Полный текст (587 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
تهتدون بها في ظلمات البر والبحر" رواه أبو حفص ولذلك استحسن أحمد معرفة منازل القمر وأن يتعلم بها كم مضى من الليل وكم بقي وذكر أنه تعلمها من أهل مكة.
والنجوم اقسام.
إحداها: منازل القمر الثمانية والعشرون فالاستدلال بها كالاستدلال بالشمس والقمر سواء لأنها تطلع من المشرق وتغرب في المغرب وهي السرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك والغفر والزباني والأكليل والقلب والشولة والنعايم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد الاحبية وسعد السعود والفرع المتقدم والفرع المؤخر وبطن الحوت فمن عرف كل منزل منها بعينه أمكنه الاستدلال بها فإن الاربعة عشر الأول هي شامية تميل في طلوعها إلى جهة الشمال والاربعة عشر الاواخر يمانية تميل في طلوعها إلى ناحية الجنوب ومن عرف المتوسط منها وقت طلوع الفجر وراه متوسطا استدل به كما يستدل بتوسط الشمس والقمر.
وأثبت الأدلة على نفس الكعبة القطبان الشمال والجنوبي والقطب الشمالي هو الظاهر في عامة المسكون من الأرض مثل أرض الشام والعراق وخراسان والمشرق ومصر والمغرب وهذان القطبان هما قطبا الفلك المذكور في قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
стр. 527
قالوا فلكه مثل فلكة المغزل ويقرب من القطب الشمالي نجم صغير يسميه الفقهاء القطب وهو كوكب خفي يمتحن الناس به ابصارهم يرى إذا لم يكن في السماء قمر وحوله انجم دائرة كفراشة الرحا في أحد طرفيها الفرقدان وفي الاخر الجدي وهو كوكب نير معروف إذا جله المصلي خلفه كان مستقبلا القبلة في الشام والجزيرة العراق وخراسان.
وقال أبو عبد الله في غير موضع الجدي يكون على قفاه ويطلع من قبل المشرق وقال أيضا قبلتنا نحن وقبلة أهل المشرق كلهم واهل خراسان الباب وقد قال مرة اخرى وقيل له اين تحب أن يكون الجدي من الإنسان إذا قام إلى القبلة فقال أما الجدي فلم يرد في الجدي شيء إنما يروى إذا جعلت المشرق عن يسارك والمغرب عن يمينك فما بينهما قبلة وقيل له أيضا قبلة أهل بغداد على الجدي فجعل ينكر الجدي وقال ليس الجدي ولكن على حديث ابن عمر ما بين المشرق والمغرب قبلة ومعنى كلامه هذا أنه لا يجب على المصلي أن يتحرى الجدي ولا القبلة معلقة باستدباره كما يقول من يعتبر استقبال العين وإنما الواجب استقبال الجهة ويكفي في ذلك ما بين المشرق والمغرب لأن السائل كان غرضه أن ذلك كان واجبا فانكر أحمد ﵁ ذلك فأما المستحب فهو تحري الجدي كما نص عليه في موضع اخر لأنه اقوم استقبالا وبه يخرج من الشبهة والخلاف ثم أن أهل الشام ينحرفون إلى
стр. 528
الشرق قليلا فيكون القطب بين الاذن اليسرى وصفحة العنق وكلما امعن في المغرب كان الانحراف أكثر.
واهل العراق ينحرفون إلى المغرب أكثر من ذلك فيكون القطب محاذيا لظهر الاذن اليمنى وكلما امعن في المشرق كان الانحراف أكثر وما كان بحران وسميساط وما كان على سمتها بين المشرق والمغرب محاذيا لمكة شرفها الله فإنه يجعل القطب خلف نقرة القفاء ولهذا يقولون اعدل القبل قبلة حران لكون القطب الذي هو أثبت الدلائل وابينها يجعل خلق القفا بلا انحراف فيتيقن اصابة العين لكون البلدة محاذية للركن الشامي بعدها عن المشرق والمغرب كبعد مكة ولهذا يجعل الشام من المغرب حتى فسروا قول النبي ﷺ : "لا يزال أهل الغرب ظاهرين" بأنهم أهل الشام ويجعل العراقي من المشرق لأن الأرض إذا قسمت قسمين قسما شرقي مكة وقسما غربي مكة كانت الشام في الجانب الغربي والعراق في الجانب الشرقي وحران وما كان على سمتها على مسامته مكة بين الجانب الشرقي والجانب الغربي فالمستقبل لعين الكعبة في البلاد الشرقية والغربية لا بد له من انحراف وقد لا ينضبط ذلك غاية الضبط لما
стр. 529
في رعايته من الكلفة ولأن قدر الانحراف قد لا يتحقق والا فلا بد لكل بلاد من قبلة معتدلة وأن شق ضبطها وهذا القدر من الإنحراف معفو عنه بالإجماع وأن قلنا يجب استقبال العين.
ومتى كان الجدي عاليا والفرقدان تحته أو بالعكس فالقطب بينهما فاستدبارهما كاستدباره وأن كان أحدهما: في المشرق والاخر في المغرب فالقطب بينهما وهو إلى الجدي اقرب وبكل حال فإذا استدبر الجدي أو الفرقدين أو بنات نعش فهو مستقبل للجهة بكل حال وهو كافيه فإذا أراد مراعاة التحديد انحرف إلى ناحية القطب قليلا.
فصل.
وأما الدلائل الهوائية فهي الرياح ومهابها أربع تخرج من زوايا الأرض الاربعة ويقال أن الكعبة مبنية على مهابها فجدر الكعبة الاربعة مستقبلة لمهاب الريح واركان الكعبة مستقبلة بجهات الأرض الاربعة.
احداهن الصبا سميت بذلك لأنها تصبو إلى الكعبة وهي تهب إلى وجهها ما بين مطلع الثريا ومطلع الجدي.
والدبور تجاهها تهب إلى دبر الكعبة ما بين مطلع سهيل ومغرب الثريا.
والجنوب تهب إلى جانب الكعبة اليماني ما بين مطلع الثريا ومطلع سهيل.
والشمال تجاهها ما بين مطلع الجدي ومغرب الثريا فهذه الرياح من عرف خواصها وصفاتها أمكنه أن يستدل بها إذا كان في فضاء من
стр. 530
الأرض حيث تجري الريح على سنها ثم نسبة المصلي إليها تختلف باختلاف مكانه ولهذا تختلف عبارة أصحابنا العراقيين والشاميين وغيرهم في نسبة الرياح والشمس والقمر والجدي إلى المصلي لأن كل قوم وصفوا دلائل قبلة ارضهم خاصة على سبيل التحديد.
فصل.
وأما دلائل الأرض فقد قال بعض أصحابنا: أن ذلك لا ينضبط انضباطا عاما لكن من كان في موضع قد علم جهات ما فيه من الجبال والأنهار والابنية ونحو ذلك أمكنه الاستدلال.
فأما بدون ذلك فإن الجبال والأنهار ليست كلها على وجهة واحدة حتى يحكم عليها بحكم عام.
وقال كثير من أصحابنا يستدل بالجبال والأنهار الكبار.
اما الجبال فإن لها وجوها يعرفها سكانها ولذلك لكل شيء وجه يعرف بالمشاهدة قالوا ووجوه الجبال جميعها إلى جهة بيت الله .
