← Акыда

Акыда · id 11256

شرح التدمرية - الخميس

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (448 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الرد على الأشعرية والمعتزلة بالأصل الأول قال شيخ الإسلام: "فأما الأصلان: فأحدهما: أن يقال: القول في بعض الصفات كالقول في بعض. فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، وقدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازاً ويفسره إما بالإرادة وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات، قيل له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته بل القول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به وله رضا وغضب يليق به وللمخلوق رضا وغضب يليق به، وإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قلت: هذه إرادة المخلوق، قيل لك: وهذا غضب المخلوق. وكذلك يُلزم بالقول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته، إن نفى عنه الغضب والمحبة والرضا ونحو ذلك ما هو من خصائص المخلوقين، فهذا منتفٍ عن السمع والبصر والكلام وجميع الصفات، وإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه. قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة. فهذا المفرِّق بين بعض الصفات وبعض، يقال له فيما نفاه كما يقوله هو

стр. 107

لمنازعه فيما أثبته، فإذا قال المعتزليُّ: ليس له إرادة ولا كلام قائم به لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات، فإنه يُبيَّن للمعتزلي أن هذه الصفات يتصف بها القديم، ولا تكون كصفات المحدثات، فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا، ونحو ذلك. فإن قال: تلك الصفات أثبتها العقل؛ لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك. قال له سائر أهل الإثبات: لك جوابان: أحدهما: أن يقال: عدم الدليل المعيَّن لا يستلزم عدم المدلول المعيَّن، فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يثبت ذلك فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل؛ لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت، والسمع قد دل عليه، ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم. الثاني: أن يُقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبتَّ به تلك من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم وعقاب الكفار يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته ـ وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة ـ تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأوْلى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة. وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات، ويقرّ بالأسماء كالمعتزلي، الذي يقول: إنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة. قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء وبين إثبات الصفات، فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيهاً وتجسيماً، لأنّا لا نجد

стр. 108

في الشاهد متصفاً بالصفات إلا ما هو جسم. قيل لك: ولا تجد في الشاهد ما هو مسمى بأنه حي عليم قدير إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا لجسم فانفِ الأسماء، بل وكل شيء؛ لأنك لا تجده في الشاهد إلا لجسم. فكا ما يحتج به من نفى الصفات، يحتج به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جواباً لذلك كان جواباً لمثبتي الصفات. وإن كان المخاطب من الغلاة، نفاة الأسماء والصفات، وقال: لا أقول هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير. قيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيهاً بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات. فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات. قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجوداً معدوماً، أو لا موجوداً ولا معدوماً، ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يُوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل. فإن قلت: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلاً لهما وهذا يتقابلان تقابل العدم والمَلَكة، لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت، إذ ليس بمقابل لهما. قيل لك: أولا: هذا لا يصح في الوجود والعدم، فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب، باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر. وأما ما ذكرته من الحياة والموت، والعلم والجهل، فهذا اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاؤون والاصطلاحات اللفظية ليست دليلاً على نفي الحقائق العقلية، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ*أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢.ـ٢١] ، فسمى الله الجماد ميتاً، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم.

стр. 109

وقيل لك: ثانياً: فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر، ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك، فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحداً منهما، فأنت فررت من تشبيهه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك. وأيضاً فما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعاً من القابل للوجود والعدم، بل ومن اجتماع الوجود والعدم، ونفيهما جميعاً، فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم كان أعظم امتنعاعاً، مما نفيت عنه الوجود والعدم، وإذا كان هذا ممتنعاً في صرائح العقول فذلك أعظم امتناعاً، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات، وهذا غاية التناقض والفساد. وهؤلاء الباطنية منهم من يصرّح برفع النقيضين: الوجود والعدم، ورفعهما كجمعهما، ومنهم من يقول: لا أثبت واحداً منهما، وامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر، وإنما هو كجهل الجاهل، وسكوت الساكت، الذي لا يعبر عن الحقائق. وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم أعظم امتناعاً مما يُقدَّر قبوله لهما ـ مع نفيهما عنه ـ فما يُقدَّر لا يقبل الحياة ولا الموت، ولا العلم ولا الجهل، ولا القدرة ولا العجز، ولا الكلام ولا الخرس، ولا العمى ولا البصر، ولا السمع ولا الصمم، أقرب إلى المعدوم والممتنع مما يُقدَّر قابلاً لهما مع نفيهما عنه، وحينئذٍ فنفيهما مع كونه قابلاً لهما أقرب إلى الوجود والممكن، وما جاز لواجب الوجود قابلاً، وجب له، لعدم توقف صفاته على غيره، فإذا جاز القبول وجب، وإذا جاز وجود المقبول وجب. وقد بسط هذا في موضوع آخر وبيَّن وجوب اتصافه بصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه. وقيل له أيضاً: اتفاق المسميَّيَن في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل، الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات، وإنما نفت

стр. 110

ذما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق، مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يَشركه فيه مخلوق، ولا يُشركه مخلوق في شيء من خصائصه . وأما ما نفيتَه فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيهاَ وتجسيماً تمويه على الجهّال، الذين يظنون أن كل معنى سمّاه مسمٍّ بهذا الاسم يجب نفيه، ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس، ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل. وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف من الناس عقولهم ودينهم حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة، وأبلغ الغيّ والضلالة. وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة يستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع. قيل: وإذا قلتم: هو موجود واجب، وعقل عاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق، ولذيذ وملتذ ولذة، أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟، فهذه معانٍ متعددة متغايرة في العقل وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيداً. فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيباً ممتنعاً. قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة وليس هو تركيباً ممتنعاً. وذلك أنه من المعلوم بصريح المعقول أنه ليس معنى كون الشيء عالماً هو معنى كونه قادراً، ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالماً قادراً، فمن جوّز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى، وأن تكون الصفة هي الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة، ثم إنه متناقض، فإنه إن جوّز ذلك جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا، فيكون الوجود واحداً بالعين لا بالنوع. وحينئذٍ فإذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب كان وجود كل مخلوق ـ يُعدم بعد وجود، ويُوجد بعد عدمه ـ هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي الذي لا يقبل العدم.

стр. 111

وإذا قدَّر هذا، كان الوجود الواجب موصوفاً بكل تشبيه وتجسيم، وكل نقص وكل عيب كما يصرح بذلك أهل وحدة الوجود، الذين طردوا هذا الأصل الفاسد، وحينئذٍ فتكون أقوال نفاة الصفات باطلة على كل تقدير. وهذا باب مطرد، فإن كل واحد من النفاة لِما أخبر به الرسول ﷺ من الصفات، لا ينفي شيئاً ـ فراراً مما هو محذور ـ إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فرّ منه، فلا بدّ له في آخر الأمر من أن يثبت موجوداً واجباً قديماً متصفاً بصفات تميّزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلاً لخلقه، فيقال له: وهكذا القول في جميع الصفات، وكل ما نثبته من الأسماء والصفات فلا بدّ أن يدل على قدر مشترك تتواطأ فيه المسميّات، ولولا ذلك لما فُهم الخطاب، ولكن نعلم أن ما اختص الله به، وامتاز عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال". معاني الكلمات: المخاطب: هو الأشعري ومن يسلك مسلك الأشاعرة، ولم يسمهم شيخ الإسلام واقتصر على مذهبهم ليشمل الرد كل من يوافقهم من الماتريدية وغيرهم. مجازاً: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له. عناصر الموضوع: ١ ـ القول في الصفات جميعها من باب واحد: الصفات الواردة في الكتاب والسنة هي من باب واحد؛ إذ لا فرق بينهم البتّة؛ لأن الموصوف بها واحد، وهو جل وعلا لا يشبهه الخلق في سيء من صفاته البتة. فكما أنكم يا معشر الأشاعرة أثبتم سمعاً وبصراً لائقين بجلاله لا يشبهان شيئاً من أسماع المخلوقين وأبصارهم، فكذلك يلزم أن تجروا هذا بعينه في صفة الاستواء والنزول والمجيء إلى غير ذلك من صفات الجلال والكمال التي أثنى الله بها على نفسه، واعلموا أن رب السماوات والأرض يستحيل

