← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11251

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - من كتاب الصلاة

ابن تيمية

Полный текст (587 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

العشاء وهذا اختيار أكثر أصحابنا لما روى سعيد في سننه عن إبراهيم النخعي قال كانوا يؤخرون الظهر ويعجلون العصر ويؤخرون المغرب في اليوم المغيم. وهذا إخبار عن أهل الكوفة من أصحاب علي وعبد الله ومن بين ظهرانيهم من الصحابة ومن علم حالهم علم أنهم لم يكونوا يتحرون ذلك إلا تلقيا له عن أصحاب رسول الله ﷺ لأن الصلاة تتكرر في كل وقت فأمر الوقت بها لا بد أن يتقدم فيه سنة واثر ولا يجوز أن يتحروا مخالفة ما ظهر من السنة وقال ابن المنذر روينا عن عمر أنه قال إذا كان يوم غيم فعجلوا العصر وأخروا الظهر ولأن الغيم مظنة المطر وغيره من الموانع للخروج فإذا آخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء اكتفى لهما بخروج واحد للمشقة ولهذا قال القاضي لا يستحب التأخير لمن يصلي في بيته وقال غيره بل يستحب على ظاهر كلامه وعلل بعض

стр. 177

أصحابنا هذه المسألة بأن الغيم في الجملة مظنة اشتباه الوقت فأخرنا الظهر والمغرب لنتيقن دخول الوقت فانهما لا يفعلان قبل وقتهما بحال وفعلهما بعد خروج الوقت جائز للعذر وهذا عذر في الجملة بخلاف العصر والعشاء فانهما يصليان قبل وقتهما في حال العذر وهذا عذر في الجملة ولا يصليان بعد وقتهما بحال وأما الفجر فلما لم يجز بحال تقديمها ولا تأخيرها استوى في حال الإشتباه الأمران ولذلك استحببنا أن نجعل الثانية من صلاتي الجمع مع تأخير الأولى ليبقى بمنزلة الجامع بين الصلاتين وأيضا فلما كانت الظهر والمغرب يحذر فعلهما قبل الوقت بكل حال ولا يحذر التأخير في جميع الأوقات والعصر والعشاء بعكس ذلك فيهما كان ما بعد عن المحذور أولى بالمراعاة وكلام أحمد يدل على هذا التعليل لأنه قال في يوم الغيم يؤخر الظهر حتى لا يشك أنها قد حانت ويعجل العصر والمغرب يؤخرها حتى يعلم أنه سواد الليل ويعجل العشاء وقد جاءت الأحاديث باستحباب تعجيل العصر مع الغيم خشية الفوات كما سيأتي أن شاء الله تعالى وهذا يدل على أن الذي يحذر من تفويت العصر في الغيم لا يخاف مثله في الظهر وعلى أن مثل هذه الحال بخلاف الظهر. وعلى هذا فلا فرق بين المصلي وحده أو في جماعة مجتمعين أو مفترقين وعلى هذا المنصوص فإنه يستحب تأخير المغرب وتعجيل العشاء

стр. 178

مع الغيم أيضا لما تقدم من الأثر والمعنى وعلى الرواية الأول لا يستحب. وفرق جماعة من أصحابنا فاستحبوا تأخير الظهر مع الغيم ولم يستحبوا تأخير المغرب إذا علم دخول وقتها أو غلب على الظن لأن السنة التبكير فيها ولأن وقت العشاء قريب منها فلا يشق انتظارها ولأن الخروج بعد الغروب قد يشق ولأن العشاء السنة التأخير فيها. والصحيح المنصوص لما تقدم وقد صح عنه ﷺ : "أنه كان يؤخر المغرب ويعجل العشاء" في مواضع تذكر أن شاء الله في باب الجمع ولا تعريج مع السنة على رأي أحد والعشاء وأن كانت السنة فيها التأخير لكن إذا أخرت المغرب فإنه ينبغي أن لا يؤخر العشاء بل يقارب بينهما كما في حال الجمع فصل. وأما العصر فالسنة تعجيلها بكل حال في المعروف من نصوصه في

стр. 179

عامة جواباته وهو مذهبه الذي لا خلاف فيه بين أصحابه وقد روي عنه صالح آخر وقت العصر ما لم تغير الشمس وقال يؤخر الصلاة أحب إلى آخر الوقت العصر عندي ما لم تصفر الشمس فجعل القاضي وابنه هذه رواية ثانية بتصريحه بان آخر الوقت أحب إليه والاشبه والله أعلم أنه إنما قصد أن القول بجواز تأخير العصر أحب إلى من قول من لا يجوز تأخيرها إلى الاصفرار فإن استحباب تأخير العصر بعيد جدا من مذهبه وله مثل هذا الكلام كثيرا ما يقول هذا أحب إلى وليس غرضه الفعل وإنما غرضه حكم الفعل. والأصل في ذلك ما تقدم من الأمر الكلي وأيضا ما روى أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيها والشمس مرتفعة" أخرجوه. وفي رواية: "وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه" رواه أحمد والبخاري وعن أنس قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ العصر فأتاه

стр. 180

رجل من بني سلمة فقال أنا نريد أن ننحر جوزوا لنا وأنا نحب أن تحضرها قال نعم فانطلق وانطلقا معه فوجدنا الجزور لم تنحر فنحرت ثم قطعت ثم طبخ منها ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس" رواه مسلم والدارقطني وزاد " كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العصر فيسير الراكب ستة أميال قبل أن تغيب الشمس" وعن رافع بن خديج قال: "كنا نصلي العصر مع رسول الله ﷺ ثم ننحر الجزور فيقسم عشر قسم ثم يطبخ فنأكل لحما نضيجا قبل مغيب الشمس" متفق عليه وعن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﷺ : "أنه كان يصلي العصر والشمس بيضاء مرتفعة يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة أميال قبل غروب الشمس" رواه الدارقطني وعن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتي لم يظهر الفيء بعد" متفق عليه وقال البخاري وقال أبو أسامة من قعر حجرتها ولو كان يؤخرها لكانت الشمس قد مالت حتى خرجت من الحجرة وظهر فيها الفيء لأنها ليست كبيرة.

