← Акыда

Акыда · id 11250

شرح العقيدة الواسطية - العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (835 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الأخص إيهاماً وتلبيساً ينزه عنه كلام الله . وعلى هذا يكون في الآية دليل عليهم لا دليل لهم. وأما أدلة نفاة الرؤية العقلية؛ فقالوا: لو كان الله يرى لزم أن يكون جسماً والجسم ممتنع على الله تعالى لأنه يستلزم التشبيه والتمثيل. والرد عليهم: أنه إن كان يلزم ن رؤية الله تعالى أن يكون جسماً فليكن ذلك, لكننا نعلم علم اليقين أنه لا يماثل أجسام المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. على أن القول بالجسم نفياً أو إثباتاً مما أحدثه المتكلمون وليس في الكتاب والسنة إثباته ولا نفيه. وقد أجاب النفاة عن أدلة أهل الإثبات بأجوبة باردة, فحرفوها تحريفاً لا يخفى على أحد وليس هذا موضع ذكرها وهي مذكورة في الكتب المطولة. ما نستفيد من الناحية المسلكية من هذا الآيات: أما في مسألة الرؤية؛ فما أعظم أثرها على الاتجاه المسلكي؛ لأن الإنسان إذا وجد أن غاية ما يصل إليه من الثواب هو النظر إلى وجه الله كانت الدنيا كلها رخيصة عنده؛ وكل شيء يرخص في جانب الوصول إلى رؤية الله لأنها غاية كل طالب, ومنتهى المطالب.

стр. 457

فإذا علمت انك سوف ترى ربك عياناً بالبصر فوالله لا تساوي الدنيا عندك شيئاً. فكل الدنيا ليست بشيء؛ لأن النظر إلى وجه الله هو الثمرة التي يتسابق فيها المتسابقون, ويسعى إليها الساعون وهي غاية المرام من كل شيء. فإذا علمت هذا فهل تسعى إلى الوصول إلى ذلك أم لا؟! والجواب: نعم؛ أسعى إلى الوصول إلى ذلك بدون تردد. وإنكار الرؤية في الحقيقة حرمان عظيم, لكن الإيمان بها يسوق الإنسان سوقاً عظيماً إلى الوصول إلى هذا الغاية؛ فهو يسر ولله الحمد؛ فالدين كله يسر حتى إذا وجد الحرج تيسر الدين فأصله ميسر وإذا وجد الحرج تيسر ثانية, وإذا لم يمكن القيام به أبداً سقط؛ واجب مع العجز, ولا حرام مع الضرورة. قال المؤلف ﵀: "وهذا الباب في كتاب الله كثير ومن تدبر القرآن طالباً للهدى تبين له طريق الحق". قوله: "وهذا الباب": الإشارة هنا إلى باب الأسماء والصفات. قوله: "في كتاب الله كثير": ولذلك؛ ما من آية من كتاب الله إلا وتجد فيها غالباً اسماً من أسماء الله أو فعلاً من أفعاله أو حكماً من أحكامه بل لو شئت لقلت: كل آية في كتاب الله

стр. 458

فهي صفة من صفات الله لأن القرآن الكريم كلام الله ؛ فكل آية منه فهي صفة من صفات الله . وقوله: "ومن تدبر القرآن": تدبر الشيء معناه: التفكر فيه, كان الإنسان يستدبره مرة ويستقبله أخرى فهو يكرر اللفظ ليفهم المعنى فالذي يتدبر القرآن بهذا الفعل واما النية فهي أن يكون "طالباً للهدى" منه فليس قصده بتدبر القرآن أن ينتصر لقوله, أو أن يتخذ منه مجادلة بالباطل, ولكن قصده طلب الحق فإنه سوف تكون النتيجة قول المؤلف: "تبين له طريق الحق". وما أعظمها من نتيجة!! لكنها مسبوقة بأمرين: التدبر وحسن النية بأن يكون الإنسان طالباً للهدى من القرآن فحينئذ يتبين له طريق الحق. والدليل على ذلك عدة آيات؛ منها: قول الله ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢].

стр. 459

والآيات في هذا كثيرة تدل على أن من تدبر القرآن - لكن بهذه النية, وهي طلب الهدى منه- لابد أن يصل إلى النتيجة وهي تبين طريق الحق. أما من تدبر القرآن ليضرب بعضه ببعض وليجادل بالباطل ولينصر قوله كما يوجد عند أهل البدع وأهل الزيغ فإنه يعمى عن الحق والعياذ بالله: لأن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]؛ على تقدير (أما)؛ أي: وأما راسخون في العلم فـ ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] , وإذا قالوا هذا القول؛ فسيهديهم إلى بيان هذا المتشابه ثم قال: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُو الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].

стр. 460

شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية شرحه سماحة الشيخ محمد الصالح العثيمين خرج أحاديثه واعتنى به سعد بن فواز الصميل [المجلد الثاني] دار ابن الجوزي

стр. 461

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 462

شَرحُ العَقِيدة الوَاسِطِيَّة

стр. 463

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لقد جرى مني الإذن لـ «دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع» بطبعي مؤلفي «شرح العقيدة الواسطية» بشرط العناية بالتصحيح وأن لا يحتفظوا بحقوق الطبع. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٢٩/ ١٢/ ١٤١٥ هـ الطبعة السادسة جمادى الأولى ١٤٢١ هجري دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية الدمام - شارع ابن خلدون - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩ - ٨٤٦٧٥٩٣ ص ب: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ الإحساء - الهفوف - شارع الجامعة - ت: ٥٨٨٣١٢٢ جدة: ت: ٦٥١٦٥٤٩ الرياض: ت: ٤٢٦٦٣٣٩

