ كما مر ـ منها ما هو غريزي فطري، ومنها ما هو اكتسابي يأتي بالدربة والممارسة. والمجاهدة لا تعني أن يجاهد المرء نفسه مرة أو مرتين أو أكثر،

стр. 90

بل تعني أن يجاهد نفسه حتى يموت؛ ذلك أن المجاهدة عبادة، والله ﵎ يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر٩٩] . ٤ـ المحاسبة: وذلك بنقد النفس إذا ارتكبت أخلاقا ذميمة، وحملها على ألا تعود إلى تلك الأخلاق مرة أخرى، مع أخذها بمبدأ الثواب إذا أحسنت، وأخذها بمبدأ العقاب إذا توانت وقصرت. فإذا أحسنت أراحها، وأجمها، وأرسلها على سجيتها بعض الوقت في المباح. وإذا أساءت وقصرت أخذها بالحزم والجد، وحرمها من بعض ما تريد. على أنه لا يحسن المبالغة في محاسبة النفس؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى انقباضها وانكماشها. قال ابن المقفع: "ليحسن تعاهدك نفسك بما تكون به للخير أهلا؛ فإنك إن فعلت ذلك أتاك الخير يطلبك كما يطلب الماء السيل إلى الحدورة"١٢. ٥ـ التفكير في الآثار المترتبة على حسن الخلق: فإن معرفة ثمرات الأشياء، واستحضار حسن عواقبها ـ من أكبر الدواعي إلى فعلها، وتمثلها، والسعي إليها. فكلما تصعبت النفس فذكرها تلك الآثار، وما تجني بالصبر

стр. 91

من جميل الثمار؛ فإنها حينئذ تلين، وتنقاد طائعة منشرحة؛ فإن المرء إذا رغب في مكارم الأخلاق، وأدرك أنها أولى ما اكتسبته النفوس، وأجل غنيمة غنمها الموفقون ـ سهل عليه نيلها واكتسابها١. ٦ـ النظر في عواقب سوء الخلق: وذلك بتأمل ما يجلبه سوء الخلق من الأسف الدائم، والهم الملازم، والحسرة والندامة، والبغضة في قلوب الخلق؛ فذلك يدعو المرء إلى أن يقصر عن مساوئ الأخلاق، وينبعث إلى محاسنها. ٧ـ الحذر من اليأس من إصلاح النفس: فهناك من إذا ابتلي بمساوئ الأخلاق ظن أن ذلك الأمر ضربة لازب لا تزول، وأنه وصمة عار لا تنمحي. وهناك من إذا حاول التخلص من عيوبه مرة أو أكثر فلم يفلح ـ أيس من إصلاح نفسه، وترك المحاولة إلى غير رجعة. وهذا الأمر لا يحسن بالمسلم، ولا يليق به أبدا؛ فلا ينبغي له أن يرضى لنفسه بالدون، وأن يترك رياضة نفسه؛ زعما منه أن تبدل الحال من المحال. بل ينبغي له أن يقوي إرادته، ويشحذ عزيمته، وأن يسعى لتكمل نفسه، وأن يجد في تلافي عيوبه؛ فكم من الناس من تبدلت حاله، وسمت نفسه، وقلت عيوبه بسبب دربته، ومجاهدته، وسعيه، وجده، ومغالبته لطبعه.

стр. 92

قال ابن المقفع: "وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساويها في الدين، وفي الأخلاق، وفي الآداب، فيجمع ذلك كله في صدره، أو في كتاب، ثم يكثر عرضه على نفسه، ويكلفها إصلاحه، ويوظف ذلك عليها توظيفا من إصلاح الخلة أو الخلتين في اليوم، أو الجمعة، أو الشهر. فكلما أصلح شيئا محاه، وكلما نظر إلى محو استبشر، وكلما نظر إلى ثابت أكتأب"١. يقول الإمام ابن حزم ﵀ متحدثا عن تجربته مع نفسه، وعن محاولاته في التخلص من عيوبه، وعن النتائج التي حصل عليها من جراء ذلك، يقول: "كانت في عيوب، فلم أزل بالرياضة، واطلاعي على ما قالت الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وآداب النفس، أعاني مداوتها، حتى أعان الله على أكثر ذلك بتوفيقه ومنّه. وتمام العدل، ورياضة النفس، والتصرف بالأمور ـ هو الإقرار بها؛ ليتعظ بذلك متعظ يوما إن شاء الله. فمنها٢ كلف في الرضاء، وإفراط في الغضب، فلم أزل أداوي ذلك حتى وقفت عند ترك إظهار الغضب جملة بالكلام، والفعل، والتخبط، وامتنعت مما لا يحل من الانتصار، وتحملت من

