أولاً ـ الجواب النقلي:
ـ قول الإمام ربيعة ومالك وغيرهما: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة "فالاستواء معلوم المعنى وقد فسره أئمة التابعين كما في البخاري في كتاب التوحيد (باب وكان عرشه على الماء) (١٣/٤.٣) فتح الباري. عن مجاهد: أن استوى بمعنى علا. وعن أبي العالية: بمعنى ارتفع. والكيف مجهول لقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه: ١١.] . والإيمان بالاستواء واجب والسؤال عن كيفيته بدعة لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكن الإجابة عنه، وهذا باب مطرد في جميع الصفات الثابتة لرب البريات وعلى هذا مضى السلف وأقوالهم متوافرة متواترة، وللاستزادة انظر الأصل (ص ١.٦، ١.٧) .
ثانياً ـ الجواب العقلي:
١ ـ يقال للسائل: كيف هو؟ أي كيف ذاته جل وعلا؟ فإذا قال: لا أعلم كيفية ذاته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية استوائه فإن العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الذات الموصوفة، فالصفة فرع عن الموصوف، فكيف تطالبنا بالعلم بكيفية سمعه ونزوله واستوائه وأنت لا تعلم كيفية ذاته!
٢ ـ فإذا كنت تقر بأن له ذاتاً حقيقية ثابتة مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء فسمعه وبصره ونزوله واستواؤه ثابت متصف بالكمال لا يشابهه شيء من صفات المخلوقين.
وهذا الرد العقلي هو تطبيق لهذا الأصل وهو: "القول في الصفات كالقول في الذات".
س١٧ ـ ما حكم السؤال عن كيفية الصفة. علل لما تقول. وكيف تجيب من يسأل عن كيفية الصفة؟
ج ـ حكمه لا يجوز بل هو بدعة؛ لأنه سؤال عن كيفية لا يعلمها البشر ولا يمكنهم الإجابة عنه.
стр. 142
* والجواب على سؤاله يجاب عليه بجواب مالك بن أنس وربيعة الرأي فمثلاً لو سأل عن كيفية الاستواء يقال له: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة".
س١٨ ـ عندما يسأل المعطل كيف ينزل ربنا، كيف نجيب عليه؟
ج ـ إذا قال المعطل ذلك، أقول له: كيف هو؟ عند ذلك يقول هو لا أعلم كيفيته، فأقول له: وكذلك نحن لا نعلم كيفية نزوله؛ لأن العلم يكيفيته يستلزم العلم بكيفية الموصوف وهو فرع له وتابع له إذ الكلام في الصفات فرع من الكلام في الذات، فكيف تطالبني بمعرفة كيفية سمعه وبصره ونزوله واستوائه وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟
س١٩ ـ قال ابن تيمية ﵀: "وهذا الكلام لازم له في العقليات وفي تأويل السمعيات". من المقصود بهذا الكلام؟ وما معنى ذلك؟ وما الذي يلزم من نفى شيئاً أو أثبت شيئاً بطريق العقل؟ وهل يجد المفرق بين الصفات فرقاً حقيقياً بينهما؟ وما الذي يلزم من عدم التفريق بين الصفات؟
ج ـ المقصود هنا هم الأشاعرة والماتريدية.
* معنى ذلك: أن الكلام السابق الذي ذكره المؤلف من حيث ثبوت جميع الصفات ونفي المماثلة وعدم العلم بالكيفية شامل لجميع الصفات.
* وهو لازم للأشاعرة في الصفات السبع التي يسمونها عقليات وفي البقية التي يسمونها سمعيات، ومن حاول التفريق بينهما تناقض، وإذا أثبت بعض الصفات بالعقل ونفى البعض الآخر لزمه فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته.
* لا يجد المفرق فرقاً بين المحذور فيما أثبته وهي الصفات السبع وبين المحذور فيما نفاه من الصفات.
* الذي يلزم من عدم التفريق بين الصفات هو أنه لا يوجد لنفاة بعض الصفات قانون مستقيم. فإذا قيل لهم لِمَ تأوّلتم هذا؟ وأثبتم هذا؟ لم يكن لديهم جواب صحيح.
стр. 143
س٢٠. ـ وضح التناقض عند الأشاعرة والماتريدية في الإثبات؟ وما الذي يلزم من ذلك؟ بيّن ذلك بالتفصيل؟
ج ـ تناقض الأشاعرة والماتريدية في الإثبات هو تأويلهم النص من معنى إلى آخر.
* والذي يلزم من ذلك: أنهم إذا حرّفوا النص على المعنى الذي هو مقتضاه إلى المعنى الآخر لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه. فمثلاً، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ [آل عمران: ٣١] . يؤولون المحبة بإرادة القلوب فالذي يلزمهم من المحذور في الإثبات صفة المحبة وهو المعنى المصروف عنه لازم في صفة الإرادة وهو المعنى المصروف إليه.
س٢١ ـ كيف نجيب على الأشعري إن قال بأن صفات المحبة والغضب عبارة عما يخلقه الله من الثواب والعقاب؟
ج ـ يجاب عليه بجوابين:
• الأول: أن الفعل المعقول أي الذي يعقله العقلاء لا بد أن يقوم أولاً بالفاعل؛ فالثواب فعل يفعله الله في مخلوقاته فلا بد أن يوصف الفاعل بالإثابة لأنه فاعل للثواب فهو مثيب، وكذلك العقاب فحينئذٍ أثبتم لله الفعل والعبد يوصف بالفعل وهذا نظير ما فررتم منه فإن الإثابة والمعاقبة أفعال يتصف بها المخلوق، فإذا أثبتموها على الوجه الذي يتصف به المخلوق وقعتم في التشبيه إن أثبتموها كما يليق بالله فكذلك جميع الصفات.
• الثاني: أن الثواب والعقاب المفعول إنما يكون على ما يحبه ويرضاه المثيب ويسخطه ويبغضه المعاقب، فلزم من إثبات الثواب والعقاب إثبات تلك الصفات.
س٢٢ ـ اذكر المسلكين اللذين بنى عليهما الأشاعرة معتقدهم؟
ج ـ المسلكان هما:
• الأول ـ التأويل: وهو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال
стр. 144
المرجوح لغير دليل كقولهم في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [صّ: ٧٥] أي بقدرتي.
• الثاني ـ التفويض: وهو إمرار النصوص على ظاهرها من غير اعتقاد معنى لها، ففي المثال السابق يقولون: (اليد) لفظ لا يعلم معناه بل هو بمنزلة الحروف المقطعة في القرآن.
وكلا المسلكين يرجعان إلى التعطيل لأن في المسلكين نفياً للمعاني الصحيحة.
стр. 145
المباينة بين مخلوق ومخلوق دليلٌ على المباينة بين الخالق والمخلوق
قال شيخ الإسلام"
"وأما المثلان المضروبان: فإن الله سبحان وتعالى أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات من أصناف المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبناً وعسلاً وخمراً وماء ولحماً وفاكهة وحريراً وذهباً وفضة وحوراً وقصوراً، وقد قال ابن عباس ﵄: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء١"، فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله، فالخالق أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق. وهذا بَيِّنٌ واضحٌ، ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق:
ـ فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وأن مباينة الله لخلقه أعظم.
ـ والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب
стр. 146
والعقاب، ونفوا كثيراً مما أخبر به من الصفات، مثل طوائف من أهل الكلام: [المعتزلة] ومن وافقهم.
ـ والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا، كالقرامطة الباطنية والفلاسفة أتباع المشائين، ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر.
ثم إن كثيراً منهم يجعلون الأمر والنهي من هذا الباب، فيجعلون الشرائع المأمور بها، والمحظورات المنهي عنها، لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، كما يتأولون الصلوات الخمس:، وصيام شهر رمضان، وحج البيت، فيقولون: إن الصلوات الخمس: معرفة أسرارهم، وإن صيام شهر رمضان: كتمان أسرارهم، وإن حج البيت: السفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك من التأويلات التي يعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل صلوات الله عليهم، وتحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه، وإلحاد في آيات الله.
وقد يقولون: إن الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا صار الرجل من عارفيهم ومحققيهم وموحديهم رفعوا عنه الواجبات، وأباحوا له المحظورات.
وقد يوجد في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب.
وهؤلاء الباطنية الملاحدة أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى.
