← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11251

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - من كتاب الصلاة

ابن تيمية

Полный текст (587 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وصحت في أشهر الروايتين. وفي الأخرى لا تصح هكذا حكاهما جماعة. وقال ابن أبي موسى وغيره من بسط على بول لم يجف أو على غائط رطب حصيرا لم تجزه الصلاة فإن كانت الأرض قد جفت من البول فبسط عليه حصيرا وصلى عليه أجزاه قال ولو طين مسجدا بطين فيه تراب قد بالت عليه الحمير الاهلية لم يصل فيه حتى يقلع الطين منه وكذلك لو كبس ارضه بتراب نجس لم يصل فيه حتى يزال ذلك التراب منه وعلى هذا فإنه يفرق بين أن تكون النجاسة متصلة بالمصلى الذي يصلي عليه تابعة له وبين أن تكون منفصلة عنه لكنه ملاقية وهذا أشبه بمنصوص أحمد فإنه قال إذا لم تعلق نجاسة بالثوب يصلي وقال في المسجد المحشو بالقذر لإذا فرش عليه الطوابيق والآجر لا يصلي فيه إلا أن يخرج عنه وذلك لما روى عن ابن سيرين أنه سئل عن المسجد يعني على مكان نجس فقال مر ابن مسعود على قوم يكبسون مسجدهم بروث أو قذر فنهاهم عن ذلك" رواه سعيد. ومن قال بالمنع مطلقا قال لأن المقر شرط لصحة الصلاة فتشرط طهارته كالثوب. ولو كان في السفل نجاسة صحت الصلاة في العلو قولا واحدا من غير

стр. 387

كراهة لأنه ليس بمستقر له بدليل أنه لو كان السفسل مغصوبا والعلو مباحا صحت الصلاة في العلو ولو كان ما تحت البساط المباح والطين المباح مغصوبا لم تصح الصلاة قال بعض أصحابنا: لأن باطن المسجد يجب لا صيانته عن النجاسة كظاهره ولو لم يمنع الصحة لما وجب ذلك كما لو كان المسجد فوق بيت لإنسان فإنه لا يلزمه صونه عن النجاسة ولذلك جوز أحمد بناء المسجد فوق المطهرة. واحتج أصحابنا للاول بما ذكره أحمد عن أبي موسى أنه صلى على الروث والنتن وصلى والبرية إلى جانبه وقال هذا وذاك سواء وفي لفظ" رواه سعيد أنه صلى في سكة المربد على الروث والنتن والبرية إلى جانبه فقيل له لو صليت في البرية فقال هذا وذاك سواء والحجة بهذا مبنية على أنه فرش على ذلك الروث شيئا وصلى عليه والا فقد يكون من روث ما يؤكل لحمه وعلى قول ابن أبي موسى فإنه يؤخذ بهذا وبقول ابن مسعود واحتجوا بأنه قد صح عن النبي ﷺ : "أنه كان يصلي على حماره وهو متوجه إلى خيبر" رواه مسلم وهذا حجة على من يقول بنجاسة الحمار ويسوي بينه وبين الأرض وأما من لم يقل بنجاسة الحمار بين الدواب وغيرها فلا حجة عليه فيه أن صح قوله ذلك وأيضا فإنه لم يحمل النجاسة ولم يلاقها فاشبه من صلى على سرير تحته

стр. 388

نجاسة أو في بقعة طاهرة متصلة بنجاسة وكونه شرطا للصحة من أجل الاستقرار لا يقتضي وجوب طهارته كمحل السرير. وأما باطن المسجد فيصان عن النجاسة كهوائه على أن النبي ﷺ قال: "البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" وكان أصحاب النبي يدفنون القمل في المسجد فعلم أن باطنه ليس كظاهره من كل وجه. ولو صلى على فراش في حشوها وبطانتها نجاسة أو على بساط في باطنه نجاسة لم تنفذ إلى ظاهره أو على طابق طاهر الظاهر نجس الباطن فهو كمن فرش طاهرا على نجس على هذه الطريقة وعلى ما ذكره ابن أبي موسى لا يصلي على هذا المصلى مع الصلاة على المفروش على المكان النجس اليابس. فصل. وإذا صلى على حبل أو منديل في طرفه نجاسة صحت صلاته في المنصوص.

стр. 389

وقال بعض أصحابنا: أن كانت النجاسة تتحرك بحركته لم تصح صلاته لأنه يصير مستتبعا لها. ووجه الأول أنه لم يحمل النجاسة ولم يلاقها ولم يحمل ما يلاقيها فاشبه ما لو صلى في بقعة طاهرة من بيت في جانبه نجاسة. فان كان يحاذيها بصدره إذا ركع أو إذا سجد ولم تلاقها ثيابه صحت أيضا في المشهور. وفي وجه مخرج أنها لا تصح كما لو صلى على مدفن النجاسة على الرواية المتقدمة. ووجه الأول أن ما يحاذي الصدر لا يعتبر استقراره بدليل ما لو كان روزنة أو حفرة بخلاف مساجد الاعضاء السبعة فإن استقرارها معتبر حتى لو وضعها على قطن منتفش ونحوه فلذلك اعتبرت طهارتها واشترطت في رواية. فان كان المنديل أو الحبل متعلقا به في يده أو وسطه أو نحو ذلك بحيث يتبعه إذا مشى المشى لم تصح صلاته سواء تحركت النجاسة بحركته في الصلاة أو لم تتحرك لأن النجاسة إذا انتقلت لانتقاله كان مستصحبا لها وبمنزلة الحامل لها فاشبه ما لو كانت على ذيل قميصه الطويل أو طرف عمامته المحلولة وسواء كان النجس يتبع باختياره كالحيوان من الكلب ونحوه أو ليس له اختيار كالسفيه الصغير والثوب النجس ونحو ذلك فلو