стр. 93

ذلك ثقلا شديدا، وصبرت على مضض مؤلم كان ربما أمرضني، وأعجزني ذلك في الرضا، وكأني سامت نفسي؛ لأنها تمثلت أن ترك ذلك لؤم. ومنها دعاية غالبة، فالذي قدرت عليه منها إمساكي عما يغضب الممازح، وسامحت نفسي فيها؛ إذ رأيت أن تركها من الانغلاق، ومضاهيا للكبر. ومنها عجب شديد، فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب ذلك كله، ولم يبق له ـ والحمد لله ـ أثر، بل كلفت نفسي احتقار قدرها جملة، واستعمال التواضع. ومنها حركات كانت تولدها غرارة الصبا، وضعف في الإغضاء، فقصرت نفسي على تركها فذهبت. ومنها محبة في بعد الصيت والغلبة، فالذي وقفت عليه في معاناة هذا الداء الإمساك فيه عما لا يحل في الديانة، والله المستعان على الباقي"١. وقال ـ أيضا ـ "ومنها إفراط في الأنفة بغّضتْ إلي نكاح الحرم بكل وجه، وصعبت ذلك في طبيعتي، وكأني توقفت عن مغالبة هذا الإفراط الذي أعرف قبحه لعوارض اعترضت علي والله المستعان. ومنها عيبان قد سترهما الله ـ تعالى ـ وأعان على مقاومتهما، وأعان بلطفه عليهما، فذهب إحداهما البتة ـ والحمد لله ـ وكأن

стр. 94

السعادة كان موكلة بي، فإذا لاح منه طالع قصدت طمسه، وطاولني الثاني منهما، فكان إذا ثار منه مدوده١ نبضت عروقه، فيكاد يظهر، ثم يسر الله قدعه بضروب من لطفه حتى أخلد. ومنها حقد مفرط، قدرت بعون الله ـ تعالى ـ على طيه وستره، وغلبته على إظهار جميع نتائجه، وأما قطعه البتة فلم أقدر عليه، وأعجزني أن أصادق من عادني عداوة صحيحة أبدا"٢. ٨ـ علو الهمة: فعلو الهمة يستلزم الجد، والإباء، ونشدان المعالي، وتطلاب الكمال، والترفع عند الدنايا، والصغائر، ومحقرات الأمور. والهمة العالية لا تزال بصاحبها تضربه بسياط اللوم والتأنيب، وتزجره عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل حتى ترفعه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد. قال ابن القيم ﵀: "فمن علت همته، وخشعت نفسه اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه اتصف بكل خلق رذيل"٣. وقال ﵀: "فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلها، وأحمدها عاقبة. والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع

стр. 95

الذباب على الأقذار؛ فالنفوس العلية لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة ولا بالخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأجل. والنفوس المهيمنة الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك"١. فإذا توفر المرء على اقتناء الفضائل، وألزم نفسه على التخلق بالمحاسن، ولم يرض من منقبة إلا بأعلاها، ولم يقف عند فضيلة إلا وطلب الزيادة عليها، واجتهد فيما يحسن سياسة نفسه عاجلا، ويبقي لها الذكر الجميل آجلا ـ لم يلبث أن يبلغ الغاية من التمام، ويرتقي إلى النهاية من الكمال، فيحوز السعادة الإنسانية، والرئاسة الحقيقية، ويبقى له حسن الثناء مؤبدا، وجميل الذكر مخلدا"٢. ٩ـ الصبر: فالصبر من الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها الخلق الحسن؛ فالصبر يحمل على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم، والأناة، والرفق، وترك الطيش والعجلة٣. وقل من جد في أمر تطلبه ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر ١٠ـ العفة: فهي تحمل على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل، وتحمل على الحياء وهو رأس كل خير، وتمنع من الفحشاء، والبخل، والكذب، والغيبة، والنميمة٤.

