← Акыда

Акыда · id 11256

شرح التدمرية - الخميس

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (448 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

* ومذهبهم في هذا الباب: هو كفرهم بالرحمن كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣.] . ٢ ـ المشركون: الشرك مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله. * ومذهبهم في هذا الباب: هو وقوعهم في التمثيل في الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات كما قال تعالى عنهم: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨] . وإن كان الشرك أعظم أنواع التمثيل. ٣ ـ أهل الكتاب: وهم اليهود والنصارى. * ومذهب اليهود في هذا الباب: هو وقوعهم في التعطيل. * ومذهب النصارى في هذا الباب: هو وقوعهم في التشبيه. ٤ ـ الصابئة: من الصبوة، يقال: صبا الرجل إذا مال. قال شيخ الإسلام وغيره: الصابئة نوعان: أـ صابئة حنفاء موحدون. ب ـ صابئة مشركون. * مذهبهم في هذا الباب: هو التمثيل. ٥ ـ المتفلسفة: أصل الفلسفة بلسان اليونان هي محب الحكمة، ويقصد بالمتفلسفة من دخلوا في الفلسفة من أهل الإسلام لأن الفلاسة قسمان: دهريون ملحدون، وإلهيون وهم المقصودون كالفارابي وابن سينا، وكل من حاول الجمع بين الفلسفة والشرع فهو متفلسف. * مذهبهم: ١ ـ أنهم وصفوا الله بالسلوب والإضافات، والسلوب أي الصفات السلبية وهي الصفة التي تدل على النفي المحض دون الدلالة على معنى قائم به. كقولهم: (موجود) أي مسلوب عنه العدم، وقولهم: (واحد) أي مسلوب عنه القسمة والشركة. والإضافات: هي الصفات الإضافية وهي صفات اعتبارية لا وجود لها

стр. 72

في الخارج لا تعقل إلا بتعقل ما يقابلها، كالأولية باعتبار أن المخلوقات حادثة. ٢ ـ أنهم جعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق؛ أي الوجود الكلي المجرد عن الإضافة الذي يتصوره الزمن، لكنهم يقولون: بشرط الإطلاق أي بشرط أن لا يقيد بشيء فيزيدونه امتناعاً. ٣ ـ وجعلوا الصفة الثبوتية هي عين الموصوف أي لا تدل على معنى زائد عن الذات فهي من جنس الأعلام المحضة، فالعلم ـ أي صفة العلم ـ عندهم هو عين العالم ليس معنى زائداً عن ذات الله تعالى. ٦ ـ الجهمية: هم أتباع جهم بن صفوان السمرقندي الضال الذي أخذ مقالته في التعطيل عن الجعد بن درهم وأخذها الجعد عن أبان بن سمعان عن طالوت عن لبيد الساحر اليهودي. * ومذهبهم: أنهم ينفون الأسماء والصفات فيقولون: لا موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أي هي مجرد مجازات لا حقيقة لها. * شبهتهم: شبهتهم في ذلك أن الإثبات يستلزم التشبيه بالموجودات الحية العليمة القديرة. ٧ ـ القرامطة الباطنية: نسبة إلى حمدان قرمط، وسموا بالباطنية لزعمهم أن للنصوص ظاهراً عند العامة وباطناً عند الخاصة، ولهم تحريفات شنيعة وانحرافات فظيعة ومن الباطنية الآن: الدروز، والنصيرية، والإسماعيلية، وغلاة الرافضة، وغلاة المتصوفة، ومنهم البَهَرة شيعة الهند الجامعين بين الرفض والتصوف والحلول والغلو، وهم طائفة من الإسماعيلية. * ومذهبهم: نفي النقيضين فيقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، والصحيح أن الحياة والموت والعلم والجهل نقيضان. شبهتهم: زعموا أن وصف الله تعالى بالإثبات تشبيه له بالموجودات

стр. 73

ووصفه بالنفي تشبيه له بالمعدومات، فلذلك رفعوا السلب والإيجاب أي النفي والإثبات. ٨ ـ المعتزلة: هم أتباع واصل بن عطاء الغزال، وهو الذي اعتزل مجلس الحسن البصري في مسألة صاحب الكبيرة فقط فنسبت إليه الفرقة، وهذا أشهر ما قيل في ذلك. ثم تطور مذهبهم وافترقوا فرقاً كثيرة: منهم معتزلة الصرة كالجاحظ وواصل نفسه والنظَّام والجبائيين. ومنهم معتزلة بغداد كأحمد بن أبي دؤاد والكعبي وعبد الجبار. * وتجتمع أصولهم في خمسة نذكرها للفائدة وهي كما يلي: ١ ـ التوحيد: ويدخلون فيه نفي الصفات ويثبتون الأسماء فقط. ٢ ـ العدل: ويدخل فيه نفي خلق العبد لفعله، ونفي القدر. ٣ ـ والوعد والوعيد: ويريدون به تخليد مرتكب الكبيرة في النار. ٤ ـ المنزلة بين المنزلتين: أي صاحب الكبيرة بين الإيمان والكفر في الدنيا وهي سبب اعتزال واصل بن عطاء الغزال لمجلس الحسن البصري ﵀. ٥ ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ويدخلون فيه الخروج على ولاة الأمور. * مذهبهم: إثبات الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات. * شبهتهم: أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم. س٢ ـ ما المقصود بمن زاغ عن طريق الرسل في صفات الله، وما مذهبهم في ذلك، وما الذي يستلزمه مذهبهم الباطل، ولماذا؟ ج ـ المراد بمن زاغ عن طريق الرسل هو من حاد عن طريقتهم وسبيلهم من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب، ومن دخل في هؤلاء من الصابئين والفلاسفة والجهمية والقرامطة والباطنية ونحوهم. * ومذهبهم في الصفات ضد مذهب السلف يصفون الله بالصفات السلبية على وجه التفصيل فيقولون: ليس له وجه ولا يغضب ولا ينزل

стр. 74

ونحو ذلك. ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان، ومعنى هذا أن سلب الصفات عن الله غايته ونهايته أن الله غير موجود أصلاً؛ لأن الموجود المطلوب وهو المجرد عن الصفات لا حقيقة له إلا في الأذهان ولا وجود له في الخارج لأن الذات لا بد لها من صفة وقد نفوا الصفة فانتفت الذات، وهذا مذهب باطل يستلزم التعطيل والتمثيل بالممتنعات والمعدومات والجمادات ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلاً يستلزم نفي الذات. س٣ ـ ما المراد بالإلحاد؟ ج ـ الإلحاد: الإلحاد لغة: الميل، ومنه سمي الشق في جانب القبر لحداً؛ لأنه مائل عن وسط الحفرة. واصطلاحاً: الميل عن الحق والصراط المستقيم علماً وعملاً، وقد خصه المصنفون في الملل والمذاهب بالجحد للخالق، فإذا قالوا: ملحد أي منكر للخالق، والمعنى اللغوي أعم من ذلك. والمراد بالإلحاد في باب الأسماء والصفات ما يلي: • أولاً ـ الإلحاد في أسماء الله تعالى ويكون في عدة أشياء منها: ١ ـ تسمية المخلوق بها كما قال ﷺ : "أخنع الأسماء عند الله يوم القيامة رجل تسمى بملك الأملاك"١. ٢ ـ تجريد الأسماء عن معانيها كما قالت المعتزلة: سميع بلا سمع، وعليم بلا علم. ٣ ـ نفي أسماء الله وهو سبيل الجهمية ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣.] . ٤ ـ تسمية الله بما لم يسم به نفسه كتسمية النصارى له بالأب والفلاسفة بالعلة الفاعلة.

