← Акыда

Акыда · id 11250

شرح العقيدة الواسطية - العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (835 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وأجزاء، لكن لا نقول بالنسبة لله: إنها أبعاض وأجزاء؛ لأن هذا ممتنع على الله . وخالف الأشاعرة وأهل التحريف في ذلك، فقالوا: "يضع عليها رجله"؛ يعني: طائفة من عباده مستحقين للدخول، والرجل تأتي بمعنى الطائفة؛ كما في حديث أيوب ﵊ (١)؛ أرسل الله إليه رجل جراد من ذهب؛ يعني: طائفة من جراد. وهذا تحريف باطل؛ لأن قوله: "عليها": يمنع ذلك. وأيضًا؛ لا يمكن أن يضيف الله أهل النار إلى نفسه؛ لأن إضافة الشيء إلى الله تكريم وتشريف. وقالوا في القدم: قدم؛ بمعنى: مقدم؛ أي: يضع الله تعالى عليها مقدمه؛ أي: من يقدمهم إلى النار. وهذا باطل أيضًا؛ فإن أهل النار لا يقدمهم الباري ، ولكنهم ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]، ويلقون فيها إلقاء؛ فهؤلاء المحرفون فروا من شيء ووقعوا في شرًّ منه؛ فروا من تنزيه الله عن القدم والرجل، لكنهم وقعوا في السفه ومجانبة الحكمة في أفعال الله . والحاصل أنه يجب علينا أن نؤمن بأن لله تعالى قدمًا، وإن شئنا؛ قلنا: رجلًا؛ على سبيل الحقيقة؛ مع عدم المماثلة، ولا نكيِّف الرجل؛ لأن النبي ﷺ أخبرنا بأن لله تعالى رجلًا أو قدمًا،

стр. 492

ولم يخبرنا كيف هذه الرجل أو القدم، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. * و الفائدة المسلكية من هذا الحديث: هو الحذر الشديد من عمل أهل النار؛ خشية أن يلقى الإنسان فيها كما يلقى غيره. * * * • الحديث السادس: في إثبات الكلام والصوت: وهو قوله ﷺ : "يَقُولُ اللهُ تَعالى: يا آدَمُ! فَيَقولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيُنادِي بِصَوْتٍ: إنَّ اللهَ يَأمُرُكَ أنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إلى النَّارِ ... ". متفق عليه (١). الشرح: * يخبر النبي ﵊ عن ربه أنه يقول: يا آدم! وهذا يوم القيامة، فيجيب آدم: "لبيك وسعديك". * "لبيك"؛ بمعنى: إجابة بعد إجابة، وهو مثنى لفظًا، ومعناه: الجمع، ولهذا يعرب على أنه ملحق بالمثنى. * "سعديك"؛ يعني: إسعادًا بعد إسعاد؛ فأنا ألبي قولك وأسألك أن تسعدني وتعينني. * قال: "فينادي"؛ أي: الله؛ فالفاعل هو الله .

стр. 493

* وقوله: "بصوت": هذا من باب التأكيد؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت مرتفع؛ فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]؛ فالطائر الذي يطير؛ إنما يطير بجناحيه، وهذا من باب التأكيد. * وقوله: "إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار": ولم يقل: إني آمرك! وهذا من باب الكبرياء والعظمة؛ حيث كنى عن نفسه تعالى بكنية الغائب، فقال: "إن الله يأمرك"؛ كما يقول الملك لجنوده: إنَّ الملك يأمركم بكذا وكذا؛ تفاخرًا وتعاظمًا، والله سبحانه هو المتكبر وهو العظيم. وجاء في القرآن مثل هذا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، ولم يقل: إني آمركم. * وقوله: "أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار"؛ أي: مبعوثًا. * والحديث الآخر؛ قال: "يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعون" (١). * * * • الحديث السابع في إثبات الكلام أيضًا: وهو قوله ﷺ : "ما مِنكمْ مِنْ أحَدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، ولَيْسَ

стр. 494

بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمان" (١). الشرح: * "ما": نافية. * "من أحد": مبتدأ؛ دخلت عليه (من) الزائدة للتوكيد؛ يعني: ما منكم من أحد. * "إلا سيكلمه ربه"؛ يعني: هذه حاله؛ سيكلمه الله ؛ "ليس بينه وبينه ترجمان"، وذلك يوم القيامة. * والترجمان: هو الذي يكون واسطة بين متكلمين مختلفين في اللغة، ينقل إلى أحدهما كلام الآخر باللغة التي يفهمها. ويشترط في المترجم أربعة شروط: الأمانة، وأن يكون عالمًا باللغة التي يترجم منها، وباللغة التي يترجم إليها، وبالموضوع الذي يترجمه. * وفي هذا الحديث من صفات الله: الكلام، وأنه بصوت مسموع مفهوم. * الفوائد المسلكية في الحديث الأول: "يقول الله: يا آدم! ": فيه بيان أن الإنسان إذا علم بذلك؛ فإنه يحذر ويخاف أن يكون من التسع مئة والتسعة والتسعين. وفي الحديث الثاني: يخاف الإنسان من ذلك الكلام الذي

стр. 495

يجري بينه وبين ربه أن يفتضح بين يدي الله إذا كلمه تعالى بذنوبه، فيقلع عن الذنوب، ويخاف من الله . * * * • الحديث الثامن: في إثبات العلو لله وصفات أخرى: وهو قوله ﷺ في رُقْيَةِ المريض: "رَبَّنا اللهُ الذي في السَّماءِ! تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أمْرُكَ في السَّماءِ والأرْضِ؛ كما رَحْمَتُكَ في السَّماءِ؛ اجْعَلْ رَحْمَتَكَ في الأرْضٍ، اغْفِرْ لَنا حُوبَنا وخَطايانا، أنتَ رَبُّ الطَّيِّبينَ، أنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ وَشِفاءً مِنْ شفائِكَ على هذا الوَجِع؛ فَيَبْرَأ". حديث حسن، رواه أبو داود وغيره (١). الشرح: * قوله: "في رُقْيَة المريض": من باب إضافة المصدر إلى المفعول؛ يعني: في الرقية إذا قرأ على المريض. * قوله: "ربنا الله الذي في السماء": تقدم الكلام على قوله: "في السماء" في الآيات. * وقوله: "تقدَّس اسمُك"؛ أي: طهر، والاسم هنا مفرد،

