← Акыда

Акыда · id 11250

شرح العقيدة الواسطية - العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (835 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فنحن نفعل باختيارنا وقدرتنا، والذي خلق فينا الاختيار والقدرة هو الله. * * * • الأصل الثالث: الوعيد: قال المؤلف: "وَفي بابِ وَعيدِ اللهِ بَيْنَ المُرْجِئَةِ وَبَيْنَ الوَعيدِيَّةِ مِنَ القَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ". الشرح: * المرجئة: اسم فاعل من أرجَأ؛ بمعنى: أخر، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١]، وفي قراءة: (أرجئه)؛ أي: أخره وأخر أمره، وسمُّوا مرجئة: إما من الرجاء؛ لتغليبهم أدلة الرجاء على أدلة الوعيد، وإما من الإرجاء؛ بمعنى: التأخير؛ لتأخيرهم الأعمال عن مسمَّى الإيمان. فهم يقولون: الأعمال ليست من الإيمان، والإيمان هو الاعتراف بالقلب فقط. ولهذا يقولون: الأعمال ليست من الإيمان، والإيمان هو الاعتراف بالقلب فقط. ولهذا يقولون: إن فاعل الكبيرة كالزاني والسارق وشارب الخمر وقاطع الطريق لا يستحق دخول النار لا دخولًا مؤبَّدًا ولا مؤقتًا؛ فلا يضر مع الإيمان معصية؛ مهما كانت صغيرة أم كبيرة؛ إذا لم تصل إلى حد الكفر.

стр. 527

* وأما الوعيديَّة؛ فقابلوهم، وغلَّبوا جانب الوعيد، وقالوا: أي كبيرة يفعلها الإنسان ولم يتب منها؛ فإنه مخلَّد في النار بها: إن سرق؛ فهو من أهل النار خالدًا مخلدًا، وإن شرب الخمر؛ فهو في النار خالدًا مخلدًا ... وهكذا. والوعيدية يشمل طائفتين: المعتزلة، والخوارج. ولهذا قال المؤلف: "من القدرية وغيرهم"؛ فيشمل المعتزلة -والمعتزلة قدرية، يرون أن الإنسان مستقل بعمله، وهم وعيدية- ويشمل الخوارج. فاتفقت الطائفتان على أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، لا يخرج منها أبدًا، وأن من شرب الخمر مرة؛ كمن عبد الصنم ألف سنة، كلهم مخلَّدون في النار، لكن يختلفون في الاسم؛ كما سيأتي إن شاء الله في الباب التالي. * وأما أهل السنة والجماعة؛ فيقولون: لا نغلب جانب الوعيد كما فعل المعتزلة والخوارج، ولا جانب الوعد كما فعل المرجئة، ونقول: فاعل الكبيرة مستحق للعذاب، وإن عذِّب؛ لا يخلد في النار. * وسبب الخلاف بين الوعيدية وبين المرجئة: أن كل واحد منهما نظر إلى النصوص بعين عوراء؛ ينظر من جانب واحد. - هؤلاء نظروا نصوص الوعد، فأدخلوا الإنسان في الرجاء، وقالوا: نأخذ بها، وندع ما سواها، وحملوا نصوص الوعيد على الكفار.

стр. 528

- والوعيدية بالعكس؛ نظروا إلى نصوص الوعيد، فأخذوا بها، وغفلوا عن نصوص الوعد. فلهذا اختل توازنهم لما نظروا من جانب واحد. * وأهل السنة والجماعة أخذوا بهذا وهذا، وقالوا: نصوص الوعيد محكمة؛ فنأخذ بها، ونصوص الوعد محكمة؛ فنأخذ بها. فأخذوا من نصوص الوعد ما ردوا به على الوعيدية، ومن نصوص الوعيد ما ردوا به على المرجئة، وقالوا: فاعل الكبيرة مستحق لدخول النار؛ لئلا نهدر نصوص الوعيد؛ غير مخلَّد فيها؛ لئلا نهدر نصوص الوعد. فأخذوا بالدليلين ونظروا بالعينين. * * * • الأصل الرابع: أسماء الإيمان والدين: قال المؤلف: "وفي باب أسماءِ الإيمانِ والدِّينِ بَيْنَ الحَرُورِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ، وَبَيْنَ المُرْجِئَةِ الجَهمِيَّة". الشرح: * هذا في باب الأسماء والدين، وهو غير باب الأحكام الذي هو الوعد والوعيد؛ ففاعل الكبيرة ماذا نسميه؟! أمؤمن أم كافر؟! * وأهل السنة وسط فيه بين طائفتين: الحرورية والمعتزلة من وجه، والمرجئة الجهمية من وجه:

стр. 529

- فالحرورية والمعتزلة أخرجوه من الإيمان، لكن الحرورية قالوا: إنه كافر يحل دمه وماله، ولهذا خرجوا على الأئمة، وكفَّروا الناس. - وأما المرجئة الجهمية؛ فخالفوا هؤلاء، وقالوا: هو مؤمن كامل الإيمان!! يسرق ويزني ويشرب الخمر ويقتل النفس ويقطع الطريق؛ ونقول له: أنت مؤمن كامل الإيمان!! كرجل فعل الواجبات والمستحبات وتجنَّب المحرمات!! أنت وهو في الإيمان سواء!! فهؤلاء وأولئك على الضد في الاسم وفي الحكم. وأما المعتزلة؛ فقالوا: فاعل الكبيرة خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر؛ فهو في منزلة بين منزلتين؛ لا نتجاسر أن نقول: إنه كافر! وليس لنا أن نقول: إنه مؤمن؛ وهو يفعل الكبيرة؛ يزني ويسرق ويشرب الخمر! وقالوا: نحن أسعد الناس بالحق! حقيقة أنهم إذا قالوا: إن هذا لا يتساوى مع مؤمن عابد؛ فقد صدقوا. لكن كونهم يخرجونه من الإيمان، ثم يحدثون منزلة بين منزلتين: بدعة ما جاءت لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله!! كل النصوص تدل على أنه لا يوجد منزلة بين منزلتين: كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].