стр. 75

٥ ـ الاشتقاق منها كتسمية المشركين لآلهتهم، فالعزى من العزيز، ومناة من المنان. • ثانياً ـ الإلحاد في صفات الله ويكون بأشياء منها: ١ ـ تحريف المعنى الظاهر. ٢ ـ تفويض المعنى وإبطال دلا لته. ٣ ـ تكييف الصفات. ٤ ـ إثبات صفات مماثلة في حقائقها للمخلوقين. وانظر الإلحاد في آيات الله الكونية والشرعية في كتاب التوضيحات الأثرية على متن الرسالة التدمرية لأبي العالية المحسي ص٣٤. س٤ ـ عرّف المصطلحات الآتية: واجب الوجود، الممكن، المعدوم، الممتنع، النقيضان، الضدان، المتضايفان، الملكة والعدم. ج ـ واجب الوجود: هو الذي وجوده واجب وعدمه ممتنع وهو الله تعالى. والوجود: قسمان: واجب وممكن. أـ الوجود الواجب: هو ما لم يسبق بعدم ولا يلحقه فناء (ولا يفتقر إلى غيره في الإيجاد) وهو وجود الله تعالى. ب ـ الوجود الممكن: هو ما جاز عليه العدم (وافتقر إلى غيره في الإيجاد) وهو وجود المخلوقات جميعها. المعدوم: وهو قسمان: أـ المعدوم الممكن: وهو المعدوم الذي يجوز وجوده كغراب أخضر وبحر من زئبق وغيرها، فهي معدومة لكنه لا يستحيل وجودها. ب ـ المعدوم الممتنع: وهو المعدوم المستحيل وجوده كالجمع بين الضدين مثل: إنسان وجماد معاً.

стр. 76

ونوضح هذه المصطلحات في الشكل الآتي١: ١ ـ الوجود ٢ ـ العدم واجب ممكن ممكن ممتنع (وهو الله تعالى) (المخلوقات) (بحر زئبق) (حي وميت معاً) النقيضان: وهو تقابل أمري أحدهما وجودي والآخر عدمي بحيث لا يجتمعان ولا يرتفعان بل يجب وجود أحدهما دون الآخر، مثل السلب والإيجاب. الضدان: وهو تقابل أمرين وجوديين لا يجتمعان معاً ولكن يمكن ارتفاعهما مثل السواد والبياض، لا يجتمعان في محل واحد ولكن يجوز أن يرتفعا بالأحمر أو الأخضر مثلاً. المتضايفان: هما أمران وجوديان لا يمكن إدراك أحدهما إلا بالإضافة إلى الآخر مثل الأبوة والبنوة والقبل والبعد. الملكة والعدم: وهو تقابل بين أمرين أحدهما وجودي والآخر عدمي بحيث لا يجتمعان ولا يرتفعان عن المحل الذي شأنه أن يتصف به كالعمى والبصر. جدول توضيحي للتقابل بين هذه الأشياء٢ ١ ـ نقيضين ٢ ـ ضدين ٣ ـ متضايفين ٤ ـ ملكة، وعدم (السلب والإيجاب) (السواد والبياض) (الأبوة والبنوة) (البصر ملكة، والعمى عدم)

стр. 77

س٥ ـ اذكر مذاهب الباطنية في الصفات، وشبهتهم، والرد عليهم؟ ج ـ مذهبهم: في الصفات: نفي النقيضين وقد سبق تعريفه، فيقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، والصحيح أن الحياة والموت والعلم والجهل نقيضان. شبهتهم: زعموا أن وصف الله تعالى بالإثبات تشبيه له بالموجودات ووصفه بالنفي تشبيه له بالمعدومات، فلذلك رفعوا السلب والإيجاب أي النفي والإثبات. الرد عليهم من وجوه: ١ ـ أن نفي النقيضين ممتنع في بدائه العقول، أي يحكم بامتناعه من أول وهلة دون نظر أو استدلال. ٢ ـ أن مذهبهم هذا تحريف لما أنزل الله من الكتاب ولما جاءت به الرسل في هذا الباب. ٣ ـ أنهم وقعوا في شر مما فروا منه فإنهم فروا من تشبيهه بالموجودات فوقعوا في تشبيهه بالمعدومات التي يستحيل وجودها أصلاً، فإن رفع النقيضين معاً ممتنع كجمعهما عند عامة العقلاء، فكما أنه لا يمكن أن يكون الشيء موجوداً معدوماً في آن واحد، فكذلك لا يمكن أن يكون غير موجود وغير معدوم في آن واحد، بل لا بد أن يكون إما موجوداً أو معدوماً. ٤ ـ ثم إنه علم بالاضطرار؛ أن جميع الموجودات لا بد لها من موجد واجب لذاته لا بغيره لا يقبل الحدوث ولا العدم غني عما سواه قديم أزلي، وفي هذا إثبات لموجد موصوف بالصفات وهي الوجود والغنى والأولوية. ٥ ـ ويظهر مدى انحرافهم في أنهم (وصفوه بما يمتنع وجوده فضلاً عن الوجوب أو الوجود أو القدم) س٦ ـ اذكر مذهب الفلاسفة في الصفات وشبهتهم والرد عليهم؟ ج ـ مذهب الفلاسفة وأتباعهم كباطنية الشيعة وباطنية الصوفية: أنهم

стр. 78

يصفون الله بالسلوب ـ وهو الأمر المنفي ـ مثل قولهم: إن الله ليس بجسم ولا عَرَض، كما يصفونه بالإضافات، مثل قولهم: إن الله مبدأ الكائنات وعلة الموجودات، وهي الأمور المتضائفات التي لا يعقل الواحد منها إلا بتعقل متعلقه دون صفات الإثبات كالحياة والعلم ونحوهما. وغاية قولهم أنهم جعلوه سبحانه هو الموجود المطلق أي المجرد عن الصفات بشرط الإطلاق، أي جعلوا وجوده سبحانه بحيث تسلب عنه كل صفة ثبوتية وسلبية. • والرد عليهم من وجوه: أن مما علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن لا فيما خرج عنه إلى الوجود، أي من سلب عنه الصفات الثبوتية والعدمية فلا وجود له في الواقع والخارج وإنما يتصوره الذهن فقط. ٢ ـ جعلهم كل صفة هي عين الذات ـ الموصوف ـ مكابرة للبديهيات العقلية فضلاً عن الشرعية؛ لأن لازم ذلك أن جميع الصفات لا يتميز بعضها عن بعض فيكون العلم هو القدرة وهو الكلام ويكون معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] بمعنى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وهكذا مما يعلم بطلانه بداهة. ٣ ـ أنهم جحدوا الضروريات في قولهم بالموجود المطلق وكون الصفة عين الذات، وهذا غاية الضلال.

стр. 79

الرد الإجمالي على المخالفين لطريقة السلف قال شيخ الإسلام: "وذلك أنه قد علم بضرورة العقل أنه لا بد من موجد قديم غني عما سواه إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات كالحيوان والمعدن والنبات، والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع، وقد علم بالاضطرار أن المحدَث لا بد له من محدِث والممكن لا بد له من واجب كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ، فإذا لم يكونوا خلقوا من غير خالق ولا هم الخالقون لأنفسهم تعين أن لهم خالقاً خلقهم، وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتقييد والتخصيص ولا في غيره، فلا يقول عاقل إذا قيل: إن العرش شيء موجود وإن البعوض شيء موجود، إن هذا مثل هذا لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه بل الذهن يأخذ معنى مشتركاً كلياً هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل: هذا موجود، وهذا موجود، فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره مع أن الاسم حقيقة في كل منهما. ولهذا سمى الله نفسَه بأسماء وسمَّى صفاته بأسماء، فكانت تلك

стр. 80

الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمّى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، لا اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلاً عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص. فقد سمى الله نفسه حيّاً فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وسمى بعض عباده حياً فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ﴾ [الروم: ١٩] وليس هذا الحي مثل هذا الحي؛ لأن قوله: ﴿الْحَيَّ﴾ اسم الله مختص به، وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ﴾ اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجُرِّدا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل بفهم من المطلق قدراً مشتركاً بين المسميين، وعند الاختصاص يقيّد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق. ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، ويُفهم منها ما دلّ عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دلّ عليه بالإضافة والاختصاص، المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه . وكذلك سمّى الله نفسه عليماً حليماً، وسمّى بعض عباده عليماً حليماً، فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ، يعني إسحاق، وسمّى آخر حليماً، فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١.١] يعني: إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم. وسمّى نفسه سميعاً بصيراً فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء: ٥٨] . وسمّى بعض خلقه سميعاً بصيراً فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الانسان: ٢] ، وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير.

