ويدّعون أن هذا هو مذهب السلف وقد ضلوا فيما ذهبوا إليه، وكذبوا فيما نسبوه إلى السلف، والسلف إنما يفوضون علم الكيفية دون علم المعنى.
٧ ـ الأدلة التي ذكرها المؤلف في الدلالة على أن نصوص الصفات معلومة:
١ ـ النصوص الآمرة بتدبير الكتاب كله، لا يمكن التدبر إلا لما يفهم معناه، ومن الآيات الدالة على التدبر ما يلي:
أـ قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢] .
ب ـ قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] .
ج ـ قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [صّ: ٢٩] .
د ـ وقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] .
٢ ـ النصوص الدالة على أن القرآن عربي مما يدل على أن معانيه مفهومة بلغة العرب ومنها:
أـ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] .
ب ـ ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] .
ج ـ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [الشورى: ٧] .
د ـ ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] .
٣ ـ النصوص الدالة على حسن البيان والإيضاح منها:
أـ ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاس﴾ [آل عمران: ١٣٨] .
ب ـ ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] .
ج ـ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] .
د ـ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .
стр. 247
٤ ـ النصوص الدالة على ذم من لا يفهم الكتاب مما يدل على أن معانيه مفهومة ومنها:
أـ ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] .
ب ـ ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] .
ج ـ ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ [النساء: ٧٨] .
د ـ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾ [محمد: ١٦] .
وغير ذلك من الأدلة الدالة على فهم المعنى حتى أوصلها شيخ الإسلام إلى مائة دليل١.
٩ ـ آيات الصفات ليست من المتشابه في المعنى:
آيات الصفات ليست من المتشابه في المعنى، وإنما كيفية الصفات من المتشابه الذي لا نعلمه، والذي نكل علمه إلى الله .
فآيات الصفات غير مجهولة معناها كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم والكيف غير معقول" وكذلك يقال في النزول غير مجهول والكيف غير معقول والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، واطرده في جميع الصفات لأن هذه الصفات معروفة عند العرب إلا أن ما وصف به خالق السموات والأرض أكمل وأجل وأعظم من أن يشبه شيئاً من صفات المخلوقين، كما أن ذات الخالق جل وعلا حق، والمخلوقون لهم ذوات، وذات الخالق جل وعلا أكمل وأنزه وأجل من أن تشبه شيئاً من ذوات المخلوقين٢.
стр. 248
١٠. ـ الدليل الذي ذكره المؤلف على أن كيفية نصوص الصفات مجهولة:
ذكر المؤلف دليلاً واحداً على أن الصفات مجهولة الكيفية لأن الله استأثر بعلمها وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] ، فالآية تدل على أن في القرآن شيئاً لا يعلم حقيقته وكنهه إلا الله ألا وهو كيفية الصفات والأمور الغيبية، وتدل الآية على أن الراسخين في العلم يعلمون معنى المتشابه الذي يخفى على كثير من الناس على قراءة الوصل.
١١ ـ معنى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ... ﴾ الآية١:
يخبر تعالى عن عظمته، وكمال قيوميته، وأنه هو الذي تفرد بإنزال هذا الكتاب العظيم، الذي لم يوجد ولن يوجد له نظير أو مقارب في هدايته وبلاغته وإعجازه وإصلاحه للخلق، وأن هذا الكتاب يحتوي على المحكم الواضح المعاني البين، الذي لا يشبه بغيره، ومنه آيات متشابهات، تحتمل بعض المعاني، ولا يتعين منها واحد من الاحتمالين بمجردها حتى تضم إلى المحكم فالذين في قلوبهم مرض وزيغ وانحراف لسوء قصدهم، يتبعون المتشابه منه، فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة وآرائهم الزائفة، طلباً للفتنة وتحريفاً لكتابه، وتأويلاً له على مشاربهم ومذاهبهم ليَضلوا ويُضلوا، أما أهل العلم الراسخون فيه، الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم، فأثمر لهم العمل والمعارف، فيعلمون أن القرآن كله من عند الله وأنه كله حق، محكمه ومتشابهه، وأن الحق لا يتناقض ولا يختلف، فلعلمهم أن المحكمات معناها في غاية الصراحة والبيان، يردون إليها المشتبه الذي تحصل فيه الحيرة لنا وناقص العلم وناقص المعرفة.
стр. 249
فيردون المتشابه إلى المحكم، فيعود كله محكماً ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ للأمور النافعة والعلوم الصائبة ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي أهل العقول الرزينة.
ففي هذا دليل على أن هذا من علامة أولي الألباب، وأن اتباع المتشابه من أوصاف أهل الآراء السقيمة، والعقول الواهية والقصود السيئة.
وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ إن أريد بالتأويل معرفة عاقبة الأمور، وما تنتهي إليه وتؤول، تعيّن الوقوف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ حيث هو تعالى المتفرد بالتأويل بهذا المعنى، وإن أريد بالتأويل: معنى التفسير، ومعرفة معنى الكلام، كان العطف أولى فيكون هذا مدحاً للراسخين في العلم، وأنهم يعلمون كيف ينزلون نصوص الكتاب والسنة محكمها ومتشابهها المقصود أن الآية لا تدل على أن الآية لا تدل على أن في القرآن شيئاً لا يعلم معناه إلا الله تعالى إنما تدل على أن في القرآن شيئاً لا يعلم حقيقته وكنهه إلا الله على قراءة الوقف، وتدل على أن الراسخين في العلم يعلمون معنى المتشابه الذي يخفى على كثير من الناس على قراءة الوصل.
١٢ ـ التأويل عند أهل السنة وأهل اللغة:
التأويل لغة: ترجيع الشيء إلى غاية المراد منه من الأول وهو الرجوع.
وفي الاصطلاح: رد الكلام إلى الغاية المراد منه، بشرح معناه أو حصول مقتضاه ويطلق التأويل عند أئمة أهل السنة على معنيين:
• الأول ـ التفسير: وهو توضيح الكلام بذكر معناه المراد به والتأويل بهذا المعنى معلوم لأهل العلم.
• الثاني ـ مآل الكلام إلى حقيقته: فإن كان خبراً فتأويله نفس حقيقة المخبر عنه، وذلك في حق الله كنه ذاته وصفاته التي يعلمها غيره، وإن كان طلباً فتأويله امتثال المطلوب، والتأويل بهذا المعنى مجهول حتى يقع فيدرك واقعاً.
стр. 250
١٣ ـ التأويل البدعي:
هو صرف اللفظ عن المعنى الراجع إلى المعنى المرجوع لدليل يقتضيه. وهو اصطلاح كثير من المتأخرين، فهل هو حق أم باطل؟
التحقيق: أنه إذا دل عليه دليل صحيح فهو حق محمود يعمل به ويكون من المعنى الأول للتأويل وهو التفسير، وإن لم يدل عليه دليل صحيح كان باطلاً مذموماً وجديراً أن يسمى تحريفاً لا كتأويل استوى باستولى أو ملك فهذا تحريف للكلم عن مواضعه.
١٤ ـ أول من قال بالتأويل البدعي:
أول من قال بالتأويل البدعي هم الجهمية، ثم تسرب إلى كتب الفقه والأصول والقواميس اللغوية المتأخرة، فنجد (ابن منظور) المتوفي سنة (٧١١هـ) يحكي هذا المعنى عن ابن الأثير و (الزبيدي) في (تاج العروس) ، يحكي هذا المعنى عن ابن الكمال وعن ابن الجوزي.
وفي كتب علم الكلام المتأخرة نجد أن هذا المعنى مستعمل في معظمها فهو عند الغزالي في (إلجام العوام) وابن رشد في (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال) ولم يذكره أحد من أئمة التفسير وقدماء المفسرين في تفسير لفظ التأويل في القرآن.
١٥ ـ إجماع علماء السلف على عدم التأويل:
أطبق علماء السلف على عدم التأويل البدعي ولم يعرف خلاف بينهم في تركه، قال ابن قدامة: "وأما الإجماع فإن الصحابة أجمعوا على ترك التأويل بما ذكرنا عنهم، وكذلك أهل كل عصر بعدهم ولم ينقل التأويل إلا عن مبتدع أو منسوب إلى بدعة"، ولهذا لم يستطع بشر المريسي حامل لواء التجهم في وقته أن ينسب شيئاً من ذلك إلى السلف حين قال الشافعي: "أخبرني عما تدعوا إليه.. أكتاب ناطق وفرض مفترض وسنة قائمة ووجدت عن السلف البحث فيه والسؤال عنه؟ " فقال بشر: لا إلا أنه لا يسعنا خلافه. فقال الشافعي: أقررت بنفسك على الخطأ، فأين أنت من الفقه والأخبار؟
стр. 251
فلما خرج قال الشافعي: لا يفلح"١.