стр. 496

لكنه مضاف، فيشمل كل الأسماء؛ أي: تقدست أسماؤك من كل نقص. * "أمرك في السماء والأرض": أمر الله نافذ في السماء والأرض؛ كما قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. * وقوله: "كما رحمتك في السماء؛ اجعل رحمتك في الأرض ": الكاف هنا للتعليل، والمراد بها التوسُّل؛ توسل إلى الله تعالى بجعل رحمته في السماء أن يجعلها في الأرض. فإن قلت: أليس رحمة الله في الأرض أيضًا؟! قلنا: هو يقرأ على المريض، والمريض يحتاج إلى رحمة خاصة يزول بها مرضه. * وقوله: "اغفر لنا حُوبنا وخطايانا": الغفر: ستر الذنب والتجاوز عنه. والحوب: كبائر الإثم. والخطايا: صغائره. هذا إذا جمع بينهما، أما إذا افترقا؛ فهما بمعنى واحد؛ يعني: اغفر لنا كبائر الإثم وصغائره؛ لأن في المغفرة زوال المكروب وحصول المطلوب، ولأن الذنوب قد تحول بين الإنسان وبين توفيقه؛ فلا يوفَّق ولا يُجاب دعاؤه. * قوله: "أنت رب الطَّيِّبين": هذه ربوبية خاصة، وأما الربوبية العامة؛ فهو رب كل شيء، والربوبية قد تكون خاصة وقد تكون عامة.

стр. 497

واستمع إلى قول السحرة الذين آمنوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢]؛ حيث عموا ثم خصوا. واستمع إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١]، فـ ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾: خاص، ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾: عام. * والطيبون: هم المؤمنون؛ لأكل مؤمن، فهو طيب، وهذا من باب التوسل بهذه الربوبية الخاصة، إلى أن يستجيب الله الدعاء ويشفي المريض. * قوله: "أنزل رحمةً من رحمتك وشفاءً من شفائك على هذا الوجع": هذا الدعاء وما سبقه من باب التوسل. * "أنزل رحمة من رحمتك": الرحمة نوعان: - رحمة هي صفة الله؛ فهذه غير مخلوقة وغير بائنة من الله ؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، ولا يطلب نزولها. - ورحمة مخلوقة، لكنها أثر من آثار رحمة الله؛ فأطلق عليها الرحمة؛ مثل قوله تعالى في الحديث القدسي عن الجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" (١).

стр. 498

* كذلك الشفاء؛ فالله شاف، ومنه الشفاء؛ فوصفه الشفاء، وهو فعل من أفعاله، وهو بهذا المعنى صفة من صفاته، وأما باعتبار تعديه إلى المريض؛ فهو مخلوق من مخلوقاته؛ فإن الشفاء زوال المرض. * قوله: "فيبرأ": بفتح الهمزة منصوبًا؛ لأنه جواب الدعاء: أنزل رحمة؛ فيبرأ. أما إذا قرئ بالضم مرفوعًا؛ فإنه مستأنف، ولا يتبع الحديث، بل يوقف عند قوله: "الوجع"، وتكون "فيبرأ": جملة خبرية تفيد أن الإنسان إذا قرأ بهذه الرقية؛ فإن المريض يبرأ، ولكن الوجه الأول أحسن وهو بالنصب. * * * • الحديث التاسع: في إثبات العلو أيضًا: وهو قوله ﷺ : "أَلا تَأمَنوني وأَنا أَمينُ مَنْ في السَّماءِ" (١). الشرح: * "ألا تأمنوني": فيها إشكال لغوي، وهو حذف نون الفعل بدون ناصب ولا جازم!! والجواب عن هذا: أنه إذا اتصلت نون الوقاية بفعل من الأفعال الخمسة؛ جاز حذف نون الرفع.

стр. 499

* "ألا تأمنوني"؛ أي: ألا تعتبروني أمينًا. * "وأنا أمين من في السماء": والذي في السماء هو الله ، وهو أمينه ﵊ على وحيه، وهو سيد الأمناء ﵊، والرسول والذي ينزل عليه جبريل هو أيضًا أمين: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩، ٢٠]. * وهذا الحديث له سبب، وهو أن النبي ﷺ قسم ذهيبة بعث بها علي من اليمن بين أربعة نفر، فقال له رجل: نحن أحق بهذا من هؤلاء. فقال النبي ﷺ : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء". * "ألا": للعرض؛ كأنه يقول: ائمنوني؛ فإني أمين من في السماء! ويحتمل أن تكون الهمزة لاستفهام الإنكار، و (لا): نافية. * والشاهد قوله: "من في السماء"، ونقول فيها ما قلناه فيما سبق في الآيات. * * * • الحديث العاشر: في إثبات العلو أيضًا: وهو قوله ﷺ : "وَالعَرْشُ فَوْقَ الماءِ، وَاللهُ فَوْقَ العَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ". حديث حسن، رواه أبو داود

стр. 500

وغيره (١). الشرح: * لما ذكر النبي ﵊ المسافات التي بين السماوات؛ قال: "والعرش فوق الماء". ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]. * قال: "والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه": هو فوق العرش، ومع ذلك لا يخفى عليه شيء من أحوالنا وأعمالنا، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦]؛ يعني: الشيء الذي في ضميرك يعلمه الله؛ مع أنه ما بان لأحد. * وقوله: "وهو يعلم ما أنتم عليه": يفيد إحاطة علم الله بكل ما نحن عليه. * الفائدة المسلكية من هذا الحديث: وإذا آمنا بهذا الحديث؛ فإننا نستفيد منه فائدة مسلكية، وهي

стр. 501

تعظيم الله ، وأنه في العلو، وأنه يعلم ما نحن عليه، فنقوم بطاعته؛ بحيث لا يفقدنا حيث أمرنا، ولا يجدنا حيث نهانا. * * * • الحديث الحادي عشر: في إثبات العلو أيضًا: وهو قوله ﷺ للجارية: "أيْنَ الله؟ ". قالت: في السماء. قال: "مَنْ أنا؟ ". قالت: أنت رسول الله. قال: "أعْتِقْها" فإنَّها مُؤْمِنَة". رواه مسلم (١). الشرح: * قوله: "أين الله؟ ": (أين): يستفهم بها عن المكان. * "قالت: في السماء"، يعني: على السماء، أو: في العلو؛ على حسب الاحتمالين السابقين (٢). * "قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة". وعند أهل التعطيل هي بقولها: "في السماء": إذا أرادت أنه في العلو؛ هي كافرة!! لأنهم يرون أن من أثبت أن الله في جهة، فهو كافر، إذ يقولون: إن الجهات خالية منه. واستفهام النبي ﷺ بـ (أين) يدل على أن لله مكانًا. ولكن يجب أن نعلم أن الله تعالى لا تحيط به الأمكنة، لأنه