стр. 390

صلى ومقود الكلب بيده لم تصح صلاته وكذلك أن كان بيده مقود بغل أو حمار إذا قلنا هو نجس. ويتوجه الفرق بين ما يتبع بارادته وبين الجامد وعلى المعروف في المذهب لو لم يكن له من يمسك بغله أو حماره ولا يمكن ضبطه إلا بامساكه فينبغي أن يكون بمنزلة العاجز عن إزالت النجاسة لأن اجتناب النجاسة هنا لا يمكن إلا بضياع ماله فلم يجب كما لو يمكنه الذهاب إلى الماء إلا بالخوف على ماله أو كانت عليه نجاسة ولا يمكنه غسلها إلا بالخوف على ماله وأولى. ولو كان الحبل المعلق به واقعا على نجاسة يابسة لم تصح صلاته لأنه حامل لما يلاقي النجاسة فاشبه ما لو القى عليها طرف ثوبه أو كمه. وان كان الحبل مشدودا في شيء لا ينجر بجره ومشيه كحمل ميت أو حيوان نجس لا يتبعه إذا مشى ولا يقدر على جره إذا استعصى عليه كالفيل أو سفينة كبيرة فيها نجاسة أو ظرف كبير مملوء خمرا فإن كان طرف الحبل متصلا بموضع نجس كمسألة الميتة ونحوها لم تصح صلاته وأن لم يكن متصلا بموضع نجس صحت كمسألة السفينة والظرف لأن هذا ليس حاملا للنجاسة ولا مستصحبا لها وإنما هو حامل للحبل فإذا كان ملاقيا للنجاسة كان كما لو لاقاها ثوبه أو كمه بخلاف ما إذا لاقى محلا طاهرا متصلا بنجس. ومن أصحابنا من قال لا فرق بين أن يكون المحل متصلا بوضع

стр. 391

طاهر أو نجس فلا تبطل صلاته فيهما إلا إذا كان ينجر معه لأنه لا يقدر على استتباع النجاسة فلا يضر حمله لما يلاقيها كما لو امسك سفينة عظيمة فيها نجاسة وامسك شجرة على غصنها نجاسة وهذا يوافق قول ابن عقيل. وقال الآمدي إذا كانت النجاسة في مركب فشد حبله إلى وسطه كانت صلاته باطلة ولم يفرق بين أن يستطيع أن يجرها أو لا.

стр. 392

مسألة: (فان صلى وعليه نجاسة لم يكن علم بها أو علمها ثم نسيها فصلاته صحيحة وأن علمها في الصلاة ازالها وبنى على صلاته). هذه احدى الروايتين عن الامام احمد. والرواية الأخرى أنه يعيد صلاته سواء علمها قبل الصلاة ثم نسيها أو لم يعلم بها حتى سلم أو علمها في اثناء الصلاة هذه الطريقة المشهورة وهذه الرواية اختيار كثير من أصحابنا كابن أبي موسى والقاضي وأصحابه. وذكر القاضي في المجرد والآمدي أن الناسي يعيد رواية واحدة لأنه مفرط وقد وجبت عليه الإزالة وإنما الروايتان في الجاهل والروايتان منصوصتان عن أحمد في الجاهل بالنجاسة. فأما الناسي فليس فيه عنه نص فلذلك اختلفت الطريقتان فإن قلنا يعيد مطلقا فلأنها إحدى الطهارتين فلم يسقط بالجهل والنسيان كطهارة الحدث ولأنه شرط من شروط الصلاة فلم يسقط بالجهل والنسيان كاللباس والقبلة وأن قلنا لا يعيد وهي اختيار طائفة من أصحابنا وهي أظهر فلما روى أبو سعيد الخدري: "أن رسول الله ﷺ صلى فخلع نعيله

стр. 393

فخلع الناس نعالهم فلما انصرف قال لم خلعتم قالوا يا رسول الله رايناك خلعت فخلعنا فقال أن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه فلينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما" رواه أحمد وأبو داود واحتج به اسحق بن راهويه وذكر أن النبي ﷺ حين أخبره جبريل ﵇ أن في نعليه قدرا كان راكعا فخلعهما ومضى في صلاته ولو اطيل حملهما بغير علم لاستانف الصلاة ولا يصح أن يقال لعله كان مخاطا أو بصاقا أو نحو ذلك مما لا يبطل الصلاة أو كان يسيرا من دم ونحوه فقد قيل أنه كان دم حلمة لأن الخبث اسم للغائط وكذلك القذر حقيقة في النجاسة. ولأنه لو كانت الصلاة تصح معه لم يخلع نعليه في الصلاة فإنه عبث والعبث في الصلاة مكروه جدا لا سيما وهو راكع وخلع نعليه يحتاج إلى نوع علاج وأيضا فإنه ﷺ قد أمر المصلي أن يبصق في ثوبه إذا لم يجد مكانا يبصق فيه وكانوا إذا وجدوا يسير الدم مضوا في صلاتهم فعلم

стр. 394

إن حمل شيء من البصاق ونحوه وحمل شيء من يسير النجاسة المعفو عن يسيرها لا كراهة فيه ولا يشرع لازالته شيء من العمل وأيضا فقوله في الحديث: "فإن رأى خبثا فليمسحه ثم ليصل فيهما" دليل على أن الصلاة لا تصح مع وجوده وهذا لا يكون إلا في خبث هو نجس ولأن النسيان يجعل الموجود كالمعدوم ويبقى المعدوم على حاله لأن الله سبحانه قد استجاب دعاء نبيه والمؤمنين حيث قالوا: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا أن نَسِينَا أو أَخْطَأْنَا﴾ فإنه قال قد فعلت" رواه مسلم وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " عفي لأمتي عن الخطا والنسيان" فإن ترك المأمور به ناسيا لم