стр. 181

ولأن الله سبحانه أمر بالمحافظة عليها خصوصا وكذلك أمر رسوله بذلك وكمال المحافظة أن يصلي في أول الوقت ولا يعرض للفوات ودخول وقت الكراهة وكذلك وكد التبكير بها مع الغيم كما قد نص عليه أحمد فروى عن بريدة قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فقال بكروا بالصلاة في اليوم الغيم فإن من فاتته صلاة العصر حبط عمله" رواه أحمد وابن ماجة وروى أحمد والبخاري والنسائي من حديث أبي المليح بن أسامة قال كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم فقال بكروا بصلاة العصر فإن رسول الله ﷺ قال: "من ترك صلاة العصر حبط عمله". فإن قيل فقد قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ وإنما يقال قبل الغروب لما كان قريبا منه وفي تأخيرها توسعة لوقت النفل. قلنا الصلاة المفعولة في أول الوقت هي قبل الطلوع وهي مرادة من الآية بالسنة الصحيحة وبالإجماع كصلاة الفجر المؤداة في أول وقتها هي

стр. 182

قبل الطلوع وقربها من غروب الشمس ليس فيه فضيلة لوجهين. أحدهما: أن تأخيرها إلى حين الاصفرار لا يجوز مع أنه اقرب إلى غروبها. الثاني: أن الأمر بالتسبيح قبل الغروب وكلما بعد عن الغروب كان أتم تقديما على الغروب واقرب إلى تحقيق القبلية. وأما اتساع وقت النفل فيعارضه خشية التفويت وما فيه من المخاطرة بالفرض. ثم ما حصل له بالصلاة في أول الوقت أحب إليه من جميع النوافل فإن حدود الفرائض المسنونة وتكميل أدائها أولى بالرعاية من أصل النوافل ولهذا كان إدراك تكبيرة الإفتتاح مع الإمام أولى من الاشتغال عنها بالسنن الرواتب. وفي تعجيلها اتساع وقت ذكر الله المشروع آخر النهار ثم إنا لا نسلم أن توسيع وقت النافلة مقصود بل إذا كان مقصود الشارع في ترك النافلة بعد العصر كان مقصودا مع سعة وقت الترك وكان ذلك أحب إلى الله تعالى. فصل. وأما المغرب فالسنة فيها التعجيل وهذا مما أجمعت عليه الأمة وقد روى سلمة بن الاكوع: "أن رسول الله ﷺ كان يصلي المغرب إذا غربت

стр. 183

الشمس وتوارت بالحجاب" رواه الجماعة إلا النسائي وعن رافع بن خديج قال: "كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ فينصرف أحدنا وأنه ليبصر مواقع نبله" متفق عليه وقد تقدم القول في كراهة المداومة على تأخيرها وروي أن عمر بن عبد العزيز آخر المغرب ليلة حتى رأى نجمين فأعتق رقبتين. فأما ليلة الغيم فقد تقدم أن نص الروايتين عنه وأصحهما عند أكثر أصحابنا استحباب تأخيرها كما تقدم في تأخير الظهر. فأما تأخيرها في غير ذلك فلا يستحب مطلقا واستثنى أبو الخطاب وطائفة معه تأخيرها ليلة جمع للمحرم فإن السنة أن يؤخر المغرب حتى يصليها مع العشاء بالمزدلفة في المناسك عند بعض أهل العلم حتى لم يجوزوا أن يصلي بغير المزدلفة لكن هذا في الحقيقة تأخير الصلاة عن وقتها ونحن إنمانتكلم في تأخيرها إلى آخر الوقت فأما التأخير عن الوقت فهو الجمع بين الصلاتين وفي استحبابه حيث يجوز خلاف وتفصيل يذكر

стр. 184

في موضعه أن شاء الله تعالى ولمن استثناها أن يقول المستحب أن يؤخر ليصلي بمزدلفة سواء جمع بينها وبين العشاء أو لم يجمع حتى لو فرضنا أنه سار سير البريد حتى وافى جمعا قبل مغيب الشفق فإن السنة أن يؤخر المغرب ليصليها فيها ولو كان قبل مغيب الشفق ولمن لم يستثنها أن يقول هذه الصورة نادرة والحكم مبني على الغالب وبالجملة فلا خلاف في المعنى وكلهم قد ذكروها في المناسك. فصل. وأما العشاء فإن الأفضل تأخيرها من غير خلاف في المذهب إلا أن يشق التأخير على المصلين إلا ليلة الغيم إذا أخرت المغرب كما تقدم وذلك لما روى ابن عباس قال: "اعتم النبي ﷺ ليلة بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا فقام عمر فقال الصلاة فخرج نبي الله ﷺ وقال لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا" متفق عليه وقال أبو برزة: "كان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة".

стр. 185

متفق عليه وفي لفظ: " كان يؤخر العشاء إلى ثلث الليل" رواه أحمد ومسلم وقال جابر بن سمرة: "كان رسول الله ﷺ يؤخر العشاء الآخرة" رواه أحمد ومسلم والنسائي وعن ابن عمر قال: "مكثنا ليلة ننتظر رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده فقال حين خرج أنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولولا أن تثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح ولأن في تأخيرها فوائد علمنا منها. إن تصلى في جوف الليل ويقرب من آخره وهو الوقت الذي ينزل الله فيه إلى سماء الدنيا فيقول من يدعوني فاستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فاغفر له وقد روى عبد الله بن مسعود قال: "أخر رسول الله

