← Акыда

Акыда · id 11256

شرح التدمرية - الخميس

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (448 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ذلك، مع أنه إذا جُعل غير قابل لهما كان تشبيهاً له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منهما، وهذا تشبيه بالجمادات لا بالحيوانات، فكيف ينكر من قال ذلك على غيره ما يزعم أنه تشبيه بالحي. وأيضاً: فنفس نفي هذه الصفات نقصٌ، كما أن إثباتها كمالٌ، فالحياة من حيث هي هي ـ مع قطع النظر عن تعيين الموصوف بها ـ صفة كمال، وكذلك العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والفعل، ونحو ذلك، وما كان صفة كمال فهو أحقّ بأن يتصف به من المخلوقات، فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به لكان المخلوق أكمل منه. واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم ينفون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين حتى يقولون: ليس بموجود ولا ليس بموجود، ولا حيّ ولا ليس بحي. ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائهِ العقول، كالجمع بين النقيضين. وآخرون وصفوه بالنفي فقط، فقالوا: ليس بحي ولا سميع، ولا بصير وهؤلاء أعظم كفراً من أولئك من وجه، وأولئك أعظم كفراً من هؤلاء من وجه. فإذا قيل لهؤلاء: هذا يستلزم وصفه بنقيض ذلك كالموت والصمم والبكم. قالوا: إنما يلزم ذلك لو كان قابلاً لذلك. وهذا الاعتذار يزيد قولهم فساداً. وكذلك من ضاهى هؤلاء، وهم الذين يقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، إذا قيل لهم: هذا ممتنع في ضرورة العقل، كما إذا قيل: ليس بقديم ولا محدث، ولا واجب ولا ممكن، ولا قائم بنفسه ولا قائم بغيره. قالوا: هذا إنما يكون إذا كان قابلاً لذلك، والقبول إنما يكون من المتحيز، فإذا انتفى المتحيّز انتفى قبول هذين النقيضين.

стр. 177

فيقال لهم: علم الخلق بامتناع الخلو من هذين النقيضين هو علم مطلق، لا يُستثنى منه موجود، والتحيز المذكور إن أُريد به كون الأحياز الموجودة تحيط به، فهذا هو الداخل في العالم، وإن أُريد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي: مباين له متميز عنها، فهذا هو الخروج. فالمتحيز يُراد به تارة ما هو داخل العالم، وتارة ما هو خارج العالم، فإذا قيل: ليس بمتحيز، كان معناه ليس بداخل العالم ولا خارجه. فهم غيَّروا العبارة ليُوهِموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر، وهو المعنى الذي عُلم فساده بضرورة العقل، ولا عالم ولا جاهل". معاني الكلمات: وأما الخاتمة: عطف على قوله المتقدم: (فأما الأصلان. وأما المثلان ... ) وهو تفصيل لقوله: ويتبين هذا بأصلين شريفين ومثلين مضروبين. موصوف بالإثبات والنفي: أي إثبات جميع صفات الكمال ونفي جميع صفات المعائب والنقائص. المعدوم والممتنع: أي موصوف الكمال مع نفي جميع صفات المعائب والنقائص. عناصر الموضوع: ١ ـ موضوع القاعدة الأولى: إن الله موصوف بالإثبات لجميع صفات الكمال وموصوف بالنفي لجميع صفات النقص وهذا هو المدح، فالمدح يكون بإثبات الكمال ونفي النقص ولا أحد أحب إليه من الله وأن النفي المحض لا مدح فيه إلا إذا تضمن إثبات كمال الضد. ٢ ـ على من يَردُّ شيخُ الإسلام بالقاعدة الأولى؟ يردُ شيخ الإسلام بالقاعدة الأولى على طائفتين:

стр. 178

المعطلة: الذين يقتصرون على صفات النفي دون الإثبات فلا يصفونه إلا بالنفي والسلوب. المشبهة: الغالين في إثبات الصفات ولكنهم لا ينزّهون الله عن النقائص. ٣ ـ شرح القاعدة الأولى: يقرر شيخ الإسلام من خلال استقرائه للنصوص أن الله تعالى جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وإنما جمع الله تعالى لنفسه بين النفي والإثبات، لأنه لا يتم كمال الموصوف إلا بنفي صفات النقص، وإثبات صفات الكمال، وكل الصفات التي نفاها الله عن نفسه صفات نقص كالإعياء واللغوب والعجز والظلم ومماثلة المخلوقين. وكل ما أثبته الله لنفسه فهو صفات كمال كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦.] ، سواء كانت من الصفات الذاتية التي يتصف بها أزلاً وأبداً أم من الصفات الفعلية التي يتصف بها حيث تقتضيها حكمته؟، وإن كان أصل هذه الصفات الفعلية ثابتاً له أزلاً وأبداً فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالاً، وكل صفة نفاها الله عن نفسه فإنها متضمنة لشيئين: أحدهما: انتفاء تلك الصفة. الثاني: ثبوت كمال ضدها. ٤ ـ من أصول أهل السنة والجماعة: أن النفي عندهم متضمن لإثبات كمال الضد: تقدم أن من أصول أهل السنة في باب الأسماء والصفات أن النفي متضمن لإثبات كمال الضد، فإن النفي المحض ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتاً للكمال، وذلك للأسباب الآتية: ١ ـ لأن النفي المحض غير المتضمن للإثبات عدمٌ محض، والعدم المحض ليس بشيء لأنه عدم، وما دام عدماً وليس بشيء فلا يكون كمالاً.

стр. 179

٢ ـ ولأن النفي المحض يوُصف به المعدوم، فيقال ليس بموجود ولا حي وغير ذلك، بل يوصف به الممتنع فيقال: ليس بممكن ولا موجود. ٣ ـ ولأن النفي المحض فيه إساءة أدب، قال ابن أبي العز: "وهذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب، فإنك لو قلت للسلطان: أنت لستَ بزبّال ولا كساح ولا حجّام ولا حائك لأدّبك"١. ٥ ـ أمثلة ذكرها المؤلف للنفي المتضمن لكمال الضد: فجميع ما وصف الله تعالى به نفسه من النفي متضمن لإثبات كمال ومدح وأمثلة ذلك يوضحها الجدول الآتي٢: الآية تضمنها لكمال الضد ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] لكمال حياته وقيوميته. ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] .أي لا يكترثه ولا يثقله. لكمال قدرته التي لا تتخلها مشقة. ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣] لكمال علمه. ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [قّ: ٣٨] لكمال قدرته ونهاية قوته. ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١.٣] أي لا تحيط به. لكمال عظمته. ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩] لكمال عدله.٦ ـ صفات الله لا يكون النفي فيها محضاً: صفات الله لا يكون النفي فيها محضاً بل لا بد أن يكون لإثبات كمال ضد ذلك للوجوه الآتية: ١ ـ أن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦.] أي الوصف الأكمل، وهذا معدوم في النفي المحض.

стр. 180

٢ ـ النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء وما ليس بشيء فكيف يكون مدحاً وكمالاً. ٣ ـ أن النفي إن لم يتضمن كمالاً فقد يكون لعدم قابلية الموصوف لذلك المنفي أو ضده أو يكون لنقص الموصوف لعجزه عن الكمال. ٧ ـ المعطلة يصفون الله تعالى بالنفي المحض: المعطلة يقتصرون على النفي المحض ولا يثبتون كمال الضد، فيقولون عن الله تعالى: إن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا فوق العالم ولا تحته ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه، كما أنهم يقولون: إن الله ليس بحي ولا بصير ولا متكلم. فلزمهم أن يكون ميتاً أصماً أعمى وأبكم، وهم بهذا لا يثبتون إلهاً موجوداً بل إلهاً معدوماً. والأخذ بالنفي دون الإثبات تفريق بين المتماثلين وهو ممتنع في بدائه العقول فلا بد من الجمع بين الإثبات والتنزيه كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . ومن القواعد المستنبطة من نصوص الكتاب والسنة الجمع بين الإثبات والتنزيه في باب الصفات وهذه الطريقة موافقة للعقل الصريح، وذلك لأن إثبات صفات الكمال لا يتأتَّى إلا بنفي صفات النقص المتضمن لإثبات الكمال. ٨ ـ مفهوم التنزيه عند المعطلة: خالف المعطلةُ أهلَ السنة في مفهوم التنزيه، حيث جعلوه معولاً لهدم بنيان صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة، وأول من أدخل النفي في التنزيه هم الجهمية، فقد قال عنهم الإمام أحمد: أن توحيدهم غالبه سلوب بدون إثبات، وتابعهم بعد ذلك المعتزلة، فقد نقل عنهم الأشعري في المقالات أنهم أجمعوا على: "أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وليس بجسم ولا شبح