اما الأنهار فقالوا أكثر الأنهار الكبار التي خلقها الله لم يحتفرها الناس لاغراضهم تجري من مهب الريح الشمال إلى مهب الريح
стр. 531
الجنوب مثل الفرات ودجلة قالوا إلا نهرين أحدهما: بالشام يسمى العاصي والاخر بخراسان يسمى جيحون يسمى كل واحد منهما المقلوب فإذا كانت هذه الأنهار تجري من يمنة المصلي إلى يسرته وقرب كتفه الايمن من الماء وبعدها اليسرى منه إذا كان الماء امامه وأن كان الماء خلفه فبالعكس فقد استقبل جهة الكعبة والنهران المقلوبات يجعلهما بالعكس جاريين من ميسرته إلى ميمنته وهذا والله أعلم في قبلة أهل العراق وخراسان ومن قاربهم من أهل الشام ونحوهم والا فنيل مصر يجري من الجنوب إلى الشمال ونهر الاردن بالشام يجري إلى ناحية الجنوب وهي ناحية القبلة.
стр. 532
مسألة: (وان اختلف مجتهدان لم يتبع أحدهما: صاحبه وتبع الأعمى والعامي اوثقهما في نفسه).
وجملة ذلك أن المجتهد في القبلة هو العالم بدلائلها القادر على الاستدلال بها سواء كان فقيها أو لم يكن.
فأما الأعمى أو البصير الذي لا يعلم ادلتها أو يعلمها اسما ووصفا ولا يعلمها عينا فليس بمجتهد سواء كان فقيها أو لم يكن لأن المجتهد في كل فن هو القادر على الاستدلال على مطالبه بسهولة فأما المجتهد ففرضه العمل بما اداه اجتهاده إليه سواء خالفه غيره أو وافقه وسواء كان أعلم منه أو لم يكن وسواء اجتهد أو لم يجتهد إذا كان الوقت متسعا للاجتهاد كما قلنا في المفتي والقاضي وكما في الاجتهاد في امور الدنيا وغيرها.
قال أصحابنا: وأن أمكنه أن يتعلم دلائل القبلة ويستدل بها قبل أن يضيق الوقت لزمه ذلك لأنه قادر على التوجه بالاجتهاد فلم يجز له التقليد كالعالم بالأدلة وذلك لأن مؤنة تعلم ادلة القبلة يسيرة لا تشغل الإنسان عن مصالحه فاشبه تعلم الفاتحة وصفة الوضوء وغيرها من فرائض الصلاة بخلاف تعلم ادلة الأحكام الشرعية وطريق الاجتهاد فيها فإن تكليف العامة ذلك يشغلهم عن كثير من مصالحهم التي لا بد منها لهم منها.
فان ضاق الوقت عن تعلم الأدلة والاستدلال بها فهو بمنزلة العاجز عن
стр. 533
تعلم الأدلة يقلد غيره فإن تعذر عليه الاجتهاد مع قدرته عليه لكونه محبوسا في ظلمة صار فرضه التقليد بمنزلة المقلد الذي لا يحسن الاستدلال هكذا ذكر القاضي وغيره من أصحابنا وذكروا أن أحمد اوما إليه ومن أصحابنا من قال هذا بمنزلة المقلد الذي لا يجد من يقلده يصلي على حسب حاله.
والصواب أن هذا الاطلاق يجب أن يحمل على ما إذا لم يجد من يقلده والا فلا فرق بين المحبوس في ظلمة وبين الأعمى.
وان ضاق الوقت عن الجتهاد مع علمه بالأدلة فخاف أن اشتغل به أن يفوته الوقت فإنه يصلي بالتقليد عند جماهير أصحابنا.
ومنهم من قال يصلي على حسب حاله وهو كالذي قبله وقال أبو محمد المقدسي صاحب الكتاب ﵀ بل يجتهد لأن الاجتهاد في حقه شرط صحة الصلاة فلم يسقط بخروج الوقت كسائر الشرائط ولأنه مجتهد لا يجوز له التقليد مع سعة الوقت فلا يجوز له مع ضيقه كالمجتهد في الأحكام الشرعية مفتيا وقاضيا.
والأول هو الصواب لأن الصلاة في الوقت بالتقليد خير من الصلاة بعد خروج الوقت بالاجتهاد كمن يقدر على تعلم الأدلة لكن يخاف أن اشتغل بتعلمها فوات الوقت ولأن الصلاة في الوقت الحاضر فرض فلم يجز
стр. 534
تفويتها للاشتغال باسباب الشرائط كمن يعلم أنه يقدر على الماء أو على الثوب بعد الوقت ولأن الاجتهاد ليس هو الشرط وإنما هو الطريق إلى معرفة الشرط فلم يجز تفويت الصلاة بسببه كطلب الماء ولأن التقليد طريق صحيح وهو يدل على الاجتهاد فوجب العمل به عند خشية الفوات كالتيمم عند الماء ولا نسلم أن الاجتهاد هو الشرط كما تقدم ثم ينتقض بمن يعلم أنه يجد الماء بعد الوقت أو تتبين له القبلة أو يجد السترة أو يقدر على إزالة النجاسة بعد الوقت ولأنه لو أدركته الصلاة حال المسايفة وجب عليه أن يصلي في الحال إلى غير القبلة وأن كان بقتاله مجتهدا في الامن الذي يقدر به على استقبال القبلة.
فإن قيل أما أن كان زمن الاجتهاد يطول فما ذكرتموه ظاهر أنه قد تقدم أن الشروط كلها متى كان الاشتغال بتحصيلها من أول الوقت تفوت معه الصلاة لم يجز تفويت الصلاة لاجلها وأما أن كان زمن الاجتهاد قريبا مثل رجل استيقظ قبيل طلوع الشمس فقد قلتم في مثل هذا أنه يشتغل باسباب التوضىء واللبس وأن فات الوقت لأن ذلك وقته.
قلنا الخلاف في هذه الصورة اقرب والفرق بين القبلة وغيرها أن امرها خفيف يسقط في حال الخوف وفي صلاة التطوع في السفر من غير إعادة بالإجماع ويسقط بالجهل كاهل قباء ومن تحرى فاخطا ولأن المقلد عامل بطريق وأن كان اضعف الطريقين ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وأما المفتي والحاكم فليس للإجتهاد به وقت
стр. 535
محدود في الشرع ولم يتعين على هذا الحاكم والمفتي ومتى تبين له أنه خالف النص نقض حكمه وفتياه ولا يجوز له العمل بخلاف النص في وقت من الاوقات واستقبال الكعبة يسقط بالجهل والعجز من غير إعادة وفي القبلة إذا استوت عنده الجهات صلى إلى أي جهة شاء والعالم إذا استوت عنده الاقوال لم يجز له أن يفتي أو يحكم بشيء وذلك لأن العالم قد أخذ عليه أن لا يقول إلا بعلم والتقليد له طريق إلى العلم الذي أمر به فيسكت كما لو لم يكن مجتهدا والصلاة لا بد له من فعلها أما باجتهاد أو تقليد.
وفي الحقيقة لا فرق بين الموضعين لأن الوقت إذا ضاق عن الاجتهاد صار المجتهد كالقاضي في الموضعين والعامي يصلي بالتقليد في الموضعين ويحرم عليه أن يفتي أو يقضي بالتقليد.
فصل.
وان استوت الجهات كلها في نظر المجتهد لتعارض الأدلة في نظره أو لعدمها بان تكون السماء مطبقة بالغيوم ولا دليل له يستدل به فهذا أيضا كالعاجز عن الاستدلال لكونه محبوسا في ظلمه ونحوه.
قال بعض أصحابنا: يصلي على حسب حاله إلى أي جهة شاء.
