Полный текст (587 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فأما غير الرواتب من النوافل المطلقة فلا يجوز أن يشتغل بها عنه قضاء الفوائت.
وهل تنعقد على روايتين مومئ إليهما.
إحداهما: تنعقد قال الآمدي وهو ظاهر المذهب لأن النهي عنه لمعنى في غيره ولهذا تكمل فريضة العبد يوم القيامة من تنفلاته.
والثانية: لا يصح لأن النهي يقتضي الفساد وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في وصيته لعمر واعلم أن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة وذكره الإمام أحمد في الرسالة فقال وقد جاء الحديث لا يقبل الله النافلة حتى تؤدى الفريضة وكذلك كل نافلة تشغل عن فريضة كالنفل بعد الشروع فيه بعد إقامة الصلاة والتنفل بعد ضيق وقت الحاضرة.
فأما ما كان النهي عنه لمعنى في الوقت كالنافلة عند الطلوع والغروب فلا تنعقد النية وقد روي ما يدل على انعقادها كما يذكر أن شاء الله تعالى في موضعه.
стр. 212
فصل.
ويجب الترتيب بين الفوائت وبين الحاضرة والفوائت لما روى ابن مسعود ﵁: "إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء" رواه أحمد والنسائي والترمذي ولأحمد والنسائي مثله من حديث أبي سعيد إلا أن النسائي لم يذكر المغرب لكنه قد صح من حديث جابر: "وفعله ﷺ للصلوات يقتضي الوجوب لأنه خرج بيانا وامتثالا للأمر والفعل إذا خرج امتثالا كان حكمه حكم الأمر وعن أبي جمعة بن سباع: "أن النبي ﷺ عام الأحزاب صلى المغرب فلما خرج قال هل علم أحد منكم إني صليت العصر قالوا يا رسول الله ما صليتها فأمر
стр. 213
بالمؤذن فأقام فصلى العصر ثم صلى المغرب" رواه أحمد وهذا صريح بالإعادة إذا اخل بالترتيب وهذا الحديث فيه ضعف إلا أنه يقويه أن النبي ﷺ يومئذ لم يصل المغرب إلا بعد هوي من الليل وبعيد أن يكون نسيها إلى ذلك الوقت فإن وقت المغرب ضيق ولأنه قد قال ﷺ : " صلوا كما رأيتموني اصلي" على أن كثيرا من أصحابنا يجعل الأصل في جميع أفعاله الوجوب وهو إحدى الروايتين.
ولأن الفائتة يجب قضاؤها على الفور لما تقدم والحاضرة يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت فوجب الابتداء بما يجب على الفور كسائر الواجبات ولأن الفائتة الأولى استقرت في ذمته وخوطب بقضائها إذا أدركها قبل الثانية فإذا آخرها عن وقت الذكر إثم بذلك.
وأما الثانية فإنما يجب عليه فعلها بعد الأولى إذ لا يكلف فعلهما معا.
فإن قيل هذا يقتضي وجوب الابتداء أما عدم الصحة فلا يلزم كما لو آخر الواحدة عن حين ذكره.
قلنا يتوجه أن يخرج في انعقاد الثانية قبل الأولى ما خرج في انعقاد
стр. 214
النفل المطلق قبلها وأولى إذ النهي عنها بالمعنى في غيرها وإنما المذهب أنها لا تصح لأن هذا الترتيب مستحق في الصلاة فلم ينعقد مع الإخلال به كترتيب السجود على الركوع ولأنهما صلاتان مكتوبتان فوجب الترتيب بينهما كالمجموعتين ولأنه إذا فعل الثانية قبل الأولى فقد فعلها قبل وقت وجوبها فلم تجزه كما لو صلى الحاضرة قبل وقتها بخلاف النافلة فإنها لا تختص بوقت ولأن الفرائض من جنس واحد مختلف فوجب الترتيب بينها بخلاف النفل ولهذا يجوز له أن يتنفل قبل المجموعتين وليس ببعض بدليل أن المغرب وتر النهار وأن الصلاة الأخرى وتر الليل فإذا قدم بعضها على بعض خرجت الصلوات عن نظمها.
وسواء قلت الفوائت أو كثرت لما ذكر.
فان نسي الترتيب مثل أن يصلي الظهر ثم يذكر أنه لم يصل الفجر أو أنه صلاها بغير طهارة سقط الترتيب عنه في ظاهر المذهب.
وحكي عنه لا يسقط لأنه ترتيب مستحق فلم يسقط بالنسيان كترتيب السجود على الركوع وترتيب ثانيتي الجمع على أولهما وترتيب أعضاء الوضوء ولحديث أبي جمعة المتقدم.
стр. 215
ووجه الأول أن النبي ﷺ قال: "فليصلها إذا ذكرها" مع علمه أنه قد لا يذكرها إلا بعد عدة صلوات ولم يفصل ولأن المنسية لا يخاطب بأدائها إلا حين ذكرها وذلك هو الوقت المأمور بفعلها فيه والمذكورة يخاطب بها حيث الذكر فلا يجوز أن يبطل ما وجب فعله وهذا بخلاف ترتيب الأركان والوضوء فإن الأول شرط في صحة الثاني وهو مرتبط به بحيث لا يصح إلا بصحته ولا يفسد إلا بفساده فلا يصح أن يتأخر عنه وصلاتا الجمع لا يكاد يعرض فيهما نسيان بخلاف الفوائت.
وأما الجاهل بوجوب الترتيب إذا بدأ بالحاضرة ثم بالفائتة ثم صلى بعد ذلك ثم علم فيجزيه ما صلى بعد الفائتة لأنه صلى معتقدا أن لا صلاة عليه وأما ما صلى قبلها فيعيده لأنه صلاة في غير موضعه ويتوجه أن يكون الجهل كالنسيان.
فان ذكر الفائتة في الحاضرة فالمشهور عنه أن الترتيب لا يسقط.
