← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11251

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - من كتاب الصلاة

ابن تيمية

Полный текст (587 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقال ابن أبي موسى اختلف قوله في الغريق يصلي في الماء والطين على روايتين قال في إحداهما: يومىء بالركوع والسجود. وقال في الأخرى يسجد على متن الماء. والقائم في الماء والطين العاجز عن الخروج عنه يصلي ويومىء في الركوع والسجود في ماء قولا واحدا وفرق بين الماء والطين وهو فرق حسن فإن قلنا يجب النزول ويجب السجود على الطين فلما روى أبو سعيد قال رأيت النبي ﷺ في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته. وعن عطاء قال سالت عائشة هل رخص للنساء أن يصلين على الدواب قالت ما رخص لهن في شدة ولا رخاء" رواه أبو داود. ووجه الأول ما روى يعلى ابن امية: "أن النبي ﷺ انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم فحضرت الصلاة فامر المؤذن فاذن واقام ثم تقدم رسول الله ﷺ على راحلته فصلى بهم يومئ ايماء يجعل السجود اخفض من الركوع" رواه أحمد والترمذي وعن أنس بن مالك: "أنه صلى بهم المكتوبة على

стр. 492

دابته والأرض طين" ذكره أحمد وغيره وقد رواه الدارقطني مرفوعا إلا أنه قال المحفوظ عن أنس فعله غير مرفوع ولم ينقل عن صحابي خلافه. السبب الثالث: المرض فعنه أنه ليس بعذر في الصلاة على الراحلة نص عليه مفرقا بينه وبين الوحل لأن ابن عمر ﵁ روى عن النبي ﷺ : "أنه كان يوتر على راحلته ويسبح عليها ولا يصلي عليها المكتوبة" متفق عليه. وكان ابن عمر ينزل مرضاه فيصلون بالأرض ذكره أحمد فعلم أنه فهم من فعل النبي ﷺ استواء الصحيح والمريض في هذا الحكم ولأن المريض لا ضرر عليه في صلاته بالأرض بل ذلك اهون عليه من صلاته على الدابة وإنما قد يشق عليه حركة النزول فقط وهذا يعارضه حركة هز الدابة. وعنه أن المريض يصلي على الدابة لأن المشقة عليه في نزوله أعظم من مشقة التلوث بالطين ثم من أصحابنا من اطلق الروايتين وعلى هذه الطريقة فقد اختار جدي ﵀ أن تضرر بنزول أو لم يكن له من ينزله فإنه يصلي على الدابة وأن لم يتضرر فهو كالصحيح. ومن أصحابنا من جوز ذلك فقال أن كان النزول يزيد في مرضه أو لا

стр. 493

يقدر على الركوب إذا نزل أو لا يجد من ينزله جازت صلاته على الراحلة رواية واحدة وأن لم يكن عليه مشقة في النزول وجب عليه النزول رواية واحدة وأن شق عليه النزول من غير زيادة في المرض فهو على الروايتين وهذه الطريقة اصوب والله أعلم.

стр. 494

مسألة: (الشرط الخامس: استقبال القبلة إلا في النافلة على الراحلة للمسافر فإنه يصلي حيث كان وجهه والعاجز عن الاستقبال لخوف أو غيره فإنه يصلي كيف ما أمكنه ومن عداهما لا تصح صلاته إلا مستقبل الكعبة). الكلام في فصلين. أحدهما: أن استقبال الكعبة البيت الحرام شرط لجواز الصلاة وصحتها وهذا مما اجمعت الأمة عليه. والأصل فيه قوله : ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الآيات واستدل بعض أصحابنا من القران على ذلك بقوله أيضا: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبراهيم مُصَلّىً﴾. وقد كان النبي ﷺ والمسلمون يصلون إلى بيت المقدس وكان ﷺ يجعل الكعبة بينه وبينها محبة منه لقبلة إبراهيم فلما هاجر صلوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا وبعض اخر ثم حولت القبلة إلى الكعبة فعن

стр. 495

ابن عمر ﵄ قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال أن النبي ﷺ قد انزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة". والأحاديث في ذلك مشهورة متواترة وقال ﷺ للأعرابي المسيء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر" متفق عليه وعن أنس بن مالك قال قال رسول اله ﷺ : "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته" رواه البخاري. الفصل الثاني: ان استقبال القبلة يسقط مع العلم بجهتها في موضعين. أحدهما: إذا عجز عن استقبالها لخوفه أن استقبلها من عدو أو سيل أو سبع بان يهرب من العدو المباح هربه منه. أو يسايفه العدو الذي يباح له أن يسايفه. وأما أن يكون مربوطا إلى غير القبلة. أو يكون بين حائطين ولا يمكنه الاستدارة إلى القبلة.

стр. 496

وأما بان يكون مريضا لا يجد من يديره فإنه في هذه الحال لا يتعين عليه استقبال جهة الكعبة بل أي جهة قدر على الصلاة إليها فهي قبلته لأن في حديث ابن عمر فإن كان خوف وأشد من ذلك صلوا قياما على اقدامهم أو ركبائهم مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال نافع: "لا أرى عبد الله ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ هكذا" رواه البخاري ورواه ابن ماجة مرفوعا إلى النبي ﷺ من غير تردد ولأن عبد الله بن انيس لما بعثه النبي ﷺ لقتل خالد بن سفيان الهذلي صلى ماشيا بالايماء إلى غير الكعببة وهذا لأن الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وهذه الآية تعم جميع المصلين لكن نسخ منها أو خص منها القادر فيبقى حكمها في العاجز كما جاء في الحديث ولأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها فإذا تضرر باستقبال القبلة الكعبة كان أن يصلي إلى جهة اخرى أولى من تفويت الصلاة. فإن قيل فهلا اوجبتم الإعادة على المربط ونحوه لأنه ترك الشرط لعذر نادر غير متصل كمن صلى بلا ماء ولا رتاب وكالعاجز عن إزالة النجاسة. قلنا قد قال ابن أبي موسى من كان مصلوبا على خشبة مستدبر