وعلى ما ذكره سائر أصحابنا فإنه يقلد غيره أن وجد من يقلده لأن استواء الجهات في نظره تلحقه بالعامي فيقلد كما يقلد العامي
стр. 536
فأما إذا تعذر التحري على المجتهد لاستواء الجهات في نظره أو لكونه ممنوعا من رؤية العلامات أو لضيق الوقت على المشهور أو ضاق الوقت عن التعلم على من يمكنه التعلم وتعذر عليهم التقليد أيضا كالجاهل بدلائل القبلة إذا تعذر عليه التقليد وكالأعمى إذا تعذر عليه التقليد وجماع ذلك أن تستوي الجهات عند المكلف فلا يترجح بعضها على بعض باجتهاد ولا تقليد فهذا يصلي على حسب حاله إلى أي جهة شاء ويسقط عنه فرض استقبال جهة معينة هذا هو المذهب.
وعلى الوجه الذي ذكره أبو بكر الدينوري عليه أن يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات.
وعلى المذهب هل يستحب أن يصلي أربع صلوات قال ابن عقيل الاحوط أن يصلي أربع صلوات وظاهر كلام أحمد وأكثر أصحابنا أن هذا لا يستحب بل يعيد قال أبو بكر فيه قولان يعني روايتين.
أحدهما: لا يعيد لأنه لم يكلف غير هذا.
والثاني: يعيد لأنه دخل في الصلاة بغير دليل ولذلك خرجها القاضي على الروايتين فيمن عدم الماء والتراب وقال ابن حامد أن أخطأ اعاد وأن اصاب فعلى وجهين.
стр. 537
فان قلنا يعيد مطلقا فلأنه ترك المفروض عليه في الاستقبال بعذر نادر غير متصل فاشبه الحائض إذا تركت الصوم ومن عدم الماء والتراب لأنه وأن اصاب فذاك على وجه البحث والاتفاق وذلك لا يكفي.
وان قلنا يعيد أن أخطأ فقط فلان المقصود استقبال القبلة وقد حصل وانما يعيد إذا قدر على التحري وصلى بغير تحر وأن اصاب لأنه ترك المفروض عليه وهذا فعل ما أمر به.
وان قلنا لا يعيد مطلقا وهو الصحيح وهو الذي يدل عليه كلام أحمد واستدلاله قال في رواية محمد في الرجل يصلي لغير القبلة لا يعيد ﴿وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وهو الذي تقتضيه اصوله خصوصا في مسائل القبلة.
والقولان الاخران بعيدان على المذهب فإن القبلة إذا لم يمكن العلم بها صارت جميع الجهات له قبلة كما نص عليه أحمد ولهذا لم يختلف قوله أنه لا إعادة على المخطىء وذلك لأن الله سبحانه قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وقد تقدم أنها نزلت في الجاهل بالقبلة والعاجز عنها وكذلك الحديث المذكور ظاهره أن القوم لا يترجح عندهم جهة القبلة فصلى كل رجل على حسب حاله وجميع الأدلة المذكورة في مسألة: (من اجتهد فاخطا يعم هذا الموضع لأن سقوط الاصابة عن المجتهد والمقلد لكونه غير قادر عليها كسقوط
стр. 538
الاجتهاد والتقليد عن العاجز عنهما ولأن القبلة شرط من الشروط فسقط بالجهل به على وجه يعذر به كسائر الشروط والتعليل بالندرة ضعيف كما تقدم وبتقدير صحته فالقبلة اخف من غيرها كما تقدم وسر المسألة ان المصلي إلى أي الجهات توجه فثم وجه الله وقبلته لكنه سبحانه عين اشرف الجهات عند العلم والقدرة فإذا تعذر ذلك استوت الجهات كلها والله سبحانه أعلم هذا فيمن كان بدار الاسلام.
فأما من كان بدار الحرب ولا طريق له إلا إلى العلم بالقبلة فقال أبو بكر لا إعادة عليه هنا قولا واحدا بخلاف من هو في دار الاسلام لأن العذر يكثر ويطول في اسارى المسلمين المحبوسين في مطامير الكفار وقصة النجاشي تؤيد هذا.
فصل.
فان ترك الاجتهاد مع قدرته عليه أو التقليد مع قدرته عليه أو صلى إلى غير الجهة التي أمر من قلده بها فإنه يعيد بكل حال اصاب أو أخطأ في ظاهر المذهب لأنه فعل ما لم يؤمر به فلم تنفعه الاصابة اتفاقا كمن افتى بغير علم أو قضى للناس على جهل أو قال في القران برايه أو شهد بما لا يعلم فإن هؤلاء لا ينفعهم الاصابة في نفس الأمر لأنهم لم يعلموا أنهم مصيبون وعكس هؤلاء من اجتهد فاخطا في قضاه أو فتياه أو حلف على
стр. 539
شيء يظنه كما حلف عليه أو اجتهد أو قلد في القبلة فأخطا فإن الخطأ عن هؤلاء محطوط لأنهم فعلوا ما يقدرون عليه.
فصل.
وأما الأعمى والجاهل بادلة القبلة الذي لا يمكنه التعلم أو الذي يضيق وقته عن التعلم فإنه إذا اختلف عليه مجتهدان فإنه يتبع اوثقهما عنده علما بدلائل القبلة وورعا في تحريها وذلك واجب عند أكثر أصحابنا فإن قلد المفضول لم تصح صلاته.
وقال بعض أصحابنا: يجوز تخريجا على أن للعامي أن يقلد من شاء من المفتين فإن فيه روايتين أشهرهما جوازه لأنه أخذ بدليل يجوز العمل به منفردا فكذلك إذا كان معه غيره كما لو استويا فانهما إذا استويا قلد من شاء منهما وحكى الحلواني في هذه المسألة روايتين أيضا وقدم رواية التخيير كالروايتين في الاستفتاء.
والأول اقيس لأنه إنما جاز له أن يقلده حال النفراد لعدم المعارض كما يعمل في خبر الواحد والقياس والعموم مع عدم المعارض فإن غلبة الظن بمعرفة المجتهد تزول إذا خالفه من هو أعلم منه ولأن أمر
стр. 540
القبلة مبني على العمل بالأقوى فلم يجز العمل بالاضعف كما لو تعارضت الأدلة عند المجتهد فإنه يجب عليه العمل باقواها وكما لو اخبر المحبوس والأعمى رجلان كل مهما يزعم أنه يخبره عن علم بجهة القبلة واختلفا فإنه يجب عليه أن يعمل باصدقهما واوثقهما ولأنه عمل بالمرجوح فيما لم يبن على التوسعة والرخصة فلم يجز كالعمل بالدلالة الضعيفة.
وأما تقليد المفتين فإن ابن عقيل وغيره سووا بينهما في وجوب تقليد اوثقهما في نفسه وهو احدى الروايتين طردا للقياس قالوا لأن الحق في جهة واحدة وعلى المكلف أن يطلبه بأقوى الأدلة في نفسه واقوال المفتين للعامي كالأدلة الخاصة للمجتهد وله نوع اجتهاد فيمن يقلده فكما وجب على المجتهد رايه في ادلة الأحكام أن يتبع أقوى الدلالتين كذلك يجب على المجتهد رايه في اقوال المفتين أن يتبع اوثق القائلين وأكثر أصحابنا جوزوا له تقليد من شاء وهو أشهر الروايتين إذا لم يكن من أحد الجانبين نص ونحوه.