وعنه يسقط عن المأموم خاصة فيتم الحاضرة ثم يقضي الفائتة فقط لأن الجماعة واجبة للحاضرة وقد دخل وقتها فلا يجوز تفويتها بخلاف الإمام والمنفرد فإنه يمكنهما القطع من غير تفويت شيء.
стр. 216
وقيل يسقط مطلقا لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: "إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها وهو في صلاة مكتوبة فليبدأ بالتي هو فيها فإذا فرغ منها صلى التي نسي" رواه الدارقطني فأمر بإتمام الحاضرة ولم يأمر بإعادتها ولأن الحاضرة بالشروع فيها صارت على الفور وتعين إتمامها فأشبه ما لو ضاق وقتها.
وعلى المشهور يتمها المأموم ثم يصلي الفائتة ثم يعيده الحاضرة وقد حكي عنه المأموم يقطعها كالمنفرد.
والأول هو الذي نقله عنه الجماعة لما روى أبو يعلى الموصلي وأبو بكر والدارقطني عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها وهو مع الإمام فليصل مع الإمام فإذا فرغ فليصل الصلاة التي نسي ثم ليعد صلاته التي صلى مع الإمام" والمشهور أنه عن ابن عمر موقوفا ولأنه حين ذكر الفائتة صار ذلك وقتها فوجب فعلها فيه ولم يصح أ , يصلي فيه غيرها كما لو ذكر قبل الشروع لكن
стр. 217
بدخوله مع الإمام صار ملتزما لصلاة فسن تأخيرها إلى انقضاء صلاته كما لو آخرها لسنة راتبة وأولى.
وأما الإمام فإنه يقطعها قال في رواية حرب ينصرف هو ويستأنف القوم الصلاة قال أبو بكر لم ينقلها غيره وبنى أبو بكر ذلك على جواز الاستخلاف وجوز ائتمام المتنفل بالمفترض ومن أصحابنا من حكى في اتمام الإمام إياها روايتين ومنهم من قال صارت نافلة والمأمومون خلفه مفترضون ولا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل ومن جوزه صحح إتمام الإمام إياها وائتمامهم به فيها وعلى المنصوص قال القاضي يتمها نفلا ثم يقضي الفائتة ثم يصلي الحاضرة وقال الآمدي وأكثر الأصحاب عليه أن يقطعها فإن أتمها فوجهان.
أحدهما: تبطل لأن بقاء الفرض في ذمته يمنع صحة غيره كالمنفرد بخلاف المأموم فإنها صحت تبعا.
والثاني: يتمها نفلا.
ثم بإئتمامهم به فيها وجهان وهذه الطريقة أصح وأشبه بالنص.
стр. 218
وأما المنفرد فهل يقطعها أو يتمها على روايتين.
إحداهما: يتمها وهي اختيار أبي بكر قال الآمدي وهي أصح لأن الشروع يؤكد الإتمام كالسنن الرواتب.
والثانية: يقطعها لأنها نافلة فلا يشتغل بها عن الفرض كالنفل المبتدأ.
وإذا قلنا يقطعها فأتمها فهو جائز نص عليه وكذلك أن قلنا يتمها فقطعها جاز نص عليه لأنه تطوع والتطوع لا يلزم بالشروع وقد نص أحمد على التخيير بين الأمرين ومقتضى ما ذكره بعض أصحابنا أنه يلزمه الإتمام حيث يؤمر به ولنا في الصلاة النافلة هل تلزم الشروع روايتان لكن هنا دخل فيها يعتقد أنها عليه فبان أنها ليست عليه فإلزامه بالإتمام بعيد.
فصل.
فان ضاق الوقت عن فعل الفائتة والحاضرة سقط الترتيب في إحدى الروايتين.
وفي الأخرى لا يسقط اختارها الخلال وصاحبه لأن النبي ﷺ قال:
стр. 219
"فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها" فجعل وقت الذكر وقت الفائتة فلا يجوز أن يصلي فيه غيرها ولأن الصلاة في الوقت فرض وليس بشرط والترتيب فرض مشترط فكانت مراعاته أولى وقد روي في الحديث لا صلاة لمن عليه صلاة لكنه لا يعرف له أصل فعلى هذا يشتغل بقضاء الفوائت متواليات حسب الطاقة والإمكان وأن فاته عدة من الصلوات ثم يصليهن إذا جاءت نوبتهن.
ووجه الأولى وهي الصحيحة عند أكثر أصحابنا أن الوقت وقت الحاضرة فلا يجوز أن تؤخر عنه كسائر المواضع وكما لا يجوز تأخير صوم رمضان لقضاء الزمان الماضي ولأن في ذلك تفويت الصلاتين ولأن الصلاة الحاضرة في وقتها فرض" متفق عليه معلوم قطعا والترتيب مما ساغ فيه الخلاف ولأن تأخير الفائتة لسنة راتبة نوع مصلحة جائز وتأخير الحاضرة عن وقتها لمثل ذلك لا يجوز وقال القاضي المسألة: (رواية واحدة يبدأ بالحاضرة وذكر عن أحمد ما يدل على أن الرواية الأولى مرجوع عنها فيكون في حكايتها مذهبا له الطريقتان المشهورتان.
فان خالف وبدا بالفائتة ففي صحتها وجهان لأنه فعلها على الوجه
стр. 220
المنهي عنه لكن لم يخالف ترتيبا مستحقا كما قلنا فيما إذا صلى قبلها نافلة.
وعلى هذا يجب عليه أن يشتغل بقضاء الفوائت إذا كثرت حتى يضيق وقت الحاضرة لأن الابتداء بالفوائت واجب والصلاة في أول الوقت سنة هذا أشهر الروايتين.
وعنه يجوز أن يصليها في أول الوقت إذا لم يتسع الوقت لفعلها مع الفوائت اختارها أبو حفص العكبري وصاحب الكتاب لأنه لا يمكنه فعل جميع الفوائت قبلها فسقط ترتيبهن عليها كماه لو ضاق الوقت عن فعل الفائتة والحاضرة.
