فنقول: إن الله علا على عرشه علواً يليق بجلاله وعظمته، ولا يماثل علو المخلوق على المخلوق ولا يلزم منه أن يكون الله محدوداً وهو علو يختص بالعرش، والعرش أعلى المخلوقات فيكون الله تعالى عالياً على كل شيء، وهذا من كماله فكيف يكون المعنى فاسداً غير مراد؟
مثال آخر: قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] .
قالوا: فظاهر الآية أن لله تعالى يدين حقيقيتين وهما جارحتان، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
فنقول: إن ثبوت اليدين الحقيقيتين لله لا يستلزم معنى فاسداً، فإن لله تعالى يدين حقيقيتين تليقان بجلاله وعظمته بهما يأخذ وبهما يقبض ولا تماثلان أيدي المخلوقين، وهذا من كماله وكمال صفاته.
مثال آخر اجتمع فيه الخطأ من الوجهين:
مثال: قوله ﷺ : "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء". رواه مسلم.
فقالوا على الوجه الأول: ظاهر الحديث أن قلوب بني آدم بين أصابع الرحمن فيلزم منه المباشرة والمماسة، وأن تكون أصابع الله سبحانه داخل أجوافنا، وهذا فاسد فيكون غير مراد.
وقالوا على الوجه الثاني: ظاهر الحديث أن لله أصابع حقيقية والأصابع جوارح، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
فالجواب:
• أولاً: نقول على الوجه الأول: قد دلّ السمع والعقل على أن الله بائن من خلقه ولا يحل في شيء من خلقه ولا يحل فيه شيء من خلقه، وأجمع السلف على ذلك.
• ثانياً: أن البينية لا تستلزم المباشرة والمماسة فيما بين المخلوقات كقوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْض﴾ [البقرة: ١٦٤] ،
стр. 212
فإن السحاب لا يباشر السماء ولا الأرض فكيف البينية فيما بين المخلوق والخالق الذي وسع كرسيه السموات والأرض.
ونقول على الوجه الثاني: إن ثبوت الأصابع الحقيقية لله تعالى لا يستلزم معنى فاسداً فإن لله تعالى أصابعاً تليق به ، ولا تماثل أصابع المخلوقين.
١٣ ـ الفرق بين قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ :
الفرق بينهما ثابت من وجوه:
• الأول: من حيث الصيغة، فلو كانت الآية الثانية نظيرة للأولى لكان لفظها: لما خلقت يداي فيضاف الخلق إليهما، كما أضيف العمل إليها.
• الثاني: أن الله تعالى أضاف في الآية الأولى الفعل إلى نفسه معدى بالباء إلى اليدين فكان سبحانه هو الخالق وكان خلقه بيده.
وأما الآية الثانية: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فأضاف الفعل فيها إلى الأيدي المضافة إليه وإضافة الفعل إلى الأيدي كإضافته إلى النفس.
• الثالث: أن الله تعالى أضاف الفعل في الآية الأولى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ معدى بالباء إلى يدين اثنتين، ولا يمكن أن يراد بهما نفسه لدلالة التثنية على عدد محصور باثنين، والرب جلَّ وعلا إله واحد.
وأما الآية الثانية فأضاف الفعل إلى الأيدي المضافة إليه مجموعة للتعظيم فصار المراد بها نفسه المقدسة.
١٤ ـ ظواهر نصوص الصفات ليست تشبيهاً:
زعم كثير من المعطلة أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها غير لائقة بالله، لأن ظواهرها المتبادرة منها ما هو تشبيه صفات الله بصفات خلقه، وعقد ذلك المقري في إضاءته في قوله:
والنص إن أوهم غير اللائقف
بالله كالتشبيه بالخلائق
стр. 213
اصرفه عن ظاهره إجماعاً
واقطع عن الممتنع الأطماعا١.٢وكذا قال صاحب الجوهرة:
وكلَّ نصٍّ أوهم التشبيها
أوِّله أو فوِّض ورُمْ تنزيها٣ومعنى هذا أن كل نص في القرآن الكريم والسنة النبوية فيه صفة الله ، ويوهم المشابهة بصفات المخلوقين بزعمهم يصرف عن ظاهره.
وهذه الدعوى باطلة بل هي من أعظم الافتراء على آيات الله تعالى وأحاديث رسوله ﷺ ، والواقع في نفس الأمر أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها المتبادرة منها لكل مسلم راجع عقله هي مخالفة صفات الله لصفات خلقه، ولا بد أن نتساءل هنا فنقول: أليس الظاهر المتبادر مخالفة الخالق للمخلوق في الذات والصفات والأفعال؟
والجواب الذي لا جواب غيره: بلى، وهل تشابهت صفات الله مع صفات خلقه حتى يقال: إن اللفظ الدال على صفته تعالى ظاهرهُ المتبادر منه تشبيهه بصفة الخلق؟
فبأي وجه يتصور عاقل أن لفظاً أنزله الله في كتابه مثلاً دالاً على صفة من صفات الله أثنى بها الله تعالى على نفسه يكون ظاهرها المتبادر منه مشابهته لصفة الخلق؟
سبحانك.. هذا بهتان عظيم، فالخالق والمخلوق متخالفان كل التخالف، وصفاتهما متخالفة كل التخالف، فبأي وجه يعقل دخول صفة المخلوق في اللفظ الدال على صفة الخالق؟ أو دخول صفة الخالق في اللفظ الدال على صفة المخلوق مع كمال المنافاة بين الخالق والمخلوق؟
فكل لفظ دلّ على صفة الخالق ظاهره المتبادر منه أن يكون لائقاً بالخالق
стр. 214
منزهاً عن مشابهة صفات المخلوق، كذلك اللفظ الدال على صفة المخلوق لا يعقل أن تدخل فيه صفة الخالق١.
١٥ ـ اللوازم التي تلزم المعطلة في دعواهم: أن ظواهر نصوص الصفات تشبيه:
من زعم أن ظاهر نصوص الصفات تشبيهٌ، فحقيقة هذا القول: أن الله وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم الكفر بالله والقول فيه بما لا يليق به جل وعلا.
والنبي ﷺ الذي قيل له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] لم يبين حرفاً واحداً من ذلك، مع إجماع من يعتد به من العلماء على أنه ﷺ لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وأحرى في العقائد ولا سيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين، حتى جاء هؤلاء الجهلة من المتأخرين، فزعموا أن الله أطلق على نفسه الوصف بما ظاهره المتبادر منه لا يليق، والنبي ﷺ كتم أن ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب صرف اللفظ عنه، وكل هذا من تلقاء أنفسهم من غير اعتماد على كتاب أو سنة سبحانك هذا بهتان عظيم، ولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلال ومن أعظم الافتراء على الله ، ورسوله ﷺ .
١٦ ـ السبب الذي جعل المعطلة يقولون إن ظواهر نصوص الصفات هو التشبيه:
السبب الذي جعل هؤلاء المعطلة يقولون: إن ظاهر نصوص الصفات هو التشبيه وهو لا يليق بالله، لأنه كفر بزعمهم، وإنما جرهم إلى ذلك تنجس قلوبهم في قذر التشبيه بين الخالق والمخلوق فأدّاهم شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله ، وعدم الإيمان بها وهم مشبهة أولاً ومعطلة
стр. 215
ثانياً، فارتكبوا ما لا يليق بالله ايتداء وانتهاء ولو كانت قلوبهم عارفة بالله كما ينبغي معظمين الله كما ينبغي، طاهرة من أقذار التشبيه، لكان المتبادر عندهم السابق إلى فهمهم: أن وصف الله جل وعلا بالغ من الكمال والجلال مما يقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فتكون قلوبهم مستعدة للإيمان بصفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن والسنة النبوية الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الله الخالق على نحو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ١.
لذا قال الإمام الذهبي في حق أمثال هؤلاء: "صار الظاهر اليوم ظاهرَين أحدهما: حقٌّ، والثاني: باطلٌ.