стр. 96

١١ـ الشجاعة: فهي تحمل على عزة النفس، وإباءة الضيم، وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس، وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته. وهي تحمل صاحبها على كظم الغيظ، والحلم؛ فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنانها، ويكبحها بلجامها عن النزق والطيش١. ١٢ـ العدل: فهو يحمل على اعتدال الأخلاق، وتوسطها بين الإفراط والتفريط؛ فيحمل على خلق الجود الذي هو توسط بين البخل والإسراف، وعلى خلق التواضع الذي هو توسط بين الذلة والقحة، وعلى خلق الشجاعة الذي هو توسط بين الجبن والتهور، وعلى خلق الحلم الذي هو توسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس٢. ١٣ـ تكلف البشر والطلاقة، وتجنب العبوس والتقطيب: قال ابن حبان ﵀ "البشاشة إدام العلماء، وسجية الحكماء؛ لأن البشر يطفئ نار المعاندة، ويحرق هيجان المباغضة، وفيه تحصين من الباغي، ومنجاة من الساعي"٣.

стр. 97

وقال الشاعر: ألق بالبشر من لقيت من النا ... س جميعا ولاقه بالطلاقه تجن منهم جنى ثمار فخذها ... طيبا طعمه لذيذ المذاقه١. قال أبو جعفر المنصور: "إن أحببت أن يكثر الثناء الجميل عليك من الناس بغير نائل ـ فالقهم ببشر حسن"٢. "قيل للعتابي: إنك تلقى الناس كلهم بالبشر! قال: دفع ضغينة بأيسر مؤونة، واكتساب إخوان بأيسر مبذول"٣. وقال محمد بن حازم: وما اكتسب المحامد حامدوها ... بمثل البشر والوجه الطليق٤. وقال آخر: أخو البشر محبوب على حسن بشره ... ولن يعدم البغضاء من كان عابسا٥. وقال آخر: البشر يكسب أهله ... صدق المودة والمحبة والتيه يستدعي لصا ... حبه المذمة والمسبة٦

стр. 98

وقال ابن عقيل الحنبلي ﵀ "البشر مؤنس للعقول، ومن دواعي القبول، والعبوس ضده"١. بل إن تبسم الرجل في وجه أخيه المسلم صدقة يثاب عليها. قال النبي ﷺ "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة" ٢. وقال ﵊ "لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" ٣. وإذا كان الأمر كذلك فأجدر بالعاقل ألا يرى إلا هشا باشا متهللا متطلقا. فإن كان ذلك سجية في المرء وطبعا ـ فليحمد الله، وليتعاهد هذه الخصلة الحميدة من نفسه. وإلا فليجاهد نفسه على تكلف البشر والطلاقة، وعلى تجنب العبوس والتقطيب جملة؛ حتى تألفه ذلك نفسه، وتأنس به أنس الرضيع بثدي أمه. وحينئذ ترق حواشيه، وتلين عريكته، ويؤنس في حديثه، ويرغب في مجلسه.

стр. 99

١٤ـ التغاضي والتغافل: فالتغاضي والتغافل من أخلاق الأكابر والعظماء وهو مما يعين على استبقاء المودة واستجلابها، وعلى وأد العداوة وإخلاد المباغضة. ثم إنه دليل على سمو النفس، وشفافيتها، وهو مما يرفع المنزلة، ويعلي المكانة. قال ابن الأثير متحدثا عن صلاح الدين الأيوبي: "وكان ﵀ حليما حسن الأخلاق، ومتواضعا، صبورا على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولا يعلمه بذلك، ولا يتغير عليه. وبلغني أنه كان جالسا وعنده جماعة، وفرمى بعض المماليك بعضا بسرموز١فأخطأته، ووصلت إلى صلاح الدين فأخطأته، ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلم جليسه؛ ليتغافل عنها"٢. وكان الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ كثير التغاضي عن كثير من الأمور في حق نفسه، وحينما يسأل عن ذلك كان يقول: ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي٣