وإذا خاف أن يضيق وقت الحاضرة عن فعلها في وقت الاختيار أو فعل بعضها بحيث لو صلى الفائتة فهو كما لو ضاق عن فعل جميعها فإنه يجب عليه أن يفعلها كلها قبل دخول وقت الضرورة وكذلك لو بقي من وقتها ما لا يتسع إلا لفعل بعض صلاة فإنه يبدأ بالحاضرة لقوله ﵇: "إذا أمرتكم بأمر فآتوا منه ما استطعتم".
فأما الجمعة إذا خشي فوتها مثل أن يذكر الفجر وهو فيها أو عند قيامه إليها ويخشى فوتها أن اشتغل بالقضاء فإنه يصليها رواية واحدة.
стр. 221
ثم أن قلنا أن الترتيب يسقط بضيق الوقت اجزأته كغيرها وأولى لأنها لا تقضي جمعة بحال وأن قلنا لا يسقط فإنه يعيدها ظهرا بعد إعادة الفائتة وقد نص علي الروايتين.
فان كان الذي ذكر هو الإمام فإن ذكر وهو فيها فعنه يتمها فتجزئه ومن خلفه جمعة لان تبطيل جمعتهم أعظم من ضيق الوقت ونسيان الفائتة وعنه لا تجزئه ولا من خلفه كما لو ذكر في غير الجمعة فعلى هذا يعيدون جمعة أن اتسع الوقت وألا فظهرا وقياس ما ذكروه في الجماعة أنه يعتبر اتساع الوقت.
وإن ذكر قبل إحرامه فالأولى أن يستخلف ويشتغل في القضاء ثم أن أدرك معهم ما تدرك به الجمعة وألا صلى ظهرا فإن لم يفعل وصلى بهم فعلى الروايتين.
وقيل إذا جاز له الاستخلاف وأمكنه بعد القضاء أن يدرك معهم ما تدرك به الجمعة لزمه ذلك.
فان ذكر الفائتة في الحاضرة وضاق الوقت عن إتمام الحاضرة وإعادة الفائتة والحاضرة سقط الترتيب أيضا كما لو ضاق عن فعل الحاضرة والفائتة.
وقيل إنما يسقط إذا ضاق عن فعل الفائتة وإعادة الحاضرة لأن إتمام الحاضرة نفل فيجب تركه عند ضيق الوقت عنه.
فأما أن أقيمت الجماعة وخشي فوتها بان لا يطمع في إدراكها ولا
стр. 222
إدراك جماعة أخرى أن اشتغل بالقضاء لم يسقط الترتيب لكن يتابع الإمام في صلاته ثم يقضي ثم يعيد كما لو ذكر في أثنائها.
وعنه يسقط أيضا وهي اختيار أبي حفص لأن الجماعة واجبة فأشبهت الجمعة وأن لم يخش فوتها بان يمكنه القضاء ثم يصلي معهم أو مع غيرهم لم يسقط الترتيب قولا واحدا.
فصل.
ومن نسي صلاة من يوم وليلة لا يعلم عينها لزمه أن يصلي خمسا ينوي بكل واحدة أنها هي الفائتة قال ابن أبي موسى يصلي خمس صلوات فجرا وظهرا وعصرا ومغربا وعشاء نص عليه.
وعنه ما يدل على أنه يجزيه أن يصلي فجرا ومغربا وأربع ركعات ينوي بها ما فاته بناء على أن نية التعيين لا تجب للمكتوبة.
والأول هو المذهب لأنه قد ثبت في ذمته صلاة وتعيين النية للمكتوبة هل هي فجر أو عصر أو ظهر واجب والتشهد الأخير والتسليم فرض فلا يتحقق براءة ذمته إلا بخمس صلوات على ما قلنا.
стр. 223
فان فاتته من يوم واحد ظهر وصلاة أخرى لا يعلم هل هي الفجر أو المغرب وجب عليه الصلوات الثلاث ويبدأ بالفجر لأنه أن بدا بالظهر لم يتحقق براءة ذمته مما قبلها كمن شك في وقت الظهر هل صلى الفجر أم لا.
فإن نسي ظهرا من يوم وعصرا من يوم آخر لم يجب عليه إلا ظهر وعصر وأن كان قد يفضي إلى الإخلال بالترتيب في الباطن لأن الترتيب يسقط بالنسيان كما لو نسي نفس الفائتة.
ويتحرى بما يبدأ بما يغلب على ظنه أنها السابقة فإن استويا خير لأن ذلك اقرب إلى رعاية الترتيب في إحدى الروايتين.
وفي الأخرى يبدأ بالظهر كصلاتي اليوم الواحد إذ أكثر ما فيه سقوط الترتيب بالنسيان وتخرج أن يلزمه قضاء ثلاث صلوات ظهرا ثم عصرا ثم ظهرا أو عصرا ثم ظهرا ثم عصرا بناء على أن الترتيب لا يسقط بالنسيان ولا يتيقن الترتيب المستحق إلا بذلك قال بعض أصحابنا: وهذا أقيس كما لو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها.
والصواب ما تقدم وقد ذكر الفرق.
فصل.
ومن شك في دخول الوقت فلا يصلي حتى يتيقن دخوله برؤية الشمس ونحوها من معرفة الساعات وحسابها فإن تعذر اليقين لتغيم السماء أو لكونه في مطمورة أو أعمى في برية عمل بالاجتهاد بان يستدل على ذلك بأعمال من قراءة أو صناعة أو نحو ذلك فإن اجتهد وهو قادر
стр. 224
على اليقين لم تصح صلاته كمن صلى بالاجتهاد عند حضور الكعبة أو عمل بالقياس مع وجود النص سواء أخطأ أو أصاب هكذا حرره القاضي وابن عقيل وغيرهما من أصحابنا وأطلق أبو الخطاب وغيره أنه يصلي إذا تيقن أو غلب على ظنه دخوله وعلى كل حال فيستحب له أن يؤخر الصلاة حتى يتيقن دخول الوقت ما لم يخف خروجه ويجوز العمل فيه بغالب الظن إذا لم يمكن العلم هذا قول أصحابنا وقد كان أبو عبد الله ﵀ أحيانا يصلي الفجر في الغيم ثم يتبين له أن الفجر لم يطلع فيعيد كما جاء مثل ذلك عن الصحابة ﵃ وقد روى عنه حنبل لا يصلي حتى لا يشك في الزوال في السفر والحضر وقال في رواية ابن منصور إذا شك في الزوال وهو في السفر فلا حتى لا يشك ولا يستيقن وهذا فيما إذا لم يمكن اليقين كما تقدم وأن حمل على ظاهره فله وجه.