فالحق أن يقول: إنه سميع بصير، مريد متكلم حي عليم، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيديه وكلم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم خليلاً، وأمثال ذلك؛ فنمرّه على ما جاء، ونفهم منع دلالة الخطاب كما يليق به تعالى ولا نقول: تأويل يخالف ذلك.
والظاهر الآخر وهو الباطل والضلال: أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد وتمثل البارئ بخلقه، تعالى عن ذلك، بل صفاته كذاته فلا عدل له ولا ضد له ولا نظير له ولا مثل له، ولا شبيه له وليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته"٢.
١٧ ـ التفويض عند المتكلمين:
هو ما جمع الأمور الآتية:
١ ـ أن ظاهر النصوص الواردة في الصفات غير مراد لأن ظاهرها التشبيه.
стр. 216
٢ ـ أن النصوص مجهولة المعاني بالنسبة للخلق.
٣ ـ تفويض علم معاني الصفات لله تعالى.
٤ ـ الإيمان عندهم بالصفات وهو مجرد الإيمان بألفاظ الصفات الواردة دون ما تضمنه من معاني مجهولة غير معلومة.
١٨ ـ الأسئلة والأجوبة الواردة على القاعدة الثالثة:
س١ ـ ما مذهب عامة السلف في ظاهر النصوص وما قول المخالفين؟
ج ـ مذهب عامة السلف رضوان الله عليهم إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها.
أما قول المخالفين وهم عامة المتكلمين فهو إن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين فظاهرها الكفر عندهم.
س٢ ـ ما حكم القول بأن ظاهر النصوص مراد أو غير مراد؟
ج ـ الحكم في ذلك على وجهين:
• الوجه الأول: إن كان يعتقد أن الظاهر هو التمثيل فلا ريب أنه غير مراد لكنه ليس هو الظاهر.
• الوجه الثاني: وإن كان يعتقد باعتقاد السلف وهو أن الظاهر على ما يليق بالله فهو مراد.
س٣ ـ أجب عما استدل به المتكلمون على أن ظاهر النصوص محال وأدلتهم هي ما يلي:
ج ـ ١ ـ "الحجر الأسود يمين الله في أرضه فمن صافحه وقبّله فكأنما صافح الله وقبّل يمينه".
٢ ـ "عبدي مرضت فلم تعدني ... وجعت فلم تطعمني ... ".
٣ ـ "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن".
* الجواب على الدليل الأول:
أولاً: أن الحديث ضعيف كما قاله المحققون قال شيخ الإسلام:
стр. 217
لا يثبت. وقال ابن الجوزيّ: لا يصح، وقال ابن العربي المالكي: هذا حديث باطل فلا يلتفت إليه، وإنما المشهور عن ابن عباس، مع أن في إسناده ضعفاً كذلك. وضعّفه الألباني في السلسة وقال: منكر (١/٣٩.) .
ثانياً: على فرض صحته، فليس ظاهره أن الحجر الأسود يد الله اليمنى لوجهيتن:
أـ أنه قال: "يمين الله في أرضه ... " فقيده بالأرض وحكم المقيد يخالف حكم المطلق، فإن الله تعالى في السماء، فهذا كما يقول الأمير: فلان يميني في الشام وهكذا.
ب ـ أنه قال: "فمن صافحه وقبّله فكأنما ... " فهنا تشبيه، ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به، فظاهر الحديث أن مصافح الحجر ومقبِّله ليس مصافحاً لله وليس الحجر يمين الله، فكيف يقال: إن الظاهر كفر غير مراد فيحتاج إلى تأويل.
* الجواب على الدليل الثاني:
أن ظاهر الحديث هو أن الله يمرض ويجوع.
ودليل بطلانه ما يلي:
أن الحديث صريح في أن الله لم يمرض ولم يجع وإنما مرض عبده وجاع عبده، كما في قوله: "أما علمت أن عبدي فلاناً جاع ... " فالظاهر هو مجموع الحديث لا آحاد ألفاظه، ولا يجوز الحكم على أول الكلام دون بقيته كما في قوله تعالى:
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ*الَّذِينَ هُمْ ... ﴾ [الماعون: ٤ـ٥] فيجب تفسيرها بما بعدها. وقوله: "فلو عدته لوجدتني عنده" هذه العندية تتضمن القرب والمعية الخاصة والرعاية ولا تتحقق إلا في العبد المؤمن دون الكفار والفاجر، ولم يقل في الإطعام: "لوجدتني عنده"، وإنما قال: "لوجدت ذلك عندي"، أي الأجر والثواب مما يدل على أن الإطعام عام للمؤمن والكافر، أما المعية فخاصة للمؤمن المريض.
стр. 218
* الجواب على الدليل الثالث:
هو أن الشبهة التي استدلوا بها وهي أن ظاهر الحديث أن الأصابع في جوف القلب، والقلب متصل بها مماس لها وهو محال محتاج إلى تأويل. نقول: ليس هذا هو الظاهر، وإذا قال قائل: "هذا بين يدي" لم يدل على المباشرة والمماسة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] فإنه لا يقتضي مماسة السحاب للسماء ولا للأرض فهو بين السماء والأرض، فإذا ثبتت هذه البينية بين المخلوق والمخلوق فالبينية بين المخلوق والخالق الذي وسع كرسيه السموات والأرض أولى بذلك.
س٤ ـ ما أوجه الفرق بين قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [صّ: ٧٥] وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يّس: ٧١] ؟
ج ـ الفرق بينهما من وجهين:
• الوجه الأول ـ في قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ أضاف الفعل إلى الأيدي فهي مثل قوله: ﴿َفبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣.] . وفي قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أضاف الفعل إلى نفسه..
• الوجه الثاني ـ في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ عدى الفعل بالباء إلى اليدين فكان سبحانه هو الخالق وكان خلقه بيده، كقولنا كتبت بالقلم، فالكاتب هو الفاعل والقلم هو الذي حصلت به الكتابة، ولم يقل: "لما خَلَقَتْ يداي"، فلو قال ذلك لكان كقوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ .
* فهذه الفروق اللفظية أدّت إلى الاختلاف في المعنى فكانت الأولى لإثبات خلق آدم ﵇ باليدين، والثانية لإثبات مطلق الخلق.
س٥ ـ يقول المتكلمون النافون للصفات: إن قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [صّ: ٧٥] هو مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً﴾ [يّس: ٧١] . فما الغرض في التسوية عندهم؟ وما الجواب عليهم؟
ج ـ الغرض من التسوية عندهم هو أنهم يريدون بذلك نفي اليدين لأنهم
стр. 219
يقولون إن آدم لم يخلق باليدين كما أن الأنعام لم تخلق باليدين، وإنما الإضافة في الآيتين مجاز، وهذه الشبهة من تأسيسات المريسي وتابعه عليها شيوخ المعتزلة والأشاعرة وغيرهم.
والجواب أن بين الآيتين فروقاً، وليست هذه الآية مثل تلك. وقد ذكرنا أوجه الفروق بين الآيتين في السؤال السابق. فراجعه إن شئت.
س٦ ـ اذكر أدلة إثبات اليدين لله من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة؟
ج ـ الأدلة على إثبات اليدين لله تعالى كثيرة جداً من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة:
أولاً: من الكتاب قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [صّ: ٧٥] ، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] .
ثانياً: من السنة:
١ ـ قوله ﷺ : "المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين" أخرجه مسلم (ح١٨٢٧) .
٢ ـ قوله ﷺ في حديث الشفاعة: "يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده" رواه البخاري (٣٣٤.) ومسلم (١٩٤) .
ثالثاً: إجماع السلف:
١ ـ قال الإمام أبو الحسن الأشعري: "أجمعوا على أنه يسمع ويرى وأن له تعالى يدين مبسوطتين، وأن الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه من غير أن يكون جوازاً ... " أي مجازاً.
٢ ـ وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "باب ذكر إثبات اليدين للخالق الباري جل وعلا والبيان أن الله تعالى له يدان كما أعلمنا في محكم تنزيله ... " ثم ذكر الأدلة على ذلك.
٣ ـ وقال الإمام الإسماعيلي: "وخلق آدم بيده ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء بلا اعتقاد كيف يداه إذا لم ينطق كتاب الله تعالى فيه بكيف".
