تنزيه الرب عنها ليس من لوازم ذلك أصلاً، بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة وعلم ونحو ذلك، والله منزّه عن خصائص المخلوق وملزومات خصائصه.
وهذا الموضع من فهمه فهماً جيداً، وتدبره، زالت عنه عامة الشبهات، وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام، وقد بسط هذا في مواضع كثيرة، وبُيِّن فيها أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معيّناً مقيداً، وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا، لا أن الموجودات في الخارج يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميّز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله.
ولما كان الأمر كذلك كان كثير من الناس يتناقض في هذا المقام، فتارة يظن أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل، فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات لمن احتج به من النفاة.
ولكثرة الاشتباه في هذه المقام وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته، أو زائد على ماهيته؛ وهل لفظ "الوجود" مقول بالاشتراك اللفظي، أو بالتواطؤ، أو التشكيك، كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟ وفي وجود الموجودات هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟
وقد كثر من أئمة النظار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات، فتارة يقول أحدهم القولين المتناقضين، ويحكي عن الناس مقالات ما قالوها، وتارة يبقى في الشك والتحيُّز، وقد بسطنا من الكلام في هذه المقامات، وما وقع من الاشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة ما لا تتسع له هذه الجمل المختصرة.
وبيَّنا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة
стр. 282
في الخارج، بخلاف الماهية التي في الذهن فإنها مغايرة للموجود في الخارج، وأن اللفظ "الوجود" كلفظ: "الذات"، و"الشيء" و"الحقيقة" ونحو ذلك، وهذه الألفاظ كلها متواطئة، وإذا قيل: إنها مشكِّكة، لتفاضل معانيها، فالمشكك نوع من المتواطئ العام الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك، سواء كان المعنى متفاضلاً في موارده، أو متماثلاً.
وبيَّنا أن المعدوم شيء أيضاً في العلم والذهن، لا في الخارج، فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للمعالم القائم به.
وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف، لها وجود في الأذهان، وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة، وصفاتها القائمة بها المعيَّنة، فتتشابه بذلك وتختلف به.
وأما هذه الجمل المختصرة فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة، من فهمها عَلِمَ قدر نفعها، وانفتح له باب الهدى، وإمكان إغلاق باب الضلال، ثم بسطها وشرحها له مقام آخر، إذ لكل مقام مقال.
والمقصود هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة فيما ينفى عن الرب، وينزَّه عنه ـ كما يفعله كثير من المصنفين ـ خطأٌ لمن تدبَّر ذلك، وهذا من طرق النفي الباطلة.
فصل
وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفاة أو بعضها، إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: إنه بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة، والذين يقولون بإلهية بعض البشر، وأنه الله.
стр. 283
فإن كثيراً من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم أو التحيّز ونحو ذلك، ويقولون: لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسماً أو متحيزاً، وذلك ممتنع.
وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم الملاحدة، نفاة الأسماء والصفات، فإن هذه الطريق لا يحصل لها المقصود لوجوه:
• أحدهما: أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فساداً في العقل والدين من نفي التحيّز والتجسيم، فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك، وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام، والدليل معرفِّ للمدلول، ومبين له، فلا يجوز أن يُستدل على الأظهر الأبين بالأخفى، كما لا يُفعل مثل ذلك في الحدود.
• الو جه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الآفات يمكنهم أن يقولوا: نحن لا نقول بالتجسيم والتحيّز، كما يقوله من يثبت الصفات وينفي التجسيم، فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة صفات الكمال، فيصير كلام من وصف الله بصفات الكمال وصفات النقص واحداً، ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد، وهذا في غاية الفساد.
• الوجه الثالث: أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافه بصفات الكمال واجب، ثابت بالعقل والسمع، فيكون ذلك دليلاً على فساد هذه الطريقة.
• الوجه الرابع: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئاً منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كل من نفى شيئاً منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي، فمثبتة الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر، إذا قالت لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم؛ لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، فإنا لا نعرف موصوفاً بالصفات إلا جسماً.
قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: أنه حي عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجوداً: حياً عالماً قادراً إلا جسماً، فقد أثبتموه
стр. 284
على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن، وقالوا لهم: أنتم أثبتم حيّاً عالماً قادراً، بلا حياة ولا علم ولا قدرة، وهذا تناقض يُعلم بضرورة العقل.