стр. 181

ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عَرَض ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة، ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا طول ولا عرض ولا عمق، ولا اجتماع ولا افتراق ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء، وجوارح وأعضاء وليس بذي جهات ولا بذي يمين وشمال وأمام وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان، ولا تجوز عليه الماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن ولا يوصف بشيء من صفات الخلق ... "١فهذه جملة قولهم في التوحيد وقد شاركهم في هذه الجملة الخوارج وطوائف المرجئة وطوائف من الشيعة. قال ابن أبي العز في بيان فساد هذه الطريقة: "والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات ولا يتدبرون معانيها، ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده ... والمقصود أن غالب عقائدهم السلوب ليس بكذا، ليس بكذا، وأما الإثبات فهو قليل وهو أنه قادر حيّ، وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب والسنة ولا عن الطرق العقلية التي سلكها غيرهم من مثبتة الصفات فإن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . ففي هذا الإثبات ما يقرر معنى النفي، ففهم أن المراد انفراده سبحانه بصفات الكمال، فهو موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ ، ليس كمثله شيء في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله٢. ٩ ـ معنى قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ : أي لا تحيط به الأبصار لعظمته وجلاله وكماله، وإن كانت تراه في الآخرة وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم، فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية بل

стр. 182

يثبتها بالمفهوم، فإنه إذا نفى الإدراك الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة. فإنه لو أراد نفي الرؤية لقال: لا تراه الأبصار، ونحو ذلك، فعُلِم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة، الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة، بل فيها ما يدل على نقيض قولهم. وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم من أهل السنة. وقال بعضهم: إن الإدراك بمعنى أن الله لا يُرى في الدنيا دون الآخرة وأما أهل البدع فإن معنى الإدراك عندهم هو نفي الرؤية مطلقاً في الدنيا والآخرة، ولازم قولهم: إن الله معدومٌ؛ إذ المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى مدحٌ؛ إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحاً وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُؤي. ١. ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀) فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب ... ) . أقول: السلوب جمع سلب والسلب هو النفي، والمراد أن هؤلاء المعطلة الغلاة لا يصفون الله تعالى بصفات ثبوتية كالسمع والبصر والعلو ونحوها من الصفات الكمالية الدالة على مطالب عظيمة ومعارف دالة على عظمة الله ، بل هؤلاء المعطلة الغلاة ـ يصفون الله تعالى بأمور عدمية فيقولون: الله لا معدوم ولا موجود، ولا يتكلم ولا يرى ولا يسمع، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا داخل ولا خارج، ولا متصل ولا منفصل، فهذه الصفات في الحقيقة ليست بصفات كمالية بل هي صفات للمعدوم المحض، بل للممتنع البحت وليست هذه الصفات للموجود أصلاً، فضلاً عن أن تكون لواجب الوجود؟! ١١ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (قيل له: هذا اصطلاح اصطلحتموه ... مع اتصافه بنقائضها) . أقول: هذا جواب عن اعتراض الجهمية، وتقرير هذا الاعتراض: أن

стр. 183

الجهمية لما وصفوا الله تعالى بأنه "لاحي ولا ميت"، فنفوا عن الله تعالى الحياة والممات معاً فأورد عليهم أهل السنة إشكالاً ـ تقريره: إنكم أيها الجهمية قد وصفتم الله تعالى بأنه لا حي ولا ميت فنفيتم عن الله تعالى الحياة وضدها الممات. وهذا النفي لا يمكن عقلاً، لأنه إذا لم يكن حياً لابد أن يكون ميتاً وإذا لم يكن ميتاً لابد أن يكون حياً. وإلا يلزم رفع النقيضين، ورفع النقيضين باطل باتفاق العقلاء. فأجاب هؤلاء الجهمية عن هذا الإشكال فقالوا: لا يلزم من قولنا: (لاحي ولا ميت) ـ رفع النقيضين: لأن الحياة والممات ليسا نقيضين؛ بل هما من قبيل العدم والملكة والقاعدة في المتخالفين تخالف العدم والملكة: أن يكون محل العدمي صالحاً للوجودي وبالعكس. نحو: العمى والبصر، فالعمى عدمي والبصر وجودي. فمحل العدمي هنا صالح للوجودي وبالعكس، فزيد بصير مثلاً لكنه صالح لأن يكون أعمى، وبكر أعمى مثلاً ولكنه صالح لأن يكون بصيراً. وأما إذا لم يكن ذلك المحل قابلاً للآخر ـ فحينئذٍ يجوز لك أن تنفي الوجودي والعدمي كليهما؛ لأنه لا يلزم حينئذٍ ثبوت أحدهما بنفي الآخر أو بنفي أحدهما ثبوت الأخر. وذلك كالجدار فإن الجدار ليس محلاً للعلم ولا للجهل، فإذا قلت: هذا الجدار لا عالم ولا جاهل جاز لك هذا؛ لأنه لا يلزم من قولك: الجدار ليس بعالم ـ أن يكون الجدار جاهلاً. وإذا نفيت الجهل عن الجدار وقلت الجدار ليس بجاهل لا يلزم منه أن يكون الجدار عالماً، فيصح لك أن تقول: هذا ليس بعالم ولا جاهل ولا حي ولا ميت، فهكذا يجوز لك أن تقول: الله ليس بحي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل. هذا كان تقرير اعتراض الجهمية وبيان إشكالهم على جواب أهل السنة؛

стр. 184

ولكن أجيب عن هذا الإشكال على لسان شيخ الإسلام فقال: إن هذا الذي ذكرتم في بيان التناقض والتخالف والعدم والملكة ـ من تلك القاعدة ـ فهذه القاعدة فاسدة غير صادقة؛ فإن هذه القاعدة مجرد اصطلاح اصطلحتموه ولسنا متفقين معكم عليها؛ فلا حجة لكم فيها علينا؛ لأنه من المعلوم: أن ما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام يمكن وصفه بالموت والعمى والخرس والعجمة. فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأوصاف ونقائضها؛ يجوز لك أن تصفه بها أو بأضدادها كقولك: زيد بصير وعمرو أعمى، ولكن لا يجوز لك أن تقول: زيد لا بصير ولا أعمى. وكل من يجوز أن تصفه بهذه الكلمات دون أضدادها ـ لا يجوز لك أن تصفه بتلك الأضداد، فواجب عليك أن تقول: الله عليم بصير، ولا يجوز أن تقول: الله جاهل وأعمى؛ كما لا يجوز أن تقول: الله لا عالم ولا جاهل ولا حي ولا ميت فإنه أشد فساداً. عقلاً ونقلاً. وكل ما لا يجوز وصفه بتلك الكلمات ويجوز وصفه بأضدادها ـ تصفه بأضدادها كالجدار مثلاً، فيصح أن يقال للجدار: جاهل لا علم له، وإنه ميت لا حياة فيه فإن الله تعالى وصف الجماد بالموت وعدم العلم. فقال: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] ، ولا تقول: الجدار لا عالم ولا جاهل ولا حي ولا ميت. • هذا هو الجواب الأول. • والجواب الثاني: أن نقول: إن الله تعالى قادر على جعل الجماد حياً؛ كما جعل عصا موسى حيةً. • والجواب الثالث: أن نقول: إن الذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات هو أعظم نقصاً ممن يقبل الاتصاف بها ـ مع اتصافه بنقائضها ـ فإن الجماد الذي لا يوصف بالبصر ولا العمى ولا الكلام ولا الخرس أعظم نقصاً من الحي الأعمى الأخرس.