стр. 497

القبلة أو محبوسا في موضع نجس لا يجد وضوءا ولا يقدر على التيمم صلى على حاله يومىء ايماء ويعيد إذا قدر على الوضوء في احدى الروايتين فقد جعلهما سواء. وأما غيره فلم يوجب الإعادة بحال أما على احدى الروايتين فإن جميع الشرائط تسقط بالعجز من غير إعادة وأما على الرواية الأخرى فإن القبلة أشبه بالسترة منها بالطهارة ولهذا فرق فيها بين الفرض والنفل كما فرق في السترة عندنا فإذا سقطت السترة فالقبلة الأولى لأنها اخف فإن سائر الجهات عوض عن جهة الكعبة عند العجز عنها بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ والشرط إذا كان له بدل لم تجب الإعادة بالعجز عنه كالوضوء ولأن الطهارة اوكد الشروط واستقبال الكعبة اخف الشروط لهذا سقطت في النافلة على الراحلة فصارت بمنزلة القيام في الأركان فلا يصح الحاق أحدهما: بالاخر. الموضع الثاني في صلاة النافلة في السفر وهو مجمع عليه لما روى ابن عمر ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يسبح على راحلته قبل أي وجه توجه ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة" متفق عليه وعن ابن عمر قال: "كان النبي ﷺ يصلي على راحلته تطوعا اينما توجهت به وهو جاي من مكة إلى المدينة وقرا ابن عمر هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وقال ابن عمر في هذا أنزلت هذه

стр. 498

الآية" رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي صححه. وعن عامر بن ربيعة قال: "رايت رسول الله ﷺ وهو على راحلته يسبح يومىء برأسه قبل أي وجه توجه ولم يكن يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة" متفق عليه وعن جابر بن عبد الله ﵄: "أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته تطوعا حيث توجهت به في السفر فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة" رواه أحمد والبخاري وهذا في الحقيقة يعود إلى المعنى الأول لأن المسافر أكثر اوقاته سائر وإذا كان سائرا لا يمكنه التنفل إلى جهة قصده أو أن يبطل سفره وفي ابطال السفر ضرر عليه فصار عاجزا عن النافلة إلا على هذا الوجه بخلاف المكتوبة فإن زمنها يسير ولا فرق في ذلك بين السفر الطويل والقصير لأن احتياج الإنسان إلى التطوع في السفر القصسير كالحتياجه إليه في الطويل. فأما الراكب السائر في المصر فلا يجوز ذلك في المشهور عنه. وعنه يجوز له ذلك كما يجوز له في السفر. ووجه الأول أن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا هو في معنى المنقول

стр. 499

عنه لأن المسافر لو لم يجز له التطوع لافضى إلى ترك التنفل فإن اغلب اوقاته يكون سائرا بخلاف المقيم في الحضر فإن اغلب اوقاته المكث فلا يفضي منعه إلى تعطيل التطوع في حقه. فصل. ويجوز التنفل على الدابة سواء كانت بعيرا أو فرسا أو بغلا أو حجمارا أو فيلا أو غير ذلك من المراكب وسواء كان طاهرا أو نجسا إذا كان ما يلاقي المصلي طاهرا هذه احدى الطريقتين لأصحابنا. ومنهم من قال إذا كانت الدابة نجسة نجاسة عينية أو عارضة خرج فيه الروايتيان فيمن فرش طاهرا على نجس لأنه كذلك. ومن فرق بينهما قال ابدان الدواب غالبا لا تسلم من نجاسة لا سيما والبغل والحمار إذا قلنا هما نجسان فإن الحاجة ماسة إلى ركوبهما فعفي عن ذلك للحاجة وقد صح عن النبي ﷺ : "أنه كان يصلي على حماره وقد تقدم ذلك فلا وجه لخلاف السنة ولا يجوز أن يجعل في هذه الصور خلاف في المذهب لكن يكون من اشترط الطهارة يقول بطهارة الحمار أو يفرق بين الدواب وغيرها أو يفرق بين الفرش على نجاسة رطبة أو يابسة وأما مخالفة عين ما جاءت به السنة فلا يحل بوجه من الوجوه ولذلك لم

стр. 500

يختلف نص أحمد في جواز التطوع على الحمار والبعير وغيرها. فصل. وهل يجوز التطوع إلى غير القبلة للماشي حيث يجوز للراكب على روايتين. إحداهما: لا يجوز وهو مقتضى ما ذكره الخرقي والشيخ المصنف وغيرهما لان ذلك لم ينقل عن النبي إلا في حال الركوب وليس الماشي كالراكب لأن الماشي متحرك بنفسه فهو يعمل في الصلاة عملا كثيرا وذلك مبطل للصلاة إلا إذا كان لضروروة مثل صلاة الخوف ولا ضرورة هنا ولأن أصحاب رسول الله ﷺ ما زالوا يسافرون مشاة والنبي ﷺ قد كان احيانا يتعقب هو وبعض أصحابه على بعير واحد ومع ذلك لم ينقل أنهم صلوا مشاة. والثانية: يجوز اختارها القاضي وأبو الخطاب وكثير من أصحابنا وذكره عن أحمد عن عطاء لعموم قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وقد ذكر ابن عمر أنها نزلت في التطوع في السفر لأن راكبها لا أثر له كما سياتي وذلك المعنى الذي أبيح للراكب الذي يصلي لأجله موجود في

стр. 501

الماشي لأنه مسافر سائر فأما أن يترك التطوع حال سيره أو يترك الاستقبال فقط وكونه يعمل عملا كثيرا يقابله أن الراكب ليس على مكان مستقر فإن كليهما مبطل ويقابله أن الراكب بمنزلة الجالس والماشي قائم والقائم صلاته أفضل من صلاة القاعد. ويجوز أن يصلي ماشيا طالبا للعدو في المكتوبة كما فعل عبد الله بن انيس ﵁ فكذلك في النافلة في عموم السفر. فصل. ويلزم الماشي أن يستقبل الكعبة حين الافتتاح وهو واقف ثم يسير إلى جهة قصده فإذا أراد أن يركع ويسجد ففيه وجهان. أحدهما: يلزمه أن يقف ويركع ويسجد إلى الكعبة ويسجد بالأرض قاله القاضي وغيره لأن ذلك متيسر عليه فاشبه الافتتاح. والثاني: له أن يركع ويسجد موميا ماشيا إلى جهة قصده كما في القيام قاله الآمدي وغيره وهو الأظهر لأن الركوع والسجود وما بينهما مكرر في ركعة ففي الوقوقف له وفعله بالأرض قطع لسيره فاشبه الوقوف حالة القيام.