ثم هؤلاء المثبتة إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ويحب ويبغض، أو من وصفه بالاستواء والنزول والإتيان والمجيء، أو بالوجه واليد ونحو ذلك، إذا قالوا: هذا يقتضي التجسيم؛ لأنا لا نعرف ما يوصف بذلك، إلا ما هو جسم، قالت لهم المثبتة: فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، وهذا هكذا، فإن كان هذا لا يوصف به إلا الجسم فالآخر كذلك، وإن أمكن أن يُوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك، فالتفريق بينهم بين المتماثلين.
ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقاً فاسداً لم يسلكه أحد من السلف والأئمة، فلم ينطق أحد منهم في حق الله تعالى بالجسم لا نفياً ولا إثباتاً، ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك؛ لأنها عبارات مجملة لا تحق حقاً، ولا تُبطل باطلاً، ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتَدَع الذي أنكره السلف والأئمة.
فصل
وأما في طرق الإثبات فمعلوم أيضاً أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه، إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يوصف الله من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه، وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم، كما يقال: يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم، ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم، كما قيل: له وجه لا كوجوههم، ويدان لا كأيديهم، حتى يذكر
стр. 285
المعدة والأمعاء والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله عنه، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً.
فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفة الخبرية وغيرها من الصفات: ما الفرق بين هذا وبين ما أثبته إذا نفيت التشبيه، وجعلت مجرد نفي التشبيه كافياً في الإثبات، فلا بد من إثبات فرق في نفس الأمر.
فإن قال: العمدة في الفرض هو السمع، فما جاء السمع به أثبته، دون ما لم يجئ به السمع.
قيل له: أولاً: السمع هو خبر الصادق عما هو الأمر عليه في نفسه، فما أخبره به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات، والخبر دليل على المخبَر عنه، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتاً في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع، إذا لم يكن قد نفاه، ومعلوم أن السمع لم ينف كل هذه الأمور بأسمائها الخاصة، فلابد من ذكر ما ينفيها من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذٍ نفيها، كما لا يجوز إثباتها.
وأيضاً فلا بد في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وينفى عنه، فإن الأمور المتمثلة في الجواز والوجوب والامتناع يمتنع اختصاص بعضها دون بعض بالجواز والوجوب والامتناع، فلا بد من اختصاص المنفي عن المثبَت بما يخصه بالنفي، ولابد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت. وقد يعبر عن ذلك بأن يقال: لابد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله تعالى، كما أنه لابد من أمر يُثبت له ما هو ثابت، وغن كان السمع كافياً كان مخبراً عما هو الأمر عليه في نفسه، فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا؟
فيقال: كل ما نافى صفات الكمال الثابتة لله فهو منزه عنه، فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر، فإذا عُلم أنه موجود واجب الوجود بنفسه، وأنه قديم واجب القدم، عُلم امتناع العدم والحدوث عليه، وعُلم
стр. 286
أنه غني عما سواء، فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه نفسه ليس هو موجوداً بنفسه، بل بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسُه، فلا يوجد إلا به، وهو قدير قوي، فكل ما نافى قدرته وقوته فهو منزه عنه، وهو سبحانه حيّ قيوم، فكل ما نافى حياته وقيوميته فهو منزه عنه.
وبالجملة فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد، فكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه، كما ينفي عنه المثل والكفؤ، فإن إثبات الشيء نفي لضده ولما يستلزم ضده، والعقل يعرف نفي ذلك، كما يعرف إثبات ضده، فإثبات أحد الضدين نفي للآخر ولِمَا يستلزمه.
وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور حتى نفوا النفي، فقالوا: لا يقال موجود ولا ليس بموجود، ولا حيّ ولا ليس بحي؛ لأن ذلك تشبيه بالموجود أو المعدوم، فلزمهم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعاً.
ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيه بالمعدومات والممتنعات والجمادات أعظم مما فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملين، فطرق تنزيهه وتقديسه عما هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا.
وقد تقدم أن ما ينفى عنه ينفى لتضمن النفي الإثبات، إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال، فإن المعدوم يوصف بالنفي، والمعدوم لا يشبه الموجود، وليس هذا مدحاً له؛ لأن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص مطلق، كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه، ينزّه عنه الرب ﵎.