стр. 220
س٧ ـ كيف تناقش الأشاعرة في دعواهم أن ظواهر النصوص التمثيل؟
ج ـ إذا قال الأشعري: إن الظاهر مراد أو غير مراد يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها بين أهل السنة والأشاعرة كنصوص (المحبة والغضب والاستواء وغيرها) . مثل النصوص المتفق على معناها كالصفات السبع فله أحد احتمالين:
• الأول: إن كان يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين لزمه ألا يكون شيء من ظاهر النصوص مراد سواء المتنازع فيها أو المتفق عليها فيلزمه نفي الجميع.
• الثاني: وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما هو ما يليق بالخالق ويختص به لم يكن له نفي هذا الظاهر ونفي أن يكون مراده، إلا بدليل يدل على النفي، وليس في العقل ولا في السمع ما ينافي هذا إلا من جنس ما ينافي سائر الصفات فالكلام فيها واحد، أما أن يفرق بين الصفات السبع وغيرها فتناقض كما سبق.
س٨ ـ هل ثبت أن الإمام أحمد بن حنبل أوَّل هذه النصوص وهي: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض"، و"قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن"، و"إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن" وكيف ترد على من زعم ذلك؟
ج ـ الرد عليهم ما يلي:
١ ـ أن هذه النصوص المذكورة نقلها أبو حامد الغزالي عن أحد الحنابلة عن الإمام أحمد، وهذا الكلام الذي ذكره الغزالي كذب على الإمام أحمد، فإن الإمام الغزالي قليل التمييز بين ما ينقله باعترافه حيث قال: "وبضاعتي في الحديث مزجاة".
٢ ـ قال شيخ الإسلام: "فهذه الحكاية كذب على الإمام أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد، ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه، وهذا
стр. 221
الحنبلي الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول، لا يعرف علمه بما قال، ولا صدقه فيما قال"
٣ ـ ثم إن مذهب الإمام أحمد من الصفات معلوم مشهور.
٤ ـ وهذه الأحاديث سبق بيان المراد منها فهي غير محتاجة إلى تأويل أما حديث: "إني لأجد نفس الرحمن" فعلى فرض صحته فمعناه تنفيس الرحمن أي تفريجه على المؤمنين، فالنفي هون الفرج كما في لسان العرب (٢/٢٢٦) .
стр. 222
القاعدة الرابعة
توهم المعطلة في نصوص الصفات التمثيل
والمحاذير المترتبة على ذلك
قال شيخ الإسلام:
"وهذا يتبين بالقاعدة الرابعة: وهي: أن كثيراً من الناس يتوهم في بعض الصفات أو في كثيرا منها أو أكثرها أو كلها ـ أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير:
أحدهما: كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.
الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله: بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله، حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل، قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله سبحانه.
الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم، فيكون معطلاً لما يستحقه الرب تعالى.
الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الموات والجمادات، أو صفات المعدومات، فيكون قد عطّل صفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، ومثله بالمنقوصات والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات
стр. 223
فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحداً في أسمائه وآياته.
مثال ذلك: أن النصوص كلها دلّت على وصف الإله بالعلو والفوقية على المخلوقات، واستوائه على العرش، فأما علوّه ومباينته للمخلوقات فيُعلم بالعقل الموافق للسمع، وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع، وليس في الكتاب والسنة وصفٌ له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينه ولا مداخله.
فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ*لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه﴾ [الزخرف: ١٢ـ١٣] ، فيتخيل أنه إذا كان مستوياً على العرش كان محتاجاً إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، فلو انخرقت السفينة لسقط المستوي عليها، ولو عثرت الدابة لخرّ المستوي عليها، فقياس هذا أنه لو عدم العرش لسقط الرب ﵎، ثم يريد ـ بزعمه ـ أن ينفي هذا فيقول: ليس استواؤه بقعود ولا استقرار.
ولا يعلم أن مسمى (القعود) و (الاستقرار) يقال فيه ما يقال في مسمى (الاستواء) !، فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار، وليس هو بهذا المعنى مستوياً ولا مستقراً ولا قاعداً، وإن لم يدخل في مسمى ذلك إلا ما يدخل في مسمى (الاستواء) فإثبات أحدهما ونفي الآخر تحكّم
وقد عُلم أن بين مسمى (الاستواء) و (الاستقرار) و (القعود) فروقاً معروفة، ولكن المقصود هنا أن يُعلم خطأ من ينفي الشيء مع إثبات نظيره.
وكان هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه على العرش، حيث ظن أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك.
وليس في اللفظ ما يدل على ذلك؛ لأنه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، كما أضاف إليها سائر أفعاله وصفاته، فذكر أنه خلق ثم استوى،
стр. 224
كما ذكر أنه قدَّر فهدى، وأنه بنى السماء بأيد، وكما ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى، وأمثال ذلك.
فلم يذكر استواءً مطلقاً يصلح للمخلوق ولا عاماً يتناول المخلوق، كما لم يذكر مثل ذلك في سائر صفاته، وإنما ذكر استواءً أضافه إلى نفسه الكريمة.
فلو قُدِّر ـ على وجه الفرض الممتنع ـ أنه هو مثل خلقه ـ تعالى الله عن ذلك ـ لكان استواؤه مثل استواء خلقه.
أما إذا كان هو ليس مماثلاً لخلقه، بل قد عُلم أنه الغني عن الخلق، وأنه الخالق للعرش ولغيره، وأن كل ما سواه مفتقر إليه وهو الغني عن كل ما سواه، وهو لم يذكر إلا استواءً يخصه، لم يذكر استواءً يتناول غيره ولا يصلح له، كما لم يذكر في علمه وقدرته ورؤيته وسمعه وخلقه إلا ما يختص به، فكيف يجوز أن يُتوهم أنه إذا كان مستوياً على العرش كان محتاجاً إليه، وأنه لو سقط العرش لخرَّ من عليه؟! سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً.
هل هذا إلا جهل محضٌ وضلالٌ ممن فهم ذلك، أو توهمه، أو ظنه ظاهر اللفظ ومدلوله، أو جوّز ذلك على رب العالمين الغني عن الخلق، بل لو قُدِّر أن جاهلاً فهم مثل هذا، أو توهمه لبُيِّن له أن هذا لا يجوز، وأنه لم يدل اللفظ عليه أصلاً، كما لم يدل على نظائره في سائر ما وصف به الرب نفسه.
فلما قال : ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] فهل يتوهم متوهم أن بناءه مثل بناء الآدمي المحتاج، الذي يحتاج إلى زُبُل ومجارف وأعوان وضرب لَبِن وجَبْل طين.
ثم قد عُلم أن الله تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض ولم يجعل عاليه إلى سافله، فالهواء فوق الأرض، وليس مفتقراً إلى أن تحمله، والسموات فوق الأرض، وليست مفتقرة إلى حمل الأرض لها، فالعليُّ الأعلى رب كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه كيف يجب أن يكون محتاجاً إلى
стр. 225
خلقه أو عرشه؟! أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار وهو ليس بمستلزم في المخلوقات؟!. وقد عُلم أن ما ثبت لمخلوق من الغنى عن غيره فالخالق سبحانه أحقُّ به وأوْلَى.
وكذلك قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السموات، فهو جاهلٌ ضالٌ بالاتفاق، وإن كنا إذا قلنا: إن الشمس والقمر في السماء، يقتضي ذلك، فإن حرف (في) متعلق بما قبله وما بعده، فهو بحسب المضاف والمضاف إليه.
ولهذا يُفرَّق بين كون الشيء في المكان، وكون الجسم في الحيِّز، وكون العَرَض في الجسم، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الورق، فإن لكل نوع من هذه الأنواع خاصية يتميز بها عن غيره، وإن كان حرف (في) مستعملاً في ذلك كله.
فلو قال قائل: العرش في السماء أم في الأرض؟ لقيل: في السماء.
ولو قيل: الجنة في السماء أم في الأرض؟ لقيل الجنة في السماء.