стр. 464

فصل في سنة رسول الله ﷺ - الشرح: * السنة في اللغة: الطريقة، ومنه قال ﷺ : "لتركبن سنن من كان قبلكم" (١)؛ يعني: طريقتهم. * وفي الاصطلاح: هي قول النبي ﷺ وفعله وإقراره. فتشمل الواجب والمستحب. * والسنة هي المصدر الثاني في التشريع. ومعنى قولنا: "المصدر الثاني": يعني: في العدد، وليس في الترتيب؛ فإن منزلتها إذا صحت عن النبي ﷺ كمنزلة القرآن. لكن الناظر في القرآن يحتاج إلى شيء واحد، وهو صحة الدلالة على الحكم، والناظر في السنة يحتاج إلى شيئين: الأول: صحة نسبتها إلى الرسول ﷺ ، والثاني: صحة دلالتها على الحكم؛ فكان المستدل بالسنة يعاني من الجهد أكثر مما يعانيه المستدل بالقرآن؛ لأن القرآن قد كفينا سنده؛ فسنده متواتر، ليس فيه ما يوجب الشك؛ بخلاف ما ينسب إلى الرسول ﷺ . فإذا صحت السنة عن رسول الله ﷺ ؛ كانت بمنزلة القرآن تمامًا في تصديق الخبر والعمل بالحكم: كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:

стр. 465

١١٣]. وقال النبي ﷺ : "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته؛ يأتيه الأمر من أمري؛ يقول: لا ندري! ما وجدنا في كتاب الله؛ اتبعناه، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه" (١). ولهذا كان القول الصحيح أن القرآن يُنسخ بالسنة إذا صحت عن النبي ﷺ ، وأن ذلك جائز عقلًا وشرعًا، ولكن ليس له مثال مستقيم (٢). • قال المؤلف: "فَ السُّنَّةُ تُفَسِّرُ القُرْآنَ وَتُبيِّنُهُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ". * قوله: "تفسر القرآن"، يعني: توضح المعنى المراد منه: كما في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]؛ حيث فسرها النبي ﷺ بأنها النظر إلى وجه الله (٣).

стр. 466

وكما فَسَّر النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فقال: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" (١). * و "تبيِّنُه"؛ يعني: تبين المجمل منه؛ حيث إن في القرآن آيات مجملة، لكن السنة بينتها ووضحتها؛ مثل: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]: أمر الله بإقامتها، وبيَّنت السنة كيفيتها. وقوله سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾؛ يعني: من دلوك الشمس إلى غسق الليل؛ أي: غاية ظلمته، وهو نصفه؛ لأن أشد ما يكون في ظلمة الليل نصفه. فظاهر الآية أن هذا وقت واحد، ولكن السنة فصلت هذا المجمل: فللظهر: من دلوك الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله. وللعصر: من ذلك إلى اصفرار الشمس في الاختيار، ثم إلى غروبها في الضرورة. وللمغرب: من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر.

стр. 467

وللعشاء: من مغيب الشفق الأحمر إلى نصف الليل، وليس هناك وقت ضرورة للعشاء، ولهذا لو طهرت الحائض في منتصف الليل الأخير؛ لم يجب عليها صلاة العشاء ولا صلاة المغرب، لأن وقت صلاة العشاء تنتهي بانتصاف الليل، ولم يأت في السنة دليل على أن وقت صلاة العشاء يمتد إلى طلوع الفجر. وللفجر: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ولهذا قال في نفس الآية: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، ثم فَصَلَ وقت الفجر، فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، لأن وقت الفجر بينه وبين الأوقات الأخرى فاصل من قبله ومن بعده، فنصف الليل الثاني قبله، ونصف النهار الأول بعده. هذا من بيان السنة حيث بينت الأوقات. كذلك: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، بينت السنة الأنصبة والأموال الزكوية. * و "تدل عليه": هذه كلمة تعم التفسير والتبيين والتعبير" فالسنة تفسر القرآن وتبين القرآن. * و"تعبر عنه"، يعني: تأتي بمعانٍ جديدة أو بأحكام جديدة ليست في القرآن. وهذا كثير، فإن كثيرًا من الأحكام الشرعية استقلت بها السنة، ولم يأت بها القرآن. لكن دل على أن لها حكم ما جاء في القرآن مثل قوله تعالى:

стр. 468

﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. أما الحكم المعين؛ فالسنة استقلت بأحكام كثيرة عن القرآن، ومن ذلك ما سيأتينا في أول حديث ذكره المؤلف في هذا الفصل: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ... " (١)، فإن هذا ليس في القرآن. إذًا؛ السنة مقامها مع القرآن على هذه الأنواع الأربعة: تفسير مشكل، وتبيين مجمل، ودلالة عليه، وتعبير عنه. * * * • ثم قال ﵀ قاعدة مهمة: "وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بهِ رَبَّه مِن الأَحَادِيثِ الصِّحاح الَّتي تَلَقَّاها أَهْلُ المَعْرِفَةِ بالقَبُولِ، وَجَبَ الإيمانُ بِهَا كَذَلِكَ". " قوله: "وما": هذه شرطية. وفعل الشرط: "وصف". "وجب الإيمان بها": هذا جواب الشرط. فما وصف الرسول به ربه، وكذلك ما سمى به ربه، لأن هناك أسماء مما سمى به الرسول ربه لم تكن موجودة في القرآن؛ مثل (الشافي)؛ قال النبي ﷺ : "واشف أنت الشافي، لا شفاء

стр. 469

إلا شفاؤك" (١). * "الرب": لم يأت في القرآن بدون إضافة لكن في السنة قال الرسول ﷺ : "أما الركوع فعظموا فيه الرب" (٢). وقال في السواك: "مطهرة للفم مرضاة للرب" (٣) وظاهر كلام المؤلف أنه يشترط لقبولها شرطان: الأول: أن تكون الأحاديث صحيحة. الثاني: أن يكون أهل المعرفة يعني بالأحاديث تلقوها بالقبول، ولكن ليس هذا هو المراد، بل مراد الشيخ ﵀ أن الأحاديث الصحاح تلقاها أهل المعرفة بالقبول فتكون الصفة هذه صفة كاشفة لا صفة مقيدة. * فقوله: "التي تلقاها": هذا بيان لحال الأحاديث الصحيحة أي أن أهل المعرفة تلقوها بالقبول لأنه من المستحيل أن تكون الأحاديث صحيحة، ثم يرفضها أهل المعرفة، بل سيقبلونها. صحيح أن هناك أحاديث ظاهرها الصحة، ولكن قد تكون معلولة بعلة؛ كانقلاب على الراوي ونحوه، وهذه لا تعد من الأحاديث الصحيحة.