المقصود أن صرف الآية أو الحديث عن ظاهر مدلوله بلا برهان من الله هو التعطيل بعينه، وهو مبني على إلغاء النص والبعد به عن فهم السلف الصالح.
١٦ـ التأويل الكلامي أصل كل بدعة ظهرت في المسلمين:
إن الفرقة الواقعة في الأمة قديماً وحديثاً كلها إذا أمعنت النظر وجدت أنها راجعة إلى التأويل الفاسد، إذ اتخذت الفرق التأويل البدعي متكأ لتبرير الأصول التي أصلوها واعتقدوها، واخترعوا لأجل ذلك قوانين عقلية وأصولاً كلامية جعلوها الحكم في فهم الدين والفيصل في معرفة الحق من الباطل، فمتى ظهرت مسألة رجعوا إلى معقولاتهم وخواطرهم وآرائهم فطلبوا الدين من قبلها، فإذا سمعوا شيئاً من الكتاب والسنة عرضوه على معيارهم، فإن استقام قبلوه وإلا حرفوه بالتأويلات البعيدة والمعاني المستكرهة فحادوا عن الحق وزاغوا عنه٢.
١٧- التأويل الكلامي يناقض الإيمان بأخبار الرسول ﷺ :
إن حقيقة الإيمان برسالة النبي ﷺ تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر، وأهل التأويل البدعي لم يسلموا له في شيء من ذلك بل تدخلوا بعقولهم وآرائهم فحرفوا النصوص عن مدلولاتها الحقيقية يقول ابن القيم: "ومن أعظم آفات التأويل وجناياته أنه إذا سلط على أصول الإيمان والإسلام اجتثها وقلعها..وذلك أن معقد هذه الأصول تصديق الرسول ﷺ فيما أخبر وطاعته فيما أمر فعمدوا إلى أجل الأخبار وهو ما أخبر به عن الله من أسمائه وصفاته ونعوت كماله فأخرجوه عن حقيقته وما وضع له"٣.
стр. 252
١٨- الأدلة على بطلان مذهب التأويل البدعي:
الأدلة على بطلان مذهب التأويل البدعي كثيرة نورد بعضاً منها:
١ ـ إن ما أثبته السلف رضوان الله عليهم من مسائل العقيدة هو من عند الله والكتاب والسنة قد دلا عليه.
أما المتأوّلة فلا يملك أحدهم أن يدعي ما نفاه من دلالة النصوص، أو ما أوَّله عليها من المعاني البعيدة، لا يستطيع أن يقول هذا من عند الله جازماً ذللك.
٢ ـ القول بمذهب التأويل يلزم منه أن يكون الصحابة والسلف بين أمرين، كليهما باطل: إما أن الصحابة لم يفهموا الحق في ذلك وأن ظواهر هذه النصوص باطلة، أو أنهم علموا الحق وفهموه ولكنهم كتموه ولم يقوموا بواجب النصح للمسلمين وكلا الأمرين باطل، لا يصح ولا يستقيم في حق الصحابة وسلف الأئمة. ٣ ـ حالة المتأولة هذه تجعلهم يخضعون النصوص إلى معطيات العقل والحس، فخرجوا عن حد الاتصاف بالإيمان بالغيب.
٤ ـ المتأولة يردون النصوص إلى اعتقاداتهم وأصولهم الباطلة وإن كانت واضحة في الحجة والإثبات
٥ ـ التأويل من أسباب تفرق الأمة وتمزقها والاختلاف في أصول الدين وجعل بعضهم يلعن بعضاً، وبعضهم يكفر، وترى طوائف منهم تسفك دماء الآخرين، وتستحل منهم الأنفس والأموال والأعراض.
١٩- المراد بالمحكم والمتشابه في القرآن:
١- الإحكام الذي وصف به جميع القرآن هو الإتقان والجودة في اللفظ والمعنى.
٢- الإحكام الذي وصف به بعض القرآن هو الوضوح والظهور وهو كثير في الأخبار والتشابه الذي وصف به بعض القرآن فهو الاشتباه،
стр. 253
أي خفاء المعنى بحيث يشتبه على بعض الناس دون غيرهم فيعلمه الراسخون دون غيرهم.
٢ ـ موقف المسلم من وصف القرآن جميعه بالإحكام ووصفه بالتشابه، مع بيان ذلك بمثال:
إن وصف القرآن جميعه بالإحكام ووصفه جميعه بالتشابه لا يتعارضان، والجمع بينهما أن الكلام المحكم المتقن يشبه بعضه بعضاً في الكمال والصدق فلا يتناقض في أحكامه ولا يتكاذب في أخباره.
٢١- نصوص الصفات على الحقيقة لا تأويل فيها ولا مجاز:
صفات الله الواردة في الكتاب والسنة هي على الحقيقة كما يليق بالله، فإثبات الحقيقة ونفي المجاز في صفات الله هو اعتقاد كل مسلم طاهر القلب من أقذار التشبيه، لأنه لا يسبق إلى ذهنه من اللفظ الدال على الصفة كصفة اليد والوجه إلا أنها صفة الكمال، منزهة عن مشابهة صفات الخلق، فلا يخطر في ذهنه التشبيه الذي هو سبب نفي الصفة وتأويلها بمعنى لا أصل له١.
لذا قال الحافظ ابن عبد البر: "وأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك لا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة"٢.
٢٢- نقض دعوى المعطلة من أن تأويل الصفات مجمع عليه:
يدعي المعطلة أن التأويل مجمع عليه، قال المقري في إضاءته:
فاصرفه عن ظاهره إجماعاً
واقطع عن الممتنع الأطماعا٣
قلت: هذا كذب.
стр. 254
وقد كذَّب حكاية الإجماع على التأويل بعض أهل العلم، قال الشنقيطي معقباً على دعواهم الإجماع: "مفقود أصلاً، ولا وجود له البتة، لأنه مبني على شرط مفقود لا وجود له البتة، فالإجماع المعدوم المزعوم لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله، ولم يقله أحد من أصحاب رسول الله ولا من تابعيهم، ولا أحد من الأئمة الأربعة، ولا من فقهاء الأمصار المعروفين، وإنما لم يقولوا بذلك، لأنهم يعلمون أن ظواهر نصوص الوحي لا تدل إلا على تنزيه الله عن مشابهة خلقه، وهذا الظاهر الذي هو تنزيه الله لا داعي لصرفها عنه كما ترى"١.
أما وصف القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه فلا تعارض بينهما أصلاً؛ لأن كل وصفه وارد على محل لم يرد عليه الآخر، فبعض القرآن محكم ظاهر المعنى، وبعضه متشابه في المعنى، وقد انقسم الناس في ذلك إلى قسمين:.
• فالراسخون: في العلم يقولون آمنا به كل من عندنا ربنا، ويردون المتشابه إلى المحكم.
• وأما أهل الضلال: فاتبعوا المتشابه وجعلوه مثاراً للشك فضلوا وأضلوا.
مثال ذلك:
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس: ١٢] ، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ونحوها مما أضاف الله الشيء إلى نفسه بصفة الجمع، فاتبع النصراني هذا المتشابه وادعى تعدد الآلهة، وقال: إن الله ثالث ثلاثة، وترك المحكم الدال على أن الله واحد.
أما الراسخون في العلم فيحملون الجمع على التعظيم لتعدد صفات الله وعظمها، يردون هذا المتشابه إلى المحكم في قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣] ويقولون للنصراني: إن الدعوى التي ادعيت بها وقعت لك من الاشتباه قد كفرك الله بها وكذلك فيها فاستمع إلى
стр. 255
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] .
٢٣- الحكمة من كون بعض القرآن متشابهاً:
الحكمة من ذلك ابتلاء العباد واختبارهم ليتبين الصادق في إيمانه الراسخ في عمله من الشاك الجاهل الزائغ الذي يتبع ما تشابه منه، ليضرب كتاب الله بعضه ببعض فيضل ويضل.
٢٤- أقسام التشابه الواقع في القرآن:
ينقسم التشابه الواقع في القرآن إلى قسمين:
١ـ حقيقي، ٢ـ نسبي.
• أما الحقيقي فهو: وهو لا يعلمه إلا الله مثل ما أخبر عن نفسه وعن اليوم الأخر، وهذا النوع الذي لا يعلمه إلا الله لا يسأل عنه لتعذر الوصول إليه.
• أما التشابه النسبي فهو: وهو ما يكون متشابهاً على بعض الناس دون بعض، فيعلم منه الراسخون في العلم ما يخفى على غيرهم، إما لنقصٍ في علمهم أو قصور في فهمهم أو سوء في قصدهم.