فإن أخبره ثقة عن علم بالوقت قلده كسائر الأمور الدينية وكذلك المؤذن الثقة إذا أذن في الصحو لغير الفجر أو أذن الفجر وكان من عادته أن
стр. 225
لا يؤذن حتى يطلع الفجر وهذا قول أكثر أصحابنا.
وقال القاضي في موضع لا يرجع إلى قول المؤذن ولا غيره حتى يغلب على ظنه دخول الوقت بمرور الزمان ونحوه إلا الأعمى خاصة فإنه يرجع إلى خبر غيره.
والأول أصح لما تقدم عن النبي ﷺ أنه قال: "المؤذن مؤتمن" وغير ذلك من الأحاديث ولأن قبول قول العدل الذي لا يتهم يجوز مع إمكان حذف الواسطة كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يقبل بعضهم الرواية من بعض في حياة رسول الله ﷺ مع إمكان مراجعته.
وإن أخبره ثقة عن اجتهاد ولم يقلده واجتهد كالقبلة فإن أخبره عن علم كالدقائق والساعات أو أذن مؤذن بناء على ذلك أو على إخبار عارف بذلك فهو كالإخبار عن علم.
وإذا سمع الأعمى من يؤذن أو يخبر بالوقت قلده ولم يلزمه أن يسال هل اخبر بذلك عن علم أو اجتهاد لأن الظاهر أنه خبر عن علم.
стр. 226
ومن لا يمكنه الاجتهاد كالمطمور والمستيقظ في يوم غيم لا يدري أي وقت استيقظ يقلد غيره من المجتهدين.
وإن اجتهد ثم تبين أنه صلى في الوقت أو بعده أجزاه ولا يضره وأن كان نواها قضاء فتبينت في الوقت أو نواها أداء فتبينت بعد الوقت لأن الصلاة المنوية هي الواجبة فوصف القضاء والأداء وإنما يقصد به تعيين فرض الوقت.
وإن تيقن أنه صلى قبل الوقت لم يجزه لما صح عن ابن عمر وأبي موسى أنهما صليا يوم غيم صلاة الفجر ثم تبين أنه قبل الوقت فأعادا.
وسواء تبين ذلك في الوقت أو بعد الوقت لأنه فعل العبادة قبل وجوبها فوقعت نفلا ولم يوجد بعد الوجوب ما يبرىء ذمته فبقي في عهده الوجوب وهذا في الفجر والظهر والمغرب ظاهر فأما العصر والعشاء.
وإذا ذكر في أثناء الصلاة أن الوقت لم يدخل لم تبطل صلاته لأن دخول الوقت لا يمنع التنفل بالصلاة وهي قد انعقدت نفلا لأن وصف الفرض إذا الغي بقي مطلق الصلاة ومطلق الصلاة ينصرف إلى النفل وكذلك لو تصدق أو صام يعتقده واجبا فتبين أنه لم يكن عليه فإنه يقع تطوعا.
стр. 227
وقال أبو الحسن الآمدي إذا ذكر في أثناء الصلاة أن الوقت لم يدخل فهل تبطل الصلاة أو تكون نفلا على روايتين مخرجتين على من ذكر فائتة في حاضرة وهو منفرد وكذلك لو أراد أن ينقل الفرض إلى النفل لغرض صحيح وهذا ضعيف لأن ذكر الفائتة كان يمنع الابتداء بهذه الصلاة فلهذا منع استدامتها على هذه الرواية ونقل الفرض إلى النفل إنما منعه من منعه لحرمة الفرض وعدم جواز فسخ نيته وهذا مقصود هنا لأن الابتداء بالنافلة في أول وقت المكتوبة جائز وهذه الصلاة لم تنعقد فرضا قط.
стр. 228
مسألة: (الشرط الثالث: ستر العورة بما لا يصف البشرة).
أما ستر العورة عن أعين الناظرين بما لا يصف البشرة فواجب في الجملة في الصلاة وخارج الصلاة وقد تقدم بعض هذا في باب الغسل.
لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وحفظ الفرج يعم حفظة من مس من لا يحل له مسه بجماع وغير جماع ومن النظر إليه بل قد قال بعض التابعين أنه عنى به هنا النظر لأنه قرنه بغض البصر ولأنه ذكر معه استتار النساء عن رؤية الرجال ولقوله سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ يريد كشف السوءة ونحوه ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أمرنا بِهَا قُلْ أن اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وهذه الآيات كلها تتضمن فرض ستر العورة وذم من يتدين بغير ذلك في حال من الأحوال وقال النبي ﷺ لمعاوية بن حيدة القشيري جد بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك".
стр. 229
قال القوم يكون بعضهم في بعض قال أن استطعت أن لا يرنيها أحد فلا يرنيها" وأمر من كشف فخذه أن يغطيه وقال: "الفخذ عورة" فعلم أن العورة يجب سترها وفرض على داخل الحمام أن لا يدخل إلا بمئزر وهذا كثير تقدم بعضه.