стр. 81

وسمّى نفسه بالرؤوف الرحيم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] ، وسمّى بعض عباده بالرؤوف الرحيم فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] ، وليس الرؤوف كالرؤوف ولا الرحيم كالرحيم. وسمّى نفسه بالملك، فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣] ، وسمّى بعض عباده بالملك فقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف: ٧٩] ، و ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: ٥.] وليس الملك كالملك. وسمّى نفسه بالمؤمن، فقال: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] ،وسمّى بعض عباده بالمؤمن، فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] ، وليس المؤمن كالمؤمن. وسمّى نفسه بالعزيز، فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّر﴾ [الحشر: ٢٣] ، وسمّى بعض عباده بالعزيز، فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: ٥١] ، وليس العزيز كالعزيز. وسمّى نفسه الجبار المتكبر، وسمّى بعض خلقه بالجبار المتكبر، فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] وليس الجبار كالجبار ولا المتكبر كالمتكبر. ونظائر هذا متعددة. وكذلك سمّى صفاته بأسماء، وسمّة صفات عباده بنظير ذلك، فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، وقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِه﴾ [النساء: ١٦٦] ، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] ، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] . وسمّى صفة المخلوق علماً وقوة، فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الاسراء: ٨٥] ، وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ،

стр. 82

وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْم﴾ [غافر: ٨٣] ، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] ، وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] ، وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] أي: بقوة، وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [صّ: ١٧] أي: ذا القوة، وليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة. وكذلك وصف نفسه بالإرادة، ووصف عبده بالإرادة، فقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ*وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ـ٢٩] ، وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً *وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الانسان: ٢٩ـ٣.] . وكذلك وصف نفسه بالإرادة، ووصف عبده بالإرادة فقال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لأنفال: ٦٧] . ووصف نفسه بالمحبة ووصف عبد بالمحبة فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] ، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ [آل عمران: ٣١] . ووصف نفسه بالرضا، ووصف عبده بالرضا، فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] . ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد، ولا إرادته مثل إرادته، ولا محبته مثل محبته، ولا رضاه مثل رضاه. وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار، ووصفهم بالمقت فقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْأِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١.] وليس المقت مثل المقت. وهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد، وكما وصف عبده بذلك فقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [لأنفال: ٣.] ، وقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً*وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ [الطارق: ١٥ـ١٦] ، وليس المكر كالمكر، ولا الكيد كالكيد.

стр. 83

ووصف نفسه بالعمل فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يّس: ٧١] . ووصف عبده بالعمل، فقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] وليس العمل كالعمل. ووصف نفسه بالمناداة والمناجاة في قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [مريم: ٥٢] ، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِم﴾ [القصص: ٦٢] ، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢] ، ووصف عبده بالمناداة والمناجاة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] ، وقال: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢] ، وقال: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: ٩] ، وليس المناداة كالمناداة، ولا المناجاة كالمناجاة. ووصف نفسه بالتكليم في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤] ، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ، وقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ، ووصف عبده بالتكليم في مثل قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] ، وليس التكليم كالتكليم. ووصف نفسه بالتنبئة، ووصف بعض الخلق بالتنبئة فقال: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣] وليس الإنباءُ كالإنباءِ. ووصف نفسه بالتعليم، ووصف عبده بالتعليم، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ*عَلَّمَ الْقُرْآنَ*خَلَقَ الإنْسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ـ٤] ، وقال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] ، وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة﴾ [آل عمران: ١٦٤] ، وليس التعليم كالتعليم.

стр. 84

وهكذا وصف نفسه بالغضب في قوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ [الفتح: ٦] ، ووصف عبده بالغضب في قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ [الأعراف: ١٥.] وليس الغضب كالغضب. ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر في سبع آيات من كتابه أنه استوى على العرش، ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه﴾ [الزخرف: ١٣] ، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ، وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ﴾ [هود: ٤٤] وليس الاستواء كالاستواء. ووصف نفسه ببسط اليدين، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] ، ووصف بعض خلقه ببسط اليد، في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] ، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم. ونظائر هذا كثيرة. فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته لخلقه، فمن قال: ليس لله علم ولا قوة ولا رحمة، ولا كلام، ولا يحب ولا يرضى، ولا نادى ولا ناجى، ولا استوى؛ كان معطلاً جاحداً، ممثلاً لله بالمعدومات والجمادات. ومن قال: له علم كعلمي، أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، وأو رضى كرضاي، أو يدان كيديّ، أو استواء كاستوائي؛ كان مشبهاً، ممثلاً لله بالحيوانات، بل لا بد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل. ويتبين هذا بأصلين شريفين، وبمثلين مضروبين، ولله المثل الأعلى، وبخاتمة جامعة". معاني الكلمات: القديم: هو الأول عند أهل السنة وهو القِدَم المطلق.

стр. 85

الحادث: معنى الحادث هو المخلوق. الممكن: ما استوى وجوده وعدمه. الواجب: ما كان وجوده ضرورياً، فالله سبحانه واجب الوجود. الممتنع: هو ما كان عدمه ضرورياً كوجود خالقين مثلاً، أو الشريك لله فإنه لا يمكن أن يكون لله شريكاً. الاسم المطلق: وهو الاسم العام الذي لا تقييد فيه، فمن هذه الناحية: يشترك وجود الله تعالى والخلق في الوجود المطلق العام، لأنه مفهوم عام مطلق غير مقيد. لكن إذا قيل الوجود بإضافته إلى الله تعالى صار فيه تخصيص، وكذا إذا أضيف الوجود إلى المخلوق صار فيه تخصيص، لأن كل صفة تناسب موصوفها فوجود الله تعالى غير وجود الخلق. تماثلها: هو كون الشيئين متساويين متشابهين من كل وجه. اتفاقهما: الاتفاق: هو كون الشيئين متفقين في اللفظ والمعنى. الإضافة: ضم الشيء إلى الشيء للتخصيص والتعريف. التقييد: الوصف بأمر زائد عن الحقيقة. التخصيص: هو قصر المعنى العام على بعض أفراده. عناصر الموضوع: ١ ـ الرد على المعطلة إجمالاً: بعد أن بيَّن شيخ الإسلام أصول فرق المعطلة، بدأ بإبطال تلك المذاهب فبدأ هنا بالرد الإجمالي ثم سيفصل الرد عليهم عند كلامه عند الأصلين والرد الإجمالي مركب من وجهين: الوجه الأول: في الوجود. الوجه الثاني: في الاتفاق في الأسماء. وإليك تفصيل الوجه الأول: هو أن الموجود إما خالق وهو الله، وإما