стр. 186

صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال أما أنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم فأنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أهل الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ حتى بلغ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ " رواه أحمد والترمذي ولذلك استحب تأخير الوتر إلى آخره قال سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ ومعلوم أنه إذا اشتدت الظلمة وبعد عن النهار كان هذا المعنى ابلغ وإنما لم يشرع والله أعلم تأخيرها إلى النصف الثاني لأنه مضاف إلى اليوم الذي يليه فالتأخير إليه تأخير لما يقرب منه النهار ولأن فيه تغريرا بها إذ كانت السنة أن يصلي قبل النوم لئلا يستمر النوم إلى الفجر ولان الجمع بين استحباب تأخيرها إلى النصف الثاني وبين كراهة النوم قبلها متعذر فإنه يقتضي سهر أكثر الليل وذلك مفض إلى غلبة النعاس وتفويت مقصود الصلاة. ومنها أنه إذا انتظرها فإن العبد في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه وإلى هذا أشار ﷺ بقوله: "أنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم" فإن أهل الكتاب ليست لهم صلاة في جوف الليل وإنما يصلون قبل طلوع الشمس وبعد زوالها وبعد غروبها وهذا المعنى لا يحتاج إليه في غيرها فإنه يقدر أن يصليها في أول الوقت ويجلس ينتظر التي

стр. 187

بعدها فإن انتظار الصلاة قبل وقتها لا سيما بعد صلاة أخرى يستحب بخلاف العشاء فإنه لا صلاة بعدها تنتظر. ومنها أنه إذا آخرها ختم عمله بالصلاة ونام عليها ولم يتحدث بعدها فختم عمله بخير وأمن من كراهة السمر بعدها. ومنها أن الأصوات تكون قد هدأت والعيون قد رقدت وذلك اقرب إلى نزول السكينة واجتماع الهم على الصلاة والخشوع فيها وبعدها عن الشواغل وما يلهي المصلي. ومنها أن يبعد العهد بأعمال النهار وحركاته والأفكار والوساوس الحاصلة بسبب ذلك. ويستحب تأخيرها بكل حال في إحدى الروايتين على ظاهر الحديث المتقدم عن أبي برزة وجابر بن سمرة ولأن قوله في حديث ابن عباس وأبي هريرة: "لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" إنما نفي به أمر الإيجاب فإن السنة إنما تحصل بالإيجاب دون الاستحباب وهو يقتضي قوة استحباب التأخير إذ كان المقتضي للوجوب قائما لولا وجود المانع وسواء شق عليهم التأخير أو لم يشق فإن ذلك لا يمنع الاستحباب كما في قوله ﵇: "لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" وقوله: "لولا أن أشق على

стр. 188

أمتي لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة". والرواية الثانية أن المستحب التأخير الذي لا يشق على المأمومين غالبا فإن آخرها تأخيرا يشق عليهم غالبا كره لما روى زيد بن خالد الجهني أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن اشق على أمتي لأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل" رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن صحيح وكذلك في حديث ابن عمر: "لولا أن تثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة" وقوله في حديث أبي سعيد: "لولا سقم السقيم وضعف الضعيف وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل" وقد تقدم وكذلك قوله في حديث عائشة: "أنه لوقتها لولا أن اشق على أمتي" فإن هذه الأحاديث تدل على أن وجوه المشقة على المأمومين يمنع استحباب التأخير وشرعه وعلى هذا بنيت قاعدة الصلاة فإن الإمام يكره أن يطول على المأمومين تطويلا يفتنهم به وأن كان التطويل عبادة محضة فالتأخير الذي يفتنهم وتفوتهم الصلاة جماعة أو

стр. 189

توجب أن يصلوها مكثرهين متضجرين أولى أن يكره وما في التأخير من الفضيلة إنما يقصد لو لم يفت ما هو أفضل منه وأن أفضل منه لكثرة الجماعة وتحصيل الجماعة للمصلين ونشاط القلوب للصلاة وتحبيب الله إلى عباده ولأن المشقة قسمان. أحدهما: في خاصة الإنسان فله أن يحتمل هو المشقة لتحصل فضيلة التأخير وهذه المشقة هي المانعة من الإيجاب. والثاني: يتعدى إلى المأمومين وليس للإمام أن يحمل الناس مشقة لم تجب عليهم وهذه هي المانعة من استحباب التأخير قال جابر بن عبد الله ﵄: "كان نبي الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة والعصر والشمس نقية والمغرب إذا وجبت والعشاء أحيانا وأحيانا إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم قد ابطئوا آخر والصبح كان يصليها بغلس" متفق عليه وروى سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه عن عبد الرحمن بن غنم قال حدثنا معاذ بن جبل قال: "لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قال: "اظهر كبير الإسلام وصغيره وليكن من أكثرها الصلاة فإنها رأس الأمر بعد الإقرار بالدين إذا كان الشتاء فصل صلاة الفجر في أول الفجر ثم اطل القراءة على قدر ما يطيق الناس ولا تملهم وتكره إليهم

стр. 190

امر الله ثم عجل الصلاة الأولى قبل أن تميل الشمس وصل العصر والمغرب في فصل الشتاء على ميقات واحد العصر والشمس بيضاء مرتفعة والمغرب حين تغيب الشمس وتوارى بالحجاب وصل العشاء فأعتم بها فإن الليل طويل فإذا كان الصيف فأسفر بالصبح فإن الليل قصير وأن الناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوها وصل الظهر بعد أن ينقضي الظل وتحرك الرياح فإن الناس يقيلون فأمهلهم حتى يدركوها وصل العتمة فلا تعتم بها ولا تصلها حتى يغيب الشفق". ويستحب التأخير إلى نصف الليل إذا قلنا يمتد الوقت إليه على إحدى الروايتين لأن في حديث أبي سعيد لأخرت العشاء إلى نصف الليل وقيل إنما يستحب إلى الثلث على الروايتين لأن ما بعد ذلك مختلف في كونه وقتا فلم يستحب التأخير إليه وأن قلنا أنه وقت خروجا من الخلاف.