стр. 502

وأما الراكب فإن كان يشق عليه استقبال القبلة حين الاستفتاح مثل أن تكون دابته مقطورة بغيرها ويشق عليه أن يستدبر أو تكون الدابة مستعصية يشق ادارتها إلى الكعبة لم يجب عليه في المشهور في المذهب. وقد قيل أنه يجب عليه ذلك. فأما أن تعذر ذلك عليه فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف. وان تيسر ذلك عليه وجب عليه في احدى الروايتين المنصوصتين. وفي الأخرى لا يجب كسائر اجزاء الصلاة لكن يستحب وهذا قول أبي بكر وابن أبي موسى. وجه الأول وهو اختيار أكثر أصحابنا ما روى أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر فاراد أن يتطزع استقبل القبلة بناقته فكبر ثم صلى حيث كان وجه ركابه" رواه أحمد وأبو داود ومدار تطوع الراكب على فعله ﷺ فإذا كان إنما كان يفتتح الصلاة مستقبلا للكعبة وجب اتباعه في ذلك وحديث أنس قد فسر فعله وسائر الأحاديث لم يتعرض لذلك بنفي ولا اثبات ولأنه قد تيسر عليه الاستقبال حيث الافتتاح فاشبه الماشي. وأيضا فإن الاستقبال شرط من شروط الصلاة فمتى اتى به في اوله جاز أن يستصحب حكمه إلى اخرها إذا شق استصحاب حقيقته كالنية وإذا

стр. 503

استفتح الصلاة إلى القبلة ثم الصلاة إلى جهة مسيره فإن كان سيره يختلف فينحرف فيه تارة إلى جهة ثم ينحرف عنها إلى جهة اخرى كان على صلاته لأن قبلته جهة سيره فأيهما ولى سيره إليه فذاك قبلته هكذا ذكره القاضي وغيره من أصحابنا وعلى هذا فلا فرق بين راكب التعاسيف وغيره. ومن أصحابنا من قال لا تباح الصلاة لراكب التعاسيف لأنه ليس له صوب معين. وإذا عدل راحلته عن جهة سيره فإن كان إلى جهة القبلة لم تبطل صلاته لأنها القبلة الاصلية. وان عدل إلى غيرها فقال أصحابنا: تبطل صلاته سواء عدلها هو أو عدلت هي فلم يرددها مع قدرته على ذلك لأن جهة سيره هي قبلته وقد تركها عمدا. وان عدلت لغفلته أو نومه أو عجز عن ضبطها أو عدلها ظنا أنها جهة سيره لم تبطل صلاته سواء تمادى بهخ به أولم يتماد به إلا أن يتمادى به بعد زوال العذر ولا يرددها فإنه تبطل صلاته هذا أشهر الوجهين ولأنه معذور في ذلك قال القاضي وغيره ويسجد للسهو أن تمادى به لأنه ادخل في الصلاة ما ليس منها. وفي الاخر أن تمادى به ذلك بطلت صلاته بكل حال لأنه عمل كثير في الصلاة لغير ضرورة.

стр. 504

فصل. وإذا أمكنه السجود على ظهر الدابة بان يكون في محمل وغيره لزمه لأنه ركن مقدور عليه فإن تعسر ذلك عليه أو اذى الدابة اوما وجعل ايماءه بالسجود اخفض من ايمائه بالركوع وقد نص أحمد على ذلك. وعنه ما يدل على أن السجود في المحمل ونحوه مستحب وليس بواجب. وقال ابن أبي موسى أن كان في محمل وقدر على الركوع والسجود بحيث لا يشق على البعير ركع وسجد ولم يجزه الايماء وأن كان ذلك يشق على البعير اوما في الأظهر من قوله وانما جاز الايماء لما تقدم من حديث عامر بن ربيعة أن النبي ﷺ كان يومىء برأسه قبل أي وجهة توجه وعن جابر ﵁ قال: "رأيت النبي ﷺ يصلي وهو على راحلته النوافل في كل جهة ولكن يخفض السجود من الركعة ويومىء ايماء" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. وان أمكن الراكب الاستقبال في جميع الصلاة كالراكب في المحفة

стр. 505

الواسعة والعمارية لزمه الاستقبال وأن استدبر جهة سيره نص عليه ال مشقة عليه في ذلك على ما تقدم لأنه ركن يقدر عليه فلزمه فعله كالمصلي في السفينة فإنه يجب عليه أن يستقبل القبلة إذا أمكنه ثم أن قدر على الركوع والسجود لزمه والا اوما. وعنه ما يدل على أن ذلك مستحب وليس بواجب. وقال ابن أبي موسى في راكب السفينة: يستقبل القبلة في الفرض ويدور إليها كلما دارت السفينة ويعذر في النفل أن لا يدور إلى القبلة إذا دارت السفينة فإذا لم يلزمه الاستدارة إلى القبلة في السفينة فعلى الراحلة أولى وأن شق ذلك على البعير فهو كما لو شق عليه السجود على ظهر الدابة على ما تقدم من الروايتين. فصل. ومتى عزم على الاقامة في اثناء صلاته أو صار مقيما بحصوله في وطنه وجب عليه اتمام صلاة مقيم بأن ينزل ويستقبل فإن اجتاز بمدينة ولم يصر مقيما فله التطوع ما دام سائرا فمتى وصل إلى منزله الذي يريد نزوله نزل واتم الصلاة على الأرض مستقبلا لأن الصلاة على الراحلة إلى غير القبلة إنما تجوز ما دام مسافرا سائرا.

стр. 506

فأما المسافر الراكب الذي ليس بسائر وهو الواقف على الدابة فهذا تجوز له الصلاة عليها لكن عليه استقبال القبلة في جميع صلاته هكذا ذكره القاضي الآمدي وغيرهما من أصحابنا لأنه محتاج إلى التطوع عليها لأن ركوبه عليها مظنة حاجته إليه وليس بمحتاج إلى الاعراض عن جهة القبلة فيلزمه استقبالها ومتى لم يمكنه أن يديرها صلى كيف كان ومتى وقفت به الدابة في اثناء سيره لزمه أن يلوي بالزمام أو اللجام إلى جهة القبلة أن أمكنه. قال الآمدي ومن أصحابنا من قال لا يجوز التطوع على الراحلة إلا للسائر فأما الواقف فلا. وان كان يصلي نازلا إلى القبلة ثم عرض له السفر فهل يجوز أن يركب ويتم صلاة مسافر على وجهين ذكرهما الآمدي وغيره. أحدهما: يجوز وهو قول القاضي لأنه بمنزلة الامن إذا خاف. والثاني: لا يجوز وهو أظهر لأنه يمكنه أن يتم الصلاة بالأرض من غير مشقة بخلاف الخائف فإنه مضطر إلى الركوب. فصل. ولا فرق في هذا بين جميع النوافل من الرواتب وركعتي الفجر والوتر وغير ذلك نص عليه في مواضع وقد توقف في موضع عن ركعتي الفجر.

стр. 507

قال ابن أبي موسى: اختلف قوله في المسافر هل يصلي ركعتي الفجر على الظهر أم لا على روايتين. اظهرهما أن ذلك جائز قال وله أن يوتر على الراحلة قولا واحدا. ووجه الفرق أنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يصليهما إلا بالأرض ولأنه يتوكد فعلهما في السفر ويفعلان تبعا للفرض فينزل لهما بالنزول له ويفعلان معه على وجه الأرض وبهذا يظهر الفرق بينهما وبين سائر التطوعات لأنها أما أن لا تتوكد في السفر كسنة الظهر والمغرب أو تفعل منفردة كالوتر. والصحيح التسوية بين الجميع لعموم المعنى لذلك فإنها من جملة التطوع ويجوز أن يصليهما قاعدا فكذلك على الراحلة.