стр. 395

يؤاخذ بالترك ولم تبرا ذمته من عهدة الايجاب لأنه لم يفعله وأن فعل المنهي عنه ناسيا كان كأنه لم يفعله فلا يضره وجوده وحمل النجاسة في الصلاة من باب المنهيات فإذا وقع كان معفوا عنه بخلاف الوضوء والاستقبال والسترة فإنها من باب المأمورات فإذا لم يفعلها بقيت عليه ولهذا لم يفسد الصوم بالأكل ناسيا ومن فرق بين الجاهل والناسي ينتقض عليه بمن ذكر فائتة ثم نسيها حتى صلى الحاضرة فإن حاضرته تصح في ظاهر المذهب. فإن قيل فلو جهل أن النجاسة محرمة في الصلاة. قلنا أن كان ممن يعذر بهذا الجهل فسياتي الكلام فيه أن شاء الله تعالى فعلى هذا أن علم النجاسة في اثناء الصلاة فابتدا الصلاة على الرواية التي توجب فيها الإعادة لأن ما مضى من صلاته كان باطلا. وعلى الأخرى يلقي النجاسة ويتم الصلاة كما فعل النبي ﷺ لأن ما مضى من الصلاة كان صحيحا فأشبه العاري إذا وجد السترة إلا أن تحتاج إزالتها إلى عمل كثير يبطل الصلاة أو زمن طويل فقيل تبطل الصلاة كالعاري إذا وجد السترة بعيدة منه. ويتخرج في الزمن الطويل أن لا تبطل كما قيل في السترة. ويتخرج في العمل الكثير أيضا مثل ذلك كما قلنا فيمن سبقه الحدث وفي العاري والمتيمم والمستحاضة على وجه.

стр. 396

مسألة: (والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها إلا المقبرة والحش والحمام واعطان الإبل). هذا الكلام فيه فصول. الفصل الأول. أن الأرض كلها مسجد لنبينا ولامته ﷺ في الجملة وقد تواطات بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ فروى أبو ذر ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ أي مسجد وضع في الأرض أول قال: "المسجد الحرام قلت: ثم أي قال: المسجد الاقصى قلت: كم بينهما قال: أربعون سنة ثم حيث أدركتك الصلاة فصل فكلها مسجد" متفق عليه وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل حيث أدركته وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وبعثت إلى الناس كافة" متفق عليه. ورواه مسلم من حديث أبي هريرة وقد رواه عدة من الصحابة رضي

стр. 397

الله تعالى عنهم منهم أبو ذر وأبو موسى وابن عباس وغيرهم وعن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده: "أن رسول الله ﷺ عام غزاة تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى وانصرف اليهم قال لهم: "لقد اعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي أما انا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينه مسيرة شهر لملىء مني رعبا واحلت لي الغنائم كلها وكان من قبلي يعظمون اكلها كانوا يحرقونها وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم والخامس: ة هي ما هي قيل لي سل فإن كل نبي قد

стр. 398

سأل فاخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا اله إلا الله" رواه أحمد بإسناد جيد وقد تقدم قوله في حديث حذيفة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وتربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء. الفصل الثاني. في المواضع المستثتاة التي نهى عن الصلاة فيها وقد عد أصحابنا عشرة مواضع المقبرة والمجزرة والمزبلة والحش والحمام وقارعة الطريق واعطان الإبل وظهر الكعبة والموضع المغصوب والموضع النجس. فأما الموضع النجس والمغصوب فقد ذكرنا حكمه. وأما ثلاثة منها فقد تواطأت الأحاديث واستفاضت بالنهي عن الصلاة فيها وهي المقبرة واعطان الإبل والحمام وسائرها جاء فيها من الأحاديث ما هو دون ذلك. اما المقبرة والحمام فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" رواه الخمسة إلا النسائي وإسناده صحيح وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "اجعلوا من

стр. 399

صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبورا" رواه الجماعة وعن أبي مرثد الغنوي قال قال رسول الله ﷺ : "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه وعن جندب بن عبد الله البجلي قال سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وعن ابن عباس وعائشة أن

стр. 400

النبي ﷺ قال: "لما نزل به لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مساجد" وعن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا للنبي ﷺ كنيسة رأينها في الحبشة فيها تصاوير فقال: "أن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شر الخلق عند الله يوم القيامة" متفق على هذه الأحاديث وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها مساجد والسرج" رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ان من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد".

стр. 401

وفي لفظ: "والذين يتخذون قبورهم مساجد" رواه أحمد بإسناد صحيح. والأحاديث في هذ المعنى كثيرة يذكر بعضها أن شاء الله في الجنائز والحج مثل قوله ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور انبيائهم مساجد" وقوله ﵇: "لا تتخذوا قبري عيد"ا. وأما أعطان الإبل فقد تقدم في باب نواقض الوضوء النهي عن الصلاة فيها من حديث جابر بن سمرة وهو في صحيح مسلم وتقدم أيضا حديث البراء بن عازب واسيد بن خضير وذي

стр. 402

الغرة وفي حديث البراء لا تصلوا فيها فإنها من الشياطين وهو حديث صحيح وعن أبي هريرة ﵁ فال قال رسول الله ﷺ : "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل" رواه أحمد والترمذي وصححه وفي رواية لاحمد وابن ماجه إذا لم تجدوا إلا مرابض الغنم ومعاطن الإبل فصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل. وعن عبد الله بن المغفل قال قال رسول الله ﷺ : "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين" رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وفي رواية لأحمد: "إذا حضرت الصلاة وأنتم في

стр. 403

مرابض الغنم فصلوا وإذا حضرت وانتم في أعطان الإبل فلا تصلوا فإنها خلقت من الشياطين" وفي رواية له: "لا تصلوا في عطن الإبل فإنها من الجن خلقت إلا ترون عيونها وهيئتها إذا نفرت". وأما قارعة الطريق فعن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "لا تصلوا على جواد الطريق ولا تنزلوا عليها فإنها ماوى الحيات والسباع ولا تقضوا عليها الحوائج فإنها من الملاعن" رواه أحمد وابن ماجة وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ : "نهى أن يصلي على قارعة الطريق أو يضرب الخلا عليها أو يبال فيها" رواه ابن ماجة. وأما سائرها فروى ابن ماجه من حديث أبي صالح كاتب الليث حدثني الليث حدثني نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: "سبع مواطن لا تجوز الصلاة فيها ظاهر بيت الله