ثم أن طائفة من أصحابنا منهم ابن عقيل وأبو بكر الدينوري ذكروا رواية عن أحمد أن كل مجتهد مصيب بناء على اذنه لبعض من استفتاه أن يقلد غيره من المفتين إذا افتاه بخلاف قوله وصنف رجل كتابا سماه كتاب الاختلاف فقال سمه كتاب السعة ولا تسمه كتاب الاختلاف وقال لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه قال ولو كان يعتقد أنهم على خطأ لما دل عليهم وأمر بالاستفتاء لهم وبنى الدينوري على
стр. 541
هذا أن المصلي إلى القبلة باجتهاده مصيب لما عند الله وأن استقبل غير جهة الكعبة وعلى هذا فيظهر تخيير العامي في تقليد من شاء في القبلة وأيضا فلا فرق بل يقال التخيير في القبلة أولى من التخيير بين اعيان المفتين لأن من استوت عنده الجهات صلى إلى حيث شاء ومن تكافات عنده الدلالات امسك عن الفتيا حتى يتبين له الحق وذلك لأن ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ولا يجوز أن يقال أي شيء قلتم فهو حكم الله ولأن التخيير بين الجهات لا تناقض فيه بل هو كالتخيير بين انواع القراءات في التشهد بخلاف التخيير بين اعتقاد التحليل والتحريم ونحو ذلك فإنه متناقض والمنصوص عنه في غير موضع وهو مذهب معروف أن الحق عند الله واحد وعلى المكلف أن يطلبه والمصيب له واحد وليس هذا موضع استقصاء في ذلك ولا ريب أن كون الحق عند الله واحدا في باب الأحكام ابلغ في باب الاستقبال ونحوه لأن المختلفين في القبلة وأن كان يعلم أن بعضهم مستقبل غير القبلة فجعل جهة غير القبلة قبلة أمر معهود في الشرع في حال الخوف والتطوع على الراحلة وهو في هذه الحال مستقبل القبلة التي شرعها الله له ظاهرا وباطنا فكذلك في حال الجهل بها للاشتباه أي جهة ولاها فثم وجه الله بخلاف حكم غير الحكم الذي حكم الله فإنه لا يجوز أن يكون هو حكم الله ظاهرا وباطنا بالنسبة إلى أحد من المكلفين كما هو مقرر في موضعه وأن قلنا هو مصيب في اجتهاده مخطىء بحكم الله أو قلنا هو مخطئ فيهما جميعا لكن الفرق بين التقليد في القبلة والتقليد في الأحكام أن تقليد الاوثق فيه
стр. 542
القبلة ليس فيه عسر ولا حرج إذ الجهات بالنسبة إلى المصلي سواء فيبقى تقليد المرجوح لا وجه له بخلاف الأحكام فإن الزام العامة بقول واحد بعينه في جميع الأحكام فيه عسر وحرج عظيم منفي بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقد جعل اختلاف العلماء رحمة وتوسعة على الأمة وما زال المسلمون في كل عصر ومصر يقلدون من العلماء من علم عندهم بالعلم وقد كان الصحابة يعلمون فضل بعضهم على بعض في بعض انواع العلم ثم لم يقصروا العامة على استفتاء ذلك الافضل في ذلك النوع وأيضا فإنه يجب الرجوع إلى قول اوثق الطبيبين والقائفين والمقومين فكذلك في قول اوثق المجتهدين في القبلة لأنها امكور جزئية ولا يشق تعيين الأقوى منها بخلاف الأحكام الشرعية فإنها كثيرة ومتسعة ولربما كان المفضول في كثير من المسائل اوثق من الفاضل ختلاف المطلوبات فيها والمسألة محتملة.
هذا إذا اختلف مجتهدان وعلم اختلافها فأما إذا كانت هناك عدة مجتهدين ولم يدر ايتفقون أم يختلفون.
مثل أن يكون في جيش عظيم أو ركب عظيم فهل له أن يقلد من تيسر عليه منهم أم يجب عليه أن يسال اوثقهم لأصحابنا في الاستفتاء وجهان فكذلك يخرج هنا مثله لكن ظاهر كلامهم هنا أن ذلك لا يجب عليه لأنهم قصروا اتباع الاوثق على حال الاختلاف ولأنه لو كان قريبا منه امارة تدل على القبلة جاز له اتباعها ولم يجب عليه أن يقطع مسافة إلى
стр. 543
امارة اخرى لجواز أن تخالفها ولأن الأصل عدم الاختلاف.
فصل.
وإذا اختلف اجتهاد رجلين لم يجز أن يأتم أحدهما: بصاحبه في المنصوص المشهور ومتى ائتم أحدهما: بالاخر فصلاة الماموم باطلة وفي صلاة الامام وجهان.
وقال بعض أصحابنا: قياس المذهب جوازه كما لو ائتم بمن يخالف اجتهاده في بعض شروط الصلاة كمن يصلي خلف من يصلي في جلود السباع فإنه تصح صلاته في المنصوص عنه ولأن خطأ الامام هنا لا يمنع صحة الصلاة ظاهرا ولا باطنا لأن الامام لا يعيد إذا تبين له الخطا بخلاف ما لو اعتقد الماموم أن الامام محدث.
ووجه الأول ما تقدم من الحديث المذكور فإن الصحابة ضوان الله عليهم حينئذ صلى كل واحد منهم على حدته ولم يصلوا جماعة واحدة ولو كان ذلك جائزا لفعلوا لأن الجماعة واجبة أو سنة مؤكدة ولأن الماموم يعتقد أن الامام يترك شرطا من شرائط الصلاة للعجز عنه فاشبه ما لو كان الامام عاريا أو محدثا وعدم الماء والتراب أو مربوطا إلى غير القبلة أو حاملا لنجاسة لا يقدر على إزالتها أو اميا أو اقطع وأيضا فإنه هنا يتيقن أن
стр. 544
صلاته اشتملت على ترك استقبال القبلة وكل صلاة تيقن أنه ترك فيها استقبال القبلة فهي باطلة لأنه أن كان هو المصيب فصلاته مبنية على صلاة امامه وصلاة امامه على هذا التقدير إلى غير القبلة فتكون صلاته إلى غير القبلة مع القدرة على ترك ذلك.
وان كان امامه هو المصيب فصلاته هو إلى غير القبلة وبهذا يظهر فقه المسألة فان العفو عما يجوز أن يكون صوابا أو خطأ إذا ضم إليه ما يتيقن باجتماعهما حصول الخطا لم يحصل العفو عنهما جميعا كما لو احدث أحد رجلين ولم يعلم عينه وقلنا لكل منهما أن يصلي فليس لأحدهما: أن يأتم بالاخر وكما لو قال رجل أن كان هذا الطائر غرابا فعبدي حر وقال اخر أن لم يكن غرابا فعبدي حر فإذا اجتمع العبدان في ملك واحد حكمنا بعتق أحدهما وبهذا يظهر الفرق بينه وبينما إذا ترك الامام ما يعتقده الماموم ركنا أو شرطا لأنه لا يتيقن اشتمال الصلاتين على مبطل لجواز أن يكون اعتقاد امامه صوابا وحينئذ فتكون صلاة الامام صحيحة في الباطن وكذلك صلاته لأنه لم يترك شيئا ومجرد اعتقاد ايمانه لا يؤثر في صلاته نعم نظير مسألة القبلة أن يفعل أحدهما: شيئا ويتركه الاخر وهو عند أحدهما واجب فعله وعند الاخر مبطل فإنه هنا أن كان واجبا فقد تركه أحدهما: وأن كان مبطلا فقد فعله أحدهما: فالصلاة مشتملة على ترك واجب أو فعل محرم بيقين على أن القياس على مسائل الاجتهاد الفقهية قد فرق بينهما إذا سلم بما تقدم في التي قبلها وذلك أن مسائل الاجتهاد إذا لم يخالف الرجل فيها كتابا ولا سنة ولا اجماعا فإنه لا ينقض حكمه ولا حكم بخطاه ولا يحكم ببطلان صلاته ولا ينهى عن
стр. 545
استفتائه ولا ينهاه أن يعمل باجتهاده بل قد يؤمر باستفتائه أما لأن الحكم يختلف باختلاف الاجتهادات كما يقوله من يعتقد كل مجتهد مصييب ولأن الناس لم يكلفوا إلا ما يقتضيه رأيهم وأن كان في الباطن أشبه كما يقول أصحاب الشبه أو لم يكلفوا إلا طلب ما هو الحق في الباطن سواء اصابوه أو اخطاوه وقد عفي عنهم إذا اخطاوه.