٢٥- حقيقة أهل التفويض ووجه الغلط عندهم:
حقيقة مذهب المفوضة: يزعمون أن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله وهم في الظاهر طائفتان:
• الطائفة الأولى: تقول إن هذا الظاهر غير مراد ولا يعلمه أحد من الخلق.
• الطائفة الثانية: تقول إنها تجرى على ظاهرها وتأويلها باطل، ومع ذلك لا يعلمه إلا الله١.
والتفويض متفق مع التأويل في كونه يفضي إلى التعطيل، ومع ذلك فالمفوضة ينسبون مذهبهم إلى السلف، ومن هنا اشتهرت عبارتهم. مذهب
стр. 256
السلف التفويض ومذهب الخلف التأويل١، ومذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أحكم، وهذه المقالة باطلة في نفسها فإن الأسلم هو الأحكم والحكمة تبتغي السلامة.
جهة الغلط عندهم من وجهين:
١ ـ أنهم جعلوا نصوص الصفات من قبيل المتشابه دون تفصيل لمعنى التشابه المقصود فيها.
٢ ـ عدم معرفتهم لإطلاقات التأويل، فإنهم قالوا: إنها متشابه والمتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، والتأويل الذي استأثر الله بعلمه إنما هو الحقيقة والكيفية، والتأويل الباطل إنما هو تأويل أهل التحريف، وهو صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل بل مجرد التوهمات الباطلة التي تمجُّها العقول الصحيحة، وهم في تأويلاتهم تلك يفرون من محاذير بزعمهم فيقعون في نظيرها كما سبق.
٢٦ ـ تفويض معنى الصفات ليس مذهباً للسلف:
السلف يثبتون المعنى اللائق بجلال الله، أما ما يظهر من نصوص الكتاب والسنة المعلومة بلغة العرب التي نزل بها القرآن وخاطبهم بها رسول الله ﷺ فهي معلومة عندهم، وأما الكيف فيفوضونه، والدليل على ذلك ما يأتي:
أـ أن الآيات القرآنية: التي تضمنت هذه الصفات الكريمة لله تعالى من الاستواء والمجيء، والرضا والغضب والمحبة، وأحاديث رسول الله ﷺ ، وأقوال الصحابة عن هذه الصفات لله تدل على أن المقصود منها الإثبات لا غير.
ب ـ أن الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين: ومن جاء بعدهم من علماء السلف، تدل على أن مذهبهم إنما هو إثبات الصفات لله .
стр. 257
ج ـ كثير ممن صنف في العقائد ومن المتقدمين بين أن مذهب السلف هو إثبات المعنى وإنما التفويض في الكيف.
د ـ إن الذين صنفوا في العقيدة من المتقدمين قد ذكروا الأحاديث التي تتعلق بالصفات ضمن أبواب رسائلهم، حتى إن ابن خزيمة أطلق على كتابه في ذلك اسم "كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب"، باب إثبات وجه الله، وباب في إثبات العين لله، وباب في ذكر استواء خالقنا الأعلى، باب في صفة تكلم الله بالوحي، وهكذا فعل كثير ممن صنف في العقيدة السلفية، مثل الدارمي والإمام أحمد وابن أبي عاصم، واللالكائي والآجري والبيهقي وأبي الحسن الأشعري وابن بطة وغيرهم.
هـ ـ تبويب المحدثين لأحاديث الصفات في كتبهم دليل قاطع أيضاً على أن مذهب السلف هو إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه، أو وصفه رسوله مثل تبويب البخاري في باب قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ] القصص: ٨٨ [، وباب قول الله : ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] .
٢٧ ـ لوازم مذهب التفويض:
يلزم على القول بمذهب التفويض لوازم باطلة هي:
١ ـ القدح في حكمة الرب حيث أنزل كلاماً لا يتمكن الناس من فهمه ومعرفة معناه.
٢ ـ الوقوع في التعطيل.
٣ ـ غلق باب التدبر لكتاب الله تعالى وهو مخالف لقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ ] الؤمنين: ٦٨ [.
٤ ـ مصادمة النصوص الدالة على الإثبات وقد تقدم ذكرها.
٥ ـ تجهيل النبي ﷺ والسابقين الأولين.
قال ابن مسعود: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى
стр. 258
يعرف معانيهن والعمل بهن"١. فهذا سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين.
٢٨ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فهي متفقة متواطئة من حيث الذات متباينة من جهة الصفات) .
أقول: معناه: أن أسماء الله تعالى: نحو الرحمن الرب الغفور القهار العليم السميع البصير.
أسماء لها جهتان:
• الجهة الأولى: أنها متفقة في الدلالة على ذات الله تعالى، فهي بهذا الاعتبار متواطئة أي مترادفة ومتفقة في الدلالة.
فكلها أسماء لمسمى واحد وهو الله تعالى وكلها تطلق على الله تعالى على حد سواء، فهي متواطئة في الدلالة على الله سبحانه.
• الجهة الثانية: وهي جهة دلالتها على معانيها الدالة على صفات الله تعالى، فهي بهذا الاعتبار متباينة.
فإن الرحمن يدل على صفة الرحمة، والعليم يدل على صفة العلم، ولا شك أن صفة الرحمة غير صفة العلم. فأسماء الله تعالى باعتبار دلالتها على ذات الله تعالى متفقة ومتواطئة، وباعتبار دلالتها على الصفات متباينة ومختلفة.
٢٩ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فمن اشتبه عليه وجود الخالق بوجود المخلوقات كلها ... ) إلى قوله: (وجعلوا ما في الأذهان ثابتاً في الأعيان وهذا كله نوع من الاشتباه) .
أقول: يقصد شيخ الإسلام: أن كثيراً ممن يدعي التوحيد والتحقيق والعرفان والعلم قد وصلوا بضلالهم إلى حد اشتبه عليهم وجود الخالق تعالى بوجود المخلوق، فظنوا أن وجود الخلق بعينه وجود الخالق، ومنشأ
стр. 259
هذا الظن الفاسد: أن الموجودات كلها تشترك في مسمى الوجود بالمعنى العام.
فالله أيضاً موجود والكون أيضاً موجود واسم الموجود يشمل الخالق والمخلوق، فظنوا أن وجود الخالق بعينه هو وجود المخلوق، ولم يفرقوا بين وجود الواحد بالعين وبين وجود المخلوق، ولم يفرقوا بين وجود الواحد بالعين وبين وجود الواحد بالنوع.
أي هؤلاء لم يعرفوا الفرق بين حكم النوع وبين حكم أفراده، مع أن حكم النوع يختلف عن حكم أفراده فحكم النوع عموم من حيث العموم، وحكم الفرد خصوص من حيث الخصوص، إذ من المعلوم أن حكم الإنسان العام الكلي غير حكم زيد وعمرو وبكر وخالد.
إذ لا شك أن الموجودات تشترك في الوجود عاماً، ولكن إذا نظرت إلى أفراد تلك الموجودات يختلف وجود كل فرد.
وبهذا الاعتبار يختلف وجود الله تعالى عن وجود المخلوقات.
فالمراد بالواحد بالعين ـ هو الفرد من أفراد الكلي نحو زيد، والمراد بالواحد بالنوع هو الأمر الكلي العام نحو الإنسان، والحيوان والموجودات.
ثم بين شيخ الإسلام ضلال أشخاص آخرين١وهم الذين ظنوا: أن لفظ "الوجود" من قبيل المشترك اللفظي يشترك فيه وجود الخالق ووجود المخلوق على حد سواء.
فزعموا أن الموجودات كلها تشترك في مسمى الوجود بالاشتراك اللفظي، وزعموا أن هذا يستلزم التشبيه والتركيب فخالف هؤلاء إجماع العقلاء في قولهم: إن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث مع أن القديم والمحدث ليسا سواء في الوجود البتة وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم أن يكون في الخارج موجود مشترك فيه،
стр. 260
فزعموا أنه توجد في الخارج عن الأذهان كليات مطلقة عامة نحو وجود مطلق وحيوان مطلق وإنسان مطلق، فخالف هؤلاء الحس والعقل والشرع جميعاً لأن العقلاء متفقون على أن الأمور العامة والكليات المطلقة أمور ذهنية وجودها ذهني ولا يوجد في الخارج البتة، وإنما توجد في الخارج أفراد تلك الأمور العامة، فالأمور العامة لا توجد إلا في الذهن ولكن الأفراد بالخصوص توجد في الخارج.
٣٠ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولهذا تبين أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة) .