стр. 404

والمقبرة والمزبلة والمجزرة والحمام وعطن الإبل ومحجة الطريق" وعن زيد بن جبيرة عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ : "نهى أن يصلى في سبع مواطن في المجزرة والمزبلة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله" رواه عبد بن حميد وابن ماجة والترمذي وقال ليس اسناده بذلك القوي وقد تكلم في زيد بن جبيرة من حفظه قال وقد روى الليث ابن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ مثله قال وحديث ابن عمر عن النبي ﷺ أشبه واصح من حديث الليث بن سعد وعبد الله بن عمر ضعفه بعض أهل

стр. 405

الحديث من قبل حفظه منهم يحيى بن سعيد القطان. وهذا الكلام لا يوجب رد الحديث لوجهين. أحدهما: أن رواته عدول مرضيون وإنما يخاف على بعضهم من سوء حفظه وذلك إنما يؤثر في رفع موقوف أو وصل مقطوع أو اسناد مرسل أو زيادة كلمة أو نقضصاخرى أو اختلاط حديث بحديث وشبه ذلك مما يؤتى الإنسان فيه من جهة تغير حفظه أما حديث كامل طويل يحدد فيه أشياء ويحصيها جملة وتفصيلا فلا يؤتى الإنسان في مثل هذا من جهة حفظه إلا أن يكون اختلقه ولهذا إنما اختلفت الرواية في كونه عن ابن عمر عن النبي ﷺ أو عن ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ وإلى ذلك أشار الترمذي في كون عبد الله بن عمر تكلم فيه من جهة حفظه لكونه ادخل في اسناده عمر والأحاديث الصحاح المشاهير قد يقع فيها أكثر من هذا على أن رواية ابن ماجه قد صرح فيها بان الليث سمعه من نافع والاسناد إليه صالح إلا أن يكون قد وقع فيه وهم ومن الممكن أن يكون ابن عمر سمعه من ابيه فكان تارة يؤثره عنه وتارة يذكر النبي ﷺ من غير واسطة فإن ابن عمر على خصوصه وغيره من الصحابة لهم من هذا الجنس أحاديث كثيرة. الوجه الثاني: أن علة الحديث إذا كانت من جهة الخوف من سوء حفظ الراوي فإذا كان قد روي من وجهين مختلفين عن رجلين عدلين ادى كل منهما مثل ما ادى الاخر كان ذلك دليلا على أن كلا منهما حفظ ما حدثه ولم يخنه حفظه في هذا الموضوع ولهذا لما خشي النبي ﷺ أن

стр. 406

لا يكون ذو اليدين ضبط ما قاله استشهد بغيره من الحاضرين وكذلك أبو بكر الصديق ﵁ في طلبه شاهدا اخر مع محمد بن مسلمة على ميراث الجدة حتى شهد المغيرة بن شعبة. وعمر ﵁ في طلبه شاهدا مع أبي موسى على حديث الاستئذان لم يكن ذلك خشية أن يكون المحدث كذب فإن مقادير هؤلاء عندهم كانت أجل من أن يتوهم فيهم الكذب وإنما هو خشية النسيان وعدم الضبط فإذا اعتضدت رواية برواية اخرى دل ذلك على الحفظ والضبط وقد قال سبحانه لما أمر باستشهاد امراتين ﴿أَنْ تَضِلَّ إحداهما: فَتُذَكِّرَ إحداهما: الآخْرَى﴾ واخبر النبي ﷺ أن نقص عقلهن اوجب أن يكون شهادة امراتين كشهادة رجل واحد فعلم أن الضلال

стр. 407

الذي هو النسيان ونقص العقل الذي هو عدم الضبط ينجبر بانضمام المثل إلى المثل لا سيما إذا كان المحدث جازما بما حدثه وليس الحديث مما يتوهم دخول الغفلة فيه ولم يعارضه ما يخالفه ولا قامت امارة على عدم حفظه بل قامت الشواهد على صحته أما بنصوص اخرى أو بقياس وقول الترمذي ليس اسناده بذلك قوي لاجل ما تكلم في حفظ زيد بن جبيرة وقد تقدم القول في مثل هذا وذكرنا أن الكلام في الحديث تعليلا وتضعيفا شيء وأن العمل به والاحتجاج به شيء اخر وأن أهل الحديث يريدون بالضعيف كثيرا ما لم يكن قويا صحيحا وأن كانت الحجة توجب العمل به وعبارته إنما تدل على أنه ليس بتام القوة وهذا صحيح لكن إذا انجبر هذا الضعيف بالطريق الأخرى صار بمنزلة القوي هذا كله أن كان بين الليث وبين نافع فيه العمري وأن كان قد سمعه منه فالليث حجة امام. الفصل الثالث: في الصلاة في المواضع المنهي عن الصلاة فيها وفيها روايتان. إحداهما: وهي ظاهر المذهب أنها لا تصح ولا تجوز. والثانية: أنها تكره وتستحب الإعادة ومن أصحابنا من يحكي هذه الرواية بالتحريم مع الصحة ولفظ أحمد فيها هو الكراهة وقد يريد بها تارة التحريم وتارة التنزيه ولذلك اختلفوا في كراهيته المطلقة على

стр. 408

وجهين مشهورين ومن أصحابنا من يقول الروايتان في الجاهل بالنهي كم سيأتي أما أن علم بالنهي لم تصح صلاته رواية واحدة. والصحيح أن في العالم بالنهي خلافا عنه وقد جاء ذلك صريحا عنه. فان قلنا تصح فلعموم الأحاديث الصحيحة بان الأرض كلها مسجد كما تقدم ولو كان ذلك يختلف لبينه لأن تاخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ويحمل على النهي عن هذه المواضع على الكراهة جمعا بينهما ولأن علة النهي في بعضها كونها مظنة النجاسة وفي بعضها كونها محلا للشياطين وأن بها ما يشغل قلب المصلي ويخاف أن يفسد عليه صلاته وذلك أكثر ما يوجب الكراهة ولأنه موضع طاهر لا يحرم المقام فيه فاشبه الاصطبلات. والأول أصح لأن قوله الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام إخراج لها عن أن تكون مسجدا والصلاة لا تصح إلا في مسجد اعني فيما جعله الله لنا مسجدا وهذا خطاب وضع واخبار فيه أن المقبرة والحمام لم يجعلا مسجدا ومحلا للسجود كما بين أن محل السجود هو الأرض الطيبة فإذا لم تكن مسجدا كان السجود واقعا فيها في غير موضعه فلا يكون معتدا به كما لو وقع في غير وقته أو إلى غير جهته أو في أرض خبيثة وهذا الكلام من ابلغ ما يدل على الاشتراط فإنه قد يتوهم أن العبادة تصح مع التحريم