أو لأنه وأن كان مخطئا في اجتهاده وحكمه فإن الله تعالى رفع الحرج فيها عن المخطىء وجعل له اجرا على اجتهاده اقرارا لكل ذي راي على رأيه مع أن الحق عند الله واحد بخفاء مدركها وخفة امرها ومشقة اصابة الحق فيها وعموم الرحمة والمصلحة في تيسير ذلك وتفاقم الفساد من هدم بعض الاجتهادات ببعض وهذان القولان هما اللذان يقولهما أصحابنا وأن كان الأول قد حكي في المذهب أيضا وهذا الواقع في احكام الشريعة لا يلزم مثله في قبله يقع في الدهور مرة ولا يلزم العفو فيما تعم به البلوى العفو عما لا تعم به البلوى.
فان اتفقا على الجهة واختلفا في العين فقال أحدهما: تنحرف يمينا وقال الآخر تنحرف شمالا فقال القاضي في الجامع أن قلنا المطلوب العين لم يجز له أن يتبعه وأن قلنا المطلوب الجهة وهو الصحيح من قوله جاز له أن يتبعه وقال في المجرد وغيره من أصحابنا من يجوز الائتمام هنا مطلقا وهذا أصح لانا أن قلنا المطلوب العين فإن الانحراف اليسير مع الخطا معفو عنه بكل حال بالإجماع والصلاة إلى قبلة واحدة في مثل هذه الحال.
стр. 546
فصل.
إذا صلى بالاجتهاد ثم تبين له في اثناء الصلاة أن جهة القبلة خلاف ذلك عن يقين استقبل القبلة ويبني على صلاته كاهل قباء لأن أولى صلاته كانت صحيحه ظاهرا وباطنا فهو كالعاري إذا وجد السترة في اثناء صلاته.
وان تبين له ذلك باجتهاد انحرف إلى الجهة التي تبين له أنها القبلة نص عليه وهو قول أكثر الأصحاب وقال ابن أبي موسى والآمدي وغيرهما يبنى على صلاته لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
والأول أصح لاننا لا ننقض الاجتهاد الأول وإنما نامر أن يتم الصلاة إلى الجهة الأخرى كما لو علم القبلة يقينا وهذا ممكن هنا دون القضايا والفتاوى فإن ذلك لا يمكن فيها إلا في حادثتين ثم أن كان امام فارقه المامومون إذا لم يتغير اجتهادهم واتموا جماعة وفرادى.
وان كان ماموما فارق امامه وبنى ولم يبق اجتهاده إلى تلك الجهة ولم يؤده اجتهاده إلى جهة اخرى وبنى على جهته لأنه لم يتبين له خطاه وقد دخل دخولا صحيحا.
وان صلى بتقليد ثم أخبره في اثناء صلاته مخبر أن القبلة في جهة اخرى فإن كان الثاني ممن لا يقبل خبره ولا اجتهاده أو أخبره باجتهاده وهو عنده مثل الأول لم ينصرف عن قبلته وأن كان الأول أخبره باجتهاده والثاني: عن علم انحرف إلى الجهة التي أخبره بها وأن كان الثاني أخبره
стр. 547
باجتهاد وهو اوثق من الأول فهو كما لو تغير اجتهاده وهو من أهل الاجتهاد فهل ينحرف على وجهين
فصل.
وإذا صلى بالاجتهاد ثم حضر صلاة اخرى جدد الاجتهاد فإن تغير اجتهاده صلى بالثاني ولم يعد ما صلى بالأول كالمفتي والحاكم يجدد اجتهاده في قضاياه وفتاويه والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد لأنه لم يتيقن الخطا فيما فعله اولا مع أنه لو يتيقن ذلك في القبلة لم يعد فاولى أن لا يعيد مع استمرار الشك في الجملة.
فصل.
ولا يتبع دلالة مشرك بحال مثل أن يدخل بلدا فيه محاريب هل هي بناء المسلمين أو المشركين أو يخبره الكفار أنها مبنية إلى القبلة ونحو ذلك.
ولو رأى على المحراب اثار المسلمين وهو في بلد كفار أو في بلد خراب لا يعلم هل هو بلد مسلم أو كافر لم يصل إليه لإحتمال أن يكون الباني له كافرا مستهزئا غارا للمسلمين إلا أن يكون مما يعلم أنه من
стр. 548
محاريب المسلمين.
قال بعض أصحابنا: لو علم قبلة الكفار فله أن يستدل بها على قبلة المسلمين مثل أن يرى قبلة النصارى في كنائسهم وقد علم أنهم يصلون إلى الشرق فإنه يستدل بها على القبلة فيجعله عن يساره وأن كانت هذه قبلته لأن خبرهم عن قبلتهم بمنزلة التواتر وهم لا يتهمون فيه.
стр. 549
مسألة: (الشرط السادس: النية للصلاة بعينها).
النية لها ركنان.
أحدهما: أن ينوي العبادة والعمل.
والثاني: أن ينوي المعبود المعمول له فهو المقصود بذلك العمل والمراد به الذي عمل العمل من اجله كما بينه النبي ﷺ بقوله: "إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" فميز ﷺ بين من كان عمله لله ومن كان عمله لمال أو نكاح والذي يجب أن يكون العمل له هو الله سبحانه وحده لا شريك له فإن هذه النية فرض في جميع العبادات بل هذه النية أصل جميع الاعمال ومنزلتها منها منزلة القلب من البدن ولا بد في جميع العبادات أن تكون خالصة لله سبحانه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ إلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أن أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ وقال
стр. 550
تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ وقال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ في عدة مواضع وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ وهذه الآيات كما دلت على فرض العبادة ففرضت العبادة وأن تكون لله خالصة وهذه حقيقة الاسلام وما في القران من قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالآنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات كلها تدل على هذا الأصل بل جماع مقصود الكتاب والرسالة هو هذا وهو معنى قول لا اله إلا الله وهو دين الله الذي بعث به جميع المرسلين.
وضد هذه النية الرياء والسمعة وهو ارادة أن يرى الناس عمله وأن يسمعوا ذكره وهؤلاء الذين ذمهم الله تعالى في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ
стр. 551
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ﴾ وقال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إلى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ﴾ ومن صلى بهذه النية فعمله باطل يجعله الله هباء منثورا وكذلك من ادى شيئا من الفرائض.
والكلام في هذه النية وتفاصيلها لا يختص بعبادة دون عبادة إذ الفعل بدون هذه النية ليس عبادة اصلا.
الركن الثاني: أن ينوي ما تتميز به عبادة عن عبادة فينوي الصلاة لتتميز عن سائر اجناس العبادات وينوي صلاة الظهر مثلا لتتميز عن صلوات سائر الاوقات وهكذا في كل ما يميز تلك العبادة من غيرها سواء كانت مفروضة أم مستحبة وهذه النية هي التي يتكلم عليها في هذه المواضع إذ الكلام هنا في فروع الدين وشرائعه وتلك النية متعلقة باصل الدين وجماعه والفقه في شرائع الدين وفروعه إنما هو بعد تحقيق اصوله إذ الفروع كمال الأصول واتمامها.