стр. 112

عقلاً أن يصف نفسه بما يلزمه محذور ويلزمه محال، أو يؤدي إلى نقص. كل ذلك مستحيل عقلاً، فإن الله لا يصف نفسه إلا بوصف بالغ من الشرف والعلو والكمال ما يقطع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . ٢ ـ موضوع الأصل الأول: موضوع الأصل الأول في الرد على من أثبت بعض الصفات ونفى البعض الآخر وهم الأشاعرة. ففيه من الإلزام والقوة في الرد على المخالف مما يجعله يذعن ويستسلم للحق ممن يطلبه؛ لأن من الأمور البديهية عدم التفريق بين المتماثلين إلا بدليل، وقد دلّ السمع والعقل على أنه لا يجوز التفريق بين الصفات وإلا كان تحكماً وقولاً على الله بغير علم وتنكباً للطريق المستقيم. فمن حاول أن يثبت البعض وينفي البعض الآخر فهو واقع في التناقض والاضطراب وليس أمامه إلا أن يثبت جميع الصفات كما يليق بجلاله. خلاصة القول أن هذا الأصل حجة لمن أثبت جميع الصفات على ما يليق بجلال الله وكماله، ولم يفرّق بين بينهما؛ لأن طريقها واحد من حيث الإثبات ونفي المماثلة وعدم العلم بالكيفية فالذي قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] هو الذي قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] والجميع لا نعلم كيفيته؛ لأنه سبحانه قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم: ٦٥] ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ـ٤] . ١ ـ شرح الأصل الأول: عقد شيخ الإسلام هذا الأصل، لبيان أن ما يجب اعتقاده في بعض الصفات يجب في بعضها الآخر، فإن وجب إثبات بعضها وجب إثبات بعضها الآخر ومن نفى بعضها لزمه نفي ما سواها، ومن زعم أن بعضها

стр. 113

يستلزم تشبيهاً كان كلها كذلك، فهذا الأصل مبني على القاعدة العقلية وهو وجوب التسوية بين المتماثلات، فحكم الصفات واحد، فهي متماثلة من حيث إنها لمسمى واحد ولموصوف واحد، ومن حيث الدليل فقد جاءت بها الأدلة من الكتاب والسنة. ٢ ـ التعريف بالأشاعرة: هم المنتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، وهو: علي بن إسماعيل بن أبي بشر ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري، وكان أبو الحسن معتزلياً ثم أعلن رجوعه وتوبته وسلك طريقة عبد الله بن سعيد بن كُلاّب، ونسج على قوانينه في الصفات والقدر، ثم انتقل إلى متابعة الإمام أحمد وأهل الحديث ونصر مذهب السلف كما في كتبه الثلاثة: الإبانة، مقالات الإسلاميين، رسالة أهل الثغر، وتوفي سنة ٣٢٤هـ، والأشاعرة المنتسبون إليه يتابعونه في مرحلته الثانية، لذلك يُقال الأشاعرة الكلاّبية ولهم أصول خالفوا فيها السلف في مختلف أبواب الاعتقاد١. ٣ ـ مذهب الأشاعرة في الصفات: يثبت عامة الأشاعرة أسماء الله الحسنى مع سبع من الصفات هي: الحياة والقدرة والعلم والكلام والإرادة والسمع والبصر، ويجعلون هذه الصفات حقيقة وليست مجازية ويرجعون بقية الصفات إلى الصفات السبع. ومتقدموا الأشعرية يثبتون أكثر من ذلك. ٤ ـ مواقف الأشاعرة من نصوص الصفات التي نفوها: تقدم أن الأشاعرة يثبتون سبعاً من الصفات وينفون بقية الصفات الواردة في الكتاب والسنة، ويسلكون طريقتين في نفي الصفات من خلال النصوص:

стр. 114

• الطريقة الأولى: أنهم يفسِّرون الصفات التي نفوها بالصفات التي أثبتوها، فمن الصفات التي نفوها صفة المحبة، يقولون عنها إرادة الثواب، وكذلك صفة الغضب يفسرونها بإرادة الانتقام. • الطريقة الثانية: يفسرون نصوص الصفة المنفية بلازمها، فيفسرون صفة المحبة التي نفوها بلازمها ألا وهو الإنعام، ويفسرون صفة الغضب بلازمها ألا وهي العقوبة. ٥ ـ مقارنة بين طريقة السلف وطريقة الأشعرية من حيث الإثبات والنفي في نصوص الصفات: أهل السنة الأشعرية ١ ـ يثبتون نصوص الصفات الواردة في الكتاب والسنة إثباتاً بلا تشبيه وتنزيهاً بلا تعطيل. ١ ـ يثبتون الأسماء وسبع من الصفات. ٢ ـ ينفون ما نفى الله عن نفسه ونفاه عنه رسوله بلا تعطيل للصفات الواردة في الكتاب والسنة. ٢ ـ ينفون الصفات الواردة في الكتاب والسنة ما عدا السبع ويعتقدون في إثبات الصفات التشبيه، قال صاحب الجوهرة: "وكل نص أوهم التشبيه أوِّله..". ٣ ـ يعظمون نصوص الصفات الواردة في الكتاب والسنة فلا يتعرضون لها بتحريف أو تبديل. ٣ ـ يحرِّفون الكلم عن مواضعه بالتأويل الذي هو التحريف، وتحميل النصوص ما لا تحتمل. ٤ ـ لم يفهموا نصوص الصفات إلا أنها تليق بالخالق لأن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. ٤ ـ لم يفهموا من نصوص الصفات إلا بما يليق بالمخلوقين وهذا خلاف ما فطر الله عليه الخلق والكلام في الذات فرع عن الكلام في الصفات. ٥ ـ لا يخوضون في كيفية الصفات ولا يقيسون الخالق بما يقاس به المخلوق. ٥ ـ يخوضون في كيفية الصفات ويتعرضون لمعانيها بالتحريف أو التفويض، نتيجة قياسهم الخالق بما يقاس به المخلوق. ٦ ـ يجملون في النفي ويفصلون في الإثبات متبعين طريقة القرآن، فلا ينفون إلا ما نفاه الله عن نفسه كالسنة والنوم. ٦ ـ يفصلون في النفي فيعمدون إلى ألفاظ مجملة سكت عنها الشارع فينفونها كلفظ: الجوهر والعرض.

стр. 115

٦ ـ الرد على الأشاعرة في نفيهم بقية الصفات: تقدم أن الأشاعرة يثبتون سبعاً من الصفات وينفون ما عداها من الصفات، فينفون صفة المحبة والرحمة والغضب وغيرها وفرقوا بين الصفات من حيث الإثبات والنفي والرد عليهم من وجوه: ١ ـ أنه لا فرق بين ما نفيتموه من الصفات كالرحمة والغضب والمحبة وبين ما أثبتموه، فإن القول فيهما واحد لأن القول في أحدهما كالقول الآخر. ٢ ـ يلزم الأشعري في طريقته هذه بالتفريق بين الصفات ثلاثة لوازم: أـ إثبات جميع الصفات على وجه التمثيل تمثيل الخالق بالمخلوق وهذا باطل وهو مذهب المشبهة. ب ـ نفي جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة وهذا باطل فيلحق بغلاة المعطلة، فإذا بطل الوجهين السابقين فيبقى اللازم الأخير وهو الصحيح. ج ـ إثبات جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة على ما يليق بالله تعالى مع نفي مشابهة الخالق للمخلوق، وهذا هو الحق وهو مذهب الرسل عليهم الصلاة والسلام. ٧ ـ المثال التطبيقي لمحاورة السني مع الأشعري: الأشعري يتبت الصفات السبع ـ كما تقدم ـ وينازع فيما عداها من صفة المحبة والغضب وغير ذلك، بدعوى أن إثبات هذه الصفات تشبيه، فلا يثبت صفة الغضب بزعمه أن الغضب هو غليان دم القلب بطلب الانتقام وهذا لا يليق بالله. ردّ عليه السني فقال: أنت تثبت الإرادة، والإرادة التي تثبتها هي ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، وهذا لا يليق بالله. فأجاب الأشعري: أن هذه الإرادة التي ذكرتها أيها السني هي إرادة المخلوق، أما إرادة الله فكما تليق به.

стр. 116

فرد عليه السني فقال: وهذا الغضب الذي ذكرته أيها الأشعري إنما هو غضب المخلوق لا غضب الله اللائق به، فهذا المفرق بين الصفات. يقال فيما نفاه من الصفات الفعلية كما يقول هو لمنازعه في الصفات السبع، أي يرد عليه بنفس الردود التي يرد بها هو على المعتزلي، ألا وهي أن الله يتصف بالصفات اللائقة به والمخلوق يتصف بالصفات التي تناسبه وتليق به ولا يلزم من ذلك التشبيه. ٨ ـ مثال تطبيقي لمحاورة بين أشعري ومعتزلي: الداعي لذكر هذه المحاورة: أن الأشعري يرد على المعتزلي فيما يثبت من الصفات السبع وبمثل رده على المعتزلي يرد السني على الأشعري، وهذا من أبلغ الاحتجاج فهذا المفرق بين الصفات يقال له فيما نفاه كما يقول هو لمنازعه في الصفات السبع، أي يرد عليه بنفس الردود التي يرد بها هو على المعتزلي، وإليك مادة هذا الحوار: ـ إذا قال المعتزلي: ليس لله صفات، وليس له إرادة ولا كلام قائم به ولا سمع ولا بصر؛ لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بأجسام فيلزم التشبيه. ـ فيرد الأشعري فيقول: بأن الله يتصف بالصفات السبع المذكورة، وهي لائقة بالله لا تشبه صفات المخلوقين ولا تكون كخصائص المحدثات. ـ فيرد أهل السنة على الأشعري بعين رده على المعتزلي، فيقال: فهكذا يقول المثبتون في سائر الصفات من المحبة والرضا والغضب والرحمة وغير ذلك فيلزم الأشعري بعين ما ألزم به المعتزلي. ٩ ـ معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإن قلت: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، فيقال له: الإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة. فإن قلت: هذه إرادة المخلوق، قيل لك: وهذا غضب المخلوق". أقول: هذان نقضان وإلزامان من جانب شيخ الإسلام للرد على هؤلاء الجهمية المعطلة الذين يعطلون بعض الصفات بشبهة التشبيه دون بعض