стр. 530

وقوله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]. وقوله: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢]. وفي الحديث: "القرآن حجة لك أو عليك" (١). فأين المنزلة بين المنزلتين؟! وفي باب الوعيد ينفذون عليه الوعيد، فيوافقون الخوارج في أن فاعل الكبيرة مخلَّد في النار، أما في الدنيا؛ فقالوا: تجرى عليه أحكام الإسلام؛ لأنه هو الأصل؛ فهو عندهم في الدنيا بمنزلة الفاسق العاصي. فيا سبحان الله! كيف نصلي عليه، ونقول: اللهمَّ! اغفر له. وهو مخلَّد في النار؟! فيجب عليهم أن يقولوا في أحكام الدنيا: إنه يُتَوَقَّف فيه! لا نقول: مسلم، ولا: كافر، ولا نعطيه أحكام الإسلام، ولا أحكام الكفر!! إذا مات؛ لا نصلي عليه، ولا نكفنه، ولا نغسله، ولا يدفن مع المسلمين، ولا ندفنه مع الكفار؛ إذًا؛ نبحث له عن مقبرة بين مقبرتين!! - وأما أهل السنة والجماعة؛ فكانوا وسطًا بين هذه الطوائف؛ فقالوا: نسمي المؤمن الذي يفعل الكبيرة مؤمنًا ناقص الإيمان، أو نقول: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وهذا هو العدل؛ فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم.

стр. 531

ويترتَّب على هذا: أن الفاسق لا يجوز لنا أن نكرهه كرهًا مطلقًا، ولا أن نحبه حبًّا مطلقًا، بل نحبه على ما معه من الإيمان، ونكرهه على ما معه من المعصية. * * * • الأصل الخامس: في الصحابة ﵃: قال المؤلف: "وَفي أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْنَ الرَّافِضَةِ وَالخَوارِجِ". الشرح: * "أصحاب": جمع صاحب، والصحب اسم جمع صاحب، والصاحب: الملازم للشيء. والصحابي: هو الذي اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك. وهذا خاص في الصحابة، وهو من خصائص النبي ﷺ ، أن الإنسان يكون من أصحابه، وإن لم يجتمع به إلا لحظة واحدة؛ لكن بشرط أن يكون مؤمنًا به (١). * وأهل السنة والجماعة وسط فيهم بين الرافضة والخوارج. - فالرافضة: هم الذين يسمَّون اليوم: شيعة، وسموا رافضة، لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي

стр. 532

طالب ﵁، الذي ينتسب إليه الآن الزيدية؛ رفضوه لأنهم سألوه: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ يريدون منه أن يسبهما ويطعن فيهما! ولكنه ﵁ قال لهم: نعم الوزيران وزيرا جدي. يريد بذلك رسول الله ﷺ ؛ فأثنى عليهما، فرفضوه، وغضبوا عليه، وتركوه! فسموا رافضة (١)!! هؤلاء الروافض -والعياذ بالله- لهم أصول معروفة عندهم، ومن أقبح أصولهم: الإمامة التي تتضمن عصمة الإمام، وأنه لا يقول خطأ، وأن مقام الإمامة أرفع من مقام النبوة؛ لأن الإمام يتلقى عن الله مباشرة، والنبي بواسطة الرسول، وهو جبريل، ولا يخطئ الإمام عندهم أبدًا، بل غلاتهم يدعون أن الإمام يخلق؛ يقول للشيء: كن. فيكون!! وهم يقولون: إن الصحابة كفار، وكلهم ارتدوا بعد النبي ﷺ ؛ حتى أبو بكر وعمر عند بعضهم كانا كافرين وماتا على النفاق والعياذ بالله، ولا يستثنون من الصحابة إلا آل البيت، ونفرًا قليلًا ممن قالوا: إنهم من أولياء آل البيت. وقد قال صاحب كتاب "الفصل": "إن غلاتهم كفروا علي بن أبي طالب؛ قالوا: لأن عليًّا أقر الظلم والباطل حين بايع أبا بكر وعمر، وكان الواجب عليه أن ينكر بيعتهما، فلما لم يأخذ بالحق والعدل، ووافق على الظلم؛ صار ظالمًا كافرًا".

стр. 533

- أما الخوارج؛ فهم على العكس من الرافضة؛ حيث إنهم كفروا علي بن أبي طالب، وكفروا معاوية بن أبي سفيان، وكفروا كل من لم يكن على طريقتهم، واستحلوا دماء المسلمين، فكانوا كما وصفهم النبي ﵊: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة" (١)، وإيمانهم لا يتجاوز حناجرهم. فالشيعة غلوا في آل البيت وأشياعهم، وبالغوا في ذلك، حتى إن منهم من ادعى ألوهية علي، ومنهم من ادعى أنه أحق بالنبوة من محمد رسول الله ﷺ ، والخوارج بالعكس. - أما أهل السنة والجماعة؛ فكانوا وسطًا بين الطائفتين؛ قالوا: نحن ننزل آل البيت منزلتهم، ونرى أن لهم حقين علينا: حق الإسلام والإيمان، وحق القرابة من رسول الله ﷺ . وقالوا: قرابة رسول الله ﷺ لها الحق علينا، لكن من حقها علينا أن ننزلها منزلتها، وأن لا نغلو فيها. ويقولون في بقية أصحاب الرسول ﷺ : لهم الحق علينا بالتوقير والإجلال والترضي، وأن نكون كما قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، ولا نعادي أحدًا منهم أبدًا؛ لا آل البيت، ولا غيرهم؛ فكل منهم نعطيه حقه؛ فصاروا وسطًا بين جفاة وغلاة. * * *

стр. 534

فصل في المعية وبيان الجمع بينها وبيان علو الله واستوائه على عرشه الشرح: سبق (١) أن مما يدخل في الإيمان بالله: الإيمان بأسمائه وصفاته، ومن ذلك الإيمان بعلو الله واستوائه على عرشه، والإيمان بمعيته، وفي هذا الفصل بين المؤلف ﵀ الجمع بين العلو والمعية؛ فقال: * "وَقَدْ دَخَلَ فِيما ذَكَرْناهُ مِنَ الإيمانِ باللهِ: الإيمانُ بما أخْبَرَ اللهُ بهِ في كِتابِهِ، وَتَواتَرَ عَنْ رَسولِهِ ﷺ ، وَأجْمَعَ عَلَيهِ سَلَفُ الأمَّةِ، مِنْ أنَّه سُبحانَهُ فوقَ سماواتِه على عرشِهِ عليّ على خلقِهِ": هذه ثلاثة أدلة على علو الله تعالى: الكتاب، والسنة، والإجماع. ومر علينا دليل رابع وخامس، وهما: العقل والفطرة. * "من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه علي على خلقه" تقدم لنا أن علو الله نوعان: علو صفة، وعلو ذات، وأن علو الذات دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة وكذلك علو الصفة.