إذا تبين هذا فيجب على المصلي أن ينوي الفعل وهو الصلاة ليتميز قيامه عن قام العادة وكذلك سائر افعاله.
ويجب أن يعين الصلاة مثل أن ينوي صلاة الظهر أو العصر أن كانت ظهرا أو عصرا ونحو ذلك هذا ظاهر المذهب.
стр. 552
وعنه ما يدل على أنه يكفيه نية مطلقة إذا تعذر تعيين الصلاة وأمكن الاكتفاء بنية مطلقة بان ينوي فرض الوقت أو تكون عليه فائتة رباعية أما الظهر وأما العصر ينوي الواجب عليه كما قلنا في الزكاة.
والأول المذهب لأن مقصود كل صلاة واسمها ووقتها يخالف الأخرى فلا بد من تمييزها بالنية.
ولهذا لو كانت عليه فوائت فصلى رباعية ينويها عما عليه لم يجزه اجماعا ولو كانت عليه شياه عن ذود وغنم أو صيعان من طعام من صدقة فطر وعشر فاخرج شاة أو صاعا مما عليه أجزاه لأن الواجب ثم لم يختلف اسمه ولا مقصوده وإنما اختلف سبب وجوبه فإن مواقيت الصلاة حدود للصلوات صارت صفات لها فالعبادة المفعولة على غير ذلك الحد والصفة لا تسد مسدها معها كالبعير بالنسبة إلى البقرة ولهذا كانت الصلوات الخمس لا بد أن تخالف كل صلاة الأخرى في بعض واجباتها أو في بعض مستحباتها كما خالفتها في الوقت.
فصل.
وهل يجب عليه في المكتوبة أنها فرض على وجهين.
أحدهما: يجب عليه قاله ابن حامد لأن الظهر قد تكون نفلا كظهر الصبي والظهر المعادة وكما لو صلى الظهر اولا تطوعا قبل أن يصلي
стр. 553
المكتوبة.
والثاني: لا يجب وهو قول الأكثرين لأن الظهر المطلق ممن في ذمته ظهر لا يقع إلا فرضا فإذا نوى الظهر واطلق لم تكن إلا فرضا كما أن الزكاة المطلقة لما لم تقع إلا فرضا لم يجب أن ينوي الفرض وكذلك الوضوء من الحدث وغسل الميت وغسل الجنابة وأن كان مع التقييد قد تكون الزكاة نافلة كما يقال زكاة الحلي عاريته وكما قال ﷺ : "ليس فيما دون خمسة اوسق صدقة إلا أن يشاء ربها" وكما قد يستحب له إخراج الزكاة في مواضع تذكر أن شاء الله تعالى في مواضعها.
وسبب ذلك أن نية صفات العبادة تندرج في نية العبادة فإذا نوى الظهر اندرج في ذلك أربع ركعات وانها واجبة ونحو ذلك إذا كانت تلك العبادة لا تقع إلا على تلك الصفة أو تنصرف عند الاطلاق إلى تلك الصفة وعلل القاضي وغيره من أصحابنا ذلك بان الظهر الأولى من المكلف لا تقع إلا فرضا فلم يحتمل الفعل وجهين لتميز النية بينهما إلا أن هذا يشكل بمن نوى ظهرا تطوعا قبل المكتوبة كما حملوا عليه حديث معاذ بن جبل فانهم قالوا كان يصلي خلف النبي ﷺ تطوعا ثم يصلي بقومه المكتوبة وهذا جائز بل مستحب إذا كان لغرض صحيح مثل أن
стр. 554
يكون امام مسجد راتب فتقام الصلاة اولا في غير مسجده فيصلي الظهر معهم والتعليل بالاطلاق اجود.
فأما نية الوجوب في ابعاض الصلاة مثل أن ينوي وجوب قراءة الفاتحة ووجوب الركوع والسجود ونحو ذلك فلا يجب بل يكفي أن ياتي بالواجبات مع اعتقاد وجوب الصلاة في الجملة هكذا ذكره أصحابنا لأن تمييز الواجبات من غيرها إنما يدرك بالظن في كثير من المواضع وفيه من الخلاف والاشتباه ما لا خفاء به فلو كانت هذه النية واجبة لكان لا يصلي أحد صلاة متيقنة الصحة ولا صلاة مجمعا على صحتها ولأن ذلك لو كان واجبا لبينه النبي ﷺ بيانا قاطعا للعذر كما بين لهم وجوب الصلوات الخمس دون غيرها فلما لم يكن ذلك علم أن هذا ليس واجبا.
فصل.
وهل يحتاج أن ينوي في الحاضرة أنها الحاضرة أو المؤداة أو فرض الوقت وينوي في الفائتة أنها الفائتة أو المقضية أو فرض الوقت الفائت على ثلاثة أوجه.
أحدها: يجب عليه لأن احكام الفائتة تخالف احكام الحاضرة فإنها واجبة في وقت محدود يقتل بتركها ويحرم تأخيرها عن وقتها اجماعا ويشرع لها من الآذان والاجتماع وغير ذلك ما لا يشرع للفائتة وبنى
стр. 555
القاضي هذا الوجه على قول من لا يجيز ائتمام المؤدي بالقاضي فعلى هذا لو كان عليه ظهران فائتة وحاضرة فصلى ظهرا مطلقة لم تجزه عن واحدة منهما وأن لم يكن عليه إلا ظهرا فائتة أو حاضرة وصلى ظهرا لم يخطر بقلبه هل هي صلاة الوقت الحاضرة أو صلاة الوقت الفائتة لم يجزه.
والثاني: لا يجب ذلك بناء على أنهما صلاتان من جنس واحد ولهذا جوز اقتداء المؤدي بالقاضي من لم يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل ولأن حاصل ذلك يرجع إلى تعيين الوقت وهو غير واجب لأنه لو كان عليه فائتة لم يحتج أن ينوي يومها اتفاقا وكذلك لو كان عليه فائتتان من جنس كفاه أن يصلي إحداهما: ينوي أنها السابقة وأن لم يعين يومها فعلى هذا يجزئه في الصورة الثانية ويجزئه في الصورة الأولى ويقع عن الفائتة إذا كان ذاكرا لها لأن فعلها قبل الحاضرة واجب إلا أن يكون الوقت قد ضاق فيقع عن الحاضرة.
والوجه الثالث: تعتبر النية للفائتة دون الحاضرة لأن وقت الحاضرة يوجب انصراف النية إليها وأن جاز أن يفعل غيرها بخلاف الفائتة.
فأما أن نوى ظهر يومه معتقدا بقاء الوقت فتبين فواته أو معتقدا فواته فتبين بقاؤه أو غير معتقد شيئا ناويا ظهر يومه من غير أن يخطر بقلبه وصف القضاء أو الاداء أجزاه قولا واحدا وكذلك لو نوى الظهر التي عليه قبل اليوم في الفائتة وشبه ذلك لأنه قد عين الصلاة التي وجبت عليه في وجه
стр. 556
لا تشتبه بغيرها وذلك كاف فإن نية القضاء والاداء تلزم ذلك وكل صفة لازمة لما نواه لا يجب أن ينويها.
ولهذا قلنا لا يجب أن ينوي كونها أربع ركعات إذا كانت حاضرة ولا أن ينوي وصف الاداء إذا قصد فعلها في وقتها ولا أن ينوي وصف القضاء إذا قصد فعلها بعد خروج وقتها قولا واحدا لأن ذلك تابع لازم لما نواه.