стр. 117

فيثبتون لله الإرادة، ولكن ينفون عنه الغضب بشبهة التشبيه، لأن الغضب عندهم غليان دم القلب بطلب الانتقام، والله تعالى منزه عن الدم والقلب فإذا ثبت لله تعالى "الغضب" صار مشابهاً لخلقه. هذه كانت شبهة التشبيه فعارضهم شيخ الإسلام وقال لهم: قولكم هذا متناقض متهافت مضطرب لأنكم نفيتم "الغضب" بحجة التشبيه فهلا نفيتم عنه "الإرادة" مع أن الإرادة ميل النفس إلى جلب المنفعة أو دفع المضرة، والله تعالى منزه عن ميل النفس عندكم وكذا عن جلب المنفعة ودفع المضرة لأنه غني غير محتاج، هذه كانت المعارضة الأولى والمعارضة الثانية هي: أنه إن قالوا في الجواب: إن هذه إرادة المخلوق لا إرادة الخالق، فيقال لهم: هذا غضب المخلوق دون غضب الخالق، فلا تشبيه البتة. إذاً لا بد من إثبات الصفات كلها من غير تفريق. ١٠ ـ معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين". معناه: أن المدلول (الدعوى) أو (المطلوب) قد تكون له أدلة كثيرة. فإذا انتفى دليل واحد لا يستلزم ذلك انتفاء ذلك المدلول، لأن ذلك المدلول ثابت بأدلة أخرى غير ذلك الدليل. فانتفاء الدليل المعين الخاص لا يستلزم انتفاء المدلول. مثال ذلك: أن الشمس ثابتة بأدلة كثيرة منها الحس ومنها النور ومنها الحرارة فإذا انتفى دليل النور في الأعمى مثلاً لا يستلزم انتفاء الشمس. لأن الشمس ثابتة بدليل النور وبدليل الحرارة أيضاً. ١١ ـ معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإن قلت: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلاً لهما وهذا يتقابلان تقابل العدم والمَلَكة، لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت ... ". أقول: هذا الكلام يحتاج إلى ذكر عدة من المصطلحات المنطقية.

стр. 118

فأقول: النسبة بين الشيئين قد تكون نسبة التخالف فهما متخالفان. ١ ـ والمتخالفان إن كان أحدهما وجودياً والآخر عدمياً، فهما نقيضان نحو الإنسان واللا إنسان والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان. ٢ ـ وإن كان كلاهما وجودياً لا يمكن أن يجتمعا ولكن يجوز ارتفاعهما نحو الإنسان والحجر فهما ضدان، أو متضادان فالإنسان والحجر لا يجتمعان في محل واحد. فلا يقال: هذا الشيء إنسان وهذا حجر، ولكن يجوز ارتفاعهما. فيقال: هذا الشيء لا حجر ولا إنسان لأنه كتاب. ٣ ـ وإن كان تَعَقُّل أحدهما موقوفاً بتعقُّل الآخر فهما متضائفان. نحو الأب والابن. فزيدٌ لا يمكن أن يكون أباً وابناً في جهة واحدة، ولكن يجوز أن يكون أباً لشخص آخر ولكن لا يتصور الأب بدون الابن ولا الابن بدون الأب. ٤ ـ وإن أحدهما وجودياً والآخر عدمياً ولكن محل العدمي قابل للوجودي. فهما عدم وملكة نحو العمى والبصر. فالعمى: عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيراً. وإذا علمت هذا فاعلم: أن من الجهمية من قال: إن الله تعالى لا حي ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، فينفي عنه النفي والإثبات، فرد عليهم شيخ الإسلام بأن هذا رفع للنقيضين وهذا باطل بإجماع العقلاء. فقال هؤلاء الجهمية: إن هذا ليس من قبيل رفع النقيضين، بل هذا من قبيل رفع العدم والملكة، ويجوز في العدم والملكة أن يرتفعا فيقال: هذا الجدار لا أعمى ولا بصير، لأن المحل إذا لم يكن قابلاً يجوز حينئذٍ أن تنفي عنه العدم والملكة. فأجاب شيخ الإسلام: بأن الوجود والعدم ليسا من قبيل العدم والملكة بل هما من قبيل الإيجاب والسلب، أي هما من قبيل المتناقضين، ولا يجوز رفع المتناقضين كما لا يجوز اجتماعهما.

стр. 119

هذا أول جواب وهو يتعلق بالوجود والعدم. والجواب الثاني: أن الحياة والموت والعلم والجهل وإن كانا من قبيل العدم والملكة عندكم، ولكن هذا اصطلاح خاص بكم لا نسلم به فإن هذا اصطلاح يصادم الشرع والعقل واللغة: أما الشرع: فقد أطلق الله تعالى على الجماد أنه ميت، فقال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١] فسمى الجماد ميتاً. وهكذا أهل اللغة: يسمون الجماد ميتاً، والعقل يحكم أن الشيء إذ لم يكن حياً فهو ميت. والجواب الثالث: أننا لو سلمنا اصطلاحكم، نقول لكم: إن المتصف بالحياة والبصر والعلم أفضل ممن لا يتصف بها، فكيف تنفون عن الله تعالى الحياة والبصر والعلم وتصفون المخلوق بهذه الصفات الكمالية. فقد جعلتم المخلوق أفضل من الخالق وهذا غاية الشناعة في التشبيه. ١٢ ـ معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهؤلاء الباطنية منهم من يصرّح برفع النقيضين: الوجود والعدم، ورفعهما كجمعهما". أقول: معناه أن طائفة من الباطنية تزعم أن الله لا موجود ولا معدوم فيرفعون الوجود والعدم. ولا شك أن نفي الوجود والعدم عن الله تعالى كجمعهما في البطلان، كمن قال: إن الله معدوم وموجود وكلاهما من أوضح الأباطيل. ١٣ ـ معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومن يقول: لا أثبت واحداً منهما" إلى آخره. معناه: أن هذا الباطني الجهمي المعطل الغالي يزعم أنه لا يقول: إن الله عالم كما لا يقول إنه جاهل، كما أنه لا يقول إنه حي كذلك لا يقول إنه ميت فلا يثبت هذا ولا هذا، بل يتوقف في ثبوت كل واحد منها.

стр. 120

أجاب شيخ الإسلام عن هذه الشبهة بجوابين: • الجواب الأول: إن امتناع هذا الجهمي عن إثبات أحد هاتين الصفتين لا يستلزم نفيهما في نفس الأمر؛ لأن الامتناع عن إثبات شيء لا يمنع تحقق ضد ذلك الشيء في نفس الأمر، لأن جهل الجاهل وسكوت الساكت لا يعبر عن الحقائق لأن عدم العلم بالشيء ليس علماً بعدمه وامتناعه، فإن الجاهل بالشيء لا يقتضي جهله أن يحكم بأنه غير موجود، وكذا الساكت عن الشيء والمتوقف فيه لا يقتضي توقفه وسكوته بأنه غير موجود. • والجواب الثاني: أن ما يقبل الحياة والموت والعلم والجهل أكمل حالاً مما لا يقبل الحياة ولا الموت ولا العلم ولا الجهل، فإن نفيت عن الله تعالى الحياة والعلم مثلاً فقد شبهت الله تعالى بما لا يقبل الحياة ولا العلم. وما لا يقبل الحياة ولا العلم أقرب إلى الامتناع مما يقبل تلك الصفات. فصار هذا المعطل أعظم مشبه، لأنه قد شبه الله تعالى بالمعدومات والممتنعات. ولهذا قال شيخ الإسلام في الرد عليهم: "وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم أعظم امتناعاً مما يقدر قبوله لهما. فما يُقدَّر لا يقبل الحياة ولا الموت ولا العلم ولا الجهل ولا القدرة ولا العجز ... أقرب إلى المعدوم والممتنع مما يُقدَّر قابلاً لهما مع نفيهما عنه ... ".

стр. 121

الرد على الممثلة والمعطلة بالأصل الثاني قال شيخ الإسلام: "وهذا يتبيّن بالأصل الثاني، وهو أن يُقال: القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات. فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ قيل له ـ كما قال ربيعة ومالك وغيرهما ـ: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة١. لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه. وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى سماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: أنا لا أعلم كيفيته. قيل له ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه ونزوله واستوائه، وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟!