ولا يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السموات، بل ولا الجنة.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا سألتم الله الجنة فسلوه الفردوس، فإنها أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن"١.
فهذه الجنة سقفها الذي هو العرش فوق الأفلاك، مع أن الجنة في السماء، والسماء يُراد بها العلو، سواءً كان فوق الأفلاك أو تحتها، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ [الفرقان: ٤٨] .
ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء، كان المفهوم من قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أنه في السماء، أنه في العلو وأنه فوق كل شيء.
стр. 226
وكذلك الجارية لما قال لها: "أين الله؟ " قالت: في السماء١، إنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها.
وإذا قيل: "العلو" فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجوديٌّ يحيط به، إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله، كما لو قيل: إن العرش في السماء، فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق.
وإذا قُدِّر أن "السماء" المراد بها الأفلاك كان المراد أنه عليها، كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل﴾ [طه: ٧١] ، وكما قال: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْض﴾ [آل عمران: ١٣٧] ، وكما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْض﴾ [التوبة: ٢] ، ويُقال: فلان في الجبل، وفي السطح، وإن كان على أعلى شيء فيه".
معاني الكلمات:
يتوهم: التوهم هو ظن الشيء على خلاف ما هو عليه.
في بعض الصفات أو أكثر منها: الأشعري والماتريدي يتوهم أن جميع الصفات إثباتها تمثيل ما عدا سبع أو ثمان من الصفات.
أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين: الجهمي والباطني والمعتزلي يزعمون أن إثبات الصفات جميعاً فيه تمثيل.
ثم يريد: أي ذلك المتوهم وهو المعطل.
أن ينفي ذلك الذي فهمه: حيث توهم التشبيه في إثبات صفات الله، فيجعل ظاهر النصوص غير مراد، فيرد المعنى الصحيح الذي هو الحق لاعتقاده أنه معنى فاسد.
عناصر الموضوع:
١ ـ موضوع القاعدة الرابعة:
موضوع القاعدة الرابعة هي في بيان ما يترتب من ظن المعتزلة أن ظاهر نصوص الصفات هو التشبيه والتمثيل.
стр. 227
ر٢ ـ على من يرد شيخ الإسلام بالقاعدة الرابعة؟:
يرد شيخ الإسلام بهذه القاعدة على عامة المعطلة والممثلة في ظنهم السيئ بالله تعالى، حيث اعتقدوا أن صفاته إثباتها يستلزم التشبيه وجنايتهم على النصوص بالتحريف.
٣ ـ الصلة بين القاعدتين الثالثة والرابعة:
بعد أن تكلم شيخ الإسلام في القاعدة الثالثة عن الظاهر وحكمه ناسب أن يتكلم عن ما يترتب على القول بأن ظاهر نصوص الصفات هو التمثيل.
٤ ـ شرح القاعدة الرابعة:
اعلم أن كثيراً من الناس يتوهم في بعض الصفات التي دلت عليها النصوص أو كثير منها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الوهم الذي يتوهمه فيقع في أربعة محاذير:
١ ـ أنه فهم من النصوص صفات تماثل المخلوقين وظن أن ذلك هو مدلول النص وهذا فهم خاطئ، فتمثيل الخالق بالمخلوق كفر وضلال لأنه تكذيب لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
٢ ـ أنه جنى على النصوص حيث نفى ما تدل عليه من المعاني الإلهية ثم أثبت لها معاني من عنده لا يدل عليه ظاهر اللفظ.
٣ ـ أنه نفى ما دلت عليه ظاهر النصوص من الصفات بغير علم فيكون بذلك قائلاً على الله ما لا يعلم فهذا حرام بالنص والإجماع.
٤ ـ إنه إذا نفى عن الله ما تقتضيه النصوص من صفات الكمال لزم أن يكون الله سبحانه متصفاً بنقيضها من صفات النقص، وهذا لا يجوز في حق الله تعالى.
стр. 228
٥ ـ ما تدور عليه القاعدة:
محور هذه القاعدة ومدارها على بيان ما يترتب من التوهم في صفات الله كلها أو بعضها أنها تماثل صفات المخلوقين.
٦ ـ ظن المعطل: الظن السيئ بالله تعالى:
نهى الله تعالى عن الظن السيئ في الأمور كلها فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ، فنهى الله عن كثير من الظن السيئ بالمؤمنين حيث قال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وذلك كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء الذي يقترن به كثير من الأقوال والأفعال المحرمة، فإن بقاء الظن السوء بالقلب، لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك بل لا يزال به، حتى يقول ما لا ينبغي، ويفعل ما لا ينبغي وفي ذلك أيضاً إساءة الظن بالمسلم وبغضه وعداوته المأمور بخلافها فكيف بالظن السيئ بالله تعالى.
فمن أكبر الظن وأبشعه أن يتوهم مماثلة الله تعالى بالمخلوقين، وهذا خلاف ما فطر عليه العباد من أنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما ذاته لا تشبه سائر الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه سائر الصفات.
٧ ـ معنى قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] وبيان ما وقع فيه المعطل من الظن السيئ بالله:
يقول تعالى مبيناً لقدرته العظيمة: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾ أي: خلقناها وأتقناها وجعلناها سقفاً للأرض وما عليها.
﴿بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوة وقدرة عظيمة: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ لأرجائها وأنحائها.
وإنا لموسعون أيضاً على عبادنا بالرزق الذي ما ترك دابة في مهامه القفار، ولجج وأقطار العالم السفلي والعلوي، إلا أوصل إليها من الرزق، ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها فسبحان الله عمَّ بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعت رحمته جميع البريات،
стр. 229
ومع هذا يتوهم المعطل والممثل أن بناء الله للسماء كبناء المخلوق لسقف البيت، بحيث يحتاج إلى زنبيل ومجارف وطوب وأسمنت وغير ذلك، وهذا ظن فاسد بالله تعالى. تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
٨ ـ معنى قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] : وبيان ما وقع فيه المعطل من الظن السيئ بالله من خلال هذه الآية:
أأمنتم من في السماء وهو الله تعالى العالي على خلقه أن يخسف بكم الأرض فتهلكوا أو تتلفوا، وهذا تهديد ووعيد لمن استمر في طغيانه وعصيانه الموجب للنكال وحلول العقوبة، فيتوهم المعطل والممثل هذه الآية أن السماء تحيط به تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ومنشأ هذا الوهم ظنه أن (في) التي للظرفية تكون بمعنى واحد في جميع الموارد، وهذا ظن فاسد فإن (في) تختلف معناها بحسب متعلقها وعلى هذا فيخرج قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ على أحد وجهين:
١ ـ إما أن تكون السماء بمعنى العلو، فمعنى كونه في السماء أنه في العلو المطلق فوق جميع المخلوقات.
٢ ـ وإما أن تكون في: بمعنى على، وعلى هذا فيكون معنى الآية ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي على السماء، أي فوقه، والله تعالى فوق السموات وفوق كل شيء.
٩ ـ جناية المعطل على النصوص:
جنى المعطل على النصوص بتأويل النصوص على خلاف ظاهرها، والقول بالتأويل يعتبر محاولة لتكييف الصفة على نحو (ما) على غير الظاهر، بينما كان منهج القرآن والسنة هو إثبات الصفة كما وردت لا إثبات كيفية للصفات، لأن الكيف هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، فترك الوحي، واتباع الرأي، والتأويلات الفاسدة، عزل للكتاب والسنة كمصدرين للهداية في واقع الحياة، وليس بعد الهداية إلا الغواية، قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلال﴾ [يونس: ٣٢] .
стр. 230
١٠. ـ من ظن أن نصوص الصفات تماثل صفات المخلوقين قد جمع بين التمثيل والتعطيل:
من ظن أن نصوص الصفات تماثل صفات المخلوقين وأن إثبات الصفات يستلزم التشبيه، وأن ظاهر النصوص تشبيه فقد جمع بين تشبيهين وتعطيلين.
فالتمثيلان: حيث اعتقد تشبيه الله بالمخلوقات أولاً، ثم فرَّ منه فشبهه بالجمادات أو المعدومات.