стр. 191

فصل وأما الفجر فإن التغليس بها أفضل قال الإمام أحمد التغليس في الفجر مذهبي وكان يأمر ويصلي بأصحابه بغلس أن لم يكن في التغليس مشقة على المأمومين ثم أن كان المأمومون يغلسون أو أمكن أن يعودوا التغليس من غير مشقة أو كان الوقت لا يشق فيه التغليس عليهم ولا على غيرهم أو ليس هناك جماعة تنتظر كالقوم المجتمعين وكالصلاة في المساجد المبنية على الطرقات التي ليست لها جماعة راتبة ونحو ذلك فلا يختلف المذهب أنه هو الأفضل لما روت عائشة ﵂ قالت: "كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من التغليس" رواه الجماعة وللبخاري قال: "كان يصلي الصبح بغلس فينصرف نساء المؤمنات لا يعرفن من الغلس ولا يعرف بعضهن

стр. 192

بعضا وقد تقدم قول جابر: كان يصلي الفجر بغلس وقول أبي برزة كان ينصرف منها حين يعرف الرجل جليسه ويقرأ فيها بالستين إلى المائة وقال سهل بن سعد: "كنت أتسحر مع أهلي ثم يكون بي سرعة أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ " رواه البخاري وقال زيد بن ثابت: "تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة قلت كم قدر ما بينهما قال قدر خمسين آية" رواه الجماعة إلا أبا داود. وعن أبي مسعود الأنصاري: "إن رسول الله ﷺ صلى صلاة الصبح مرة بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر" رواه أبو داود ولأن التغليس بها عمل الخلفاء الراشدين وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ جاء ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن

стр. 193

مسعود وأبي موسى وابن عمر وابن الزبير ﵃ أجمعين وما نقل عن بعضهم من الأسفار فلعله كان لعارض ولأن التغليس صلاة في أول الوقت فهو أفضل كما تقدم وفيه من الفوائد ما ذكرناه في تأخير العشاء وغير ذلك من قربها من صلا ة الليل وبعدها عن حركات النهار وانتشار الأصوات وافتتاح يومه بأداء الفرض إلى انتظار الصلاة فإنه يخلفه هنا جلوس المصلي في مصلاه حتى تطلع الشمس ولأن ذلك ادعى إلى الاستيقاظ واتساع ذكر الله المشروع أول النهار ولأن الجهر بقراءتها يلحقها في صلوات الليل فكلما كانت الظلمة أشد كان وقتها إلى الليل اقرب وأن كانت من صلوات النهار كما نص عليه الإمام احمد. ولأن إطالة القراءة فيها من السنن المؤكدة وهذا إنما يتم بالتغليس ولعل الذين اسفروا بها من الصحابة إنما اسفروا بالخروج منها لإطالة القراءة فقد روى حرب والخلال وغيرهما أن أبا بكر الصديق ﵁ صلى صلاة الفجر فقرأ سورة البقرة فقالوا كادت الشمس تطلع فقال: لو

стр. 194

طلعت لم تجدنا غافلين وفي رواية سورة آل عمران وكذلك روى السائب بن يزيد قال صليت خلف عمر الصبح فلما انصرفوا استشرفوا الشمس فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين. فإن قيل فقد روى رافع بن خديج قال قال رسول الله ﷺ : "اسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" رواه الخمسة وقال الترمذي حديث حسن صحيح وقال عبد الله بن مسعود: "ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها" رواه الجماعة وفي رواية لمسلم بغلس وهذا يقتضي أن عادته كانت الأسفار في غير هذا الموضع إذ المراد به قبل وقتها الذي كانت عادته أن يصليها فيه فإنه لم يصلها يومئذ حتى برق الفجر كما في حديث جابر وهي قبل ذلك لا تجوز إجماعا.

стр. 195

قلنا قال الإمام أحمد الأسفار عندي أن يتيقن الفجر ولم ير الأسفار التنوير يقال للمرأة أسفرت عن وجهها. وقال أيضا أسفار الفجر طلوعه وهذا لأنه يقال أسفر الفجر أضاء وأسفر وجهه حسنا أي اشرق وسفرت المرأة كشفت عن وجهها وسافر الوجه ما يظهر ومنه السفر والسفر والسفير فهذه المادة حيث تصرفت فإنما معناها البيان والظهور ومعلوم أنه إذا طلع الفجر فقد حصل البيان والظهور ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ ويقال أبين من فلق الصبح ومن فرق الصبح ومعنى الحديث على هذا تأخيرها حتى يتيقن الفجر بحيث لا يكون فيه شك لأحد وأن جاز فعلها أول ما يبزغ به بحيث قد يحصل معه شك لبعض الناس لا سيما من يقول أنه يجوز فعلها إذا غلب على الظن دخول الوقت وإنما ذكر هذا في الفجر لأن طلوع الفجر مظنة الاشتباه لا سيما إذا اشتبه ضوءه بضوء القمر في ليالي القمر وكثيرا ما قد يصلي الفجر ثم تبين لهم أن الفجر لم يطلع وقد وقع ذلك لعدد من الصحابة وغيرهم بخلاف زوال الشمس وغروبها ولهذا والله أعلم مد الله الأكل بالليل إلى أن يتبين الفجر وقال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلى اللَّيْلِ﴾ فجعل