стр. 122

وإذا كنت تقرّ بأن له ذاتاً حقيقة، ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره، وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم، وكلامهم ونزولهم واستواؤهم. وهذا الكلام لازم لهم في العقليات وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئاً ونفى شيئاً بالعقل، إذاً ألزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته، وطولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقاً. ولهذا لا يُوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض ـ الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض، وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ ـ قانون مستقيم، فإذا قيل لهم: لِمَ تأوّلتم هذا وأقررتم هذا، والسؤال فيهما واحد؟ لم يكن لهم جوابٌ صحيح. فهذا تناقض في النفي. وكذلك تناقضهم في الإثبات، فإن من تأوّل النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر، لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه، فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب، كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت والرضا والسخط، ولو فسِّر ذلك بمفعولاته وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب، فإنه يلزمه في ذلك نظير ما فرّ منه، فإن الفعل المعقول لا بدّ أن يقوم أولا بالفاعل، والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه المثيب والمعاقب، فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثَّلوا، وإن أثبتوه على خلاف ذلك، فكذلك سائر الصفات". معاني الكلمات: بالأصل: الأصل في اللغة: ما يبنى عليه غيره، ويطلق في الاصطلاح على معان منها الدليل والمعنى والجامع.

стр. 123

الذات: هي حقيقة الشيء وعينه. عناصر الموضوع: ١ ـ موضوع الأصل الثاني: موضوع الأصل الثاني هو الرد على الذين أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات وهم المعتزلة. فيقال لهم كما أنكم تثبتون لله تعالى ذاتاً حقيقة على ما يليق بجلاله من غير تشبيه لذات الخالق بذوات المخلوقين، فكذلك صفاته ثابتة بنفس المنهج وبنفس الطريقة؛ إذ لا يعقل أن توجد ذاتٌ مجردة عن الصفات، فكما أن لله ذاتاً لا تشبه ذوات المخلوقين، فكذلك لله صفاتٌ لا تشبه صفات المخلوقين. وبهذه الطريقة نلزمهم إثبات الصفات على ما يليق بجلال الله وكماله، ولا ريب أن هذا الأصل ملزم للمعطلة جميعهم، فإما أن يثبتوا الصفات كما أثبتوا الذات من غير معرفة الكيفية، أو ينفوا الأسماء الواردة والصفات والذات، فيكونوا بذلك نافين لوجود الله؛ لأنه لا فرق بين الذات وبين الصفات من حيث الإثبات. قال الخطيب البغدادي ﵀: "أما الكلام في الصفات: فإن ما رُوي منها في السنن الصحاح، مذهب السلف ﵃ إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها ... والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلوماً أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته، إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف"١.

стр. 124

٢ ـ لماذا عقد شيخ الإسلام الأصل الثاني؟ عقد شيخ الإسلام هذا الأصل لبيان أن ما يجب اعتقاده في الذات يجب اعتقاده في الصفات، فكما أننا نثبت ذاتاً لائقة بالله فكذلك نثبت صفاتٍ لائقة بالله تعالى. فمن أثبت لله ذاتاً لا تماثل ذوات المخلوقين لزمه أن يثبت له صفات لا تماثل صفات المخلوقين، لأن القول في الصفات كالقول في الذات، فكما أن لله ذات حقيقية فصفاته حقيقية، وكما أنه لا يلزم من إثبات الذات تشبيهاً، فإنه لا يلزم من إثبات الصفات تشبيهاً، فليس له شبيهاً لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكما أننا لا نفهم كُنْهَ ذات الله لا نعلم أيضاً كُنْهَ صفات الله. ٣ ـ الطوائف التي يرد عليها شيخ الإسلام بالأصل الثاني: يرد شيخ الإسلام بهذا الأصل على جميع فرق المعطلة؛ لأن كل من لم يقر بوجود الله فإنه يقر بأن له ذاتاً لا تشبه ذوات المخلوقين، ومن أثبت ذاتاً لزمه أن يثبت له صفاتٍ وإلا شبهه بالمعدومات والطوائف التي يرد عليها بهذا الأصل هم: الفلاسفة الجهمية الذين ينفون جميع الصفات، والباطنية والمعتزلة فهؤلاء جميعاً يثبتون ذاتاً لله مجردة من الصفات، أما الأشاعرة فيكفي الأصل الأول في الرد عليهم وإبطال مذهبهم. وكذلك يرد بهذا الأصل على الممثلة الذين يمثلون صفات الرب ويكيفونها فيقولون كيف استوى؟ وكيف ينزل؟ وكيف يجيء؟ ٤ ـ الرد على الممثلة: يُردّ عليهم بجوابين: ١ ـ ما ورد عن السلف كمالك وربيعة وغيرهم أن كيفية الصفة غير معقولة لنا ولا يعلمه العباد؟ فنقول: إنما تعرف كيفية الشيء بمشاهدته أو مشاهدة نظير له والله لا نظير له، فالصفات معلومة المعنى مجهولة الكيفية. ٢ ـ وهو رد عقلي وهو مستفاد من الأصل الثاني الذي ذكره شيخ

стр. 125

الإسلام، فإذا قال كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ نقول: كيف ذات الله؟ فإن قال: لا أعلم كيفية ذات الله. نقول: نحن لا نعلم كيفية صفات الله، فالعلم بكيفية الموصوف فرع للعلم بكيفية الصفة وتابع له. فإذا امتنع العلم بكيفية الذات امتنع العلم بكيفية الصفات. فإذا كنت تقر بأن له ذاتاً لا تشبه سائر الذوات وأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر فيلزمك أن تقر بأن له صفات، وصفاته لا تشبه سائر الصفات. ٥ ـ الممثلة وطريقتهم في الصفات، شبهتهم والرد عليهم: الممثلة هو الذين غلوا في جانب الإثبات وقصّروا في جانب النفي. وطريقتهم في الصفات: أنهم أثبتوا لله صفاتٍ على وجه يماثل صفات المخلوقين فقالوا: لله سمع كسمع المخلوقين ووجه كوجههم. • شبهتهم: قالوا: إن الله خطبنا في القرآن بما نفهم ونعقل، ونحن لا نفهم ولا نعقل إلا ما كان مشاهدة فإذا خاطبنا عن الغائب بشيء وجب حمله على المعلوم في الشاهد. • الرد عليهم: قولهم هذا باطل مردود لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ، وقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] ، ثم إن القول بالمماثلة بين الخالق والمخلوق يستلزم نقص الخالق سبحانه لأن تمثيل الكمال بالناقص يجعله ناقصاً. ٦ ـ معنى قول الإمام مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول: يقرر الإمام مالك أصلاً من أصول أهل السنة والجماعة ألا وهو أن الصفة معلومة المعنى بمقتضى اللسان العربي المبين الذي نزل به القرآن، وأن الكيفية مجهولة إذ استأثر الله بعلمها، فهي غير معلومة للعباد وإليك التفصيل فيما يأتي: قول الإمام مالك: "الاستواء معلوم" أي: معلوم المعنى في اللغة العربية التي نزل الله بها القرآن، ولها معان بحسب إطلاقه وتقييده بالحرف. فإذا قيد بـ "على" كان معناه العلو والاستقرار كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ

стр. 126

مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ، وكذلك قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣] ، فاستواء الله تعالى على عرشه علوه عليه علواً خاصاً يليق به على كيفية لا نعلمها ولا تماثل صفة المخلوقين، وليس هو العلو المطلق على سائر المخلوقات. وقوله: "والكيف مجهول" أي: أن كيفية استواء الله على عرشه مجهولة لنا، وذلك لوجوه ثلاثة: ١ ـ أن الله أخبر أنه استوى على عرشه ولم يخبرنا كيف استوى. ٢ ـ أن العلم بكيفية الصفة فرع عن العلم بكيفية الموصوف وهو الذات، فإذا كنا لا نعلم كيفية ذات الله، فكذلك لا نعلم كيفية صفاته. ٣ ـ أن الشيء لا تعلم كيفيته إلا بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره أو الخبر الصادق عنه وكل ذلك منتفٍ في استواء الله على عرشه، وهذا يدل على أن السلف يثبتون للاستواء كيفية لكنها مجهولة لنا. وقول: "والإيمان به واجب" أي: أن الإيمان بالاستواء على هذا الوجه واجب؛ لأن الله تعالى أخبر به عن نفسه، وهو أعلم بنفسه، وأصدق قولاً وأحسن حديثاًَ فاجتمع في خبره كمال العلم، وكمال الصدق وكمال الإرادة وكمال الفصاحة والبيان، فوجب قبوله والإيمان به. وقوله: "والسؤال عنه" أي: عن كيفيته "بدعة"؛ لأن السؤال عنها لم يُعرف في عهد النبي ﷺ ولا خلفائه الراشدين، وهو من الأمور الغيبية فكان إيراده بدعة، ولأن السؤال عن مثل ذلك من سمات أهل البدع، ثم إن السؤال عنه مما لا تمكن الإجابة عليه فهو من التنطع في الدين، وقد قال النبي ﷺ : "هلك المتنطعون". وهذا القول الذي قاله مالك وشيخُه يقال في صفة نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا وغيره من الصفات: إنها معلومة المعنى، مجهولة الكيفية، وأن الإيمان بها على الوجه المراد بها واجب، والسؤال عن كيفيتها بدعة.