ويجب سترها في الخلوة وغيرها إلا من حاجة وقال القاضي يكره التعري في الخلوة ولا يحرم ومن أصحابنا من يحكيها على روايتين والأول أبين في كلام أحمد وأشبه بظاهر السنة لأن النبي ﷺ قال لمعاوية ابن حيدة: "فالله أحق أن يستحيا منه" لما قال له فإن كان أحدنا خاليا ونهى أن يحتبئ الرجل في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء" وفي
стр. 230
لفظ: "ليس على فرجه منه شيء" رواه الجماعة وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم" رواه الترمذي وعن عتبة بن عبد الرحمن السلمي قال قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجردا تجرد العيرين" رواه ابن ماجة ولأن الله أحق أن يستحيا منه من الناس وكذلك ملائكته وغيرهم من خليقته فتجب السترة في الخلوة كما تجب عن أعين الناس ولهذا وجبت في الصلاة خلوة وليس الاستتار لأجل الاستخفاء من الله تعالى إذ هو سبحانه بصير لا تخفى عليه خافية وإنما ذلك ظن الذين كفروا والذين اخبر الله عنهم بقوله: ﴿أَلا أنهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ إلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ولكن يعني الاستحياء منه مبلغ الجهد كما اخبر الله
стр. 231
تعالى عن آدم وحواء حين بدت سوآتهما أنهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة.
وكما كان أبو بكر الصديق ﵁ يقول أيها الناس استحيوا من الله فإني لأدخل الخلاء فاحني ظهري حياء من ربي وكذلك قال أبو موسى في الاغتسال.
فصل.
وأما التزين للصلاة فأمر زائد على ستر العورة.
والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أنزله الله سبحانه لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراة إلا الحمس ويقولون ثياب عصينا الله فيها لا نطوف فيها إلا الحمس لفضلهم في أنفسهم وهم قريش ومن دان دينها وكان من حصل له ثوب احمسي طاف فيه ومن لم يحصل له ثوب احمسي طاف عريانا فإن طاف في ثوبه حرم عليه فحرم الله ذلك وأمر بأخذ الزينة وهي اللباس ولو كان عباءة وأمر النبي ﷺ أبا بكر أن ينادي بالناس عام حج: "ألا لا يطوفن بالبيت
стр. 232
عريان" متفق عليه وكل محل للسجود فهو مسجد وهذا يدل على أن السترة للصلاة والطواف أمر مقصوده التزين لعبادة الله ولذلك جاء باسم الزينة لا باسم السترة ليبين أن مقصوده أن يتزين العبد لا أن يقتصر على مجرد الاستتار.
وأما السنة فقول النبي ﷺ : "لا يقبل الله الصلاة حائض إلا بخمار".
وقوله: إذا ما اتسع الثوب فتعاطف به على منكبيك ثم صل وإذا ضاق عن ذلك فشد به حقويك ثم صل من غير رداء وغير ذلك من الأحاديث وسنذكر أن شاء الله تعالى بعضها.
وأما الإجماع: فقال أبو بكر ابن المنذر اجمع أهل العلم على أن على المرأة الحرة البالغة أن تخمر رأسها إذا صلت وعلى أنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليها إعادة الصلاة وكذلك حكى غيره الإجماع على اشتراط السترة في الجملة.
стр. 233
وإذا كان مقصود السترة في الصلاة أن يتزين العبد لربه في الصلاة لأنه يناجيه فإنه يجب عليه السترة عن نفسه وعن غيره فلو صلى في قميص واسع الجيب ولم يزره ولا شد وسطه بحيث يرى عورته منه في قيامه أو ركوعه لم تصح صلاته وأن كان يجوز أن يرى عورة نفسه ويمسها لما روى سلمة بن الاكوع قال قلت يا رسول الله إني أكون في الصيد واصلي وليس علي إلا قميص واحد قال: "فزره وأن لم تجد إلا شوكة" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وعن أبي هريرة قال: "نهى النبي ﷺ أن يصلي الرجل حتى يحتزم" رواه أحمد وأبو داود ولذلك وجب أن تستر المرأة رأسها وأن كان يجوز أن تقعد خالية مكشوفة الرأس ولذلك وجب ستر المنكبين كما سيأتي أن شاء الله تعالى فليس كل ما جاز كشفه خارج الصلاة جاز في الصلاة إذ هي أشد وسواء سترها بنفسه أو بغيره مثل أن يكون ذو الجيب الواسع عريض اللحية أو غليظ الرقبة لا يرى عورته من جيبه لذلك أو يضع يده على خرق في السترة يستره بيده لأن المقصود السترة وقد حصل.
стр. 234
مسألة: (وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة).
في هذا الكلام فصول.
أحدها: أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة وهذا أشهر الروايتين والأخرى أنها القبل والدبر لأن ذلك هو مفهوم من قوله تعالى: ﴿لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾.
وفي قوله: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ ولما روى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: "إن النبي ﷺ يوم خيبر حسر الإزار عن فخذه قال حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ النبي ﷺ " رواه أحمد والبخاري وكذلك روي عنه من حديث عائشة وحفصة ﵄: "إن أبا بكر وعمر ﵄ دخلا عليه وهو كاشف عن فخذه فلم يغطها فلما دخل عثمان غطاها وقال إلا استحي من رجل والله أن الملائكة لتستحي منه" رواه احمد.
ووجه الأول ما روى جرهد الاسلمي قال مر رسول الله ﷺ وعلي
стр. 235
بردة وقد انكشف فخذي فقال: "غط فخذك فإن الفخذ عورة" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن وعن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" رواه أبو داود وابن ماجة وعن ابن عباس قال: " مر رسول الله ﷺ على رجل وفخذه خارجة فقال غط فخذك فإن فخذ الرجل من عورته" رواه أحمد وروى الترمذي قوله الفخذ عورة وقال حديث حسن غريب وروي ذلك من وجوه أخرى يشد بعضها بعضا ولأن ستر العورة إنما وجب لما في كشفها من الفحش والقبح وهذا يشترك فيه الفخذ وغيره ولأن ما حول السوءتين من حريمهما وستره تمام سترهما والمجاورة لها تأثير في مثل ذلك فوجب أن يعطى حكمهما.
وما نقل من كشف فخذه فهو والله أعلم أما أن يكون منسوخا لأن أحاديثنا ناقلة حاظرة أو يكون حصل بغير قصد أو يكون المكشوف أوائل الفخذ من جهة الركبة وفوق ذلك بقليل فإن الركبة والسرة ليستا من العورة
стр. 236
وكذلك ما دون السرة بقليل وفوق الركبة بقليل نص عليه في مواضع.