стр. 502

أكبر من كل شيء، وأن ما فوق الكون عدم، ما ثَمَّ إلا الله؛ فهو فوق كل شيء. * وفي قوله: "أعتقها؛ فإنها مؤمنة": دليل على أن عتق الكافر ليس بمشروع، ولهذا لا يجزئ عتقه في الكفارات؛ لأن بقاء الكافر عندك رقيقًا؛ فيه نوع حماية له وسلطة وإمرة وتقريب من الإسلام؛ فإذا أعتقته؛ تحرر، وإذا تحرر؛ فيخشى منه أن يرجع إلى بلاد الكفر؛ لأن أصل الرق هو الكفر، ويبقى معينًا للكافرين على المؤمنين. * * * • الحديث الثاني عشر: في إثبات المعية: وهو قوله ﷺ : "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت". حديث حسن، أخرجه الطبراني من حديث عبادة بن الصامت (١). الشرح: * أفاد الحديث معيَّة الله ، وقد سبق في الآيات أن معية الله لا تستلزم أن يكون في الأرض، بل يمتنع غاية الامتناع أن يكون في الأرض؛ لأن العلو من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها أبدًا، بل هي لازمة له .

стр. 503

وسبق (١) أيضًا أنها قسمان. * وقول الرسول ﷺ : "أفضل الإيمان أن تعلم": يدل على أن الإيمان يتفاضل؛ لأنك إذا علمت أن الله معك حيثما كنت؛ خفت منه وعظَّمته. لو كنت في حجرة مظلمة ليس فيها أحد؛ فاعلم أن الله معك، لا في الحجرة؛ لكنه معك؛ لإحاطته بك علمًا وقدرة وسلطانًا وغير ذلك من معاني ربوبيته. * الحديث الثالث عشر: في إثبات كون الله قبل وجه المصلي: وهو قوله ﷺ : "إذا قامَ أحَدُكُمْ إلى الصَّلاة؛ فَلا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلا عَنْ يَمينِه؛ فإنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، ولكِنْ عَنْ يَسارِهِ، أو تَحْتَ قَدَمِهِ". متفق عليه (٢). الشرح: * "قبل وجهه"؛ يعني: أمامه. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. * "يمينه": ورد فيه حديث: "فإن عن يمينه ملكًا (٣) "، ولأن

стр. 504

اليمين أفضل من الشمال، فيكون اليسار أولى بالبصاق ونحوه، ولهذا قال: "ولكن عن يساره أو تحت قدمه". فإن كان في المسجد؛ قال العلماء: فإنه يجعل البصاق في خرقة أو منديل أو ثوبه، ويحك بعضه ببعض، حتى تزول صورة البصاق، وإذا كان الإنسان في المسجد عند الجدار، والجدار قصير عن يساره، فإنه يمكن أن يبصق عن يساره إذا لم يؤذ أحدًا من المارة. * يستفاد من هذا الحديث: أن الله ﵎ أمام وجه المصلي، ولكن يجب أن نعلم أن الذي قال: إنه أمام وجه المصلي، هو الذي قال: إنه في السماء، ولا تناقض في كلامه هذا وهذا؛ إذ يمكن الجمع من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن الشرع جمع بينهما، ولا يجمع بين متناقضين. الوجه الثاني: أنه يمكن أن يكون الشيء عاليًا، وهو قِبَل وجهك؛ فها هو الرجل يستقبل الشمس أول النهار، فتكون أمامه، وهي في السماء، ويستقبلها في آخر النهار، تكون أمامه، وهي في السماء، فإذا كان هذا ممكنًا في المخلوق، ففي الخالق من باب أولى بلا شك. الوجه الثالث: هب أن هذا ممتنع في المخلوق؛ فإنه لا يمتنع في الخالق، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته.

стр. 505

يستفاد من هذا الحديث من الناحية المسلكية وجوب الأدب مع الله ويستفاد أنه متى آمن المصلي بذلك فإنه يحدث له خشوعًا وهيبة من الله . • الحديث الرابع عشر: في إثبات العلو وصفات أخرى: وهو قوله ﷺ : "اللهُمَّ! رَبَّ السَّماواتِ السَّبْع وَالأرْضِ وَرَبَّ العَرْشِ العَظيمِ! رَبَّنا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ! فالِقَ الحَبِّ والنَّوَى! مُنْزِلَ التَّوْراةِ وَالإنْجيلِ وَالقُرْآنِ! أعوذُ بِكَ مِنْ شَر نَفْسي، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دابَّةٍ أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِها. أنْتَ الأوَّلُ؛ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الآخِرُ؛ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْء، وأنْتَ الظَّاهِرُ؛ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الباطِنُ؛ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ؛ اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ، وأغْنِني مِنَ الفَقْرِ". رواه مسلم (١). الشرح: * هذا حديث عظيم، توسل النبي ﷺ إلى الله تعالى بربوبيته في قوله: "اللهم! رب السماوات السبع والأرض! ورب العرش العظيم! ربنا ورب كل شيء! "، وهذا من باب التعميم بعد التخصيص في قوله: "ورب كل شيء"، وهذا التعميم بعد التخصيص؛ لئلا يتوهم واهم اختصاص الحكم بما خصص به. وانظر إلى قوله تعالى ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١]؛ حيث قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ

стр. 506

شَيْءٍ﴾؛ حتى لا يظن ظان أنه ليس ربًّا إلا لهذه البلدة. * "فالق الحب والنوى": حب الزروع. و"النوى": نوى الغرس، فالأشجار التي تخرج: إما زروع أصلها الحب، وإما أشجار أصلها النوى، فما للأشجار يسمى نوى، وما للزروع يسمى حبًّا، ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٦]. هذا الحب والنوى اليابس الذي لا ينمو ولا يزيد، يفلقه الرب ، أي: يفتحه حتى تخرج منه الأشجار والزروع، ولا يستطيع أحد أن يفعل ذلك، مهما بلغ النالس في القدرة، ما استطاعوا أن يفلقوا حبة واحدة أبدًا! والنوى كذلك الذي كالحجر؛ لا ينمو، ولا يزيد، يفلقه الله ، وينفرج، ثم تكون منه الغريسة التي تنمو، ولا أحد يستطيع ذلك، إلا الذي فلقها . ولما ذكر الآية الكونية العظيمة؛ ذكر الآيات الشرعية، وهي: * قوله: "منزل التوراة والإنجيل والقرآن": وهذه أعظم كتب أنزلها الله ، وبدأها على الترتيب الزمني: التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والفرقان على محمد ﷺ . وفي هذا نص صريح على أن التوراة منزلة كما جاء في القرآن: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال في أول سورة آل عمران: ﴿نزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤].