والتعطيلان: حيث عطل الآيات الدالة على الصفة والنافية للماثلة، ثم عطَّل الله عن صفاته.
١١ ـ الأسئلة والأجوبة الواردة على القاعدة الرابعة:
س١ ـ اذكر المحاذير الأربعة التي يقع فيها من يتوهم التمثيل ثم ينفي الصفات؟
ج ـ أولاً: المحاذير المتعلقة بالنصوص:
١ ـ تمثيل ما فهمه من صفات الله بصفات المخلوقين فجعل ظاهر النصوص هو التمثيل.
٢ ـ تعطيل النصوص عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله تعالى.
ثانياً: المحاذير المتعلقة بالله تعالى:
١ ـ تعطيل الله تعالى عن صفات الكمال بغير علم.
٢ ـ تمثيل الله بالمنقوصات من الجمادات أو الأموات أو المعدومات. فيكون قد جمع بين تمثيلين وتعطيلين.
فالتمثيلان: حيث اعتقد تشبيه الله بالمخلوقات أولاً، ثم فرَّ منه فشبهه بالجمادات أو المعدومات.
والتعطيلان: حيث عطل الآيات الدالة على الصفة والنافية للماثلة، ثم عطَّل الله عن صفاته.
стр. 231
فجمع هذا التمثيل بين الإلحاد في أسماء الله، بتعطيله عن الكمال وتشبيهه بالمنقوصات، والإلحاد في آياته، بجعلها دالة على التمثيل ثم تعطيلها عما دلت عليه من الصفات.
س٢ ـ كيف تجيب على من ينفي الاستواء بحجة أن إثباته يستلزم الافتقار؟
ج ـ نجيب عليه بما يلي:
١ ـ أن الاستواء مضاف إلى الله تعالى مختص به فلا يلزم مماثلته لاستواء خلقه.
٢ ـ أن الله تعالى ليس مثل خلقه فكذلك استواؤه ليس مثل استوائهم.
٣ ـ ثبت بالضرورة غنى رب العالمين عن العالمين، فلا يلزم من استوائه افتقاره إلى العرش.
٤ ـ أن جميع الصفات لا يتوهم فيها النقص فكذلك الاستواء.
٥ ـ ثبت أن بعض المخلوقات بعضها فوق بعض ومع ذلك فليس الأعلى مفتقراً إلى الأدنى كالسماء والأرض، والخالق الأعلى أولى بعدم الافتقار.
س٣ ـ كيف تجيب على من فسّر قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي داخل السماء؟
ج ـ نجيب عليه بما يلي:
١ ـ أن السماء يراد بها العلو فيكون المعنى في العلو.
٢ ـ أن (في) تأتي بمعنى (على) فيكون المعنى على السماء.
* والخلاصة في هذه الآية: (في السماء) أن لها ثلاث معاني وهي:
١ ـ أن معناها (داخل السماء) وهذا قول الغالطين من المبتدعة.
٢ ـ أن معناها (في العلو) فتكون السماء بمعنى العلو مطلقاً.
٣ ـ أن معناها (على السماء) فتكون في بمعنى على، كما هو مشهور في اللغة، والمعنيان الأخيران قال بهما أهل السنة والجماعة.
стр. 232
س٤ ـ ما الفرق بين العلو والاستواء؟
ج ـ الفرق بينهما ما يلي:
١ ـ أن العلو صفة ذاتية ملازمة لله تعالى، وأما الاستواء فهو صفة فعلية اختيارية فعلها بعد أن لم يكن فاعلاً لها.
٢ ـ أن العلو ثابت بالنقل والعقل والفطرة، وأما الاستواء فهو ثابت بالنقل فقط.
٣ ـ أن العلو على جميع المخلوقات، وأما الاستواء فهو لا يضاف إلا إلى العرش.
* وهاتان الصفتان هما الفيصل بين أهل السنة وأهل البدعة، فقد نفاهما جميع الفرق الكلامية من الفلاسفة والباطنية، والمعتزلة والجهمية، والأشاعرة والماتريدية، وآمن بهما أهل السنة والجماعة.
стр. 233
القاعدة الخامسة
صفات الله معلومة المعنى مجهولة الكيفية
قال شيخ الإسلام:
" القاعدة الخامسة: أنا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه، فإن الله تعالى قال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢] ، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] .
وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [صّ: ٢٩] ، وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] ، فأمر بتدبر الكتاب كله.
وقد قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] .
وجمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، وهذا هو المأثور عن أبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وغيرهم، ورُوي عن ابن عباس أنه قال: "التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحدٌ بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، من ادّعى علمه فهو كاذب"١.
وقد رُوي عن مجاهد وطائفة أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وقد رُوي عن مجاهد وطائفة أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وقدض
стр. 234
قال مجاهد: "عرضتُ المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عن تفسيرها"١.
ولا منافاة بين القولين عند التحقيق؛ فإن لفظ "التأويل" قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملاً في ثلاثة معان:
• أحدها: ـ وهو اصطلاح كثير من المتأخرين المتكلمين في الفقه وأصوله ـ أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به؛ وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات وترك تأويلها، وهل هذا محمودٌ أو مذموم؟ وحقٌ أو باطل؟.
• والثاني: أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح مفسري القرآن، كما يقول ابن جرير وأمثاله المصنِّفين في التفسير: "واختلف علماء التأويل". ومجاهد إمام المفسرين، قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به٢.
وعلى تفسيره يعتمد الشافعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهم، فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه، فالمراد به معرفة تفسيره.
• الثالث: من معاني التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَق﴾ [الأعراف: ٥٣] .
فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله تعالى به فيه، مما يكون من القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار ونحو ذلك، كما قال في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْل﴾ [يوسف: ١..] ، فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا.
فالتأويل الثاني هو تفسير الكلام، وهو الكلام الذي يفسَّر به اللفظ حتى
стр. 235
يُفهم معناه أو تُعرَف علته أو دليله، وهذا التأويل الثالث هو عين ما هو موجود في الخارج، ومنه قول عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" يتأول القرآن١. تعني قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْه﴾ [النصر: ٣] ، وقول سفيان بن عيينة: السنة هي تأويل الأمر والنهي.
فإن نفس الفعل المأمور به هو تأويل الأمر، ونفس الموجود المخبَر عنه هو تأويل الخبر، والكلام خبر وأمر، ولهذا يقول أبو عبيد وغيره: الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة، كما ذكروا ذلك في تفسر اشتمال الصَّمَّاء؛ لأن الفقهاء يعلمون نفس ما أُمر به ونفس ما نُهي عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول ﷺ ، كما يعلم أتباع أبقراط وسيبويه ونحوهما من مقاصدهم ما لا يُعلم بمجرد اللغة، ولكن تأويل الأمر والنهي لابد من معرفته بخلاف تأويل الخبر.
إذا عُرف ذلك؛ فتأويل ما أخبر به عن نفسه المقدَّسة الغنية بما لها من حقائق الأسماء والصفات هو حقيقة نفسه المقدّسة المتصفة بما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد.
ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه؛ لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة؛ تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة لحماََ ًولبناً وعسلاً وماء وخمراً ونحو ذلك، وهذا يشبه ما في الدنيا لفظاً ومعنى، ولكن ليس هو مثله، ولا حقيقته كحقيقته.
فأسماء الله تعالى وصفاته أَوْلَى ـ وإن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه ـ أن لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق، ولا حقيقته كحقيقته.
والإخبار عن الغائب لا يُفهَم إن لم يُعبَّر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في
стр. 236
الشاهد، ويُعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميِّز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يُعلَم في الشاهد.
وفي الغائب ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر١، فنحن إذا أخبرنا الله بالغيب الذي اختص به من الجنة والنار، علمنا معنى ذلك، وفهمنا ما أريد منا فهمه بذلك الخطاب، وفسّرنا ذلك، وأما نفس الحقيقة المخبَر عنها، مثل التي لم تكن بعد، وإنما تكون يوم القيامة، فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله.