وحكي عنه أنهما من العورة لأنهما تمام الحد ولا يحصل تمام السترة إلا بهما فوجب سترهما كما وجب غسل جزء من الرأس وإمساك جزء من الليل.
والأول أصح لأن العمدة في ذلك على أحاديث الفخذ وهي لا تتناول الركبة والسرة وقد روى الدارقطني عن أيوب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "اسفل السرة وفوق الركبتين من العورة" وعن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "ما بين السرة والركبة عورة" وهذا صريح بأنهما ليستا من العورة وقوله هما تمام الحد غير مسلم بل إذا نزل عن السرة قليلا وصعد عن الركبة قليلا جاز نص عليه لأن عادة الصحابة والعرب في زمانه ﷺ كانت الاكتفاء بالمآزر والعادة انحطاطها عن السرة وقد ذكر الإمام أحمد عن ابن عمر أنه: "كان يشد إزاره
стр. 237
تحت السرة".
وسواء في ذلك الحر والعبد لعموم الأدلة.
فصل الثاني.
في عورة المرأة الحرة البالغة وجميعها عورة يجب عليها ستر بدنها في الصلاة إلا الوجه وفي الكفين روايتان وذلك لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن وعن أم سلمة ﵄ أنها قالت: "إذا تنكشف أقدامهن قال فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه" رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وعن ابن عمر أن نساء النبي ﷺ سألنه عن الذيل فقال: "اجعلنه شبرا فقلن أن شبرا لا يستر من عورة فقال اجعلنه ذراعا" فكانت إحداهن إذا أرادت أن تتخذ ذراعا أرخت ذراعا فجعلته ذيلا" رواه أحمد وعن أم
стр. 238
سلمة: "أنها سألت النبي ﷺ اتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار قال: "إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها" رواه أبو داود والدارقطني والمشهور أنه موقوف على أم سلمة إلا أنه في حكم المرفوع لأنها زوج النبي ﷺ ولا يجوز أن يخفى عليها مثل هذا من أمر النبي ﷺ وهي مبتلاة بهذا الأمر ولا يجوز أن تفتي بخلاف ما تعلم منه ﷺ .
وتبث بهذه الأحاديث أن قدميها ورأسها عورة يجب سترها في الصلاة فسائر بدنها أولى.
وأما الوجه فلا تستره في الصلاة إجماعا.
وأما الكفان إلى الرسغين ففيهما روايتان.
إحداهما: أنهما ليستا من العورة التي يجب سترها في الصلاة كما اختاره الشيخ ﵀ وطائفة من أصحابنا لقوله سبحانه: ﴿وَلا يُبْدِينَ
стр. 239
زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس هو الوجه والكفان وهو كما قال لأن الوجه والكفين يظهران منها في عموم الأحوال ولا يمكنها سترهما مع العمل المعتاد ولأنه قال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فأمرهن بإرخاء الخمر على الجيوب لستر أعناقهن وصدورهن فلو كان ستر الوجه واليدين واجبا لأمر كما أمر بستر الأعناق.
وعن أسماء رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: "إذا بلغت المرأة المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه" رواه أبو داود وذكره الإمام أحمد وقال فلا تكشف إلا وجهها ويدها ولأنه أذن للنساء في إطالة الذيول وفي حديث أمر سلمة أنها تصلي في درع سابغ ولم تذكر طول الكم بأمر ولا اشتراط فدل على أنه غير مشترط وأن الصلاة تجوز معه وأن لم يكن سابغا ولأن الكف لا يجوز أن تغطيه في الإحرام بلباس مصنوع على قدر فلم يكن من العورة كالوجه وعكسه القدمان ولأنها تحتاج إلى كشفه غالبا فأشبه الوجه ولأن مباشرة المصلي باليدين مسنون كالوجه لأن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه خفضا ورفعا فإذا لم يكن سترهما مكروها فلا أقل من أن لا يكون واجبا.
стр. 240
ومن نصر هذه الرواية فله أن يبني ذلك على أن الوجه والكفين ليسا بعورة مطلقا بل يجوز النظر إليهما لغير شهوة.
وله أن يقول وأن كان في باب النظر فلا يلزم أن يسترا في الصلاة كالوجه وكالأمة الحسناء ونحو ذلك مما يجب ستره عن الأجانب ولا يجب ستره في الصلاة.
والثانية: هما عورة وهي اختيار الخرقي وكثير من أصحابنا لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال عبد الله بن مسعود الزينة الظاهرة الثياب وذلك لأن الزينة في الأصل اسم للباس والحلية بدليل قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ وقوله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ وقوله ﵎: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ وإنما يعلم بضرب الرجل الخلخال ونحوه من الحلية واللباس وقد نهاهن الله عن إبداء الزينة إلا ما ظهر منها وأباح لهن إبداء الزينة الخفية لذوي المحارم ومعلوم أن الزينة التي تظهر في عموم الأحوال بغير اختيار المرأة هي الثياب فأما البدن فيمكنها أن تظهره ويمكنها أن تستره ونسبة الظهور إلى الزينة دليل على
стр. 241
أنها تظهر بغير فعل المرأة وهذا كله دليل على أن الذي ظهر من الزينة الثياب.
قال أحمد الزينة الظاهرة الثياب وقال كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها وقد روي في حديث المرأة عورة وهذا يعم جميعها ولأن الكفين لا يكره سترهما في الصلاة فكانا من العورة كالقدمين ولقد كان القياس يقتضي أن يكون الوجه عورة لولا أن الحاجة داعية إلى كشفه في الصلاة بخلاف الكفين ولذلك اختلفت عبارة أصحابنا هل يسمى عورة أو لا فقال بعضهم: ليس بعورة وقال بعضهم: هو عورة وإنما رخص في كشفه في الصلاة للحاجة.
والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذ لم يجز النظر إليه.