стр. 185

وإذا عرفت هذا فاعلم: أن من قال: إن الله لا حي ولا ميت ولا متكلم ولا أخرس فقد جعل الله تعالى أنقص من الميت الأخرس، فهذا الرجل قد وقع في أشد مما فر منه حيث جعل الله تعالى مشابهاً بشيء أنقص حالاً من الميت لأن هذا الرجل قد أراد تنزيه الله تعالى، ولكن وقع في أقبح التشبيه وأوقحه. حيث أراد أن ينزه الله تعالى عن تشبيه الحيوان الذي يسمع. فشبه الله تعالى بشيء أحط منزلة من الميت الذي لا يسمع. فإن هذا تشبيه بالجمادات لا بالحيوانات فلو شبه الله تعالى بالحيوانات لكان أقل قبحاً وكلاهما قبيح. • والجواب الرابع: الذي أشار إليه شيخ الإسلام أن الحيوان الذي يسمع أولى من الجماد الذي لا يسمع، فمن قال: إن الله تعالى لا حي ولا ميت بحجة أنه غير قابل للحياة والممات كان تشبيهاً لله تعالى بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات وضدها. وهذا لاشك أنه تشبيه بالجمادات لا بالحيوانات والتشبيه بالجمادات أبطل من التشبيه بالحيوانات. ١٢ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "قالوا: هذه إنما يكون إذا كان قابلاً لذلك والقبول إنما يكون من المتحيز، فإذا انتفى الحيز انتفى قبول هذين المتناقضين". أقول: هذا الاعتراض شبيه بالاعتراض السابق من جريه على قاعدة القبول وعدم القبول أي اتصاف المحل بالعدم والملكة. ولكن ساقه شيخ الإسلام لاعتراض آخر. وحاصل هذا الاعتراض: أن من ضاهى هؤلاء الجهمية الغلاة في قولهم: إن الله لا حي ولا ميت ولا متكلم ولا أخرس، ومشوا على منوالهم في الجحود والنفي للضدين عن الله ورفع المتناقضين عنه تعالى فقالوا:

стр. 186

إن الله تعالى ليس بداخل العالم ولا خارج العالم ولا متصلاً بالعالم ولا منفصلاً عنه. فأورد عليهم أهل السنة إشكالاً تقريره: أنتم أيها الماتريدية والأشعرية، قد نفيتم عن الله تعالى الدخول والخروج والاتصال والانفصال وهذا رفع للنقيضين. وهذا غير ممكن عقلاً؛ فإنه إذا لم يكن داخلاً في العالم كان خارجاً عنه ولا بد من ذلك. وإذا لم يكن متصلاً بالعالم كان منفصلاً عنه ولا بد من ذلك! فإن نفي أحدهما يستلزم إثبات الآخر إذ لا يجوز نفيهما جميعاً؛ لئلا يلزم رفع النقيضين. فأجاب هؤلاء الجهمية الماتريدية والأشعرية عن إشكال أهل السنة هذا بقولهم: إن الله تعالى ليس بمتحيز أصلاً، والقبول وعدمه من صفات المتحيز أي كون الشيء داخلاً أو خارجاً أو متصلاً أو منفصلاً لا يتحقق إلا في المتحيز والله غير متحيز، فالله تعالى غير قابل للدخول والخروج والاتصال والانفصال. فلا يرد ذلك الإشكال البتة. فأجاب شيخ الإسلام عن هذا الاعتراض بجوابين: • الجواب الأول بقوله: "فيقال لهم: علمُ الخلق بامتناع الخلو من هذين النقيضين علم مطلق لا يستثنى منه موجود". والمعنى أن قولكم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل عنه. باطل في بداهة عقول الناس؛ فإن عِلم الناس بهذا البطلان علم مطلق قوي بديهي ضروري عند كل إنسان، فكل إنسان يعلم علماً يقينياً: أن كل موجود إما أن يكون داخلاً فلا يكون خارجاً وإما أن يكون خارجاً فلا يكون داخلاً، وهكذا في الاتصال والانفصال.

стр. 187

وأما إذا كان لا داخلا ولا خارجاً، فهذا ليس بشيء موجود وإنما هو معدوم، بل هو ممتنع. وهذا واضح بالضرورة عند كل إنسان. الحاصل أن قولكم هذا من أوضح الباطل في بداهة العقول. هذا هو الجواب الأول. • الجواب الثاني: كم تقولون: إن الله ليس بمتحيز، فليس هو قابلاً لتلك الصفات وضدها فنقول: هذا باطل جداً لأن المتحيز له معنيان: الأول: أن يكون الشيء تحيط به الأحياز فهذا الشيء لاشك أنه في داخل العالم وليس بخارج العالم البتة ومتصل بالعالم وليس منفصلاً عنه؛ لأنه جزء من العالم. والمعنى الثاني: هو كون الشيء بحيث يكون منحازاً عن العالم أي مبايناً عنه. فالمتحيز بهذا المعنى لا شك أنه خارج عن هذا العالم وليس بداخل في العالم. فالله تعالى في الحقيقة متحيز بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول. وإذا عرفت المعنيين للمتحيز ـ نقول: إذا قلت: إن الله تعالى ليس بمتحيز هكذا مطلقاً ـ. كان معناه أن الله تعالى ليس بداخل العالم ولا خارجه وهذا من أبطل الباطل في بداهة العقول كما سبق. فهؤلاء قصدهم من قولهم: "ليس بمتحيز" أن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه ولكنهم قد غيروا العبارة، فالذين لا يعرفون مصطلحات هؤلاء الماتريدية والأشعرية الجهمية، لا يعرفون حقيقة ما قصدوا. الحاصل: أن قول الماتريدية: إن الله ليس بمتحيز، أو قولهم: إن الله

стр. 188

لا داخل العالم ولا خارجه هو بعينه مثل قول الجهمية الأولى. الغلاة: إن الله لا حي ولا ميت ولا متكلم ولا أخرس. ١٣ ـ الأسئلة والأجوبة الواردة على القاعدة الأولى: س١ ـ هل يمكن أن يكون النفي في صفات الله نفياً محضاً، وضّح ذلك على التفصيل؟ ج ـ لا يمكن أن يكون النفي في صفات الله نفياً محضاً، بل لا بد أن يكون لإثبات كمال وذلك لما يأتي: ١ ـ أن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦.] أي الوصف الأكمل والوصف الأكمل معدوم في النفي المجرد المحض. ٢ ـ أن النفي المحض عدم محض والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء كيف يكون مدحاً بل كيف يكون كمالاً. ٣ ـ أن النفي إن لم يتضمن إثبات كمال الضد فقد يكون لنقص الموصوف به بل لعجزه عنه. س٢ ـ بيّن ما يترتب من وصف الله بالنفي المحض؟ ج ـ الذين يقتصرون على النفي المحض ولا يثبتون كمال الضد هم في الحقيقة لم يثبتوا إلهاً موجوداً بل إلهاً معدوماً، فقولهم في الله : إن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا فوق العالم ولا تحته، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه ونحو ذلك. كما أن من قال عن الله : إنه ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا متكلم واقتصر على النفي المحض: لزمه أن يكون ميتاً أصماً أعمى أبكم، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. س٣ ـ بيّن أوجه كون النفي المحض لا مدح فيه؟ ج ـ من أصول السلف كما سبق أن النفي متضمن لإثبات كمال الضد، فإن النفي المحض ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتاً للكمال وذلك للأسباب التالية:

стр. 189

١ ـ لأن النفي المحض غير المتضمن للإثبات عدم محض والعدم المحض ليس بشيء لأنه عدم، وما دام عدماً وليس بشيء فلا يكون كمالاً. ٢ ـ ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم فيقال: ليس بموجود ولا حي وغير ذلك بل ويوصف به الممتنع، فيقال: ليس بممكن ولا موجود وكلاهما لا يوصفان بمدح ولا كمال. ٣ ـ ولأن النفي المحض قد يكون لعدم قابلية الموصوف بذلك المنفي، فإذا قيل: الجدار لا يظلم فهذا ليس بمدح لعدم قابلية الجدار للظلم أصلاً. ٤ ـ ولأن النفي إن لم يتضمن كمال الضد فقد يكون لنقص الموصوف أو عجزه، كقول الشاعر النجاشي: قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل أراد بنفي الغدر والظلم بيان عجزهم لا مدحهم بدليل تصغيرهم بقوله: قبيلة. ٥ ـ ولأن النفي المحض فيه إساءة أدب، قال ابن أبي العز: وهذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب فإنك لو قلت للسلطان: أنت لست بزبال ولا كساح ولا حجَّام ولا حائك لأدبك. س٤ ـ اذكر الخلاف في معنى الإدراك في قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١.٣] ؟ ج ـ اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: • القول الأول: وهو لجمهور السلف أن الإدراك هو الإحاطة كما قال شيخ الإسلام وهو قول أكثر العلماء. • القول الثاني: وهو لبعض السلف أن الإدراك بمعنى الرؤية وحملوا الآية على نفي الرؤية في الدنيا لقوله ﷺ : "إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" رواه مسلم (٨/١٩٣) . وهذا قول عائشة ﵂ حيث استدلت بالآية على نفي رؤية النبي ﷺ لربه في ليلة الإسراء، مما يدل على أنها فهمت من الآية عدم الرؤية في الدنيا وبه قال الإمام أحمد في رده على الجهمية،

стр. 190

والإمام الملطي حيث قال: فأما تفسير الآية ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يعني لا يراه الخلق في الدنيا دون الآخرة. انظر أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٣/٥٢.ـ٥٢٢) . • القول الثالث: وهو قول عامة المعتزلة والخوارج فالإدراك عندهم بمعنى الرؤية ويستدلون بالآية على نفي الرؤية مطلقاً في الدنيا والآخرة، وقولهم هذا مخالف للكتاب والسنة والإجماع. س٥ ـ كيف ترد على من استدل على نفي الرؤية بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ؟ ج ـ يرد على استدلالهم بالآية بما يلي: ١ ـ مردود بالأدلة المصرحة بالرؤية في الآخرة كقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ*وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢١ـ٢٢] ، وقوله ﷺ : "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر". ٢ ـ ومردود بالآيات الدالة على أن الإدراك بمعنى الإحاطة كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ففرق بين الرؤية والإحاطة. ٣ ـ نفي الرؤية ليس فيه كمال بل الكمال في إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة لإظهار عظمته كما أنه يعلم ولا يحاط به علماً، فكذا يرى ولا يحاط به رؤية. س٦ ـ أجب عن شبهة التقابل ـ وهي أن الله غبر قابل لهذه الصفات ـ من أربعة أوجه؟ ج ـ الجواب على ذلك في أربعة أوجه: وجهان على فرض المنع، ووجهان على فرض التسليم: • الوجه الأول على فرض المنع: وهو أن هذا الاصطلاح اصطلحتموه أنت والفلاسفة وإلا فإن الأصل أن ما يوصف بعدم الحياة يجوز وصفه

стр. 191

بالموت كما سمى الله الجمادات أمواتاً في قوله: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١] . وهكذا بقية الصفات. • الوجه الثاني على فرض المنع أيضاً: وهو أن كل موجود يقبل الاتصاف بهذه الصفات ونقائضها بقدرة الله كعصا موسى أصبحت حية، وهكذا طين عيسى كان يصير طيراً بإذن الله، وهكذا حنين الجذع عند النبي ﷺ . • الوجه الثالث على فرض التسليم: بأن الله تعالى لا يقبل هذه الصفات ونقائضها: من المعلوم أن الذي لا يقبل الاتصاف بها أصلاً أعظم نقصاً ممن يقبل الاتصاف بها مع الاتصاف بنقيضها، فالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بالعمى مثلاً أعظم نقصاً من الحي الأعمى مثلاً. • الوجه الرابع على فرض التسليم أيضاً: أن نفس نفي هذه الصفات نقص بقطع النظر عن تعيين الموصوف بها، فالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والفعل كلها كمال، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] ، وكما حكي عن إبراهيم قوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] ، وذم الله عجل قوم موسى بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُم﴾ [لأعراف: ١٤٨] فنفي هذه الصفات نقص وإثباتها كمال. فالله أحق بالاتصاف بها لأنه لو لم يتصف بها لكان المخلوق أكمل منه. س٧ ـ قارن بين مذهب من ينفي النقيضين ومن يصف الله بالنفي فقط؟ ج ـ أشار شيخ الإسلام هنا إلى طائفتين: الأولى: من ينفون عنه النقيضين: وهم الجهمية المحضة الغالية كالقرامطة الباطنية فيقولون: ليس بموجود ولا معدوم وهكذا. • الثانية: من يصفونه بالنفي فقط وهم الجهمية والمعتزلة، فيقولون: ليس بحي ولا سميع ولا بصير.

стр. 192

* ووجه المقارنة بينهما: ١ ـ أن الطائفة الأولى: أكفر من جهة أنهم شبهوه بالممتنعات، وهو أقبح من مجرد العدم. ٢ ـ والطائفة الثانية: أكفر من جهة أنهم لم يصرحوا بنفي النقائض عنه بل قالوا: ليس بحي، ولم يقولوا ليس بميت، فتنزيههم أقل من الطائفة الأولى التي صرحت بنفي النقائض عنه، فكل من الطائفتين أكفر من الأخرى من جهة. س٨ ـ ما معنى التحيز وما المراد به؟ وما الذي يقصده النفاة بقولهم: "إنه ليس بمتحيز"؟ وكيف تجيب عن هذه الشبهة؟ وناقش من قال بنفي التحيز أو إثباته؟ ج ـ التحيز: هو الوقوع في الحيز. والمراد به عند المتكلمين: هو الفراغ المتوهم الذي يشغله شيء ممتد كالجسم أو غير الممتد كالجوهر الفرد، وهو أعم من المكان عندهم، فإن المكان هو البعد الذي يشغله الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي. * ويقصد هؤلاء النفاة بهذه العبارة: أن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه. * والرد على هذه الشبهة بما رُدَّ به على القرامطة لأن كليهما سالب للنقيضين فإن أراد بالتحيز: ١ ـ أن الله تحوزه المخلوقات فهذا باطل لأن الله أكبر وأعظم بل قد وسع كرسيه السموات والأرض قال الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . ٢ ـ وإن أراد أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها منفصل عنها ليس حالاً فيها كما قال أئمة السلف وأهل السنة أن الله فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن من خلقه: فهذا صحيح.

стр. 193

س٩ ـ كيف ترد على من نفى العلو بحجة أن ذلك يستلزم التحيز؟ ج ـ يرد عليهم من وجهين: ١ ـ أن امتناع الخلو من هذين النقيضين عام لا يستثنى منه موجود فالتفريق بين المتحيز وغيره باطل. ٢ ـ أن التحيز المذكور يراد به معنيان: إما أن الأحياز تحيط به، فهذا هو الداخل في العالم، وإما أنه منحاز عن العالم، فهذا هو الخارج المباين وهو الذي يوصف الله به.

стр. 194

القاعدة الثانية حُكم ما يضاف إلى الله تعالى من الأسماء والصفات قال شيخ الإسلام: "القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به سواء عرفنا معناه أو لم نعرف؛ لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه. وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصاً في الكتاب والسنة، متفقاً عليه بين سلف الأمة. وما تنازع فيه المتأخرون نفياً وإثباتاً فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحداً على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده فإن أراد حقاً قُبلَ، وإن أراد باطلاً رُدَّ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقاً، ولم يرد جميع معناه، بل يُوقف اللفظ ويفسر المعنى كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك. فلفظ "الجهة" قد يُراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقاً، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السموات، وقد يُراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم. ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ "الجهة" ولا نفيه، كما فيه إثبات "العلو" و"الاستواء" و"الفوقية" و"العروج إليه" ونحو ذلك. وقد عُلِم أنه ما ثمّ موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين

стр. 195

للمخلوق ، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. فيُقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلاً في المخلوقات. أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم، بائنٌ من المخلوقات. وكذلك يُقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم، أم تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأولَ فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطلٌ. وكذلك لفظ "المتحيِّز"، إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: "يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض"١. وفي حديث آخر: "وإنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة"٢. وفي حديث ابن عباس: "ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يدِ أحدكم"٣. وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، منفصل عنها، ليس حالاً فيها، فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سمواته على عرشه، بائنٌ من خلقه".