والنقص ضد الكمال، وذلك مثل أنه قد عُلم أنه حيّ والموت ضد ذلك
стр. 287
فهو منزّه عنه، وكذلك النوم والسِّنة ضد كمال الحياة، فإن النوم أخو الموت، وكذلك اللغوب نقص في القدرة والقوة، والأكل والشرب ونحو ذلك من الأمور فيه افتقار على موجود غيره، كما أن الاستعانة بالغير والاعتضاد به ونحو ذلك يتضمن الافتقار إليه والاحتياج إليه، وكل من يحتاج إلى من يحمله أو يعينه على قيام ذاته، أو أفعاله، فهو مفتقر إليه ليس مستغنياً بنفسه، فكيف من يأكل ويشرب، والآكل والشارب أجوف والمُصْمَت الصمد أكمل من الآكل الشارب، ولهذا كانت الملائكة صمداً لا تأكل ولا تشرب.
وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص تنزّه عنه مخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك، والسمع قد نفى ذلك في غير موضع كقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] ، والصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب، وهذه السورة هي نسب الرحمن١، وهي الأصل في هذه الباب.
وقال في حق المسيح وأمه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلآ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] ، فجعل ذلك دليلاً على نفي الألوهية، فدل ذلك على تنزيهه بطريق الأوْلى والأحرى.
والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك، بخلاف اليد فإنها للعمل والفعل، وهو موصوف بالعمل والفعل، إذ ذلك من صفات الكمال، فمن يقدر أن يفعل أكمل ممن لا يقدر على الفعل.
وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم للضعف والعجز الذي ينزه الله عنه، بخلاف
стр. 288
الفرح والغضب فإنه من صفات الكمال، فكما يوصف بالقدرة دون العجز، وبالعمل دون الجهل، وبالحياة دون الموت، وبالسمع دون الصمم، وبالبصر دون العمى، وبالكلام دون البكم، فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن، وبالضحك دون البكاء، ونحو ذلك.
وأيضاً فقد ثبت بالعقل ما أثبته من أنه لا كفؤ له، ولا سمي له، وليس كمثله شيء فلا يجوز أن تكون حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات، ولا حقيقة شيء من صفاته كحقيقة شيء من صفات المخلوقات، فنعلم قطعاً أنه ليس من جنس المخلوقات، لا الملائكة ولا السموات ولا الكواكب، ولا الهواء ولا الماء ولا الأرض، ولا الآدميين ولا أبدانهم ولا أنفسهم، ولا غير ذلك، بل يُعلم أن حقيقته عن مماثلة شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر.
فإن الحقيقتين إذا تماثلتا جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى، ووجب لها ما وجب لها، وامتنع عليها، فيلزم أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على المحدَث المخلوق من العدم والحاجة، وأن يثبت لهذا ما يثبت لهذا ما يثبت لذاك من الوجوب والغنى، فيكون الشيء الواحد واجباً بنفسه غير واجب بنفسه، موجوداً معدوماً، وذلك جمع بين النقيضين.
وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون: بصر كبصري، ويد كيدي، ونحو ذلك، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له، وما ينزه عنه، واستيفاء طرق ذلك؛ لن هذا مبسوط في غير هذا الموضع، وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه، وما سكت عنه السمع نفياً وإثباتاً، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه، سكتنا عنه فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته، والله أعلم".
стр. 289
معاني الكلمات:
ضابط: ضبط الشيء أي حفظه بالجزم.
في هذا الباب: أي باب الصفات.
نفي التشبيه: أي نفي التشبيه بدون إثبات كمال الضد وإثبات الصفات الواردة في الكتاب والسنة.
الأسماء المتواطئة: التواطؤ: اتفاق اللفظ والمعنى.
قدر الاشتراك: هو المعنى العام.
عناصر الموضوع:
١ ـ موضوع القاعدة السادسة:
أـ هو الضابط الذي يعرف به ما يجوز على الله وما لا يجوز.
ب ـ بيان خطأ طريقة في النفي والتنزيه.
٢ ـ على من يرد شيخ الإسلام بالقاعدة السادسة:
يرد شيخ الإسلام بالقاعدة بين شيخ الإسلام أن الصفات معلومة لنا باعتبار المعنى مجهولة لنا باعتبار الكيفية والحقيقة، فناسب بعد ذلك أن يضع ضابطاً إثبات الصفات اللائقة بالله والضابط في نفي الصفات، وبيان خطأ من خالف هاتين الطريقتين من المعطلة.