أقول: هذا المبحث المتعلق بالمبحث السابق الذي كان سبباً لضلال كثير من الناس فالحاصل: أن شيخ الإسلام يقول:
إن الألفاظ نوعان: نوع: ألفاظ متواطئة وهي كليات عامة تصدق وتطلق على أفراد على سبيل الموافقة والمواطأة على حد سواء. كالإنسان الكلي العام، فإن الإنسان يطلق على زيد وعمر وبكر على سبيل المواطأة والموافقة على حد سواء.
ونوع ألفاظ مشتركة نحو لفظ "العين"، فلفظ "العين" يطلق على عين الشمس وعلى عين الركبة وعلى الذهب وعلى عين الرأس وعلى الماء النابع من الأرض وعلى ذات الشيء.
ولكن لا على سبيل المواطأة والموافقة، بل على سبيل الاشتراك والمبادلة.
لأن عين الشمس وعين الرأس وعين الركبة والذهب وذات الشيء والماء النابع من الأرض ليست من أفراد لفظ "العين".
وإنما العرب قد وضعوا لفظ "العين" لكل هذه المعاني على سبيل الاستقلال والبدلية والاشتراك.
٣١ ـ الأسئلة والأجوبة الواردة على القاعدة الخامسة:
س١ ـ اشرح مضمون القاعدة الخامسة؟ وما المقصود بها؟
стр. 261
ج ـ القاعدة هي: أنا نعلم ما أخبر الله به من وجه دون وجه. ومضمونها هو أننا: نعلم ما أخبرنا الله ورسوله به من الغيبيات من وجه وهو المعنى ونجهلها من وجه آخر وهو الحقيقة والكيفية.
* والمقصود بها إثبات صفات الله تعالى من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل.
س٢ ـ على من يرد بهذه القاعدة؟
ج ـ يرد بها على المفوضة القائلين بعدم العلم بالمعاني مطلقاً، وتتضمن أيضاً الرد على المشبهة في دعواهم العلم بالكيفية وكذلك المعطلة لأنهم عطلوا الصفات فراراً من التشبيه، فيبين لهم أننا نثبت الصفات دون تكييف.
س٣ ـ اذكر الأدلة المؤيدة لهذه القاعدة؟
ج ـ من الأدلة المؤيدة لهذه القاعدة باختصار ما يلي:
• أولاً ـ أدلة علمنا بمعاني الآيات:
١ ـ النصوص الآمرة بتدبر الكتاب كله، ولا يمكن التدبر إلا لما يفهم معناه، ومن الآيات الدالة على التدبر ما يلي:
أـ قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْل﴾ ] المؤمنون: ٦٨ [.
ب ـ وقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ] محمد: ٢٤ [.
٢ ـ النصوص الدالة على أن القرآن عربي مما يدل على أن معانيه مفهومة بلغة العرب ومنها ما يلي:
أـ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢ [، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ ] الشورى: ٧ [.
٣ ـ النصوص الدالة على حسن البيان أو الإيضاح ومنها ما يلي:
أـ قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨ [، وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ ] المائدة: ١٥ [.
стр. 262
٤ ـ النصوص الدالة على ذم من لا يفهم الكتاب مما يدل على أن معانيه مفهومة ومنها ما يلي:
أـ قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ] البقرة: ٧٨ [، أي لا يعلمون إلا التلاوة واللفظ.
ب ـ وقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ ] النساء: ٧٨ [.
• ثانياً ـ الدلالة على جهلنا بالوجه الآخر وهو الحقيقة الكيفية بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ] آل عمران: ٧ [.
س٤ ـ اذكر الخلاف في المتشابه والمحكم؟
ج ـ اختلف في ذلك على خمسة أقوال وهي كما يلي:
١ ـ قيل: المحكم من استقل بنفسه وظهر معناه، والمتشابه ما احتاج إلى بيان فيدخل فيه المجمل وغيره. وهو قول مجاهد واختيار الإمام أحمد والشافعي.
٢ ـ وقيل: المحكم هو المعمول به، والمتشابه هو المنسوخ. وهو قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهما.
٣ ـ وقيل: المحكم هو ما فهمه العلماء، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كالغيبيات والحروف المقطعة. وهو قول جابر والثوري ورجحه ابن جرير والقرطبي.
٤ ـ وقيل: المحكم ما أحكمه الله وفصله كالمواريث والقصص وغيرها، والمتشابه ما اشتبهت الألفاظ فيه.
٥ ـ وقيل: الإحكام والتشابه أمران نسبيان من حيث المعنى يفهم بحسب تفاوت أفهام الناس. وهو اختيار شيخ الإسلام.
* ومن الأدلة على هذا القول ـ الأخير ـ قوله ﷺ : "إن الحلال بين
стр. 263
والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس". رواه البخاري ومسلم (ح رقم ٢٠٥١) .
* مناقشة هذه الأقوال يطول، والذي تجتمع عليه الأدلة والأقوال هو القول الأخير والله أعلم.
س٥ ـ اذكر معاني التأويل، مع التمثيل لكل نوع؟
• الأول: التفسير والبيان والإيضاح: وهو الذي عناه المفسرون ومثاله قول ابن جرير حيث يقول: "واختلف علماء التأويل" يقصد علماء التفسير.
• الثاني: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام. ومثاله قوله تعالى في قصة يوسف ﵇: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾ [يوسف: ١..] . فجعل تأويل الرؤيا هو تحققها في الخارج.
• الثالث: "هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به. مثاله قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم﴾ [التوبة: ٦٧] ، وقوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤] ، وغيرها من الآيات التي ورد فيها نسبة النسيان إلى الله تعالى، فقد ثبت عن ابن عباس وغيره أن النسيان: هو الترك، وقد دل الدليل على هذا التأويل تصريحاً كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم: ٦٤] . وقوله: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] ، فلذلك جاز حمل الآية على ذلك المعنى.
س٦ ـ ما هي شروط التأويل الصحيح؟ ومثِّل له بمثال قد توفرت فيه الشروط؟
ج ـ شروط التأويل الصحيح هي أربعة:
١ ـ أن يكون اللفظ المراد تأويله يحتمل المعنى المؤول لغة وشرعاً.
٢ ـ أن يكون السياق محتملاً للتأويل، فمثلاً لفظ النظر قد يحتمل معان في اللغة، ولكنه إذا جاء معدّى بإلى فلا يحتمل إلا الرؤية
стр. 264
٣ ـ أن يقوم الدليل على أن المراد هو المعنى المؤول.
٤ ـ أن يسلم دليل التأويل من معرض أقوى منه، وكل ما اختل فيه شرط من هذه الشروط فهو تأويل فاسد.
* ومثال التأويل الصحيح الذي توفرت فيه الشروط قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ، فقد ثبت عن ابن عباس وغيره أن النسيان هنا هو الترك بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم: ٦٤] .
س٧ ـ ما فائدة الاتفاق بين معاني الغائب مع معاني الشاهد؟
ج ـ فائدة هذا الاتفاق هي: فهم الخطاب، ثم بعد فهم للخطاب، يدل الخطاب على الفارق المميز بين المعنيين، فمثلاً أخبرنا الله تعالى عما في الجنة من أنواع النعيم ثم بيّن الفارق بينهما كما في قوله ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ، وقال في الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين في الجنة: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" رواه البخاري برقم (٤٧٧٩، ٤٧٨.) ومسلم رقم (٢٨٢٤) .
فهذا المعنى المشترك مفهوم لدينا في الدنيا وأما حقيقة ما أخبر به في الآخرة فهو من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.
س٨ ـ هل أسماء الله محصورة بعدد معين أم لا؟
ج ـ أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين وهو قول الجمهور، والدليل قوله ﷺ : "اللهم إني أسالك بكل اسم هو لك، سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك.."
رواه أحمد وغيره وانظر السلسلة الصحيحة للألباني (١/٣٨٣/رقم ١٩٩) .
* فجعل أسماء الله تعالى ثلاثة أقسام:
١ ـ قسم استأثر به في علم الغيب عنده.
٢ ـ قسم أنزله الله في كتابه.
٣ ـ قسم علمه أحداً من خلقه.
стр. 265
س٩ ـ هل أسماء الله مترادفة أم متباينة؟
ج ـ مذهب أهل السنة والجماعة التفصيل فيقولون: هي مترادفة أو متفقة أو متواطئة. في دلالتها على الذات، متباينة من جهة دلالتها على الصفات.
* ومذهب المعتزلة أنها مترادفة مطلقاً فهي لا تتنوع معانيها بناء على نفيهم للصفات.