стр. 470

قال: "وَجَبَ الإيمانُ بها": لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٥، ٦٦] ... والنصوص في هذا كثيرة معلومة. واعلم أن موقف أهل الأهواء والبدع تجاه الأحاديث المخالفة لأهوائهم يدور على أمرين: إما التكذيب، وإما التحريف. فإن كان يمكنهم تكذيبه؛ كذبوه؛ كقولهم في القاعدة الباطلة: أخبار الآحاد لا تقبل في العقيدة!! وقد رد ابن القيم ﵀ هذه القاعدة وأبطلها بأدلة كثيرة في آخر "مختصر الصواعق". وإن كان لا يمكنهم تكذيبه؛ حرفوه؛ كما حرفوا نصوص القرآن. أما أهل السنة؛ فقبلوا كل ما صح عن النبي ﷺ في الأمور العلمية والأمور العملية؛ لقيام الدليل على وجوب قبول ذلك. * وقوله: "كذَلِك"؛ يعني: كما يجب الإيمان بما في القرآن؛ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. وقد ذكر المؤلف منها أحاديث عديدة؛ منها. * * *

стр. 471

فصل في أحاديث الصفات • الحديث الأول في إثبات نزول الله إلى السماء الدنيا: وهو قوله ﷺ : "يَنْزِلُ رَبُّنا إلى سَماءِ الدُّنْيا كُلَّ لَيْلَةٍ، حينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَيَقولُ: مَنْ يَدْعوني فَأستجيبَ لَهُ، مَنْ يَسْألُني فَأعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُني فَأغْفِرَ لَهُ". متفق عليه (١). الشرح: * هذا الحديث قال بعض أهل العلم: إنه من الأحاديث المتواترة، واتفقوا على أنه من الأحاديث المشهورة المستفيضة عند أهل العلم بالسنة. * قوله: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا": نزوله تعالى حقيقي؛ لأنه كما مرَّ علينا من قبل: أن كل شيء كان الضَّمير يعود فيه إلى الله؛ فهو ينسب إليه حقيقة.

стр. 472

فعلينا أن نؤمن به ونصدق ونقول: ينزل ربُّنا إلى السماء الدنيا، وهي أقرب السماوات إلى الأرض، والسماوات سبع، وإنما ينزل في هذا الوقت من الليل للقرب من عباده جل وعلا؛ كما يقرب منهم عشية عرفة؛ حيث يباهي بالواقفين الملائكة (١). * وقوله: "كل ليلة": يشمل جميع ليالي العام. * "حين يبقى ثلث الليل الآخر" والليل يبتدئ من غروب الشمس اتفاقًا لكن حصل الخلاف في انتهائه هل يكون بطلوع الفجر أو بطلوع الشمس والظاهر أن الليل الشرعي ينتهي بطلوع الفجر والليل الفلكي يشهي بطلوع الشمس. * وقوله: "فيقول: من يدعوني": "من": استفهام للتشويق؛ كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]. * و "يدعوني"؛ أي: يقول: يا رب! * وقوله: "فأستجيب له ": بالنصب؛ لأنها جواب الطلب. * "من يسألني": يقول: أسألك الجنة، أو نحو ذلك. * "من يستغفرني": فيقول: اللهم اغفر لي، أو: أستغفرك اللهم! * "فأغفر له": والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه. بهذا يتبيَّن لكل إنسان قرأ هذا الحديث أن المراد بالنزول هنا نزول الله نفسه، ولا نحتاج أن نقول: بذاته؛ ما دام الفعل أُضيف

стр. 473

إليه؛ فهو له، لكن بعض العلماء قالوا: ينزل بذاته؛ لأنهم لجؤوا إلى ذلك، واضطروا إليه؛ لأن هناك من حرَّفوا الحديث وقالوا: الذي ينزل أمر الله! وقال آخرون: بل الذي ينزل رحمة الله! وقال آخرون: بل الذي ينزل مَلَكٌ من ملائكة الله! وهذا باطل؛ فإن نزول أمر الله دائمًا وأبدًا، ولا يختص نزوله في الثلث الأخير من الليل؛ قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣]. وأما قولهم: تنزل رحمة الله إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر! فسبحان الله! الرحمة لا تنزل إلا في هذا الوقت! قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]؛ كل النعم من الله، وهي من آثار رحمته، وهي تترى كل وقت!! ثم نقول: أي فائدة لنا بنزول الرحمة إلى السماء الدنيا؟! ثم نقول لمن قال: إنه ملَك من ملائكته: هل من المعقول أنَّ الملَك ملائكة الله يقول: مَن يدعوني فأستجيب له ... إلخ؟! فتبيَّن بهذا أن هذه الأقوال تحريف باطل يبطله الحديث. ووالله؛ ليسوا أعلم بالله من رسول الله، وليسوا أنصح لعباد الله من رسول الله، وليسوا أفصح في قولهم من رسول الله ﷺ !! يقولون: كيف تقولون: إن الله ينزل؟! إذا نزل؛ أين العلو؟! وإذا نزل؛ أين الاستواء على العرش؟! إذا نزل؛ فالنزول حركة

