← Акыда

Акыда · id 11250

شرح العقيدة الواسطية - العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (835 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الله، كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. - وأما المنافقون، فإنهم يرون الله في عرصات القيامة، ثم يحتجب عنهم، ولا يرونه بعد ذلك. * * * * قوله: "ثُمَّ يَرَوْنَهُ بَعْدَ دُخولِ الجَنَّةِ كَما يَشاءُ اللهُ تَعالى": * قوله: "كما يشاء"؛ يعني: يرون الله كما يشاء في كيفية رؤيتهم إياه، وكما يشاء الله في زمن رؤيتهم إياه، وفي جميع الأحوال؛ يعني: على الوجه الذي يشاؤه الله في هذه الرؤية. * وحينئذ، فإن هذه الرؤية لا نعلم كيفيتها؛ بمعنى أن الإنسان لا يعلم كيف يرى ربه، ولكن معنى الرؤية معلوم، أنهم يرون الله كما يرون القمر، لكن على أي كيفية؟ هذه لا نعلمها، بل كما يشاء الله. وقد سبق التفصيل في الرؤية. * * *

стр. 562

فصل في الإيمان باليوم الآخر الشرح: شرع المؤلف رحمه الله تعالى في الكلام عن اليوم الآخر وعقيدة أهل السنة والجماعة فيه، فقال: * "فصل: ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت": * حكم الإيمان باليوم الآخر فريضة واجب، ومرتبته في الدين أنه أحد أركان الإيمان الستة. وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الإيمان به تعالى والإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالمبدأ والإيمان بالمعاد؛ لأن من لم يؤمن باليوم الآخر، لا يمكن أن يؤمن بالله، إذ إن الذي لا يؤمن باليوم الآخر، لن يعمل؛ لأنه لا يعمل إلا لما يرجوه من الكرامة في اليوم الآخر، وما يخافه من العذاب والعقوبة، فإذا كان لا يؤمن به، صار

стр. 563

كمن حكى الله عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. * وسمي اليوم الآخر باليوم الآخر؛ لأنه يوم لا يوم بعده؛ فهو آخر المراحل. * والإنسان له خمس مراحل: مرحلة العلم، ثم العمل، ثم الدنيا، ثم البرزخ، ثم الآخرة. - فأما مرحلة العدم؛ فقد دل عليها قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥]. - وأما مرحلة الحمل؛ فقال الله عنها: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦]. - وأما مرحلة الدنيا؛ فقال الله عنها: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. وهذه المراحل هي التي عليها مدار السعادة والشقاء، وهي

стр. 564

دار الامتحان والابتلاء؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. - وأما مرحلة البرزخ؛ فقال الله عنها: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]. - وأما مرحلة الآخرة؛ فهي غاية المراحل، ونهاية الراحل؛ قال الله تعالى بعد ذكر المراحل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥، ١٦]. * وقوله ﵀: "الإيمانُ بكلِّ ما أخْبَرَ بهِ النبيُّ ﷺ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ": كل هذا داخل في الإيمان باليوم الآخر. وذلك لأن الإنسان إذا مات؛ دخل في اليوم الآخر، ولهذا يقال: من مات، قامت قيامته؛ فكل ما يكون بعد الموت، فإنه من اليوم الآخر. إذًا؛ ما أقرب اليوم الآخر لنا، ليس بيننا وبينه إلا أن يموت الإنسان، ثم يدخل في اليوم الآخر الذي ليس فيه إلا الجزاء على العمل. ولهذا يجب علينا أن ننتبه لهذه النقطة. فكر أيها الإنسان؛ تجد أنك على خطر؛ لأن الموت ليس له أجل معلوم عندنا، قد يخرج الإنسان من بيته ولا يرجع إليه، وقد يكون الإنسان على كرسي مكتبه ولا يقوم منه، وقد ينام الإنسان على فراشه ولكنه يحمل من فراشه إلى سرير غسله، وهذا أمر

стр. 565

يستوجب منا أن ننتهز فرصة العمر بالتوبة إلى الله ، وأن يكون الإنسان دائمًا يستشعر بأنه تائب إلى الله وراجع ومنيب حتى يأتيه الأجل وهو على خير ما يرام. * * * * قوله: "فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه": * الفتنة هنا الاختبار، والمراد بفتنة القبر: سؤال الميت إذا دفن عن ربه ودينه ونبيه. * والضمير في "يؤمنون": يعود على أهل السنة؛ أي أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بفتنة القبر، وذلك لدلالة الكتاب والسنة عليها. - أما الكتاب؛ ففي قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]؛ فإن هذا في فتنة القبر؛ كما ثبت في "الصحيحين" (١) وغيرهما من حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. - وأما السنة؛ فقد تظافرت بأن الإنسان يفتن في قبره، وهي فتنة قال فيها النبي ﷺ : "إنه قد أوحي إليَّ أنكم تفتنون في قبوركم مثل (أو: قريبًا من) فتنة الدجال" (٢). وفتنة الدجال أعظم فتنة منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم

стр. 566

الساعة؛ كما في "صحيح مسلم" عن عمران بن حصين ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال" (١). ولكن النبي ﷺ قال لأصحابه، بل قال لأمته: "إن يخرج وأنا فيكم؛ فأنا حجيجه دونكم، وإنا يخرج ولست فيكم؛ فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم" (٢). ومع ذلك؛ فإن نبينا محمدًا ﷺ أعلمنا كيف نحاجه، وأعلمنا بأوصافه وميزاته، حتى كأنا نشاهده رأي عين، وبهذه الأوصاف والميزات نستطيع أن نحاجه. ولهذا نقول: إن فتنة الدجال أعظم فتنة، والرسول ﵊ قال: "إنكم تفتنون في قبوركم مثل -أو قريبًا من- فتنة الدجال" (٣). وما أعظمها من فتنة! لأن الإنسان يتلقى فيها السؤال الذي لا يمكن الجواب عليه؟ إلا على أساس متين من العقيدة والعمل الصالح. * * * * قوله: "فأما الفتنة فإن الناس يفتنون في قبورهم":