وهذا مثل أسماء النبي ﷺ : "محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب" الثابتة في الصحيحين. فإنها تتنوع في الصفات: فالماحي: الذي يمحو الشرك. والحاشر الذي يحشر الناس على قدمه. والعاقب: هو الذي لا نبي بعده. ولكنها متفقة في دلالتها على النبي ﷺ وهكذا.
س١. ـ عرف كلاًّ من المحكم العام والخاص، والمشابه الخاص والعام؟
ج ـ المحكم العام في القرآن: بمعنى الإتقان. أي متقن جيد في لفظه ومعناه.
والمحكم الخاص: هو ضد التشابه الخاص. لذلك ذكر الله تعالى أن بعض القرآن متشابه وبعضه محكم قال تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] .
والإحكام العام: لا ينافي التشابه العام، فإنه كلما كان الكلام متقناً كان مصدقاً بعضه لبعض ومتناسباً فلذلك وصف القرآن بأنه محكم كله، وكله متشابه لأن المعنيين متوافقان بل ومتلازمان.
والتشابه العام: هو بمعنى التناسب والتماثل في الصحة والفصاحة.
والتشابه الخاص: هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر بحيث يشتبه على بعض الناس.
س١١ ـ اذكر أمثلة لطوائف ضلت من جهة المتشابه؟
ج ـ الطائفة الأولى: أهل وحدة الوجود: وهي طائفة ادعت التحقيق والتوحيد والمعرفة لله تعالى، وهم أهل الإلحاد القائلون بوحدة الوجود.
стр. 266
الطائفة الثانية: الجهمية والمعتزلة وبعض الفلاسفة توهموا أنه إذا قيل: الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم التشبيه والتركيب.
الطائفة الثالثة: طائفة من الفلاسفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك كلي أي مطلق عن التقييد فقالوا: بالوجود المطلق.
س١٢ ـ اذكر مذهب أهل وحدة الوجود وأمثلة لأقوالهم؟
ج ـ مذهبهم: اعتقاد اتحاد وجود الخالق بالمخلوق حيث زعموا كون الشيئين شيئاً واحداً، أي أن يكون وجود الكائنات هو عين وجود الله.
* وسبب ضلال هذه الطائفة أمران:
١ ـ أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود فرأوا الوجود واحداً.
٢ ـ أنهم لم يفرقوا بين الواحد بالعين. وهو الواحد المعين في الخارج الذي يمنع وجوده الشركة فيه فهو غير قابل للتنوع. والواحد بالنوع وهو الكلي الذهني الذي تشترك فيه الأفراد ويقبل التنوع، فإذا وجد في الخارج كان مختصاً به.
* ومذهبهم هذا مذهب باطل متناقض مخالف لمذهب السلف.
ومن أمثلة أقوالهم ما يلي:
١ ـ قال ابن عربي الصوفي الملحد: فالإله المطلق لا يسعه شيء لأنه عين الأشياء وعين نفسه، والشيء لا يقال فيه يسع نفسه ولا يسعها فافهم.
وقال: العبد رب والرب عبد
يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك رب
أو قلت رب أنى يكلف
٢ ـ ابن سبعين ومن أقواله الشنيعة: "من سمى نفسه الله قال لك: إن كل شيء وجميع من تنادي أنا".
٣ ـ ابن الفارض ومن أقواله عند ما يخاطب إلهه:
كلانا مصل واحد ساجد إلى
حقيقته بالجمع في كل مسجد
стр. 267
س١٣ ـ عرف ما يلي: الحلول، والاتحاد، وحدة الوجود، مع بيان أنواعها؟
ج ـ الحلول: قسمان عام وخاص:
أـ فالحلول العام: هو اعتقاد أن الله تعالى في كل شيء، وهو اعتقاد الجهمية الأولى القائلين بأن الله في كل مكان. تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
ب ـ والحلول الخاص: هو اعتقاد أن الله تعالى حلّ في بعض مخلوقاته مع إثبات خالق ومخلوق كاعتقاد النصارى بأن اللاهوت حل في الناسوت، وكاعتقاد طوائف من الصوفية أن الله يحل في بعض مشايخهم.
الاتحاد: قسمان عام وخاص:
أـ الاتحاد العام: هو اعتقاد اتحاد وجود الخالق بالمخلوق.
ب ـ الاتحاد الخاص: هو اعتقاد أن الله تعالى اتحد ببعض مخلوقاته كاعتقاد بعض طوائف النصارى أن اللاهوت اتحد في الناسوت فصار شيئاً واحداً.
وحدة الوجود: هو كون الشيئين شيئاً واحد، أي أن يكون وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى. وهو اعتقاد اتحاد وجود الخالق بالمخلوق.
س١٤ ـ ما الفرق بين المشترك الكلي، والمشترك اللفظي؟
ج ـ هناك فرق بين المشترك اللفظي والمشترك الكلي:
فالمشترك اللفظي: هو اتحاد اللفظ وتعدد المعنى كلفظ (العين) يدل على الجارية والباصرة والذهب، ولفظ (القرء) يدل على الحيض والطهر.
والمشترك الكلي: هو الذي يشترك فيه أفراد كثيرون كجميع الألفاظ العامة في الذهن.
س١٥ ـ ما أسباب ذم السلف لتأويلات الجهمية؟
стр. 268
ج ـ سبب ذمهم للجهمية لأنهم تأولوا النصوص على غير تأويلها الصحيح أي حرفوا الكلم عن مواضعه، فالسلف لم يذموهم أو يردوا عليهم لمطلق التأويل فإن التأويل قد يكون من باب التفسير والبيان. ولكن حقيقة ما يفعله هؤلاء المبتدعة هو عين التحريف وإنما سموه تأويلاً ليقبل.
س١٦ ـ اذكر أسماء لبعض كتب السلف في الرد على الجهمية؟
ج ـ من كتب السلف في الرد على الجهمية ما يلي:
١ ـ كتاب: (الرد على الجهمية) للإمام الدارمي.
٢ ـ كتاب: (الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة) للإمام ابن قتيبة.
٣ ـ كتاب: (خلق أفعال العباد) للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.
٤ ـ كتاب: (الرد على الجهمية) للإمام ابن منده.
٥ ـ كتاب: (التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع) للإمام الملطي.
٦ ـ كتاب: (التوحيد وإثبات صفات الرب للإمام ابن خزيمة.
٧ ـ كتاب: (الرد على من أنكر الحرف والصوت) للإمام السجزي وغيرهم كثير.
س١٧ ـ اذكر حقيقة مذهب أهل التفويض، وجهة الغلط عندهم، وشيئاً من تناقضهم وخلاصة إلزامهم؟
ج ـ حقيقة مذهبهم: أن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله وهم في الظاهر طائفتان:
• الطائفة الأولى: تقول: إن هذا الظاهر غير مراد ولا يعلمه أحد من الخلق.
• الطائفة الثانية: تقول إنها تجرى على ظاهرها وتأويلها باطل، ومع ذلك لا يعلمه إلا الله.
стр. 269
* وجهة الغلط عندهم من وجهين:
١ ـ أنهم جعلوا نصوص الصفات من قبيل المتشابه دون تفصيل لمعنى التشابه المقصود فيها.
٢ ـ عدم معرفتهم لإطلاقات التأويل، فإنهم قالوا: إنها متشابه لا يعلم تأويله إلا الله، والتأويل الذي استأثر الله بعلمه إنما هو الحقيقة والكيفية، والتأويل الباطل إنما هو تأويل أهل التحريف وهو صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، بل بمجرد التوهمات الباطلة التي تمجها العقول الفاضلة وهم في تأويلاتهم تلك يفرون من محاذير بزعمهم فيقعون في نظيرها أو أقبح منها.
* ويظهر تناقضهم من وجوه:
١ ـ أنهم ينسبون مذهبهم إلى السلف فلذلك قالوا: "مذهب السلف التفويض، ومذهب الخلف التأويل"، وقالوا: "ومذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أحكم". وهذه المقولة باطلة في نفسها وناقضة لما قبلها فإن الأسلم هو الأحكم والحكمة تقتضي السلامة.
٢ ـ أن الآية في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] أثبتت تأويلاً يعلمه الله وهم يقولون التأويل باطل فيحتجون بالآية التي أثبتت التأويل على بطلان التأويل مطلقاً.
٣ ـ قولهم: تجرى على ظاهرها، يعني أن الظاهر مراد.
وقولهم: إن لها تأويلاً لا يعلمه إلا الله، يعني أن الظاهر غير مراد. وهذا تناقض.
٤ ـ إن أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ غير المعنى كان إبطالهم للتأويل أو إثباته تناقضاً، لأن إثبات التأويل أو نفيه فرع عن فهم المعنى.