стр. 127

٧ ـ مذهب السلف وسط بين التمثيل والتعطيل: أهل السنة والجماعة لا يمثلون صفاتِ الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصف به رسوله، فلا يعطلون أسمائه الحسنى وصفاته العلى، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، فهم وسط بين التعطيل والتمثيل، وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل، أما المعطلون فإنهم مثلوا أولاً إذ لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات فجمعوا بذلك بين التعطيل والتمثيل حيث مثلوا أولاً وعطّلوا آخراً، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيلٌ لما يستحقه الله من الأسماء والصفات اللائقة به. ٨ ـ كل ممثل معطل وكل معطل ممثل: كل واحد من فريقي التمثيل والتعطيل فهو جامع بين التمثيل والتعطيل. • أما الممثل: فقد عطّل الصفة الحقيقية تحت ستار التمثيل ففي قوله: استواء كاستوائي أو كأي استواء تعطيل للصفة الحقيقية التي عليها استواء الحق ، حيث منع ظهورها على الوجه الحقيقي بالقول الباطل الذي رفعه. • أما المعطلون: فلأنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوقات فقالوا: لو كان على العرش لكان محمولاً، ثم شرعوا في نفي تلك الصفة التي اعتقدوها وتعطيلها فجمعوا بين التعطيل والتمثيل. ـ مثّلوا أولاً. ـ وعطّلوا آخراً. وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسماء الله وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم.

стр. 128

٩ ـ الممثل يعبد صنماً والمعطل يعبد عدماً: • فالممثل: اعتقد أو تصور في ذهنه صورةً لربه نحتها من خياله وزعم أنها حقيقة ما دلّت عليه نصوص الكتاب والسنة ثم عبدها من دون الله؛ فهو في الحقيقة يعبد صنماً. • أما المعطل: فلأن اعتقاده مبني على النفي المحض المفرغ من الإثبات والتنكر لمعظم الصفات، فهو لا يثبت شيئاً كما تقدم كان كالذي لا يعبد إلا العدم المحض. ١. ـ الأسئلة والأجوبة الواردة على الأصلين الشريفين: س١ ـ اذكر بإيجاز الأصلين اللذين ذكرهما الشيخ رداً على كل من الماتريدية والأشاعرة، والمعتزلة والجهمية في باب الأسماء والصفات؟ ج ـ الأصل الأول: لأن يقال إن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر. فيقال للمفرق بين الصفات، إما أن تثبت جميع الصفات أو تنفيها معاً لأن الكل من باب واحد. فالذي يلزم من المحذور في بعضها يلزم في بعضها الآخر. الأصل الثاني: أن القول في الصفات كالقول في الذات؛ فكما أن لله ذاتاً لا تشبه الذوات فكذلك له صفات لا تشبه الصفات، فالصفاتُ فرع من الذات فما يقال فيها يقال في الصفات. س٢ ـ عرّف الأشاعرة واذكر مذهبهم في الصفات مع الرد عليهم؟ ج ـ أولاً: التعريف بالأشاعرة: فالأشاعرة وهم المنسوبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري وهو علي بن إسماعيل بن أبي بشر ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري. ثانياً ـ مذهب الأشاعرة في الصفات: ١ ـ أنهم يقرون بالأسماء مع سبع صفات وهي: (الحياة، والقدرة، والعلم، والكلام، والإرادة، والسمع، والبصر) .

стр. 129

٢ ـ أنهم يجعلون هذه الصفات حقيقية وليست مجازية. ٣ ـ أنهم ينازعون في غيرها من الصفات كالمحبة والغضب. ٤ ـ أنهم يجعلون هذه الصفات مجازاً، ويفسرونها بأحد تفسيرين: أـ بالإرادة: فيقولون: المحبة هي إرادة الثواب، والغضب إرادة الانتقام وهكذا. ب ـ بالإنعام والعقوبة: فيقولون: المحبة هي الإنعام، والغضب هو العقوبة. * وباختصار فمذهبهم: أنهم يثبتون لله الأسماء مع سبع صفات فقط وهي (الحياة، والقدرة، والعلم، والكلام، والإرادة، والسمع، والبصر) . وهذه الصفات يثبتونها حقيقة ويؤولون باقي الصفات. وحقيقة صفة الكلام عندهم هي المعنى النفسي، لا الكلام الحقيقي المشتمل على الحرف والصوت. ثالثاً ـ الرد على مذهب الأشاعرة: يقال لهم: لا فرق بين ما نفيتموه من الرحمة والغضب والمحبة وغيرها وبين ما أثبتموه من الإرادة والكلام ... فإن القول في أحدهما كالقول في الآخر، ويلزمكم أحد ثلاثة لوازم: ١ ـ أن تقولوا: إن إرادته مثل إرادة المخلوق فكذا المحبة وغيرها، فتقعوا في التمثيل. ٢ ـ أن تنفوا الجميع فراراً من الوقوع في التمثيل فتقعوا في التعطيل. ٣ ـ أن تقولوا فيما تثبتونه من الإرادة والكلام إنها ثابتة له كما تليق به كما أن للمخلوق إرادة تليق به، وحينئذٍ يلزمكم هذا في المحبة والغضب فتقولوا: له محبة كما تليق به، كما أن للمخلوق محبة تليق به وهكذا. س٣ ـ هل الأشاعرة من أهل السنة والجماعة أو لا؟ ج ـ اختلف في ذلك على قولين:

стр. 130

• القول الأول: أنهم ليسوا من أهل السنة والجماعة وممن لم يعدهم من أهل السنة والجماعة ابن بطة صاحب كتاب (الإبانة في أصول الديانة) ، والسجزي صاحب كتاب: (الصوت والحرف) . • القول الثاني: أنهم يعدون من أهل السنة والجماعة في الأصول التي وافقوا فيها أهل السنة، وليسوا منهم في الأصول التي خالفوهم فيها، وممن قال بهذا الشيخ عبد العزيز عبد الله بن باز والشيخ الألباني رحمهما الله تعالى. ـ فمن الأصول التي وافقوا فيها أهل السنة والجماعة ما يلي: ١ ـ في الصحابة: فالأشاعرة والماتريدية يوافقون أهل السنة والجماعة في الصحابة ولا يخالفونهم فيهم، فأفضلهم عندهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين ويمسكون عن ما شجر بينهم، ويترضون عليهم، ويوالون أهل بيت رسول الله ﷺ . ٢ ـ في الإمامة: يرون أنه لا بد من تعيين إمام وطاعته بالمعروف والجهاد معه ودم الخروج عليه. ٣ ـ في مسائل اليوم الآخر: من الصراط والميزان والحوض والجنة والنار وأنهما مخلوقتان لا فناء لهما. ومن الأصول التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة ما يلي: ١ ـ في التوحيد: فهم اقتصروا على توحيد الربوبية، وزعموا أن الغاية من خلق الخلق وإرسال الرسل هو توحيد الربوبية. وأنكروا توحيد الألوهية. ٢ ـ في الصفات: فهم لم يثبتوا لله إلا سبع صفات ويؤّولون باقي الصفات. ٣ ـ في الإيمان: زعموا أن الإيمان هو تصديق بالقلب فقط. ٤ ـ في القدر: زعموا أن العبد يكسب الفعل وليس له إرادة واختيار في كسبه. وهو مذهب الجهمية.

стр. 131

٥ ـ في العقل والنقل: فهم يرون تقديم العقل على النقل في مسائل التوحيد والغيبيات والإيمان، ويطلقون على ذلك (العقليات والإلهيات) غير أنهم مسلمون بما ورد في الكتاب والسنة من اليوم الآخر ويسمونه (بالسمعيات) . ٦ ـ في خبر الواحد: فهم لا يرون خبر الواحد في مسائل الاعتقاد. ٧ ـ في مسائل التحسين والتقبيح العقليين. س٤ ـ إذا احتج الأشاعرة بدلالة العقل على ما يثبتونه فكيف ترد عليهم؟ ج ـ أولاً: ننقل احتجاجهم في إثبات الصفات السبعة ثم نرد عليهم. احتج الأشاعرة في إثباتهم للصفات السبعة بأن العقل قد أثبت هذه الصفات ودل عليها وهي كما يلي: ١ ـ القدرة: دل عليها الفعل الحادث: فالفعل هنا مصدر بمعنى المفعول والمقصود وجود المخلوقات. ٢ ـ الإرادة: دل عليها التخصيص: أي تميز كل شيء بميزة تخصه من صفة أو وقت أو مكان دليل على إرادة الله لذلك. ٣ ـ العلم: دل عليه الإحكام والإتقان في المخلوقات، فهذا لا يكون إلا بكامل العلم. ٤ ـ الحياة: لأن القدرة والإرادة والعلم لا تقوم إلا بالحي، فهي مستلزمة للحياة. ٥ ـ السمع. ٦ ـ البصر. ٧ ـ والكلام: لأن الحي لا يخلو من السمع والبصر والكلام أو ضدها من الصمم والعمى والخرس، وهذه الأضداد نقائص يتنزه الله عنها فوجب إثبات الكمال له. وبهذه الدلالات العقلية أثبت الأشاعرة تلك الصفات.