стр. 567

* هذا شروع في بيان كيفية فتنة الميت في قبره. * وكلمة "الناس" عامة، وظاهر كلام المؤلف أن كل أحد؛ حتى الأنبياء والصديقون والشهداء والمرابطون وغير المكلفين من الصغار والمجانين يفتنون في قبورهم، وفي هذا تفصيل؛ فنقول: أولًا: أما الأنبياء؛ فلا تشملهم الفتنة، ولا يسألون، وذلك لوجهين: الأول: أن الأنبياء أفضل من الشهداء، وقد أخبر النبي ﷺ أن الشهيد يوقى فتنة القبر، وقال: "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة"؛ أخرجه النسائي (١). الثاني: أن الأنبياء يسأل عنهم؛ فيقال للميت: من نبيك؟ فهم مسؤول عنهم، وليسوا مسؤولين، ولهذا قال النبي ﷺ : "إنه أوحي إليَّ أنكم تفتنون في قبوركم" (٢)، والخطاب للأمة المرسل إليهم؛ فلا يكون الرسول داخلًا فيهم. ثانيًا: وأما الصديقون؛ فلا يسألون؛ لأن مرتبة الصديقين أعلى من مرتبة الشهداء؛ فإذا كان الشهداء لا يسألون؛ فالصديقون من باب أولى، ولأن الصديق على وصفه مصدَّق وصادق؛ فهو قد علم صدقه؛ فلا حاجة إلى اختباره؛ لأن الاختبار لمن يُشَك فيه؛

стр. 568

هل هو صادق أو كاذب، أما إذا كان صادقًا؛ فلا حاجة تدعو لسؤاله، وذهب بعض العلماء إلى أنهم يسألون؛ لعموم الأدلة، والله أعلم. ثالثًا: وأما الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله؛ فإنهم لا يسألون؛ لظهور صدق إيمانهم بجهادهم: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ...﴾ الآية [التوبة: ١١١]. وقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وقال النبي ﷺ : "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة" (١). وإذا كان المرابط؛ إذا مات؛ أمن الفتان؛ لظهور صدقه؛ فهذا الذي قتل في المعركة مثله أو أولى منه؛ لأنه بذل وعرض رقبته لعدو الله؛ إعلاءً لكلمة الله، وانتصارًا لدينه، وهذا من أكبر الأدلة على صدق إيمانه. رابعًا: وأما المرابطون؛ فإنهم لا يفتنون؛ ففي "صحيح مسلم"؛ أن رسول الله ﷺ قال: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات؛ جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري

стр. 569

عليه رزقه، وأمن الفتان" (١). خامسًا: الصغار والمجانين ؛ هل يفتنون أو لا يفتنون؟ قال بعض العلماء: إنهم يفتنون، لدخولهم في العموم، ولأنهم إذا سقط التكليف عنهم في حال الحياة، فإن حال الممات تخالف حال الحياة. وقال بعض العلماء: إن المجانين والصغار لا يسألون؛ لأنهم غير مكلفين، وإذا كانوا غير مكلفين، فإنه لا حساب عليهم، إذ لا حساب إلا على من كان مكلفًا يعاقب على المعاصي، وهؤلاء لا يعاقبون، وليس لهم إلا الثواب؛ إن عملوا عملًا صالحًا يثابون عليه. * إذًا؛ خرج من قول المؤلف: "فإن الناس": خمسة أصناف: الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والمرابطون، ومن لا عقل له، كالمجانين والصبيان. تنبيه: الناس ثلاثة أقسام: مؤمنون خلص ومنافقون، وهذان القسمان يفتنون، والثالث كفار خلص، ففي فتنتهم خلاف، وقد رجح ابن القيم في كتاب "الروح" أنهم يفتنون. * وهل تسأل الأمم السابقة؟

стр. 570

ذهب بعض العلماء -وهو الصحيح- إلى أنهم يسألون؛ لأنه إذا كانتا هذه الأمة -وهي أشرف الأمم- تسأل، فمن دونها من باب أولى. * قوله: "في قبورهم": جمع قبر، وهي مدفن الأموات، والمراد ما هو أعم، فيشمل البرزخ، وهو ما بين موت الإنسان وقيام الساعة، سواء دفن الميت أو أكلته السباع في البر أو الحيتان في البحر أو أتلفته الرياح. والظاهر أن الفتنة لا تكون إلا إذا انتهت الأحوال الدنيوية، وسلم إلى عالم الآخرة، فإذا تأخر دفنه يومًا أو أكثر، لم يكن السؤال حتى يدفن. * قوله: "فيقال للرجل": القائل ملكان يأتيان إلى الإنسان في قبره، ويجلسانه، ويسألانه، حتى إنه ليسمع قرع نعال المنصرفين عنه، وهما يسألانه، ولهذا كان من هدي النبي ﷺ ؛ أنه إذا دفن الميت؛ وقف عليه، وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل" (١). * وورد في بعض الآثار أن اسمهما: منكر، ونكير (٢).