стр. 507

* قوله: "أعوذ بك من شر نفسي": أعتصم بالله من شر نفسي. إذًا؛ في نفسك شر، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]. لكن النفس نفسان: - نفس مطمئنة طيبة تأمر بالخير. - ونفس شريرة أمارة بالسوء. والنفس اللوامة، هل هي ثالثة، أو وصف للثنتين السابقتين؟! فيه خلاف: بعضهم يقول: إنها نفس ثالثة. وبعضهم يقول: هي وصف للثنتين السابقتين، فالمطمئنة تلومك، والأمارة بالسوء تلومك، فيكون قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]؛ يشمل النفسين جميعًا. فالمطمئنة تلومك على التقصير في الواجب، إذا أهملت واجبًا، لامتك، وإذا فعلت محرمًا، لامتك. والأمارة بالسوء بالعكس، إذا فعلت الخير، لامتك، وتلومك إذا فوَّتَّ ما تأمرك به من السوء. إذًا؛ صارت اللوَّامة على القول الراجح وصفًا للنفسين معًا. وقوله هنا: "أعوذ بك من شر نفسي": المراد بها النفس الأمارة بالسوء.

стр. 508

* قوله: "ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها": الدابة: كل ما يدب على الأرض، حتى الذي يمشي على بطنه داخل في هذا الحديت؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥]، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. وإن كانت الدابة تطلق في العرف على ذوات الأربع، وفي عرف أخص تطلق على الحمار فقط، لكنها في مثل هذا الحديث يراد بها كل ما يدب على الأرض، وما يدب على الأرض فيه شرور، أما بعضه؛ فشر محض بالنسبة لذاته، وأما بعضه؛ ففيه خير وفيه شر، وحتى الذي فيه خير، لا يسلم من الشر. * قوله: "أنت آخذ بناصيتها": الناصية: مقدم الرأس، وإنما نص على الناصية؛ لأنه هو المقدم، وهو الذي يمسك به لقيادة البعير وشبهه. وقيل: خُصَّ ذلك؛ لأن المخ الذي فيه التصور والتلقي يكون في مقدمة الرأس، والعلم عند الله. * قوله: "أنت الأول؛ فليس قبلك شيء": هذا تفسير من النبي ﷺ لقوله: "الأول"، والأول من أسماء الله. وقد ذكرنا عند تفسير الآية أن أهل الفلسفة يسمُّون الله: القديم، وذكرنا أن القديم ليس من أسماء الله الحسنى، وأنه لا يجوز أن يسمَّى به، لكن يجوز أن يخبر به عنه، وباب الخبر أوسع من باب التسمية؛ لأن القديم ليس من الأسماء الحسنى، والقديم فيه نقص؛ لأن القدم قد يكون قدمًا نسبيًّا؛ ألم تر إلى قوله تعالى:

стр. 509

﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، والعرجون القديم حادث، لكنه قديم بالنسبة لما بعده. * قوله: "وأنت الظاهر؛ فليس فوقك شيء": الظاهر من الظهور، وهو العلو؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧]؛ ﴿يظهروه﴾ أي: يعلوا عليه. وأما من قال: الظاهر بآياته؛ فهذا خطأ؛ لأنه لا أحد أعلم بتفسير كلام الله من رسول الله ﷺ ، وقد قال: "الظاهر؛ فليس فوقك شيء"؛ بل هو فوق كل شيء سبحانه. * قوله: "وأنت الباطن؛ فليس دونك شيء": المعنى: ليس دون الله شيء، لا أحد يدبر دون الله، ولا أحد ينفرد بشيء دون الله، ولا أحد يخفى على الله؛ كل شيء؛ فالله محيط به، ولهذا قال: "ليس دونك شيء"؛ يعني: لا يحول دونك شيء، ولا يمنع دونك شيء، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ... وهكذا. * قوله: "اقض عني الدَّين": الدَّين: ما يستحق على الإنسان من مال أو حق؛ اشتريت منك حاجة، ولم أنقدك الثمن؛ فهذا يسمى دينًا، وإن كان غير مؤجل. * قوله: "وأغنني من الفقر": الفقر: خلو ذات اليد، ولا شك أن الفقر فيه إيلام للنفس، والدَّين فيه ذل؛ المدين ذليل للدائن، والفقير معوز ربما يجره الفقر إلى أمر محرم. ألم يأتكم نبأ الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، فتوسل كل

стр. 510

واحد منهم بصالح عمله، وكان لأحدهم ابنة عم أعجبته، وكان يراودها عن نفسها، ولكنها كانت تأبى ذلك، فألمت بها سنة من السنين، واحتاجت، وجاءت إليه تطلب منه أن يعينها، فأبى عليها؛ إلا أن تمكِّنه من نفسها، ومن أجل ضرورتها؛ وافقت على هذا، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته؛ قالت له: يا هذا! اتق الله! ولا تفض الخاتم إلا بحقه! وأثرت هذه الكلمة في الرجل عندما كانت نابعة من القلب، فقام عنها. قال: فقمت عنها وهي أحب الناس إليَّ. لكن ذكرته هذه الموعظة الكريمة؛ فأقلع (١). فانظر إلى الفقر؛ فإن هذه المرأة أرادت أن تبيع عرضها بسبب الفقر. إذًا؛ قول الرسول ﷺ : "أغنثي من الفقر": سأل النبي ﷺ ربه أن يغنيه من الفقر؛ لأن الفقر له آفات عظيمة. * وفي هذا الحديث أسماء وصفات: - فمن الأسماء: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن. - ومن الصفات: الأولية والآخرية، وفيهما الإحاطة الزمانية. والظاهرية والباطنية، وفيهما الإحاطة المكانية. ومنها: العلو، وعموم ربوبيته، وتمام قدرته. ومنها: كمال رحمته وحكمته بإنزال الكتب؛ لتحكم بين الناس وتهديهم صراط الله.