стр. 132

ثانياً: جواب أهل السنة عليهم: أجاب أهل السنة على ذلك بجوابين شافيين وهما كما يلي: • الجواب الأول: على فرض التسليم: أي على فرض التسليم بأن العقل دل على هذه السبع الصفات ولم يدل على غيرها، ومضمون هذا الجواب من ثلاث مقدمات ونتيجة: المقدمة الأولى: أن عدم الدليل المعين وهو هنا العقل لا يستلزم عدم المدلول المعين وهو هنا بقية الصفات، فلو قدرنا أن العقل لا يدل على بقية الصفات لكنه لا ينفيها لعدم مصادمتها للعقل. المقدمة الثانية: وما دام أن العقل لا ينفيها فلا يجوز نفيها بلا دليل؛ لأن النافي عليه الدليل على نفيه كما أن المثبت عليه الدليل كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] فهنا نفوا دخول الجنة لغيرهم فطالبهم الله بالدليل في قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] . المقدمة الثالثة: أن السمع ـ النقل ـ قد دل على بقية الصفات كما سبق سرد الآيات فيها، وهذا السمع لم يعارضه صريح العقل كما قلنا ولم يعارضه دليل في النقل أيضاً. فالنتيجة: أنه يجب إثبات ما أثبته الدليل السالم من المعارض المقاوم له، وهو هنا دليل النقل فإنه سلم من أي معارض فالأصل بقاؤه، وهذا هو المطلوب. • الجواب الثاني على فرض المنع: هذا الجواب مبني على منع قولهم بأن العقل لا يدل على غير تلك الصفات السبع، بل نستطيع أن ندلل على باقي الصفات بنظير ما دللتم به على تلك الصفات من العقليات فنقول: ١ ـ الرحمة: يدل عليها نفع العباد بالإحسان إليهم كدلالة التخصيص على المشيئة عندكم.

стр. 133

٢ ـ المحبة: يدل عليها إكرام الطائعين في الدنيا والآخرة. ٣ ـ البغض: يدل عليه عقاب الكافرين عاجلاً وآجلاً. ٤ ـ الحكمة: تدل عليها الغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته أي في مخلوقاته وشرائعه. ودلالة العواقب الحميدة على الحكمة التي ينازع فيها الأشاعرة كدلالة التخصيص على الإرادة بل هي أولى. س٥ ـ قال شيخ الإسلام: "الأصل الأول: القول في بعض الصفات كالقول في بعض" على من يرد بهذا الأصل؟ ج ـ يرد بهذا الأصل على كل الطوائف السابقة وبالأخص الأشاعرة والمعتزلة والجهمية. س٦ ـ ما معنى العلة الغائية والعلة الفاعلية؟ ج ـ العلة نوعان: ١ ـ علة فاعلية.٢ ـ علة غائية. ١ ـ علة فاعلية: وهي سبب وجود الشيء، فيقال: علة وجود الخلق قدرة الله وخلقه، مثالها في القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يّس: ٨٢] . ٢ ـ علة غائية: وهي الغاية من وجود الشيء، فيقال: علة وجود الخلق عبادة الله تعالى، ومثالها في القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . س٧ ـ ما مذهب الجهمية وما شبهتهم؟ وكيف يجاب عنهم؟ ج ـ أولاًـ مذهبهم: أنهم ينفون الأسماء والصفات فيقولون: لا موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجرد

стр. 134

مجازات لا حقيقة لها. ثانياً ـ شبهتهم: شبهتهم في ذلك أن الإثبات يستلزم التشبيه بالموجودات الحية العليمة القديرة. ثالثاً ـ الجواب على شبهتهم من وجهين: • الوجه الأول: على فرض التسليم بأن الإثبات يستلزم التشبيه بالموجودات فكذلك النفي يستلزم التشبيه بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات. • الوجه الثاني: على فرض المنع، وهو أن إثبات الأسماء والصفات لا يستلزم التشبيه وغاية ما يحصل هو إثبات القدر المشترك الكلي عند الإطلاق، ولذا فإن التشبيه الذي نفته الأدلة النقلية والعقلية ليس هو الاتفاق في المسميات وإنما نفت ما يستلزم اشتراك الخالق والمخلوق فيما يختص به الخالق من صفات الكمال. س٨ ـ ما الاعتراض المشهور للباطنية وما الجواب عليه باختصار؟ ج ـ الاعتراض المشهور عندهم هو الاعتراض المبني على ما مقدمات ثلاث ونتيجة: المقدمة الأولى: أن نفي النقيضين إنما يمتنع عما يكون قابلاً للنقيضين. المقدمة الثانية: أن هذه المتقابلات هي من قبيل تقابل الملكة والعدم أي قد يرتفعان عن المحل الذي لا يقبلهما. المقدمة الثالثة: أن الله تعالى ليس بقابل لهذه المتقابلات أصلاً. ـ والنتيجة عندهم: أن الله لا يمتنع عليه رفع النقيضين لأنه ليس بقابل لهما أصلاً. الجواب على هذا الاعتراض من ثلاثة وجوه: • الوجه الأول ـ على فرض المنع: إن هذا الكلام وهو أن هذه المتقابلات من قبيل الملكة والعدم على نوعين: ١ ـ الوجود والعدم وهذا لا يصح كونهما في الملكة والعدم لأنهما من قبيل السلب والإيجاب، أي النقيضين عند عامة العقلاء فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر ويستحيل جمعهما أو رفعهما معاً؛ فلا بد أن يكون الشيء إما موجوداً وإما معدوماً لا ثالث لهما، وهذا مما لا يختلف فيه العقلاء. ٢ ـ أما الحياة والموت والعلم والجهل فتسميتهما بالملكة والعدم ومع اتصاف الجمادات بها إنما هو اصطلاح المشائين وهم أتباع أرسطو، وسموا بذلك لأنه كان يلقي الدرس وهو يتمشى والتلاميذ يسيرون من حوله وهذا الاصطلاح مردود لوجوه منها: أولاً: أنه معلوم عقلاً أن ما ليس بحي فهو ميت، وما ليس بعالم فهو جاهل والاصطلاحات لا تدل على نفي الحقائق العقلية الثابتة. ثانياً: أن الله وصف الجمادات بالموت كما في قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] . ثالثاً: أن تسمية الجمادات بالأموات مشهور في لغة العرب كتسميتهم الأرض الجرداء بالميتة ويقال: إحياء الموات، وغيره كثير. • الوجه الثاني ـ على فرض التسليم: لو سلمنا بأن الله تعالى لا يقبل المتقابلات وإنها كتقابل الملكة والعدم في حقه فيقال: ١ ـ إن ما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر وغيرها، أنقص مما يقبل ذلك، فالأعمى الذي لا يقبل الاتصاف بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل الاتصاف بالعمى ولا بالبصر، فأنت فررت من تشبيهه بالأحياء القابلة لصفات الكمال فوصفته بالجمادات غير القابلة لها. ٢ ـ وأيضاً فإن ما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعاً مما يقبلهما، بل ما لا يقبلهما أعظم امتناعاً مما يقبل اجتماعهما أو ارتفاعهما، فإذا كان اجتماعهما وارتفاعهما ممتنعاً في صرائح العقول فعدم قبوله لهما أعظم امتناعاً، فبقولك هذا جعلت الواجب الذي لا يقبل أي عدم هو أعظم الممتنعات وهذا غاية التناقض والفساد.