стр. 571

وأنكر بعض العلماء هذين الاسمين؛ قال: كيف يسمى الملائكة وهم الذين وصفهم الله تعالى بأوصاف الثناء بهذين الاسمين المنكرين، وضعف الحديث الوارد في ذلك. وذهب آخرون إلى أن الحديث حجة، وأن هذه التسمية ليس لأنهما منكران من حيث ذواتهما, ولكنهما منكران من حيث إن الميت لا يعرفهما, وليس له بهما علم سابق، وقد قال إبراهيم لأضيافه الملائكة: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]؛ لأنه لا يعرفهم؛ فهذان منكر ونكير؛ لأنهما غير معروفين للميت. * ثم هذان الملكان هل هما ملكان جديدان، موكلان بأصحاب القبور أو هما الملكان الكاتبان اللذان عن اليمين وعن الشمال قعيد؟ - منهم من قال: إنهما الملكان اللذان يصحبان المرء؛ فإن لكل إنسان ملكين في الدنيا يكتبان أعماله، وفي القبر يسألانه هذه الأسئلة الثلاثة. - ومنهم من قال: بل هما ملكان آخران، والله يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] والملائكة خلق كثير؛ قال النبي ﷺ : "أطت السماء، وحق لها أن تئط (والأطيط: صرير الرحل)؛ ما من موضع شبر (أو قال: أربع أصابع)؛ إلا وفيه

стр. 572

ملك قائم لله أو راكع أو ساجد" (١)، والسماء واسعة الأرجاء؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]. فالمهم أنه لا غرابة أن ينشئ الله لكل مدفون ملكين يرسلهما إليه، والله على كل شيء قدير. * قوله: "من ربك؟ "؛ يعني: من ربك الذي خلقك وتعبده وتخصه بالعبادة؟ لأجل أن تنتظم هذه الكلمة توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية. * وقوله: "ما دينك؟ ": يعني: ما عملك الذي تدين به لله ، وتتقرب به إليه؟ * والثالث: "من نبيك؟ ": يعني: من النبي الذي تؤمن به وتتبعه؟ * قوله: "فـ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] "؛ أي: يجعلهم ثابتين لا يترددون ولا يتلعثمون في الجواب. * والقول الثابت: هو التوحيد؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤].

стр. 573

* وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾: يحتمل أنها متعلقة بـ ﴿يُثَبِّتُ﴾؛ يعني: أن الله يثبت المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة. ويحتمل أنها متعلقة بالثابت؛ فتكون وصفًا للقول؛ يعني: أن هذا القول ثابت في الدنيا وفي الآخرة. ولكن المعنى الأول أحسن وأقرب؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] وقال الله : ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]؛ فهم يثبتون في الحياة الدنيا وفي الآخرة بالقول الثابت. * قوله: "فيقول المؤمن: ربي الله، والإِسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي": فيقول المؤمن: ربي الله. عندما يقال له: من ربك؟ ويقول إذا قيل له: ما دينك؟ فيقول: الإِسلام ديني. ويقول كذلك: محمَّد ﷺ نبيي. إذا قيل له: من نبيك؟ وحينئذ يكون الجواب صوابًا، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. * قوله: "وأما المرتاب، فيقول: هاه هاه! لا أدري؛ سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته": * المرتاب: الشاك والمنافق وشبههما. * "فيقول: هاه! هاه! لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا

стр. 574

فقلته"؛ يعني: لم يلج الإيمان قلبه، وإنما كان يقول كما يقول الناس من غير أن يصل الإيمان إلى قلبه. وتأمل قوله: "هاه! هاه! "؟ كأن شيئًا غاب عنه؛ يريد أن يتذكره، وهذا أشد في التحسر؛ أن يتخيل أنه يعرف هذا الجواب، ولكن يحال بينه وبينه، ويقول: هاه! هاه! ثم يقول: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته. ولا يقول: ربي الله! ولا: ديني الإِسلام! ولا: نبيي محمَّد! لأنه في الدنيا مرتاب شاك! هذا إذا سئل في قبره وصار أحوج ما يكون إلى الجواب الصواب؛ يعجز ويقول: لا أدري؛ سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته. إذًا؛ إيمانه قول فقط!! * قوله: "فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان": * "يضرب"؛ يعني: الذي لم يجب؛ سواء كان الكافر أو المنافق والضارب له الملكان اللذان يسألانه. * والمرزبة: هي مطرقة من حديد، وقد ورد في بعض الروايات أنه لو اجتمع عليها أهل منى؛ ما أقلوها. فإذا ضرب؛ يصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان. * قوله: "يضرب فيصيح"؛ أي: صياحًا مسموعًا؛ يسمعة كل شيء، يكون حوله مما يسمع صوته، وليس كل شيء في أقطار

стр. 575

الدنيا يسمعه، وأحيانًا يتأثر به ما يسمعه؛ كما مر النبي ﷺ بأقبر للمشركين على بغلته؛ فحادت به، حتى كادت تلقيه؛ لأنها سمعت أصواتهم يعذَّبون (١). * قوله: "إلا الإنسان"؟ يعني: أنه لا يسمع هذا الصياح، وذلك لحكم عظيمة؛ منها: أولًا: ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: "لولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر" (٢). ثانيًا: أن في إخفاء ذلك سترًا للميت. ثالثًا: أن فيه عدم إزعاج لأهله؛ لأن أهله إذا سمعوا ميتهم يعذب ويصيح؛ لم يستقر لهم قرار. رابعًا: عدم تخجيل أهله؛ لأن الناس يقولون: هذا ولدكم! هذا أبوكم! هذا أخوكم! وما أشبه ذلك. خامسًا: أننا قد نهلك؛ لأنها صيحة ليست هيئة، بل صيحة توجب أن تسقط القلوب من معاليقها، فيموت الإنسان أو يغشى عليه. سادسًا: لو سمع الناس صراخ هؤلاء المعذبين؛ لكان الإيمان بعذاب القبر من باب الإيمان بالشهادة، لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تفوت مصلحة الامتحان؛ لأن الناس سوف يؤمنون

стр. 576

بما شاهدوه قطعًا؛ لكن إذا كان غائبًا عنهم، ولم يعلموا به إلا عن طريق الخبر؛ صار من باب الإيمان بالغيب. * تنبيه: قول المؤلف ﵀: "فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان؛ لصعق"؛ إنما ورد قوله: "يسمعها كل شيء إلا الإنسان ... " إلخ في قول الجنازة إذا احتملها الرجال على أعناقهم؛ كما قال النبي ﷺ : "فإن كانت صالحة؛ قالت: قدموني! وإن كانت غير صالحة؛ قالت: يا ويلها! أين يذهبون بها؟! يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه؟ لصعق" (١). أما الصيحة في القبر؛ فقال النبي ﷺ : "فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين"؛ أخرجه البخاري بهذا اللفظ (٢)، والمراد بالثقلين: الإنس والجن. * * * * قوله: "ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب": * "ثم": هذه لمطلق الترتيب، وليست للتراخي؛ لأن الإنسان يعذب أو ينعم فورًا؛ كما سبق أنه إذا قال: لا أدري! يضرب بمرزبة، وأن ذاك الذي أجاب بالصواب؛ يفتح له باب إلى الجنة، ويوسع له في قبره.