وما يحتج به أهل الإيمان والإثبات على يَشرِك هؤلاء في بعض إلحادهم، فإذا أثبت لله تعالى الصفات، ونفى عنه مماثلة المخلوقات، كما دلّت على ذلك الآيات البيّنات كان ذلك هو الحق الذي يوافق المنقول والمعقول
стр. 147
ويهدم أساس الإلحاد والضلالات.
والله لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يشترك هو والمخلوق في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يُستعمل في حقه المثل الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أَوْلى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزهاً عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم، فالخالق أَوْلى أن يُنزّه عن مماثلة المخلوق وإن حصلت موافقة في الاسم.
وهكذا القول في المثل الثاني وهو الروح التي فينا، فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تُقبض من البدن، وتُسل منه كما تُسل الشعرة من العجين.
والناس مضطربون فيها:
فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءاً من البدن، أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: إنها النفس أو الريح التي تتردد في البدن، وقول بعضهم: إنها الحياة أو المزاج، أو نفس البدن.
ومهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفونه به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون: لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا هي عَرَض، وقد يقولون: إنها لا تدرك الأمور المعينة، والحقائق الموجودة في الخارج، وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة، وقد يقولون: إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة.
وربما قالوا: ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها، مع تفسيرهم للجسم بما يقبل الإشارة الحسية، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تلحقها بالمعدوم والممتنع.
стр. 148
وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل.
قالوا: بل هذا ممكن، بدليل أن الكليات ممكنة موجودة، وهي غير مشار إليها.
وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في الأعيان فيعتمدون فيما يقولونه في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال.
واضطرب النفاة والمثبتة في الروح كثير، وسبب ذلك أن الروح ـ التي تسمى بالنفس الناطقة عند الفلاسفة ـ ليست هي من جنس هذا البدن، ولا من جنس العناصر والمولدات منها، بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس، فصار هؤلاء لا يعرّفونها إلا بالسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة وأولئك يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة، وكلا القولين خطأ.
وإطلاق القول عليها بأنها جسم، أو ليست بجسم يحتاج إلى تفصيل، فإن لفظ (الجسم) للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية غير معناه اللغوي.
فأهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن، وبهذا الاعتبار فالروح ليست جسماً، ولهذا يقولون: الروح والجسم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِم﴾ [المنافقون: ٤] ، وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْم﴾ [البقرة: ٢٤٧] .
وأما أهل الكلام، فمنهم من يقول: الجسم هو الموجود ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر المنفردة.
ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة، وكل هؤلاء يقولون: إنه مشار إليه إشارة حسية.
ومنهم من يقول: ليس بمركب لا من هذا ولا من هذا، بل هو ما يشار إليه ويقال: إنه هنا أو هناك.
стр. 149
فعلى هذا إذا كانت الروح مما يشار إليه ويتبعه بصر الميّت كما قال النبي ﷺ : "إن الروح إذا خرج تبعه البصر"١، وإنها تقبض ويعرج بها إلى السماء كانت الروح جسماً بهذا الاصطلاح.
والمقصود، أن الروح إذا كانت موجودة حية عالمة قادرة، سميعة بصيرة، تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو ذلك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها، لأنهم لم يشاهدوا لها نظيراً، والشيء إنما تدرك حقيقته إما بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات، فالخالق أوْلى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته،
وأهل العقول هم أعجز أن يحدّوه أو يكيّفوه (منهم عن أن يحدّوا الروح أو يكيفوها) .
فإن كان من نفى صفات الروح جاحداً معطلاً لها، ومن مثَّلها بما يشاهده من المخلوقات جاهلاً ممثلاً لها بغير شكلها، وهي مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات مستحقة لما لها من الصفات فالخالق أوْلَى أن يكون من نفى صفاته جاحداً معطلاً، ومن قاسه بخلقه جاهلاً به ممثلاً، وهو سبحانه ثابت بحقيقة الإثبات، مستحقٌ لما له من الأسماء والصفات".
معاني الكلمات:
المثال: هو قياس شيء على شيء، فالأمثال أقيسة عقلية تقرب المعاني إلى الأفهام.
المباينة: المفارقة.
الحقائق: جمع حقيقة.
عناصر الموضوع:
١ ـ لماذا عقد شيخ الإسلام هذا المبحث؟
عقد شيخ الإسلام هذا المبحث لتقرير صفات الرب وأن إثباتها لا يستلزم تشبيهاً.
стр. 150
٢ ـ المقصود بالمثل الأول وهو نعيم الجنة:
أن الله تعالى أخبرنا أن في الجنة نعيماً سواء في المأكل والمشرب والمسكن والملبس وكل ما سماها من المسميات لها نظير في الدنيا، فموجودات الآخرة من النعيم مثل موجودات الدنيا من النعيم والاسم والمعنى العام ولكن الحقيقة والكنه مختلف كما قال ابن عباس: "ليس في الدنيا شيء من الآخرة إلا الأسماء" فالاتفاق هو الأسماء والمعنى الكلي العام المشترك وأما الحقائق فهي مختلفة.
٣ ـ شرح للمثل الأول:
أخبر الله تعالى أن في الجنة طعاماً وشراباً ولباساً، وزوجات ومساكن ونخلاً وفاكهة، ولحماً وخمراً ولبناً وحلية من ذهب وفضة وغير ذلك، وكله حق على حقيقته وهو في الاسم موافق لما في الدنيا من حيث المعنى لكنه مخالف في الحقيقة.
أما موافقته لما في الدنيا في المعنى فلأن القرآن عربي، ولولا موافقته له في المعنى لما فهمناه ولا عقلناه وأما مخالفته له في الحقيقة؛ لأن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، فإذا كانت هذه الأسماء دلالة مسمياتها حقيقة وكان اتفاقهما مع ما في الدنيا من الأسماء لا يستلزم اتفاق المسميات في الحقيقة بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله فإن مباينة الخالق للمخلوق أعظم وأظهر من مباينة المخلوق للمخلوق، لأن في التباين بين المخلوقات تباين بين مخلوق ومخلوق مثله.
٤ ـ الداعي لإثبات قدر مشترك بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة:
لو لم نثبت القدر المشترك وهو الاتفاق في الاسم وفي المعنى الكلي العام لما فهم الخطاب، فلا بدّ من إثبات قدر مشترك عام تتواطأ فيه المسميات، أي تتفق في المعاني العامة:
стр. 151
وأما الحقائق فهي مختلفة فإن نعيم الجنة مباين لنعيم الدنيا، والدليل على مباينة نعيم الجنة لنعيم الدنيا قول الله في الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، ثم قال الرسول ﵊: "اقرؤوا إن شئتم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] .
فإن قيل: هذا فيما لم يذكر من نعيمها في القرآن؟
قيل: هذا يتناول هذا وذاك كما في الأسماء والصفات فإنه يشمل ما ذكر وما استأثر الله بعلمه.
٥ ـ أقسام الناس فيما أخبر الله من نعيم الجنة واليوم الآخر:
افترق الناس في الأمور الغيبية فيما أخبر الله عن نفسه وعن اليوم الآخر إلى ثلاث فرق:
• الأولى: السلف والأئمة واتباعهم آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، وأنه حق على حقيقته، مع اعتقادهم التباين بين ما في الدنيا وما في الآخرة، وأن التباين بين الخالق والمخلوق أولى ولأعظم وأبين لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
• الثانية: طوائف من أهل الكلام يؤمنون بما أخبر الله به عن اليوم الآخر من الثواب والعقاب، وينفون كثيراً مما أخبر الله به عن نفسه من الصفات.
• الثالثة: القرامطة والباطنية والفلاسفة لا يؤمنون بما أخبر الله به عن نفسه ولا عن اليوم الآخر بل ينكرون حقائق هذا وهذا.
فمذهبهم فيما أخبر الله عن نفسه وعن اليوم الآخر أنه تخيل لا حقيقة له، وأما في الأمر والنهي فكثير منهم يجلبون للمأمورات والمنهيات تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، فيقولون: المراد بالصلوات: معرفة أسرارهم، وبالصيام: كتمان أسرارهم، وبالحج: السفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام أنه كذب وافتراء وكفر. وإلحاد
стр. 152
وقد يقولون: إن الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا وصل الرجل إلى درجة العارفين والمحققين عندهم ارتفعت عنه التكاليف فسقطت عنه الواجبات، وحلت له المحظورات، وقد يوجد في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب، وهؤلاء الباطنية هم الملاحدة الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى، لعظم إلحادهم ومخالفتهم لجميع الشرائع الإلهية.