стр. 196

معاني الكلمات: ما أخبر به الرسول: من الصفات كالنزول والضحك والمجيء وغير ذلك. هذا الباب: أي باب الأسماء والصفات. يوجد عامته منصوصاً في الكتاب والسنة: يخرج بذلك الإجماع فلا تثبت صفة إلا بنص. المتأخرون: هم أهل التعطيل وأهل التمثيل. عناصر الموضوع: ١ ـ موضوع القاعدة الثانية: موضوع القاعدة الثانية هي حكم ما يضاف إلى الله من الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة، وكذا ما أطلقه المتأخرون في الألفاظ وتنازعوا فيها. ٢ ـ على من يرد شيخ الإسلام بالقاعدة الثانية؟ يرد شيخ الإسلام بالقاعدة الثانية على طائفتين: ١ ـ الممثلة: حيث أطلقوا على الله ألفاظاً لم ترد في الكتاب والسنة كلفظ الجسم حيث يطلقه الكرامية على الله . ٢ ـ المعطلة: حيث أطلقوا على الله ألفاظاً لم ترد في الكتاب والسنة كلفظ الجهة والمتحيز وغير ذلك. ٣ ـ الصلة بين القاعدتين الأولى والثانية: الصلة بينهما: أن المؤلف ذكر عن المعطلة أنهم يقتصرون على صفات النفي فلا يصفونه إلا بالصفات السلبية، بدون كمال الضد، لذا توسعوا في إطلاق الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة أو التي هي نفي محض كما سبق بيان طريقتهم.

стр. 197

٤ـ شرح القاعد الثانية: تقدم أن القواعد المقررة في أصول أهل السنة والجماعة في الصفات التوقف على ما ورد، فما أخبر الله به في كتابه وأخبر به رسوله وجب علينا الإيمان به، سواء عرفنا معناه أم لم نعرفه، لأن خبر الله تعالى صادر عن علم تام، فهو أعلم بنفسه وبغيره، ولأن خبر الله أصدق الأخبار، ولأن الله تعالى يريد بما أنزل على عباده من الوحي أن يهتدوا ولا يضلوا، وهكذا خبر النبي ﷺ صادر عن علم، فهو ﵇ أعلم الناس بربه وأسمائه وصفاته وأحكامه. فقد اجتمع في خبر الله وخبر رسوله كمال العلم وكمال الصدق وكمال البيان وكمال القصد والإرادة، وهذه هي مقومات قبول الخبر. وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها وجب قبوله، وعامة هذا الباب "باب الأسماء والصفات" منصوص عليه بالكتاب والسنة متفق عليه بين سلف الأمة. ٥ ـ ما تدور عليه هذه القاعدة: مدار القاعدة على أن ما يذكر من الألفاظ في باب الأسماء والصفات نوعان: ١ ـ ما ورد في الكتاب والسنة وهذه يؤمن بها، ويعمل بمقتضاها. ٢ ـ ما لم يرد في الكتاب والسنة وهذه ألفاظ مجملة فيها حق وباطل، والواجب فيها الاستفصال، فيقبل الحق، ويرد الباطل، مع الإنكار على من يستعمل مثل هذه الألفاظ المجملة كما سيأتي قريباً. ٦ ـ ليس في كلام الله وكلام رسوله شيء لا يعرف له معنى: ليس في كلام الله وكلام رسوله شيء لا يعرف له معناه جميع الأمة، بل لا بد أن يكون معروفاً لجميع الأمة أو بعضها لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ، ولأنه لو كان فيه ما لا يعلم معناه أحد لكان بعض الشريعة مجهولاً للأمة.

стр. 198

٧ ـ حكم ما أخبر الرسول ﵇ عن ربه في باب الصفات: يجب الإيمان بما أخبر الرسول عن ربه في باب الصفات سواء عرفنا معناه أو لم نعرفه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٧.] وغيرها من الآيات ٨ ـ حكم الألفاظ التي لم ترد في الشرع وتنازع فيها المتأخرون: ما تنازع فيه المتأخرون مما ليس في الكتاب ولا في السنة ولا عند سلف الأمة فليس لأحد أن يثبته أو ينفيه، لعدم ورود السمع به، وليس له أن يقبل معناه أو يرده حتى يعلم المراد منه، فإن كان حقاً واجباً وجب قبوله، وإن كان باطلاً وجب رده. ولذلك أمثلة منها: أـ الجهة: أي لو قال قائل: إن الله في جهة، أو هل لله جهة؟ فإذا أجريناه على القاعدة قلنا: أما اللفظ فلا نثبته ولا ننفيه لعدم ورود ذلك، وأما المعنى فينظر ماذا يراد بالجهة: أيراد بالجهة شيء مخلوق محيط بالله ؟ فهذا معنى باطل؛ لأن الله لا يحيط به شيء من مخلوقاته، أم يراد بالجهة ما فوق العالم؟ فهذا حق ثابت فإن الله فوق خلقه عالٍ عليهم. ب ـ الحيز أو المتحيز: فإذا قال قائل: هل نصف الله بأنه متحيز أو في حيز؟ فإذا أجريناه على القاعدة قلنا: أما اللفظ فلا نثبته ولا ننفيه لعدم ورود ذلك، وأما المعنى فينظر ماذا يراد بالحيز أو المتحيز: أيراد بالحيز أن الله تعالى منحاز عن المخلوقات؟ أي مباين لها منفصل عنها ليس حالاًّ ولا هي حالة فيه؟ فهذا ثابت؛ لأن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه. أم يُراد بالحيز أن الله تحوزه المخلوقات وتحيط به؟ فهذا معنى باطل؛ لأن الله أعظم وأكبر من أن تحيط به المخلوقات. ٩ ـ الأسئلة والأجوبة الواردة على القاعدة الثانية: س١ ـ ما الموقف من هذه الألفاظ التي أحدثها المحدثون؟

стр. 199

ج ـ معلوم أن ما لم يرد به دليل شرعي فلا يثبت ولا ينفى حتى يعرف المراد، فإن كان المراد حقاً قُبل المعنى مع التوقف في إثبات اللفظ لعدم ورود الدليل فيه، وإن كان المعنى باطلاً رُدَّ كما رد اللفظ. س٢ ـ ما الواجب في الألفاظ المضافة إلى الله وورد بها الدليل الشرعي؟ ج ـ الواجب فيها الإيمان والتصديق سواء عرفنا معنى اللفظ أم لم نعرفه وذلك لأمور منها: ١ ـ لأن خبر الله تعالى أصدق الأخبار. ٢ ـ ولأن الله تعالى أخبر بهذه الألفاظ، وأنزل إلى عباده هذا الوحي وقد أراد بذلك الاهتداء لهم حتى لا يضلوا. ٣ ـ كمال البيان فقد أنزل القرآن بيناً واضحاً. ٤ ـ كمال القصد والإرادة. وهكذا خبر الرسول ﷺ صادر عن علم، فهو أعلم الناس بربه فقد اجتمع في خبر الله وخبر رسوله الأمور المذكورة آنفاً. س٣ ـ هل في كلام الله وكلام رسوله ﷺ شيء لا يعرف معناه؟ ج ـ ليس فيهما شيء لا يعرف معناه بل لا بد أن يكون معروفاً لجميع الأمة، أو لبعضها وهم العلماء وقد دلت على ذلك الأدلة الكثيرة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] . ثم لو كان فيهما شيء لا يعرف معناه لكان بعض الشريعة المتعبد بها مجهولة ولما قامت الحجة على الناس بإنزال الشرع. س٤ ـ ما الحكم في الألفاظ التي أحدثها المحدثون ولم يرد بها الدليل الشرعي؟ ج ـ الحكم فيها أنه ليس لأحد أن يثبت لفظاً أو ينفيه وذلك لعدم ورود الدليل به، وليس له أن يقبل معنى اللفظ أو يرده حتى يعلم المراد منه، فإن