стр. 474

وانتقال!! إذا نزل؛ فالنزول حادث، والحوادث لا تقوم إلا بحادث!! فنقول: هذا جدال بالباطل، وليس بمانع من القول بحقيقة النزول!! هل أنتم أعلم بما يستحقُّه الله من أصحاب الرسول ﷺ ؟! فأصحاب الرسول ﷺ ما قالوا هذه الاحتمالات أبدًا؛ قالوا: سمعنا وآمنَّا وقبلنا وصدَّقنا. وأنتم أيها الخالفون المخالفون تأتون الآن وتجادلون بالباطل وتقولون: كيف؟! وكيف؟! نحن نقول: ينزل، ولا نتكلَّم عن استوائه على العرش؛ هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟! أما العلو؛ فنقول: ينزل، لكنه عال على خلقه؛ لأنه ليس معنى النزول أن السماء تُقِلُّه، وأن السماوات الأخرى تظلُّه؛ إذ إنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته. فنقول: هو ينزل حقيقة مع علوه حقيقة، وليس كمثله شيء. أما الاستواء على العرش فهو فعل، ليس من صفات الذات، وليس لنا حق -فيما أرى- أن نتكلم هل يخلو منه العرش أو لا يخلو، بل نسكت كما سكت عن ذلك الصحابة ﵃. وإذا كان علماء أهل السنة لهم في هذا ثلاثة أقوال: قول بأنه

стр. 475

يخلو، وقول بأنه لا يخلو، وقول بالتوقُّف. وشيخ الإسلام ﵀ في "الرسالة العرشية" يقول: إنه لا يخلو منه العرش، لأن أدلة استوائه على العرش محكمَة، والحديث هذا محكم، والله لا تُقاس صفاته بصفات الخلق؛ فيجب علينا أن نبقي نصوص الاستواء على إحكامها، ونصَّ النزول على إحكامه، ونقول: هو مستو على عرشه، نازل إلى السماء الدنيا، والله أعلم بكيفية ذلك، وعقولنا أقصر وأدنى وأحقر من أن تحيط بالله . القول الثاني: التوقُّف؛ يقولون: لا نقول: يخلو، ولا: لا يخلو. والثالث: أنه يخلو منه العرش. وأورد المتأخرون الذين عرفوا أن الأرض كروية وأن الشمس تدور على الأرض إشكالًا؛ قالوا: كيف ينزل في ثلث الليل الآخر؟! وثلث الليل الآخر إذا انتقل عن المملكة العربية السعودية، ذهب إلى أوروبا وما قاربها؟! أفيكون نازلًا دائمًا؟! فنقول: آمن أولًا بأن الله ينزل في هذا الوقت المعين، وإذا آمنت؛ ليس عليك شيء وراء ذلك، لا تقل: كيف؟! وكيف؟! بل قل: إذا كان ثلث الليل الآخر في السعودية، فالله نازل، وإذا كان في أمريكا ثلث الليل، يكون نزول الله أيضًا، وإذا طلع الفجر؛ انتهى وقت النزول في كل مكان بحسبه.

стр. 476

إذًا؛ موقفنا أن نقول: إنا نؤمن بما وصل إلينا عن طريق محمد رسول الله؛ بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الآخر من الليل، ويقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟! * من فوائد هذا الحديث: أولًا: إثبات العلو لله من قوله: "ينزل". ثانيًا: إثبات الأفعال الاختيارية التي هي الصفات الفعلية من قوله: "ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر". ثالثًا: إثبات القول لله من قوله: "يقول". رابعًا: إثبات الكَرَم لله من قوله: "مَن يدعوني ... مَن يسألني ... مَن يستغفرني ... ". * وفيه من الناحية المسلكية: أنه ينبغي للإنسان أن يغتنم هذا الجزء من الليل، فيسأل الله ويدعوه ويستغفره. ما دام الرب سبحانه يقول: "من يدعوني ... من يستغفرني ... "، و (مَن): للتشويق؛ فينبغي لنا أن نستغل هذه الفرصة؛ لأنه ليس لك من العمر إلا ما أمضيته في طاعة الله، وستمر بك الأيام؛ فإذا نزل بك الموت؛ فكأنك وُلِدت تلك الساعة، وكل ما مضى ليس بشيء. * * *

стр. 477

• الحديث الثاني في إثبات الفرح ، وهو قوله ﷺ : "لَلهُ أشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبةِ عَبْدهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِراحِلَتِهِ ... " الحديث، متفق عليه (١). * "الله": اللام هذه لام الابتداء. "الله": مبتدأ. * "أشد": خبر المبتدأ. * "فرحًا": تمييز. * قال المؤلف: "الحديث"؛ أي: أكمل الحديث. والحديث أن هذا الرجل كان معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فضلَّت عنه، فذهب يطلبها، فلم يجدها، فأيس من الحياة، ثم اضطجع تحت شجرة ينتظر الموت؛ فإذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة ... ولا أحد يستطيع أن يقدر هذا الفرح؛ إلا من وقع فيه ... فأمسك بخطام الناقة، وقال: اللهمَّ! أنت عبدي، وأنا ربك؛ أخطأ من شدة الفرح؛ لم يملك كيف يتصرَّف في الكلام!! فالله أفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه من هذا الرجل براحلته، وليس الله بمحتاج إلى توبتنا، بل نحن مفتقرون إليه في كل أحوالنا، لكن لكرمه جل وعلا ومحبته للإحسان والفضل والجود يفرح هذا الفرح الذي لا نظير له بتوبة الإنسان إذا تاب إليه. * في هذا الحديث: إثبات الفرح لله ؛ فنقول في