٦ ـ شرح المثل الثاني الذي ضربه شيخ الإسلام من المباينة لمباينة الروح بالمخلوقات:
يسهب شيخ الإسلام بتمهيد طويل عن الروح بذكر مذاهب الناس فيها واضطراب الناس في حقيقتها واختلافهم اختلافاً شديداً متبايناً، وسأضرب صفحاً عن هذا الاستطراد حتى لا يتشتت ذهن القارئ وأُبيِّن المقصود فيه.
وإيضاح هذا المثل: أن الروح التي بها الحياة، وهي أقرب شيء إلى الإنسان وقد وصفت بأنها تقبض من البدن ويصعد بها إلى السماء ويعاد بها إلى البدن ولا ينكر أحد وجودها حقيقة، وقد عجز الناس عن إدراك كنهها وحقيقتها إلا ما علموه عن طريق الوحي، فإذا كانت الروح حقيقة واتصافها بما وصفت به في الكتاب والسنة حقيقة مع أنها لا تماثل الأجسام المشهورة كان اتصاف الخالق بما يستحقه من صفات الكمال مع مباينة للمخلوقات من باب أولى، وكان عجز أهل العقول عن الله أو يكيفوه أبين من عجزهم عن حد الروح وتكيفها.
٧ ـ تعريف القدر المشترك:
القدر المشترك هو: "المعنى الكلي الذي لا يوجد إلا في الذهن".
وبعبارة أخرى: فإن القدر المشترك بين الأسماء والصفات المقولة على الرب وعلى غيره، هو المعنى اللغوي الذي نفهمه من لغة التخاطب ـ اللغة العربية ـ التي نزل بها الوحي، وهو المشترك المعنوي الذي تتفاضل أفراده، وهو المشكك أحد أقسام المتواطئ وهو شبه بين هذه الأسماء
стр. 153
والصفات من هذا الوجه مع التفاضل والتباين من وجه آخر.
٨ ـ القدر المشترك ضروري لفهم الخطاب:
تقدّم بيان أن القدر المشترك ضروري لفهم الخطاب إجمالاً.
وسأذكر ذلك تفصيلاً من كلام شارح الطحاوية ابن أبي العز ـ رحمه الله تعالى ـ فقال: "وأعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها أو ما يناسب عينها ويكون بينها قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا يكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط.
فالرسول ﷺ لما بيَّن لنا أموراً لم تكن معروفة قبل ذلك، وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها وأتي بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني وجعلها أسماء لها، فيكون بينها قدر مشترك كالصلاة والزكاة والصوم والإيمان والكفر.
وقد يكون الذي يخبر به الرسول ﷺ لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه كما إذا أخبرهم عن الأمور الغيبية المتعلقة بالله واليوم الآخر، فلا بد أن يعلموا معنى مشتركاً وشبهاً بين مفردات تلك الألفاظ، وبين مفردات ألفاظ ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم فإذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد، ويريد أن يجعلهم يشهدونه شهادة كاملة، ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب أشهدهم إياه وأشار لهم إليه، وفعل فعلاً يكون حكاية له وشبهاً به يعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهود هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة، فينبغي أن تعلم هذه الدرجات:
أولها: إدراك الإنسان المعاني الحسية المشاهدة.
ثانيها: عقله لمعانيها الكلية.
ثالثها: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية المعقولة.
فهذه المراتب الثلاثة لا بد لها منها في كل خطاب، فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة فلا بد من تعريفنا للمعاني المشتركة بينها وبين الحقائق
стр. 154
المشهودة، والاشتباه الذي بينهما وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة، ثم إن كانت مثلها لم يحتج إلى ذكر الفارق وإن لم يكن مثلها، وبين بذكر الفارق، بأن يقال: ليس ذلك مثل هذا ونحو ذلك وإذا تقرر انتفاء المماثلة، كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق، وانتفاء التساوي، لا يمنع من وجود القدر المشترك، الذي هو مدلول اللفظ المشترك، وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط"١.
٩ ـ مثال يوضح المقصود من القدر المشترك:
سبق بيان القدر المشترك بمثال وهو: نعيم الآخرة، فإن الله تعالى أخبرنا بما وعدنا في الدار الآخرة من النعيم والعذاب، وأخبرنا بما يؤكل ويشرب وينكح، ويفرش وغير ذلك، فلولا معرفتنا بما يشبه ذلك في الدنيا لم نفهم ما وعدنا به ونحن نعلم من ذلك أن تلك الحقائق ليست مثل هذه فبين هذه الموجودات في الدنيا وتلك الموجودات في الآخرة مشابهة وموافقة واشتراك من بعض الوجوه، وبه فهمنا المراد وأحببنا ورغبنا فيه أو أبغضناه ونفرنا منه، وبينهما مباينة ومفاضلة لا يقدر قدرهما في الدنيا، وهذا من التأويل الذي لا نعلمه نحن، بل يعلمه الله تعالى فما أخبرنا الله من صفات المخلوقين نعلم تفسيره ومعناه، ونفهم الكلام الذي خوطبنا به، ونعلم معنى العسل واللحم واللبن والحرير والذهب والفضة، نفرق بين مسميات هذه الأسماء، وأما حقائقها على ما هي عليه، فلا يمكن أن نعلمها نحن، ولا نعلم متى تكون الساعة، وتفصيل ما أعده الله لعباده: لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل هذا من التأويلات الذي لا يعلمه إلا الله ﵎.
فإذا كان هذا في هذين المخلوقين، فالأمر بين الخالق والمخلوق أعظم فإن مباينة الله لخلقه وعظمته وكبريائه وفضله أعظم وأكبر مما بين مخلوق ومخلوق.
فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق،
стр. 155
بينهما من التفاضل والتباين ما لا نعلمه في الدنيا بل هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ﵎، وصفات الخالق أولى أن يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل ما لا يعلمه إلا الله ﵎، وأن يكون هذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله١.
وقال شيخ الإسلام: "ولولا أن هذه الأسماء والصفات تدل على معنى مشترك كلي يقتضي من المواطأة والموافقة والمشابهة ما به نفهم ونثبت هذه المعاني لله؛ لم نكن قد عرفنا عن الله شيئاً ولا صار في قلوبنا إيمان به ولا علم ولا معرفة ولا محبة ولا إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته وتعظيمه.
فإن جميع هذه الأمور لا تكون إلا مع العلم، ولا يمكن للعلم إلا بإثبات تلك المعاني التي فيها من الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غاب عن شهودنا٢.
وهذا القدر المشترك الضروري هو وجه الشبه بين ما يقال على الله تعالى من الأسماء وعلى المخلوق "وكون الله شبيهاً بخلقه من بعض الوجوه متفق عليه بين سائر المسلمين لاتفاقهم على أن الله تعالى موجود وشيء وعالم وقادر، فما من موجود إلا وله شبيه من بعض الوجوه، لاشتراكهما في الوجود"٣.
هذا الشبه هو المعنى اللغوي، ولا يقتضي أبداً مماثلة في كيفية ولا قدر بل هو موجود مع المفاضلة والمباينة.
وعلى هذا لا يصح أن ينفي الشبه بين الله وبين خلقه مطلقاً في أصل اللغة إنما يكتفي بنفي المماثلة فحسب، ولذلك جاء القرآن والسنة بالثاني دون الأول.
ففي القرآن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ولم
стр. 156
يأت في شيء من القرآن والسنة (ولا يشبهه) لما ذكرنا.
وأما ما جاء عن بعض الأئمة من نفي الشبه، فهو مصطلح معين يقصد به نفي المماثلة فقط، لا نفي المعنى اللغوي والقدر المشترك.
ومن هذا نعلم أن نفي الشبه من الألفاظ المجملة١، فإن قصد به نفي المماثلة فهو صحيح، وإن قصد ما يقصده الجهمية من نفي القدر المشترك فهو باطل، والأولى في هذا، الاقتصار على ألفاظ النصوص ـ والله أعلم ـ ولذلك لم يعبر شيخ الإسلام في (العقيدة الواسطية) إلا بنفي المماثلة، لما في نفي الشبه من الإجمال والتلبيس.
١. ـ أقسام الناس في القدر المشترك:
انقسم أهل الكلام في القدر المشترك إلى قسمين:
• القسم الأول: من أهل الكلام من قال: إن إثبات القدر المشترك وهو كون هذه الأسماء والصفات حقيقة في حق الخالق وفي حق المخلوق يلزم أن يكون مماثلاً للمخلوقات٢، ولزم أن يجوز ويجب ويمتنع على المخلوق وما يجوز وما يجب وما يمتنع على الخالق، فنفوا ما نفوه من الصفات أو الأسماء والصفات أو بعض الصفات بناءً على ذلك.