стр. 196

وقت الفجر منوطا بتبينه وظهوره وهو الأسفار الذي اقر النبي ﷺ به على هذا التفسير ولم يقل ثم أتموا الصيام حتى يتبين لكم الليل لان دخول الليل لا شبهة فيه فإذا أخرت حتى يظهر ضوء الفجر ويتبين كان ابعد عن الشبهة ولعله بهذا أيضا أن يتسحر الناس حتى يتبين لهم الفجر وأن لا يكفوا عن الطعام إذا اشتبه عليهم الحال. وقد جاء ذلك مأثورا عن الصحابة في قضايا متعددة فكان المؤذن والمصلي إذا لم يتبين طلوع الفجر أعاد الناس ذلك. وقد قيل أن أولئك القوم لما أمروا بتعجيل الصلوات احتمل أنهم كانوا يصلونها ما بين الفجر الأول والثاني: طلبا للأجر في تعجيلها ورغبة في الثواب فقيل لهم صلوها بعد الفجر الثاني فإنه أعظم للأجر وأن كانت لا تجوز قبل الوقت لكن لما لم يصفوا الفجر ونوره فإن الله يأجرهم على صلاتهم لكن الأجر الذي يسقط من الفرض أعظم وكثيرا ما يفعل الواجب على المحرم كقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ أن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ وهذا كثير وكذلك حديث ابن مسعود فإن عادته ﷺ كانت تأخير

стр. 197

الصلاة عن طلوع الفجر قليلا بحيث يتمكن الناس من الطهارة والسعي إلى المسجد ونحو ذلك وهذا القدر لا يخل بالتقديم المستحب عندنا فإذا كان يوم مزدلفة صلاها حين برق الفجر. وقد قيل اسفروا بالفجر أراد به إطالة القراءة فيها حتى يسفر الفجر فإن إطالتها أعظم للأجر فإنه يستحب من إطالة القراءة فيها ما لا يستحب في سائر الصلوات فيكون الأسفار بفعلها والخروج منها لا بنفس الابتداء فيها كما كان الخلفاء الراشدون يفعلون. ويحتمل أن يكون ذلك خطابا لمن يتأخر من المأمومين عندهم كزمان الصيف كما جاء مفسرا في حديث معاذ بن جبل. فصل. والتغليس أفضل من الأسفار مطلقا في إحدى الروايتين عنه لما تقدم ولأن النبي ﷺ كان يغلس بها دائما مع أنه كان يراعي حال المأمومين في العشاء فدل على افتراقهما. والرواية الثانية التغليس أفضل إلا أن يشق على المأمومين ويكون

стр. 198

الأسفار ارفق بهم فإنه يسفر بحيث يجتمعون فقط وهذا أبين عنه واصح عند أكثر أصحابه لما تقدم من وصية النبي ﷺ معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن " إذا كان الشتاء فصل صلاة الفجر في أول الفجر ثم اطل القراءة على قدر ما يطيق الناس ولا تملهم وتكره إليهم أمر الله وإذا كان الصيف فأسفر بالصبح فإن الليل قصير وأن الناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوها" وقال الإمام أحمد كان عمر إذا اجتمع الناس عجل وإذا لم يجتمعوا آخر وقد روى عن النبي ﷺ نحو ذلك فروى أحمد في المسند عن أبي الربيع قال قلت لابن عمر إني صليت معك ثم التفت فلا أرى وجه جليسي ثم أحيانا تسفر قال كذلك رأيت رسول الله ﷺ يصلي واحب أن اصليها كما رأيت رسول الله ﷺ يصليها ولعل قوله: "اسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" عنى به هذا ولأنه قد صح عنه في العشاء أنهم كانوا إذا اجتمعوا عجل وإذا ابطؤا آخر فعلم أنه كان يراعي حالهم وأنه إنما كان يغلس بها لأن أصحابه كانوا يغسلون ولا يشق عليهم التغليس.

стр. 199

ولان استحباب تأخير العشاء أكد من تأخير الفجر فإنه لم تختلف الأحاديث فيه ولا اختلف الناس فيه إلا اختلافا شإذا ومع ذلك استحببنا تقديمها إذا شق على المأمومين فكذلك الفجر لكن مشقة التأخير في العشاء أكثر من مشقة التغليس بالفجر إلا أن هذا لا يمنع رعاية المشقة عند حصولها ولان التغليس بالفجر مع أسفار الجيران يفوت فضيلتين. إحداهما: كثرة الجمع وهي المطلوبة لما روي أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "صلات الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله" رواه أحمد وأبو داود. والثانية تحصيل الجماعة للمصلي فإن النبي ﷺ سماها صدقة فقال: "إلا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" ولان في ذلك تفويتا للجماعة عليهم والنبي ﷺ قد أمر الإمام بالتخفيف خشية التنفير وإن

стр. 200

كان طول القنوت مستحبا في نفسه ولذلك كان يخفف الصلاة إذا سمع بكاء الصبي لما يعلم من وجل أمه به وكان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم ولأنه يستحب انتظار الداخل في الركوع كل ذلك رعاية لحال المأمومين ولان التأخير إذا كان لمصلحة راجحة مثل الصلاة بوضوء والصلاة جماعة أو أن يكون امتثالا لأمر أبيه أو سيده أو شبه ذلك كان أفضل من التقديم وهي هنا كذلك لما تقدم. فإن قيل فما الفرق بين الفجر والعشاء وسائر الصلوات. قلنا الفجر والعشاء يكون النوم في بعض أوقاتهما فيشق فعلهما في وقت النوم وأما غيرهما من الصلوات فإن جميع أوقاتها سواء فكان التقديم متعينا بل ربما كان في الصلاة آخر الوقت أو وسطه مشقة عليهم حتى لا ينضبط فأما هنا فإن الأسفار وقت منضبط حتى لو كان جماعة في مكان قد تهيا بعضهم لصلاة الظهر أو العصر أو المغرب وبعضهم لم يتهيأ استحببنا التأخير بحيث يتهيأ الجميع طردا للقاعدة. وبين الفجر والعشاء فرق وهو العشاء المستحب فيها التأخير وإنما تقدم إذا شق على المصلين تأخيرها والغالب حصول المشقة بذلك والفجر المستحب فيها التقديم وإنما يؤخر إذا شق على المأمومين تقديمها وليس الغالب حصول المشقة بذلك وفرق بين الاستحباب