ولو كان عليه ظهران فائتة وحاضرة فصلاهما ثم ذكر أنه ترك شرطا من إحداهما: لا يعلم عينها اجزاته صلاة واحدة ينوي بها ما عليه على الوجه الثاني: وعلى الأول والثالث: تلزمه صلاتان.
ولو كانتا فائتتين اجزاته صلاة واحدة قولا واحدا.
وعلى الاقوال الثلاثة إذا نوى صلاة بعينها اداء أو قضاء لم تجزه عن غيرها مثل أن ينوي ظهرا حاضرا وتكون عليه فائتة فإنه لا يجزئه عن الفائتة أو ينوي ظهر امس يعتقد أنها عليه ثم تبين أنها ليست عليه فإنها لا تجزئه ظهر اليوم سواء كانت فائتة أو حاضرة.
ومن أصحابنا من خرج وجها بالاجزاء الغاء لوصف التعيين كما الغينا وصف القضاء والاداء عند الاشتباه لأنهما من جنس واحد وهذا ضعيف لأن هذا نوى الصلاة لم تكن عليه فكيف تجزئه عما هو عليه خلاف وصف القضاء والاداء فإنه لا يخل بعين المكتوبة ولأنه لم يقصد
стр. 557
امتثال الأمر فيما يحكيه فيبقى في عهدته ولأنه لا يلزم من انصراف النية إليه عند الاطلاق انصرافها إليه إذا نوى غيرها كنية الفريضة ولأنه لو اخرج زكاة ماله الغائب فبان تالفا لم يجزه عن الحاضر ولو كفر عن يمين عينه بنيته ثم بان أنه لم يحنث لم يجزه عن يمين اخرى إذا كان الواجب عليه كفارتين ففي الصلاة أولى ولو كان عليه فائدتان من جنس فنوى إحداهما: لا بعينها أجزاه في أحد الوجهين لاتحاد الجنس كالزكوات والكفارات وهذا اختيار الآمدي وغيره.
وفي الاخر لا تجزئه حتى ينوي الأولى منهما لأن الترتيب شرط وهو قادر عليه.
فصل.
ولا يستحب أن يقصد في نيته أو لفظه نية اليوم الذي يصلي فيه ولا استقبال القبلة ذكره الآمدي وكذلك نية العدد أن كان مقيما أو مسافرا لأن هذا من شرط صحة الصلاة فلو شرع ذكره لشرع ذكر جميع الشرائط والأركان ولان المصلي وأن كان ينقسم إلى مستقبل وغيره كالخائف ونحوه والصلاة وأن كانت تنقسم إلى رباعية كصلاة المقيم وثنائية كصلاة المسافر فإن
стр. 558
الحالة التي هو عليها تميز بين الواجب عليه وغيره وتميز بين الواقع وغيره.
فصل.
والمنذورة كالمكتوبة في افتقارها إلى التعيين وإلى نية القضاء والاداء أن كانت كذلك عند من يقول به.
فأما التطوع فإن كان مقيدا لوقت أو سبب كالسنن الرواتب والضحى وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح فإنه يفتقر إلى التعيين وإلى نية القضاء أو الاداء عند من يقول به وكذلك تفتقر صلاة العيد والجنازة إلى نية الفرض على الكفاية عند من يقول باشتراط نية الفرضية فيما ذكره بعد أصحابنا.
стр. 559
مسألة: (ويجوز تقديمها على التكبير بالزمن اليسير إذا لم يفسخها).
لا نعلم خلافا في المذهب أنه يجوز أن تتقدم النية على التكبير ويكفي استصحاب حكمها لأن التكبير جزء من اجزاء الصلاة فجاز أن تكون النية مستصحبة فيه حكما وأن لم تكن مذكورة كسائر اجزاء الصلاة ولأن ايجاب مقارنة النية للتكبير يعسر ويشق على كثير من الناس ويفتح باب الوسواس المخرج لهم عن الصلاة إلى العبث واللغو من القول.
ولأن المقصود بالنية تمييز عمل عن عمل وهذا يحصل بالنية المقترنة والمتقدمة ولأن المعروف من صلاة النبي ﷺ وأصحابه أنهم كانوا يكبرون بيسر وسهولة من غير تعمق وتكلف وتعسير وتصعيب ولو كانت المقرانة واجبة لاحتاجوا إلى ذلك ولأن المصلي يحتاج أن ينوي الصلاة وعينها ووقتها وكونها فرضا عند من يقول بذلك وحضور هذه الارادات فيي قلبه لا يكون إلا في زمن فإن أراد احضار هذه الارادات في قلبه عند أول حرف من التكبير لم يمكن ذلك وأن بسط هذه الارادات على حروف التكبير خلى أول التكبير عن تمام النية الواجبة ولم يقارن اخره لبعض النية فعلم أن مقارنة النية المعتبرة للتكبير أو لبعض اجزائه محال وإنما الممكن ايقاع التكبير عقب النية المعتبرة فعلم أن الموجود حال التكبير حكم النية المعتبر ذكرها وإذا كان حكمها كافيا فلا فرق فيه بين التقدم والتأخر ولأن التكبير كلام له معنى فلا بد أن يتدبره ويتصوره ويفهمه لأنه لم يتعبد بلفظ
стр. 560
لا يتدبر معناه بل أكثر المقصود فهمه وتصوره وذلك إنما يكون حال النطق باللسان فلو كلف أن يحضر بقلبه ارادة تلك الامور حينئذ لم يمكن ذلك فعلم أنه حين التكلم إنما يستحضر معنى التكبير ونحوه من الاقوال وأن النية المعتبرة لذلك القول لا بد أن تسبقه سواء كان بينهما فعل أو لم يكن.
إذا تبين ذلك فقال كثير من أصحابنا إنما يجوز تقديمها بالزمن اليسير لأن ذلك هو الذي تدعو الحاجة إليه ولأن النية مرتبطة بالمنوي ارتباط القبول بالايجاب وارتباط ما يوصل بالكلام من الاستثناء ونحوه به فلا بد أن يتقارب ما بينهما من الزمن لأن طول الفصل يقطع الارتباط.
وقال الخرقي وأن تقدمت النية قبل التكبير وبعد دخول الوقت ما لم يفسخها أجزاه وهذا كالنص في جواز التقديم بعد دخول الوقت وحمل القاضي وغيره ذلك على التقديم بالزمن اليسير.
والصواب اقراره على ظاهره وقد صرح أبو الحسن الآمدي بمثل ذلك فقال يجوز تقديم النية على الصلاة بالزمن الكثير كما يجوز بالزمن اليسير ما لم يفسخها لأنه إذا لم يفسخها لا يزال له فسخها فهو مستصحب بحكمها.
والمنصوص عن أحمد يشبه ذلك فإنه سئل عن الذي يخرج من بيته يوم الجمعة ينوي قال خروجه من بيته نية وقال إذا خرج الرجل من بيته
стр. 561
فهو نيته افتراه كبر وهو لا ينوي الصلاة.