وهذه هي شبهة التشبيه المشهورة عند المعتزلة وغيرهم، وقد رد عليهم الأئمة وبينوا أنه لا يلزم من إثبات هذا القدر المشترك إثبات مماثلة بين الله وبين خلقه وأن نفيه يلزم منه تعطيل الله عن صفاته، وإنكار ما وصف به نفسه وهذا هو الكفر.
قال نعيم بن حماد: "من شَبّه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه".
وقال إسحاق بن راهويه: "علامة جهمٍ وأصحابه: دعواهم على أهل
стр. 157
السنة والجماعة أنهم مشبهة، بل هم المعطلة"١.
وقال: "إنما يكون التشبيه إذا قال: يد مثل يدي، أو سمع مثل سمعي، فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يد وسمع وبصر، فلا يقول: كيف ولا يقول مثل، فهذا لا يكون تشبيهاً عنده قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ٢.
وقال أبو عمر الطلمنكي: "قال قوم من المعتزلة والجهمية: لا يجوز أن يسمى الله بهذه الأسماء على الحقيقة، ويسمى بها المخلوق، فنفوا عن الله الحقائق وأثبتوها لخلقه.
فإذا سئلوا: ما حملكم على هذا الزيغ؟
قالوا: الاجتماع في التسمية يوجب التشبيه.
قلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها؛ لأن المعقول في اللغة أن الاشتباه في اللغة لا يحصل بالتسمية وإنما تشبيه الأشياء بأنفسها أو بهيئات فيها كالبياض بالبياض، والسواد بالسواد، والطويل بالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب اشتباهاً لاشتبهت الأشياء كلها لشمول اسم الشيء لها وعموم تسمية الأشياء به فنسألهم: تقولون إن الله موجود؟
فإن قالوا: نعم، قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبهاً للموجودين.
وإن قالوا: موجود ولا يوجب وجوده الاشتباه بينه وبين الموجودات، قلنا: كذلك هو حي عليم قادر مريد سميع بصير متكلم يعني ولا يلزم من ذلك اشتباهه بمن اتصف بهذه الصفات٣.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي: "وقد يجوز أن يدعى البشر ببعض هذه الأسماء وإن كانت مخالفة لصفاتهم، فالأسماء فيها متفقة والتشبيه والكيفية
стр. 158
مفترقة، كما يقال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، يعني في الشبه والطعم والذوق والمنظر واللون، فإذا كان كذلك فالله أبعد من الشبه وأبعد، فإن كنا مشبَّهة عندك إن وحدنا الله إلهاً واحداً بصفات أخذناها عنه وعن كتابه، فوصفناه بما وصف به نفسه في كتابه، فالله في دعواكم أول المشبهين بنفسه، ثم رسوله الذي أنبأنا ذلك، فلا تظلموا أنفسكم ولا تكابروا العلم إذ جهلتموه، فإن التسمية من التشبيه بعيدة١.
• القسم الثاني:
قالوا: إن هذه الأسماء والصفات المقولة على الرب تعالى وعلى المخلوق مقولة بالاشتراك اللفظي فقط٢من غير أن يكون بين المسميين معنى عام.
وهذا هو عين التعطيل لأسماء الله وصفاته، وهو نوعٌ من أنواع تفويض المعاني للصفات، وهو أنَّا نتلو اللفظ من غير أن نفهم منه أي معنى، وهذا فيه مع ما فيه من أن الرسول ﷺ وأصحابه لم يفهموا معاني الصفات، بل يجعلون الرسول ﷺ بلغ قرآناً بما لا يفهم معناه، وتكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها ولم يدر ما يقول، ولا يجوز لعاقل أن يظن هذا بأحد العقلاء، فضلاً عن أفضل الخلق وأعلمهم بالله وأفصحهم وأنصحهم للخلق، ومع هذا يجعلونه هو قول السنة وأنه معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] ، ولو تصوروا حقيقة ما قالوه ولوازمه لعلموا أنه يلزمهم ما هو من أقبح أقوال الكفار في الأنبياء، وهم لا يرتضون مقالة من يقدح في الأنبياء، إذن لاستحلوا قتله وهم مصيبون في ذلك.
وقولهم هذا أعظم القدح في الأنبياء لكن لم يعرفوا ذلك، ولازم القول ليس بقول، وهذا ضلال عظيم وهو أحد أنواع الضلال في كلام الله
стр. 159
ورسوله١، بل إن قول أهل التفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد٢.
١١ ـ سبب اضطراب أهل الكلام في القدر المشترك:
سبب اضطراب وحيرة أهل الكلام في هذا الباب ما يلي:
• السبب الأول:
أن هذه الأسماء والصفات التي يسمى ويوصف الخالق بها الخالق والمخلوق وضعت عند الإطلاق لخصائص المخلوقين، وهذا واضح جلي في كلامهم مثل قول بعضهم: ننزه الله عن اليدين لأن اليد جارحة تتكون من لحم وعظم وعصب وهذا كله جهل وضلال، في الشرع وكذب وخطأ، فإن العرب إنما وضعت للإنسان ما أضافته إليه، فإذا قال سمع العبد وبصره فهذا خاص بالإنسان، وإذا قيل سمع الله وبصره فهذا خاص بالرب لائقة به، فهذه الأسماء والصفات لم توضع لخصائص المخلوقين عند الإطلاق ولا عند الإضافة إلى الله، ولكن عند الإضافة إليهم، وإذا أطلقت ولم تضف إلى شيء أصبحت كلية لا توجد إلا في الأذهان، ثم هي عند أهل اللغة بحسب ما تضاف إليه، وهي عند الإطلاق تكون قدراً مشتركاً، ويكون هذا القدر المشترك هو أن نسبة كل صفة إلى موصوفها، فإذا أضيف العلم إلى الإنسان وإلى الملك وإلى الجني فنسبة علم الملك والجني إليها كنسبة علم الإنسان إليه، وكذلك الوجه وسائر الصفات٣.
• السبب الثاني:
أنه اشتبه عليهم ما يتصور في الأذهان بما يوجد في الأعيان فظنوا أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتاً في هذا المعنى، أي أن هذه الأسماء والصفات التي تطلق على الخالق والمخلوق
стр. 160
إذا أطلقت بدون إضافة كما إذا قيل: "الحي، الموجود، السميع ... " أن ذلك موجود في الخارج وفي الأعيان لا في الأذهان فقط وهذا سبب غلطهم، فإن الأسماء المطلقة الكلية لا توجد في الخارج والأعيان وإنما توجد في الخارج والأعيان إذا أضيفت إلى معين١.
ولكي يتضح أكثر نضرب هذا المثال:
"القدر المشترك الكلي مطلق لا يوجد إلا في الذهن" نذكر هذا المثال وهو: أنك لو طلبت من شخص مثلاً أن يحضر لك الإنسان أو الحيوان، أو يخبرك عن العلم أو الوجود أو نحو ذلك لقال لك: أي إنسان تريد؟ أو أي حيوان تريد؟ فإذا عينته له أحضره لك، لأن الإنسانية المطلقة أو الحيوانية المطلقة ليس لها في الخارج وجود، وإنما هي كلية تطلق على كثيرين لا توجد إلا في الذهن، ولا يمكن وجودها في الخارج إلا معينة.
وكذلك في المثال الآخر: فإنه لن يخبرك إلا عن العلم المطلق فيعرفه لك أو يعرف لك الوجود، فإنه ينقسم
إلى ممكن وواجب ونحو ذلك، وهذا لا يوجد إلا في الذهن ليس له وجود في الخارج، وليس في الخارج إلا المعينات، فلا يمكنه أن يخبرك إلا أن تقول له علم زيد ووجود زيد مثلاً، فلا يشتبه ما في الأذهان بما في الأعيان، وهؤلاء طالما لم يفرقوا بين ما في الأذهان وما في الأعيان وقعوا في الاضطراب والحيرة والغلط٢.
١٢ ـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإن قال نفاة الصفات، إثبات العلم والقدرة والإرادة مستلزم تعدد الصفات وهذا تركيب ممتنع":
أقول: حاصل هذا الكلام: أن من شبهات الجهمية أنهم يزعمون أنه لوثبت لله صفات متعددة كالعلم والبصر والحياة والكلام مثلاً.
يستلزم ذلك تركيباً في الله تعالى، والله منزه عن التركيب.