стр. 100

قال ابن حبان ﵀: "من لم يعاشر الناس على لزوم الإغضاء عما يأتون من المكروه، وترك التوقع لما يأتون من المحبوب كان إلى تكدير عيشه أقرب منه إلى صفائه، وإلى أن يدفعه الوقت إلى العداوة، والبغضاء أقرب منه أن ينال منهم الوداد وترك الشحناء"١. قال ابن المقفع: "إن من إرب٢ الأريب دفن إربه ما استطاع، حتى يعرف بالمسامحة في الخليقة، والاستقامة على الطريقة"٣. قال الشاعر: أغمض عيني عن صديقي كأنني ... لديه بما يأتي من القبح جاهل وما بي جهل غير أن خليقتي ... تطيق احتمال الكره فيما أحاول٤. وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: أغمض عيني عن أمور كثيرة ... وإني على ترك الغموض قدير وما من عمى أغضي ولكن لربما ... تعامى وأغضى المرء وهو بصير وأسكت عن أشياء لو شئت قلتها ... وليس علينا في المقال أمير أصبر نفسي باجتهادي وطاقتي ... وإني بأخلاق الجميع خبير٥ ١٥ـ الحلم: فالحلم من أشرف الأخلاق، وأحقها بذوي الألباب؛ لما فيه

стр. 101

من سلامة العرض، وراحة الجسد، واجتلاب والحمد. وحد الحلم ضبط النفس عند هيجان الغضب. وليس من شرط الحلم ألا يغضب الحليم، وإنما إذا ثار به الغضب عند هجوم دواعيه كف سورته بحزمه، وأطفأ ثائرته بحلمه١. فإذا اتصف المرء بالحلم كثر محبوه، وقل شانئوه، وعلت منزلته، ووفرت كرامته. هذا وستتضح بعض معالم الحلم في الفقرات الآتية إن شاء الله. ١٦ـ الإعراض عن الجاهلين: فمن أعرض عن الجاهلين حمى عرضه، وأراح نفسه، وسلم من سماع ما يؤذيه. قال ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] . فبالإعراض عن الجاهلين يحفظ الرجل على نفسه عزتها؛ إذ يرفعها عن الطائفة التي تلذ المهاترة والإقذاع. قال بعض الشعراء: إني لأعرض عن أشياء أسمعها ... حتى يقول رجال إن بي حمقا أخشى جواب سفيه لا حياء له ... فسل وظن أناس أنه صدقا٢.

стр. 102

والعرب تقول: "إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر"١. "وروي أن رجلا نال من عمر بن عبد العزيز، فلم يجبه، فقيل له: ما يمنعك منه؟ قال: التقي ملجم"٢. ١٧ـ الترفع عن السباب: فذلك من شرف النفس، وعلو الهمة، كما قالت الحكماء: "شرف النفس أن تحمل المكاره كما تحمل المكاره"٣. "قال رجل من قريش: ما أظن معاوية أغضبه شيء قط. فقال بعضهم: إن ذكرت أمه غضب. فقال مالك بن أسماء المنى القرشي: أنا أغضبه إن جعلتم لي جعلا٤ففعلوا، فأتاه في الموسم، فقاله له: يا أمير المؤمنين إن عينيك لتشبهان عيني أمك. قال: نعم كانتا عينين طالما أعجبتا أبا سفيان! ثم دعا مولاه شقران فقال له: أعدد لأسماء المنى دية ابنها؛ فإني قد قتلته وهو لا يدري.

стр. 103

فرجع وأخذ الجعل، فقيل له: إن أتيت عمر بن الزبير فقل١ له مثل ما قلت لمعاوية أعطيناك كذا وكذا. فأتاه فقال له ذلك، فأمر بضربه حتى مات. فبلغ معاوية، فقال: أنا والله قتلته، وبعث إلى أمه بديته، وأنشأ يقول: ألا قل لأسماء المنى أم مالك ... فإن لعمر الله أهلكت مالكا٢. "وروي أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة خرج ليلة في السحر إلى المسجد ومعه حرسي، فمرا برجل نائم على الطريق، فعثر به، فقال: أمجنون أنت؟ فقال عمر: لا، فهمّ الحرسي به، فقال عمر: مه، فإنه سألني: أمجنون أنت؟ فقلت: لا"٣. "وقيل: وجاء رجل إلى الأحنف بن قيس فلطم وجهه، فقال: بسم الله، يا بن أخي ما دعاك إلى هذا؟ قال: آليت٤أن ألطم سيد العرب من بني تميم. قال: فبر بيمينك، فما أنا بسيدها، سيدها حارثة بن قدامة. فذهب الرجل فلطم حارثة، فقام إليه حارثة بالسيف فقطع يمينه.