стр. 508

مسألة: (فان كان قريبا منها لزمته الصلاة إلى عينها وأن كان بعيدا فالى جهتها). وجملة ذلك أن الناس في القبلة على قسمين. أحدهما: من يمكنه استقبال عين الكعبة وذلك على ثلاثة أوجه. أحدها: أن يكون بحيث يراها مثل أن يكون داخل المسجد أو خارجا عنه وهو ينظرها فعليه أن يستقبلها بجميع بدنه حتى لا يخرج شيء منه عنها وأن خرج شيء منه عنها لم تصح صلاته نص عليه. الثاني: أن يعلم ذلك لكونه من أهل البلد وقد نشأ فيه سواء كان بينه وبينها حوائل حادثة أو لم يكن فإنه من طال مقامه بمكان نم مكة علم أين تكون القبلة منه. الثالث: أن يخبره بذلك ثقة من أهل البلد لكونه غريبا أو بينه وبينها حائل وعلى الحائل من يخبره بذلك فإن الإخبار بالأخبار كالإخبار بدخول الوقت عن علم فإن هذا الخبر لا يدخله الخطا وجواز الكذب من الثقة غير ملتفت إليه في مثل هذا. قال أصحابنا: وحكم من كان بمدينة النبي ﷺ حكم من كان بمكة.

стр. 509

لأن قبلته متيقنة الصحة لأنه لا يقر على الخطا. القسم الثاني البعيد فهذا فرضه الاستدلال والاجتهاد لكن هل الواجب عليه طلب العين أو طلب الجهة على روايتين. إحداهما: أن فرضه طلب العين فمتى غلب على ظنه أنه مستقبل العين أجزاه ذلك وأن تبين له أنه اخطأها فيما بعد ذلك أو انحرف عنها انحرافا يسيرا وهذا اختيار أبي الخطاب لأن الله قال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ وقال: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ﴾ وقد روى ابن عباس: "أن النبي ﷺ دخل البيت ثم خرج فركع ركعتين في قبل الكعبة وقال هذه القبلة" متفق عليه وفي حديث اخر أنه عد الكبائر وذكر منها استحلال الكعبة البيت الحرام قبلتكم أحياء وامواتا وإذا كان نفس الكعبة هي القبلة فيجب عليه أن يستدل على قبلته بحسب الامكان ولا يكفيه مجرد التوجه إلى جهتها لأن المستقبل لجهتها قد لا يكون مستقبلا لها ولأنه مخاطب باستقبال الكعبة فوجب عليه أن يقصد عينها حسب الطاقة كالقريب وذلك لأنهما لا يفترقان في

стр. 510

فرض استقبال الكعبة وإنما يفترقان في أن ذلك متيقن للصواب على التحديد وهذا مجتهد في الاصابة على التقريب. ولأن المسافر يلزمه حين اشتباه الجهات تحري جهة الكعبة فكذلك العالم بجهة الكعبة يلزمه تحري جهة سمت الكعبة حسب الطاقه وأن كان على وجه التقريب والتخمين وعلى هذه الوراية متى تيامن أو تياسر عن صوب اجتهاده لم تصح صلاته لأنه يغلب على ظنه أنه منحرف عن قبلته فاشبه القريب بخلاف ما إذا توسط الجهة وتحرى نفس البيت. والرواية الثانية: ما ذكره الشيخ ﵀ أن فرضه اصابة الجهة فلو تيامن أو تياسر شيئا يسيرا ولم يخرج عن الجهة جاز وأكثر الروايات عن أحمد تدل على هذا ولهذا أنكر وجوب الاستدلال بالجدي وقال إنما الحديث ما بين المشرق والمغرب وهذا اختيار الخرقي وجماهير أصحابنا لأن الله سبحانه قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ والمسجد الحرام اسم للحرم كله وشطره نحوه واتجاهه فعلم أن الواجب تولية الوجه إلى نحو الحرم والنحو هو الجهة بعينها ثم قال بعد ذلك ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ والوجهة الجهة فعلم أن الواجب تولي جهة المسجد الحرام وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول

стр. 511

الله ﷺ : "ما بين المشرق والمغرب قبلة" رواه ابن ماجة والترمذي وقال حديث صحيح وروي ذلك من حديث أبي قلابة عن النبي ﷺ وروي أيضا مسندا من حديث ابن عمر وغيره وقال ﷺ : "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا". وهذا بيان لأن ما سوى التشريق والتغريب استقبال للقبلة أو استدبار لها وهذا خطاب لأهل المدينة ومن كان على سمتهم وقريبا من سمتهم أهل الشام والعراق واليمن ونحوهم دون من كانت إلى الركن الأسود أو الركن الغربي وما يقرب منهما من أهل المشرق والمغرب الذين مساكنهم بين شام الأرض ويمنها على مسامتة مكة وما يقارب ذلك ولأن ذلك اجماع الصحابة ﵃ قال عمر: "ما بين المشرق والمغرب قبلة كله إلا عند البيت" رواه أبو حفص وذكره أحمد وقال ما بين المشرق والمغرب قبلة إلا عند البيت فهذا لا يكون ثم لأنه يأتم بالبيت كيف دار وأن صلى قريبا من الركن فزال عن الركن قليلا ترك القبلة فمكة غير

стр. 512

البلدان وفي رواية إذا توجهت قبل البيت وروى الأثرم عن عمر وعلي وابن عباس أنهم قالوا ما بين المشرق والمغرب قبلة وعن عثمان أنه قال كيف يخطي الرجل الصلاة وما بين المشرق والمغرب قبلة ما لم يتحر المشرق عمدا وروى أبو حفص عن ابن عمر قال إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة لأهل المشرق يعني به أهل العراق ونحوهم. وروى أبو حفص عن المطلب بن حنطب أن رسول الله ﷺ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا وجهت وجهك نحو البيت الحرام" يعني والله أعلم إذا وجهت وجهك قبله وتجاهه وذلك يحصل باستقبال جهته كما في قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي نحوه وتلقاءه واراد أن يبين ﷺ أنه لا بد من قصد جهتها وأيضا فانهم اجمعوا على صحة صلاة الصف المستطيل الزائد طوله على سمة الكعبة مع استقامته بل على صحة صلاة أهل البلد الذي فيه مساجد كثيرة تصلى كلها إلى جهة واحدة مع أنها يمتنع أن تكون قبلتها على خط مستقيم وهي كلها