стр. 201

الناشىء من نفس الوقت والاستحباب الناشىء من مصلحة المصلين والله أعلم. فصل. تجب الصلاة بأول الوقت إذا كان من أهل الوجوب حينئذ ويستقر الوجوب بذلك في الذمة عند أكثر أصحابنا وهو المنصوص عنه وقال ابن بطة وابن أبي موسى لا يستقر الوجوب حتى يمكنه الأداء وهو قياس إحدى الروايتين في الزكاة والحج والصوم وصورة ذلك أن تزول الشمس على امرأة طاهر فتحيض أو على عاقل فيجن وأن كان بعد التمكن من فعل الصلاة وجب القضاء قولا واحدا وكذلك أن كان قبل التمكن من القضاء على المشهور. وعلى القول الآخر لا يجب لأن هذا لم يقدر على الصلاة ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

стр. 202

ووجه الأول أن دخول الوقت سبب للوجوب فوجب أن يتعلق به ويستقر كسائر الأسباب والتمكن إنما تعتبر في لزوم الأداء لا في نفس الوجوب في الذمة بدليل ما لو دخل الوقت على نائم ولم يستيقظ حتى خرج الوقت الوقت فإنه يجب عليه القضاء وأن لم يمكنه الأداء في الوقت. ثم القضاء إنما يجب إذا أمكن وإذا لم يمكن فلا شيء عليه وقد روى حرب بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال للنساء لا تنمن عن العتمة مخافة أن تحضن. فأما المسلم إذا ارتد بعد دخول الوقت فمن أصحابنا من يلحقه بالعاقل إذا جن ومنهم من لا يلحقه به. وحقيقة المذهب أنا أن قلنا لا يجب عليه القضاء ما تركه قبل الردة فلا قضاء عليه بحال وأن أوجبنا عليه قضاء ما تركه في الردة وقبلها فليس من هؤلاء وأن قلنا بالمشهور أنه يقضي ما تركه قبل دون ما تركه فيها وكانت الردة بعد التمكن من الفعل لزمه القضاء لاستقرار الوجوب في الذمة وأن كانت قبل التمكن فكذلك أيضا على المشهور ففي ظاهر المذهب يجب القضاء على المرتد بكل حال. وتجب الصلاة أيضا بادراك آخر جزء من الوقت فإذا أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء في آخر جزء من وقت صلاة ولو أنه بقدر تكبيرة فعليهما فعلها أداء أن أمكن وألا فقضاء من غير خلاف في المذهب

стр. 203

لأنهما أدركا بعض الوقت على وجه يصح بناء ما بعده عليه فأشبه من أمكنه فعل الجميع في الوقت وكذلك أن بلغ الصبي وعقل المجنون وقلنا لا صلاة عليهما. وإن كان الإدراك في وقت الثانية من المجموعتين وجبت الأولى أيضا لما ذكره الإمام أحمد وغيره عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عباس ﵄ قالا إذا طهرت الحائض قبل مغيب الشمس صلت الظهر والعصر وإذا رأت الطهر قبل أن يطلع الفجر صلت المغرب والعشاء. وروى حرب عن أبي هريرة قال إذا طهرت قبل أن يطلع الفجر صلت المغرب والعشاء وهذا لأن مواقيت الصلاة خمسة في حال الاختيار وثلاثة في حال العذر والضرورة بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ وأن السنة مضت بذلك في حال

стр. 204

العذر حتى جاز أن يصلي الظهر والعصر ما بين الزوال إلى غروب الشمس ويصلي المغرب والعشاء ما بين الغروب إلى طلوع الفجر وهو الجمع بين الصلاتين إذا آخر الأولى بنية الجمع ثم حدث له عذر أخرهما بسببه إلى وقت الضرورة وهذا وقت الضرورة فلذلك كان مدركا للأولى بما أدرك به الثانية. وإن كان الإدراك في وقت الأولى بأن تحيض المرأة في وقت الظهر أو المغرب أو يجن الرجل فهل يجب عليهما قضاء العصر والعشاء على روايتين. إحداهما: يجب القضاء لأن وقتهما واحد. والثانية لا يجب وهي المنصورة عند أصحابنا لأن وقت الأولى إنما يكون وقتا للثانية إذا فعل الأولى فتكون الثانية تابعة لها بخلاف وقت الثانية فإنه يكون وقتا للأولى فعلها أو لم يفعلها. فصل. ومن لم يصل المكتوبة حتى خرج وقتها وهو من أهل فرضها لزمه القضاء على الفور لما روى أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك" متفق

стр. 205

عليه وفي رواية لمسلم: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ وفي لفظ: "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه" رواه مسلم وغيره وعن أبي قتادة في قصة نومهم عن الصلاة أن النبي ﷺ قال: "ليس في النوم تفريط فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها" رواه الجماعة إلا البخاري فأوجب ﷺ القضاء على الفور مع التأخير لعذر فمن التأخير لغير عذر أولى. فإن قيل تخصيص الحكم بالناسي دليل على أن العامد بخلافه وقد قال ابن مسعود ﵁ أن للصلاة وقتا كوقت الحج وهذا يدل على أن لا تفعل في غير الوقت. قلنا إنما خص النائم والناسي إذ لا إثم عليهما في التأخير إلى حين الذكر والانتباه بخلاف العامد فكان تأخيرها عن وقتها من الكبائر ومعنى قول ابن مسعود أنه لا يحل له أن يؤخرها عن وقتها ولا يقبل منه إذا آخرها

стр. 206

كما قال الصديق ﵁ أن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار وحقا بالنهار لا يقبله بالليل وذلك أن الله تعالى أوجب عليه أن يصلي وأن يفعل ذلك في الوقت فالإخلال بالوقت لا يوجب الإخلال بأصل الفعل بل يأتي بالصلاة ويبقى التأخير في ذمته أما أن يعذبه الله أو يتوب عليه أو يغفر له ولم يرد أن الصلاة كالحج من كل وجه فإن الحج لا يفعل في غير وقته سواء أخر لعذر أو لغير عذر والصلاة بخلاف ذلك ومثل هذا ما روي: "أن من افطر يوما من رمضان لم يقض عنه صيام الدهر كله وأن صامه" يعني من أجل تفويت عين ذلك اليوم مع أن القضاء واجب عليه. ويدل على ذلك أن عمر وابن مسعود وغيرهما من السلف جعلوا ترك الصلاة كفرا وتأخيرها عن وقتها إثما ومعصية وفسروا بذلك قوله تعالى: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ فلو كان فعلها بعد الوقت لا يصح بحال كالوقوف بعرفة بعد وقته لكان وجود تلك الصلاة كعدمها وكان المؤخر كافرا كالتارك " وقد اخبر النبي ﷺ عن الأمراء