стр. 161
فأجاب شيخ الإسلام ﵀ عن هذه الشبهة بقوله:
إنكم أيها الجهمية الباطنية:
قد قلتم إن الله تعالى موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول، ومعشوق ولذيذ وملتذ ولذة؛ أليست هذه صفات متعددة؟!
أليس هذا تركيباً في الله تعالى؟!
فما بالكم تُسمون تركيبكم توحيداً وتسمون توحيدنا تركيباً وتشبيهاً؟!
١٣ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "واجب الوجود":
أقول: الواجب الوجود:
هو الذي وجوده واجب وعدمه ممتنع وهو الله تعالى وضده "ممتنع الوجود" وهو الذي عدمه واجب ووجوده ممتنع كشريك الباري، وقصد شيخ الإسلام أن هؤلاء المعطلة يحاولون أن يثبتوا أن الله تعالى واجب وجوده، ولكنهم لأجل تعطيلهم جعلوا الله تعالى ممتنع الوجود لأنهم وصفوه بصفات المعدوم والممتنع.
فدليلهم الذي أقاموه على إثبات كون الله تعالى واجب الوجود هو في الحقيقة دليل على كون الله تعالى ممتنع الوجود، فقد هدموا بنيانهم بأيديهم!
١٤ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إنها لا تدرك الأمور المعينة والحقائق الموجودة في الخارج وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة":
أقول: "الأمور المعينة" يقصد بها الجزئيات الخارجية التي هي أفراد واقعية في العالم المحسوس.
كأفراد الإنسان نحو زيد وعمرو وبكر وخالد ومحمد وأحمد فإن الإنسان الكلي باعتبار مفهومه العام لا يوجد في الخارج لأنه أمر ذهني.
стр. 162
وإنما يوجد في الخارج هو أفراد ذلك المعنى الكلي.
قوله: "والحقائق الموجودة في الخارج" بيان وتفسير وشرح لقوله: "الأمور المعينة".
وقوله: "الأمور الكلية المطلقة".
معناه: الكلي من حيث العموم لا من حيث حصوله في أفراده.
والمعنى: أن الروح عند هؤلاء لا تدرك الأمور الجزئية بل تدرك الأمور العامة الكلية غير المقيدة.
أقول: هذا مذهب باطل لا دليل عليه، بل الروح تدرك الأمور الجزئية كما تدرك الأمور الكلية، فإن الروح موصوفة بأنها تعرج وتصعد وتقبض وتُسلُ وغير ذلك من الأمور الكلية والجزئية التي وردت في الكتاب والسنة مع بيان أن الروح تدركها.
١٥ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في الأعيان":
أقول: الكليات جمع كلي، وهو خلاف الجزئي، والكلي عند المناطقة، ما لا يمنع نفس تصور مفهومه عن وقوع الشركة فيه كالإنسان العام، فإنه يشترك فيه زيد ومحمد وبكر فيدخل جميع أفراد الإنسان في مفهومه العام بخلاف الجزئي، نحو زيد؛ فإنه لا يصدق إلا على هذا الفرد الواحد فقط لا غير.
وإذا عرفت تعريف الكلي، فاعلم أن الكلي من حيث العموم أمر ذهني لا يوجد في الخارج، لأن الخارج لا يوجد فيه إلا الأعيان دون الأمور الذهنية، فالكي يتصوره الذهن فقط فلا وجود له في الخارج.
الحاصل: أن هؤلاء المعطلة يصفون الله تعالى بصفات تقتضي أن لا يكون الله تعالى موجوداً في الخارج، بل تجعله موجوداً ذهنياً فقط فلا شك في إبطال هذا المذهب لأن الله تعالى موجود بذاته خارج الأذهان في الخارج.
стр. 163
١٦ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "هو المركب من الجواهر المنفردة ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة..".
أقول: اختلف المتفلسفة تبعاً للفلاسفة الكفرة في تركيب الجسم، ما هو الجسم؟ ومن أي شيء يتركب فذكر شيخ الإسلام ههنا عدة أقوال لهم في الجسم وتركيبه مع اتفاقهم على أن الجسم يشار إليه إشارة حسية بأنه هنا أو هناك أو ههنا؟
فبعضهم يقول: الجسم ما كان مركباً من الجواهر المنفردة.
والجواهر المنفردة جمع الجوهر المفرد.
الجوهر المفرد هو الجزء الصغير الذي لا يمكن تقسيمه؛ أي لا يقبل القسمة والانقسام قطعاً.
ويقال له: الجزء الذي لا يتجزأ، أي لا ينحل.
فالجوهر خلاف العرض؛ فالجوهر ما كان قائماً بنفسه كالجسم مثلاً.
والعرض ما كان قائماً بغيره كاللون مثلاً نحو بياض الثلج، وسواد الزنجي، وهي قائمة بغيرها لا تقوم بأنفسها.
والمفرد أي الجزء المتفرد الذي لا ينقسم إلى جزئين فصاعداً.
وبعضهم يقول: الجسم ما كان مركباً من المادة والصورة.
والمراد من "المادة" أصل الشيء، والمراد من "الصورة" وضع الشيء بعد تركيبه، أي هيئته وشكله وتناسب بعض أجزائه مع بعض.
(المادة) ههنا جوهر، (والصورة) ههنا عرض.
وأقول: مقصود شيخ الإسلام من هذا المبحث الطويل تبكيت المتكلمة ومناظرتهم بقواعدهم وعلومهم ومصطلحهم، فيريد شيخ الإسلام إثبات أمور.
• الأمر الأول: أن الروح مما يشار إليه إشارة حسية فالروح سواء كانت جسماً أم لا ولكنها متصفة بعدة صفات؛ كالوجود والحياة، والعمل
стр. 164
والسمع والبصر والصعود والنزول والذهاب والمجيء ونحوها من الصفات وهي فينا ومعنا، وهي مخلوقة.
ومع ذلك نرى أن العقول قاصرة عن إدراك حقيقتها؛ فكيف تصل العقول إلى إدراك حقيقة صفات الله تعالى وذاته وكنهه وكيفية صفاته وتحديدها.
• الأمر الثاني: أن من نفى صفة من صفات الروح، كان جاحداً معطلاً مبطلاً؛ فما بالك بمن نفى صفة من صفات الله تعالى فإنه يكون معطلاً جاحداً مبطلاً بالطريق الأولى.
• الأمر الثالث: أن من شبه صفة الروح بصفات غيرها من المخلوقات كان مشبهاً.
فكذلك من شبه صفة من صفات الله تعالى بصفات خلقه، كان مشبهاً بالطريق الأولى.
• والأمر الرابع: وهو الأهم: وهو أن الروح مخلوقة وموجودة فينا وهي معها وهي متصفة بعدة صفات كما سبق بيانه، فإذا آمنا بصفات الروح ووصفنا الروح بتلك الصفات التي اتصفت بها الروح ولم يلزم من ذلك أن نكون مشبهين، فكذلك إذا آمنا بصفات الله تعالى ووصفنا الله تعالى بصفاته اللائقة به من غير تكييف ولا تشبيه ـ لا يلزم من ذلك أن نكون مشبهين الله تعالى بخلقه.
١٧ ـ الأسئلة والأجوبة على المثلين المضروبين:
س١ ـ بين المراد من إيراد هذين المثلين: (الجنة والروح) مع ذكرهما بإيجاز؟
ج ـ المراد من إيرادهما هو توكيد الأصلين السابقين وتوكيد ما ينفي من مماثلة الله لخلقه.
• المثل الأول: إنه لا يلزم من اشتراك المسميات في الاسم العام اشتراكهما في المسمى والحقيقة، فمثلاً ما في الجنة ـ من نعيم ومقام ـ ليس مثل ما في الدنيا بل بينهما تباين عظيم لا يعلمه إلا الله فقد قال ابن
стр. 165
عباس ﵄: (ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء) . فالخالق سبحانه أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق ومباينته سبحانه للمخلوقات أعظم من مباينة موجود للآخرة من موجودات الدنيا ذلك لأن المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق.
• المثل الثاني: أنه لا يلزم من كون الشيء موجوداً معرفة كيفية صفاته، لأن الروح موجودة فينا لا ينكر وجودها أحد، ولكن مع ذلك لا يقدر أحد على تكييف صفاتها. فكذلك صفات الله تعالى لا يمكن تكييفها.
س ٢ ما المقصود بضرب المثال بالجنة؟ وعلى من يردّ بهذا المثال؟
ج ـ المقصود بهذا المثل: أن التشابه بين موجودات الدنيا وموجودات الآخر في الأسماء والمعاني دون الحقائق والكيفيات، فإذا كان هذا التباين واقعاً بين المخلوقات فمن باب أولى أن يقع بين الخالق ومخلوقاته.