стр. 513

على سمت عين الكعبة. فإن قيل مع البعد تحصل المواجهة والمحإذاة لكل واحد مع كثرة المحاذين وطول صفهم لأن المحاذي مع البعد وأن احتاج إلى تقوس وانحناء فهو مع البعد شيء يسير لا يظبط مثله. قلنا لو كان المفروض محإذاة نفس العين لوجب مراعاة ذلك الشيء اليسير من الانحناء مع القدرة وأن لا يتعمد تركه كما في القريب فمتى سلم جواز تعمد تركه فلا يعني باستقبال جهة الكعبة إلا ذلك فيرتفع الخلاف وهذا المعنى هو الفارق بين القريب والبعيد فإن البعد إذا طال يكون المستقبل للجهة والعين متقاربين جدا حتى لا يكاد يميز بينهما ومثل هذا يعفى عنه كما عفونا عن سائر الشرائط عما يشق مراعاته مثل يسير النجاسة ويسير العورة والتقدم اليسير بالنية وشبه ذلك فإن الدين ايسر من تكلف هذا. وقد روي عن النبي ﷺ من وجهين فيهما أنه قال: "البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي".

стр. 514

مسألة: (وان خفيت القبلة في الحضر سأل واستدل بمحاريب المسلمين فإن أخطأ فعليه الإعادة وأن خفيت في السفر اجتهد وصلى ولا إعادة عليه وأن اخطا). اما الاستدلال بمحاريب المسلمين فلان أهل الخبرة والعلم بجهة الكعبة نصبوها على ذلك وليس فيها خطأ وأن فرض فهو شيء يسير لا يجب مراعاته مع قولنا باستقبال الجهة. وإذا قلنا يجب استقبال العين فإنه يعفى عن الخطا اليسير مع الجهل. وكذلك إذا أخبره مخبر ثقة بجهة القبلة عن علم فإنه يقبل خبره وذلك لأن الاخبار عن جهة القبلة ونصب المحراب إليها ليس هو من باب الاجتهاد حتى يكون الرجوع إلى المخبر والثاني: فيه الرجوع إلى تقليد مجتهد وإنما هو من باب الاخبار عن الأمور المعلومة لأن أهل الامصار يعلمون الجهات ولا يخفى ذلك على أحد اصحاء السماء ويعلمون أيضا مكة من جهاتهم فصار ذلك كالعلم بدخول الوقت والعلم بطلوع الشمس من بعض الجهات والراجع إلى المخبر بذلك كالراجع إلى المخبر بدخول الوقت عن علم وبطلوع الشمس من جهة من الجهات. فان أخطأ في الحضر بان تبين خطأ المخبر أو كذبه أو فساد بناء المحراب أو غير ذلك فعليه الإعادة في المشهور من المذهب وقد نص عليه أحمد فيمن هو في مدينة فتحرى فصلى لغير القبلة يعيد لأن عليه

стр. 515

أن يسأل وقال القاضي في خلافه ظاهر كلام أحمد حكم المكي وحكم غيره سواء في أنه لا يجب عليه الإعادة فإنه قال في رواية صالح قد تحرى فجعل العلة في الاجزاء وجود التحري وهذا موجود في المكي وغيره وإذا كان هذا في المكي ففي المقيم بسائر الامصار اولى. ووجه المشهور أنه كان قادرا على اليقين فلم يعذر بالجهل وأن جاز له العمل بغالب الظن كمن افطر بخبر انسان عند غروب الشمس ثم تبين أنها طالعة أو صلى بخبره عن دخول الوقت ثم تبين أنه لم يدخل ولقد كان القياس يقتضي انه لا يجوز له العمل بدليل تدخله الشبهة ولو على بعد مع الاقتدار على الاستيقان وإنما جاز لأن احتمال الخطا في ذلك نادر جدا لا يكاد يقع فجعل كالمعدوم فإذا تبين خطأ الدليل لزمته الإعادة في الوقت إلى اخبار المخبر الواحد إذا أمكنه العلم وهذا الباب مثله فعلى ذلك الوجه لا يرجع إلى اخبار واحد بالجهة مع قدرته على اليقين لكن العلم هنا بالجهة لا يمكن بالعيان لمن لم يسافر إلى مكة ويعلم اين هي من بلده وإنما يمكن بالسماع المتواتر وهو مثل العيان ولذلك جاز الرجوع إلى المحاريب. فصل. وأما إذا خفيت في السفر فإنه يجتهد بالاستدلال عليها بالأدلة المنصوبة ولا إعادة عليه وأن تبين له الخطا فيما بعد قال أبو بكر: لا

стр. 516

يختلف قول أبي عبد الله ﵀ في ذلك. وكذلك أن صلى بتقليد من فرضه ذلك ثم تبين أنه أخطأ فلا إعادة عليه. وذكر الامام أبو بكر الدنيوري صاحب أبي الخطاب أن بعض المتأخرين قال يجب عند الاشتباه أن يصلي أربع صلوات إلى الجهات الاربع وزعم أنه رواية عن أحمد قال الدنيوري وهو قياس المذهب كما إذا كان معه ثياب طاهرة ونجسة قال الدنيوري وهذا صحيح فإنه قادر على اداء فرضه بيقين من غير ضرر يلحقه في بدنه وماله فيلزمه ذلك كما لو نسي صلاته من يوم لا يعلم عينها وذلك لأنه اشتبه الواجب بغيره فوجب فعل ما يتيقن به فعل الواجب وكما لو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها وكما لو اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أو اشتبه الموضع الطاهر من ثوبه بالنجس. وهذا قول شاذ مسبوق الإجماع على خلافه والصواب والمنصوص لأن الله سبحانه قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أن اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وهذه الآية تدل على جواز استقبال جميع الجهات نسخ ذلك في حق العالم القادر في صلاة الفرد فيبقى في حق الجاهل بالقبلة والعاجز عن استقبالها لخوف ونحوه في حق المتنفل في السفر لم

стр. 517

ينسخ وهذا لأن الأصل جواز استقبال الوجه إلى جميع الجهات لكن إذا لم يكن بد من الصلاة إلى واحدة منها عين الله سبحانه لنا استقبال أحب الوجوه إليه واوجب ذلك فإذا تعذر ذلك بالجهل وبالعجز سقط هذا الوجوب حينئذ لأن الايجاب حينئذ محال. وأيضا ما روى عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ابيه قال كنا مع النبي ﷺ في السفر في ليلة مظلمة فلم يدر اين القبلة فصلى كل رجل منا على حياله فلما اصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزل ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ " رواه ابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن ليس اسناده بذلك لا نعرفه إلا من حديث اشعث السمان واشعث يضعف في الحديث قلت وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن اشعث بن سعيد وعمر بن قيس عن عاصم بن عبيد الله وهو يقوي رواية اشعث ويزيل تفرده به.