стр. 200

كان المراد منه حقاً قُبل المعنى ويقال له عبّر عن هذا المعنى باللفظ الشرعي الوارد، وإن كان المعنى باطلاً وجب رده. * مثال ذلك لفظ: "الجهة والحيز والجسم" ـ فإن أرادوا بالجهة أن الله تعالى تحيط به الجهات فهذا منتف عن الله ، وإن أرادوا أن الله عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه فهذا المعنى صحيح. ـ والحيز: إن أرادوا به أن الله تحيط به المخلوقات فهذا منتفٍ عن الله ، وإن أرادوا أن الله مستوٍ على عرشه فهذا المعنى الصحيح. ـ والجسم إن أرادوا به الصفات التي وردت في الكتاب والسنة فهذا المعنى الصحيح، وإن أرادوا به البدن الكثيف فهذا منتف عن الله . س٥ ـ مما تنازع فيه المتأخرون لفظة "الجهة" بيّن ذلك، وما المقصود من هذا اللفظ؟ وهل جاء في الشرع إثبات الجهة أو نفيها؟ ناقش من قال بنفيها أو إثباتها مبيناً الصحيح مما تقول مع التعليل؟ ج ـ لفظ الجهة قد يراد به شيئان: موجود غير الله فيكون مخلوقاً كما إذا أريد بالجهة العرش أو السموات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى كما أريد بالجهة ما فوق العالم، فالأول وجودي والثاني عدمي. * ولفظ الجهة لم يرد في الكتاب ولا في السنة نفياً ولا إثباتاً. * المناقشة: يقال لمن نفي الجهة إن أردت بالجهة أنها شيء موجود مخلوق كالسموات فنفيك صحيح، لأن الله ليس داخلاً بالمخلوقات، وإن أردت بالجهة ما وراء العالم فنفيك باطل لأن الله فوق العالم مباين للمخلوقات، فكأنك قلت: إن الباري ليس بموجود وهذا باطل؛ لأنه لا موجود فوق العرش إلا الله تعالى. * وأما المثبت: فيقال له إن أردت بذلك أن الله فوق العالم عال على عرشه فهذا صحيح لأنك مثبت لوجود الله ومؤمن به. وإن أردت أن الله داخل

стр. 201

المخلوقات فهذا باطل لأنه ليس داخلاً في شيء من مخلوقاته. س٦ ـ هل هناك صفات وأسماء لله غير مذكورة في الكتاب والسنة؟ ج ـ نعم هناك صفات وأسماء لله استأثر بها في علم الغيب عنده.. كما دلت على ذلك النصوص في الكتاب والسنة ومنها حديث: "اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" رواه أحمد وهو حديث صحيح.

стр. 202

القاعدة الثالثة معنى ظاهر النصوص وحكم القول بأن ظاهرها مراد أم غير مراد قال شيخ الإسلام: "القاعدة الثالثة: إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد، أو ظاهرها ليس بمراد. فإنه يقال لفظ "الظاهر" فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد: أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد. ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهراً ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفراً وباطلاً، والله أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال. والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين: تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى يجعلوه محتاجاً إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك. وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل. فالأول: كما قالوا في قوله: "عبدي جُعتُ فلم تطعمني.." الحديث، وفي الأثر الآخر: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه"١، وقوله: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن"٢.

стр. 203

فقالوا: قد عُلم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق. فيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لا تدل إلا على حق. أما الحديث الواحد فقوله: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبّل"، صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه، لأنه قال: "يمين الله في الأرض"، وقال: "فمن قبَله وصافحه فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه" ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، ففي نص الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحاً لله، وأنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفراً، وأنه محتاج إلى التأويل، مع أن هذا الحديث إنما يُعرف عن ابن عباس. وأما الحديث الآخر فهو في الصحيح مفسَّراً: "يقول الله عبدي جعتُ فلم تطعمني. فيقول: ربِّ كيف أطعمك وأنت رب العلمين؟! فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، عبدي مرضتُ فلم تعدني. فيقول: ربِّ كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! فيقول أما علمتَ أن عبدي فلاناً مرض، فلو عُدتَه لوجدتني عنده"١. وهذا صريح في أن الله لم يمرض ولم يجعْ، ولكن مرض عبده وجاع عبده، فجعل جوعه جوعه، ومرضه مرضه، مفسَّراً ذلك بأنك "لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده". فلم يبقَ في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل. وأما قوله: "قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن" فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه. ولا في قول القائل: هذا بين يديّ. ما يقتضي مباشرته ليديه، وإذا قيل: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] لم يقتض أن يكون مماساً للسماء والأرض، ونظائر هذه كثيرة.

стр. 204

ومما يشبه هذا القول أن يُجعل اللفظ نظيراً لما ليس مثله، كما قيل في قوله: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [صّ: ٧٥] ، فقيل هو مثل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماًْ﴾ [يّس: ٧١] . فهذا ليس مثل هذا؛ لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي فصار شبيهاً بقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣.] ، وهناك أضاف الفعل إليه، فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ ثم قال: ﴿بِيَدَي﴾ . وأيضاً فإنه هناك ذكر نفسه المقدّسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ، وهنا أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع، فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] . وهذا في الجمع نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْك﴾ [الملك: ١] ، و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] في المفرد. فالله يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد، مظهراً أو مضمراً، وتارة بصيغة الجمع، كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [الفتح: ١] وأمثال ذلك، ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط؛ لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور، وهو مقدّس عن ذلك. فلو قال: ما منعك أن تسجد لما خلقتْ بيدي، كان كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ وهو نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْك﴾ و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ، ولو قال: خلقتُ بيِِدِي بصيغة الإفراد لكان مفارقاً له، فكيف إذا قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَي﴾ بصيغة التثنية. هذا، مع دلالة الأحاديث المستفيضة بل المتواترة وإجماع سلف الأمة على مثل ما دل عليه القرآن، كما هو مبسوط في موضعه، مثل قوله: "المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذي يعدلون في حكم وأهليهم وما وَلُوا"١. وأمثال ذلك.

стр. 205

وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع، فإن الله تعالى لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا. وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير. فكذلك إذا قالوا في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] ، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] ، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [لأعراف: ٥٤] : إنه على ظاهره، ولم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولا حباً كحبه، ولا رضاً كرضاه. فإن كان المستمع يظن أن ظاهره الصفات تماثل صفات المخلوقين، لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مراداً، وإن كان يعتقد أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ويختص به، لم يكن له نفي هذا الظاهر ونفي أن يكون مراداً إلا بدليل يدل على النفي، وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحداً. وبيان هذا: أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام، وهي أبعاض لنا، كالوجه واليد، ومنها ما هي معان وأعراض، وهي قائمة بنا، كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة. ثم إن من المعلوم أن الربّ لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير، لم يقل المسلمون: أن ظاهر هذا غير مراد لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا، فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه، لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا، بل صفة الموصوف تناسبه. فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته كذاته

стр. 206

ليست مثل صفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه، كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه، كما قال النبي ﷺ : "ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر"، فشبَّه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي". معاني الكلمات: إذا قال قائل: القائل هو المعطل أشعرياً كان أو معتزلياً. الظاهر: المراد بظاهر الكلام هو المعنى الذي يتبادر إلى الذهن ويسبق إلى الأفهام أو هو المعنى الراجح من الكلام، ويراعى في معرفة الظاهر أمور منها: ١ـ دلالة اللفظ، ٢ ـ دلالة السياق، ٣ ـ حال المتكلم، ٤ ـ سائر القرائن المحتفة. عناصر الموضوع: ١ ـ المراد بالظاهر عند أهل السنة والجماعة: المراد بالظاهر عند أهل السنة والجماعة إثبات الصفات الواردة في الكتاب والسنة إثباتاً بلا كيف، وتنزيه الخالق عن مشابهة الخلق، مع قطع الطمع في إدراك الكيفية. ٢ ـ حمل نصوص الصفات على ظاهرها اللائق بالله أمرٌ متعين حمل نصوص الصفات على ظاهرها اللائق بالله أمرٌ متعين دلّ على ذلك ما يلي: أـ وصف الله القرآن بالبيان والهدى كما في قول الله ﵎: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ، فالآية تفيد أن القرآن بيَّن، ومن جملة ما بيّنه الله تعالى في القرآن نصوص الصفات. ب ـ لو كان ظاهر نصوص الصفات غير مراد لجاء البيان بذلك، ومعلوم