* وخلاصة إلزامهم: أنه لا يجوز له أن يقول: إن هذا اللفظ بعينه ظاهرُه غير مراد أو لا يعلم تأويله إلا الله لعدم الدليل المعين عليه ولعدم دلالة اللفظ على قوله هذا.
стр. 270
س١٨ـ هل يعلم ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر مجاملا أم فيه تفصيل؟ أوضح ذلك مع الدليل والتوجيه؟ ج ـ نعلم ما أخبر الله به من وجه فنعلمه من جهة المعنى ونجعله من جهة الكيفية قال تعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أمْ عَلَى قُلُوبٍ أقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤ [، ووجه الدلالة أنه حث على تدبر القرآن وتعقل معناه لأن ذلك ممكن.
س١٩ـ قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ] آل عمران: ٧ [. اختلف العلماء حول موضوع الوقوف في هذه الآية وضح ذلك؟ وما الذي يترتب عليه وهل يوجد تعارض بين هذه الأقوال وبين أقسام التأويل؟
ج ـ القول الأول: أن الوقوف يكون على لفظ الجلالة يعني على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ . فتكون الواو حينئذ للاستئناف في قوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ ويكون الخبر جملة ﴿يَقُولُونَ﴾ وهذا مذهب الجمهور مستدلين بقراءة ابن عباس ﵁ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ، ولأن الآية ذمت مبتغي المتشابه. ووصفتهم بالزيغ وابتغاء الفتنة وتكون دليلاً على مالا نعلم والمتشابه غير المحكم.
القول الثاني: أن الوقف على قوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فتكون الواو عاطفة. قال به طائفة على رأسهم مجاهد مستدلين بأن الله مدح العلماء بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم وهم لا يعلمون بذلك وهذا دليل على علمه بالمتشابه. ولا تعارض بين القولين لأن التأويل له ثلاثة معان:
• أولاً: إن التأويل هو حقيقة الشيء وما يؤول إليه الكلام وهذا جائز فإن أريد بالتأويل في الآية هذا المعنى فالوقف على لفظ الجلالة، لأن حقائق الأمور وما تؤول إليه لا يعلمها إلا الله.
• ثانياً: أن التأويل بمعنى التفسير والبيان، وهو الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه، وهذا من اصطلاح المفسرين، فمعنى قول مجاهد
стр. 271
أن العالم يعلم تأويل المتشابه فالمراد معرفة تفسيره.
• ثالثاً: أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، وهذا الاصطلاح كثير عند المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله وقد تسرب إلى القواميس اللغوية المتأخرة وهذا باطل.
س٢٠ ـ لماذا يُعَدُّ الفقهاءُ أعلم بالتأويل من أهل اللغة؟ وما معنى تأويل الأمر والنهي؟ وما الفرق بين التأويلين؟
ج ـ الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة لأنهم يعلمون ماأمر به ونهى عنه لعلمهم بمقاصد الرسول الله ﷺ ، وتأويل الخبر نفس وقوع المخبر به وتأويل الفعل نفس المأمور به، وهما من النوع الأول من أنواع التأويل.
* والفرق بين تأويل الأمر والنهي وتأويل الخبر: أن تأويل الأمر والنهي لابد من معرفته لامتثال المأمور به وترك المحذور، أما تأويل الخبر فيكفي مجرد الإيمان به، فإن ظهر معناه فهو من تعلم الله به وإن لم يظهر ذلك أو كل علمه إلى عالمه.
س٢١ ـ بين معاني المفردات الآتية مع التمثيل: الترادف ـ الاشتراك اللفظي ـ التواطؤ ـ التباين؟ وهل دلالة أسماء الله على ذاته من قبيل المترادف أم من قبيل المتواطئ؟
ج ـ الترادف: اختلاف اللفظ واتحاد المعنى. كالأسد والليث والهزبر كلها دالة على مسمى واحد.
الاشتراك اللفظي: اتحاد اللفظ واختلاف المعنى كالعين تستعمل للعين الجارية وللجاسوس.
стр. 272
التواطؤ: اتفاق اللفظ والمعنى ـ نور الشمس ونور القمر.
التباين: اختلاف اللفظ والمعنى مثل السماء والأرض.
س٢٢ ـ وصف الله القرآن كله بأنه محكم ووصفه بأنه متشابه. اذكر دليلاً لذلك ووضح التشابه والإحكام وبين هل هناك تعارض؟
ج ـ وصف القرآن بأنه متشابه فقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ آحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] ، ووصفه بأنه محكم حين قال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] وقال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١١] ، ومعنى أنه محكم أي أنه كلام متقن فصيح يميز بين الحق والباطل من أوامره، وبين الصدق والكذب من أخباره وهذا هو الإحكام العام.
ومعنى كونه متشابهاً، أي يشبه بعضه بعضاً في الكمال والجودة ويصدق بعضه بعضاً، وهذا هو التشابه العام وليس في ذلك تعارض بل المراد بإحكامه أنه متقن يصدق بعضه بعضاً ولا ينافي بعضه بعضاً فيكون متشابهاً أي يشبه بعضه بعضاً في الصدق والإعجاز.
س٢٣ـ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي آنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] ، ما المراد بالإحكام والتشابه هنا؟ مع تعريف التشابه والإحكام الخاص، وما منشأ التشابه وهل هو متشابه على كل الناس أم ماذا؟
ج ـ المراد بالإحكام والتشابه في هذه الآية هو الإحكام والتشابه الخاصان، والمتشابه الخاص هو خفاء المعنى وغموضه وهو مشابهته لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو وليس كذلك، ومنشؤه وجود قدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما الذي قد يهتدى إليه وقد لا يهتدى إليه.
والإحكام الخاص: ظهور المعنى ووضوحه وهو الفاصل بين الشيئين مع وجود الفاصل بين الشيئين
стр. 273
بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر. ويعتبر التشابه تشابهاً على بعض الناس وهم الذين لا يهتدون إلى التمييز بين الأمور المتشابهة مع أنه في حد ذاته ليس متشابهاً ومثله اشتباه موجودات الآخرة في الجنة بموجودات الدنيا.
س٢٤ ـ بين المراد بالاختلاف المنفي في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا﴾ [النساء: ٨٢] .
ج ـ المراد هو التناقض والاضطراب والمعنى أن القرآن ليس فيه تناقض واضطراب بحيث يكذب بعضه بعضاً، بل القرآن يصدق بعضه بعضاً.
س٢٥ ـ ما الذي يترتب على وجود المتشابه؟ وما أعظم الضلال الذي وقع فيه الناس، وضح ذلك؟
ترتب على وجود المتشابه ضلال كثير من بني آدم وأعظم ما وقعوا فيه أنه اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود فظنوا أن المخلوق هو الخالق، وسبب ذلك أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود فرأوا الوجود واحداً ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع.
س٢٦ ـ ذكر المؤلف أن الإحكام يزيل التشابه الخاص هات مثالاً يوضح ذلك مع بيان، وجه التشابه فيه؟
ج ـ مثال ذلك كلمتا "إنا"، و "نحن" في قوله ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] ، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر:٩] ، فمثل هذه النصوص تمسك بها النصارى في قولهم بتعدد الآلهة وأنه ثالث ثلاثة فالمحكم كقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] مما لا يحتمل إلا معنى واحداً يزيل الاشتباه، ومنشأ التشابه هنا أن لفظتي "إنا" و "نحن" يتكلم بهما الواحد والمعظم نفسه كما يتكلم بها شخص معه غيره، والرب سبحانه يتكلم بها لما له من العظمة والجلال، ولما له من العبيد والجنود الذين هم تحت قهره وأمره.
س٢٧ـ بين الألفاظ التي يقع فيها التشابه؟ وما الذي يمنع ذلك؟ وهل لفظ الوجود مقول بالاشتراك أم بالتواطؤ؟
стр. 274
يقع التشابه في الألفاظ المتواطئة والألفاظ المشتركة لفظياً وقد تقدم تعريفها.
والذي يزيل ذلك التشابه واحد من ثلاثة أمور:
١ـ عارض قاطع نافي للمماثلة كما تقدم.
٢ـ أو بالتعريف بأل.
٣ـ أو بالإضافة فالمضاف إليه هو الجنة نحو نعيم الجنة، فيعرف الفرق بينه وبين ما أضيف إلى الدنيا، وكذا التعريف بأل ولفظ الوجود مقول بالتواطؤ.
س٢٨ـ ما وجه إنكار الإمام أحمد وغيره على الجهمية ونحوهم لتأويلهم المشابه من القرآن على غير تأويله ـ وما المراد بالتأويل الذي أنكره عليهم؟
ج ـ وجه إنكاره ﵀ عليهم ما يأتي:
١ـ أنهم تأولوه على غيرتأويله.