стр. 207

الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج وقتها وأمر أن يصلي خلفهم" ولو كانت الصلاة فاسدة لم تصح الصلاة خلفهم كالمصلي بغير وضوء. ويجوز تأخير القضاء شيئا يسيرا لغرض صالح مثل اختيار بقعة على بقعة وانتظار جماعة يكثر بهم جمع الصلاة بل يستحب له إذا نام عنها في موضع أن ينتقل عنه إلى غيره للقضاء نص عليه واختاره بعض أصحابنا إذا نام عنها في منزل في السفر وذلك كما فعل النبي ﷺ لما فاتته صلاة الفجر في السفر وقال: "هذا منزل حضرنا فيه الشيطان". لأن الصلاة في مظان الشياطين كالحمام والحش لا تجوز فالتي عرض الشيطان فيها أحسن أحوالها أن يستحب ترك الصلاة فيها. ولا يجب عليه القضاء أكثر من مرة واحدة لأن النبي ﷺ لم يقض يوم الخندق ويوم نام عن الفجر أكثر من مرة واحدة وقد احتج أحمد على ذلك بما رواه في المسند بإسناد جيد عن عمران بن حصين قال: "ثم أمر بلالا فأذن ثم صلى الركعتين قبل الفجر ثم أقام فصلينا

стр. 208

فقالوا يا رسول الله إلا نعيدها في وقتها من الغد فقال: "أينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم" وهذا لأن الواجب في الذمة صلاة واحدة فلو أمر بصلاتين لكان ربا. فإن قيل ففي حديث أبي قتادة عن النبي ﷺ : "أما أنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" رواه أحمد ومسلم وفي رواية ابن ماجة: "فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها ولوقتها في الغد". قلنا معناه والله أعلم فليصلها حاضرة وأكد الأمر بالمحافظة لئلا يتوهم أن الرخصة لغير المعذور وليتحفظ من تفويت مرة أخرى وقد رواه أبو داودولفظه: "من أدرك معكم في غد صلاة فليقض معها مثلها" وهذا والله أعلم توهم من بعض الرواة بما فهم من المعنى وقد علل البخاري هذه الرواية.

стр. 209

فصل فإن كثرت عليه الفوائت وجب عليه أن يقضيها بحيث لا يشق عليه في نفسه أو أهله أو ماله لأن النبي ﷺ قال: "إذا أمرتكم بأمر فآتوا منه ما استطعتم" فإن خاف في بدنه ضعفا أو مرضا أو انقطاعا عن معيشة أو تضرر أهله أو ضياع ماله بالمداومة على القضاء فرق القضاء بحسب طاقته. وإذا شك في قدر الفوائت فإن لم يعلم كم وجب عليه بأن يقول لم أصل منذ بلغت أو أن صليت بعد بلوغي سنة وهو لا يعلم متى بلغ ثم تركت وجب عليه أن يقضي ما يتيقن وجوبه إذ الأصل براءة ذمته مما زاد على ذلك لكن الأحسن أن يحتاط فيقضي ما يتيقن به براءة ذمته. وإن علم قدر الواجب عليه وشك بقدر ما فاته منه مثل أن يقول بلغت منذ سنة وصليت بعضها وتركت الباقي فإنه يجب عليه أن يقضي حتى يعلم أنه قضى جميع الفوائت لأنه متيقن لوجوب الصلاة عليه شاك في براءة ذمته منها. وكذلك من شك في فعل الصلاة في الوقت أو بعد خروج الوقت وقد أطلق طائفة من أصحابنا فيمن لم يعلم ما عليه في أنه يقضي حتى يتيقن براءة ذمته لان أحمد قال فيمن ضيع الصلاة يعيد حتى لا يشك أنه قد

стр. 210

صلى ما ضيع وقال فيمن فرط في صلاة يوم الظهر ويوم العصر صلوات لا يعرف عينها قال يعيد حتى لا يكون في قلبه شيء وكلام أحمد إنما هو فيمن يتيقن الوجوب كغالب الخلق لما قدمناه. فصل. يجوز أن يقضي الفوائت بسننها الرواتب وبدونها لأنها متأكدة ولهذا يفعلها العبد والأجير لأنها تابعة للصلاة فأشبهت السورة في الأوليين وما زاد على المرة من التسبيح والاستغفار ثم أن كانت كثيرة فالأولى أن يقتصر على الفرائض لأن المبادرة إلى براءة الذمة أولى ولذلك لما قضى النبي ﷺ الأربع يوم الخندق قضاهن متواليات ولم ينقل أنه قضى بينهن شيئا إلا ركعتي الفجر فإن الأولى أن يقضيهما لتأكدهما والوتر أن شاء قضاه وأن شاء لم يقضه وأن كانت الصلاة أو صلاتين فالأولى أن يقضي كما فعل النبي ﷺ يوم فاتته الصبح فإنه قضاها بسنتها وكذا ينبغي أن يجوز له الاشتغال بالسنن المؤكدة كسننن الحاضرة وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح قبل الفوائت وأن كان الأولى المبادرة إلى الفرائض.