стр. 511

* ومن غير الأسماء والصفات: التوسل إلى الله بصفات الله، والتحذير من شر النفوس، وسؤال النبي ﷺ أن يقضي الله دينه ويغنيه من الفقر، وبيان ضعف الحديث الذي فيه سؤال النبي ﷺ أن يحييه ربه مسكينًا (١). * وفيه من الفوائد المسلكية: التحذير من شر النفس، وتعظيم شأن الدين، وأن يحرص على تلافي الدَّين بقدر الإمكان، ويقتصد في ماله طلبًا وتصرفًا، لأنه إذا اقتصد في ذلك، سلم غالبًا من الفقر والدين. * * * • الحديث الخامس عشر: في إثبات قرب الله تعالى: وهو قوله ﷺ لمَّا رفع الصحابة أصواتهم بالذكر: "أيُّها النَّاسُ! أرْبَعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ، فَإنكمْ لا تَدْعُون أصَمَّ وَلا غائِبًا؛ إنَّما تَدْعونَ سَميعًا بَصيرًا، إنَّ الذي تَدْعونَهُ أقْرَبُ إلى أحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ

стр. 512

راحِلَتِهِ". متفق عليه (١) الشرح: * كان الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ ؛ إذا علوا نشزًا؛ كبروا، وإذا نزلوا واديًا؛ سبحوا (٢)؛ لأن الإنسان إذا ارتفع؛ قد يتعاظم في نفسه، ويرى أنه مرتفع عظيم؛ فناسب أن يقول: الله أكبر! تذكيرًا لنفسه بكبرياء الله ، وأما إذا نزل؛ فهذا سفول ونزول، فيقول: سبحان الله! تذكيرًا لنفسه بتنزه الله عن السفل. فكان الصحابة ﵃ يرفعون أصواتهم بالذكر جدًّا، فقال النبي ﵊: * "أيها الناس! اربعوا على أنفسكم"؛ يعني: هوّنوا عليها. * "فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا"؛ لا تدعون أصم لا يسمع، ولا غائبًا لا يرى. * "إنما تدعون سميعًا"؛ يسمع ذكركم، "بصيرًا"؛ يرى أفعالكم. * "إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته": عنق الراحلة للراكب قريب جدًّا؛ فالله تعالى أقرب من هذا إلى الإنسان، ومع هذا؛ فهو فوق سماواته على عرشه.

стр. 513

ولا منافاة بين القرب والعلو؛ لأن الشيء قد يكون بعيدًا قريبًا؛ هذا بالنسبة للمخلوق؛ فكيف بالخالق؟! فالرب قريب مع علوه، أقرب إلى أحدنا من عنق راحلته. * هذا الحديث فيه فوائد: - فيه شيء من الصفات السلبية: نفي كونه أصم أو غائبًا؛ لكمال سمعه ولكمال بصره وعلمه وقربه. - وفيه أيضًا أنه ينبغي للإنسان ألا يشقَّ على نفسه في العبادة؛ لأن الإنسان إذا شق على نفسه؛ تعبت النفس وملت، وربما يتأثر البدن، ولهذا قال النبي ﷺ : "اكلفوا من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا" (١). فلا ينبغي للإنسان أن يشق على نفسه، بل ينبغي أن يسوس نفسه: إذا وجد منها نشاطًا في العبادة؛ عمل واستغلَّ النشاط، وإذا رأى فتورًا في غير الواجبات، أو أنها تميل إلى شيء آخر من العبادات؛ وجهها إليه. حتى إن الرسول ﷺ أمر من نعس في صلاته أن ينام ويدع الصلاة؛ قال: "فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه" (٢). ولهذا كان النبي ﷺ يصوم حتى يقول القائل: لا يفطر،

стр. 514

ويفطر حتى يقول القائل: لا يصوم (١)، وكذلك في القيام والنوم. - وفيه أيضًا: أن الله قريب، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقر ة: ١٨٦]. * ونستفيد من هذا الحديث من الناحية المسلكية: - أنه لا ينبغي لنا أن نشق على أنفسنا بالعبادات، وأن يكون سيرنا إلى الله وسطًا؛ لا تفريط ولا إفراط. - وفيه أيضًا: الحذر من الله؛ لأنه سميع وقريب وبصير، فنبتعد عن مخالفته. - وفيه أيضًا من الناحية الحكمية: جواز تشبيه الغائب بالحاضر للإيضاح؛ حيث قال: "إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته". - وفيه أيضًا أنه ينبغي أن يراعي الإنسان في المعاني ما كان أقرب إلى الفهم؛ لأن هؤلاء مسافرون، وكل منهم على راحلته، وإذا ضرب المثل بما هو قريب؛ فلا أحسن من هذا المثل الذي ذكره النبي ﵊. * * *

стр. 515

• الحديث السادس عشر: إثبات رؤية المؤمنين لربهم: وهو ﷺ : "إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَما تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ، لا تُضامُّونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا على صَلاةٍ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وَصَلاةٍ قَبْلَ غُروبِها" فَافْعَلوا". متفق عليه (١). الشرح: * قوله: "إنكم سترون ربكم": السين للتحقيق، وتخلص الفعل المضارع إلى الاستقبال بعد أن كان صالحًا للحال والاستقبال، كما أن (لم) تخلصه للماضي، والخطاب للمؤمنين. * قوله: "كما ترون القمر": هذه رؤية بصرية؛ لأن رؤيتنا للقمر بصرية، وهنا شبه الرؤية بالرؤية، فتكون رؤية بصرية. * وقوله: "كما ترون": (ما) هذه مصدرية، فيحوَّل الفعل بعدها إلى مصدر، ويكون التقدير: كرؤيتكم القمر، فالتشبيه حينئذ للرؤية بالرؤية، وليس للمرئي بالمرئي، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء. والنبي ﵊ يقرب المعاني أحيانًا بذكر الأمثلة الحسية الواقعية، كما سأله أبو رزين العقيلي لقيط بن عامر؛ قال: يا رسول الله! أكلنا يرى ربه يوم القيامة، وما آية ذلك في خلقه؟ فقال النبي ﷺ : "كلكم ينظر إلى القمر مخليًا به". قال: بلى. قال

стр. 516

النبي ﷺ : "فالله أعظم" (١). وقوله: "مُخليًا به"، يعني: خاليًا به. وكما ثبت به الحديث في "صحيح مسلم" (٢) من حديث أبي هريرة ﵁: "إن الله يقولى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين. قال: حمدني عبدي". وهذا يشمل كل مصلٍّ، ومن المعلوم أنه قد يتفق المصلون في هذه الآية جميعًا، فيقولى الله لكل واحد: "حمدني عبدي"، في آن واحد. * قال: "كما ترون القمر ليلة البدر": أي: ليلة إبداره، وهي الليلة الرابعة عشرة والخامسة عشرة والثالثة عشرة أحيانًا، والوسط الرابعة عشرة، كما قال ابن القيم: كالبدر ليل الست بعد ثمان. في قوله: "لا تضامُّون في رؤيته"، وفي لفظ: "لا تضامُون"، وفي لفظ: "لا تضارون": - "لا تُضامون": بضم التاء وتخفيف الميم، أي: لا