стр. 577

* وهذا النعيم أو العذاب؛ هل هو على البدن أو على الروح أو يكون على البدن والروح جميعًا؟ نقول: المعروف عند أهل السنة والجماعة أنه في الأصل على الروح، والبدن تابع لها؛ كما أن العذاب في الدنيا على البدن، والروح متابعة له، وكما أن الأحكام الشرعية في الدنيا على الظاهر، وفي الآخرة بالعكس؛ ففي القبر يكون العذاب أو النعيم على الروح، لكن الجسم يتأثر بهذا تبعًا، وليس على سبيل الاستقلال، وربما يكون العذاب على البدن والروح تتبعه، لكن هذا لا يقع إلا نادرًا؛ إنما الأصل أن العذاب على الروح والبدن تبع، والنعيم للروح والبدن تبع. * وقوله: "إما نعيم وإما عذاب": فيه إثبات النعيم والعذاب في القبر، وقد دل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، بل لنا أن نقول: وإجماع المسلمين: - أما من كتاب الله؛ فالثلاثة أصناف التي في آخر الواقعة ظاهرة في ثبوت عذاب القبر ونعيمه. قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٩٤]. وهذا أمر مشاهد؛ يسمع المحتضر يرحب بالقادمين عليه من

стр. 578

الملائكة (١)، ويقول: مرحبًا! وأحيانًا يقول: مرحبًا؛ اجلس هنا! كما ذكره ابن القيم في كتاب "الروح"، وأحيانًا يحس بأن هذا الرجل أصيب بشيء مخيف، فيتغير وجهه عند الموت إذا نزلت عليه ملائكة العذاب والعياذ بالله. ومن أدلة القرآن قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، وهذا قبل قيام الساعة؛ بدليل قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. ومن أدلة القرآن أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾، وهم شاحون بأنفسهم، لا يريدونها أن تخرج؛ لأنهم قد بشروا بالعذاب والعقوبة؛ فتجد الروح تأبى الخروج، ولهذا قال: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]: ﴿الْيَوْمَ﴾: (الـ): للعهد الحضوري؛ كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]؛ يعني: اليوم الحاضر. وكذلك ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾: (الـ) للعهد الحضوري، والمراد

стр. 579

به: يوم حضور الملائكة لقبض أرواحهم، وهذا يقتضي أنهم يعذبون من حين أن تخرج أرواحهم، وهذا هو عذاب القبر. ومن أدلة القرآن أيضًا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣٢] وذلك في حال الوفاة. ولهذا جاء في الحديث الصحيح: "يقال لنفس المؤمن: اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى مغفرة من الله ورضوان"؛ (١) فتفرح بهذه البشرى، وتخرج منقادة سهلة، وإن كان البدن قد يتألم، لكن الروح منقادة مستبشرة. - وأما السنة في عذاب القبر ونعيمه، فمتواترة، ومنها ما ثبت في "الصحيحين" من حديث ابن عباس ﵄؛ أن النبي ﷺ مر بقبرين، فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير ... " (٢) الحديث. - وأما الإجماع ؛ فكل المسلمين يقولون في صلاتهم: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر ... ولو أن عذاب القبر غير ثابت، ما صح أن يتعوذوا بالله منه، إذ لا تعوذ من أمر ليس موجودًا، وهذا يدل على أنهم يؤمنون به. * فإن قال قائل: هل العذاب أو النعيم في القبر دائم أو

стр. 580

ينقطع؟ فالجواب أن يقال: - أما العذاب للكفار؛ فإنه دائم، ولا يمكن أن يزول العذاب عنهم؛ لأنهم مستحقون لذلك، ولأنه لو زال العذاب عنهم؛ لكان هذا راحة لهم، وهم ليسوا أهلًا لذلك؛ فهم باستمرار في عذاب إلى يوم القيامة، ولو طالت المدة؛ فقدم نوح الذين أغرقوا ما زالوا يعذبون في هذه النار التي أدخلوا فيها، ويستمر عذابهم إلى يوم القيامة، وكذلك آل فرعون يعرضون على النار غدوًّا وعشيًّا. وذكر بعض العلماء أنه يخفف عن الكفار ما بين النفختين، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] , ولكن هذا ليس بلازم؛ لأن قبورهم مرقد لهم، وإن عذبوا فيها. - أما عصاة المؤمنين الذين يقضي الله تعالى عليهم بالعذاب؛ فهؤلاء قد يدوم عذابهم وقد لا يدوم، وقد يطول وقد لا يطول؛ حسب الذنوب، وحسب عفو الله . والعذاب في القبر أهون من عذاب يوم القيامة؛ لأن العذاب في القبر ليس فيه خزي وعار، لكن في الآخرة فيه الخزي والعار؛ لأن الأشهاد موجودون: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. * فإن قال قائل: لو أن هذا الرجل تمزق أوصالًا، وأكلته السباع، وذرته الرياح؛ فكيف يكون عذابه، وكيف يكون سؤاله؟!