стр. 409

إذا كان الخطاب خطاب أمر وتكليف أما إذا وقعت في المكان أو في الزمان الذي بين أنه ليس محلا لها ولا ظرفا فإنها لا تصح اجماعا وأيضا فإن نهيه عن صلاة المقبرة واعطان الإبل والحمام مرة بعد مرة اوكد شيء في التحريم والفساد لا سيما وهو نهي يختص الصلاة بمعنى في مكانها فإن الرجل إذا صلى في مكان نهاه الله ورسوله أن يصلي فيه نهيا يختص الصلاة لم يفعل ما أمره الله به فيبقى في عهدة الأمر بل قد عصى الله ورسوله وتعدى حدوده. وأيضا لعنته ﷺ من يتخذ القبور مساجد ووصيته بذلك في اخر عمره وهو يعالج سكرات الموت بعد أن نهى عن ذلك قبل موته بخمس وبيانه أن فاعلي ذلك شرار الخلق من هذه الأمة ومن الامم قبلها بيان عظيم لقبح هذا العمل ودلالة على أنه من الكبائر وأنه مقارب للكفر بل ربما كان كفرا صريحا وأيضا فإن قوله لا تجوز الصلاة فيها صريح في التحريم والتحريم يقتضي الفساد خصوصا هنا ولذلك لا يصح أن يقال هنا بالتحريم مع الصحة وأن قلنا به في الدار المغصوبة لأن النهي هناك ليس عن خصوص الصلاة وقد يقال أنه ليس لمعنى في المنهي عنه وهنا النهي عن نفس الصلاة في المكان المخصوص لمعنى في نفس المنهي عنه وأيضا فقوله لا يجوز دليل على أنه لا يجزىء لأن العبادة الجائزة هي الماضية النافذة وضدها الموقوفة المردودة وإذا كانت

стр. 410

الصلاة موقوفة محبوسة مردودة لم تكن مجزية بل قوله لا تجوز ابلغ من قوله لا تجزىء لأن هذا يعم الفرض والنفل وذاك يختص النفل وأيضا فإن الصلاة في المكان النجس فاسدة مع أنه لم ينطق كتاب ولا سنة بانها فاسدة ولا أنها غير مجزئة وإنما فهم المسلمون ذلك من نهي الشارع عن الصلاة فيها وتخصيص الاباحة بالأرض الطيبة فهذه المواضع التي سلبت اسم المسجد وترادفت اقاويل رسول الله ﷺ بالنهي عن الصلاة فيها أولى أن لا تجزئ الصلاة فيها. فإذا قيل أن الصلاة على مكان فيه قطرة بول أو خمر أو في بعض مساقط ثوب المصلي لا تصح اعتمادا على قوله جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا واستنباطا من تخصيصه وتعليله مع أنه فهم حسن وفقه صحيح فما هو ابين منه واصرح من النهي الصريح والاستثناء القاطع مع كونه أصح واشهر وهو عن السلف أظهر وأكثر واولى أن يعتمد عليه فإن هذا كالإجماع من الصحابة قال أنس: "كنت اصلي وبين يدي قبر وانا لا اشعر فناداني عمر القبر القبر فظننت أنه يعني القمر فرفعت راسي إلى السماء فقال رجل إنما يعني القبر فتنحيت عنه" رواه سعيد وابن ماجه وغيرهما وذكره البخاري في صحيحه. وقال علي بن أبي طالب ﵁ لا تصل في حمام أو عند

стр. 411

قبر وقال جابر بن سمرة ﵁: "لا تصل في أعطان الإبل" وكذلك روي عن ابن عمر ﵄ ذكر ذلك ابن حامد وعن ابن عمر وابن عباس كراهة الصلاة في المقبرة وهذا أولى أن يكون صحيحا مما ذكره الخطابي عن ابن عمر أنه: "رخص في الصلاة في المقابر" فلعل ذلك أن صح أراد به صلاة الجنازة وعن علي ﵁ مرفوعا وموقوفا قال: "من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد" رواه عبد الرزاق وعن عبد الله بن عمرو أنه سأله رجل انصلي في مناخ الإبل قال: "لا ولكن صل في مرابض الغنم" رواه مالك وغيره وعن عبد الله بن عمرو قال: "تكره الصلاة إلى حش وفي حمام وفي مقبرة" وقال إبراهيم: "كانوا لا يصلون التطوع فإذا كانوا في جنازة فإن حضرت صلاة مكتوبة تنحوا عن القبور فصلوا" رواهما سعيد وقد قدمنا عن عمر وغيره من الصحابة أنهم نهوا عن قراءة القران في الحمام" فكيف

стр. 412

بالصلاة التي لا بد فيها من القراءة والتي يشترط لها ما لا يشترط لمجرد القراءة. وهذه مقلالات انتشرت ولم يعرف لها مخالف إلا ما روى عن يزيد ابن أبي مالك قال: "كان واثلة بن الأسقع يصلي بنا صلاة الفريضة في المقبرة غير أنه لا يستتر بقبر" رواه سعيد وهذا محمول على أنه تنحى عنها بعض التنحي ولذلك قال لا يستتر بقبر أو لم يبلغه نهي رسول الله ﷺ عن الصلاة فيها فلما سمع النبي ﷺ ينهى عن الصلاة إليها تنحى عنها لأنه هو راوي هذا الحديث ولم يبلغه النهي عن الصلاة فيها عمل بما بلغه دون ما يبلغه. وأما الأحاديث المشهورة في جعل الأرض مسجدا فهي عامة وهذه الأحاديث خاصة وهي تفسر تلك الأحاديث وتبين أن هذه الأمكنة لم تقصد بذلك القول العام ويوضح ذلك أربعة أشياء. أحدها: أن الخاص يقضي على العام والمقيد يفسر المطلق إذا كان الحكم والسبب واحدا والامر هنا كذلك. الثاني: أن قوله جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا بيان لكون جنس الأرض مسجدا له وأن السجود عليها لا يختص بان تكون على صفة مخصوصة كما كان في شرع من قبلنا لكن ذلك لا يمنع أن تعرض للأرض