стр. 517

يلحقكم ضيم، والضيم الظلم، والمعنى: لا يحجب بعضكم بعضًا عن الرؤية فيظلمه بمنعه إياه. لأن كل واحد يراه. - "لا تضامُّون": بتشديد الميم وفتح التاء وضمها: يعني: لا ينضم بعضكم إلى بعض في رؤيته؛ لأن الشيء إذا كان خفيًّا؛ ينضم الواحد إلى صاحبه ليريه إياه. - أما "لا تضارُون" أو "لا تضارُّون"؛ فالمعنى: لا يلحقكم ضرر؛ لأن كل إنسان يراه وهو في غاية ما يكون من الطمأنينة والراحة. * قوله: "فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها؛ فافعلوا": الصلاة قبل طلوع الشمس هي الفجر، وقبل غروبها هي العصر. والعصر أفضل من الفجر؛ لأنها الصلاة الوسطى التي خصها الله بالأمر بالمحافظة عليها بعد التعميم، والفجر أفضل من العصر من وجه؛ لأنها الصلاة المشهودة؛ كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وجاء في الحديث الصحيح: "من صلى البردين؛ دخل الجنة" (١)، وهما: الفجر والعصر. * في هذا الحديث من صفات الله: إثبات أن الله يرى، وقد سبق (٢) شرح هذه الصفة عند ذكر الآيات الدالة عليها، وهي أربع

стр. 518

آيات، والأحاديث في هذا متواترة عن النبي ﷺ ؛ فثبوتها قطعي، ودلالتها قطعية. ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن من أنكر رؤية الله تعالى؛ فهو كافر مرتد (١)، وأن الواجب على كل مؤمن أن يقر بذلك. قال: وإنما كفرناه؛ لأن الأدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، ولا يمكن لأحد أن يقول: إن قول الرسول ﵊: "إنكم سترون ربكم"؛ إنه ليس قطعي الدلالة؛ إذ ليس هناك شئ أشد قطعًا من مثل هذا التركيب. لو كان الحديث: "إنكم ترون ربكم": لربما تحتمل التأويل، وأنه عبر عن العلم اليقيني بالرؤية البصرية، ولكنه صرح بأنا نراه كما نرى القمر، وهو حسي. وسبق لنا أن أهل التعطيل يؤولون هذه الأحاديث ويفسرون الرؤية برؤية العلم، وسبق بطلان قولهم (٢). * قوله: "إلى أمثال هذه الأحاديث ... " إلخ؛ يعني: انظر إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر بها النبي ﷺ عن ربه؛ فما كان مثلها ثبوتًا ودلالة؛ فحكمه حكمها. * قوله: "الفرقة الناجية": "الفرقة"؛ أي: الطائفة. * "الناجية": التي نجت في الدنيا من البدع، وفي الآخرة من

стр. 519

النار. * "أهل السنة والجماعة"؛ أي: الذين أخذوا بالسنة واجتمعوا عليها. * "يؤمنون بذلك"؛ أي: بما أخبر به الرسول ﷺ . * "كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه": لأن ما أخبر به الرسول ﵊ يجب علينا أن نؤمن به كما يجب علينا أن نؤمن بما أخبر الله به في كتابه؛ إلا أنه يختلف عن القرآن في الثبوت؛ فإن لنا نظرين بالنسبة لما جاءت به السنة: النظر الأول: في ثبوته. والنظر الثاني: في دلالته. أما ما في القرآن؛ فلنا نظر واحد، وهو النظر في الدلالة. وقد سبق (١) لنا بيان الأدلة الدالة على وجوب قبول ما أخبر به النبي ﷺ . * قال: "من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل": سبق شرح هذا (٢). * * *

стр. 520

فصل مكانة أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة وأتصافهم بالوسطية • قال المؤلف ﵀: "بَلْ هُمُ الوَسَطُ في فِرَقِ الأمَّةِ، كما أنَّ الأمَّةَ هِيَ الوَسَطُ في الأمَمِ". الشرح: * قوله: "الأمة هي الوسط بين الأمم"؛ يعني: الأمم السابقة، وذلك من عدة أوجه: - ففي حق الله تعالى: كانت اليهود تصف الله تعالى بالنقائص، فتلحقه بالمخلوق. وكانت النصارى تلحق المخلوق الناقص بالرب الكامل. أما هذه الأمة، فلم تصف الرب بالنقائص، ولم تلحق المخلوق به. * وفي حق الأنبياء؛ كذبت اليهود عيسى بن مريم، وكفرت به. وغلت النصارى فيه، حتى جعلته إلهًا. أما هذه الأمة، فآمنت

стр. 521

به بدون غلو، وقالت: هو عبد الله ورسوله. - وفي العبادات، النصارى يدينون لله بعدم الطهارة؛ بمعنى أنهم لا يتطهرون من الخبث، يبول الواحد منهم، ويصيب البول ثيابه، ويقوم، ويصلي في الكنيسة!! واليهود بالعكس، إذا أصابتهم النجاسة؛ فإنهم يقرضونها من الثوب؛ فلا يطهرها الماء عندهم؛ حتى إنهم يبتعدون عن الحائض لا يؤاكلونها ولا يجتمعون بها. أما هذه الأمة، فهم وسط، فيقولون: لا هذا ولا هذا، لا يُشَق الثوب، ولا يُصَلى بالنجاسة، بل يغسل غسلًا حتى تزول النجاسة منه، ويصلى به، ولا يبتعدون عن الحائض، بل يؤاكلونها ويباشرها زوجها في غير الجماع. - وكذلك أيضًا في باب المحرَّمات من المآكل والمشارب؛ النصارى استحلوا الخبائث وجميع المحرمات، واليهود حرِّم عليهم كل ذي ظفر، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، أما هذه الأمة، فهم وسط، أحلت لهم الطيبات، وحرمت عليهم الخبائث. - وفي القصاص؛ القصاص فرض على اليهود، والتسامح عن القصاص فرض على النصارى، أما هذه الأمة، فهي مخيرة بين القصاص والدية والعفو مجانًا. فكانت الأمة الإسلامية وسطًا بين الأمم بين الغلو والتقصير.