стр. 581

فالجواب: أن الله على كل شيء قدير، وهذا أمر غيبي؛ فالله قادر على أن يجمع هذه الأشياء في عالم الغيب، وإن كنا نشاهدها في الدنيا متمزقة متباعدة، لكن في عالم الغيب ربما يجمعها الله: فانظر إلى الملائكة تنزل لقبض روح الإنسان في المكان نفسه؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ومع ذلك؛ لا نبصرهم. وملك الموت يكلم الروح، ونحن لا نسمع. وجبريل يتمثل أحيانًا للرسول ﵊، ويكلمه بالوحي في نفس المكان، والناس لا ينظرون ولا يسمعون. فعالم الغيب لا يمكن أبدًا أن يقاس بعالم الشهادة، وهذه من حكمة الله ؛ فنفسك التي في جوفك ما تدري كيف تتعلق ببدنك؟! كيف هي موزعة على البدن؟! وكيف تخرج منك عند النوم؟! هل تحس بها عند استيقاظك بأنها ترجع؟! ومن أين تدخل لجسمك؟! فعالم الغيب ليس فيه إلا التسليم، ولا يمكن فيه القياس إطلاقًا؛ فالله قادر على أن يجمع هذه المتفرقات من البدن المتمزق الذي ذرته الرياح، ثم يحصل عليه المساءلة والعذاب أو النعيم؛ لأن الله سبحانه على كل شيء قدير. * فإن قال قائل: الميت يدفن في قبر ضيق؛ فكيف يوسع له

стр. 582

مدَّ البصر؟! فالجواب: أن عالم الغيب لا يقاس بعالم الشهادة، بل إننا لو فرض أن أحدًا حفر حفرة مدَّ البصر، ودفن فيها الميت، وأطبق عليه التراب؛ فالذي لا يعلم بهذه الحفرة؟ هل يراها أو لا يراها؟! لا شك أنه لا يراها؟ مع أن هذا في عالم الحس، ومع ذلك لا يرى هذه السعة، ولا يعلم بها؛ إلا من شاهدها. * فإذا قال قائل: نحن نرى الميت الكافر إذا حفرنا قبره بعد يوم أو يومين؟ نرى أن أضلاعه لم تختلف وتتداخل من الضيق؟! فالجواب كما سبق: أن هذا من عالم الغيب، ومن الجائز أن تكون مختلفة؟ فإذا كشف عنها؟ أعادها الله، وردّ كل شيء إلى مكانه؛ امتحانًا للعباد؛ لأنها لو بقيت مختلفة ونحن قد دفناه وأضلاعه مستقيمة؛ صار الإيمان بذلك إيمان شهادة. * فإن قال قائل كما قال الفلاسفة: نحن نضع الزئبق على الميت، وهو أسرع الأشياء تحركًا ومروقًا، وإذا جئنا من الغد؛ وجدنا الزئبق على ما هو عليه، وأنتم تقولون: إن الملائكة يأتون ويجلسون هذا الرجل، والذي يجلس؛ كيف يبقى عليه الزئبق؟! فنقول أيضًا كما قلنا سابقًا: هذا من عالم الغيب، وعلينا الإيمان والتصديق، ومن الجائز أيضًا أن الله يرد هذا الزئبق إلى مكانه بعد أن تحول بالجلوس. ونقول أيضًا: انظروا إلى الرجل في المنام؛ يرى أشياء لو

стр. 583

كان على حسب رؤيته إياها، ما بقي في فراشه على السرير، وأحيانًا تكون رؤيا حق من الله ، فتقع كما كان يراها في منامه، ومع ذلك، نحن نؤمن بهذا الشيء. والإنسان إذا رأى في منامه ما يكره، أصبح وهو متكدر، وإذا رأى ما يسره، أصبح وهو مستبشر، كل هذا يدل على أن أمور الروح ليست من الأمور المشاهدة، ولا تقاس أمور الغيب بالمشاهد، ولا ترد النصوص "الصحيحة" لاستبعادنا ما تدل عليه حسب المشاهد. * * *

стр. 584

فصل في القيامة الكبرى * قوله: "إلى أنْ تَقومَ القِيامَةُ الكُبْرى": الشرح: * القيامة الكبرى هي التي يقوم فيها الناس من قبورهم لرب العالمين. * وأفادنا المؤلف ﵀ بقوله: "القيامة الكبرى": أن هناك قيامة صغرى، وهي قيامة كل إنسان بعينه؛ فإن كل إنسان له قيامة؛ فمن مات؛ قامت قيامته. * وسكت المؤلف ﵀ عن أشراط الساعة؛ فلم يذكرها؛ لأن المؤلف إنما يريد أن يتكلم عن اليوم الآخر، وما أشراط الساعة إلا مجرد علامات وإنذارات لقرب قيام الساعة؛ ليستعد لها من يستعد. وبعض أهل العلم الذين صنفوا في العقائد ذكروا أشراط

стр. 585

الساعة هنا، والحقيقة أنه لا تعلق لها في الإيمان باليوم الآخر، وإن كانت هي من الأمور الغيبية التي أشار الله إليها في القرآن وفصلها النبي ﷺ في السنة. * * * • الأمر الأول مما يكون في القيامة: ما أشار إليه المؤلف بقوله: "فَتُعادُ الأرْواحُ إلى الأجْسادِ". هذا أول الأمور: * ويكون بعد النفخة الثانية في الصور، وذلك بعد أن فارقتها بالموت، وهذه غير الإعادة التي تكون في البرزخ حين سؤال الميت عن ربه ودينه ونبيه، وذلك أن الله يأمر إسرافيل فينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض؛ إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه مرة أخرى فتتطاير الأرواح من الصور إلى أجسادها، وتحل فيها. * وفي قول المؤلف: "إلى الأجساد": إشارة إلى أن الأرواح لا تخرج من الصور؛ إلا بعد أن تتكامل الأجساد مخلوقة؛ فإذا كملت خلقتها؛ نفخ في الصور، فأعيدت الأرواح إلى أجسادها. * وفي قوله: "تعاد الأرواح إلى الأجساد": دليل على أن البعث إعادة، وليس تجديدًا، بل هو إعادة لما زال وتحول؛ فإن الجسد يتحول إلى تراب، والعظام تكون رميمًا؛ يجمع الله تعالى هذا المتفرق، حتى يتكون الجسد، فتعاد الأرواح إلى أجسادها،