стр. 478

هذا الفرح: إنه فرح حقيقي، وأشد فرح، ولكنه ليس كفرح المخلوقين. الفرح بالنسبة للإنسان هو نشوة وخفة يجدها الإنسان من نفسه عند حصول ما يسرُّه، ولهذا تشعر بأنك إذا فرحت بالشيء كأنك تمشي على الهواء، لكن بالنسبة لله لا نفسِّر الفرح بمثل ما نعرفه من أنفسنا؛ نقول: هو فرح يليق به ؛ مثل بقية الصفات؛ كما أننا نقول: لله ذات، ولكن لا تماثل ذواتنا؛ فله صفات لا تماثل صفاتنا؛ لأن الكلام عن الصفات فرع عن الكلام في الذات. فنؤمن بأن الله تعالى له فرح كما أثبت ذلك أعلم الخلق به، محمد ﷺ ، وأنصح الخلق للخلق، وأفصح الخلق فيما ينطق به ﵊. ونحن على خطر إذا قلنا: المراد بالفرح الثَّواب؛ لأن أهل التحريف يقولون: إن الله لا يفرح، والمراد بفرحه: إثابته التائب، أو: إرادة الثواب؛ لأنهم هم يثبتون أن لله تعالى مخلوقًا بائنًا منه هو الثواب، ويثبتون الإرادة؛ فيقولون في الفرح: إنه الثواب المخلوق، أو: إرادة الثواب. ونحن نقول: المراد بالفرح: الفرح حقيقة؛ مثلما أن المراد بالله : نفسه حقيقة، ولكننا لا نمثل صفاتنا بصفات الله أبدًا. * ويستفاد من هذا الحديث مع إثبات الفرح لله :

стр. 479

كمال رحمته جلَّ وعلا ورأفته بعباده؛ حيث يحب رجوع العاصي إليه هذه المحبة العظيمة ... هارب من الله، ثم وقف ورجع إلى الله ... يفرح الله به هذا الفرح العظيم. * هي ومن الناحية المسلكية: يفيدنا أن نحرص على التوبة غاية الحرص، كلما فعلنا ذنبًا؛ تبنا إلى الله. قال الله تعالى في وصف المتقين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾؛ أي فاحشة؛ مثل: الزنى، واللواط، ونكاح ذوات المحارم ... قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] وقال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠]. إذًا؛ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾؛ ذكروا الله تعالى في نفوسهم؛ ذكروا عظمته، وذكروا عقابه، وذكروا ثوابه للتائبين؛ ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾؛ فعلوا ما فعلوا؛ لكنهم ذكروا الله تعالى في نفوسهم، واستغفروا لذنوبهم، فيغفر الله لهم، والدليل: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. فأنت إذا علمت أن الله يفرح بتوبتك هذا الفرح الذي لا نظير له؛ لا شك أنك سوف تحرص غاية الحرص على التوبة.

стр. 480

* وللتوبة شروط خمسة: الأول: الإخلاص لله ؛ بأن لا يحملك على التوبة مراءاة الناس، أو نيل الجاه عندهم، أو ما أشبه ذلك من مقاصد الدنيا. الثاني: الندم على المعصية. الثالث: الإقلاع عنها، ومن الإقلاع إذا كانت التوبة في حقٍّ من حقوق الآدميين: أن ترد الحق إلى صاحبه. الرابع: العزم على أن لا تعود في المستقبل. الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، وينقطع قَبول التوبة بالنسبة لعموم الناس بطلوع الشمس من مغربها، وبالنسبة لكل واحد بحضور أجله. قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]. وصحَّ عن النبي ﷺ أن زمن التوبة ينقطع إذا طلعت الشمس من مغربها، والناس يؤمنون حينئذ، ولكن؛ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] (١).

стр. 481

هذه خمسة شروط؛ إذا تمت؛ صحت التوبة. * ولكن؛ هل يشترط لصحة التوبة أن يتوب من جميع الذُّنوب ؟! فيه خلاف، ولكن الصحيح أنه ليس بشرط، وأنها تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره (١)، لكن هذا التائب لا يصدق عليه وصف التائبين المطلق؛ فيقال: تاب توبة مقيدة، لا مطلقة. فلو كان أحد يشرب الخمر ويأكل الربا، فتاب من شرب الخمر؛ صحت توبته من الخمر، وبقي إثمه في أكل الربا، ولا ينال منزلة التائبين على الإطلاق؛ لأنه مصرٌّ على بعض المعاصي. * رجل تمَّت الشروط في حقِّه، وعاد إلى الذنب مرة أخرى؛ فلا تنتقض توبته الأولى؛ لأنه عزم على أن لا يعود، ولكن سوَّلت له نفسه، فعاد؛ إنما يجب عليه أن يتوب مرة ثانية ... وهكذا، كلما أذنب، يتوب ... وفضل الله واسع. * * * • الحديث الثالث في إثبات الضحك ، وهو قوله ﷺ : "يَضْحَكُ اللهُ إلى رَجُلَيْنِ، يَقْتُلُ أحَدُهُما الآخَرَ، كِلاهُما يَدْخُلُ الجَنَّةَ" (٢). وفي بعض النسخ: "يدخلان"، وهي صحيحة؛ لأن (كلا)

стр. 482

يجوز في خبرها -سواء كان فعلًا أو اسمًا- مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، وقد اجتمعا في قول الشاعر يصف فرسين: كِلاهُما حِينَ جَدَّ الجَرْيُ بَيْنَهُما ... قَدْ أقْلَعا وَكِلا أنْفَيْهِما رَابِي * الحديث يخبر فيه النبي ﵊ أن الله يضحك إلى رجلين؛ عند ملاقاتهما يقتل أحدهما الآخر؛ كلاهما يدخلان الجنة، وأحدهما لم يقتل الآخر إلا لشدة العداوة بينهما، ثم يدخلان الجنة بعد ذلك، فتزول تلك العداوة؛ لأن أحدهما كان مسلمًا، والآخر كان كافرًا، فقتله الكافر، فيكون هذا المسلم شهيدا، فيدخل الجنة، ثم منَّ الله على هذا الكافر، فأسلم، ثم قُتِلَ شهيدًا، أو مات بدون قتل؛ فإنه يدخل الجنة، فيكون هذا القاتل والمقتول كلاهما يدخل الجنة، فيضحك الله إليهما. * ففي هذا إثبات الضحك لله ، وهو ضحك حقيقي، لكنه لا يماثل ضحك المخلوقين؛ ضحك يليق بجلاله وعظمته، ولا يمكن أن نمثِّله؛ لأننا لا يجوز أن نقول: إن لله فمًا أو أسنانًا أو ما أشبه ذلك، لكن نثبت الضحك لله على وجه يليق به . * فإذا قال قائل: يلزم من إثبات الضحك أن يكون الله مماثلًا للمخلوق!! فالجواب: لا يلزم أن يكون مماثلًا للمخلوق؛ لأن الذي قال: "يضحك ": هو الذي أُنزِل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].