стр. 518

وقد روي هذا المتن من حديث جابر من حديث محمد بن سالم ومحمد بن عبيد الله العرزمي عن عطاء عن جابر قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في مسير فاصابنا غيم فتحيرنا فاختلفنا في القبلة فصلى كل رجل منا على حدة وجعل احدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا فذكرنا ذلك للنبي ﷺ فلم يامرنا بالاعادة وقال قد اجزات صلاتكم" رواه الدارقطني وغيره وقال هما ضعيفان. ورواه الباغندي والحسن بن علي المعمري وغيرهما عن أحمد ابن عبيد الله بن الحسن العنبري قال وجدت في كتاب أبي ثنا عبد الملك ابن أبي سليمان العرزمي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها فاصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة فقالت طائفة منا القبلة ههنا قبل الشمال فصلوا وخطوا خطأ وقال بعضنا القبلة ها هنا قبل الجنوب وخطوا خطأ فلما اصبحنا وطلعت الشمس أصبحت

стр. 519

تلك الخطوط لغير القبلة فقدمنا من سفرنا فاتينا النبي ﷺ فسالناه عن ذلك فسكت وانزل الله : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ " وهو اسناد مقارب. وبعض هذه الطرق مما يغلب على القلب أن الحديث له أصل وهو محفوظ فإن المحدث إذا كان إنما يخاف عليه من سوء حفظه لا من جهة التهمة بالكذب فإذا عضده محدث اخر أو محدثان من جنسه قويت روايته حتى يكاد احيانا يعلم أنه قد حفظ ذلك الحديث لا سيما إذا جاء به محدث اخر عن صحابي اخر فإن تطرق سوء الحفظ في مثل ذلك إلى جماعة بعيد لا يلتفت إليه إلا أن يعارض حديثهم ما هو أصح منه وقد روى أصحاب التفسير عن ابن عباس ﵄ قال خرج نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في سفر وذلك قبل تحويل القبلة إلى الكعبة فأصابهم الضباب وحضرت الصلاة فتحروا القبلة وصلوا فمنهم من صلى قبل المشرق ومنهم من صلى قبل المغرب فلما ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا فلما قدموا سالوا رسول الله ﷺ عن ذلك فنزلت هذه الآية فهذا وأن لم يكن مما يحتج به منفردا فإنه يشد تلك الروايات ويقويها وقد استدل أحمد بهذه الآية وتاولها على ذلك قال إذا تحرى القبلة ثم صلى فعلم بعدما صلى أنه صلى لغير القبلة مضت فتأول بعض

стр. 520

قول أصحاب رسول الله ﷺ فاينما تولوا فثم وجه الله. وقال في موضع اخر في الرجل يصلي لغير القبلة لا يعيد فاينما تولوا فثم وجه الله وهذا دليل على أن الصحابة تأولوها على حال التحري كما ذكرنا ويشبه والله أعلم أن النبي ﷺ لم يكن معهم تلك الليلة وإنما كان قد سراهم سرية فلما اصبحوا لقوه وقد قفلوا من وجوههم ذلك هكذا تدل عليه الروايات. فإن قيل ففي حديث ابن عمر أن هذه الآية نزلت في صلاة التطوع في السفر. قلنا لا منافاة بين هذين فإن الآية الجامعة العامة تنزل في أشياء كثيرة أما أن يراد به جميع تلك المعاني بإنزال واحد وأما أن يتعدد الإنزال أما بتعدد عرض النبي ﷺ القران على جبريل ﵇ أو غير ذلك وفي كل مرة تنزل في شيء غير الأول لصلاح لفظها لذلك كله على أن قول الصحابة نزلت الآية في ذلك قد لا يعنون به سبب النزول وإنما يعنون به أنه اريد ذلك المعنى منها وقصد بها وهذا كثير في كلامهم وأيضا فإن المصلي استقبل غير القبلة جاهلا بها جهلا يعذر به فلم تجب عليه الإعادة كاهل قباء فانهم لما بلغهم الخبر في اثناء الصلاة استداروا إلى جهة الكعبة ولم يستانفوا الصلاة إلى الكعبة ولم يامرهم النبي ﷺ بالاعادة مع أن القبلة كانت قد حولت بعد دخولهم في الصلاة ولا فرق بين عدم العلم

стр. 521

بوجود الاستقبال لتجدد النسخ وعدم العلم بالجهة الواجبة إذا كان في كلا الأمرين معذورا ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وهذه الدلالة اعتمدها أحمد ﵁ في غير موضع من مسائله. وقد ذكر عن عطاء وقتادة أن النجاشي كان يصلي إلى بيت المقدس إلى أن مات وقد مات بعد نسخ القبلة بسنين متعددة فلما صلى عليه النبي ﷺ بقي في انفس الناس لأنه كان يصلي إلى غير الكعبة حتى انزل الله هذه الآية وهذا والله أعلم بأنه قد كان بلغه أن النبي ﷺ يصلي إلى بيت المقدس فصلى إليه ولهذا لم يصل إلى المشرق الذي هو قبلة النصارى ثم لم يبلغه خبر النسخ لبعد البلاد فعذر بها كما عذر أهل قباء وغيرهم فإن القبلة لما حولت لم يبلغ الخبر إلى من بمكة من المسلمين ومن كان بارض الحبشة من المهاجرين مثل جعفر وأصحابه ومن كان قد اسلم ممن هو بعيد عن المدينة إلى مدة طويلة أو قصيرة ولم يامر النبي ﷺ احدا منهم باعادة ما صلاه إلى بيت المقدس قبل علمه بالناسخ وما ذلك إلا لأنه معذور لعدم العلم وأنه كان متمسكا بشريعة فلما لم يبلغه نسخها لم يثبت في حقه حكم النسخ لأن الله لا يكلفه علم الغيب فكذلك من اجتهد واستفرغ وسعه أو عميت عليه الأدلة لا يكلفه الله إلا وسعه ولأن القبلة المعينة تسقط بالعجز حال المسايفة وكذلك بالجهل حال الاشتباه لأن كلاهما معذور في ذلك ولأنه فعل ما أمر به كما أمر به فلم تلزمه الإعادة كالمصلي إلى القبلة وذلك أن السماء إذا اطبقت بالغيوم وهو