стр. 211

فأما غير الرواتب من النوافل المطلقة فلا يجوز أن يشتغل بها عنه قضاء الفوائت. وهل تنعقد على روايتين مومئ إليهما. إحداهما: تنعقد قال الآمدي وهو ظاهر المذهب لأن النهي عنه لمعنى في غيره ولهذا تكمل فريضة العبد يوم القيامة من تنفلاته. والثانية: لا يصح لأن النهي يقتضي الفساد وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في وصيته لعمر واعلم أن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة وذكره الإمام أحمد في الرسالة فقال وقد جاء الحديث لا يقبل الله النافلة حتى تؤدى الفريضة وكذلك كل نافلة تشغل عن فريضة كالنفل بعد الشروع فيه بعد إقامة الصلاة والتنفل بعد ضيق وقت الحاضرة. فأما ما كان النهي عنه لمعنى في الوقت كالنافلة عند الطلوع والغروب فلا تنعقد النية وقد روي ما يدل على انعقادها كما يذكر أن شاء الله تعالى في موضعه.

стр. 212

فصل. ويجب الترتيب بين الفوائت وبين الحاضرة والفوائت لما روى ابن مسعود ﵁: "إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء" رواه أحمد والنسائي والترمذي ولأحمد والنسائي مثله من حديث أبي سعيد إلا أن النسائي لم يذكر المغرب لكنه قد صح من حديث جابر: "وفعله ﷺ للصلوات يقتضي الوجوب لأنه خرج بيانا وامتثالا للأمر والفعل إذا خرج امتثالا كان حكمه حكم الأمر وعن أبي جمعة بن سباع: "أن النبي ﷺ عام الأحزاب صلى المغرب فلما خرج قال هل علم أحد منكم إني صليت العصر قالوا يا رسول الله ما صليتها فأمر

стр. 213

بالمؤذن فأقام فصلى العصر ثم صلى المغرب" رواه أحمد وهذا صريح بالإعادة إذا اخل بالترتيب وهذا الحديث فيه ضعف إلا أنه يقويه أن النبي ﷺ يومئذ لم يصل المغرب إلا بعد هوي من الليل وبعيد أن يكون نسيها إلى ذلك الوقت فإن وقت المغرب ضيق ولأنه قد قال ﷺ : " صلوا كما رأيتموني اصلي" على أن كثيرا من أصحابنا يجعل الأصل في جميع أفعاله الوجوب وهو إحدى الروايتين. ولأن الفائتة يجب قضاؤها على الفور لما تقدم والحاضرة يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت فوجب الابتداء بما يجب على الفور كسائر الواجبات ولأن الفائتة الأولى استقرت في ذمته وخوطب بقضائها إذا أدركها قبل الثانية فإذا آخرها عن وقت الذكر إثم بذلك. وأما الثانية فإنما يجب عليه فعلها بعد الأولى إذ لا يكلف فعلهما معا. فإن قيل هذا يقتضي وجوب الابتداء أما عدم الصحة فلا يلزم كما لو آخر الواحدة عن حين ذكره. قلنا يتوجه أن يخرج في انعقاد الثانية قبل الأولى ما خرج في انعقاد

стр. 214

النفل المطلق قبلها وأولى إذ النهي عنها بالمعنى في غيرها وإنما المذهب أنها لا تصح لأن هذا الترتيب مستحق في الصلاة فلم ينعقد مع الإخلال به كترتيب السجود على الركوع ولأنهما صلاتان مكتوبتان فوجب الترتيب بينهما كالمجموعتين ولأنه إذا فعل الثانية قبل الأولى فقد فعلها قبل وقت وجوبها فلم تجزه كما لو صلى الحاضرة قبل وقتها بخلاف النافلة فإنها لا تختص بوقت ولأن الفرائض من جنس واحد مختلف فوجب الترتيب بينها بخلاف النفل ولهذا يجوز له أن يتنفل قبل المجموعتين وليس ببعض بدليل أن المغرب وتر النهار وأن الصلاة الأخرى وتر الليل فإذا قدم بعضها على بعض خرجت الصلوات عن نظمها. وسواء قلت الفوائت أو كثرت لما ذكر. فان نسي الترتيب مثل أن يصلي الظهر ثم يذكر أنه لم يصل الفجر أو أنه صلاها بغير طهارة سقط الترتيب عنه في ظاهر المذهب. وحكي عنه لا يسقط لأنه ترتيب مستحق فلم يسقط بالنسيان كترتيب السجود على الركوع وترتيب ثانيتي الجمع على أولهما وترتيب أعضاء الوضوء ولحديث أبي جمعة المتقدم.

стр. 215

ووجه الأول أن النبي ﷺ قال: "فليصلها إذا ذكرها" مع علمه أنه قد لا يذكرها إلا بعد عدة صلوات ولم يفصل ولأن المنسية لا يخاطب بأدائها إلا حين ذكرها وذلك هو الوقت المأمور بفعلها فيه والمذكورة يخاطب بها حيث الذكر فلا يجوز أن يبطل ما وجب فعله وهذا بخلاف ترتيب الأركان والوضوء فإن الأول شرط في صحة الثاني وهو مرتبط به بحيث لا يصح إلا بصحته ولا يفسد إلا بفساده فلا يصح أن يتأخر عنه وصلاتا الجمع لا يكاد يعرض فيهما نسيان بخلاف الفوائت. وأما الجاهل بوجوب الترتيب إذا بدأ بالحاضرة ثم بالفائتة ثم صلى بعد ذلك ثم علم فيجزيه ما صلى بعد الفائتة لأنه صلى معتقدا أن لا صلاة عليه وأما ما صلى قبلها فيعيده لأنه صلاة في غير موضعه ويتوجه أن يكون الجهل كالنسيان. فان ذكر الفائتة في الحاضرة فالمشهور عنه أن الترتيب لا يسقط. وعنه يسقط عن المأموم خاصة فيتم الحاضرة ثم يقضي الفائتة فقط لأن الجماعة واجبة للحاضرة وقد دخل وقتها فلا يجوز تفويتها بخلاف الإمام والمنفرد فإنه يمكنهما القطع من غير تفويت شيء.
следующие страницы →