* يرد بهذا المثال: على من زعم أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه بناء على الاتفاق في الاسم، فإن جميع ما في الجنة يتفق مع ما في الدنيا ومع ذلك لم يستلزم التشبيه فكيف بالخالق جل وعلا، فالمباينة بين الخالق والمخلوق أعظم من مباينة المخلوق للمخلوق، وأعظم من مباينة موجود الآخر لموجود الدنيا، وهذا جد واضح.
س٣ ـ اذكر مواقف الناس فيما أخبر الله به من الغيبيات؟
ج ـ للناس ثلاث مذاهب من الغيبيات:
• المذهب الأول: مذهب السلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بجميع ذلك مع علمهم بالمباينة بين ما في الآخرة وما في الدنيا، وأن مباينة الله لخلقه أعظم وأولى كما صرحت بذلك الأدلة.
• المذهب الثاني: هم الذين أثبتوا ما أخبر الله به عن الآخرة ولكنهم نفوا كثيراً مما أخبر به عن نفسه فمنهم من نفاه جميعاً ـ الأسماء والصفات ـ كالجهمية، ومنهم من نفى الصفات كالمعتزلة، ومنهم من نفى بعضها
стр. 166
كالأشاعرة والماتريدية، فالجميع يؤمنون بما جاء عن اليوم الآخر وينفون تفاصيل الصفات إذا اعتبرنا مسألة الرؤية في الآخرة من مسائل الصفات لأنهم ينفونها باعتبار تعلقها بالله تعالى ويزعمون امتناعها في حقه.
• المذهب الثالث: نفوا جميع ذلك وهم القرامطة الباطنية والفلاسفة المشاؤون، وزعموا أن أخبار اليوم الآخر خيالات جاءت بها الرسل لإصلاح الخلق أو يسمونه "بمصلحة الجمهور".
* فالفريق الأول: هم أهل التنزيل. والثاني: هم أهل التعطيل، والثالث: هم أهل التخييل.
س٤ ـ اذكر مذهب الباطنية في الأحكام مع بعض الأمثلة لتأويلاتهم، وأنواعهم، والحكم عليهم؟
ج ـ أولاً ـ مذهبهم في الأحكام: كثير منهم جعل الأمر والنهي أي الشرائع من هذا الباب، أي من باب الأمور التي لها ظاهر وباطن كالغيبيات عندهم فتأويلاتهم في عامة أبواب الدين.
ثانياً ـ أمثلة لتأويلاتهم في الأحكام:
١ ـ الصلوات الخمس عندهم: هي معرفة أسرارهم.
٢ ـ صيام رمضان عندهم: يؤولونه بكتمان أسرارهم.
٣ ـ حج البيت عندهم: هو السفر إلى شيوخهم.
٤ ـ الربا عندهم: هو إيصال الرغبة في الإكثار في الخير.
٥ ـ الزنا عندهم: هو إيصال المستجيب من غير شاهد. ونحو ذلك من أنواع التحريف والإلحاد.
ثالثاً ـ من تلزمهم الشرائع عندهم:
يقولون إن هذه الشرائع تلزم العامة دون الخاصة فإذا صار الرجل من عارفيهم وموحديهم رفعوا عنه الواجبات وأباحوا له المحرمات.
стр. 167
رابعاً ـ أنواع الباطنية: وهم نوعان:
١ ـ باطنية قرامطة: وهم بعض فرق الرافضة.
٢ ـ باطنية صوفية: وقد تبنوا رفع الشرائع عن الخاصة وغيرها.
خامساً ـ حكم الباطنية:
* أجمع المسلمون على أن الباطنية الملاحدة أكفر من اليهود والنصارى لوجهين:
١ ـ أن كفر الباطنية باطن كالمنافقين، وأما اليهود والنصارى فهم يعلنون كفرهم.
٢ ـ أن الباطنية في حقيقتهم ينكرون الرسالات وينكرون الخالق والمعاد، وأما اليهود والنصارى فيقرون بجنس النبوة فهم أقل كفراً ممن ينكر أصلها، ويقرون بالخالق والمعاد.
* وهم أخطر من المنافقين الذين كانوا في عهد النبي ﷺ لوجهين:
١ ـ أن المنافقين دخلوا الإسلام خوفاً لحقن دمائهم وحفظ أموالهم، وأما الباطنية فدخلوه للكيد منه.
٢ ـ أن المنافقين كانوا يقرون ما يقر به أهل زمانهم من إثبات الخالق والمعاد، وقد يقرون بنبوة النبي ﷺ باطناً لكنهم لم يتابعوه، وأما الباطنية فجحدوا الشرائع والنبوات ظاهراً وباطناً.
س٥ ـ اذكر الأقيسة الجائزة وغير الجائزة في حق الله تعالى مع التعليل؟
ج ـ الأقيسة على ثلاث أقسام:
١ ـ قياس التمثيل: وهو القياس الأصولي وهو مساواة فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما.
وهذا القياس ممتنع في حق الله تعالى لأنه يستلزم التمثيل بينه وبين خلقه لأن فيه التسوية بين المقيس والمقيس عليه.
стр. 168
مثاله عند المتكلمين: قولهم بافتقار الله إلى العرش قياساً على افتقار المخلوق إذا استوى على العرش.
فالفرع عندهم: استواء الله.
والأصل: استواء المخلوق.
والعلة: الاستواء.
والحكم: هو الافتقار.
٢ ـ قياس الشمول: وهو القياس المنطقي وهو ما كان مركباً من مقدمتين فأكثر ونتيجة بحيث تستوي الأفراد في كلي يشملها.
وهذا القياس ممتنع في حق الله تعالى لأن فيه تمثيلاً لله بمخلوقاته.
ومثاله عند المتكلمين: كل متصف بالصفات فهو جسم، والله متصف بالصفات فالنتيجة أن الله جسم فركبوا القياس ثم نفوا الصفات حتى لا يقعوا في التجسيم وهذا مسلك المعتزلة.
وهذان القياسان لا يجوز استخدامها في حق الله، وهما اللذان ينصب عليهما نهي السلف ﵏.
٣ ـ قياس الأوْلَى: وهو أن كل كمال اتصف به المخلوق فالخالق أولى به وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بالتنزيه عنه، وهذا يجوز في حق الله بضابطين:
• الضابط الأول: أن يكون الكمال ليس فيه نقص بأي وجه من الوجوه، فالأكل والشرب كمال عند المخلوق لكن فيه نقص من وجه وهو الافتقار والحاجة إليهما، فلا يصح أن يتصف بهما الخالق لهذا النقص.
• الضابط الثاني: أن يكون الكمال قد دل عليه النقل ثم يأتي القياس تعضيداً وتعزيزاً فقط.
* وقياس الأولى: مستفاد من النصوص الشرعية ومنها ما يلي:
١ ـ قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦.] أي وصف الكمال المطلق.
стр. 169
٢ ـ وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] .
س٦ ـ ما حكم ضرب الأمثال لله تعالى؟ ولماذا؟ وما المثل الأعلى الذي يجب لله؟
ج ـ لا يجوز ضرب الأمثال لله تعالى التي فيها مماثلة بخلقه. لأنه سبحانه لا مثيل له بل له المثل الأعلى.
والمراد بالمثل الأعلى الذي يجب لله: هو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال جاز أن يتصف به الخالق فالخالق أولى به، وكل مل ينزه المخلوق عنه من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق كنزهاً عن مماثلة المخلوق وإن حصلت موافقة في الاسمية، فالله تعالى أولى بذلك.
س٧ ـ ما هو مراد شيخ الإسلام من إيراده بحث الروح هنا؟ وما سبب اختلاف واضطراب النفاة والمثبتة فيها، مع ذكر بعض من أقوال النفاة فيها؟
ج ـ مراده بيان أن الروح متصفة بصفات والبدن متصف بالصفات ولم يوجب ذلك أن تكون الروح مثل البدن فالرب سبحانه متصف بصفات وكذلك المخلوق، وليست صفات الخالق كصفات المخلوق.
وسبب اضطراب النفاة والمثبتة في الروح أن الروح التي تسمى بالنفس الناطقة عند الفلاسفة ليست هي من جنس هذا البدن ولا من جنس العناصر والمولدات منها، بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس فصار هؤلاء لا يعرفونها إلا بالسلوب التي توجب مخالفتها في الأجسام المشهودة وطائفة أخرى يجعلونها من أجزاء البدن أو صفة من صفاته كقول بعضهم إنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن.