стр. 483

ومن جهة أخرى؛ فالنبي ﵊ لا يتكلم في مثل هذا إلا عن وحي؛ لأنه من أمور الغيب، ليس من الأمور الاجتهادية التي قد يجتهد فيها الرسول ﵊، ثم يقرُّه الله على ذلك أو لا يقرُّه، ولكنه من الأمور الغيبية التي يتلقَّاها الرسول ﵊ عن طريق الوحي. * لو قال قائل: المراد بالضحك الرضى؛ لأن الإنسان إذا رضي عن الشيء؛ سُرَّ به وضحك، والمراد بالرضى الثواب أو إرادة الثواب؛ كما قال ذلك أهل التعطيل. فالجواب أن نقول: هذا تحريف للكَلِم عن مواضعه؛ فما الذي أدراكم أن المراد بالرضى الثواب؟! فأنتم الآن قلتم على الله ما لا تعلمون من وجهين: الوجه الأول: صرفتم النص عن ظاهره بلا علم. الثاني: أثبتُّم له معنى خلاف الظاهر بلا علم. ثم نقول لهم: الإرادة؛ إذا قلتم: إنها ثابتة لله ؛ فإنه تنتقض قاعدتكم؛ لأن للإنسان إرادة؛ كما قال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]؛ فللإنسان إرادة، بل للجدار إرادة؛ كما قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]؛ فأنتم إما أن تنفوا الإرادة عن الله كما نفيتم ما نفيتم من الصفات، وإما إن تثبتوا لله ما أثبته لنفسه، وإن كان للمخلوق نظيره في

стр. 484

الاسم لا في الحقيقة. * والفائدة المسلكية من هذا الحديث: هو أننا إذا علمنا أن الله يضحك؛ فإننا نرجو منه كل خير. ولهذا قال رجل للنبي ﷺ : يا رسول الله! أوَيضحك ربنا؟ قال: "نعم". قال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا (١). إذا علمنا ذلك؛ انفتح لنا الأمل في كل خير؛ لأن هناك فرقًا بين إنسان عبوس لا يكاد يُرى ضاحكًا، وبين إنسان يضحك. وقد كان النبي ﷺ دائم البِشر كثير التبسُّم ﵊. * * * • الحديث الرابع: في إثبات العجب وصفات أخرى . وهو قوله: "عَجِبَ رَبُّنا مِنْ قُنوطِ عِبادِه وقُرب غِيَرِهِ؛ يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزِلينَ قَنِطينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ؛ يَعْلَمُ أنَّ فرَجَكُمْ قَرِيبٌ". حديث حسن (٢).

стр. 485

* العجب: هو استغراب الشيء، ويكون ذلك لسببين: السبب الأول: خَفاء الأسباب على هذا المستغرب للشيء المتعجَّب منه؛ بحيث يأتيه بغتة بدون توقع، وهذا مستحيل على الله تعالى؛ لأن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. والثاني: أن يكون السبب فيه خروج هذا الشيء عن نظائره وعمّا ينبغي أن يكون عليه، بدون قصور من المتعجب؛ بحيث يعمل عملًا مستغربًا لا ينبغي أن يقع من مثله. وهذا ثابت لله تعالى؛ لأنه ليس عن نقص من المتعجِّب، ولكنه عجب بالنظر إلى حال المتعجَّب منه. * قوله: "عَجِبَ ربُّنا من قنوط عباده": القنوط: أشد اليأس. يعجب الرب من دخول اليأس الشديد على قلوب العباد. "وقُربِ غِيَرِه": الواو بمعنى (مع)، يعني: مع قرب غيره. و (الغير): اسم جمع غِيَرَة، كطِيَر: اسم جمع طِيَرَة، وهي اسم بمعنى التغيير، وعلى هذا؛ فيكون المعنى: وقرب تغييره. فيعجب الرب ، كيف نقنط وهو

стр. 486

قريب التغيير، يغير الحال إلى حال أخرى بكلمة واحدة، وهي: كُنْ. فيكون. * وقوله: "ينظر إليكم أَزِلين"؛ أي: ينظر الله إلينا بعينه. * "أزِلين قَنِطين": الأزِل: الواقع في الشدة. و"قنطينَ": جمع قانط، والقانط: اليائس من الفرج وزوال الشدة. فذكر النبي ﷺ حال الإنسان وحال قلبه، حاله أنه واقع في شدة، وقلبه قانط يائس مستبعد للفَرَجِ. * "فيظل يضحك": يظل يضحك من هذه الحال العجيبة الغريبة؛ كيف تقنط من رحمة أرحم الراحمين الذي يقول للشيء: كنْ. فيكون؟ * "يعلم أن فرجكم قريب"، أي: زوال شدتكم قريب. * في هذا الحديث عدة صفات: -أولًا: العجب، لقوله: "عجب ربنا من قنوط عباده". وقد دلَّ على هذه الصفة القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢]؛ على قراءة ضم التاء. - وفيه أيضًا بيان قدرة الله ، لقوله: "وقرب غِيَره"، وأنه تام القدرة، إذا أراد؛ غيَّر الحال من حال إلى ضدها في وقت قريب. - وفيه أيضًا إثبات النظر، لقوله: "ينظر إليكم".