ولهذا لما سُئل مالكٌ وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا الإيمان. فبيَّن أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهولة.
ومثل هذا يوجد كثيراً في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو، وقد قال النبي ﷺ : "لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" وهذا في صحيح مسلم٢. وغيره.
وقال في الحديث الآخر: "اللهم إني أسالك بكل اسم هو لك، سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك"، وهذا الحديث في المسند وصحيح ابن حبان٣. وقد
стр. 237
أخبر فيه أن لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده، فمعاني هذه الأسماء التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره.
والله أخبرنا أنه عليم، قدير، سميع، بصير، غفور، رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته؛ فنحن نفهم معنى ذلك، ونميّز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله، مع تنوع معانيها، فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات.
وكذلك أسماء النبي ﷺ مثل: محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب.
وكذلك أسماء القرآن، والفرقان، والهدى، والنور، والتنزيل، والشفاء، وغير ذلك. ومثل هذه الأسماء تنازع الناس فيها؛ هل هي من قبيل المترادفة لاتحاد الذات، أو من قبيل المتباينة لتعدد الصفات، كما إذا قيل: السيف، والصَّارِم، والمُهَنَّد؛ وقصد بالصّارم معنى الصرم، وفي المهند النسبة إلى الهند؟. والتحقيق أنها مترادفة في الذات متباينة في الصفات.
ومما يوضح هذا أن الله وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه، وفي موضع آخر جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه، فينبغي أن يُعرف الإِحكام والتشابه الذي يعمه، والإِحكام والتشابه الذي يخص بعضه.
قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] فأخبر أنه أحكم آياته كلها، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] ، فأخبر أنه متشابه.
والحكم هو الفصل بين الشيئين، والحاكم يفصل بين الخصمين، والحكمة فصل بين المشتبهات علماً وعملاً، إذا مُيِّز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنافع والضار، وذلك يتضمن فعل النافع وترك الضار، فيقال: حَكَمْتُ السَّفيه وأحْكَمْته إذا أخذتُ على يده، وحَكَمْتُ الدَّابَّة وأحْكَمْتها إذا جعلتُ لها حَكَمَة وهو ما أحاط بالحنك من اللجام،
стр. 238
وإحكام الشيء إتقانه، فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره.
والقرآن كله محكم بمعنى الإِتقان، فقد سماه الله حكيماً بقوله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] فالحكيم بمعنى الحاكم، كما جعله يقص بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] ، وجعله مفتياً في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٧] أي ما يتلى عليكم يفتيكم فيهن، وجعله هادياً ومبشراً في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ [الإسراء: ٩] .
وأما التشابه الذي يعمه فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢] ، وهو الاختلاف المذكور في قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ*يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذريات:٨ ـ٩] .
فالتشابه هنا هو تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدّق بعضه بعضاً، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به، أو بنظيره، أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه، أو عن نظيره، أو عن لوازمه، إذا لم يكن هناك نسخ.
وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك، بل يخبر بثبوته، أو بثبوت ملزوماته، وإذا أخبر بنفي شيء لم يثبته، بل ينفيه، أو ينفي لوازمه، بخلاف القول المختلف الذي ينقض بعضه بعضاً، فيُثبت الشيء تارة وينفيه أخرى، أو يأمر به وينهى عنه في وقت واحد، أو يفرق بين المتماثلين فيمدح أحدهما ويذم الآخر، فالأقوال المختلفة هنا هي المتضادة، والمتشابهة هي المتوافقة.
وهذا التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ، فإذا كانت المعاني يوافق بعضها بعضاً، ويعضد بعضها بعضاً، ويشهد بعضها لبعض، ويقتضي بعضها بعضاً، كان الكلام متشابهاً، بخلاف
стр. 239
الكلام المتناقض الذي يضاد بعضه بعضاً.
وهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له، فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضاً، لا يناقض بعضه بعضاً.
بخلاف الإحكام الخاص، فإنه ضد التشابه الخاص، فالتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو مثله، وليس كذلك، والإحكام هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر. وهذا التشابه إنما يكون لقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما.
ثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما، فيكون مشتبهاً عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك، فالتشابه الذي لا تمييز معه قد يكون من الأمور النسبية الإضافية، بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض، ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا فظن أنه مثله، فعلم العلماء أنه ليس هو مثله وإن كان مشبهاً له من بعض الوجوه.
ومن هذا الباب الشُّبَه التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق بالباطل، حتى يشتبه على بعض الناس، ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل.
والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات؛ لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه، فمن عرف الفصل بين الشيئين اهتدى للفرق الذي يزول به الاشتباه والقياس الفاسد.
وما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء، ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجه، ولهذا كان ضلال بني آدم من قبل التشابه ـ والقياس الفاسد لا ينضبط ـ كما قال الإمام أحمد ﵀: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس، فالتأويل في الأدلة السمعية، والقياس في الأدلة العقلية، وهو كما قال: التأويل الخطأ إنما يكون في الألفاظ المتشابهة، والقياس الخطأ إنما يكون في المعاني المتشابهة.
стр. 240
وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات، حتى آل الأمر بمن يدعي التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود فظنوا أنه هو، فجعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق، مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه، أو متحداً به، أو حالاًّ فيه من الخالق مع المخلوق.
فمن اشتبه عليهم وجود الخالق بوجود المخلوقات ـ حتى ظنوا وجودها وجوده ـ فهم أعظم الناس ضلالاً من جهة الاشتباه، وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى "الوجود" فرأوا الوجود واحداً، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع.
وآخرون توهموا أنه إذا قيل: الموجودات تشترك في مسمى "الوجود" لزم التشبيه والتركيب، فقالوا: لفظ "الوجود" مقول بالاشتراك اللفظي، فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء مع اختلاف أصنافهم من أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث، ونحو ذلك من أقسام الموجودات.
وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى "الوجود" لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه، وزعموا أن في الخارج عن الأذهان كليات مطلقة: مثل وجود مطلق، وحيوان مطلق، وجسم مطلق، ونحو ذلك؛ فخالفوا الحس والعقل والشرع، وجعلوا ما في الأذهان ثابتاً في الأعيان، وهذا كله من أنواع الاشتباه.
ومن هداه الله سبحانه فرّق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه، وعلم ما بينها من الجمع والفرق، والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارق الذي يبيّن ما بينهما من الفصل والافتراق.
وهذا كما أن لفظ "إنّا" و"نحن" وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد الذي له شركاء في الفعل، ويتكلم بها الواحد الذي له شركاء في الفعل، ويتكلم بها الواحد العظيم، الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد، وله أعوان تابعون له، لا شركاء له. فإذا تمسك النصراني بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ونحوه على
стр. 241
تعدد الآلهة، كان المحكم كقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحداً يزيل ما هناك من الاشتباه، وكان ما ذكره من صيغ الجمع مبيناً لما يستحقه من العظمة والأسماء والصفات وطاعة المخلوقات من الملائكة وغيرهم.
وأما حقيقة ما دلّ عليه ذلك من حقائق الأسماء والصفات، وما له من الجنود الذين يستعملهم في أفعاله، فلا يعلمه إلا هو: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] ، وهذا من تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.
بخلاف الملك من البشر إذا قال: قد أمرنا لك بعطاء. فقد عُلم أنه هو وأعوانه ـ مثل: كاتبه، وخادمه، ونحو ذلك أمروا به، وقد يُعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإرادته ونحو ذلك.
والله لا يعلم عباده الحقائق التي أخبر عنها من صفاته وصفات اليوم الآخر، ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة، ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة.
وبهذا يتبين أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة، كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة، وإن زال الاشتباه بما يتميّز أحد المعنيين من إضافة أو تعريف، كما إذا قيل: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ﴾ [محمد: ١٥] فهنا قد خصّ هذا الماء بالجنة، فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا، لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا، وهو ـ ما أعد الله لعباده الصالحين مما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ـ من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله..
وكذلك مدلول أسمائه وصفاته التي يختص بها، التي هي حقيقته، لا يعلمها إلا هو.
ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال الإمام أحمد في كتابه الذي صنّفه في "الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأويله على غير تأويله".
стр. 242
وإنما ذمّهم لكونهم تأوّلوه على غير تأويله، وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه، وإن كان لا يشتبه على غيرهم، وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله، ولم ينفِ مطلق التأويل، كما تقدم من أن لفظ "التأويل" يراد به التفسير المبيِّن لمراد الله تعالى به، فذلك لا يُعاب بل يُحمد، ويُراد بالتأويل الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، فذال لا يعلمه إلا هو، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع.
ومن لم يعرف هذا اضطربت أقواله، مثل طائفة يقولون: إن التأويل باطل، وإنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره؛ ويحتجون بقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] ويحتجون بهذه الآية على إبطال التأويل.
وهذا تناقضٌ منهم؛ لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلاً لا يعلمه إلا الله، وهم ينفون التأويل مطلقاً.
وجهة الغلط أن التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو، وأما التأويل المذموم والباطل فهو تأويل أهل التحريف والبدع الذين يتأولونه على غير تأويله، ويدّعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك، ويدّعون أن في ظاهره من المحذور ما هو نظير المحذور اللازم فيما أثبتوه بالعقل؟ ويصرفونه إلى معان هي نظير المعاني التي نفوها عنه! فيكون ما نفوه من جنس ما أثبتوه، فإن كان الثابت حقاً ممكناً كان المنفي مثله، وإن كان المنفي باطلاً ممتنعاً كان الثابت مثله.
وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقاً، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] قد يظنون أنَّا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد، أو بما لا معنى له، أو بما لا يُفهم منه شيء.
وهذا مع أنه باطل فهو متناقض؛ لأنّا إذا لم نفهم منه شيئاً لم يجز أن نقول: له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه لإمكان أن يكون له معنى صحيح، وذلك المعنى الصحيح لا يخالف الظاهر المعلوم لنا، فإنه لا ظاهر له على قولهم، فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر فلا يكون تأويلاً، ولا يجوز نفي دلالته على معان لا نعرفها على هذا التقدير، فإنَّ تلك
стр. 243
المعاني التي دلّت عليها قد لا نكون عارفين بها، ولأنّا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله المراد فلأن لا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ أولى.
لأن إشعار اللفظ بما يُراد به أقوى من إشعاره بما لا يُراد به، فإذا كان اللفظ لا إشعار له بمعنى من المعاني، ولا يُفهم منه معنى أصلاً، لم يكن مشعراً بما أُريد به؛ فلأن لا يكون مشعراً بما لم يرد به أولى.
فلا يجوز أن يقال: إن هذا اللفظ متأوّل، بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، فضلاً عن أن يقال: إن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله، اللهم إلا أن يراد بالتأويل ما يخالف الظاهر المختص بالمخلوقين، فلا ريب أن من أراد بالظاهر هذا فلا بد أن يكون له تأويل يخالف ظاهره.
لكن إذا قال هؤلاء: إنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر، أو إنها تجري على المعاني الظاهرة منها، كانوا متناقضين، وإن أرادوا بالظاهر هنا معنى وهنا معنى في سياق واحد من غير بيان كان تلبيساً، وإن أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ أي تجري على مجرّد اللفظ الذي يظهر من غير فهم لمعناه كان إبطالهم للتأويل أو إثباته تناقضاً؛ لأن من أثبت تأويلاً أو نفاه فقد فهم منه معنى من المعاني، وبهذا التقسيم يتبيّن تناقض كثير من الناس من نفاة الصفات ومثبتيها في هذا الباب".
معاني الكلمات:
نعلم ما أخبرنا به: أي ما أخبرنا الله ورسوله به من الغيبيات.
من وجه: وهو المعنى.
دون وجه: أي بجهل الوجه الآخر وهو الحقيقة والكيفية، كما سبق أن وضح أكثر في المثلين الجنة والروح.
عناصر الموضوع:
١ ـ موضوع هذه القاعدة:
أن نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار المعنى مجهولة لنا باعتبار الكيفية والحقيقة.
стр. 244
٢ ـ على من يرد شيخ الإسلام بالقاعدة الخامسة:
يرد شيخ الإسلام بالقاعدة الخامسة على المفوضة القائلين بعدم العلم بالمعاني مطلقاً في الصفات، وتتضمن رداً على المشبهة في دعواهم العلم بالكيفية، ويدخل كذلك فيهم المعطلة، لأنهم عطلوا فراراً من التشبيه، فبيّن لهم أننا نثبت الصفة دون تكييف، فهذه القاعدة من القواعد الجامعة في الرد على أصناف المبتدعة.
٣ ـ الصلة بين القاعدتين الخامسة والرابعة:
القاعدة الرابعة يبيّن فيها شيخ الإسلام ما يترتّب على القول بأن ظاهر نصوص الصفات هو التمثيل، ومنشأ الشبهة: اعتقاد المعطلة أن نصوص الصفات هي من المتشابه في المعنى والكيف، والصواب أن نصوص الصفات محكمة في معناها، متشابه في الحقيقة والكيف لأنه مما استأثر الله بعلمها.
قال البزدوي الحنفي: "إثبات اليد والوجه حقٌّ عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولا يجوز إبطال الأصل بالعجز عن إدراك الوصف بالكيف، وإنما ضلّت المعتزلة من هذا الوجه"١.
٤ ـ شرح القاعدة الخامسة:
ظواهر نصوص الصفات معلومةٌ لنا باعتبار، مجهولة لنا باعتبار آخر، باعتبار المعنى: هي معلومة المعنى، وباعتبار الكيفية: التي هي عليها مجهولة٢.
فالواجب في نصوص القرآن إجراؤها على ظاهرها وما تدل عليه تلك الظواهر من المعاني اللائقة بالله، ولا سيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها.
стр. 245
ولأن الله تعالى أخبرنا بهذه الصفات وهو أعلم بمراده من غيره وقد خاطبنا باللسان العربي المبين، فوجب قبول المعنى على ظاهره اللائق بالله، وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة.
قال ابن قتيبة: "الواجب علينا أن ننتهي في صفات الله إلى حيث انتهى في صفته، أو حيث انتهى رسوله ﵇ ولا نزيل اللفظ عما تعرفه العرب ونضعه عليه ونمسك عما سوى ذلك"١.
المقصود: أن الأمر في الصفات كلها كما قال الإمام مالك لمن سأله عن كيفية الاستواء على العرش:
"الاستواء على العرش معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
فمن سأل عن كيفية علم الله أو كيفية خلقه وتدبيره قيل له: كما أن ذات الله تعالى لا تشبهها الذوات، فصفاته لا تشبهها الصفات، فالخلق يعرفون الله ويعرفون ما تعرف لهم من صفاته وأفعاله، وأما كيفية ذلك فلا يعلم تأويله إلا الله"٢.
٥ ـ ما تدور عليه هذه القاعدة:
تدور هذه القاعدة على مسألتين:
١ ـ أن نصوص الصفات معلومة المعنى بمقتضى اللسان العربي المبين ومعانيها محكمة.
٢ ـ أن كيفية الصفات مجهولة فهي من المشابه.
٦ ـ الفائدة من تقرير القاعدة الخامسة:
بهذا التقرير الذي تبيّن به أن لا يمكن أن يكون في القرآن شيء لا يعلم معناه إلا الله يتبين بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم آيات الصفات،
стр. 246
ويدّعون أن هذا هو مذهب السلف وقد ضلوا فيما ذهبوا إليه، وكذبوا فيما نسبوه إلى السلف، والسلف إنما يفوضون علم الكيفية دون علم المعنى.
٧ ـ الأدلة التي ذكرها المؤلف في الدلالة على أن نصوص الصفات معلومة:
١ ـ النصوص الآمرة بتدبير الكتاب كله، لا يمكن التدبر إلا لما يفهم معناه، ومن الآيات الدالة على التدبر ما يلي:
أـ قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢] .
ب ـ قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] .
ج ـ قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [صّ: ٢٩] .