стр. 135

• الوجه الثالث: أن اتفاق الشيئين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل الذي نفته الأدلة النقلية والعقلية؛ وإنما التشبيه المنفي هو الذي يستلزم اشتراك المخلوق فيما يختص به الخالق، فما يجب على الله يختلف عما يجب على المخلوق كذلك ما يمتنع على الله يختلف عما يمتنع على المخلوق وهكذا الجواز، فهذه الخصائص لا يمكن أن تشترك بين الخالق والمخلوق. وأما ما نفاه هؤلاء فهو ثابت له تعالى وإنما سموه تشبيهاً وتجسيماً ليموّهوا على العوام وينفروا الجهال عن إثبات صفات الكمال، وبهذا أفسدوا على الناس دينهم وهذه طريقة أهل البدع. س٩ ـ تكلم عن شبهة التركيب: من حيث معناها، والقائلون بها، الرد عليهم؟ ج ـ أولاً: معنى شبهة التركيب: معناها: أن إثبات العلم والقدرة والإرادة وغيرها يستلزم تعدد الصفات وها التركيب ممتنع لأنها صفات متغايرة فيلزم أن يكون الموصوف بها مركباً منها، وفي هذا تشبيه بالمخلوق فلذلك فهم يقولون: إن جميع الصفات بمعنى واحد وهي عين ذاته وليست شيئاً زائداً. ثانياً: القائلون بهذه الشبهة: القائلون بها هم الفلاسفة ومن تبعهم من المعتزلة وغيرهم من نفاة الصفات. ثالثاً: الرد عليهم: من ثلاثة وجوه: • الوجه الأول ـ على فرض التسليم: أي على فرض التسليم بأنه تركيب فأنتم أيضاً تقولون في الله هو موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق، ولذيذ وملتذ ولذة، وهذه المعاني متعددة متغايرة المعنى وأنتم تثبتونها فهو تركيب كذلك على مذهبكم وأنتم تسمونه توحيداً، وهذا غاية الاضطراب. ـ وهذه المعاني مع كونها دليلاً عليهم لم يرد بها النص وفيها ما ينزه عنه تعالى من النقص.

стр. 136

* فالعقل: مأخوذ من المنع لأنه يضبط النفس لما فيها من القصور، وهذا لا يليق بالله تعالى. * والعشق: هو الحب المفرط المتعلق بالشهوة، وهذا باطل ينزه الله عنه. * واللذة: لم ترد بها النصوص الشرعية، فجميع هذه المعاني باطلة، وإن تعسفوا في تفسيرها. اعتراض: إن قالوا إن هذه الإطلاقات توحيد وليست تركيباً ممتنعاً. الجواب: أن اتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد كذلك وليس بتركيب ممتنع بل هي أولى لدلالة النقل عليها وموافقة العقل لها. • الوجه الثاني ـ على فرض المنع: هذا الجواب مبني على منع قولهم: إن جميع الصفات بمعنى واحد وأنها هي عين ذاتها لا شيئاً زائداً، ويكون المنع بالإبطال من ثلاثة وجوه: ١ ـ أنه من المعلوم بصريح العقل الاختلاف بين كون الشيء عالماً وبين كونه قادراً وبين نفس الذات ومعاني الصفات، فإن كون الموصوف عالماً قادراً زائداً على مجرد الذات. قمن جوَّز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى أو هذه الصفة هي الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة وتمويهاً ومكابرة لصريح المعقول وصحيح المنقول. ٢ ـ ثم في قولهم هذا تناقض واضح ووجهه: أنه إن لم يكن للواجب وهو الله تعالى صفات تميزه عن غيره لم يكن واجباً لأن الشيء المجرد عن جميع الصفات ممتنع الوجود فلا يكون واجباً ضرورة، وهؤلاء إنما نفوا التركيب لأنه يستلزم عندهم نفي الوجوب فوقعوا ـ بنفي التركيب ـ في نفي الوجوب الذي فروا منه ووقعوا في التناقض الواضح الفاضح. ٣ ـ ثم إن جوزنا أن تكون الصفة هي عين الذات جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا؛ لأن صفة الخلق والإحداث تصبح هي عين الخالق فيكون المخلوق هو الخالق، وهذا يقتضي أن الوجود واحد بالعين أي متحد بين الخالق ومخلوقاته وليس مشتملاً على أفراد متنوعة، وهذا مدخل أهل وحدة

стр. 137

الوجود، وهم: الذين لا يثبتون وجوداً متنوعاً بل عندهم وجود واحد والخالق هو المخلوق تعالى الله عن قولهم. وعليه يكون وجود الممكن المخلوق هو عين وجود الواجب الذي لا يقبل العدم، وهذا القول هو الذي يفضي إليه زعمهم بأن الصفات عين الذات والله أعلم. • الوجه الثالث ـ الاستفصال: وهو أن يستفصل عن هذا اللفظ فإن لفظ التركيب أصبح من الألفاظ المجملة التي عارض بها المبتدعة النصوص، وقد بين شيخ الإسلام حكم الألفاظ المجملة بقوله: "والمقصود هنا أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة لما فيها من لبس الحق بالباطل مع ما توقعه في الاشتباه والاختلاف والفتنة". وقال:"فمن لم يستفصل عنها المتكلم بها ... كما كان السلف والأئمة صار متناقضاً أو مبتدعاً من حيث لا يشعر" وسيأتي تفصيل ذلك في القاعدة الثانية بإذن الله. فيقال في التركيب إن له معان منها: ١ ـ المركب: ما كان متفرقاً فركبه غيره، وهذا لا يجوز وصف الله به بل ولم يعتقده أحد من طوائف الأمة. ٢ ـ المركب: ما له أبعاض مختلفة، ويقبل التفريق والانفصال والله تعالى مقدس عن ذلك. ٣ ـ المركب: ما يقيل الانقسام والتفريق وإن كان بسيطاً غير مركب من أعضاء كالماء، والله منزه عنه أيضاً فهذه المعاني لا تختلف في نفيها مع المتفلسفة والمعتزلة، ولكنهم لا يعنون بنفيهم للتراكيب ما سبق بل لكل منهم اصطلاحات خاصة في لفظ للتركيب أوجبوا نفيها وزعموا أن التوحيد لا يتم إلا بنفيها، قال شيخ الإسلام: "وهؤلاء أحدثوا اصطلاحاً لهم في لفظ التركيب لم يسبقهم إليه أحد من أهل اللغة ولا من طوائف أهل العلم". ومنها:

стр. 138

ـ أن التركيب هو ما تركب من الذات والصفات كمسمى الحي والعالم والقادر، وهذا إن سلمنا أنه تركيب فنفيه باطل كما سبق في الوجه الثاني. س١٠ ـ إذا قال بعض النفاة: أنا أنفي النفي والإثبات فما مقصوده بذلك؟ وما الذي يلزمه تجاه ذلك. ج ـ إذا قال بعض النفاة هذه المقولة فمقصوده أن ذلك لا يلزمه التشبيه بالموجودات ونقول له يلزمك التشبيه بالمعدومات بل بالممتنعات؛ لأنه يمتنع أن يكون الشيء موجوداً أو ممنوعاً وكما يمتنع أن يكون الشيء لا هو موجود ولا هو معدوم، فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل الاتصاف به. س١١ ـ ما المراد بالتشبيه الذي نفته الأدلة السمعية والعقلية. وهل من ذلك اتفاق المسميين في بعض الأسماء والصفات؟ ج ـ المراد بالتشبيه المنفي هو الذي يستلزم اشتراك الخالق بالمخلوق فيما يختص به الخالق مما يختص (بوجوبه) كصفات الكمال، أو (جوازه) مثل كونه يحيي ويميت، أو (امتناعه) كاتخاذه الصاحبة والولد ونحوها. * وليس من ذلك اتفاق المسميين في بعض الصفات. س١٢ ـ ما غرض النفاة في كونهم جعلوا إثبات الأسماء والصفات تشبيهاً وتجسيماً، وما الذي يترتب على ذلك لو كان صحيحاً، وما نتيجة ذلك، وما هو لازم مقالة الملاحدة؟ ج ـ غرضهم التمويه على الجهال الذين يظنون أن كل معنى سمي له هذا الاسم يجب نفيه، وأما ما نفوه فهو ثابت في الشرع والعقل وليس منفياً. * ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ويستفسر منها بعض الناس ليكذبهم بالحق المعلوم بالسمع والعقل. * ونتيجة ذلك: أن هؤلاء الملاحدة أفسدوا على طوائف الناس عقولهم ودينهم حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة وأبلغ الغي والضلالة.

стр. 139

س١٣ ـ وضّح المقصود بالأصل الثاني: "القول في الصفات كالقول في الذات"؟ ج ـ المقصود منه: أن ما يجب اعتقاده في الذات يجب اعتقاده في الصفات فكما أننا نثبت ذاتاً لائقة بالله فكذلك نثبت صفات لائقة بالله تعالى. وقال ناظم مختصر خليل١: وما نقول في صفات قدس فرع الذي نقوله في نفس وقال صاحب الكفاية في العقيدة والفِرَق: وثاني الأصلين قل والقول في صفاته كالقول في الذات يفي س١٤ ـ اذكر أقوال الأئمة المؤيدة لهذا الأصل؟ ج ـ ١ ـ قال الإمام أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا على أن صفته لا تشبه صفات المحدثين كما أن نفسه لا تشبه أنفس المخلوقين". فالقول في الصفات كالقول في الذات. ٢ ـ وقال الإمام السجزي: "ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات". ٣ ـ قال الخطيب البغدادي: "والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات ويحتذى في ذلك حذوه، فإذا كان معلوماً أن إثبات الباري إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته، إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف". ٤ ـ وقال الإمام أبو القاسم التيمي: "وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية فكذلك إثبات الصفات ثم قال ... وعلى هذا مضى السلف كلهم". إلى غير ذلك فهذا مما اجتمع عليه سلف الأمة وعلماؤنا الأئمة٢.