стр. 535

* فالكتاب مملوء من ذلك: تارة بالتصريح بالفوقية، وتارة بالتصريح بالعلو، وتارة بالتصريح بأنه في السماء، وتارة بنزول الأشياء من عنده، وتارة بصعودها إليه، ونحو ذلك. * والسنة جاءت بالقول والفعل والإقرار، وسبق ذكر ذلك. * أما الإجماع؛ فقد أجمع السلف على ذلك، وطريق العلم بإجماعهم عدم نقل ضد ما جاء في الكتاب والسنة؛ فإنهم كانوا يقرؤون القرآن وينقلون الأخبار ويعلمون معانيها، ولما لم ينقل عنهم ما يخالف ظاهرها؛ علم أنهم لا يعتقدون سواه، وأنهم مجمعون على ذلك. وهذا طريق حسن لإثبات إجماعهم، فاستمسك به ينفعك في مواطن كثيرة. * وأما العقل؛ فمن وجهين: الوجه الأول: أن العلو صفة كمال، والله تعالى قد ثبت له كل صفات الكمال، فوجب إثبات العلو له سبحانه. الوجه الثاني: إذا لم يكن عاليًا؛ فإما أن يكون تحت أو مساويًا، وهذا صفة نقص؛ لأنه يستلزم أن تكون الأشياء فوقه أو مثله؛ فلزم ثبوت العلو له. * أما الفطرة؛ فلا أحد ينكرها؛ إلا من انحرفت فطرته؛ فكل إنسان يقول: يا الله! يتجه قلبه إلى السماء، لا ينصرف عنه يمنة ولا يسرة، لأن الله تعالى في السماء. * * *

стр. 536

* قوله: "وَهُوَ سُبْحانَهُ مَعَهُمْ أيْنَما كانُوا؛ يَعْلَمُ ما هُمْ عاملونَ". * وهذا من الإيمان بالله، وهو الإيمان بمعيته لخلقه. * وقد سبق (١) أن معية الله تنقسم إلى عامة وخاصة وخاصة الخاصة. - فالعامة: التي تشمل كل أحد من مؤمن وكافر وبر وفاجر، ومثالها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]. - والخاصة: مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. - والتي أخص: مثل قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] وقوله عن رسوله محمد ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٥]. وسبق أن هذه المعية حقيقية، وأن من مقتضى المعية العامة العلم والسمع والبصر والقدرة والسلطان وغير ذلك، ومن مقتضى الخاصة النصر والتأييد. * * * * قوله: "كمَا جَمَعَ بَينَ ذلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ

стр. 537

بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]. * قوله: "بين ذلك"؛ أي: بين العلو والمعية. * ففي قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: إثبات العلو. * وفي قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾: إثبات المعية، فجمع بينهما في آية واحدة، ولا منافاة بينهما كما سبق ويأتي. ووجه الجمع من وجوه ثلاثة: الأول: أنه ذكر استواءه على العرلش، ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، وإذا جمع الله لنفسه بين وصفين، فإننا نعلم علم اليقين أنهما لا يتناقضان؛ لأنهما لو تناقضا؛ لاستحال اجتماعهما، إذ المتناقضين لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ فلا بد من وجود أحدهما وانتفاء الثاني، ولو كان هناك تناقض؛ لزم أن يكون أول الآية مكذبًا لآخرها أو بالعكس. الثاني: أنه قد يجتمع العلو والمعية في المخلوقات؛ كما سيذكره المؤلف في قول الناس: ما زلنا نسير والقمر معنا. الثالث: لو فرض تعارضهما بالنسبة للمخلوق؛ لم يلزم ذلك بالنسبة للخالق، لأن الله ليس كمثله شيء. * قوله: "وَلَيْسَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، أنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالخَلْقِ": لأن هذا المعنى نقص، وقد سبق أنه لو كان هذا هو المعنى؛ لزم أحد أمرين: إما تعدد الخالق، أو تجزؤه؛ مع ما في

стр. 538

ذلك أيضًا من كون الأشياء تحيط به، وهو سبحانه محيط بالأشياء. * قوله: "فإنَّ هذا لا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ"؛ يعني؛ وإذا كانت اللغة لا توجبه؛ لم يتعين، وهذا أحد الوجوه الدالة على بطلان مذهب الحلولية من الجهمية وغيرهم؛ القائلين بأن الله مع خلقه مختلطًا بهم. ولم يقل: لا تقتضيه اللغة؛ لأن اللغة قد تقتضيه، وفرق بين كون اللغة تقتضي ذلك وبين كونها توجب ذلك. فالمعية في اللغة قد تقتضي الاختلاط؛ مثل الماء واللبن؛ تقول: ماء مع لبن مخلوطًا. * قوله: "وَهُوَ خِلافُ ما أجْمَعَ عَلَيهِ سَلَفُ الأمَّةِ، وَخِلافُ ما فَطَرَ اللهُ عَلَيْهِ الخَلْقَ": وذلك لأن الإنسان مفطور على أن الخالق بائن من المخلوق، ليس أحد إذا قال: يا الله! إلا ويعتقد أن الله تعالى بائن من خلقه، لا يعتقد أنه حالٌّ في خلقه؛ فدعوى أنه مختلط بالخلق مخالف للشرع ومخالف للعقل ومخالف للفطرة. * قوله: "بَلِ القَمَرُ آيَةٌ مِنْ آياتِ اللهِ مِنْ أصْغَرِ مَخْلوقاتِهِ، وَهُوَ مَوْضوعٌ في السَّماءِ، وَهُوَ مَعَ المُسافِرِ وَغَيْرِ المُسافِرِ أيْنَما كانَ". * "بل": للإضراب الانتقالي. * وهذا مثل ضربه المؤلف ﵀ تقريبًا للمعنى وتحقيقًا لصحة كون الشيء مع الإنسان حقيقة مع تباعد ما بينهما، وذلك أن