стр. 487

- وفيه إثبات الضحك، لقوله: "فيظل يضحك". - وكذلك العلم، "يعلم أن فرجكم قريب". - والرحمة؛ لأن الفرج من الله دليل على رحمة الله بعباده. وكل هذه الصفات التي دلَّ عليها الحديث يجب علينا أن نثبتها لله حقًّا على حقيقتها، ولا نتأول فيها. * والفائدة المسلكية في هذا: أن الإنسان إذا علم ذلك من الله ، حذر من هذا الأمر، وهو القنوط من رحمة الله، ولهذا، كان القنوط من رحمة الله من الكبائر: قال الله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. فالقنوط من رحمة الله، واستبعاد الرحمة: من كبائر الذنوب، والواجب على الإنسان أن يحسن الظن بربه؛ إن دعاه؛ أحسن الظن به بأنه سيجيبه، وإن تعبَّد له بمقتضى شرعه؛ فليحسن الظن بأن الله سوف يقبل منه، وإن وقعت به شدة؛ فليحسن الظن بأن الله سوف يزيلها، لقول النبي ﷺ : "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا" (١).

стр. 488

بل قد قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦]، ولن يغلب عسر يسرين، كما يروى عن ابن عباس ﵄. * * * • الحديث الخامس: في إثبات الرجل أو القدم: وهو قوله ﷺ : "لا تزال جهَنَّمُ يُلْقى فيها، وهيَ تَقولُ: هَلْ مِنْ مَزيدٍ، حتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فيها رِجْلَهُ (وفي رواية: عليها قَدَمَهُ)، فيَنْزَوي بَعْضُها إلى بَعْضٍ، فَتَقولُ: قَطْ قَطْ". متفق عليه (١). * قوله: "لا تزال جهنمُ يُلْقى فيها": هذا يوم القيامة، يعني: يُلقى فيها الناس والحجارة، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، وقد يقال: يُلقى فيها الناس فقط، وأن الحجارة لم تزل موجودة فيها، والعلم عند الله. * "يُلْقَى فيها": في هذا دليل على أن أهلها -والعياذ بالله- يُلْقَون فيها إلقاء لا يدخلون مكرَّمين، بل يدَعُّون إلى نار جهنم دَعًّا، ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨]. * قوله: "وهي تقول: هل من مزيد؟ ": (هل): للطلب؛

стр. 489

يعني: زيدوا". وأبعد النجعة من قال: إن الاستفهام هنا للنفي، والمعنى على زعمه: لا مزيد على ما فيَّ، والدليل على بطلان هذا التأويل: * قوله: "حتى يضع رب العزة فيها رجله (وفي رواية: عليها قدمه) ": لأن هذا يدل على أنها تطلب زيادة، وإلا، لما وضع الله عليها رجله حتى ينزوي بعضها إلى بعض؛ فكأنها تطلب بشوق إلى من يلقى فيها زيادة على ما فيها. * قوله: "حتى يضع رب العزة": عَبَّر برب العزة؛ لأن المقام مقام عزَّة وغلبة وقهر. وهنا (رب)؛ بمعنى: صاحب، وليست بمعنى خالق، لأن العزة صفة من صفات الله، وصفات الله تعالى غير مخلوقة. * وقوله: "فيها رجله"، وفي رواية: "عليها قدمه": (في) و (على): معناهما واحد هنا، والظاهر أن (في) بمعنى (على)؛ كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]؛ أي: عليها. أما الرجل والقدم؛ فمعناهما واحد، وسميت رجل الإنسان قدمًا؛ لأنها تتقدم في المشي؛ فإن الإنسان لا يستطيع أن يمشي برجله إلا إذا قدمها. * قوله: "فينزوي بعضها إلى بعض"؛ يعني: ينضم بعضها إلى بعض من عظمة قدم الباري . * قوله: "فتقول: قط قط"، بمعنى: حسبي حسبي؛ يعني:

стр. 490

لا أريد أحدًا. * في هذا الحديث من الصفات: أولًا: إثبات القول من الجماد؛ لقوله: "وهي تقول"، وكذلك: "فتقول: قط قط"، وهو دليل على قدرة الله الذي أنطق كل شيء. ثانيًا: التحذير من النار؛ لقوله: "لا تزال جهنم يُلْقَى فيها، وهي تقول: هل من مزيد؟ ". ثالثًا: إثبات فضل الله ؛ فإن الله تعالى تكفَّل للنار بأن يملأها كما قال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]؛ فإذا في دخلها أهلها، وبقي فيها فضل، وقالت: هل من مزيد؟ وضع الله عليها رجله، فانزوى بعضها إلى بعض، وامتلأت بهذا الانزواء. وهذا من فضل الله ؛ وإلا؛ فإن الله قادر على أن يخلق أقوامًا ويكمل ملأها بهم، ولكنه لا يعذب أحدًا بغير ذنب؛ بخلاف الجنة، فيبقى فيها فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فيخلق الله أقوامًا يوم القيامة ويدخلهم الجنة بفضله ورحمته. رابعًا: أن لله تعالى رجلًا وقدمًا حقيقية، لا تماثل أرجل المخلوقين، ويسمي أهل السنة مثل هذه الصفة: الصفة الذاتية الخبرية؛ لأنها لم تعلم إلا بالخبر، ولأن مسماها أبعاض لنا