والخلاصة أن سبب اختلافهم فيها:
ـ مخالفة النفس للمحسوس مما جعلهم يختلفون في تعريفها.
س٨ ـ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإطلاق القول على
стр. 170
الروح بأنها جسم أو ليست بجسم يحتاج إلى تفصيل.." اشرح هذا التفصيل؟
ج ـ إطلاق القول على الروح بأنها جسم ... أو ليست بجسم.. يحتاج إلى تفصيل. لأن في لفظ الجسم أقوالاً للناس متعددة الاصطلاح غير معناه الأصلي اللغوي، فأصل الجسم عند أهل اللغة: هو الجسد والبدن وبهذا الاعتبار ليست الروح جسماً وبهذا ليست الروح جسماً وبهذا يقولون: الروح، والجسم فيقرنون بينهما كما قال الله تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْم﴾ [البقرة: ٢٤٧] ، وأما أهل الكلام فعندهم أن الجسم هو القائم بنفسه أو المركب من الجواهر المفردة أو المركب من المادة والصورة أو ليس مركباً مما ذكر.. بل هو ما يشار إليه. ويقال: إنه هنا وهناك، وهذا القول هو الصحيح الذي يشهد له العقل والنقل في تعريف الجسم وهو ما يقبل الإشارة الحسية ويمكن رؤيته، ومتصف بالصفات وعليه يصح أن تسمى الروح جسماً، لأنه مما يصح أن يشار إليه ويتبعها بصر الميت وإنها تقبض فيعرج بها إلى السماء كما قال النبي ﷺ .
س٩ ـ اذكر مذاهب الناس في الروح؟
ج ـ أولاً: مذهب أهل السنة والجماعة أنها حقيقة موجودة موصوفة بصفات ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوص بأنها تعرج وتصعد كما في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه﴾ [المعارج: ٤] ، وتقبض من البدن كما في قوله ﷺ : "إن الروح إذا قبض تبعه البصر"، وتسل كما تسل الشعرة من العجين كما في حديث البراء بن عازب الذي أخرجه أحمد وغيره وصححه الألباني في أحكام الجنائز ص١٥٩، وغير ذلك من الصفات.
ثانياً: مذهب أهل الكلام وهم على قولين:
القول الأول: القائل بأنها من جنس الأجسام المشاهدة ثم يختلفون في تفسيرها كما يلي:
١ ـ أنها نفس البدن كما نقل عن عبد الرحمن بن الأصم وهو من معتزلة البصرة.
стр. 171
٢ ـ أنها جزء من البدن.
٣ ـ أنها هي النفس أو الريح المترددة في البدن كما نقل عن الباقلاني.
القول الثاني: القائل بأنها صفة من صفات البدن أي من جنس الأعراض ثم يفسرونها بما يلي:
أـ أنها الحياة.
ب ـ أنها المزاج.
ثالثاً: مذهب الفلاسفة: يصفون الروح بما يصفون به إلههم واجب الوجود فلا يصفونها إلا بالصفات السلبية الممتنعة كما سبق فيقولون: لا هي داخل البدن ولا هي خارجه، ولا مباينة ولا مداخلة، ولا متحركة ولا ساكتة، ولا تصعد ولا تهبط ولا جسم ولا عرض، ولهم أقوال أخرى.
س١. ـ عرّف ما يلي: النفس الناطقة، الجسم، الجواهر المفردة، الهيولى، الصورة والمادة؟
ج ـ النفس الناطقة: هي العاقلة المفكرة المدبرة التي تدرك الأمور الكلية والجزئية.
الجسم: في اللغة: هو الجسد والبدن الخارجي كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] .فائدة: إذا كان الجسم هو الجسد والبدن الخارجي إذاً فلا يصح أن تسمى الروح في اللغة جسماً.
أما في الاصطلاح: فقد اختلف المتكلمون في الجسم على عدة أقوال منها:
١ ـ أن الجسم: هو الموجود وبهذا الإطلاق يصح تسمية الروح جسماً.
٢ ـ أن الجسم هو القائم بنفسه ويصدق هذا على الروح بعد القبض أي بعد الموت لأنها تستقل عن الجسد.
стр. 172
٣ ـ أن الجسم: هو المركب من الجواهر المفردة. وهذا لا يصدق على الروح.
٤ ـ أن الجسم: هو المركب من المادة والصورة وهذا لا يصدق على الروح.
الجواهر المفردة: هي الأجزاء التي لا تقبل انقساماً لا في الخارج ولا في الفرض العقلي. وهذا عند المتكلمين، يخالفهم فيها جمهور العقلاء.
المادة: هي أصل الشيء، والجوهر الذي تقوم عليه الأشياء كالطين مثلاً وتسمى (الهيولى) .
الصورة: هي وضع الشيء وشكله بعد تركيبه وهو العرض القائم بالمادة كتشكيل ذلك الطين، فاجتماع الطين مع شكله يكون جسماً.
стр. 173
" الخاتمة الجامعة لسبع قواعد جامعة نافعة في الرد على المعطلة "
القاعدة الأولى
...
" الخاتمة الجامعة لسبع قواعد جامعة نافعة في الرد على المعطلة"
قال شيخ الإسلام:
"وأما الخاتمة الجامعة: ففيها قواعد نافعة:
القاعدة الأولى
أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي
فالإثبات كإخباره أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك.
والنفي كقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتاً وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل: ليس بشيء فضلاً أن يكون مدحاً أو كمالاً، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال.
فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمناً لإثبات مدح كقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ* لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلى قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]
стр. 174
فنفيُ السِّنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبيِّن لكمال أنه الحي القيوم.
وكذلك قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي لا يكرثه، ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها، بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقد على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته، وعيبٌ في قوته.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْض﴾ [سبأ: ٣] ، فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السماوات والأرض.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [قّ: ٣٨] ، فإنّ نفيَ مسَّ اللغوب الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة، ونهاية القوة، بخلاف المخلوق الذي يلحقه من النصب والكلال ما يلحقه.
وكذلك قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١.٣] ، إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء، ولم ينفِ مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يُرَى وليس في كونه لا يُرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحاً، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُئي، كما أنه لا يُحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلِم لا يُحاط به علماً، فكذلك إذا رُئي لا يُحاط به رؤية.
فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحاً وصفة كمال، وكان ذلك دليلاً على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.
وإذا تأمّلت ذلك وجدتَ كل نفي لا يستلزم ثبوتاً هو مما لم يصف الله به نفسه، فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهاً محموداً، بل ولا موجوداً.
وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا: إنه لا يتكلم، أو لا يُرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستوِ على العرش، ويقولون: ليس
стр. 175
بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث له، إذ هذه الصفات يمكن أن يُوصف بها المعدوم، وليس هي مستلزمة صفة ثبوت، ولهذا قال محمود بن سُبكتكين لمن ادّعى ذلك في الخالق: ميِّز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم.
وكذلك كونه لا يتكلم، أو لا ينزل، ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها م لا يتصف به إلا الجماد أو الناقص.
فمن قال: لا هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم، فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدَث، ولا متقدم على العالم ولا مقارن له.
ومن قال: أنه ليس بحي ولا سميع، ولا بصير ولا متكلم، لزمه أن يكون ميتاً أصم أعمى أبكم.
فإن قال: العمى عدم البصر عمّا من شأنه أن يقبل البصر، وما لا يقبل البصر كالحائط لا يقال له: أعمى ولا بصير
قيل له: هذا اصطلاح اصطلحتموه، وإلا فما يُوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام يمكن وصفه بالموت والصمم والعمى والخرس والعجمة.
وأيضاً: فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها، فإن الله قادر على جعل الجماد حياً، كما جعل عصا موسى حيَّة، ابتلعت الحبال والعصي.
وأيضاً: فالذي لا يقبل الاتصاف بهذا الصفات أعظم نقصاً ممن يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها، فالجماد الذي لا يُوصف بالبصر ولا العمى، ولا الكلام ولا الخرس، أعظم نقصاً من الحيّ الأعمى الأخرس.
قيل: إن الباري لا يمكن اتصافه بذلك، كان في ذلك من وصفه بالنقص أعظم مما إذا وصف بالخرس والعمى والصمم ونحو
стр. 176
ذلك، مع أنه إذا جُعل غير قابل لهما كان تشبيهاً له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منهما، وهذا تشبيه بالجمادات لا بالحيوانات، فكيف ينكر من قال ذلك على غيره ما يزعم أنه تشبيه بالحي.