стр. 86

مخلوق وهو العبد، ولكل منهما وجود يخصه، فلا بد من موجود قديم تنتهي إليه المخلوقات المحدثة إذ إن وجود المخلوقات من غير موجد ممتنع. والخالق والمخلوق كل منهما يتفقان في الوجود، ومع ذلك لم يلزم من اتفاقهما في المعنى العام وهو لفظ الوجود تماثلهما. الوجه الثاني: أن الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات كما دل على ذلك السمع والعقل والحس. ٢ ـ الأدلة على الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم منه تماثل المسميات دل على ذلك السمع والعقل والحس، وإليك التفصيل: ١ ـ أما دليل السمع فقد قال الله تعالى عن نفسه: ﴿ِإِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء: ٥٨] ، وقال عن الإنسان: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] ، ونفى أن يكون السميع كالسميع والبصير كالبصير، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وأثبت لنفسه علماً وللإنسان علماً فقال عن نفسه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٥] . وقال عن الإنسان: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١.] ، وليس علم الإنسان كعلم الله، فقد قال تعالى عن علمه: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [طه: ٩٨] ، وقال عن علم الإنسان: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الاسراء: ٨٥] . وأما العقل فمن المعلوم بالعقل أن المعاني والأوصاف تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فكما أن الأشياء مختلفة في ذواتها فإنها كذلك مختلفة في صفاتها وفي المعاني المضافة إليها، فإن صفة كل موصوف تناسبه لا يفهم منها ما يقصر عن موصوفها أو يتجاوزه، ولهذا نصف الإنسان باللين والحديد المنصهر باللين، ونعلم أن اللين متفاوت المعنى بحسب ما أضيف إليه وأما الحس: فإننا نشاهد للفيل جسماً وقدَمَاً وقوةً، وللبعوضة جسماً وقدماً وقوة، ونعلم الفرق بين جسميهما وقدميهما وقوتهما. فإذا علم أن الاشتراك في الاسم والصفة في المخلوقات لا يستلزم

стр. 87

التماثل في الحقيقة مع كون كل منهما مخلوقاً ممكناً فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى، وأجلى، بل أن التماثل في ذلك بين الخالق والمخلوق ممتنع غاية الامتناع. ٣ ـ أمثلة لأسماء سمى الله بها نفسه وسمى بعض عباده بها: سمى الله نفسه بأسماء وسمى مخلوقاته ببعض هذه الأسماء، ولكن أأسماء الله تعالى مختصة به، وأسماء المخلوقات مختصة بهم، فمجرد الاتفاق في الاسم لا يدل على الموافقة في الحقيقة والكنه، وإليك هذه الأمثلة التي ذكرها شيخ الإسلام في هذا الجدول الآتي: الاسم دليل تسمية الله به نفسه دليل تسميه بعض عباده به الحي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ﴾ [الروم: ١٩] العليم، الحليم ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢] ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ، ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١.١] السميع، البصير إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء: ٥٨] . ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الانسان: ٢] الرؤوف، الرحيم ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] الملك ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣] ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: ٥.] المؤمن ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] الجبار المتكبر ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّر﴾ [الحشر: ٢٣] ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] العزيز ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤] ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: ٥١]

стр. 88

٤ ـ أمثلة لصفات وصف الله بها نفسه وهي تليق به ووصف بها المخلوق: ذكر شيخ الإسلام هذه الأمثلة للصفات التي اتصف الله بها وهي تليق به واتصف بها المخلوق وهي تناسبه. فكل هذه الصفات الاتفاق فيها في المعنى الكلي فقط دون الكيفيات والخصائص إليك التفصيل كما في الجدول الآتي: الصفة دليل اتصاف الخالق بها ما تليق بعظمته دليل اتصاف المخلوق بها بما يناسب ضعفه القوة ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات: ٤٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم: ٥٤] ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [صّ: ١٧] العلم ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِه﴾ [النساء: ١٦٦] ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْم﴾ [غافر: ٨٣] المشيئة وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩] ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾ [التكوير:٢٨] ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ [التكوير: ٢٩] ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [الإنسان: ٢٩] الإرادة وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [لأنفال: ٦٧] . ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [لأنفال: ٦٧] . المحبة ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة: ٥٤] ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ [آل عمران: ٣١] . ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] . الرضا ﴿﵃﴾ [البينة: ٨] ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] المقت ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [غافر: ١.] ﴿مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١.]

стр. 89

المكر ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [لأنفال: ٣.] ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ [لأنفال: ٣.] الكيد ﴿وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ [الطارق: ١٦] ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ [الطارق: ١٥] العمل ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يّس: ٧١] . ووصف ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] المناداة والمناجاة ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [مريم: ٥٢] ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِم﴾ [القصص: ٦٢] ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢] ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: ٩] ، التكليم ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤] ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] التنبئة ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣] ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ ... فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ [التحريم: ٣] التعليم ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ* ... عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ـ٤] ﴿عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ [المائدة: ٤] ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة﴾ [آل عمران: ١٦٤] الغضب ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ [الفتح: ٦] ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ [الأعراف: ١٥.] الاستواء في سبعة مواضع: [الأعراف: ٥٤] ، [يونس: ٣] ، [الحديد: ٤] ، [الرعد: ٢] ، [طه: ٥] ، [الفرقان: ٥٩] ، [السجدة: ٤] ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه﴾ [الزخرف: ١٣] ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ﴾ [هود: ٤٤] بسط اليدين ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] وإذا كانت بمعنى الإعطاء والجود فكذلك بلا تمثيل ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الاسراء: ٢٩] ونظائرها كثيرة

стр. 90

٥ ـ معنى قول شيخ الإسلام: "ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً لا حقيقة له عند التحصيل..": معناه: أن هؤلاء الكفار من فلاسفة اليونان ومن معهم من المتفلسفة والجهمية والمعطلة لا يؤمنون بصفات الله تعالى، ولا يصفون الله تعالى بشيء من صفاته التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ ، وإنما يعتقدون أنه وجود مطلق خال عن الصفات التي تقيد الموصوف، والشيء إذا لم يكن له صفة فهو غير معقول؛ ولا يكون له وجود خارج الأذهان وإنما وجوده وجود ذهني. فالذهن يتصوره ولكن لا وجود له في الخارج فهو شيء معدوم؛ لأن المعدوم لا صفة له. فالله تعالى على قول هؤلاء الجهمية معدوم في الحقيقة ولا وجود له لأنهم يصفونه بصفات المعدوم بل الممتنع. فيقولون: إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه، ولا فوقه ولا تحته ولا كذا ولا كذا، فهؤلاء مع كونهم غلاة المعطلة فهم مشبهة أيضاً لأنهم شبهوا الله بالمعدومات. ٦ ـ معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وجعلوا هذه الصفة الأخرى فجعلوا العلم عين العالم مكابرة ... ": هذه حكاية مذهب آخر لنوع آخر من المعطلة الغلاة وهذا المذهب شبيه بالمذهب الأول: ولكنه أخف كفراً، والأول أشد كفراً. لأن الأولين كانوا يصفون الله بالوجود المطلق عارياً عن الصفات. وأما هؤلاء المعطلة فقد وصفوه بالسلوب، وأيضاً وصفوه بالصفات الإضافية نحو: قبل كل شيء وبعد كل شيء، ونحو ذلك من الصفات التي هي صفات بالنسبة إلى شيء آخر.

стр. 91

فهؤلاء بسبب إثباتهم الصفات الإضافية صاروا أخف كفراً من الأولين. ولكنهم مع هذا كله قولهم في غاية التعطيل الذي يستلزم كون الله تعالى معدوماً بل ممتنعاً مثل المذهب الأول؛ لأنهم لا يميزون بين الصفة وموصوفها، فيقولون باتحاد العالم والعلم فجعلوا الصفة هي الموصوف وجعلوا العلم هو العالم، كما أنهم لا يميزون بين صفة وأخرى، فيقولون باتحاد العلم والقدرة وهذا معلوم فساده بالبداهة الضرورية. هذا هو المذهب الثاني يتلوه المذهب الثالث. ٧ ـ قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفات": أقول: هذا نوع ثالث من المعطلة وهم كثير من المعتزلة فهم أثبتوا لله تعالى الأسماء ولكن بدون ما تدل عليه من المعاني التي هي صفات كمالية. فجعلوا أسماء الله تعالى كأسماء الأعلام المجردة عن المعاني نحو زيد وعمر وبكر بدون ملاحظة أي صفة وأي معنى هذا هو معنى (الأعلام المحضة) فالعلم المحض لا معنى له غير المسمى نحو زيد، فمعنى زيد هو المسمى بزيد لا غير، وهكذا جعلوا أسماء الله تعالى أعلاماً محضة بدون معنى مع أن أسماء الله تعالى نحو السميع والبصير والعليم مع دلالتها على الله تعالى تدل على معانٍ هي صفات كمالية، وهي السمع والبصر والعلم. فليست أسماء الله تعالى كالأعلام المحضة بل هي أسماء مع دلالتها على الصفات الكمالية، ولذلك سميت حسنى لدلالتها على الصفات الحسنة. ٨ ـ معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية " ... المترادفات": الأسماء المتعددة الدالة على مسمى واحد بدون تعدد المعاني تسمى مترادفات؛ كأن يكون لشيء واحد أسماء عديدة بدون ملاحظة معانيها، كالأسد والغضنفر للحيوان المفترس المعروف.