стр. 104

فبلغ ذلك الأحنف، فقال: أنا والله قعطتها"١. قال الأصمعي: "بلغني أن رجلا قال لآخر: والله لئن قلت واحدة لتسمعن عشرا. فقال الآخر: لكنك إن قلت عشرا لم تسمع واحدة! "٢. "وشتم رجل الحسن وأربى عليه، فقال له: أما أنت فما أبقيت شيئا، وما يعلم الله أكثر"٣. وقال الشافعي ﵀: إذا سبني نذل تزايدت رفعة ... وما العيب إلا أن أكون مساببه ولو لم تكن نفسي علي عزيزة ... لمكنتها من كل نذل تحاربه٤ وقال آخر: ولست مشاتما أحدا؛ لأني ... رأيت الشتم من عي الرجال إذا جعل اللئيم أباه نصبا ... لشاتمه فديت أبي بمالي٥. ١٨ـ الاستهانة بالمسيء: وذلك ضرب من ضروب الأنفة والعزة، ومن مستحسن الكبر والإعجاب. "حكي عن مصعب بن الزبير أنه لما ولي العراق جلس يوما

стр. 105

لعطاء الجند، وأمر مناديه، فنادى: أين عمرو بن جرموز ـ وهو الذي قتل أباه الزبير ـ فقيل له: أيها الأمير، إنه قد تباعد في الأرض. فقال: أو يظن الجاهل أني أقيده بأبي عبد الله؟ فليظهر آمنا؛ ليأخذ عطاءه موفرا. فعد الناس ذلك من مستحسن الكبر"١. ومثل ذلك قول بعض الزعماء في شعره: أو كلما طن الذباب طردته ... إن الذباب إذا علي كريم٢. "وأكثر رجل من سب الأحنف وهو لا يجيبه، فقال ـ يعني الساب ـ: والله ما منعه من جوابي إلا هواني عليه"٣. وفي مثله يقول الشاعر: نجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا٤ "وشتم رجل الأحنف، وجعل يتبعه حتى بلغ حيه، فقال الأحنف: يا هذا إن كان بقي في نفسك شيء فهاته، وانصرف؛ لا يسمعك بعض سفهائنا، فتلقى ما تكره"٥. وقيل للشعبي: فلان يتنقصك ويشتمك، فتمثل الشعبي بقول كثير: هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت٦

стр. 106

"وأسمع رجل ابن هبيرة فأعرض عنه، فقال: إياك أعني، فقال له: وعنك أعرض"١. ١٩ـ نسيان الأذية: وذلك بأن تنسى أذية من نالك بسوء؛ ليصفو قلبك له، ولا تستوحش منه٢؛ فمن تذكر إساءة إخوانه لم تصف له مودتهم، ومن تذكر إساءة الناس إليه لم يطب له العيش معهم؛ فانس ما استطعت النسيان"٣. ٢٠ـ العفو والصفح ومقابلة الإساءة بالاحسان: فهذا سبب لعلو المنزلة، ورفعة الدرجة، وفيه من الطمأنينة، والسكينة، والحلاوة، وشرف النفس، وعزها، وترفها عن تشفيها بالانتقام ـ ما ليس شيء في المقابلة والانتقام٤. قال النبي ﵊: "وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا" ٥. وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: "أحب الأمور إلى الله ثلاثة: العفو عند المقدرة، والقصد في الجدة، والرفق بالعبدة"٦. "وعن داود بن الزبرقان قال: قال أيوب: لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عنهم"٧.