стр. 522

فأهل السنة والجماعة بين فرق الأمة كالأمة بين الديانات الأخرى؛ يعني: أنهم وسط. ثم ذكر المؤلف ﵀ أصولًا خمسة كان أهل السنة والجماعة فيها وسطًا بين فرق الأمة: * * * • الأصل الأول: باب الأسماء والصفات: قال المؤلف: "فَهُمْ وَسَطٌ في باب صِفاتِ اللهِ بَيْنَ أهْلِ التَّعْطيلِ الجَهْمِيَّةِ وَأهْلِ التَّمْثيلِ المُشَبِّهَةِ". الشرح: * هذان طرفان متطرفان: أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة. * فالجهمية: ينكرون صفات الله ، بل غلاتهم ينكرون الأسماء ويقولون: لا يجوز أن نثبت لله اسمًا ولاصفةً، لأنك إذا أثبت له اسمًا؛ شبهته بالمسميات، أو صفة؛ شبهته بالموصوفات!! إذًا، لا نثبت اسمًا ولا صفة!! وما أضاف الله إلى نفسه من الأسماء؛ فهو من باب المجاز، وليس من باب التسمي بهذه الأسماء!! - والمعتزلة ينكرون الصفات ويثبتون الأسماء. - والأشعرية يثبتون الأسماء وسبعًا من الصفات.

стр. 523

* كل هؤلاء يشملهم اسم التعطيل، لكن بعضهم معطل تعطيلًا كاملًا؛ كالجهمية، وبعضهم تعطيلًا نسبيًّا؟ مثل المعتزلة والأشاعرة. * وأما أهل التمثيل المشبهة؛ فيثبتون لله الصفات، ويقولون: يجب أن نثبت لله الصفات؛ لأنه أثبتها لنفسه، لكن يقولون: إنها مثل صفات المخلوقين. فهؤلاء غلوا في الإثبات، وأهل التعطيل غلوا في التنزيه. فهؤلاء قالوا: يجب عليك أن تثبت لله وجهًا، وهذا الوجه مثل وجه أحسن واحد من بني آدم. قالوا: لأن الله خاطبنا بما نعقل ونفهم؛ قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧]، ولا نعقل ونفهم من الوجه إلا ما نشاهد، وأحسن ما نشاهد الإنسان. فهو على زعمهم -والعياذ بالله- على مثل أحسن واحد من الشباب الإنساني!! ويدَّعون أن هذا هو المعقول!! * وأما أهل السنة والجماعة؛ فقالوا: نحن نأخذ بالحق الذي مع الجانبين؛ فنأخذ بالحق في باب التنزيه؛ فلا نمثل، ونأخذ بالحق في باب الإثبات؛ فلا نعطل؛ بل إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل؛ نحن نثبت ولكن بدون تمثيل، فنأخذ بالأدلة من هنا ومن هنا.

стр. 524

والخلاصة: هم وسط في باب الصفات بين طائفتين متطرفتين: طائفة غلت في التنزيه والنفي، وهم أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم، وطائفة غلت في الإثبات، وهم الممثلة. وأهل السنة والجماعة يقولون: لا نغلوا في الإثبات ولا في النفي، ونثبت بدون تمثيل؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [لشورى: ١١]. * * * • الأصل الثاني: أفعال الله: قال المؤلف: "وَهُمْ وَسَطٌ في بابِ أفْعالِ اللهِ بَيْنَ الجَبْرِيَّةِ وَالقَدَرِيَّةِ". الشرح: * في باب القدر انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: - قسم آمنوا بقدر الله وغلوا في إثباته، حتى سلبوا الإنسان قدرته واختياره، وقالوا: إن الله فاعل كل شيء، وليس للعبد اختيار ولا قدرة، وإنما يفعل الفعل مجبرًا عليه، بل إن بعضهم ادعى أن فعل العبد هو فعل الله، ولهذا دخل من بابهم أهل الاتحاد والحلول، وهؤلاء هم الجبرية. - والقسم الثاني قالوا: إن العبد مستقل بفعله، وليس لله فيه مشيئة ولا تقدير، حتى غلا بعضهم، فقال: إن الله لا يعلم فعل العبد إلا إذا فعله، أما قبل؛ فلا يعلم عنه شيئًا، وهؤلاء هم

стр. 525

القدرية، مجوس هذه الأمة. فالأولون غلوا في إثبات أفعال الله وقدره وقالوا: إن الله يجبر الإنسان على فعله، وليس للإنسان اختيار. والآخرون غلوا في إثبات قدرة العبد، وقالوا: إن القدرة الإلهية والمشيئة الإلهية لا علاقة لها في فعل العبد؛ فهو الفاعل المطلق الاختيار. - والقسم الثالث: أهل السنة والجماعة؛ قالوا: نحن نأخذ بالخق الذي مع الجانبين؛ فنقول: إن فعل العبد واقع بمشيئة الله وخلق الله، ولا يمكن أن يكون في ملك الله ما لا يشاؤه أبدًا، والإنسان له اختيار وإرادة، ويفرق بين الفعل الذي يضطر إليه والفعل الذي يختاره، فأفعال العباد باختيارهم وإرادتهم، ومع ذلك؛ فهي واقعة بمشيئة الله وخلقه. لكن سيبقى عندنا إشكال: كيف تكون خلقًا لله وهي فعل الإنسان؟! والجواب أن أفعال العبد صدرت بإرادة وقدرة، والذي خلق فيه الإرادة والقدرة هو الله . لو شاء الله تعالى؛ لسلبك القدرة؛ فلم تستطع. ولو أن أحدًا قادرًا لم يرد فعلًا؛ لم يقع الفعل منه. كل إنسان قادر يفعل الفعل؛ فإنه بإرادته، اللهمَّ إلا من أكره.

стр. 526

فنحن نفعل باختيارنا وقدرتنا، والذي خلق فينا الاختيار والقدرة هو الله. * * * • الأصل الثالث: الوعيد: قال المؤلف: "وَفي بابِ وَعيدِ اللهِ بَيْنَ المُرْجِئَةِ وَبَيْنَ الوَعيدِيَّةِ مِنَ القَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ". الشرح: * المرجئة: اسم فاعل من أرجَأ؛ بمعنى: أخر، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١]، وفي قراءة: (أرجئه)؛ أي: أخره وأخر أمره، وسمُّوا مرجئة: إما من الرجاء؛ لتغليبهم أدلة الرجاء على أدلة الوعيد، وإما من الإرجاء؛ بمعنى: التأخير؛ لتأخيرهم الأعمال عن مسمَّى الإيمان. فهم يقولون: الأعمال ليست من الإيمان، والإيمان هو الاعتراف بالقلب فقط. ولهذا يقولون: الأعمال ليست من الإيمان، والإيمان هو الاعتراف بالقلب فقط. ولهذا يقولون: إن فاعل الكبيرة كالزاني والسارق وشارب الخمر وقاطع الطريق لا يستحق دخول النار لا دخولًا مؤبَّدًا ولا مؤقتًا؛ فلا يضر مع الإيمان معصية؛ مهما كانت صغيرة أم كبيرة؛ إذا لم تصل إلى حد الكفر.