стр. 140

س١٥ ـ تكلم عن معنى الذات مع ذكر الخلاف في دخول أل عليها؟ ج ـ معنى الذات: الذات: أصلها في اللغة: مؤنث ذو، بمعنى صاحب وصاحبة، ثم استعملت ذات الشيء بمعنى حقيقته وعينه، ومنه قول ابن عباس ﵄: "تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله". ـ وقال قوم من أهل العلم: ذات الله حقيقته. ـ وقال التيمي في الحجة: (١/١٧١) فصل في بيان ذكر الذات. * واختلف أهل العلم في دخول (أل) عليها على قولين: الأول: أنها تدخل عليها وهي عربية وهو قول جماعة من السلف. الثاني: أنها لا تدخل عليها بل هي مما شاع عند المتأخرين فهي لفظ مولد وهو قول المحققين واختاره شيخ الإسلام. والصواب أنها تأتي في اللغة مضافة وشواهده من الكتاب والسنة واللغة كثيرة ومنها ما يلي: ١ ـ من القرآن: قوله تعال ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . ٢ ـ من السنة: قوله ﷺ : "إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات اثنتان في ذات الله" رواه البخاري ومسلم (٢٣٧١) . ٣ ـ ومن اللغة: أبيات خبيب الأنصاري في مقتله فإنه قال: ولست أبالي حين أُقتل مسلماً وذلك في ذات الإله وإن يشأ على أي شق كان في الله مصرعي١ يبارك على أوصال شلو ممزع ١٦ ـ ما الرد على من سأل عن كيفية الصفات؟ ج ـ إذا سأل عن كيفية استواء الله تعالى فيجاب عليه بجوابين نقلي وعقلي:

стр. 141

أولاً ـ الجواب النقلي: ـ قول الإمام ربيعة ومالك وغيرهما: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة "فالاستواء معلوم المعنى وقد فسره أئمة التابعين كما في البخاري في كتاب التوحيد (باب وكان عرشه على الماء) (١٣/٤.٣) فتح الباري. عن مجاهد: أن استوى بمعنى علا. وعن أبي العالية: بمعنى ارتفع. والكيف مجهول لقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه: ١١.] . والإيمان بالاستواء واجب والسؤال عن كيفيته بدعة لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكن الإجابة عنه، وهذا باب مطرد في جميع الصفات الثابتة لرب البريات وعلى هذا مضى السلف وأقوالهم متوافرة متواترة، وللاستزادة انظر الأصل (ص ١.٦، ١.٧) . ثانياً ـ الجواب العقلي: ١ ـ يقال للسائل: كيف هو؟ أي كيف ذاته جل وعلا؟ فإذا قال: لا أعلم كيفية ذاته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية استوائه فإن العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الذات الموصوفة، فالصفة فرع عن الموصوف، فكيف تطالبنا بالعلم بكيفية سمعه ونزوله واستوائه وأنت لا تعلم كيفية ذاته! ٢ ـ فإذا كنت تقر بأن له ذاتاً حقيقية ثابتة مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء فسمعه وبصره ونزوله واستواؤه ثابت متصف بالكمال لا يشابهه شيء من صفات المخلوقين. وهذا الرد العقلي هو تطبيق لهذا الأصل وهو: "القول في الصفات كالقول في الذات". س١٧ ـ ما حكم السؤال عن كيفية الصفة. علل لما تقول. وكيف تجيب من يسأل عن كيفية الصفة؟ ج ـ حكمه لا يجوز بل هو بدعة؛ لأنه سؤال عن كيفية لا يعلمها البشر ولا يمكنهم الإجابة عنه.

стр. 142

* والجواب على سؤاله يجاب عليه بجواب مالك بن أنس وربيعة الرأي فمثلاً لو سأل عن كيفية الاستواء يقال له: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة". س١٨ ـ عندما يسأل المعطل كيف ينزل ربنا، كيف نجيب عليه؟ ج ـ إذا قال المعطل ذلك، أقول له: كيف هو؟ عند ذلك يقول هو لا أعلم كيفيته، فأقول له: وكذلك نحن لا نعلم كيفية نزوله؛ لأن العلم يكيفيته يستلزم العلم بكيفية الموصوف وهو فرع له وتابع له إذ الكلام في الصفات فرع من الكلام في الذات، فكيف تطالبني بمعرفة كيفية سمعه وبصره ونزوله واستوائه وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟ س١٩ ـ قال ابن تيمية ﵀: "وهذا الكلام لازم له في العقليات وفي تأويل السمعيات". من المقصود بهذا الكلام؟ وما معنى ذلك؟ وما الذي يلزم من نفى شيئاً أو أثبت شيئاً بطريق العقل؟ وهل يجد المفرق بين الصفات فرقاً حقيقياً بينهما؟ وما الذي يلزم من عدم التفريق بين الصفات؟ ج ـ المقصود هنا هم الأشاعرة والماتريدية. * معنى ذلك: أن الكلام السابق الذي ذكره المؤلف من حيث ثبوت جميع الصفات ونفي المماثلة وعدم العلم بالكيفية شامل لجميع الصفات. * وهو لازم للأشاعرة في الصفات السبع التي يسمونها عقليات وفي البقية التي يسمونها سمعيات، ومن حاول التفريق بينهما تناقض، وإذا أثبت بعض الصفات بالعقل ونفى البعض الآخر لزمه فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته. * لا يجد المفرق فرقاً بين المحذور فيما أثبته وهي الصفات السبع وبين المحذور فيما نفاه من الصفات. * الذي يلزم من عدم التفريق بين الصفات هو أنه لا يوجد لنفاة بعض الصفات قانون مستقيم. فإذا قيل لهم لِمَ تأوّلتم هذا؟ وأثبتم هذا؟ لم يكن لديهم جواب صحيح.

стр. 143

س٢٠. ـ وضح التناقض عند الأشاعرة والماتريدية في الإثبات؟ وما الذي يلزم من ذلك؟ بيّن ذلك بالتفصيل؟ ج ـ تناقض الأشاعرة والماتريدية في الإثبات هو تأويلهم النص من معنى إلى آخر. * والذي يلزم من ذلك: أنهم إذا حرّفوا النص على المعنى الذي هو مقتضاه إلى المعنى الآخر لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه. فمثلاً، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ [آل عمران: ٣١] . يؤولون المحبة بإرادة القلوب فالذي يلزمهم من المحذور في الإثبات صفة المحبة وهو المعنى المصروف عنه لازم في صفة الإرادة وهو المعنى المصروف إليه. س٢١ ـ كيف نجيب على الأشعري إن قال بأن صفات المحبة والغضب عبارة عما يخلقه الله من الثواب والعقاب؟ ج ـ يجاب عليه بجوابين: • الأول: أن الفعل المعقول أي الذي يعقله العقلاء لا بد أن يقوم أولاً بالفاعل؛ فالثواب فعل يفعله الله في مخلوقاته فلا بد أن يوصف الفاعل بالإثابة لأنه فاعل للثواب فهو مثيب، وكذلك العقاب فحينئذٍ أثبتم لله الفعل والعبد يوصف بالفعل وهذا نظير ما فررتم منه فإن الإثابة والمعاقبة أفعال يتصف بها المخلوق، فإذا أثبتموها على الوجه الذي يتصف به المخلوق وقعتم في التشبيه إن أثبتموها كما يليق بالله فكذلك جميع الصفات. • الثاني: أن الثواب والعقاب المفعول إنما يكون على ما يحبه ويرضاه المثيب ويسخطه ويبغضه المعاقب، فلزم من إثبات الثواب والعقاب إثبات تلك الصفات. س٢٢ ـ اذكر المسلكين اللذين بنى عليهما الأشاعرة معتقدهم؟ ج ـ المسلكان هما: • الأول ـ التأويل: وهو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال

стр. 144

المرجوح لغير دليل كقولهم في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [صّ: ٧٥] أي بقدرتي. • الثاني ـ التفويض: وهو إمرار النصوص على ظاهرها من غير اعتقاد معنى لها، ففي المثال السابق يقولون: (اليد) لفظ لا يعلم معناه بل هو بمنزلة الحروف المقطعة في القرآن. وكلا المسلكين يرجعان إلى التعطيل لأن في المسلكين نفياً للمعاني الصحيحة.

стр. 145

المباينة بين مخلوق ومخلوق دليلٌ على المباينة بين الخالق والمخلوق قال شيخ الإسلام" "وأما المثلان المضروبان: فإن الله سبحان وتعالى أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات من أصناف المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبناً وعسلاً وخمراً وماء ولحماً وفاكهة وحريراً وذهباً وفضة وحوراً وقصوراً، وقد قال ابن عباس ﵄: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء١"، فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله، فالخالق أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق. وهذا بَيِّنٌ واضحٌ، ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق: ـ فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وأن مباينة الله لخلقه أعظم. ـ والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب
следующие страницы →