٢ـ أن معاني صفات الله معلومة ومراده بكلامه مفهوم.
والمراد بالتأويل الذي أنكره عليهم هو تحريفهم النص عن معناه إلى غير معناه لغير دليل يوجب ذلك ـ وأما التأويل المراد به التفسير فهذا لا يعاب بل هو محمود وأما المراد به الكيفية فهذا لا يعلمه إلا الله ـ وقد صنف ﵀ كتاباً للرد على الزنادقة والجهمية.
س٢٩ ـ ما الذي يترتب على عدم معرفة أقسام التأويل أن يتناقض الإنسان ويضطرب في أقواله والذين يعطلون مع نفي التأويل هم المفوضة حيث يقولون إنه باطل وأن الحق إجراء اللفظ على ظاهره بدون فهم معناه ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] ، ويلزم على هذه المقالة ما يلي:
١ـ أننا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه البشر.
стр. 275
٢ـ أننا خوطبنا في القرآن بما لا معنى له بل هو ألفاظ جوفاء.
٣ـ أننا خوطبنا في القرآن بما لا نفهم منه شيئاً بل هو بمنزلة الألفاظ الرموز.
٤ـ قال تعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمَّد: ٢٤] وجه الدلالة أنه لو كانت معرفة النصوص مستحيلة لم يأمرنا الله بالتدبر.
٥ـ أنه لو كانت معرفة النصوص مستحيلة لكان إنزال القرآن والأمر بتدبره عبثاً والله منزه عن ذلك جلت قدرته.
стр. 276
القاعدة السادسة
الضابط الذي يُعرف به ما يجوز وما لا يجوز
على الله نفياً وإثباتاً
قال شيخ الإسلام:
"القاعدة السادسة: أنّ لقائل أن يقول: لابد في هذا الباب من ضابطٍ يعرف يه ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات.
إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه، أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد، وذلك أنه ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميّز.
فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه، قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل، وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه أو مشارك له في الاسم لزمك هذا في سائر ما تثبته، وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقول عاقل يتصور ما يقول، فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه، كما في الأسماء والصفات المتواطئة.
ولكن من الناس من يجعل التشبيه مفسراً بمعنى من المعاني، ثم إن كان كل من أثبت ذلك المعنى قالوا إنه مشبه، ومنازعهم يقول: المعنى ليس من التشبيه.
وقد يفرق بين لفظ "التشبيه" و "التمثيل"، وذلك أن المعتزلة ونحوهم من
стр. 277
نفاة الصفاة يقولون: كل من أثبت لله صفة قديمة فهو مشبِّه ممثَّل، فمن قال: إنّ لله علماً قديماً، أو قدرة قديمة، كان عندهم مشبهاً ممثلاً؛ لأن "القدم" عند جمهورهم هو أخصّ وصف الإله، فمن أثبت لله صفة قديمة فقد أثبت له مِثلاً قديماً، فيسمونه بهذا الاعتبار.
ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخصّ وصفه حقيقة ما لا يتصف به غيره، مثل كونه رب العالين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إلهٌ واحد، ونحو ذلك، والصفة لا تُوصف بشيء من ذلك.
ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات: إنها قديمة، بل يقول: الرب بصفاته قديم؛ ومنهم من يقول: هو قديم وصفته قديمة، ولا يقول: هو وصفاته قديمان، ولكن يقول: ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه، فإن القدم ليس من خصائص الذات المجردة، بل من خصائص الذات الموصوفة بصفات، وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم، فضلاً عن أن تختص بالقدم، وقد يقولون: الذات متصفة بالقدم وليس الصفات إلهاً ولا ربّاً، كما أن النبي محدَث وصفاته محدَثة، وليست صفاته نبياً.
فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم "التشبيه" و"التمثيل" كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك، ثم يقول لهم أولئك: هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيهاً، فهذا المعنى لم ينفه عقل ولا سمع، وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية.
والقرآن قد نفى مسمَّى "المثل" و "الند" ونحو ذلك، ولكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ولا كفأه ولا نده فلا تدخل في النص، وأما العقل فلم ينف مسمَّى "التشبيه" في اصطلاح المعتزلة.
وكذلك أيضاً يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز، والأجسام
стр. 278
متماثلة، فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلاً لسائر الأجسام، وهذا هو التشبيه.
وكذلك يقول هذا كثير من الصفاتية الذي يثبتون الصفات وينفون علوه على العرش وقيام الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك، ويقولون: الصفات قد تقوم بما ليس بجسم، وأما العلو على العالم فلا يصح إلا إذا كان جسماً، فلو أثبتنا علوه للزم أن يكون جسماً، وحينئذٍ فالأجسام متماثلة فيلزم التشبيه.
فلهذا تجد هؤلاء يسمُّون من أثبت العلو ونحوه مشبِّهاً، ولا يسمُّون من أثبت السمع والبصر والكلام ونحوه مشبِّهاً، كما يقوله صاحب "الإرشاد" وأمثاله.
وكذلك قد يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو يعلى وأمثاله من مثبتة الصفات والعلو، ولكن هؤلاء قد يجعلون العلو صفة خبرية، كما هو أول قولي القاضي أبي يعلى، فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه، وقد يقولون: إن ما يثبتونه لا ينافي في الجسم، كما يقولونه في سائر الصفات، والعاقل إذا تأمّل وجد الأمر فيما نفوه كالأمر فيما أثبتوه لا فرق.
وأصل كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم، والأجسام متماثلة، والمثبتون يجيبون عن هذا تارة بمنع المقدمة الأولى، وتارة بمنع المقدمة الثانية، وتارة بمنع كلتا المقدمتين، وتارة باستفصال.
ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل، سواء فسّروا الجسم بما يشار إليه، أو بالقائم بنفسه، أو بالموجود، أو بالمركب من الهيولي والصورة، ونحو ذلك.
فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة على أنها متماثلة، فهذا يُبنى على صحة ذلك، وعلى إثبات الجواهر المفردة وعلى أنها متماثلة، وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك.
والمقصود أنهم يطلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيماً بناء على تماثل الأجسام، والمثبتون ينازعهم في اعتقادهم، كإطلاق الرافضة لـ "النَّصب" على من تولى أبا بكر وعمر ﵄، بناءً على من أحبهما فقد أبغض
стр. 279
علياً ﵁، ومن أبغضه فهو ناصبي؛ وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأولى.
ولهذا يقول هؤلاء: إن الشيئين لا يشتبهان من وجه ويختلفان من وجه، وأكثر العقلاء على خلاف ذلك، وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبيّنّا فيه حجج من يقول بتماثل الأجسام وحجج من نفى ذلك، وبيّنا فساد قول من يقول بتماثلها.
وأيضاً فالاعتماد بهذا الطريق على نفي التشبيه اعتمادٌ باطل، وذلك أنه إذا ثبت تماثل الأجسام فهم لا ينفون ذلك إلا بالحجة التي ينفون بها الجسم، وإذا ثبت أن هذا يستلزم الجسم، وثبت امتناع الجسم، كان هذا وحده كافياً في نفي ذلك، لا يحتاج نفي ذلك إلى نفي مسمى "التشبيه" لكن نفي الجسم يكون مبنياً على نفي هذا التشبيه، بأن يُقال: لو ثبت له كذا وكذا لكان جسماً، ثم يقال: والأجسام متماثلة، فيجب اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع، وهذا ممتنع عليه، لكن حينئذ يكون من سلك هذا المسلك معتمداً في نفي التشبيه على نفي التجسيم، فيكون أصل نفيه نفي الجسم، وهذا مسلك آخر سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
وإنما المقصود هنا أن مجرد الاعتماد في نفي ما يُنفى على مجرد نفي التشبيه لا يفيد، إذ ما من شيئين إلا ويشتبهان من وجه ويفترقان من وجه، بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب، ونحو ذلك مما هو مقدّس عنه، فإن هذه طريقة صحيحة.
وكذلك إذا أُثبت له صفات الكمال، ونُفي مماثلة غيره له فيها، فإن هذا نفي المماثلة فيما هو مستحق له، وهذا حقيقة التوحيد، وهو أن لا يشركه شيء من الأشياء فيما هو من خصائصه، وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على وجه لا يماثله فيه أحدٌ، ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها إثبات ما وصف به نفسه من الصفات، ونفي مماثلته لشيء من المخلوقات.
فإن قيل: إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه ما يجوز عليه من
стр. 280
ذلك الوجه، ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه.