وقال الآمدي من أصحابنا من قال هو على الروايتين في اليدين ومنهم من قال ليس بعورة رواية واحدة وهو الصحيح وهذا الخلاف الذي حكاه هو عورة في الجملة وأما صحة الصلاة مع كشفه فلا خلاف بين المسلمين بل يكره للمرأة ستره في الصلاة كما يكره للرجل حيث
стр. 242
يمنع من إكمال السجود ومن تحقيق القراءة على ما يأتي أن شاء الله ذكره اللهم إلا أن تكون بين رجال أجانب وربما يذكر هذا أن شاء الله تعالى في غير هذا الموضع.
فأما المرأة المراهقة فعورتها كعورة الأمة ما لا يظهر غالبا لأن قوله ﵇: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" يدل بتعليله ومفهومه على أن غير الحائض بخلاف ذلك وكذلك قوله في حديث أسماء: "إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا" دليل على انتفاء ذلك قبل بلوغ المحيض وعن عائشة ﵂ قالت: "دخل علي رسول الله ﷺ وكانت في حجري جارية فألقى علي حقوه فقال شقه بين هذه وبين الفتاة التي في حجر أم سلمة فإني لا أراها إلا قد حاضت أو لا أراهما إلا قد حاضتا" رواه أحمد وأبو داود.
والخنثى المشكل كالرجل في أشهر الوجهين لان الأصل براءة ذمته مما زاد على ذلك.
وفي الآخر هو كالمرأة لأنه لا يتبين براءة ذمته إلا بذلك وبكل حال فالمستحب له أن يستتر كالمرأة احتياطا.
стр. 243
الفصل الثالث: في عورة الأمة.
ولا يختلف المذهب أن رأسها مع العنق ويديها وقدميها ليس بعورة في الصلاة وقد نص أحمد على ذلك والمراد بذلك يداها إلى المرفقين وقدماها إلى الركبتين في المشهور.
وقال الآمدي القدمان إلى أنصاف الساقين وتسمى هذه الأعضاء ضواحيها لأنها تضحي أي تبرز غالبا وهو بمعنى قول الفقهاء ما يظهر غالبا وينبغي أن يكون المرفق والركبة مما لا يظهر غالبا لأن الحد الذي بين العورة وما ليس بعورة ملحق بالعورة كالحد الذي بين رأس الحرة ووجهها فإن عليها أن تستره لأن ستر الوجه لا يمكن إلا به وقد مضت السنة بالفرق بين الحرة والأمة في باب العورة ويذكر أن شاء الله في موضعه ما يجب أن تستره إذا خيف الافتتان بها ونحو ذلك.
والأصل في ذلك أن الله سبحانه قال: ﴿يَا أيها النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ الآية والجلابيب هي الملاحف التي تعم الرأس والبدن وتسميها العامة الأزر وتسمى الجلباب الملآة ومنه قول النبي ﷺ :
стр. 244
"لتلبسها أختها من جلبابها" أي لتعيرها طرف الجلباب تلتحف به فتلتحف امرأتان بجلباب واحد فاختص الله سبحانه بالأمر بإدناء الجلابيب أزواج النبي ﷺ وبناته ونساء المؤمنين ولم يذكر إماءه ولا إماء المؤمنين ولسن داخلات في نساء المؤمنين بدليل أن قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ وقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وقوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إنما عنى به الأزواج خاصة وإذا لم يكن داخلات في الأمر بالالتحاف بقين على أصل الإباحة لا سيما وتخصيص المذكورات بالحكم يدل على انتفائه فيما سواهن.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنّ﴾ الآية لم تدخل فيه الأمة لأنه لم يستثن سيدها ولأنه قد قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ﴾ وإنما يكون هذا للحرة وهذه كانت سنة المسلمين على عهد رسول الله ﷺ مع علمه بذلك فروى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: "لما أولم النبي ﷺ على صفية قال المسلمون إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه فقالوا أن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين وأن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه فلما ارتحل وطأ لها خلفه ومد الحجاب" متفق عليه فعلم بهذا أن ما ملكت أيمانهم لم
стр. 245
يكونوا يحجبونهن كحجب الحرائر وأن آية الحجاب خاصة بالحرائر دون الإماء وقد روى أبو حفص بإسناده عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب رأى على أمة قناعا فتناولها بردته وقال لا تتبشهي بالحرائر.
وعن أبي قلابة أن عمر بن الخطاب ﵁ كان لا يدع أمة تقنع في خلافته وقال إنما القناع للحرائر وروى الأثرم بإسناده عن علي ﵁ قال تصلي الأمة كما تخرج وهو كما قال علي ﵁ فإن مثل هذا لا يجوز أن يخفى عليه من سنة رسول الله ﷺ وهو ظاهر فإن الأمة إذا كانت تخرج مكشوفة الرأس بان تصح صلاتها هكذا كان أولى وأحرى فإن ما تستره المرأة عن الناس أشد مما تستره في الصلاة ولأنه إذا لم يكن الاختمار واجبا عليها ولا كانت عادة إمائهن ذلك فمعلوم أنهم لم يكونوا وقت الصلاة يضعون لهن خمرا ولا يغيرون لهن هيئة وهذا مما لا نعلم فيه خلافا.
إذا ثبت ذلك فلا يختلف المذهب أيضا أن ما بين السرة إلى الركبة منها عورة.
وقد حكى جماعة من أصحابنا رواية أن عورتها السوءتان فقط كالرواية في عورة الرجل وهو غلط قبيح فاحش على المذهب خصوصا
стр. 246
وعلى الشريعة عموما فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم وكلام أحمد ابعد شيء عن هذا القول وإنما كان يفعل مثل هذا أهل الجاهلية حين كانت المرأة الحرة والأمة تطوف بالبيت وقد سترت قبلها ودبرها تقول.
اليوم يبدو بعضه أو كله.
وما بدا منه فلا احله.