стр. 539

القمر من أصغر المخلوقات، وهو في السماء، ومع المسافر وغيره أينما كان. فإذا كان هذا المخلوق، وهو من أصغر المخلوقات؛ نقول: إنه معنا، وهو في السماء. ولا يعد ذلك تناقضًا، ولا يقتضي اختلاطًا؛ فلماذا لا يصح أن نجري آيات المعية على ظاهرها، ونقول: هو معنا حقيقة، وإن كان هو في السماء فوق كل شيء؟! وكما قلنا سابقًا: لو فرض أن هذا ممتنع في الخلق؛ لكان في الخالق غير ممتنع، فالرب هو في السماء حقيقة، وهو معنا حقيقة، ولا تناقض في ذلك، حتى وإن كان بعيدًا في علوه؛ فإنه قريب في علوه. وهذا الذي حققه شيخ الإسلام في كتبه، وقال: إنه لا حاجة إلى أن نؤول الآية، بل الآية على ظاهرها، لكن مع اعتقادنا بأن الله تعالى في السماء على عرشه؛ فهو معنا حقًّا، وهو على عرشه حقًّا؛ كما نقول: إنه ينزل إلى السماء الدنيا حقًّا، وهو في العلو، ولا أحد من أهل السنة ينكر هذا أبدًا؛ كل أهل السنة يقولون: هو ينزل حقًّا، متفقون على أنه في العلو؛ لأن صفات الخالق ليست مثل صفات المخلوق. وقد عثرت على تقرير للشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ يبين هذا المعنى تمامًا؛ أي أن المعية حق على حقيقتها، ولا تستلزم أن يكون مختلطًا بالخلق، أو أنه في الأرض؛ قال جوابًا على قول بعض السلف: "معهم بعلمه":

стр. 540

"إذا جاءت هذه الكلمة؛ فهي تفسير للمعية بالمقتضى، ليس تفسيرًا لحقيقة الكلمة، والذي يحمل ويحدو على التفسير بهذا أن المنازع في هذا المبتدعة الذين يقولون: إنه مختلط بهم، فيأتي البعض من السلف بالمراد بالسياق، وهو أنه بكمال علمه، ولكن لا يريدون أن كلمة (مع) مدلولها بكل شيء عليم، بل اجتمعت معها في العلم، وزادت المعية في المعنى، وهو كونه معهم؛ فتفسيرها بالمقتضى لا يدل على أن معناها باطل؛ فالكل حق ... ". إلى أن قال: "ولهذا؛ شيخ الإسلام في عقيدته الأخرى المباركة المختصرة؛ بين أن قوله معهم حق على حقيقته؛ فمن فسرها من السلف بالمقتضى؛ فلحاجة دعت إلى ذلك، وهو الرد على أهل الحلول الجهمية الذين ينكرون العلو كما تقدم، والقرآن يفسر بالمطابقة وبالمفهوم وبالاستلزام والمقتضى وغير ذلك من الدلالات، وهؤلاء العلماء الذين روي عنهم التفسير بالمقتضى لا ينكرون المعية، بل هي عندهم كالشمس" اهـ من "الفتاوى"؛ تقريرًا على الحموية (١). * سؤال: هل يصح أن نقول: هو معنا بذاته؟ الجواب: هذا اللفظ يجب أن يبعد عنه؛ لأنه يوهم معنىً فاسدًا يحتج به من يقول بالحلول، ولا حاجة إليه؛ لأن الأصل أن كل شيء أضافه الله إلى نفسه؛ فهو له نفسه؛ ألا ترى إلى قوله

стр. 541

تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾؛ هل يحتاج أن نقول: جاء بذاته؟! وإلى قوله ﷺ : "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" (١)، هل يحتاج أن نقول: ينزل بذاته؟! إننا لا نحتاج إلى ذلك؛ اللهم إلا في مجادلة من يدعي أنه جاء أمره أو ينزل أمره، لرد تحريفه. * * * * قوله: "وهو سبحانه فوق عرشه، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع عليهم": * يقول ﵀: "وهو سبحانه فوق عرشه": مع أنه مع الخلق، لكنه فوق عرشه. * "رقيب على خلقه": يعني: مراقبًا حافظًا لأقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم. * "مهيمن عليهم"؛ أي: حاكم مسيطر على عباده، فله الحكم، وإليه يرجع الأمر كله، وأمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن! فيكون. * قوله: "إلى غير ذلك من معاني ربوبيته"؛ يعني بذلك ما تضمنه معنى الربوبية من ملك وسلطان وتدبير وغير ذلك، فإن معاني الربوبية كثيرة؛ لأن الرب هو الخالق المالك المدبر، وهذه تحمل معاني كثيرة جدًّا.

стр. 542

* قوله: "وَكُلُّ هذا الكَلامِ الذي ذَكَرَهُ اللهُ مِنْ أنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ وَأنَّهُ مَعَنا: حَقٌّ على حَقِيقَتِهِ، لا يَحْتاجُ إلى تَحْريفٍ": * هذه الجملة تأكيد لما سبق، وإنما كرر معنى ما سبق لأهمية الموضوع؛ فبين ﵀ أن ما ذكره الله من كونه فوق العرش حق على حقيقته، وكذلك ما ذكره من كونه معنا حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف. * يعني: لا يحتاج أن نصرف معنى الفوقية إلى فوقية القدر كما ادعاه أهل التحريف والتعطيل، بل هي فوقية ذات وقدر، كما لا يحتاج أن نصرف معنى المعية عن ظاهرها، بل نقول: هي حق على ظاهرها، ومن فسرها بغير حقيقتها، فهو محرف؛ لكن ما ورد من تفسيرها بلازمها ومقتضاها، وارد عن السلف لحاجة دعت إلى ذلك، وهو لا ينافي الحقيقة، لأن لازم الحق حق. * ثم استدرك المؤلف ﵀، فقال: -ولكن يصان عن الظنون الكاذبة- "مِثْلَ أنْ يُظَنَّ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٧]: أن السَّماءَ تُقِلُّهُ أوْ تُظِلُّهُ، وَهذا باطِلٌ بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ وَالإيْمانِ". * الظنون الكاذبة هي الأوهام التي ليس لها أساس من الصحة؛ فيجب أن يصان عنها كلام الله تعالى ورسوله ﷺ . * مثال ذلك أن يُظَنَّ أن ظاهر قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾؛ أن السماء تُقِلُّه؛ أي: تحمله كما يحمل سقف البيت من كان على ظهره. "أو تُظِلُّهُ"؛ يعني: تكون فوقه؛ كالسقف على الإنسان.