стр. 586

وأما من زعم بأن الأجساد تخلق من جديد؛ فإن هذا زعم باطل يرده الكتاب والسنة والعقل: - أما الكتاب؛ فإن الله يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]؛ أي: يعيد ذلك الخلق الذي ابتدأه. وفي الحديث القدسي: "يقول الله تعالى: ليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته" (١)؛ فالكل على الله هين. وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥، ١٦]. وقال تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩]. - وأما السنة؛ فهي كثيرة جدًّا في هذا؛ حيث بين النبي ﷺ "أن الناس يحشرون حفاة عراة غُرْلًا" (٢)؛ فالناس هم الذين يحشرون، وليس سواهم.

стр. 587

فالمهم؛ أن البعث إعادة للأجساد السابقة. * فإذا قلت: ربما يؤكل الإنسان من قبل السباع، ويتحول جسمه الذي أكله السبع إلى تغذية لهذا الآكل تختلط بدمه ولحمه وعظمه وتخرج في روثه وبوله؛ فما الجواب على ذلك؟ فالجواب: أن الأمر هين على الله؛ يقول: كن! فيكون، ويتخلص هذا الجسم الذي سيبعث من كل هذه الأشياء التي اختلط بها، وقدرة الله فوق ما نتصوره؛ فالله على كل شيء قدير. * * * * قوله: "وَتَقومُ القِيامَةُ التي أخْبَرَ اللهُ بِها في كِتابِهِ وَعَلى لِسانِ رَسولِهِ وَأجْمَعَ عَلَيْها المُسْلِمونَ". هذه ثلاثة أنواع من الأدلة: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، بإجماع المسلمين. - فأما كتاب الله تعالى؛ فقد أكد الله تعالى في كتابه هذه القيامة، وذكرها الله بأوصاف عظيمة، توجب الخوف والاستعداد لها: فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢].

стр. 588

وقال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣]. وقال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ١ - ٥]. والأوصاف لها في القرآن كثيرة؛ كلها مروعة مخوفة؛ لأنها عظيمة، وإذا لم نؤمن بها؛ فلن نعمل لها؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يعمل لهذا اليوم حتى يؤمن به وحتى يذكر له أوصافه التي توجب العمل لهذا اليوم. - وأما السنة؛ فالأحاديث في ذكر القيامة كثيرة، بين الرسول ﵊ بها ما يكون فيها؛ كما سيأتي إن شاء الله في ذكر الحوض والصراط والكتاب وغير ذلك مما بينه الرسول ﷺ . - وأما الإجماع -وهو النوع الثالث-؛ فقد أجمع المسلمون إجماعًا قطعيًّا على الإيمان بيوم القيامة، ولهذا كان من أنكره؛ فهو كافر؛ إلا إذا كان غريبًا عن الإِسلام وجاهلًا؛ فإنه يعرَّف؛ فإن أصر على الإنكار بعد ذلك؛ فهو كافر. - وهناك نوع رابع من الأدلة، وهو الكتب السماوية؛ حيث اتفقت على إثبات اليوم الآخر، ولهذا كان اليهود والنصارى يؤمنون بذلك، وحتى الآن يؤمنون به، ولهذا تسمعونهم يقولون: فلان المرحوم، أو: ﵀، أو: ما أشبه ذلك؛ مما يدل على أنهم يؤمنون باليوم الآخر إلى يومنا هذا.

стр. 589

- وثَمَّ نوع خامس، وهو العقل، ووجه ذلك أنه لو لم يكن هذا اليوم، لكان إيجاد الخلائق عبثًا، والله منزه عن العبث، فما الحكمة من قوم يُخلقون ويُؤمرون ويُنهون ويُلزَمون بما يُلزَمون به ويُندَبون إلى ما يُندَبون إليه، ثم يموتون، ولا حساب، ولا عقاب؟! ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]. كيف يُفرض القرآن ويُفرض العمل به، ثم لا يكون هناك معاد؛ نحاسب على ما نفذنا من هذا القرآن الذي فرض علينا؟! فصارت أنواع الأدلة على ثبوت اليوم الآخر خمسة. * * * • الأمر الثاني مما يكون في القيامة: ما أشار إليه بقوله: "فَيَقومُ النَّاسُ مِنْ قُبورِهِمْ لِرَبِّ العالَمينَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا". * قوله: "من قبورهم": هذا بناء على الأغلب، وإلا، فقد يكون الإنسان غير مدفون. * قوله: "لرب العالمين"؛ يعني: لأن الله يناديهم.