стр. 527

* وأما الوعيديَّة؛ فقابلوهم، وغلَّبوا جانب الوعيد، وقالوا: أي كبيرة يفعلها الإنسان ولم يتب منها؛ فإنه مخلَّد في النار بها: إن سرق؛ فهو من أهل النار خالدًا مخلدًا، وإن شرب الخمر؛ فهو في النار خالدًا مخلدًا ... وهكذا. والوعيدية يشمل طائفتين: المعتزلة، والخوارج. ولهذا قال المؤلف: "من القدرية وغيرهم"؛ فيشمل المعتزلة -والمعتزلة قدرية، يرون أن الإنسان مستقل بعمله، وهم وعيدية- ويشمل الخوارج. فاتفقت الطائفتان على أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، لا يخرج منها أبدًا، وأن من شرب الخمر مرة؛ كمن عبد الصنم ألف سنة، كلهم مخلَّدون في النار، لكن يختلفون في الاسم؛ كما سيأتي إن شاء الله في الباب التالي. * وأما أهل السنة والجماعة؛ فيقولون: لا نغلب جانب الوعيد كما فعل المعتزلة والخوارج، ولا جانب الوعد كما فعل المرجئة، ونقول: فاعل الكبيرة مستحق للعذاب، وإن عذِّب؛ لا يخلد في النار. * وسبب الخلاف بين الوعيدية وبين المرجئة: أن كل واحد منهما نظر إلى النصوص بعين عوراء؛ ينظر من جانب واحد. - هؤلاء نظروا نصوص الوعد، فأدخلوا الإنسان في الرجاء، وقالوا: نأخذ بها، وندع ما سواها، وحملوا نصوص الوعيد على الكفار.

стр. 528

- والوعيدية بالعكس؛ نظروا إلى نصوص الوعيد، فأخذوا بها، وغفلوا عن نصوص الوعد. فلهذا اختل توازنهم لما نظروا من جانب واحد. * وأهل السنة والجماعة أخذوا بهذا وهذا، وقالوا: نصوص الوعيد محكمة؛ فنأخذ بها، ونصوص الوعد محكمة؛ فنأخذ بها. فأخذوا من نصوص الوعد ما ردوا به على الوعيدية، ومن نصوص الوعيد ما ردوا به على المرجئة، وقالوا: فاعل الكبيرة مستحق لدخول النار؛ لئلا نهدر نصوص الوعيد؛ غير مخلَّد فيها؛ لئلا نهدر نصوص الوعد. فأخذوا بالدليلين ونظروا بالعينين. * * * • الأصل الرابع: أسماء الإيمان والدين: قال المؤلف: "وفي باب أسماءِ الإيمانِ والدِّينِ بَيْنَ الحَرُورِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ، وَبَيْنَ المُرْجِئَةِ الجَهمِيَّة". الشرح: * هذا في باب الأسماء والدين، وهو غير باب الأحكام الذي هو الوعد والوعيد؛ ففاعل الكبيرة ماذا نسميه؟! أمؤمن أم كافر؟! * وأهل السنة وسط فيه بين طائفتين: الحرورية والمعتزلة من وجه، والمرجئة الجهمية من وجه:

стр. 529

- فالحرورية والمعتزلة أخرجوه من الإيمان، لكن الحرورية قالوا: إنه كافر يحل دمه وماله، ولهذا خرجوا على الأئمة، وكفَّروا الناس. - وأما المرجئة الجهمية؛ فخالفوا هؤلاء، وقالوا: هو مؤمن كامل الإيمان!! يسرق ويزني ويشرب الخمر ويقتل النفس ويقطع الطريق؛ ونقول له: أنت مؤمن كامل الإيمان!! كرجل فعل الواجبات والمستحبات وتجنَّب المحرمات!! أنت وهو في الإيمان سواء!! فهؤلاء وأولئك على الضد في الاسم وفي الحكم. وأما المعتزلة؛ فقالوا: فاعل الكبيرة خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر؛ فهو في منزلة بين منزلتين؛ لا نتجاسر أن نقول: إنه كافر! وليس لنا أن نقول: إنه مؤمن؛ وهو يفعل الكبيرة؛ يزني ويسرق ويشرب الخمر! وقالوا: نحن أسعد الناس بالحق! حقيقة أنهم إذا قالوا: إن هذا لا يتساوى مع مؤمن عابد؛ فقد صدقوا. لكن كونهم يخرجونه من الإيمان، ثم يحدثون منزلة بين منزلتين: بدعة ما جاءت لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله!! كل النصوص تدل على أنه لا يوجد منزلة بين منزلتين: كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].

стр. 530

وقوله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]. وقوله: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢]. وفي الحديث: "القرآن حجة لك أو عليك" (١). فأين المنزلة بين المنزلتين؟! وفي باب الوعيد ينفذون عليه الوعيد، فيوافقون الخوارج في أن فاعل الكبيرة مخلَّد في النار، أما في الدنيا؛ فقالوا: تجرى عليه أحكام الإسلام؛ لأنه هو الأصل؛ فهو عندهم في الدنيا بمنزلة الفاسق العاصي. فيا سبحان الله! كيف نصلي عليه، ونقول: اللهمَّ! اغفر له. وهو مخلَّد في النار؟! فيجب عليهم أن يقولوا في أحكام الدنيا: إنه يُتَوَقَّف فيه! لا نقول: مسلم، ولا: كافر، ولا نعطيه أحكام الإسلام، ولا أحكام الكفر!! إذا مات؛ لا نصلي عليه، ولا نكفنه، ولا نغسله، ولا يدفن مع المسلمين، ولا ندفنه مع الكفار؛ إذًا؛ نبحث له عن مقبرة بين مقبرتين!! - وأما أهل السنة والجماعة؛ فكانوا وسطًا بين هذه الطوائف؛ فقالوا: نسمي المؤمن الذي يفعل الكبيرة مؤمنًا ناقص الإيمان، أو نقول: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وهذا هو العدل؛ فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم.
следующие страницы →