стр. 543

إذا ظن الإنسان هذا؛ فهو ظن كاذب، يجب صون الأدلة الدالة على أن الله في السماء عن ذلك. * قال المؤلف: "وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان". تنبيه: قد يقول قائل: كان على المؤلف أن يقول: ومثل أن يظن أن ظاهر قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]؛ أنه مختلط بالخلق؛ لأن هذا الظن كاذب أيضًا. وجوابه أن نقول: إن المؤلف ﵀ ذكر ذلك سابقًا في قوله: "وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾؛ أنه مختلط بالخلق". * * * * قوله: "فإن الله قد ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ". * "الكرسي": كما يروى عن ابن عباس: موضع القدمين (١). * ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ يعني: أحاط بالسماوات والأرض؛ السماوات السبع والأرضين السبع. فكيف يظنُّ ظانٌّ أن السماء تظل الله أو تقلُّه؟! فإذا كان قد وسع كرسيه السماوات والأرض؛ فلا يظن أحد أبدًا هذا الظن الكاذب، وهو أن السماء تقلُّه أو تظلُّه.

стр. 544

* قوله: "وهو الذي ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٣١] ": * يمسكهما أن تزولا عن أماكنهما، ولولا إمساك الله لهما؛ لاضطربتا ومادتا وزالتا، ولكن الله بقدرته وقوته يمسك السماوات والأرض أن تزولا، بل قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١]؛ ما أمسكهما أحد بعد الله أبدًا. لو تزول نجمة من النجوم؛ لا يستطيع أحد أن يمسكها؛ فكيف لو زالت السماوات والأرض؟! ما يمسكهما إلا الله الذي خلقها، الذي يقول للشيء: كن! فيكون. ، بيده ملكوت السماوات والأرض. * قوله: " ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] ". السماء فوق الأرض، ووالله؛ لولا إمساك الله لها؛ لوقعت على الأرض؛ لأنها أجرام عظيمة؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]، وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]؛ فلولا أن الله يمسكها؛ لوقعت على الأرض، وإذا وقعت على الأرض؛ أتلفتها. فالذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه؛ هل يتصور متصور أن السماء تقلُّه أو تظلُّه؟!

стр. 545

لا أحد يتصور ذلك. * قوله: " ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] ": * ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾؛ يعني: من العلامات الدالة على كماله من كل وجه: * ﴿أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾: الكوني والشرعي؛ لأن أمره مبني على الحكمة والرحمة والعدل والإحسان؛ ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]، والأهواء فساد للسماوات والأرض، وهي مخالفة للأمر الشرعي. إذًا؛ فالسماوات والأرض تقوم بأمر الله الكوني والشرعي، ولو أن الحق اتبع أهواء الخلق؛ لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن، ولهذا قال العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]؛ أي: "لا تفسدوا فيها بالمعاصي". * * *

стр. 546

فصل في قرب الله تعالى وإجابته وأن ذلك لا ينافي علوه وفوقيته الشرح: * قوله: "وقد دخل في ذلك"؛ يعني: فيما وصف به نفسه: * "الإيمان بأنه قريب من خلقه مجيب": الإيمان بأنه قريب في نفسه، ومجيب؛ يعني: لعباده. * ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. في هذه الآية ستة ضمائر تعود على الله، وعلى هذا؛ فيكون القرب قربه ، ولكن نقول في ﴿قَرِيبٌ﴾ كما قلنا في المعية؛ أنه لا يستلزم أن يكون في المكان الذي فيه الإنسان. * وإذا كان الرسول ﵊ يقول: "إنه أقرب

стр. 547

إلى أحدكم من عنق راحلته" (١)، ولا يلزم أن يكون الله نفسه في الأرض بينه وبين عنق راحلته. وإذا كان قول الرسول ﵊: "فإن الله قبل وجه المصلي" (٢): لا يستلزم أن يكون الله بينه وبين الجدار، إن كان يصلي إلى الجدار، ولا بينه وبين الأرض إن كان ينظر إلى الأرض. فكذلك لا يلزم من قربه أن يكون في الأرض؛ لأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته، وهو محيط بكل شيء. * واعلم أن من العلماء من قسم قرب الله تعالى إلى قسمين؛ كالمعية، وقال: القرب الذي مقتضاه الإحاطة قرب عام، والقرب الذي مقتضاه الإجابة والإثابة قرب خاص. * ومنهم من يقول: إن القرب خاص فقط؛ مقتضٍ لإجابة الداعي وإثابة العابد، ولا ينقسم. - ويستدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وبقول النبي ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (٣)، وأنه لا يمكن أن يكون الله تعالى قريبًا من الفجرة الكفرة.

стр. 548

وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى. - ولكن أورد على هذا القول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦] فالمراد بـ ﴿الْإِنْسَانَ﴾: كل إنسان، ولهذا قال في آخر الآية: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ...﴾ إلى أن قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٢ - ٢٣]؛ فهو شامل. - وأورد عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥]، ثم قسم هؤلاء الذين بلغت أرواحهم الحلقوم إلى ثلاثة أقسام، ومنهم الكافر. - وأجيب عن ذلك بأن قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]؛ يعني: بملائكتنا، واستدل لذلك بقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق: ١٧]؛ فإن ﴿إِذْ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿أَقرَبُ﴾ يعني: ونحن أقرب إليه حين يتلقى المتلقيان، وهذا يدل على أن المراد بقربه تعالى قرب ملائكته. وكذلك قوله في المحتضر: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾: المراد: قرب الملائكة، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥]، وهذا يدل على أن هذا القريب موجود عندنا، لكن لا نبصره، وهذا يمتنع غاية الامتناع أن يكون المراد به الله ؛ لأن الله في السماء.