стр. 207

أنه لم يأت نصٌ شرعي واحد يصرف نصوص الصفات عن ظاهرها. ٣ ـ الصحابة ﵃ فهموا أن ظاهر نصوص الصفات مراد: الصحابة ﵃ فهموا أن ظاهر نصوص الصفات مراد وهو اللائق بالله ، وهذا واضحٌ من أقوالهم، فمن جملة ما قالوه في هذا الباب: قول زينب ﵂ عن صفة علو الله تعالى: " زوجكنَّ أهاليكُن وزوّجني الله تعالى من فوق سبع سموات"١. وقول عائشة ﵂ في كلام الله: "ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يُتلى"٢، وكقولها ﵂ في السمع: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات"٣، إلى غير ذلك من نصوص الصحابة في هذا الباب. ٤ ـ موضوع القاعدة الثالثة: معنى ظاهر النصوص وحكم القول بأن الظاهر مراد أو غير مراد. ٥ ـ أول من قال: ظاهر النص غير مراد: أول من قال: إن ظاهر نصوص الصفات غير مرادهم الجهمية ثم تبعهم المعتزلة وسائر فرق المعطلة، أما الباطنية فزعمت أن نصوص الأحكام غير مراد، والفلاسفة ادعت أن نصوص المعاد على غير ظاهرها، قال التلمساني: "القرآن كله شرك وإنما التوحيد في كلامنا" انظر مجموع الفتاوى (٢\١٢٧) . ٦ ـ على من يرد شيخ الإسلام بالقاعدة الثالثة؟ يرد شيخ الإسلام بالقاعدة الثالثة على عامة المتكلمين في دعواهم أن ظاهر نصوص الصفات هو التمثيل بصفات المخلوقين، فظاهرها الكفر

стр. 208

عندهم١كما قال الصاوي٢ في حاشيته على الجلالين: "لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر"٣؛ لذا قال الشنقيطي في ردِّه عليه: "أما قوله: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر فهذا أيضاً من أشنع الباطل وأعظمه، وقائله من أعظم الناس انتهاكاً لحرمة الكتاب وسنة رسوله ﷺ ، ولا يصدر ألبتة عن عالم بكتاب الله وسنة رسوله، وإنما يصدر عمن لا علم له بالكتاب والسنة أصلاً"٤ ٧ ـ الصلة بين القاعدتين الثالثة والثانية: تقدم في القاعدة الثانية أن بين الشيخ حكم الألفاظ المجملة، وما تنازع فيه المتأخرون من ألفاظ، هذا ومما تنازع فيه المتأخرون من ألفاظ: ظاهر نصوص الصفات هل هي مرادة أم ليست بمرادة؟ وبهذا نستطيع أن نحكم على من أطلق بأن ظاهر النصوص مراد أم غير مراد بأن لفظ الظاهر لم يرد فيتوقف فيه وأما المعنى فيستفصل عنه. ٨ ـ شرح القاعدة الثالثة: الواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف ولا سيما نصوص الصفات، حيث لا مجال للرأي فيها، ودليل ذلك السمع والعقل. • أما السمع: فقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ*عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ*بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ـ١٩٥] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] ، وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي.

стр. 209

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] . • وأما العقل: لأن المتكلم بهذه أعلم من غيره وقد خاطبنا باللسان العربي المبين فوجب قبوله على ظاهره وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة. قال ابن قتيبة ﵀: "الواجب علينا أن ننتهي في صفات الله إلى حيث انتهى في صفته أو حيث انتهى رسوله، ولا نزيل اللفظ عما تعرفه العرب ونضعه عليه ونمسك عما سوى ذلك"١ ٩ ـ ما تدور عليه هذه القاعدة: مدار هذه القاعدة في الإجابة على مسألتين: ١ ـ بيان معنى ظاهر النصوص. ٢ ـ حكم من أطلق أن ظاهر النصوص مراد أم غير مراد. ١٠ ـ حكم من قال: إن نصوص الصفحات لايجوز إجرا ؤها على ظاهرها لأن ظاهرها غير مراد: من قال: إن نصوص الصفات لا يجوز إجراؤها بظاهرها يقال له: ماذا تريد بالظاهر؟ أتريد بالظاهر: ما يظهر من النصوص من المعاني اللائقة بالله من غير تمثيل؟ فهذا الظاهر مراد الله ورسوله قطعاً ويجب الإيمان به شرعاً، لأنه حق. أم تريد بالظاهر ما فهمته من التمثيل؟ فهذا غير مراد؛ لأن هذا الظاهر الذي فهمته كفر وباطل بالنص والإجماع، والصواب الذي لا خطأ فيه أن ظاهرها: أي نصوص الصفات مراد وأنه لائق بالله وعظمته. المقصود أن نستفصل من قائل هذه المقالة، ما مرادك بالظاهر؟ ١١ ـ غلط من يجعل ظاهر نصوص الصفات تمثيلاً: من يجعل ظاهر نصوص الصفات هو التمثيل يغلطون من وجهين:

стр. 210

١ ـ يجعلون المعنى الفاسد الكفري هو الظاهر ثم يجعلونه محتاجاً إلى التأويل. ٢ ـ قد يفسرون الظاهر بمعنى صحيح لكنهم يردونه لاعتقادهم أنه باطل. ١٢ ـ أمثلة لمن يجعل المعنى الفاسد هو ظاهر نصوص الصفات: من يجعل ظاهر نصوص الصفات هو التمثيل يكون خطؤه على وجهين: ١ ـ أن يفسروا النص بمعنى فاسد لا يدل عليه اللفظ فينكرونه لذلك ويقولون: إن ظاهره غير مراد. مثال ذلك: قوله تعالى في الحديث القدسي: "يا ابن آدم مرضت فلم تعدني.." الحديث رواه مسلم. قالوا: فظاهر الحديث أن الله يمرض وهذا معنى فاسد، فيكون غير مراد. فنقول هذا المعنى الفاسد ليس ظاهر اللفظ؛ لأن سياق الحديث يمنع ذلك فقد جاء مفسراً بقوله: "أما علمت أن عبدي فلاناً فلم تعده"، وهذا صريح في أن الله لم يمرض وإنما حصل المرض لعبدٍ من عباده. مثال آخر: في الأثر: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه". من حديث ابن عباس مرفوعاً. قالوا: فظاهر الأثر أن الحجر الأسود نفسه يمين الله في الأرض، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد فنقول: الحجر الأسود ليس يمين الله؛ لأنه قال يمين الله في الأرض، فقيده بأنه في الأرض، ومعلوم أن الله في السماء، وقال: "فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه" ومعلوم أن المشبه غير المشبه به. ٢ ـ أن يفسروا اللفظ بمعنى موافق لظاهره لكن يريدونه لاعتقادهم أنه باطل عندهم وليس بباطل عندنا مثال ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قالوا: ظاهر الآية أن الله علا على العرش والعرش محدود، فلزم أن يكون الله محدوداً، وهذا معنى فاسد غير مراد.