стр. 92

فهؤلاء الجهمية جعلوا أسماء الله تعالى: من السميع والبصير والقدير والعليم. أسماء لمسمى واحد بدون ملاحظة معانيها وهي السمع والبصر والقدرة والعلم؛ وهذا تعطيل سافر وإلحاد. ٩ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومنهم من قال: عليم بلا علم، وقدير بلا قدرة، سميع بصير بلا سمع ولا بصر ... ": أقول: هذا صنف آخر من المعتزلة الجهمية. وقولهم لا يختلف عن قول الصنف الأول إلا في التعبير، وإلا فكلهم يثبتون الأسماء دون ما تدل عليه من الصفات الكمالية والمعاني الحسنة. غير أن الأولين لا يصرحون بأن الله عليم بلا علم بل يقولون عليم وسميع ولا صفة له، ولكن هؤلاء يفسرون قولهم فيقولون: إنه عليم بلا علم سميع بلا سمع. ١٠ـ معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولو أمعنوا النظر لسوّوا بين المتماثلات، وفرّقوا بين المختلفات كما تقتضيه المعقولات": معناه: أن زيداً وعمراً وبكراً قد يكونون من المتماثلات وصفاتهم من المتماثلات فالعقل يجوز أن زيداً مثل عمرو وصفة زيد مثل صفة عمرو مثلاً. والخالق والمخلوق من المختلفات. فالعقل يحكم أن الخالق لا يشبه المخلوق فهكذا صفة الخالق لا تشبه صفة المخلوق. وهؤلاء يدعون أنهم من أهل المعقولات. ولكنهم في الحقيقة من أهل المجهولات وأهل السفسطة والقرمطة وكذلك تراهم يفرقون بين المتماثلات ويسوون بين المختلفات فيزعمون أنه لو ثبت لله تعالى صفة لكان مشابهاً للمخلوق فسووا بين المختلفات. ونفوا القدر المشترك بين الصفات ففرقوا بين المتماثلات.

стр. 93

١١ ـ معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولكنهم من أهل المجهولات المشبهة بالمعقولات": معناه: أن هؤلاء المعطلة بسبب تعطيلهم. ليسوا أصحاب العقول والعلوم والأدلة والبراهين المعلومة، بل هم أصحاب الأمور الجهلية المجهولة، التي لا تزيدهم إلا جهلاً على جهل وعمى على عمى وضلالاً على ضلال وظلمات على ظلمات، وهي شبهات وليست أدلة ولكن هذه الشبهات المجهولة اشتبهت عليهم فظنوها أدلة قطعية وبراهين قوية، مع أنها مكسورة وشبهات محضة. ١٢ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع": أقول: الحادث في الاصطلاح العام للمناطقة والمتكلمين ما وجد بعد أن لم يكن، فهو مرادف للمخلوق. وقد يطلق "الحادث" ويراد به المتجدد ـ فيكون أعم من المخلوق. فالحادث على هذا قد يكون مخلوقاً كالحوادث اليومية في الكون وكذا الكون نفسه، وقد لا يكون مخلوقاً مع كونه متجدداً؛ نحو قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَث﴾ [الأنبياء: ٢] . فالذكر المحدث هو القرآن. وهو غير مخلوق وإن كان متجدداً. والمراد من "الحادث" في كلام الشيخ هو المعنى الأول وهو المخلوق. و"الممكن" ما استوى طرفاه أي وجوده وعدمه، أي وجوده وعدمه غير ضروري. فالممكن إذا ترجح جانب وجوده فالله تعالى يخلقه ويوجده بعد أن لم يكن. و"الواجب" ما كان وجوده ضرورة، فإن وجود الله واجب أي ضروري

стр. 94

"والممتنع" هو ما كان عدمه ضرورياً كوجود خالقين مثلاً أو الشريك لله تعالى. فإنه لا يمكن أن يكون لله شريك لا عقلاً ولا شرعاً. ١٣ ـ معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "بل الذهن يأخذ معنى مشتركاً كلياً هو مسمى الاسم المطلق": أقول: إن الجهمية يزعمون أنه لو ثبت لله الصفات لكان مشابهاً للمخلوقات. فرد عليهم شيخ الإسلام وقال لهم: إنه لاشك أن الله تعالى يطلق عليه أنه موجود والمخلوق يطلق عليه أنه موجود. فكلاهما يشتركان في الوجود العام الكلي المطلق الذي لا خصوص فيه ولا تقييد. فهذا هو معنى "الاسم المطلق" أي الاسم العام الذي لا خصوص فيه ولا تقييد فيه. فمن هذه الناحية يشترك الله تعالى والخلق في الوجود المطلق العام. وهذا هو القدر المشترك. لأن كل واحد موجود، ولكن سرعان ما يزول التشبيه ويتحقق الفارق بين وجود الله تعالى وبين وجود المخلوق. لأن "الوجود" قبل الإضافة كان له مفهوم عام مطلق غير مقيد وغير مخصص. ولكن إذا قيد (الوجود) بإضافته إلى الله تعالى صار فيه تخصيص وتقييد، وكذا إذا أضيف (الوجود) إلى المخلوق صار فيه تخصيص وتقييد. لأن كل صفة تناسب موصوفها فوجود الله تعالى غير وجود الخلق ووجود الخلق غير وجود الخالق، فمن ههنا ارتفع التشبيه وتحقق الفارق فلا تشبيه إذاً في إثبات الصفات لله تعالى فزالت شبهة الجهمية.

стр. 95

١٤ ـ معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدراً مشتركاً بين المسميين وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق": أقول: هذا الكلام تفصيل وتفسير وتوضيح للكلام السابق. وخلاصته: أن "العلم" مثلاً له جهتان جهة العموم الإطلاق وعدم التخصيص وعدم التقييد. فلا شك أنه بهذا الاعتبار كلي واسم مطلق وأمر عام، ومشترك بين علم الله تعالى وبين علم المخلوق. ولكن "العلم" بهذا الاعتبار لا وجود له في الخارج لأن الاعتبار الكلي والاسم المطلق والشيء العام لا يوجد في الخارج. وإنما يتصوره الذهن فقط دون وجوده في الأعيان؛ لأن الشيء من حيث عمومه لا وجود له في الواقع، وإنما الموجود هو الأفراد بخصوصها لا بعمومها فالعلم المطلق من حيث إنه كلي مشترك لا وجود له في الخارج وإنما وجوده وجود ذهني فقط، يتصور العقل وجوده في الأذهان دون الأعيان. ولكن إذا قيد "العلم" ويقال: "علم" الله تعالى، أو "علم" المخلوق فحينئذٍ يوجد في الخارج لأنه صار مقيداً خاصاً بسبب الإضافة وهذه هي الجهة الثانية فالآن لا اشتراك فيه ولا تشبيه فإذا قيل: علم الله وعلم المخلوق تميز علم الخالق عن علم المخلوق. ١٥ ـ معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ما دل عليه الاسم بالمواطأة..": أقول: هذا أيضاً شرح للكلام السابق وتفسير له. وحاصله: أن "العلم" مثلاً قبل الإضافة وقبل التقييد وقبل التخصيص: يطلق على "علم" الله تعالى وعلى "علم" المخلوق إطلاقاً سوياً،