стр. 549

وما ذهب إليه شيخ الإسلام؛ فهو عندي أقرب، ولكنه ليس في القرب بذاك. * * * * قوله: "كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذلِكَ في قَوْلهِ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وَقَوْلهِ ﷺ : "إنَّ الذي تَدْعونَهُ أقْرَبُ إلى أحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ راحِلَتِهِ (١) ". * قوله: "كما جمع بين ذلك": المشار إليه القرب والإجابة. * * * * قال المؤلف: "وَمَا ذُكِرَ في الكِتابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قُرْبِهِ وَمَعِيَّتِهِ لا يُنافي ما ذُكِرَ مِنْ عُلُوِّهِ وَفَوْقِيَّتِهِ؛ فإنهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ كمِثْلِهِ شَيْءٌ في جَميعِ نُعوتِهِ، وَهُوَ عَلِيٌّ في دُنُوِّهِ، قَريبٌ في عُلُوِّهِ". * "نعوته"؛ يعني: صفاته. هو علي مع أنه دانٍ، قريب مع أنه عال، ولا تناقض في ذلك، وقد سبق بيان ذلك قريبًا في الكلام على المعية. * * *

стр. 550

فصل في الإيمان بأن القرآن كلام الله حقيقة الشرح: * قوله: "فَصْل: وَمِنَ الإيمانِ بِاللهِ وَكتُبهِ: الإيمانُ بِأنَّ القُرْآنَ كلامُ اللهِ، مُنَزَّلٌ، غَيْرُ مَخْلوقٍ؛ مِنْهُ بَدَأ، وَإلَيْهِ يَعودُ": * قوله: "الإيمان بأن القرآن كلام الله": وجه كون الإيمان بالقرآن على هذا الوجه من الإيمان بالله: أن القرآن من كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته، وأيضًا؛ فإن الله وصف القرآن بأنه كلامه، وأنه منزل؛ فتصديق ذلك من الإيمان بالله. * قوله: "كلام الله": والدليل على ذلك قوله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. * قول المؤلف: "منزل"؛ أي: من عند الله تعالى: لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].

стр. 551

وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. * قوله: "غير مخلوق"؛ أي: ليس من مخلوقات الله التي خلقها. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. والقرآن من الأمر؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، ولأن الكلام صفة المتكلم، والمخلوق مفعول للخالق، بائن منه؛ كالمصنوع؛ بائن من الصانع. * قوله: "منه بدأ"؛ يعني: أن ابتداء تنزيله من الله، لا من جبريل ولا غيره؛ فجبريل نازل به من عند إلله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٣]، وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]. * وقوله: "وإليه يعود": سبق الكلام (١) عن معناها والدليل عليها في شرح الآيات عند البحث عن كلام الله. * قال المؤلف: "وأن الله تكلم به حقيقة": بناء على الأصل؛ أن جميع الصفات حقيقية، وإذا كان كلام الله حقيقة؛ فلا يمكن أن يكون مخلوقًا؛ لأنه صفته، وصفة الخالق غير مخلوقة؛ كما أن صفة المخلوق مخلوقة.

стр. 552

وقد قال الإمام أحمد: "من قال: لفظ بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق؛ فهو مبتدع" (١). فنقول: اللفظ يطلق على معنيين: على المصدر الذي هو فعل الفاعل، وعلى الملفوظ به: - أما على المعنى الأول الذي هو المصدر؛ فلا شك أن ألفاظنا بالقرآن وغير القرآن مخلوقة لأننا إذا قلنا: إن اللفظ هو التلفظ؛ فهذا الصوت الخارج من حركة الفم واللسان والشفتين مخلوق. فإذا أريد باللفظ التلفظ؛ فهو مخلوق، سواء كان الملفوظ به قرآنًا أو حديثًا أو كلامًا أحدثته من عندك. - أما إذا قصد باللفظ الملفوظ به؛ فهذا منه مخلوق، ومنه غير مخلوق. وعليه؛ إذا كان الملفوظ به هو القرآن؛ فليس بمخلوق. هذا تفصيل القول في هذه المسألة. لكن الإمام أحمد ﵀ قال: "من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي"! قال ذلك لأحد احتمالين:

стр. 553

- أما أن هذا القول من شعار الجهمية، كأن الإمام أحمد يقول: إذا سمعت الرجل يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فاعلم أنه جهمي. - وإما أن يكون ذلك حين يريد القائل باللفظ الملفوظ به، وهذا أقرب؛ لأن الإمام أحمد نفسه فسره؛ قال: "من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ -يريد القرآن-، فهو جهمي". وحينئذ يتضح معنى قوله: "من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي"، لأنه أراد الملفوظ به. ولا شك أن الذي يريد باللفظ هنا الملفوظَ به فهو جهمي، أما من قال: غير مخلوق؛ فالإمام أحمد يقول: مبتدع؛ لأن هذا ما عهد عن السلف، وما كانوا يقولون مثل هذا القول، يقولون: القرآن كلام الله؛ فقط. * * * * قوله: "وَأنَّ هذا القُرْآنَ الذي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ هُوَ كَلامُ اللهِ حَقيقَةً، لا كَلامُ غَيرِهِ". * كرر المؤلف هذا؛ لأن المقام مقام عظيم، فإن هذه المسألة حصل فيها على علماءالمسلمين من المحن ما هو معلوم، وهلك فيها أمم كثيرة، ولكن حمى الله الحق بالإمام أحمد وأشباهه، الذين أبوا أن يقولوا إلا أن القرآن كلام الله غير مخلوق.

стр. 554

* وقوله: "لا كلام غيره": خلافًا لمن قال: إن القرآن من كلام جبريل؛ ألهمه الله إياه، أو من كلام محمد ... أو ما أشبه ذلك. فإن قلت: قول المؤلف هنا: "لا كلام غيره": معارض بقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤١]، وقوله ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٠]، والأول محمد ﷺ ، والثاني جبريل؟! فالجواب عن ذلك أن نقول: لا يمكن أن نحمل الآيتين على أن الرسولين تكلما به حقيقة، وأنه صدر منهما؛ لأن كلامًا واحدًا لا يمكن أن يصدر من متكلمين!! * * * * قوله: "وَلا يَجوزُ إطْلاقُ القَوْلِ بِأنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ كلامِ اللهِ أو عِبارَةٌ": * قال. "لا يجوز إطلاق القول": ولم يقل: لا يجوز القول! يعني: لا يجوز أن نقول: هذا القرآن عبارة عن كلام الله؛ إطلاقًا، ولا يجوز أن نقول: إنه حكاية عن كلام الله؛ على سبيل الإطلاق. والذين قالوا: إنه حكاية: هم الكلابية، والذين قالوا: إنه عبارة: هم الأشعرية. والكل اتفقوا على أن هذا القرآن الذي في المصحف ليس كلام الله، بل هو إما حكاية أو عبارة، والفرق بينهما: أن الحكاية المماثلة؛ يعني: كان هذا المعنى الذي هو الكلام