د ـ وقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] .
٢ ـ النصوص الدالة على أن القرآن عربي مما يدل على أن معانيه مفهومة بلغة العرب ومنها:
أـ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] .
ب ـ ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] .
ج ـ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [الشورى: ٧] .
د ـ ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] .
٣ ـ النصوص الدالة على حسن البيان والإيضاح منها:
أـ ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاس﴾ [آل عمران: ١٣٨] .
ب ـ ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] .
ج ـ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] .
د ـ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .
стр. 247
٤ ـ النصوص الدالة على ذم من لا يفهم الكتاب مما يدل على أن معانيه مفهومة ومنها:
أـ ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] .
ب ـ ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] .
ج ـ ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ [النساء: ٧٨] .
د ـ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾ [محمد: ١٦] .
وغير ذلك من الأدلة الدالة على فهم المعنى حتى أوصلها شيخ الإسلام إلى مائة دليل١.
٩ ـ آيات الصفات ليست من المتشابه في المعنى:
آيات الصفات ليست من المتشابه في المعنى، وإنما كيفية الصفات من المتشابه الذي لا نعلمه، والذي نكل علمه إلى الله .
فآيات الصفات غير مجهولة معناها كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم والكيف غير معقول" وكذلك يقال في النزول غير مجهول والكيف غير معقول والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، واطرده في جميع الصفات لأن هذه الصفات معروفة عند العرب إلا أن ما وصف به خالق السموات والأرض أكمل وأجل وأعظم من أن يشبه شيئاً من صفات المخلوقين، كما أن ذات الخالق جل وعلا حق، والمخلوقون لهم ذوات، وذات الخالق جل وعلا أكمل وأنزه وأجل من أن تشبه شيئاً من ذوات المخلوقين٢.
стр. 248
١٠. ـ الدليل الذي ذكره المؤلف على أن كيفية نصوص الصفات مجهولة:
ذكر المؤلف دليلاً واحداً على أن الصفات مجهولة الكيفية لأن الله استأثر بعلمها وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] ، فالآية تدل على أن في القرآن شيئاً لا يعلم حقيقته وكنهه إلا الله ألا وهو كيفية الصفات والأمور الغيبية، وتدل الآية على أن الراسخين في العلم يعلمون معنى المتشابه الذي يخفى على كثير من الناس على قراءة الوصل.
١١ ـ معنى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ... ﴾ الآية١:
يخبر تعالى عن عظمته، وكمال قيوميته، وأنه هو الذي تفرد بإنزال هذا الكتاب العظيم، الذي لم يوجد ولن يوجد له نظير أو مقارب في هدايته وبلاغته وإعجازه وإصلاحه للخلق، وأن هذا الكتاب يحتوي على المحكم الواضح المعاني البين، الذي لا يشبه بغيره، ومنه آيات متشابهات، تحتمل بعض المعاني، ولا يتعين منها واحد من الاحتمالين بمجردها حتى تضم إلى المحكم فالذين في قلوبهم مرض وزيغ وانحراف لسوء قصدهم، يتبعون المتشابه منه، فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة وآرائهم الزائفة، طلباً للفتنة وتحريفاً لكتابه، وتأويلاً له على مشاربهم ومذاهبهم ليَضلوا ويُضلوا، أما أهل العلم الراسخون فيه، الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم، فأثمر لهم العمل والمعارف، فيعلمون أن القرآن كله من عند الله وأنه كله حق، محكمه ومتشابهه، وأن الحق لا يتناقض ولا يختلف، فلعلمهم أن المحكمات معناها في غاية الصراحة والبيان، يردون إليها المشتبه الذي تحصل فيه الحيرة لنا وناقص العلم وناقص المعرفة.
стр. 249
فيردون المتشابه إلى المحكم، فيعود كله محكماً ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ للأمور النافعة والعلوم الصائبة ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي أهل العقول الرزينة.
ففي هذا دليل على أن هذا من علامة أولي الألباب، وأن اتباع المتشابه من أوصاف أهل الآراء السقيمة، والعقول الواهية والقصود السيئة.
وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ إن أريد بالتأويل معرفة عاقبة الأمور، وما تنتهي إليه وتؤول، تعيّن الوقوف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ حيث هو تعالى المتفرد بالتأويل بهذا المعنى، وإن أريد بالتأويل: معنى التفسير، ومعرفة معنى الكلام، كان العطف أولى فيكون هذا مدحاً للراسخين في العلم، وأنهم يعلمون كيف ينزلون نصوص الكتاب والسنة محكمها ومتشابهها المقصود أن الآية لا تدل على أن الآية لا تدل على أن في القرآن شيئاً لا يعلم معناه إلا الله تعالى إنما تدل على أن في القرآن شيئاً لا يعلم حقيقته وكنهه إلا الله على قراءة الوقف، وتدل على أن الراسخين في العلم يعلمون معنى المتشابه الذي يخفى على كثير من الناس على قراءة الوصل.
١٢ ـ التأويل عند أهل السنة وأهل اللغة:
التأويل لغة: ترجيع الشيء إلى غاية المراد منه من الأول وهو الرجوع.
وفي الاصطلاح: رد الكلام إلى الغاية المراد منه، بشرح معناه أو حصول مقتضاه ويطلق التأويل عند أئمة أهل السنة على معنيين:
• الأول ـ التفسير: وهو توضيح الكلام بذكر معناه المراد به والتأويل بهذا المعنى معلوم لأهل العلم.
• الثاني ـ مآل الكلام إلى حقيقته: فإن كان خبراً فتأويله نفس حقيقة المخبر عنه، وذلك في حق الله كنه ذاته وصفاته التي يعلمها غيره، وإن كان طلباً فتأويله امتثال المطلوب، والتأويل بهذا المعنى مجهول حتى يقع فيدرك واقعاً.
стр. 250
١٣ ـ التأويل البدعي:
هو صرف اللفظ عن المعنى الراجع إلى المعنى المرجوع لدليل يقتضيه. وهو اصطلاح كثير من المتأخرين، فهل هو حق أم باطل؟
التحقيق: أنه إذا دل عليه دليل صحيح فهو حق محمود يعمل به ويكون من المعنى الأول للتأويل وهو التفسير، وإن لم يدل عليه دليل صحيح كان باطلاً مذموماً وجديراً أن يسمى تحريفاً لا كتأويل استوى باستولى أو ملك فهذا تحريف للكلم عن مواضعه.
١٤ ـ أول من قال بالتأويل البدعي:
أول من قال بالتأويل البدعي هم الجهمية، ثم تسرب إلى كتب الفقه والأصول والقواميس اللغوية المتأخرة، فنجد (ابن منظور) المتوفي سنة (٧١١هـ) يحكي هذا المعنى عن ابن الأثير و (الزبيدي) في (تاج العروس) ، يحكي هذا المعنى عن ابن الكمال وعن ابن الجوزي.
وفي كتب علم الكلام المتأخرة نجد أن هذا المعنى مستعمل في معظمها فهو عند الغزالي في (إلجام العوام) وابن رشد في (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال) ولم يذكره أحد من أئمة التفسير وقدماء المفسرين في تفسير لفظ التأويل في القرآن.
١٥ ـ إجماع علماء السلف على عدم التأويل:
أطبق علماء السلف على عدم التأويل البدعي ولم يعرف خلاف بينهم في تركه، قال ابن قدامة: "وأما الإجماع فإن الصحابة أجمعوا على ترك التأويل بما ذكرنا عنهم، وكذلك أهل كل عصر بعدهم ولم ينقل التأويل إلا عن مبتدع أو منسوب إلى بدعة"، ولهذا لم يستطع بشر المريسي حامل لواء التجهم في وقته أن ينسب شيئاً من ذلك إلى السلف حين قال الشافعي: "أخبرني عما تدعوا إليه.. أكتاب ناطق وفرض مفترض وسنة قائمة ووجدت عن السلف البحث فيه والسؤال عنه؟ " فقال بشر: لا إلا أنه لا يسعنا خلافه. فقال الشافعي: أقررت بنفسك على الخطأ، فأين أنت من الفقه والأخبار؟