стр. 491

وأجزاء، لكن لا نقول بالنسبة لله: إنها أبعاض وأجزاء؛ لأن هذا ممتنع على الله . وخالف الأشاعرة وأهل التحريف في ذلك، فقالوا: "يضع عليها رجله"؛ يعني: طائفة من عباده مستحقين للدخول، والرجل تأتي بمعنى الطائفة؛ كما في حديث أيوب ﵊ (١)؛ أرسل الله إليه رجل جراد من ذهب؛ يعني: طائفة من جراد. وهذا تحريف باطل؛ لأن قوله: "عليها": يمنع ذلك. وأيضًا؛ لا يمكن أن يضيف الله أهل النار إلى نفسه؛ لأن إضافة الشيء إلى الله تكريم وتشريف. وقالوا في القدم: قدم؛ بمعنى: مقدم؛ أي: يضع الله تعالى عليها مقدمه؛ أي: من يقدمهم إلى النار. وهذا باطل أيضًا؛ فإن أهل النار لا يقدمهم الباري ، ولكنهم ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]، ويلقون فيها إلقاء؛ فهؤلاء المحرفون فروا من شيء ووقعوا في شرًّ منه؛ فروا من تنزيه الله عن القدم والرجل، لكنهم وقعوا في السفه ومجانبة الحكمة في أفعال الله . والحاصل أنه يجب علينا أن نؤمن بأن لله تعالى قدمًا، وإن شئنا؛ قلنا: رجلًا؛ على سبيل الحقيقة؛ مع عدم المماثلة، ولا نكيِّف الرجل؛ لأن النبي ﷺ أخبرنا بأن لله تعالى رجلًا أو قدمًا،

стр. 492

ولم يخبرنا كيف هذه الرجل أو القدم، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. * و الفائدة المسلكية من هذا الحديث: هو الحذر الشديد من عمل أهل النار؛ خشية أن يلقى الإنسان فيها كما يلقى غيره. * * * • الحديث السادس: في إثبات الكلام والصوت: وهو قوله ﷺ : "يَقُولُ اللهُ تَعالى: يا آدَمُ! فَيَقولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيُنادِي بِصَوْتٍ: إنَّ اللهَ يَأمُرُكَ أنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إلى النَّارِ ... ". متفق عليه (١). الشرح: * يخبر النبي ﵊ عن ربه أنه يقول: يا آدم! وهذا يوم القيامة، فيجيب آدم: "لبيك وسعديك". * "لبيك"؛ بمعنى: إجابة بعد إجابة، وهو مثنى لفظًا، ومعناه: الجمع، ولهذا يعرب على أنه ملحق بالمثنى. * "سعديك"؛ يعني: إسعادًا بعد إسعاد؛ فأنا ألبي قولك وأسألك أن تسعدني وتعينني. * قال: "فينادي"؛ أي: الله؛ فالفاعل هو الله .

стр. 493

* وقوله: "بصوت": هذا من باب التأكيد؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت مرتفع؛ فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]؛ فالطائر الذي يطير؛ إنما يطير بجناحيه، وهذا من باب التأكيد. * وقوله: "إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار": ولم يقل: إني آمرك! وهذا من باب الكبرياء والعظمة؛ حيث كنى عن نفسه تعالى بكنية الغائب، فقال: "إن الله يأمرك"؛ كما يقول الملك لجنوده: إنَّ الملك يأمركم بكذا وكذا؛ تفاخرًا وتعاظمًا، والله سبحانه هو المتكبر وهو العظيم. وجاء في القرآن مثل هذا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، ولم يقل: إني آمركم. * وقوله: "أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار"؛ أي: مبعوثًا. * والحديث الآخر؛ قال: "يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعون" (١). * * * • الحديث السابع في إثبات الكلام أيضًا: وهو قوله ﷺ : "ما مِنكمْ مِنْ أحَدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، ولَيْسَ

стр. 494

بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمان" (١). الشرح: * "ما": نافية. * "من أحد": مبتدأ؛ دخلت عليه (من) الزائدة للتوكيد؛ يعني: ما منكم من أحد. * "إلا سيكلمه ربه"؛ يعني: هذه حاله؛ سيكلمه الله ؛ "ليس بينه وبينه ترجمان"، وذلك يوم القيامة. * والترجمان: هو الذي يكون واسطة بين متكلمين مختلفين في اللغة، ينقل إلى أحدهما كلام الآخر باللغة التي يفهمها. ويشترط في المترجم أربعة شروط: الأمانة، وأن يكون عالمًا باللغة التي يترجم منها، وباللغة التي يترجم إليها، وبالموضوع الذي يترجمه. * وفي هذا الحديث من صفات الله: الكلام، وأنه بصوت مسموع مفهوم. * الفوائد المسلكية في الحديث الأول: "يقول الله: يا آدم! ": فيه بيان أن الإنسان إذا علم بذلك؛ فإنه يحذر ويخاف أن يكون من التسع مئة والتسعة والتسعين. وفي الحديث الثاني: يخاف الإنسان من ذلك الكلام الذي

стр. 495

يجري بينه وبين ربه أن يفتضح بين يدي الله إذا كلمه تعالى بذنوبه، فيقلع عن الذنوب، ويخاف من الله . * * * • الحديث الثامن: في إثبات العلو لله وصفات أخرى: وهو قوله ﷺ في رُقْيَةِ المريض: "رَبَّنا اللهُ الذي في السَّماءِ! تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أمْرُكَ في السَّماءِ والأرْضِ؛ كما رَحْمَتُكَ في السَّماءِ؛ اجْعَلْ رَحْمَتَكَ في الأرْضٍ، اغْفِرْ لَنا حُوبَنا وخَطايانا، أنتَ رَبُّ الطَّيِّبينَ، أنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ وَشِفاءً مِنْ شفائِكَ على هذا الوَجِع؛ فَيَبْرَأ". حديث حسن، رواه أبو داود وغيره (١). الشرح: * قوله: "في رُقْيَة المريض": من باب إضافة المصدر إلى المفعول؛ يعني: في الرقية إذا قرأ على المريض. * قوله: "ربنا الله الذي في السماء": تقدم الكلام على قوله: "في السماء" في الآيات. * وقوله: "تقدَّس اسمُك"؛ أي: طهر، والاسم هنا مفرد،
следующие страницы →