стр. 107

وقال الشافعي ﵀: لما عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من ظلم العداوات١. ومن جميل ما يذكر في هذا قول المقنع الكندي: وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا إذا قدحوا لي نار حرب بزندهم ... قدحت لهم في كل مكرمة زندا وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقد٢. وقال محمد الأمين الشنقيطي ﵀: وإني لأكسو الخل حلة سندس ... إذا ما كساني من ثياب حِداده٣. وعن عبد الملك أو قيس بن عبد الملك قال: "قام عمر بن عبد العزيز إلى قائلته، وعرض له رجل بيده طومار٤، فظن القوم أنه يريد أمير المؤمنين، فخاف أن يحبس دونه، فرماه بالطومار، فالتفت عمر، فوقع في وجهه فشجه. قال: فنظرت إلى الدماء تسيل على وجهه وهو قائم في الشمس، فلم يبرح حتى قرأ الطومار، وأمر له بحاجته، وخلى سبيله"٥.

стр. 108

وقال ابن القيم ﵀ متحدثا عن حسن الخلق والعفو، والإحسان إلى من أساء: "وما رأيت أحدا أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه ـ وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه. وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم. وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له ـ فنهرني، وتنكر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله، فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام. فسروا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه"١. فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجدر بالعاقل ـ كما قال ابن حبان ـ "توطين نفسه على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة؛ إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها"٢. وقد يظن ظان أن العفو عن المسيء، والإحسان إليه مع القدرة عليه ـ موجب للذلة والمهانة، وأنه قد يجر إلى تطاول السفهاء. وهذا خطأ؛ ذلك أن العفو والحلم لا يشتبه بالذلة بحال؛ فإن

стр. 109

الذلة احتمال الأذى على وجه يذهب بالكرامة. أما الحلم فهو إغضاء الرجل عن المكروه، حيث يزيده الإغضاء في أعين الناس رفعة ومهابة. سياسة الحلم لا بطش يكدرها ... فهو المهيب ولا تخشى بوادره١. فالعفو إسقاط حقك جودا، وكرما، وإحسانا مع قدرتك على الانتقام، فتؤثر الترك؛ رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق. بخلاف الذل؛ فإن صاحبه يترك الانتقام عجزا، وخوفا، ومهانة نفس، فهذا غير محمود، بل لعل المنتقم بالحق أحسن حالا منه٢. ٢١ـ السخاء: فالسخاء محبة ومحمدة، كما أن البخل مذمة ومبغضة، فالسخاء يجلب المودة، وينفي العداوة، ويكسب الذكر الجميل، ويخفي العيوب والمساوئ. وإن كثرت عيوبك في البرايا ... وسرك أن يكون لها غطاء تستر بالسخاء فكل عيب ... يغيطه كما قيل السخاء٣. فإذا ما اتصف الإنسان بالسخاء زكت نفسه، ولانت عريكته، وقاده ذلك إلى أن يترقى في مكارم الأخلاق ومدارج الفضيلة؛ فالسخي قريب من كل خير وبر. ولهذا كان الأكابر يبادرون إلى تلك الخلة، ويحرصون كل

стр. 110

الحرص على اكتسابها، ويوصون غيرهم بأن يتحلى بها. قال ابن عباس ﵄ "ثلاثة لا أكافئهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسع لي في المجلس، ورجل اغبرت قدماه من المشي إلي؛ إرادة التسليم علي. أما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله. قيل: من هو؟ قال: رجل نزل به أمر، فبات ليلته يفكر بمن ينزله، ثم رآني أهلا لحاجته فأنزلها بي"١. وله ﵁ شعر في هذا المعنى يقول فيه: إذا طارقات لهمّ ضاجعت الفتى ... وأعمل فكر الليل والليل عاكر وباكرني في حاجة لم يجد بها ... سواي ولا من نكبة الدهر ناصر فرجت بمالي همه من مقامه ... وزايله همّ طروق مسامر وكان له فضل علي بظنه ... بي الخير إني للذي ظن شاكر٢ قال الرافعي ﵀: "فمن ألزم نفسه الجود والإنفاق راضها رياضة عملية كرياضة العضل بأثقال الحديد، ومعاناة القوة في الصراع ونحوه. أما الشح فلا يناقض تلك الطبيعة، ولكنه يدعها جامدة مستعصية، لا تلين، ولا تستجيب، ولا تتيسر"٣.
следующие страницы →