ووجه ذلك أنها عبادة مؤقتة فجاز تقديمها في أول الوقت المضاف إليها كالصوم واولى لأن الصلاة تجب باول وقتها والصوم إذا غربت الشمس فإنما تدخل الليلة المضافة إلى اليوم ولأنه إذا نوى من حين الوجوب فقد قصد امتثال الأمر بعد توجهه إليه ولم يفسخ هذا القصد فكان قصدا صحيحا كالمقارن ولأن من اصلنا أن ما يتقدم العقود من الشروط والصفات فإن العقد يقع على موجبه ما لم يفسخه المتعاقد أن فكذلك ما يتقدم عقود العبادات واولى فإنه إذا لم يكن فرق بين الشرط المقترن بالعقد والمتقدم عليه بزمن طويل أو قصير إذا لم يفسخ ذلك الشرط فكذلك لا فرق بين القصد المقترن بفعل العبادة والمتقدم عليها لأن بقاء القصد هنا ثابت بلاريب وهناك بقاء الحكم المشروط قد يرجع عنه أحد المتعاقدين لأن حكم الارادات المعتقدة لا يزول إلا بفسخ تلك الاعقادات بل يترتب عليها الثواب والعقاب في كل وقت كما أن حكم المعلوم المعتقد كذلك ولذلك يوصف الرجل بالاعتقاد للعلم والاعتقاد للعمل حتى يقال هو محب ومبغض وعالم ونحو ذلك مع غروب هذه الأشياء عن قلبه إذا لم ينفسخ وإذا لم يزل حكمها فيجب اعتباره.
فصل.
قال القاضي وغيره ويستحب أن تقارن النية التكبير ذكرا إلى آخر جزء
стр. 562
منه بان ينوي قبل التكبير ما يريده من الصلاة ويديم استحضار ذلك في قلبه إلى اخر التكبير ليخرج بذلك من الاختلاف ولأنه يستحب له اصطحاب ذكر النية إلى اخر الصلاة فاصطحابه إلى اخر التكبير أولى وليس لهذا أصل في كلام أحمد وأكثر أصحابه وكلام بعضهم يدل على أنه إنما يستحب له اصطحاب ذكر النية إلى حين التكبير وهذا هو المقارنة المستحبة على هذا القول لأنه بعد ذلك ينبغي أن يشتغل بالتكبير وتدبره وفي ذلك شغل عن غيره وكذلك اصطحاب ذكر النية المعتبرة في جميع الصلاة لا يؤمر به على هذا لأن الصلاة فيها ذكر مشروع في جميعها من قراءة وتكبير وتسبيح ودعاء وغير ذلك ففي تدبره شغل عن تصور غيره ولانا قد بينا أن استحضار النية حين النطق بالتكبير بغيره من الاذكار متعذر أو متعسر فيجب تقديم استحضار معنى التكبير لثلاثة أوجه.
أحدها: أنه هو المقصود وإنما النية وسيلة اليه.
الثاني: أن استحضار معناه لا يتقدم النطق به ولا يتأخر عنه فإن معنى اللفظ مقارن له بخلاف النية فإن تقدمها واجب لأن ارادة القول والفعل لا بد أن تسبق المراد.
الثالث: أن الكلام إذا لم يتصور معناه ولم يتدبره كان لفظا بلا معنى وذلك تشبيه له بالمهمل وإخراج له عن حقيقته حتى يصير كجسد لا روح فيه وأما النية فإن استحضارها عند ارادة التكبير كاف وهذا الكلام إنما يرد إذا كانت العبادة قولا من الاقوال كالتكبير فأما إذا كانت فعلا كالوضوء والغسل فإن استدامة ذكر النية في أول جزء من الفعل سهل متيسر لأن استحضار النية لا يشغل عن الفعل وقد يقوى القلب عن استحضار النية
стр. 563
مع استحضار معنى القول في حالة واحدة لكن هذا يكون في قليل من الناس.
فإن قيل فقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وهذا يقتضي وجود الاخلاص حين العبادة لأن الحال في الأمر يجب أن تكون مقارنة للفعل العامل فيها.
قلنا اولا هذا في نية الاخلاص لا في نية العمل المييزة له عن غيره وهما نيتان كما تقدم لأن هذه حقيقة المقصود وتلك تكملة له.
وثانيا أن النية المستصحبة حكما نية صحيحة وبها يكون الإنسان مخلصا وناويا بدليل الإجماع على جواز الذهول عن ذكر النية في اثناء الصلاة.
فصل.
ومحل النية القلب فلو تلفظ بخلاف ما نواه فالاعتبار بما نواه لا بما لفظ به لأن الفظ النية ليس من الصلاة.
وان لفظ بما نواه فقال القاضي وخلائق من أصحابنا هو اوكد وافضل ليجمع بين القلب واللسان وقال ابن عقيل أن كان ممن يعتريه الوسواس ولا تحصل له نية بقلبه إلا أن يستنهضها بلسانه فعل ذلك
стр. 564
لأن عليه تحصيل العقد باي شيء يحصل له كما يجب عليه تحصيل الماء بالشراء والسعي إليه إذا بعد واستعاره إذا كان في قعر بئر وغير ذلك من التسبب إلى العبادات وقد قال أحمد في رواية أبو داود وسأله هو قبل التكبير تقول شيئا قال لا وحمله بعض أصحابنا على أنه ليس قبل التكبير ذكر مشروع وكلام أحمد عام في الذكر واللفظ بالنية وذلك لأن النية محض عمل القلب فلم يشرع اظهارها باللسان لقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرض وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وفاعل ذلك يعلم الله بدينه الذي في قلبه ولهذا قال العلماء في قوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ لم يقولوه بالسنتهم وإنما علمه الله من قلوبهم ولهذا لم يستحبوا أن يتلفظ بنية الاخلاص.
ولأن التلفظ بذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا عن أحد من التابعين لهم باحسان ومعلوم أن ذلك لو كان مستحبا لفعلوه وعلموه وامروا به ولو كان ذلك لنقل كما نقل سائر الاذكار وإذا لم يكن كذلك كان من محدثات الامور ولأن النية مشروعة في جميع الواجبات والمستحبات
стр. 565
بل يستحب أن تكون جميع حركات العبد وسكناته بنية صالحة فلو كان اللفظ بها مستحبا لاستحب لمن يشيع جنازة أن يقول اتبعها ايمانا واحتسابا ولمن جاهد في سبيل الله أن يقول نويت بجهادي أن تكون كلمة الله هي العليا وإذا انفق نفقة أن يقول ابتغي بهذه النفقة وجه الله إلى سائر الاعمال ومعلوم يقينا أن النبي ﷺ والسابقين والتابعين لم يكونوا يتكلمون بهذه النيات مع وجودها في قلوبهم ولأن حصول النية في القلب أمر ضروري للفعل حتى لو أراد أن يفعله بلا نية لم يمكن.
وإذا حضرت النية فلو عبر عنها بما يدل على خلافها لم يؤثر ذلك لأنها مما يعرض للقلب بمنزلة الفرح والحزن والحب والبغض والرضى والسخط والشهوة والنفرة ومعلوم أن قصد تحقيق هذه الأشياء بالتعبير عنها قبيح ولأن ذلك تكثير لكلام لا أصل له وفتح لباب اللغو من القول فكان حسمه أولى والقول في الطهارة والصيام مثل هذا.
فإن قيل قد استحببتم أن يتكلم بما ينوي في الحج وقد نص أحمد على ذلك وروي عن جماعة من السلف.
قلنا الفرق بينهما من ثلاثة أوجه.
أحدهما: أن التكلم في الحج ماثور عن النبي ﷺ ومأثور عن الصحابة والتابعين قبل التلبية وفي اثناء التلبية.
الثاني أن الحج ليس في اوله ذكر واجب عند أصحابنا ولا له حد من الافعال الظاهرة يدخل به فيه فاستحب أن يتكلم بالنية ليبين أول الاحرام.
الثالث: أن أكثر الناس لا يعلمون ما يقصدون بالاحرام حتى يتكلموا به بخلاف الصلاة والصوم فإن المقصود معلوم لهم والنية تتبع العلم وبكل
следующие страницы →