وأيضاً: فنفس نفي هذه الصفات نقصٌ، كما أن إثباتها كمالٌ، فالحياة من حيث هي هي ـ مع قطع النظر عن تعيين الموصوف بها ـ صفة كمال، وكذلك العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والفعل، ونحو ذلك، وما كان صفة كمال فهو أحقّ بأن يتصف به من المخلوقات، فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به لكان المخلوق أكمل منه.
واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم ينفون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين حتى يقولون: ليس بموجود ولا ليس بموجود، ولا حيّ ولا ليس بحي.
ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائهِ العقول، كالجمع بين النقيضين.
وآخرون وصفوه بالنفي فقط، فقالوا: ليس بحي ولا سميع، ولا بصير وهؤلاء أعظم كفراً من أولئك من وجه، وأولئك أعظم كفراً من هؤلاء من وجه.
فإذا قيل لهؤلاء: هذا يستلزم وصفه بنقيض ذلك كالموت والصمم والبكم.
قالوا: إنما يلزم ذلك لو كان قابلاً لذلك.
وهذا الاعتذار يزيد قولهم فساداً.
وكذلك من ضاهى هؤلاء، وهم الذين يقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، إذا قيل لهم: هذا ممتنع في ضرورة العقل، كما إذا قيل: ليس بقديم ولا محدث، ولا واجب ولا ممكن، ولا قائم بنفسه ولا قائم بغيره.
قالوا: هذا إنما يكون إذا كان قابلاً لذلك، والقبول إنما يكون من المتحيز، فإذا انتفى المتحيّز انتفى قبول هذين النقيضين.
стр. 177
فيقال لهم: علم الخلق بامتناع الخلو من هذين النقيضين هو علم مطلق، لا يُستثنى منه موجود، والتحيز المذكور إن أُريد به كون الأحياز الموجودة تحيط به، فهذا هو الداخل في العالم، وإن أُريد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي: مباين له متميز عنها، فهذا هو الخروج.
فالمتحيز يُراد به تارة ما هو داخل العالم، وتارة ما هو خارج العالم، فإذا قيل: ليس بمتحيز، كان معناه ليس بداخل العالم ولا خارجه.
فهم غيَّروا العبارة ليُوهِموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر، وهو المعنى الذي عُلم فساده بضرورة العقل، ولا عالم ولا جاهل".
معاني الكلمات:
وأما الخاتمة: عطف على قوله المتقدم: (فأما الأصلان. وأما المثلان ... ) وهو تفصيل لقوله: ويتبين هذا بأصلين شريفين ومثلين مضروبين.
موصوف بالإثبات والنفي: أي إثبات جميع صفات الكمال ونفي جميع صفات المعائب والنقائص.
المعدوم والممتنع: أي موصوف الكمال مع نفي جميع صفات المعائب والنقائص.
عناصر الموضوع:
١ ـ موضوع القاعدة الأولى:
إن الله موصوف بالإثبات لجميع صفات الكمال وموصوف بالنفي لجميع صفات النقص وهذا هو المدح،
فالمدح يكون بإثبات الكمال ونفي النقص ولا أحد أحب إليه من الله وأن النفي المحض لا مدح فيه إلا إذا تضمن إثبات كمال الضد.
٢ ـ على من يَردُّ شيخُ الإسلام بالقاعدة الأولى؟
يردُ شيخ الإسلام بالقاعدة الأولى على طائفتين:
стр. 178
المعطلة: الذين يقتصرون على صفات النفي دون الإثبات فلا يصفونه إلا بالنفي والسلوب.
المشبهة: الغالين في إثبات الصفات ولكنهم لا ينزّهون الله عن النقائص.
٣ ـ شرح القاعدة الأولى:
يقرر شيخ الإسلام من خلال استقرائه للنصوص أن الله تعالى جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وإنما جمع الله تعالى لنفسه بين النفي والإثبات، لأنه لا يتم كمال الموصوف إلا بنفي صفات النقص، وإثبات صفات الكمال، وكل الصفات التي نفاها الله عن نفسه صفات نقص كالإعياء واللغوب والعجز والظلم ومماثلة المخلوقين.
وكل ما أثبته الله لنفسه فهو صفات كمال كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦.] ، سواء كانت من الصفات الذاتية التي يتصف بها أزلاً وأبداً أم من الصفات الفعلية التي يتصف بها حيث تقتضيها حكمته؟، وإن كان أصل هذه الصفات الفعلية ثابتاً له أزلاً وأبداً فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالاً، وكل صفة نفاها الله عن نفسه فإنها متضمنة لشيئين:
أحدهما: انتفاء تلك الصفة.
الثاني: ثبوت كمال ضدها.
٤ ـ من أصول أهل السنة والجماعة: أن النفي عندهم متضمن لإثبات كمال الضد:
تقدم أن من أصول أهل السنة في باب الأسماء والصفات أن النفي متضمن لإثبات كمال الضد، فإن النفي المحض ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتاً للكمال، وذلك للأسباب الآتية:
١ ـ لأن النفي المحض غير المتضمن للإثبات عدمٌ محض، والعدم المحض ليس بشيء لأنه عدم، وما دام عدماً وليس بشيء فلا يكون كمالاً.
стр. 179
٢ ـ ولأن النفي المحض يوُصف به المعدوم، فيقال ليس بموجود ولا حي وغير ذلك، بل يوصف به الممتنع فيقال: ليس بممكن ولا موجود.
٣ ـ ولأن النفي المحض فيه إساءة أدب، قال ابن أبي العز: "وهذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب، فإنك لو قلت للسلطان: أنت لستَ بزبّال ولا كساح ولا حجّام ولا حائك لأدّبك"١.
٥ ـ أمثلة ذكرها المؤلف للنفي المتضمن لكمال الضد:
فجميع ما وصف الله تعالى به نفسه من النفي متضمن لإثبات كمال ومدح وأمثلة ذلك يوضحها الجدول الآتي٢:
الآية
تضمنها لكمال الضد
﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]
لكمال حياته وقيوميته.
﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] .أي لا يكترثه ولا يثقله.
لكمال قدرته التي لا تتخلها مشقة.
﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣]
لكمال علمه.
﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [قّ: ٣٨]
لكمال قدرته ونهاية قوته.
﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١.٣] أي لا تحيط به.
لكمال عظمته.
﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩]
لكمال عدله.٦ ـ صفات الله لا يكون النفي فيها محضاً:
صفات الله لا يكون النفي فيها محضاً بل لا بد أن يكون لإثبات كمال ضد ذلك للوجوه الآتية:
١ ـ أن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦.] أي الوصف الأكمل، وهذا معدوم في النفي المحض.
стр. 180
٢ ـ النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء وما ليس بشيء فكيف يكون مدحاً وكمالاً.
٣ ـ أن النفي إن لم يتضمن كمالاً فقد يكون لعدم قابلية الموصوف لذلك المنفي أو ضده أو يكون لنقص الموصوف لعجزه عن الكمال.
٧ ـ المعطلة يصفون الله تعالى بالنفي المحض:
المعطلة يقتصرون على النفي المحض ولا يثبتون كمال الضد، فيقولون عن الله تعالى: إن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا فوق العالم ولا تحته ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه، كما أنهم يقولون: إن الله ليس بحي ولا بصير ولا متكلم.
فلزمهم أن يكون ميتاً أصماً أعمى وأبكم، وهم بهذا لا يثبتون إلهاً موجوداً بل إلهاً معدوماً.
والأخذ بالنفي دون الإثبات تفريق بين المتماثلين وهو ممتنع في بدائه العقول فلا بد من الجمع بين الإثبات والتنزيه كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
ومن القواعد المستنبطة من نصوص الكتاب والسنة الجمع بين الإثبات والتنزيه في باب الصفات وهذه الطريقة موافقة للعقل الصريح، وذلك لأن إثبات صفات الكمال لا يتأتَّى إلا بنفي صفات النقص المتضمن لإثبات الكمال.
٨ ـ مفهوم التنزيه عند المعطلة:
خالف المعطلةُ أهلَ السنة في مفهوم التنزيه، حيث جعلوه معولاً لهدم بنيان صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة، وأول من أدخل النفي في التنزيه هم الجهمية، فقد قال عنهم الإمام أحمد: أن توحيدهم غالبه سلوب بدون إثبات، وتابعهم بعد ذلك المعتزلة، فقد نقل عنهم الأشعري في المقالات أنهم أجمعوا على:
"أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وليس بجسم ولا شبح