стр. 413

صفة تمنع السجود عليها فالأرض التي هي عطن أو مقبرة أو حمام هي مسجد لكن اتخاذها لما وجد له مانع عرض لها إخراجها عن حكمها ولو خرجت عن أن تكون حماما أو مقبرة لكانت على حالها وذلك أن اللفظ العام لا يقصد به بيان تفاصيل الموانع كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ وقد علم أن العقد لا بد فيه من عدم الإحرام وعدم العدة ولا بد له من شروط واركان. الثالث: أن هذا اللفظ العام قد خص منه الموضع النجس اعتمادا على تقييده بالطهارة في قوله ﵇ كل: أرض طيبة وتخصيصه بالاستثناء المحقق والنهي الصريح أولى وأحرى. الرابع: أن تلك الأحاديث إنما قصد بها بيان اختصاص نبينا ﷺ وامته بالتوسعة عليهم في مواضع الصلاة دون من قبلنا من الأنبياء وأممهم حيث حظرت عليهم الصلاة إلا في المساجد المبنية للصلاة فذكر ﷺ أصل الخصيصة والمزية ولم يقصد تفصيل الحكم واعتضد ذلك بان هذه الأماكن قليلة بالنسبة إلى سائر الأرض فلما اتفق قلتها وأنه لم يتمحض المقصود لبيان اعيان اماكن الصلاة ترك استثناءها. فأما أحاديث النهي فقصد بها بيان حكم الصلاة في اعيان هذه الاماكن وهذا بين لمن تامله وما ذكروه من تعليل النهي فسنتكلم عليه إن شاء الله.

стр. 414

إذا ثبت ذلك فمن صلى فيها غير عالم بالنهي فهل تجب عليه الإعادة على روايتين شبيهتين بالروايتين بالتوضىء من لحم الإبل لغير العالم وكثير من متأخري أصحابنا ينصرون البطلان مطلقا للعمومات لفظا ومعنى والذي ذكره الخلال أن لا إعادة وهذه أشبه لا سيما على قول من يختار منهم أن من نسي النجاسة أو جهلها لا إعادة فيكون الجهل بالحكم فيها كالجهل بوجود النجاسة إذا كان ممن يعذر ولأن النهي لا يثبت حكمه في حق المنهي حتى يعلم فمن لم يعلم فهو كالناسي واولى ولأنه لو صلى صلاة فاسدة لنوع تاويل مثل أن يمس ذكره أو يلبس جلود السباع ويصلي ثم يتبين له رجحان القول الاخر لم تجب عليه الإعادة مع سمعة للحجة فالذي لم يسمع الحجة يجب أن يعذر لذلك إذ لا فرق بين أن يتجدد له فهم لمعنى لم يكن قبل ذلك أو سماع لعلم لم يكن قبل ذلك إذا كان معذورا بذلك بخلاف من جهل بطلان الصلاة في الموضع النجس فإن هذا مشهور. ولو صلى في موضع لم يعلم أنه مقبرة ثم تبين له أنه مقبرة فهنا ينبغي أن يكون كما لو صلى في موضع نجس لا يعلم بنجاسته ثم علم بعد ذلك وقد تقدم قول عمر لأنس القبر القبر ولم يأمره بالاعادة لأنه لم يكن يعلم أن بين يديه قبرا.

стр. 415

الفصل الرابع: أن أكثر أصحابنا لا يصححون الصلاة في شيء من هذه المواضع ويجعلونها كلها من مواضع النهي ومنهم من لم يعد مواضع النهي إلا أربعة فقط وهي المقبرة والحش والحمام وأعطان الإبل سوى الموضع النجس والمغصوب وهذا هو الذي ذكره الشيخ ﵀ وهو مقتضى كلام الخرقي وغيره لوجهين. أحدهما: أن النهي إنما صح في المقبرة والحمام وأعطان الإبل والحش اسوا حالا منها فالحق بها وسائر الأمكنة مدارها على حديث ابن عمر واسناده ليس بالقوي ولا يعارض عموم الأحاديث الصحيحة لا سيما وقد استثنى في حديث أبي سعيد المقبرة والحمام خاصة دون غيرهما وقال الأرض كلها مسجد. الثاني أن النهي إنما كان لأنها مظنة النجاسة وهذه العلة يمكن الاحتراز عنها غالبا في تلك المواضع فلا تبطل الصلاة مع تيقن اجتناب النجاسة غالبا والأول أظهر لوجهين. أحدهما: الحديث المذكور وقد تقدم الجواب عن تضعيفه لا سيما والحديث الذي يسميه قدماء المحدثين ضعيفا مثل هذا خير من القياس

стр. 416

والمجمل اعني ما ذكر فيه الحكم جملة وأن كان بصيغة العموم وهو احق أن يتبع منه على ما هو مستوفي في مواضعه من اصول الفقه فكيف إذا لم يعارضه إلا عموم ضعيف لكونه مخصوصا بصور كثيرة أو قياس ضعيف ثم أن بعض تلك المواضع قد جاء فيها نصوص اخرى مثل جواد الطريق ومثل ظهر بيت الله الحرام فإن فيه اثارا عن الصحابة. والمزبلة والمجزرة أولى بالمنع من الطريق والحمام فصار ذلك الحديث معتضدا بالآثار التي توافقه وبفحوى الخطاب الذي يطابقه وقوله ﷺ في حديث أبي سعيد: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" يشبه والله أعلم أن يكون إنما استثنى ما على هيئة مخصوصة لا يصلح أن تكون إلا على الوجه المنهي عنه فإن المقبرة والحمام لهما هيئة مخصوصة يتميزان بها عن سائر البقاع واعطان الإبل والمزبلة ونحو ذلك فإنها لا تتميز بنفس هيئة الأرض وإنما تتميز بما يكون فيها. الوجه الثاني: القياس في المسألة وذلك فيه ثلاثة مسالك. أحدها: وهو مسلك كثير من أصحابنا منهم أبو بكر والقاضي وغيرهما أن الحكم ثبت تعبدا يتعلق بنفس الأسماء ومفهومها من غير زيادة ولا نقص وإذا قال بعض الفقهاء هذا الحكم تعبد فله تفسيران:

стр. 417

أحدهما: أن يكون الحكم شرع ابتلاء وامتحانا للعباد ليتميز المطيع عن العاصي ويثاب المطبع على محض الطاعة والانقياد والاسلام كما يعاقب العاصي على محض المعصية والمخالفة وأن لم يكن في نفس العمل لولا الأمر معنى يقتضي العمل ومثل هذا أمر الله خليله بذبح ابنه وتحريمه على على أصحاب طالوت أن يطعموا من النهر إلا غرفة واحدة وكثير من الأحكام من هذا النمط وهذا التعبد حق واقع في الشريعة عند أهل السنة خلافا للمعتزلة ونحوهم إلا أن الصلاة في هذه الاماكن ليست والله أعلم من هذا القبيل لأنه قد اشير منها إلى التعليل ولأن مواضع الصلاة مبنية على التوسعة والاطلاق في شريعتنا ولا تناسب الحجر والتضييق ولأنه لا بد أن تشتمل هذه الاماكن على معان اقتضت المنع عن الصلاة فيها امتازت بتلك المعاني عن غيرها والا كان النهي عنها دون غيرها تخصيصا بغير مخصص ولأن من امعن النظر علم اشتمالها على معان انفرت بها عن غيرها. التفسير الثاني أن يعني بالتعبد أن المكلف لم يطلع على حكمه الحكم جملة ولا تفصيلا مع أن العمل يكون مشتملا على وصف لاجله علق به الحكم سواء كان الوصف حاصلا قبل نزول الشريعة وارسال نبينا ﷺ أو إنما حصل بعد الرسالة والحكم المعلق به قد يطلق على نفس خطاب الله الذي هو الأمر والنهي والاباحة وعلى موجب الخطاب الذي هو الوجوب والحرمة والحل والأول اضافة إلى الفعل والثاني: صفة ثابتة

стр. 418

للفعل لكنها صفة أثبتها الشارع له وقد يطلق الحكم على التعليق الذي بين الخطاب وبين الفعل وقد يعنى بالحكم أيضا صفة ثابتة للفعل قبل الشرع اظهرها الشرع كما يقوله بعض أصحابنا منهم التميمي وأبو الخطاب وأكثرهم لا يثبت حكما قبل الشرع وإنما كان ثابتا عندهم بعض علل الأحكام فمن قال أن الحكم في هذه المواضع تعبد بهذا التفسير فقد ذكر أنه لم يظهر له حكمة الحكم على وجه منضبط فادار الحكم على الاسم فهذا مسلك شديد في نفسه وأن لم يكشف فقه المسألة والمسلك الثاني: مسلك طائفة من أصحابنا وغيرهم عللوا الصلاة بالمقبرة بان التراب يختلط بصديد الموتى ورطوباتهم فيتنجس ومن قال هذا من أصحابنا قال لما كانت المقبرة في الجملة مظنة النجاسة علق الحكم وأن تخلفت الحكمة إلى احاد الصور لأن المذهب لا يختلف عندنا أنه لا فرق بين المقبرة الحديثة والعتيقة وأن كان بعض الفقهاء يجوز الصلاة في المقبرة الجديدة لزوال هذه المفسدة وكذلك عللوا

стр. 419

الصلاة في الحمام بأنه مصب الاقذار والأوساخ من البول والدم وما تولد منه والقيء وغير ذلك وهذا في الحش والمزبلة والمجزرة ظاهر وكذلك الطريق هو مظنة ارواث الدواب وابوالها. وما أعطان الإبل فعللها بعض الناس بنجاسة ابوالها. وأجاب أبو بكر وغيره عن ذلك بأنه لو كان كذلك لم يكن فرق بين أعطان الإبل وبين مرابض الغنم لأن فيها ابوالها أيضا وحكم بول الإبل والغنم واحد. وعلل ذلك بعضهم بان فيها شموسا ونفورا فربما نفرت فافزعت المصلي وقت صلاته وخبطته وهذا المعنى معدوم في الغنم لضعف حركتها وسكونها. وأجاب إسحاق بن شاقلا وغيره عن ذلك بأنه لو كان كذلك لما صلى النبي ﷺ إلى البعير ولما صلى عليه وأيضا لو كان كذلك لما صلى بين الإبل في السفر وهو خلاف سنة المسلمين وخلاف ما كان يفعله

стр. 420

رسول الله ﷺ وأصحابه وأيضا فلو كانت هذه العلة لكان النهي عن الصلاة عندها سواء كان في اعطانها أو غير اعطانها ولم يكن النهي عن الصلاة في مباركها واعطانها سواء كانت حاضرة أو غائبة. وقال بعضهم: أن مواضعها مناخ الركبان وكانوا يبولون ويتغوطون في أمكنتهم ثم يرتحلون فنهي أن يصلي في أمكنتها لموضع ابوال الناس. وقال بعضهم: معنى الحديث أنه كره الصلاة في السهول من الأرض لأن الإبل إنما تأوي إليها وتعطن فيها والغنم إنما تبوء وتراح إلى الأرض الصلبة قال والمعنى في ذلك أن الأرض الخوار التي يكثر ترابها ربما كانت فيها النجاسة فلا يبين موضعها ولا يامن المصلي أن تكون صلاته فيها على نجاسة فأما العزاز الصلب من الأرض فإنه ضاح بارز لا يخفى موضع النجاسة إذا كانت فيه وهذا تكلف بارد. فان الأول يقتضي أن النهي عن مواضعها في الاسفار وليس بشيء فإن الصلاة في تلك المواضع جائزة بالسنة الماضية ولأن المعطن أما بوقوفها عند صدرها عن الشرب أو المكان الذي تاوي اليه. الثاني يقتضي كراهة الصلاة في كل موضع سهل وهو باطل ثم هو خلاف تعليل الشارع ﷺ أن ما ذكره الفرق بين معاطن الإبل ومرابض الغنم ليس بمضطرد بل ربما كان الأمر بخلاف ذلك. المسلك الثالث: تفسير النهي عن الصلاة في هذه المواضع وتوجيهه بما دل عليه كلام رسول الله ﷺ .