стр. 211

فنقول: إن الله علا على عرشه علواً يليق بجلاله وعظمته، ولا يماثل علو المخلوق على المخلوق ولا يلزم منه أن يكون الله محدوداً وهو علو يختص بالعرش، والعرش أعلى المخلوقات فيكون الله تعالى عالياً على كل شيء، وهذا من كماله فكيف يكون المعنى فاسداً غير مراد؟ مثال آخر: قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] . قالوا: فظاهر الآية أن لله تعالى يدين حقيقيتين وهما جارحتان، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد. فنقول: إن ثبوت اليدين الحقيقيتين لله لا يستلزم معنى فاسداً، فإن لله تعالى يدين حقيقيتين تليقان بجلاله وعظمته بهما يأخذ وبهما يقبض ولا تماثلان أيدي المخلوقين، وهذا من كماله وكمال صفاته. مثال آخر اجتمع فيه الخطأ من الوجهين: مثال: قوله ﷺ : "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء". رواه مسلم. فقالوا على الوجه الأول: ظاهر الحديث أن قلوب بني آدم بين أصابع الرحمن فيلزم منه المباشرة والمماسة، وأن تكون أصابع الله سبحانه داخل أجوافنا، وهذا فاسد فيكون غير مراد. وقالوا على الوجه الثاني: ظاهر الحديث أن لله أصابع حقيقية والأصابع جوارح، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد. فالجواب: • أولاً: نقول على الوجه الأول: قد دلّ السمع والعقل على أن الله بائن من خلقه ولا يحل في شيء من خلقه ولا يحل فيه شيء من خلقه، وأجمع السلف على ذلك. • ثانياً: أن البينية لا تستلزم المباشرة والمماسة فيما بين المخلوقات كقوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْض﴾ [البقرة: ١٦٤] ،

стр. 212

فإن السحاب لا يباشر السماء ولا الأرض فكيف البينية فيما بين المخلوق والخالق الذي وسع كرسيه السموات والأرض. ونقول على الوجه الثاني: إن ثبوت الأصابع الحقيقية لله تعالى لا يستلزم معنى فاسداً فإن لله تعالى أصابعاً تليق به ، ولا تماثل أصابع المخلوقين. ١٣ ـ الفرق بين قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ : الفرق بينهما ثابت من وجوه: • الأول: من حيث الصيغة، فلو كانت الآية الثانية نظيرة للأولى لكان لفظها: لما خلقت يداي فيضاف الخلق إليهما، كما أضيف العمل إليها. • الثاني: أن الله تعالى أضاف في الآية الأولى الفعل إلى نفسه معدى بالباء إلى اليدين فكان سبحانه هو الخالق وكان خلقه بيده. وأما الآية الثانية: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فأضاف الفعل فيها إلى الأيدي المضافة إليه وإضافة الفعل إلى الأيدي كإضافته إلى النفس. • الثالث: أن الله تعالى أضاف الفعل في الآية الأولى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ معدى بالباء إلى يدين اثنتين، ولا يمكن أن يراد بهما نفسه لدلالة التثنية على عدد محصور باثنين، والرب جلَّ وعلا إله واحد. وأما الآية الثانية فأضاف الفعل إلى الأيدي المضافة إليه مجموعة للتعظيم فصار المراد بها نفسه المقدسة. ١٤ ـ ظواهر نصوص الصفات ليست تشبيهاً: زعم كثير من المعطلة أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها غير لائقة بالله، لأن ظواهرها المتبادرة منها ما هو تشبيه صفات الله بصفات خلقه، وعقد ذلك المقري في إضاءته في قوله: والنص إن أوهم غير اللائقف بالله كالتشبيه بالخلائق

стр. 213

اصرفه عن ظاهره إجماعاً واقطع عن الممتنع الأطماعا١.٢وكذا قال صاحب الجوهرة: وكلَّ نصٍّ أوهم التشبيها أوِّله أو فوِّض ورُمْ تنزيها٣ومعنى هذا أن كل نص في القرآن الكريم والسنة النبوية فيه صفة الله ، ويوهم المشابهة بصفات المخلوقين بزعمهم يصرف عن ظاهره. وهذه الدعوى باطلة بل هي من أعظم الافتراء على آيات الله تعالى وأحاديث رسوله ﷺ ، والواقع في نفس الأمر أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها المتبادرة منها لكل مسلم راجع عقله هي مخالفة صفات الله لصفات خلقه، ولا بد أن نتساءل هنا فنقول: أليس الظاهر المتبادر مخالفة الخالق للمخلوق في الذات والصفات والأفعال؟ والجواب الذي لا جواب غيره: بلى، وهل تشابهت صفات الله مع صفات خلقه حتى يقال: إن اللفظ الدال على صفته تعالى ظاهرهُ المتبادر منه تشبيهه بصفة الخلق؟ فبأي وجه يتصور عاقل أن لفظاً أنزله الله في كتابه مثلاً دالاً على صفة من صفات الله أثنى بها الله تعالى على نفسه يكون ظاهرها المتبادر منه مشابهته لصفة الخلق؟ سبحانك.. هذا بهتان عظيم، فالخالق والمخلوق متخالفان كل التخالف، وصفاتهما متخالفة كل التخالف، فبأي وجه يعقل دخول صفة المخلوق في اللفظ الدال على صفة الخالق؟ أو دخول صفة الخالق في اللفظ الدال على صفة المخلوق مع كمال المنافاة بين الخالق والمخلوق؟ فكل لفظ دلّ على صفة الخالق ظاهره المتبادر منه أن يكون لائقاً بالخالق

стр. 214

منزهاً عن مشابهة صفات المخلوق، كذلك اللفظ الدال على صفة المخلوق لا يعقل أن تدخل فيه صفة الخالق١. ١٥ ـ اللوازم التي تلزم المعطلة في دعواهم: أن ظواهر نصوص الصفات تشبيه: من زعم أن ظاهر نصوص الصفات تشبيهٌ، فحقيقة هذا القول: أن الله وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم الكفر بالله والقول فيه بما لا يليق به جل وعلا. والنبي ﷺ الذي قيل له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] لم يبين حرفاً واحداً من ذلك، مع إجماع من يعتد به من العلماء على أنه ﷺ لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وأحرى في العقائد ولا سيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين، حتى جاء هؤلاء الجهلة من المتأخرين، فزعموا أن الله أطلق على نفسه الوصف بما ظاهره المتبادر منه لا يليق، والنبي ﷺ كتم أن ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب صرف اللفظ عنه، وكل هذا من تلقاء أنفسهم من غير اعتماد على كتاب أو سنة سبحانك هذا بهتان عظيم، ولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلال ومن أعظم الافتراء على الله ، ورسوله ﷺ . ١٦ ـ السبب الذي جعل المعطلة يقولون إن ظواهر نصوص الصفات هو التشبيه: السبب الذي جعل هؤلاء المعطلة يقولون: إن ظاهر نصوص الصفات هو التشبيه وهو لا يليق بالله، لأنه كفر بزعمهم، وإنما جرهم إلى ذلك تنجس قلوبهم في قذر التشبيه بين الخالق والمخلوق فأدّاهم شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله ، وعدم الإيمان بها وهم مشبهة أولاً ومعطلة

стр. 215

ثانياً، فارتكبوا ما لا يليق بالله ايتداء وانتهاء ولو كانت قلوبهم عارفة بالله كما ينبغي معظمين الله كما ينبغي، طاهرة من أقذار التشبيه، لكان المتبادر عندهم السابق إلى فهمهم: أن وصف الله جل وعلا بالغ من الكمال والجلال مما يقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فتكون قلوبهم مستعدة للإيمان بصفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن والسنة النبوية الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الله الخالق على نحو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ١. لذا قال الإمام الذهبي في حق أمثال هؤلاء: "صار الظاهر اليوم ظاهرَين أحدهما: حقٌّ، والثاني: باطلٌ. فالحق أن يقول: إنه سميع بصير، مريد متكلم حي عليم، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيديه وكلم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم خليلاً، وأمثال ذلك؛ فنمرّه على ما جاء، ونفهم منع دلالة الخطاب كما يليق به تعالى ولا نقول: تأويل يخالف ذلك. والظاهر الآخر وهو الباطل والضلال: أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد وتمثل البارئ بخلقه، تعالى عن ذلك، بل صفاته كذاته فلا عدل له ولا ضد له ولا نظير له ولا مثل له، ولا شبيه له وليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته"٢. ١٧ ـ التفويض عند المتكلمين: هو ما جمع الأمور الآتية: ١ ـ أن ظاهر النصوص الواردة في الصفات غير مراد لأن ظاهرها التشبيه.
следующие страницы →