стр. 590

قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤١، ٤٢] فيقومون لهذا النداء العظيم من قبورهم لربهم . قال الله ﵎: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٤ - ٦]. * قوله: "حُفاة عُراةً غُرْلًا": "حفاة": ليس عليهم نعال ولا خفاف؛ يعني: أنه ليس عليهم لباس للرجل. * "عراة": ليس عليهم لباس للجسد. * "غرلًا": لم ينقص من خلقهم شيء، والغرل: جمع أغرل، وهو الذي لم يختن؛ أي أن القلفة التي قطعت منه في الدنيا تعود يوم القيامة؛ لأن الله يقول: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]؛ فيعاد كاملًا، لم ينقص منه شيء؛ يعودون على هذا الوصف مختلطين رجالًا ونساء. ولما حدث النبي ﵊ بذلك؛ قالت عائشة: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! فقال: "الأمر أشد من أن يُهِمَّهم ذلك" (وفي رواية: من أن ينظر بعضهم إلى بعض) (١). فكل إنسان له شأن يغنيه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ

стр. 591

وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧]. لا رجل ينظر إلى امرأة، ولا امرأة تنظر إلى رجل، حتى إن ابنه أو أباه يفر منه؛ خوفًا من أن يطالبه بحقوق له، وإذا كان هذا هو الواقع؛ فإنه لا يمكن أن تنظر المرأة إلى الرجل، ولا الرجل إلى المرأة؛ الأمر أشد وأعظم. ولكن؛ مع ذلك؛ يكسون بعد هذا، وأول من يكسى إبراهيم ﵊؛ كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ (١). * * * • الأمر الثالث مما يكون يوم القيامة: ما أشار إليه بقوله: "وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ". * "تدنو": أي: تقرب منهم الشمس، وتقرب منهم مقدار ميل. وهذا الميل سواء كان المسافة أو ميل المكحلة؛ فإنها قريبة، وإذا كانت هذه حرارتها في الدنيا، وبيننا وبينها من البعد شيء عظيم؛ فكيف إذا كانت عن الرؤوس بمقدار ميل (٢)؟!

стр. 592

* قد يقول قائل: المعروف الآن أن الشمس لو تدنو بمقدار شعرة عن مستوى خطبها؛ لأحرقت الأرض؛ فكيف يمكن أن تكون في ذلك اليوم بهذا المقدار من البعد، ثم لا تحرق الخلق؟ فالجواب على ذلك: أن الناس يحشرون يوم القيامة؛ ليسوا على القوة التي هم عليها الآن، بل هم أقوى وأعظم وأشد تحملًا. لو أن الناس الآن وقفوا خمسين يومًا في شمس لا ظل ولا أكل ولا شرب؛ فلا يمكنهم ذلك، بل يموتون! لكن يوم القيامة يبقون خمسين ألف سنة؛ لا أكل ولا شرب ولا ظل؛ إلا من أظله الله ، ومع ذلك؛ يشاهدون أهوالًا عظيمة؛ فيتحملون. واعتبر بأهل النار؛ كيف يتحملون هذا التحمل العظيم؛ ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. وبأهل الجنة؛ ينظر الإنسان إلى ملكه مسيرة ألف عام إلى أقصاه؛ كما ينظر إلى أدناه؛ كما روي ذلك عن النبي ﷺ (١). * فإن قيل: هل أحد يسلم من الشمس؟ فالجواب: نعم! هناك أناس يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ كما أخبر بذلك النبي ﷺ : "إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله

стр. 593

اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا؛ ففاضت عيناه" (١). وهناك أيضًا أصناف أخرى يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. * وقوله: "لا ظل إلا ظله"؟ يعني: إلا الظل الذي يخلقه، وليس كما توهم بعض الناس أنه ظل ذات الرب ؛ فإن هذا باطل؛ لأنه يستلزم أن تكون الشمس حينئذ فوق الله . ففي الدنيا؛ نحن نبني الظل لنا، لكن يوم القيامة؛ لا ظل إلا الظل الذي يخلقه ليستظل به من شاء من عباده. • الأمر الرابع مما يكون يوم القيامة: ما ذكره المؤلف ﵀ بقوله: "وَيُلْجِمْهُمُ العَرَقُ". * "يلجمهم"؛ أي: يصل منهم إلى موضع اللجام من الفرس، وهو الفم. * ولكن هذا غاية ما يصل إليه العرق، وإلا؛ فبعضهم يصل العرق إلى كعبيه، وإلى ركبيته، وإلى حقويه، ومنهم من يلجمه؛ فهم يختلفون في هذا العرق، ويعرقون من شدة الحر؛ لأن المقام

стр. 594

مقام زحام وشدة ودنو شمس؛ فيعرق الإنسان مما يحصل في ذلك اليوم؛ لكنهم على حسب أعمالهم (١). * فإن قلت: كيف يكون ذلك وهم في مكان واحد؟ فالجواب: أننا أصلنا قاعدة يجب الرجوع إليها، وهي: أن الأمور الغيبية يجب علينا أن نؤمن بها ونصدق دون أن نقول: كيف؟! ولِمَ؟! لأنها شيء وراء عقولنا, ولا يمكن أن ندركها أو نحيط بها. أرأيت لو أن رجلين دُفِنا في قبر واحد: أحدهما مؤمن، والثاني: كافر؛ فإنه ينال المؤمن من النعيم ما يستحق، وينال الكافر من العذاب ما يستحق، وهما في قبر واحد، وهكذا نقول في العرق يوم القيامة. * فإن قلت: هل تقول: إن الله يجمع من يلجمهم العرق في مكان، ومن يصل إلى كعبيه في مكان، وإلى ركبتيه في مكان، وإلى حقويه في مكان؟ فالجواب: لا نجزم بهذا، والله أعلم، بل نقول: من الجائز أن يكون الذي يصل العرق إلى كعبه إلى جانب الذي يلجمه العرق، والله على كل شيء قدير، وهذا نظير النور الذي يكون للمؤمنين؛ يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، والكفار في ظلمة؛ فيوم القيامة يجب علينا أن نؤمن به وبما يكون فيه، أما كيف؟! ولِمَ؟!