стр. 522

في صحراء من الأرض قد عميت عليه سبل الأدلة وانحسمت مسالك الاجتهاد فمن المحال أن يؤمر باستقبال جهة الكعبة. ولأن الطهارة ابلغ من الاستقبال ولو اجتهد في طلب الماء ثم تبين أنه كان مدفونا تحت الأرض التي هو عليها لم تجب عليه الإعادة حيث لم يقصر في الطلب فالمجتهد في القبلة أولى ولهذا حيث اوجبنا الإعادة على من اخل ببعض الشرائط ناسيا أو جاهلا اوجبناها لأنه في مظنة التقصير. فصل. وأما دلائل القبلة فقد جرد الناس التصنيف فيها من أهل الفقه والحساب فإنها تختلف باختلاف البلاد فاهل كل ناحية يخالف وجه استدلالهم وجه استدلال الناحية الأخرى والاشتباه له سببان. أحدهما: أن لا تعرف الجهات لغيم السماء ونحو ذلك ولو علم الجهات لعلم اين مكة منه لعلمه بانها يماني بلده أو شامي بلده ونحو ذلك وهذا هو الاشتباه الذي يعرض كثيرا فمتى قدر هذا على معرفة جهة القبلة فقد اجزاته صلاته وأن قلنا أن الفرض تحري عينها مع القدرة لأنه عاجز عن ذلك في هذه الحالة. الثاني: أن يعلم الجهات لكن لا يدري اين مكة منه فهذا لا يكاد يشتبه عليه جهة القبلة وإنما يشتبه عليه عينها وصلاته أيضا مجزئة إلى الجهة إذا لم يمكنه أكثر من ذلك قولا واحدا وقد يقع هذا كثيرا لمن قرب

стр. 523

من مكة وهو سائر لا يعرف الأرض إذا وقع في طرقات مشيه. والأدلة العامة ثلاثة أصناف سمائية وهوائية وارضية كل منها مبني على مقدمتين. إحداهما: أن يعلم النسبة التي بين مكان الصلاة التي يريد معرفة قبلته وبين الكعبة أن قصدت الاستدلال على العين أو بينه وبين جهة الكعبة أن قصدت الاستدلال على الجهة. والثانية: أن يعلم النسبة التي بين الدليل أو بين الكعبة أو جهتها فإذا علمت هاتين المقدمتين علمت النسبة التي يجب أن يكون المصلي إلى ذلك الدليل. مثال ذلك إذا اردت الاستدلال على قبلة أهل الشام والعراق وما بينهما من الجزيرة فقد علمت أن جهة الكعبة من هؤلاء الجهة اليمانية وأما العين فإن أهل الشام يستقبلون ما بين الركن الشامي والميزاب وأهل العراق يستقبلون ما بين الركن الشامي والباب واهل نجران ونحوهم يستقبلون نفس الركن الشامي والعلم بهذا ونحوه من مسامتات الأرض بعضها بعضا تحريره لأهل الحساب. والمقدمة الثانية العلم بجهة المشرق والمغرب وهذا ظاهر وأما العين فإن تعلم أن القطب يحاذي الركن الشامي ويواجهه وحينئذ تعلم أن الشامي إذا جعل القطب بين اذنه اليسرى ونقرة القفا فقد استقبل ما بين الركن الشامي والميزاب وأن العراقي إذا جعل القطب بين اذنه اليمنى ونقرة القفا فقد استقبل قبلته. فأما دلائل السماء فمنها الشمس إذ هي أظهر والاستدلال بها أيسر

стр. 524

فانها تطلع من المشرق وتغرب في المغرب فمن كانت قبلته الركن الذي يلي الحجر من ناحية المشرق ويسمى الركن الشامي والركن الاخر الذي يلي الحجر الركن الغربي ويسميان جميعا الركنين الشاميين وقد يسمى الأول الركن العراقي والثاني: الركن الشامي وركن الحجر الأسود الركن البصري وأما الركن الرابع: فإنه يسمى اليماني بلا اختلاف في العبارة ويسمى هو وركن الحجر الأسود الركنين اليمانيين فمن كانت قبلته هذا الركن الذي يسمى العراقي والشامي وما يليه من ناحية الباب وما يليه من ناحية الحجر من أهل لمدينة والشام والجزيرة والعراق وخراسان وما وراء هذه البلاد إذا جعلوا المغرب عن ايمانهم والمشرق عن شمائلهم فقد استقبلوا جهة القبلة وفي ذلك جاءت الاثار المتقدمة. قال أبو عبد الله ﵀ بين المشرق والمغرب قبلة ولا يبالي مغرب الصيف ولا مغرب الشتاء إذا صلى بينهما فصلاته جائزة إلا انا نستحب أن يستقبل القبلة ويجعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره فيكون وسطا من ذلك وأن هو صلى فيما بينهما وكان إلى أحد الشقين اميل فصلاته جائزة إذا كان بين المشرق والمغرب ولم يخرج من بينهما. ومنها القمر فإنه يستدل بطلوعه في النصف الاخر من الشهر فإنه يطلع من المشرق لا سيما اواخر الشهر فإنه يطلع اخر الليل من المشرق وأما النصف الأول فإنه يستدل بغروبه فإنه يغرب في ناحية المغرب لا سيما ليالي الاهلال فإنه يغرب ويطلع في المغرب وليلة السابع: يكون أول الليل

стр. 525

في وسط السماء بين المشرق والمغرب وليلة احدى وعشرين يكون اخر الليل في وسط السماء. ويستدل أيضا باستواء الشمس وقت الزوال لمن يعرفه بزيادة الظل فإنها تكون حينئذ بين المشرق والمغرب والظل بعد يميل إلى جهة المشرق فمتى جعلها على رأسه أو تجاهه والفيء عن يساره كان مستقبلا جهة القبلة وكذلك القمر ليلة سابعة وقت المغرب وليلة احدى وعشرين وقت المشرق يكون في وسط الفلك فمن جعله فوق راسه أو تجاهه فقد استقبل القبلة. فصل. ومنها النجوم قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وقال عمر بن الخطاب ﵁: "تعلموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق في رواية عنه تعلموا من النجوم ما تهتدون في بركم وبحركم ثم امسكوا" رواه حرب. وعن علي ﵁ قال: "أيها الناس اياكم وتعلم النجوم إلا ما

стр. 526

تهتدون بها في ظلمات البر والبحر" رواه أبو حفص ولذلك استحسن أحمد معرفة منازل القمر وأن يتعلم بها كم مضى من الليل وكم بقي وذكر أنه تعلمها من أهل مكة. والنجوم اقسام. إحداها: منازل القمر الثمانية والعشرون فالاستدلال بها كالاستدلال بالشمس والقمر سواء لأنها تطلع من المشرق وتغرب في المغرب وهي السرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك والغفر والزباني والأكليل والقلب والشولة والنعايم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد الاحبية وسعد السعود والفرع المتقدم والفرع المؤخر وبطن الحوت فمن عرف كل منزل منها بعينه أمكنه الاستدلال بها فإن الاربعة عشر الأول هي شامية تميل في طلوعها إلى جهة الشمال والاربعة عشر الاواخر يمانية تميل في طلوعها إلى ناحية الجنوب ومن عرف المتوسط منها وقت طلوع الفجر وراه متوسطا استدل به كما يستدل بتوسط الشمس والقمر. وأثبت الأدلة على نفس الكعبة القطبان الشمال والجنوبي والقطب الشمالي هو الظاهر في عامة المسكون من الأرض مثل أرض الشام والعراق وخراسان والمشرق ومصر والمغرب وهذان القطبان هما قطبا الفلك المذكور في قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾

стр. 527

قالوا فلكه مثل فلكة المغزل ويقرب من القطب الشمالي نجم صغير يسميه الفقهاء القطب وهو كوكب خفي يمتحن الناس به ابصارهم يرى إذا لم يكن في السماء قمر وحوله انجم دائرة كفراشة الرحا في أحد طرفيها الفرقدان وفي الاخر الجدي وهو كوكب نير معروف إذا جله المصلي خلفه كان مستقبلا القبلة في الشام والجزيرة العراق وخراسان. وقال أبو عبد الله في غير موضع الجدي يكون على قفاه ويطلع من قبل المشرق وقال أيضا قبلتنا نحن وقبلة أهل المشرق كلهم واهل خراسان الباب وقد قال مرة اخرى وقيل له اين تحب أن يكون الجدي من الإنسان إذا قام إلى القبلة فقال أما الجدي فلم يرد في الجدي شيء إنما يروى إذا جعلت المشرق عن يسارك والمغرب عن يمينك فما بينهما قبلة وقيل له أيضا قبلة أهل بغداد على الجدي فجعل ينكر الجدي وقال ليس الجدي ولكن على حديث ابن عمر ما بين المشرق والمغرب قبلة ومعنى كلامه هذا أنه لا يجب على المصلي أن يتحرى الجدي ولا القبلة معلقة باستدباره كما يقول من يعتبر استقبال العين وإنما الواجب استقبال الجهة ويكفي في ذلك ما بين المشرق والمغرب لأن السائل كان غرضه أن ذلك كان واجبا فانكر أحمد ﵁ ذلك فأما المستحب فهو تحري الجدي كما نص عليه في موضع اخر لأنه اقوم استقبالا وبه يخرج من الشبهة والخلاف ثم أن أهل الشام ينحرفون إلى

стр. 528

الشرق قليلا فيكون القطب بين الاذن اليسرى وصفحة العنق وكلما امعن في المغرب كان الانحراف أكثر. واهل العراق ينحرفون إلى المغرب أكثر من ذلك فيكون القطب محاذيا لظهر الاذن اليمنى وكلما امعن في المشرق كان الانحراف أكثر وما كان بحران وسميساط وما كان على سمتها بين المشرق والمغرب محاذيا لمكة شرفها الله فإنه يجعل القطب خلف نقرة القفاء ولهذا يقولون اعدل القبل قبلة حران لكون القطب الذي هو أثبت الدلائل وابينها يجعل خلق القفا بلا انحراف فيتيقن اصابة العين لكون البلدة محاذية للركن الشامي بعدها عن المشرق والمغرب كبعد مكة ولهذا يجعل الشام من المغرب حتى فسروا قول النبي ﷺ : "لا يزال أهل الغرب ظاهرين" بأنهم أهل الشام ويجعل العراقي من المشرق لأن الأرض إذا قسمت قسمين قسما شرقي مكة وقسما غربي مكة كانت الشام في الجانب الغربي والعراق في الجانب الشرقي وحران وما كان على سمتها على مسامته مكة بين الجانب الشرقي والجانب الغربي فالمستقبل لعين الكعبة في البلاد الشرقية والغربية لا بد له من انحراف وقد لا ينضبط ذلك غاية الضبط لما

стр. 529

في رعايته من الكلفة ولأن قدر الانحراف قد لا يتحقق والا فلا بد لكل بلاد من قبلة معتدلة وأن شق ضبطها وهذا القدر من الإنحراف معفو عنه بالإجماع وأن قلنا يجب استقبال العين. ومتى كان الجدي عاليا والفرقدان تحته أو بالعكس فالقطب بينهما فاستدبارهما كاستدباره وأن كان أحدهما: في المشرق والاخر في المغرب فالقطب بينهما وهو إلى الجدي اقرب وبكل حال فإذا استدبر الجدي أو الفرقدين أو بنات نعش فهو مستقبل للجهة بكل حال وهو كافيه فإذا أراد مراعاة التحديد انحرف إلى ناحية القطب قليلا. فصل. وأما الدلائل الهوائية فهي الرياح ومهابها أربع تخرج من زوايا الأرض الاربعة ويقال أن الكعبة مبنية على مهابها فجدر الكعبة الاربعة مستقبلة لمهاب الريح واركان الكعبة مستقبلة بجهات الأرض الاربعة. احداهن الصبا سميت بذلك لأنها تصبو إلى الكعبة وهي تهب إلى وجهها ما بين مطلع الثريا ومطلع الجدي. والدبور تجاهها تهب إلى دبر الكعبة ما بين مطلع سهيل ومغرب الثريا. والجنوب تهب إلى جانب الكعبة اليماني ما بين مطلع الثريا ومطلع سهيل. والشمال تجاهها ما بين مطلع الجدي ومغرب الثريا فهذه الرياح من عرف خواصها وصفاتها أمكنه أن يستدل بها إذا كان في فضاء من

стр. 530

الأرض حيث تجري الريح على سنها ثم نسبة المصلي إليها تختلف باختلاف مكانه ولهذا تختلف عبارة أصحابنا العراقيين والشاميين وغيرهم في نسبة الرياح والشمس والقمر والجدي إلى المصلي لأن كل قوم وصفوا دلائل قبلة ارضهم خاصة على سبيل التحديد. فصل. وأما دلائل الأرض فقد قال بعض أصحابنا: أن ذلك لا ينضبط انضباطا عاما لكن من كان في موضع قد علم جهات ما فيه من الجبال والأنهار والابنية ونحو ذلك أمكنه الاستدلال. فأما بدون ذلك فإن الجبال والأنهار ليست كلها على وجهة واحدة حتى يحكم عليها بحكم عام. وقال كثير من أصحابنا يستدل بالجبال والأنهار الكبار. اما الجبال فإن لها وجوها يعرفها سكانها ولذلك لكل شيء وجه يعرف بالمشاهدة قالوا ووجوه الجبال جميعها إلى جهة بيت الله . اما الأنهار فقالوا أكثر الأنهار الكبار التي خلقها الله لم يحتفرها الناس لاغراضهم تجري من مهب الريح الشمال إلى مهب الريح
следующие страницы →