стр. 421

فأما القبور فإن الصلاة عندها تعظيم لها شبيه بعبادتها وتقرب بالصلاة عندها إلى الله سبحانه أما من يقصد هذا فظاهر مثل من يجيء إلى قبر نبي أو رجل صالح فيصلي عنده متقربا بصلاته عنده إلى الله سبحانه وهذا نوع من الشرك وعبادة الأوثان بل هو أحد الاسباب التي عبدت بها الأوثان. قيل أنهم كانوا يصلون عند قبور صالحيهم ثم طال العهد حتى صوروا صورهم وصلوا عندها وعكفوا عليها وقالوا إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ولما كان النصارى قد ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ كان العكوف عند القبور والتماثيل فيهم أكثر ولهذا قال ﷺ عن الكنيسة التي أخبر عنها: "أن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد واشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور انبيائهم مساجد" وقال ﵇: "أن من كان قبلكم اتخذوا قبور انبيائهم وصالحهم مساجد إلا فلا تتخذوا القبور مساجد فاني انهاكم عن ذلك" فإنما نهى عن ذلك لأن الصلاة

стр. 422

عندها وواتخاذها مساجد ضرب من عبادة الأوثان وسبب إليه لأن عبادة الأوثان ما كانوا يقولون أن تلك الحجارة والخشب خلقتهم وإنما كانوا يقولون أنها تماثيل اشخاص معظمين من الملائكة والنجوم أو البشر وانهم بعبادتهم يتوسلون إلى الله فإذا توسل العبد بالقبر إلى الله فهو عابد وثن حتى يعبد الله مخلصا له الدين من غير أن يجعل بينه وبينه شفعاء وشركاء كما أمر الله تعالى بذلك في كتابه ويعلم أنه ليس من دون الله ولي ولا شفيع كما اخبر تعالى. ولهذا جمع النبي ﷺ بين محق التماثيل وتسوية القبور المشرفة إذ كان بكليهما يتوسل بعبادة البشر إلى الله قال أبو الهياج الاسدي: "قال لي علي رضي الله تعالى عنه إلا ابعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته" رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه وأخبر النبي ﷺ : "أن هذه الأمة ستتبع سنن من كان قبلها حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلوا معهم قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن" واخبر: "أنه لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى وحتى تضطرب اليات دوس حول ذي الخلصة صنم كان لهم في الجاهلية" ولهذا قال أصحابنا: وغيرهم من العلماء لا يجوز

стр. 423

أن يبنى مسجد على قبر ولا فيما بين القبور والواجب في المساجد المبنية على ترب الأنبياء والعلماء والشيوخ والملوك وغيرهم أن لا تتخذ مساجد بل يقطع ذلك عنها أما بهدمها أو سدها أو نحو ذلك مما يمنع أن تتخذ مسجدا ولا تصح الصلاة في شيء منها ولا يجوز الوقف عليها ولا اسراج ضوء فيها سواء كان بدهن أو شمع ولا يصح النذر لها بل هو نذر معصية فتجب فيه كفارة يمين لأنه ﷺ لعن من يتخذ القبور مساجد ولعن من يتخذ عليها السرج ونهى عن اتخاذها مساجد وسيأتي أن شاء الله تعالى تفصيل القول في ذلك. وام من يصلي عند القبر اتفاقا من غير أن يقصده فلا يجوز أيضا كما لا يجوز السجود بين يدي صنم والنار وغير ذلك مما يعبد من دون الله لما فيه من التشبه بعباد الأوثان وفتح باب الصلاة عندها واتهام من يراه أنه قصد الصلاة عندها ولأن ذلك مظنة تلك المفسدة فعلق الحكم بها لأن الحكمة قد لا تنضبط ولأن في ذلك حسما لهذه المادة وتحقيق الاخلاص والتوحيد وزجرا للنفوس أن يتعرض لها بعبادة وتقبيحا لحال من يفعل ذلك ولهذا نهى النبي ﷺ عن الصلاة عند طلوع الشمس لأن الكفار

стр. 424

يسجدون للشمس حينئذ ونهى أن يصلي الرجل وبين يديه قنديل أو نحوه وكان إذا صلى إلى سترة انحرف عنها ولم يصمد لها صمدا كل ذلك حسما لمادة الشرك صورة ومعنى كما نهى سعدا أن يدعو باصبعين وقال أحد أحد وأن يقول الرجل ما شاء الله وشاء فلان وأن يحلف الرجل بغير الله وقال: "من حلف بغير الله فقد

стр. 425

أشرك". ولعل بعض الناس يخيل إليه أن ذلك كان في أول الأمر لقرب العهد بعبادة الأوثان وأن هذه المفسدة قد امنت اليوم وليس الأمر كما تخيله فإن الشرك وتعلق القلوب بغير الله عبادة واستعانة غالب على قلوب الناس في كل وقت إلا من عصم الله والشيطان سريع إلى دعاء الناس إلى ذلك وقد قال الحكيم الخبير ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ وقال امام الحنفاء ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أن نَعْبُدَ الأصنام رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فإنه مِنِّي﴾ وقد قال الناس لرسول الله ﷺ في غزوة حنين عقيب فتح مكة اجعل لنا لنا ذات انواط فقال: "الله أكبر قلتم كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا الها كما لهم الهة أنها السنن لتتبعن سنن من قبلكم وسيعود الدين غريبا كما بدأ" ويصير الصغير كبيرا فكيف تؤمن المفسدة بل هي واقعة كثيرة فهذه هي العلة المقصودة لصاحب الشرع في النهي عن الصلاة في المقبرة واتخاذ القبور مساجد لمن تأمل الأحاديث ونظر فيها وقد نص الشارع على هذه العلة كما تقدم.
следующие страницы →