стр. 96

فعلم الله أيضاً "علم" وعلم المخلوق أيضاً "علم" والعلم يطلق عليهما على حد سواء. هذا هو معنى "المواطأة" ومعنى "الاتفاق"؛ فالكلي المتواطئ هو ما يدل ويطلق على أفراد على حد سواء كالإنسان فإنه يطلق على زيد وبكر على السواء، ويقابله الكلي المشكك كالأبيض فإنه يطلق على أفراد ولكن مع التفاوت والزيادة والشدة في بعض أفراده دون بعض، فإن بياض هذا الجدار أشد من بياض ذلك الجدار مثلاً. ١٦ ـ الأسئلة والأجوبة على ما تقدم: س١ ـ كيف نرد على هذه الفرق رداً إجمالياً؟ ج ـ الرد الإجمالي عليهم مركب من وجهين: الأول: في الوجود. الثاني: في الاتفاق في الأسماء. • الوجه الأول ـ في الموجود: وهو أن الموجود إما خالق وإما مخلوق ولكل منهما وجود يخصه، والمعنى أنه لا بد من موجود قديم واجب بنفسه تنتهي إليه المخلوقات المتحدثة، وبرهانه في مقدمتين: المقدمة الأولى: أننا نشاهد حدوث المخلوقات كالحيوان والمعدن والنبات، وهذه المحدثات ممكنة وليست واجبة لأنها مسبوقة بالعدم، كما أنها ليست ممتنعة لأنها موجودة الآن، والممتنع لا يتحقق وجوده. المقدمة الثانية: فما دامت هذه المخلوقات محدثة ممكنة فإنه يعلم ضرورة أنه لا بد لها من خالق واجب بنفسه تنتهي إليه لئلا يلزم التسلسل الممتنع عند عامة العقلاء وهو كون الموجود مفتقراً إلى موجود والموجود إلى موجود وهكذا. والدليل النقلي على هذا البرهان العقلي قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] المقصود من الآية الكريمة ما يلي: ١ ـ أنهم وجدوا من غير موجد.

стр. 97

٢ ـ أو أنهم أوجدوا أنفسهم. ٣ ـ أو أوجدهم الله تعالى. فالأول: إيجادهم من غير موجد ممتنع لأن المُحدَث لا بد له من مُحدِث. والثاني: أنهم أوجدوا أنفسهم: إما أن نفس المخلوق أوجد نفسه أو أن المخلوق أوجده مخلوق مثله، فالأول: باطل لأنه يلزم أن بكون المخلوق متقدماً على نفسه باعتباره محدثاً ومتأخراً باعتباره حادثاً وتقدم الشيء على نفسه وتأخره عنه محال في غاية الامتناع. والثالث: كون المخلوق أوجده مخلوق آخر محال لإفضائه إلى التسلسل كما سبق. فلزم بانقضاء هذه الأسباب إيجاد الخالق لهم وهو الواجب القديم الغني عما سواه. • الوجه الثاني: الاتفاق في الأسماء: فالاتفاق في الأسماء لا يوجب تماثل المسميات، ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء فتكون هذه الأسماء خاصة به لائقة بعظمته لا يشركه فيها غيره، وكذلك سمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مناسبة لافتقارهم مع أنها توافق أسماء الله عند الإطلاق ولكن تخالفها عند التقييد لاختلاف خصائص الله تعالى عن خصائص خلقه. انتهى الجواب. * وهنا بعض الألفاظ ينبغي بيانها للفائدة وهي: ١ ـ التسوية بين المتماثلات: والمقصود بها الأسماء والصفات فإنها من باب واحد من حيث دلالة النصوص عليها بطريق سواء ومن حيث اتصاف الله بها ومن حيث ما يلزم عليها وما لا يلزم. ٢ ـ التفريق بين المختلفات: وهي ما يليق بالله تعالى من الغنى والكمال المطلق فإنه يفارق تماماً ما يتصف به المخلوق من الحدوث والافتقار والنقص، مما يجعل صفات الله لائقة باقتداره وصفات المخلوق

стр. 98

مناسبة لافتقاره، فالتسوية بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات مما تقتضيه المعقولات. ٣ ـ السفسطة في العقليات: السفسطة مصدر سفسط يسفسط سفسطة وهي كلمة يونانية مركبة من جزئين (سوفيا) بمعنى الحكمة، و (اسطس) بمعنى المموهة فالمعنى (الحكمة المموهة) . ويقصد شيخ الإسلام بالسفسطة في العقليات: التمويه والمغالطة في الأمور العقلية الثابتة، فإنه يرى أن كل من جحد حقاً معلوماً وموّه فيه بالباطل فهو مسفسط وليست السفسطة مذهباً عاماً لطائفة معينة. ٤ ـ القرمطة في النقليات: نسبة إلى القرامطة لأنهم أعظم الطوائف تحريفاً للنقليات. والخلاصة: أن لمسمى الوجود ثلاث حالات: ١ ـ حالة الإطلاق: وهو المعنى الكلي الذهني ولا يوجد في الخارج. ٢ ـ حالة الإضافة إلى الخالق. ٣ ـ حالة الإضافة إلى المخلوق. * وهنا لا بد من ملاحظة الفرق بين ما ذكر في هذه الخلاصة بما يلي: أولاً: ما يدل عليه الاسم عند الإضافة والاختصاص التي تمنع من مشاركة المخلوق للخالق في خصائصه. نذكر مثالاً على ذلك مما ذكره شيخ الإسلام وهو لفظ (الحيّ) فإذا أضيف إلى الله اختص به وإذا أضيف إلى المخلوق اختص بفنائه وافتقاره. س٢ ـ ما المقصود بالقديم؟ وهل هو من أسماء الله؟ وضح ذلك؟ ج ـ المراد بالقديم: هو المتقدم على غيره وهو نوعان: ١ ـ تقدم أزلي: وهو ما لا نهاية له في الماضي وهو القدم المطلق ولا يصح إلا لله تعالى.

стр. 99

٢ ـ تقدم نسبي: وهو التقدم بين المخلوقات بالنسبة إلى بعضها كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يّس: ٣٩] فالقديم أعم من الأزلي لأنه يشمل الأزلي والنسبي، فلذلك قيد شيخ الإسلام ـ القديم بالأزلي. * اختلف العلماء في إطلاق القديم على الله ورجح المحققون أنه من باب الإخبار عن الله تعالى وليس من أسمائه الحسنى، كما يقال: واجب الوجود، وشيء، وقائم بنفسه، وغير ذلك، فهو خبر وليس اسماً. وأما قوله ﷺ : "أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم" فلا يدل على التسمية لأنه لم يطلق عليه تعالى وإنما يدل على الإخبار كما سبق. وهذا الحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (باب ما يقال عند دخول المسجد، ج١/ح٤٤١/ص٩٣) . ولإخبار: أن يخبر عن الله تعالى بألفاظ وإن لم تكن واردة إن دلت على معنى صحيح، وأما الأسماء الحسنى فهي كمال مطلق يتعبد بألفاظها ومعانيها، فباب الإخبار أوسع من باب الأسماء. س٣ ـ لماذا سمي أهل الكلام بهذا الاسم؟ ج ـ سموا بأهل الكلام: أـ لأنهم أتوا بزيادة كلام لا يفيد، كما قال ابن أبي العز، إنما سمي هؤلاء أهل الكلام لأنهم لم يفيدوا علماً لم يكن معروفاً وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد. ب ـ وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فناً من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان. س٤ ـ قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] ، ما المقصود بالمحبة هنا؟ وعدد أقسامها، وما حكم كل قسم؟ ج ـ هذه الآية تدل على ذم الكفار في اتخاذهم الأنداد والنظراء ومساواتهم