стр. 555

عندهم حُكي بمرآة؛ كما يحكي الصدى كلام المتكلم. أما العبارة؛ فيعني بها أن المتكلم عبر عن كلامه النفسي بحروف وأصوات خلقت. فلا يجوز أن نطلق أنه حكاية أو عبارة، لكن عند التفصيل؛ قد يجوز أن نقول: إن القارئ الآن يعبر عن كلام الله أو يحكي كلام الله؛ لأن لفظه بالقرآن ليس هو كلام الله. وهذا القول على هذا التقييد لا بأس به، لكن إطلاق أن القرآن عبارة أو حكاية عن كلام الله لا يجوز. وكان المؤلف ﵀ دقيقًا في العبارة حيث قال: "لا يجوز إطلاق القول"، بل لا بد من التقييد والتعيين. * * * * قوله: "بَلْ إذا قَرَأهُ النَّاسُ أوْ كَتَبوهُ فيٍ المَصاحِفِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذلِكَ عَنْ أنْ يَكُونَ كَلامَ اللهِ تَعالى حَقيقَةً؛ فإنَّ الكلامَ إنَّما يُضافُ حَقيقَةً إلى مَنْ قالَهُ مُبْتَدِئًا لا إلى مَنْ قالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا". * يعني: مهما كتبه الناس في المصاحف أو حفظوه في صدورهم أو قرؤوه بألسنتهم؛ فإنه لا يخرج عن كونه كلام الله. * ثم علل ذلك، فقال: "فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا". وهذا تعليل واضح؛ فالكلام يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا، أما إضافته إلى من قاله مبلغًا مؤديًا؛ فعلى سبيل التوسع؛

стр. 556

فلو قرأنا الآن مثلًا: حُكْمُ المَحَبَّةِ ثابِتُ الأرْكانِ ... مَا لِلصُّدودِ بِفَسْخِ ذاكَ يَدانِ فإن هذا البيت ينسب حقيقة إلى ابن القيم (١). ولو قلت: كَلامُنا لَفْظٌ مُفِيدٌ كَاستَقِمْ ... وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الكَلِمْ فهذا ينسب حقيقة إلى ابن مالك (٢). إذًا؛ الكلام يضاف حقيقة إلى القائل الأول. فالقرآن كلام من تكلم به أولًا، وهو الله تعالى، لا كلام من بلغه إلى غيره. * * * * قوله: "وَهُوَ كَلامُ اللهِ؛ حُروفُهُ وَمَعانِيهِ": هذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ قالوا: إن الله تعالى تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه. * قوله: "وَلَيْسَ كَلامُ اللهِ الحُروفَ دُونَ المَعاني": وهذا مذهب المعتزلة والجهمية؛ لأنهم يقولون: إن الكلام ليس معنىً يقوم بذات الله، بل هو شيء من مخلوقاته؛ كالسماء

стр. 557

والأرض والناقة والبيت وما أشبه ذلك! فليس معنىً قائمًا في نفسه، فكلام الله حروف خلقها الله ، وسماها كلامًا له، كما خلق الناقة وسماها ناقة الله، وكما خلق البيت وسماه بيت الله. ولهذا كان الكلام عند الجهمية والمعتزلة هو الحروف؛ لأن كلام الله عندهم عبارة عن حروف وأصوات خلقها الله ونسبها إليه تشريفًا وتعظيمًا. * قوله: "وَلَا المَعاني دُونَ الحُروفِ". وهذا مذهب الكلابية والأشعرية؛ فكلام الله عندهم معنى في نفسه، ثم خلق أصواتًا وحروفًا تدل على هذا المعنى؛ إما عبارة أو حكاية. واعلم أن ابن القيم ﵀ ذكر أننا إذا أنكرنا أن الله يتكلم؛ فقد أبطلنا الشرع والقدر: - أما الشرع، فلأن الرسالات إنما جاءت بالوحي، والوحي كلام مبلغ إلى المرسل إليه؛ فإذا نفينا الكلام؛ انتفى الوحي، وإذا انتفى الوحي؛ انتفى الشرع. - أما القدر؛ فلأن الخلق يقع بأمره؛ بقوله: كن! فيكون؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. * * *

стр. 558

فصل في الإيمان برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ومواضع الرؤية * قول المؤلف: "فَصْلٌ: وَقَدْ دَخَلَ أيْضًا فيما ذَكرْناهُ مِنَ الإيمان بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَبِمَلائكَتِهِ وَبِرُسُلِهِ: الإيمانُ بِأنَّ المُؤمِنِين يَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ". الشرح: * قوله: "الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة": - وجه كون الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة من الإيمان بالله ظاهر؛ لأن هذا مما أخبر الله به؛ فإذا آمنا به؛ فهو من الإيمان بالله. - ووجه كونه من الإيمان بالكتب؛ لأن الكتب أخبرت بأن الله يُرى؛ فالتصديق بذلك تصديق بالكتب.

стр. 559

- ووجه كونه من الإيمان بالملائكة؛ لأن نقل الوحي بواسطة الملائكة، فإن جبريل ينزل بالوحي من الله تعالى، فكأن الإيمان بأن الله يُرى من الإيمان بالملائكة. - وكذلك نقول: من الإيمان بالرسل، لأن الرسل هم الذين بلغوا ذلك للخلق؛ فكأن الإيمان بذلك من الإيمان بالرسل. * قوله: "عيانًا بأبصارهم": (عيانًا)؛ بمعنى: معاينة، والمعاينة هي الرؤية بالعين. * قوله: "كما يرون الشمس صحوا ليس دونها سحاب": ودليل ذلك قوله ﵊: "ترونه كما ترون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب" (١). والمراد بالرؤية: بالعين؛ كما يدل عليه تشبيه الرؤية برؤية الشمس صحوًا ليس دونها سحاب. * قوله ﵀: "وَكَما يَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ، لا يُضَامُونَ في رُؤْيَتِهِ": سبق الكلام في ذلك. * * * * قوله: "يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ وَهُمْ في عَرَصاتِ القِيامَةِ": * "عَرَصات": جمع عَرْصة، وهي المكان الواسع الفسيح، الذي ليس فيه بناء؛ لأن الأرض تُمَدُّ مَدَّ الأديم، كما قال الرسول