حتى نهى الله تعالى عن ذلك وأمر بأخذ الزينة عند المساجد وسمى فعلهم فاحشة وإنما وقع الوهم فيه من جهة أن بعض أصحابنا قال عورة الأمة كعورة الرجل بعد أن حكى في عورة الرجل الروايتين وإنما قصد أنها مثله في المشهور في المذهب.
ثم اختلف أصحابنا فيما عدا ضواحيها وما بين السرة والركبة وهو الظهر والصدر والمنكب ونحو ذلك هل هو عورة في الصلاة على وجهين.
ومنهم من يحكيه على روايتين لأنه قد أومأ إليهما ومنهم من يقول أن المنصوص عورة.
أحدهما: أنه ليس بعورة كما ذكره الشيخ ﵀ وهو قول أبن حامد وأبي الخطاب وابن عقيل لما روى أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "إذا زوج أحدكم خادمه أو
стр. 247
عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة" والمراد بالخادم الأمة وإذا جاز للسيد النظر إلى ذلك مع أنها حرام عليه لم يكن عورة.
والثاني: هو عورة قاله القاضي في الجامع وابنه أبو الحسين وذكر أنه منصوص أحمد وهو اختيار أبي الحسن الآمدي وهو أشبه بكلام أحمد واصح لأن عليا ﵁ قال تصلي الأمة كما تخرج ومعلوم أنها لا تخرج عارية الصدر والظهر ولأن الفرق بين الحرة والأمة إنما هو في القناع ونحوه كما دلت عليه الآثار ولأنهن كن قبل أن ينزل الحجاب مستويات في ستر الأبدان فلما أمر الحرائر بالاحتجاب والتجلبب بقي الإماء على ما كن عليه.
فأما كشف ما سوى الضواحي فلم يكن عادتهن ولم يأذن لهن في كشفه فلا معنى لإخراجه من العورة ولأن الله تعالى أمر بأخذ الزينة عند كل مسجد وقميص الأمة ورداؤها من زينتها بخلاف الخمار ولأن النبي ﷺ : "نهى الرجل أن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء".
стр. 248
تكميلا للتزين بستر المنكب فكيف يأذن للامة أن تصلي وظهرها وصدرها مكشوف مع العلم بان انكشاف ذلك منها أشد قبحا وتفاحشا من انكشاف منكب الرجل ولأن الأصل أن عورة الأمة كعورة الحرة كما أن عورة العبد كعورة الحر لكن لما كانت مظنة المهنة والخدمة وحرمتها تنقص عن حرمة الحرة رخص لها في إبداء ما تحتاج إلى إبدائه وقطع شبهها بالحرة وتمييز الحرة عليها وذلك يحصل بكشف ضواحيها من رأسها وأطرافها الأربعة فأما الظهر والصدر فباق على الأصل.
والحديث المتقدم لا دليل فيه لأنه لا يلزم من إباحة النظر إليها بالملك أن يكون المنظور ليس بعورة فإن النظر يباح من المالك والمملوك وذوي المحارم إلى أشياء يجب سترها في الصلاة لكن نظر الزوج والسيد المباح لهما الوطء اعم من نظر غيرهما.
فصل.
وسواء في ذلك الأمة المزوجة والمتسراة غير المستولدة والمدبرة والمكاتبة والمعلق عتقها بصفة لأن رقهن باق بحاله وما انعقد لهن من أسباب الحرية ليس بلازم وقد تقدم حديث أنس في صفية بأنه دليل على أن السرية لم تكن تحجب حجب الزوجة هذا قول أكثر أصحابنا
стр. 249
وقال أبو علي بن البناء حكم المكاتبة والمدبرة والمعلق عتقها بصفة حكم أم الولد والمعتق بعضها لأنه قد انعقد لهن سبب الحرية فخرجن عن محض العبودية فرجعن إلى الأصل.
وأما أم الولد فقد نص أحمد على أنها تصلي كما تصلي الحرة لأنه انعقد لها سبب الحرية لازما وينجر لها من أحكام الحرية أنها لا تباع ولا توهب ولا توقف ولا ينقل الملك في رقبتها فصار فيها شائبة الحرية فغلب حكمها لوجهين.
أحدهما: أنه لا يمكن تمييز حق الحرية عن حق العبودية والعمل بمقتضى ما فيها من الحرية واجب وهو لا يمكن إلا بان تكون كالحرة وما لا يتم الواجب إلا به فواجب.
والثاني: أن الأصل أن السترة في الأمة والحرة سواء وإنما ترك ذلك في الأمة المحضة لما فيها من معنى الابتذال والإمتهان وهذا غير مقصود في أم الولد.
ثم اختلف أصحابنا هل هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب على وجهين وذكر القاضي وأبو الخطاب وغيرهما في ذلك روايتين.
إحداهما: أنه على سبيل الاستحباب كما ذكره الشيخ ﵀ وهو اختيار الخرقي وغيره فيكره لها كشف رأسها لكن لا تبطل صلاتها أن صلت مكشوفة لأنها أمة فأشبهت المكاتبة ولأنها مال بدليل أنها تقوّم
стр. 250
بالقيمة إذا قتلت أو ماتت تحت اليد العادية فتكون كسائر الإماء وما فيها من منع التصرف في رقبتها لا يخرجها عن ذلك كالأمة الموقوفة وما فيها من انعقاد سبب الحرية لا يوجب أخذ أحكام الحرية كالمدبرة ولقد ميزت على غيرها لما فيها من شوب الحرائر بكراهة كشف رأسها.
والثاني: على سبيل الوجوب لما تقدم.
وأما المعتق بعضها فهي على هذا الخلاف المذكور إلا أن القول بالوجوب هنا هو القوي عند أصحابنا لأن فيها جزءا حرا فوجب أن يعطى حكم الحرة وذلك لا يمكن إلا بستر جميعها فيجب لأن ما لا يتم الواجب إلا به فواجب ولهذا قلنا فيما لا يمكن تقسيطه من الأحكام مثل الطلاق أنه يكمل فإن المعتق نصفه يطلق ثلاثا لأنه لا يمكن أن يطلق طلقتين وربعا.
следующие страницы →