стр. 100

بالتعظيم لهم مع الله، وأثنى على المؤمنين بأنهم أشد حباً وتعظيماً لله من هؤلاء لأندادهم. * والمقصود بالمحبة هنا المحبة الشركية المستلزمة للخوف والتعظيم، وهذه صرفها لغير الله شرك ينافي التوحيد بالكلية. * وأقسام المحبة خمسة ترجع إلى ثلاثة وهي: ١ ـ محبة طبيعة: وهي ميل الإنسان إلى ما يلائمه كمحبة المال والولد ونحو ذلك وهذه لا تحرم إلا إذا ألهت عن طاعة الله. ٢ ـ محبة شرعية: يدخل فيها ما يلي: أـ محبة الله. ب ـ محبة ما يحبه الله كالطاعات. ج ـ محبة في الله كمحبة أوليائه ومحبة عباده الصالحين وحكمها فرض ولا تكفي محبة الله وحدها ـ لأن المشركين يحبون الله بل لا بد من محبة ما يحبه الله. ٣ ـ محبة شركية: وهي محبة مع الله وهي حرام. س٥ ـ اذكر ثلاثة آيات تدل بمنطوقها على صفات الكمال وبالتضمن على نفي صفات النقص. ج ـ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] هذه الآية دلت بمنطوقها على إثبات صفة الكمال لله وهي (القدرة) وبالتضمن على نفي صفة النقص وهي (العجز) . ٢ ـ قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] هذه الآية دلت بمنطوقها على إثبات صفة الكمال لله وهي (الحياة) وبالتضمن على نفي صفة النقص وهي (الموت) . ٣ ـ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦] هذه الآية دلت بمنطوقها على إثبات صفة الكمال لله سبحانه وهي (العلم) وبالتضمن على نفي صفة النقص وهي (الجهل) .

стр. 101

س٦ ـ قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، ما وجه كون هذه الآية أعظم آية في كتاب الله؟ وما الفرق بين السِّنة والنوم؟ ووضح معنى (القيوم) عند السلف، وعند النفاة، وبين نوع النفي فيها؟ ج ـ وجه كونها أعظم آية في كتاب الله لاشتماله على كثير من الأسماء والصفات مما لم يشتمل عليه غيرها. * والفرق بين السِّنة والنوم: أن السِّنة هي النوم الخفيف والمراد به النعاس وهو ما يكون في الرأس فإذا وصل إلى القلب صار نوماً. * أما معنى (القيوم) عند السلف فهو القائم على كل شيء الذي لا يحتاج إلى أحد، والمقيم لغيره. وعند الخلف ـ عند النفاة ـ هو الذي لا يتحرك قاصدين بذلك نفي المجيء والنزول والإتيان عن الله . * ونوع هذا النفي: هو من النفي المفصل. س٧ ـ ما معنى قول الشيخ: "ولو أمعنوا النظر لسوّوا بين المتماثلات وفرقوا بين المختلفات كما تضمنته المعقولات"؟ ومن هم المعنيون بهذا القول؟ ج ـ معنى قوله أن هؤلاء النفاة لو نظروا بعين البصيرة والتأمل لسوّوا بين الأمور المتماثلة وفرقوا بين الأمور المختلفة فمن يثبت الأسماء وينفي الصفات فقد فرق بين المتماثلات لأن الأسماء والصفات بابها واحد من حيث دلالة النصوص عليها بطريق سواء، ومن اتصاف الله بها ومن حيث ما يلزم عليها وما لا يلزم، ومن يثبت بعض الصفات وينفي بعضها كذلك فرق بين المتماثلات لأن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر. والتفريق بين المختلفات: وهي ما يليق بالله تعالى من الغنى والكمال المطلق فإنه يفارق تماماً ما يتصف به المخلوق من الحدوث والافتقار والنقص، مما يجعل صفات الله لائقة به وصفات المخلوق مناسبة لافتقاره فالتسوية بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات مما تقتضيه المعقولات.

стр. 102

* والمعنيون بذلك: هم المعتزلة وأتباعهم الذين ينفون الأسماء والصفات أو من يثبت بعض الصفات وينفي البعض الآخر. س٨ ـ ما معنى قول الشيخ: يسفسطون في العقليات ويقرمطون السمعيات ـ النقليات؟ ج ـ السفسطة ـ التغليظ والتمويه ـ نفي الحقائق الثابتة مع العلم بها وسفسطتهم في الصفات أنهم جحدوا معاني نصوص الصفات عن علمهم بما دلت عليه، والقرمطة، تفسير النصوص بمعان تخالف ما هو مقتضى لفظها والانحراف بها عن حقيقة المقصود منها. ووجه قرمطتهم أنهم جعلوا للنص معنى باطناً يخالف معناه الظاهر. س٩ ـ كيف ترد على من عطل الله عن الوجود، وأوضح الدليل العقلي على وجود الله من قوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ؟ ج ـ يرد عليهم بما علم من ضرورة العقل بأنه لا بد من موجد قديم غني عما سواه إذ نحن نشاهد حودث المحدثات كالحيوانات ونحوها، والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع وقد علم بالاضطرار أن المحدث لا بد له من محدِث والممكن لا بد له من موجد. تنبيه: تدل هذه الآية على احتمالات ثلاثة: الأول: أن العدم خلق هذا العالم. الثاني: أن العالم خلق نفسه. الثالث: أن الله خلق هذا العالم. فالاحتمالان الأولان باطلان ببداهة العقل، فثبت أن الله هو الخالق لهذا الكون بما فيه. س١٠ ـ هل يلزم من مطلق اشتراك المسميات في الاسم اتفاقهما في المسمى؟ وضح ذلك بالتمثيل والتعليل، وهل اشتراك المسميين يكون في الذهن والخارج؟ أم ماذا؟

стр. 103

ج ـ لا يلزم من اشتراك المسميات في الاسم اتفاقهما في المسمى. فمثلاً: العرش شيء موجود فلا يقول عاقل: إن العرش موجود مثل البعوض لاتفاقهما في مسمى الشيء الموجود؛ لأنه ليس في الخارج شيء موجود يشتركان في المعنى العام الكلي، وهذا لا وجود له إلا في الذهن لا في الحس، بل الذهن يأخذ معنى كلياً مشتركاً وهو مسمى الاسم المطلق والاشتراك المطلق يكون في الذهن من ناحية المعنى العام فهو يخالف البعض الآخر، فإذا قيل: هذا موجود وهذا موجود فلكل منهما وجود يخصه ولا يشركه في غيره مع أن الاسم حقيقة في كل منهما. س١١ ـ هل اتفاق المسميين في الاسم الواحد يستلزم تماثل مسماهما؟ وضح ذلك؟ ج ـ لا يستلزم ذلك اتفاقهما وتماثلهما عند الاطلاق والتجريد فضلاً عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص، فهو سبحانه سمى نفسه (حياً) وسمى بعض عباده (حياً) وليس هذا (الحي) مثل هذا (الحي) أبداً، وكذلك سمى نفسه (سميعاً بصيراً) وسمى الإنسان (سميعاً بصيراً) ولا يلزمه هذا تماثل المسمى.