قيل: لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعاً على الرب تعالى؛ فإن ذلك لا يقتضي حدوثاً، ولا إمكاناً، ولا نقصاً، ولا شيئاً مما ينافي صفات الربوبية.
وذلك أن القدر المشترك هو مسمى "الوجود" أو "الموجود" أو "الحياة" أو "الحي"، أو "العلم" أو "العليم"، أو "السمع" و"البصر" أو "السميع" و"البصير"، أو "القدرة" أو "القدير"، والقدر المشترك مطلق كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك فيما يختص بالممكن المحدَث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به احدهما يمتنع اشتراكهما فيه.
فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال: كالوجود والحياة والعلم والقدرة، ولم يكن في ذلك ما يدل على شيء من خصائص المخلوقين، كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق ـ لم يكن في إثبات هذا محذور أصلاً، بل إثبات هذا من لوازم هذا من لوازم الوجود، فكل موجودَين لا بد بينهم من مثل هذا، ومن نفى هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود.
ولهذا لما اطّلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطِّلة، وكان جهم ينكر أن يُسمَّى الله شيئاً، وربما قالت الجهمية: هو شيء لا كالأشياء، فإذا نفى القدر المشترك مطلقاً لزم التعطيل التام.
والمعاني التي يوصف بها الرب ، كالحياة والعلم والقدرة، بل الوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك، وتجب له لوازمها؛ فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، وخصائص المخلوق التي يجب
стр. 281
تنزيه الرب عنها ليس من لوازم ذلك أصلاً، بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة وعلم ونحو ذلك، والله منزّه عن خصائص المخلوق وملزومات خصائصه.
وهذا الموضع من فهمه فهماً جيداً، وتدبره، زالت عنه عامة الشبهات، وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام، وقد بسط هذا في مواضع كثيرة، وبُيِّن فيها أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معيّناً مقيداً، وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا، لا أن الموجودات في الخارج يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميّز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله.
ولما كان الأمر كذلك كان كثير من الناس يتناقض في هذا المقام، فتارة يظن أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل، فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات لمن احتج به من النفاة.
ولكثرة الاشتباه في هذه المقام وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته، أو زائد على ماهيته؛ وهل لفظ "الوجود" مقول بالاشتراك اللفظي، أو بالتواطؤ، أو التشكيك، كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟ وفي وجود الموجودات هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟
وقد كثر من أئمة النظار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات، فتارة يقول أحدهم القولين المتناقضين، ويحكي عن الناس مقالات ما قالوها، وتارة يبقى في الشك والتحيُّز، وقد بسطنا من الكلام في هذه المقامات، وما وقع من الاشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة ما لا تتسع له هذه الجمل المختصرة.
وبيَّنا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة
стр. 282
في الخارج، بخلاف الماهية التي في الذهن فإنها مغايرة للموجود في الخارج، وأن اللفظ "الوجود" كلفظ: "الذات"، و"الشيء" و"الحقيقة" ونحو ذلك، وهذه الألفاظ كلها متواطئة، وإذا قيل: إنها مشكِّكة، لتفاضل معانيها، فالمشكك نوع من المتواطئ العام الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك، سواء كان المعنى متفاضلاً في موارده، أو متماثلاً.
وبيَّنا أن المعدوم شيء أيضاً في العلم والذهن، لا في الخارج، فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للمعالم القائم به.
وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف، لها وجود في الأذهان، وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة، وصفاتها القائمة بها المعيَّنة، فتتشابه بذلك وتختلف به.
وأما هذه الجمل المختصرة فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة، من فهمها عَلِمَ قدر نفعها، وانفتح له باب الهدى، وإمكان إغلاق باب الضلال، ثم بسطها وشرحها له مقام آخر، إذ لكل مقام مقال.
والمقصود هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة فيما ينفى عن الرب، وينزَّه عنه ـ كما يفعله كثير من المصنفين ـ خطأٌ لمن تدبَّر ذلك، وهذا من طرق النفي الباطلة.
فصل
وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفاة أو بعضها، إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: إنه بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة، والذين يقولون بإلهية بعض البشر، وأنه الله.
стр. 283
فإن كثيراً من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم أو التحيّز ونحو ذلك، ويقولون: لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسماً أو متحيزاً، وذلك ممتنع.
وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم الملاحدة، نفاة الأسماء والصفات، فإن هذه الطريق لا يحصل لها المقصود لوجوه:
• أحدهما: أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فساداً في العقل والدين من نفي التحيّز والتجسيم، فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك، وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام، والدليل معرفِّ للمدلول، ومبين له، فلا يجوز أن يُستدل على الأظهر الأبين بالأخفى، كما لا يُفعل مثل ذلك في الحدود.
• الو جه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الآفات يمكنهم أن يقولوا: نحن لا نقول بالتجسيم والتحيّز، كما يقوله من يثبت الصفات وينفي التجسيم، فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة صفات الكمال، فيصير كلام من وصف الله بصفات الكمال وصفات النقص واحداً، ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد، وهذا في غاية الفساد.
• الوجه الثالث: أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافه بصفات الكمال واجب، ثابت بالعقل والسمع، فيكون ذلك دليلاً على فساد هذه الطريقة.
• الوجه الرابع: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئاً منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كل من نفى شيئاً منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي، فمثبتة الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر، إذا قالت لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم؛ لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، فإنا لا نعرف موصوفاً بالصفات إلا جسماً.
قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: أنه حي عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجوداً: حياً عالماً قادراً إلا جسماً، فقد أثبتموه
стр. 284
على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن، وقالوا لهم: أنتم أثبتم حيّاً عالماً قادراً، بلا حياة ولا علم ولا قدرة، وهذا تناقض يُعلم بضرورة العقل.
ثم هؤلاء المثبتة إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ويحب ويبغض، أو من وصفه بالاستواء والنزول والإتيان والمجيء، أو بالوجه واليد ونحو ذلك، إذا قالوا: هذا يقتضي التجسيم؛ لأنا لا نعرف ما يوصف بذلك، إلا ما هو جسم، قالت لهم المثبتة: فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، وهذا هكذا، فإن كان هذا لا يوصف به إلا الجسم فالآخر كذلك، وإن أمكن أن يُوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك، فالتفريق بينهم بين المتماثلين.
ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقاً فاسداً لم يسلكه أحد من السلف والأئمة، فلم ينطق أحد منهم في حق الله تعالى بالجسم لا نفياً ولا إثباتاً، ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك؛ لأنها عبارات مجملة لا تحق حقاً، ولا تُبطل باطلاً، ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتَدَع الذي أنكره السلف والأئمة.
فصل
وأما في طرق الإثبات فمعلوم أيضاً أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه، إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يوصف الله من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه، وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم، كما يقال: يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم، ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم، كما قيل: له وجه لا كوجوههم، ويدان لا كأيديهم، حتى يذكر
стр. 285
المعدة والأمعاء والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله عنه، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً.
فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفة الخبرية وغيرها من الصفات: ما الفرق بين هذا وبين ما أثبته إذا نفيت التشبيه، وجعلت مجرد نفي التشبيه كافياً في الإثبات، فلا بد من إثبات فرق في نفس الأمر.
فإن قال: العمدة في الفرض هو السمع، فما جاء السمع به أثبته، دون ما لم يجئ به السمع.
قيل له: أولاً: السمع هو خبر الصادق عما هو الأمر عليه في نفسه، فما أخبره به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات، والخبر دليل على المخبَر عنه، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتاً في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع، إذا لم يكن قد نفاه، ومعلوم أن السمع لم ينف كل هذه الأمور بأسمائها الخاصة، فلابد من ذكر ما ينفيها من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذٍ نفيها، كما لا يجوز إثباتها.
وأيضاً فلا بد في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وينفى عنه، فإن الأمور المتمثلة في الجواز والوجوب والامتناع يمتنع اختصاص بعضها دون بعض بالجواز والوجوب والامتناع، فلا بد من اختصاص المنفي عن المثبَت بما يخصه بالنفي، ولابد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت. وقد يعبر عن ذلك بأن يقال: لابد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله تعالى، كما أنه لابد من أمر يُثبت له ما هو ثابت، وغن كان السمع كافياً كان مخبراً عما هو الأمر عليه في نفسه، فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا؟
فيقال: كل ما نافى صفات الكمال الثابتة لله فهو منزه عنه، فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر، فإذا عُلم أنه موجود واجب الوجود بنفسه، وأنه قديم واجب القدم، عُلم امتناع العدم والحدوث عليه، وعُلم