стр. 560

عليه الصلاة والسلام (١)؛ يعني: مَدَّ الجلد. * فالمؤمنون يرون الله في عرصات يوم القيامة قبل أن يدخلوا الجنة؛ كما قال الله تعالى عن المكذبين بيوم الدين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم الدين، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، ويرونه كذلك بعد دخول الجنة. * أما في عرصات القيامة، فالناس في العرصات ثلاثة أجناس: ١ - مؤمنون خُلَّص ظاهرًا وباطنًا. ٢ - وكافرون خُلَّص ظاهرًا وباطنًا. ٣ - ومؤمنون ظاهرًا كافرون باطنًا، وهم المنافقون. - فأما المؤمنون؛ فيرون الله تعالى في عرصات القيامة وبعد دخول الجنة. - وأما الكافرون، فلا يرون ربهم مطلقًا، وقيل: يرونه، لكن رؤية غضب وعقوبة، ولكن ظاهر الأدلة يدل على أنهم لا يرون

стр. 561

الله، كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. - وأما المنافقون، فإنهم يرون الله في عرصات القيامة، ثم يحتجب عنهم، ولا يرونه بعد ذلك. * * * * قوله: "ثُمَّ يَرَوْنَهُ بَعْدَ دُخولِ الجَنَّةِ كَما يَشاءُ اللهُ تَعالى": * قوله: "كما يشاء"؛ يعني: يرون الله كما يشاء في كيفية رؤيتهم إياه، وكما يشاء الله في زمن رؤيتهم إياه، وفي جميع الأحوال؛ يعني: على الوجه الذي يشاؤه الله في هذه الرؤية. * وحينئذ، فإن هذه الرؤية لا نعلم كيفيتها؛ بمعنى أن الإنسان لا يعلم كيف يرى ربه، ولكن معنى الرؤية معلوم، أنهم يرون الله كما يرون القمر، لكن على أي كيفية؟ هذه لا نعلمها، بل كما يشاء الله. وقد سبق التفصيل في الرؤية. * * *

стр. 562

فصل في الإيمان باليوم الآخر الشرح: شرع المؤلف رحمه الله تعالى في الكلام عن اليوم الآخر وعقيدة أهل السنة والجماعة فيه، فقال: * "فصل: ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت": * حكم الإيمان باليوم الآخر فريضة واجب، ومرتبته في الدين أنه أحد أركان الإيمان الستة. وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الإيمان به تعالى والإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالمبدأ والإيمان بالمعاد؛ لأن من لم يؤمن باليوم الآخر، لا يمكن أن يؤمن بالله، إذ إن الذي لا يؤمن باليوم الآخر، لن يعمل؛ لأنه لا يعمل إلا لما يرجوه من الكرامة في اليوم الآخر، وما يخافه من العذاب والعقوبة، فإذا كان لا يؤمن به، صار

стр. 563

كمن حكى الله عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. * وسمي اليوم الآخر باليوم الآخر؛ لأنه يوم لا يوم بعده؛ فهو آخر المراحل. * والإنسان له خمس مراحل: مرحلة العلم، ثم العمل، ثم الدنيا، ثم البرزخ، ثم الآخرة. - فأما مرحلة العدم؛ فقد دل عليها قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥]. - وأما مرحلة الحمل؛ فقال الله عنها: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦]. - وأما مرحلة الدنيا؛ فقال الله عنها: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. وهذه المراحل هي التي عليها مدار السعادة والشقاء، وهي

стр. 564

دار الامتحان والابتلاء؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. - وأما مرحلة البرزخ؛ فقال الله عنها: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]. - وأما مرحلة الآخرة؛ فهي غاية المراحل، ونهاية الراحل؛ قال الله تعالى بعد ذكر المراحل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥، ١٦]. * وقوله ﵀: "الإيمانُ بكلِّ ما أخْبَرَ بهِ النبيُّ ﷺ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ": كل هذا داخل في الإيمان باليوم الآخر. وذلك لأن الإنسان إذا مات؛ دخل في اليوم الآخر، ولهذا يقال: من مات، قامت قيامته؛ فكل ما يكون بعد الموت، فإنه من اليوم الآخر. إذًا؛ ما أقرب اليوم الآخر لنا، ليس بيننا وبينه إلا أن يموت الإنسان، ثم يدخل في اليوم الآخر الذي ليس فيه إلا الجزاء على العمل. ولهذا يجب علينا أن ننتبه لهذه النقطة. فكر أيها الإنسان؛ تجد أنك على خطر؛ لأن الموت ليس له أجل معلوم عندنا، قد يخرج الإنسان من بيته ولا يرجع إليه، وقد يكون الإنسان على كرسي مكتبه ولا يقوم منه، وقد ينام الإنسان على فراشه ولكنه يحمل من فراشه إلى سرير غسله، وهذا أمر

стр. 565

يستوجب منا أن ننتهز فرصة العمر بالتوبة إلى الله ، وأن يكون الإنسان دائمًا يستشعر بأنه تائب إلى الله وراجع ومنيب حتى يأتيه الأجل وهو على خير ما يرام. * * * * قوله: "فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه": * الفتنة هنا الاختبار، والمراد بفتنة القبر: سؤال الميت إذا دفن عن ربه ودينه ونبيه. * والضمير في "يؤمنون": يعود على أهل السنة؛ أي أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بفتنة القبر، وذلك لدلالة الكتاب والسنة عليها. - أما الكتاب؛ ففي قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]؛ فإن هذا في فتنة القبر؛ كما ثبت في "الصحيحين" (١) وغيرهما من حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. - وأما السنة؛ فقد تظافرت بأن الإنسان يفتن في قبره، وهي فتنة قال فيها النبي ﷺ : "إنه قد أوحي إليَّ أنكم تفتنون في قبوركم مثل (أو: قريبًا من) فتنة الدجال" (٢). وفتنة الدجال أعظم فتنة منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم
следующие страницы →