стр. 595

فهذا ليس إلينا. * * * • الأمر الخامس مما يكون يوم القيامة: ما ذكره بقوله: "فتُنْصَبُ المَوازينُ فَتُوزَنُ بِها أعْمالُ العِبادِ". * الذي ينصب الموازين هو الله ، لتوزن بها أعمال العباد. * والمؤلف يقول: "الموازين": بالجمع، وقد وردت النصوص بالجمع والإفراد: - فمثال الجمع: قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨، ٩]. - وأما الإفراد؛ فقال النبي ﷺ : "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" (١). فقال: "في الميزان"؛ فأفرد؛ فكيف نجمع بين الآيات القرآنية وبين هذا الحديث؟! فالجواب أن نقول:

стр. 596

إنها جمعت باعتبار الموزون؛ حيث إنه متعدد، وأفردت باعتبار أن الميزان واحد، أو ميزان كل أمة. أو أن المراد بالميزان في قوله ﵊: "ثقيلتان في الميزان"؛ أي: في الوزن. ولكن الذي يظهر -والله أعلم- أن الميزان واحد، وأنه جمع باعتبار الموزون؛ بدليل قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨]. لكن يتوقف الإنسان: هل يكون ميزانًا واحدًا لجميع الأمم أو لكل أمة ميزان؛ لأن الأمم كما دلت عليه النصوص تختلف باعتبار أجرها؟! * وقوله: "تنصب الموازين": ظاهره أنها موازين حسية، وأن الوزن يكون على حسب المعهود بالراجح والمرجوح، وذلك لأن الأصل في الكلمات الواردة في الكتاب والسنة حملها على المعهود المعروف؛ إلا إذا قام دليل على أنها خلاف ذلك، والمعهود المعروف عند المخاطبين منذ نزول القرآن الكريم إلى اليوم أن الميزان حسي، وأن هناك راجحًا ومرجوحًا. وخالف في ذلك جماعة: - فالمعتزلة قالوا: إنه ليس هناك ميزان حسي، ولا حاجة له؛ لأن الله تعالى قد علم أعمال العباد وأحصاها, ولكن المراد بالميزان: الميزان المعنوي الذي هو العدل.

стр. 597

ولا شك أن قول المعتزلة باطل؛ لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، ولأننا إذا قلنا: إن المراد بالميزان: العدل؛ فلا حاجة إلى أن نعبر بالميزان؛ بل نعبر بالعدل؛ لأنه أحب إلى النفس من كلمة (ميزان)، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. - وقال بعض العلماء: إن الرجحان للعالي؛ لأنه يحصل فيه العلو, لكن الصواب أن نجري الوزن على ظاهره، ونقول: إن الراجح هو الذي ينزل، ويدل لذلك حديث صاحب البطاقة، فإن فيه أن السجلات تطيش وتثقل البطاقة، وهذا واضح، بأن الرجحان يكون بالنزول. * وقوله: "فتوزن بها أعمال العباد": كلام المؤلف ﵀ صريح بأن الذي يوزن: العمل. * وهنا مبحثان: المبحث الأول: كيف يوزن العمل؛ والعمل وصف قائم بالعامل، وليس جسمًا فيوزن؟! والجواب على ذلك: أن يقال: إن الله يجعل هذه الأعمال أجسامًا، وليس هذا بغريب على قدرة الله ، وله نظير، وهو الموت؛ فإنه يجعل على صورة كبش، ويذبح بين الجنة والنار (١)، مع أن الموت معنى، وليس بجسم، وليس الذي

стр. 598

يذبح ملك الموت، ولكنه نفس الموت، حيث يجعله الله تعالى جسمًا يشاهد ويرى، كذلك الأعمالك يجعلها الله أجسامًا توزن بهذا الميزان الحسي. المبحث الثاني: صريح كلام المؤلف أن الذي يوزن العمل، سواء كان خيرًا أم شرًّا: وهذا هو ظاهر القرآن؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]؛ فهذا واضح أن الذي يوزن العمل، سواء كان خيرًا أم شرًّا. وقال النبي ﵊: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان" (١)، وهذا ظاهر أيضًا، بل صريح، في أن الذي يوزن العمل، والنصوص في هذا كثيرة. ولكن هناك نصوص قد يخالف ظاهرها هذا الحديث: - منها حديث صاحب البطاقة، رجل يؤتى به على رؤوس الخلائق، وتعرض عليه أعماله في سجلات تبلغ تسعة وتسعين سجلًّا؛ كل سجل منها يبلغ مد البصر، فيقر بها، فيقال له: ألك عذر أو حسنة؟ فيقول: لا، يا رب! فيقول الله: بلى؛ إن لك

стр. 599

عندنا حسنة. فيؤتى ببطاقة صغيرة، فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقال: إنك لا تظلم. قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة ... الحديث (١). وظاهر هذا أن الذي يوزن صحائف الأعمال. - وهناك نصوص أخرى تدل على أن الذي يوزن العامل؛ مثل: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]؛ مع أنه قد ينازع في الاستدلال بهذه الآية؛ فيقال: إن معنى قوله: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾؛ يعني: قدرًا. ومثل ما ثبت من حديث ابن مسعود ﵁، أنه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان ﵁ دقيق الساقين، جعلت الريح تحركه، فضحك الصحابة ﵃، فقال النبي ﷺ : "مم تضحكون؟ ". قالوا: من دقة ساقيه. قال: "والذي

стр. 600

نفسي بيده؛ لهما في الميزان أثقل من أحد" (١). فصار ها هنا ثلاثة أشياء: العمل، والعامل، والصحائف. - فقال بعض العلماء: إن الجمع بينها أن يقال: إن من الناس من يوزن عمله، ومن الناس من يوزن صحائف عمله، ومن الناس من يوزن هو بنفسه. - وقال بعض العلماء: الجمع بينها أن يقال: إن المراد بوزن العمل أن العمل يوزن وهو في الصحائف، ويبقى وزن صاحب العمل، فيكون لبعض الناس. - ولكن عند التأمل نجد أن أكثر النصوص تدل على أن الذي يوزن هو العمل، ويخص بعض الناس، فتوزن صحائف أعماله، أو يوزن هو نفسه. وأما ما ورد في حديث ابن مسعود وحديث صاحب البطاقة؛ فقد يكون هذا أمرًا يخص الله به من يشاء من عباده. * * * * قوله: " ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] ":
следующие страницы →