стр. 104

الرد التفصيلي على المخالفين لطريقة السلف قال شيخ الإسلام: "ويتبين هذا بأصلين شريفين ومثلين مضروبين ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وبخاتمة جامعة فأما الأصلان": معاني الكلمات: يتبين هذا: أي ما تقدم من عدم التلازم بين الإثبات والتمثيل وبطلان قول المخالفين للسلف وتناقضهم. أصلين شريفين: هما القول في بعض الصفات كالقول في البعض والقول في الصفات كالقول في الذات. مثلين مضروبين: هما الجنة والروح. عناصر الموضوع: ١ ـ مناسبة هذا الفصل لما سبق: تقدم فيما سبق أنه يجب إثبات ما أثبته الله لنفسه مع نفي المماثلة، فمن نفى صفات الله كان معطلاً جاحداً من جهة وممثلاً له بالمعدومات والجمادات من جهة أخرى، ومن قال: إن صفات الله مثل صفات خلقه كان مشبهاً بالحيوانات، أي بالحيوانات الحية تعالى الله عن ذلك، وهذا هو حقيقة التشبيه الذي نفته النصوص وهو الذي جرى السلف على التنفير منه. قال إسحاق بن راهويه: "إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فهذا هو التشبيه" وأما مجرد إثبات الصفات فليس من التشبيه في شيء، فلذلك فإن قاعدة السلف في هذا الباب هي: الإثبات بلا تمثيل والتنزيه بلا تعطيل.

стр. 105

وتتبين صحة هذه القاعدة وصحة ما تقرر سابقاً ببيان أصلين شريفين ومثلين مضروبين وخاتمة جامعة تشتمل على سبع قواعد نافعة هي: ١ ـ صفات الله نفي وإثبات. ٢ ـ حكم ما يُضاف إلى الله من الأسماء والصفات. ٣ ـ معنى ظاهر النصوص وحكم القول بأنه مراد أو غير مراد. ٤ ـ المحاذير التي يقع فيها من يتوهم التمثيل ثم ينفيها. ٥ ـ أنا نعلم ما أخبر الله به من الغيبيات من وجه دون وجه. ٦ ـ الضابط الذي يعرف به ما يجوز لله وما لا يجوز له نفياً وإثباتاً. ٧ ـ دلالة العقل على كثير مما دل عليه السمع.

стр. 106

الرد على الأشعرية والمعتزلة بالأصل الأول قال شيخ الإسلام: "فأما الأصلان: فأحدهما: أن يقال: القول في بعض الصفات كالقول في بعض. فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، وقدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازاً ويفسره إما بالإرادة وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات، قيل له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته بل القول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به وله رضا وغضب يليق به وللمخلوق رضا وغضب يليق به، وإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قلت: هذه إرادة المخلوق، قيل لك: وهذا غضب المخلوق. وكذلك يُلزم بالقول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته، إن نفى عنه الغضب والمحبة والرضا ونحو ذلك ما هو من خصائص المخلوقين، فهذا منتفٍ عن السمع والبصر والكلام وجميع الصفات، وإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه. قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة. فهذا المفرِّق بين بعض الصفات وبعض، يقال له فيما نفاه كما يقوله هو

стр. 107

لمنازعه فيما أثبته، فإذا قال المعتزليُّ: ليس له إرادة ولا كلام قائم به لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات، فإنه يُبيَّن للمعتزلي أن هذه الصفات يتصف بها القديم، ولا تكون كصفات المحدثات، فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا، ونحو ذلك. فإن قال: تلك الصفات أثبتها العقل؛ لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك. قال له سائر أهل الإثبات: لك جوابان: أحدهما: أن يقال: عدم الدليل المعيَّن لا يستلزم عدم المدلول المعيَّن، فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يثبت ذلك فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل؛ لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت، والسمع قد دل عليه، ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم. الثاني: أن يُقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبتَّ به تلك من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم وعقاب الكفار يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته ـ وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة ـ تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأوْلى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة. وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات، ويقرّ بالأسماء كالمعتزلي، الذي يقول: إنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة. قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء وبين إثبات الصفات، فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيهاً وتجسيماً، لأنّا لا نجد

стр. 108

في الشاهد متصفاً بالصفات إلا ما هو جسم. قيل لك: ولا تجد في الشاهد ما هو مسمى بأنه حي عليم قدير إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا لجسم فانفِ الأسماء، بل وكل شيء؛ لأنك لا تجده في الشاهد إلا لجسم. فكا ما يحتج به من نفى الصفات، يحتج به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جواباً لذلك كان جواباً لمثبتي الصفات. وإن كان المخاطب من الغلاة، نفاة الأسماء والصفات، وقال: لا أقول هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير. قيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيهاً بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات. فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات. قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجوداً معدوماً، أو لا موجوداً ولا معدوماً، ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يُوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل. فإن قلت: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلاً لهما وهذا يتقابلان تقابل العدم والمَلَكة، لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت، إذ ليس بمقابل لهما. قيل لك: أولا: هذا لا يصح في الوجود والعدم، فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب، باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر. وأما ما ذكرته من الحياة والموت، والعلم والجهل، فهذا اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاؤون والاصطلاحات اللفظية ليست دليلاً على نفي الحقائق العقلية، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ*أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢.ـ٢١] ، فسمى الله الجماد ميتاً، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم.

стр. 109

وقيل لك: ثانياً: فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر، ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك، فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحداً منهما، فأنت فررت من تشبيهه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك. وأيضاً فما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعاً من القابل للوجود والعدم، بل ومن اجتماع الوجود والعدم، ونفيهما جميعاً، فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم كان أعظم امتنعاعاً، مما نفيت عنه الوجود والعدم، وإذا كان هذا ممتنعاً في صرائح العقول فذلك أعظم امتناعاً، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات، وهذا غاية التناقض والفساد. وهؤلاء الباطنية منهم من يصرّح برفع النقيضين: الوجود والعدم، ورفعهما كجمعهما، ومنهم من يقول: لا أثبت واحداً منهما، وامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر، وإنما هو كجهل الجاهل، وسكوت الساكت، الذي لا يعبر عن الحقائق. وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم أعظم امتناعاً مما يُقدَّر قبوله لهما ـ مع نفيهما عنه ـ فما يُقدَّر لا يقبل الحياة ولا الموت، ولا العلم ولا الجهل، ولا القدرة ولا العجز، ولا الكلام ولا الخرس، ولا العمى ولا البصر، ولا السمع ولا الصمم، أقرب إلى المعدوم والممتنع مما يُقدَّر قابلاً لهما مع نفيهما عنه، وحينئذٍ فنفيهما مع كونه قابلاً لهما أقرب إلى الوجود والممكن، وما جاز لواجب الوجود قابلاً، وجب له، لعدم توقف صفاته على غيره، فإذا جاز القبول وجب، وإذا جاز وجود المقبول وجب. وقد بسط هذا في موضوع آخر وبيَّن وجوب اتصافه بصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه. وقيل له أيضاً: اتفاق المسميَّيَن في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل، الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات، وإنما نفت

стр. 110

ذما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق، مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يَشركه فيه مخلوق، ولا يُشركه مخلوق في شيء من خصائصه . وأما ما نفيتَه فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيهاَ وتجسيماً تمويه على الجهّال، الذين يظنون أن كل معنى سمّاه مسمٍّ بهذا الاسم يجب نفيه، ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس، ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل. وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف من الناس عقولهم ودينهم حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة، وأبلغ الغيّ والضلالة. وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة يستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع. قيل: وإذا قلتم: هو موجود واجب، وعقل عاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق، ولذيذ وملتذ ولذة، أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟، فهذه معانٍ متعددة متغايرة في العقل وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيداً. فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيباً ممتنعاً. قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة وليس هو تركيباً ممتنعاً. وذلك أنه من المعلوم بصريح المعقول أنه ليس معنى كون الشيء عالماً هو معنى كونه قادراً، ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالماً قادراً، فمن جوّز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى، وأن تكون الصفة هي الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة، ثم إنه متناقض، فإنه إن جوّز ذلك جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا، فيكون الوجود واحداً بالعين لا بالنوع. وحينئذٍ فإذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب كان وجود كل مخلوق ـ يُعدم بعد وجود، ويُوجد بعد عدمه ـ هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي الذي لا يقبل العدم.
следующие страницы →