٣ ـ الصلة بين القاعدتين الخامسة والسادسة:
في القاعدة الخامسة بين شيخ الإسلام أن الصفات معلومة لنا باعتبار المعنى مجهولة لنا باعتبار الكيفية والحقيقة، فناسب بعد ذلك أن يضع ضابطاً لإثبات الصفات اللائقة بالله والضابط في نفي الصفات، وبيان خطأ من خالف هاتين الطريقتين من المعطلة.
٤ ـ شرح القاعدة السادسة:
صفات الله تعالى دائرة بين النفي والإثبات، فتثبت لله جميع ما وصف به نفسه، أو وصف به رسوله ﵇، وينفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﵇ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
стр. 290
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ، وإنما جمع الله في نفسه بين النفي والإثبات، لأنه لا يتم كمال الموصوف إلا بنفي صفات النقص وإثبات صفات الكمال، فكل الصفات التي نفاها عن نفسه صفات نقص، وكل ما أثبته الله لنفسه فهي صفات كمال على وجه لا نقص فيها بحال من الأحوال، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] ، والمثل الأعلى هو الوصف الأكمل الذي لا يماثله شيء.
وأما الضابط في النفي أن ينفي عن الله:
أولاً: كل صفة عيب كالعمى والصم والخرس والنوم والموت ونحو ذلك.
ثانياً: كل نقص في كماله كنقص في حياته أو علمه أو قدرته أو عزته أو حكمته، أو نحو ذلك.
ثالثاً: مماثلته للمخلوقين كأن يجعل علمه كعلم المخلوق، أو وجهه كوجه المخلوق أو استواءه على عرشه كاستواء المخلوق، ونحو ذلك.
فمن أدلة انتفاء الأول عنه: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] ، فإن ثبوت المثل الأعلى وهو الوصف الأعلى يستلزم انتفاء كل صفة عيب.
ومن أدلة انتفاء الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالآرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ آيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] .
ومن أدلة انتفاء الثالث: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
٥ ـ ما تدور عليه هذه القاعدة:
تدور هذه القاعدة على مسألتين:
١ـ الضابط الصحيح في النفي والإثبات.
٢ـ بيان خطأ طريقة المتكلمين، وضابطهم في النفي أو الإثبات.
стр. 291
٦ ـ طريقة المتكلمين في التنزيه:
للمتكلمين طريقتان للتنزيه:
الأولى: التنزيه بنفي التشبيه.
الثانية: التنزيه بنفي التجسيم.
٧ ـ الفرق بين التشبيه والتمثيل:
الفرق بينهما من وجهين:
١ـ أن التمثيل ورد نفيه بالنص، وأما التشبيه فمن غير نصَّ.
٢ـ أن التمثيل فيه مشابهة من جميع الوجوه، وأما التشبيه فمن بعض الوجوه.
٨ ـ وجه بطلان طريقة المتكلمين في التنزيه وذلك بنفي التشبيه:
لا يصح الاعتماد على طريقة المتكلمين في التنزيه على مجرد نفي التشبيه وذلك لوجهين:
١ـ أنه إذا أريد بالنفي التشابه المطلق، فإن هذا لغو من القول، ولم يقل أحد بتساوي الخالق والمخلوق من كل وجه بحيث يثبت لأحدهما من (الجائر والممتنع) ما يثبت للآخر.
٢ـ إذا أريد بالنفي نفي التشابه من بعض الوجوه فهذا النفي لا يصح؛ إذ ما من شيء إلا وبينهما قدر مشترك وقدر مختص يتميز به كل واحد عن الآخر.
فالحياة مثلاً وصف مشترك بين الخالق والمخلوق، لكن حياة الخالق كاملة من جميع الوجوه لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء بخلاف المخلوق، فإنها حياة ناقصة مسبوقة بعدم متلوة بفناء.
٩ ـ وجه بطلان طريقة المتكلمين في التنزيه وذلك بنفي التجسيم:
لا يصح الاعتماد في ضابط النفي على مجرد نفي التجسيم وذلك للوجوه الآتية:
стр. 292
١ـ أن طريقة التنزيه بنفي التجسيم لم ترد في الكتاب ولا في السنة، ولم يذكرها الله في كتابه في إنكاره على اليهود والكفار.
٢ـ أن هذه الطريقة في النفي لم يسلكها أحد من السلف ولم ينطقوا بها نفياً ولا إثباتاً فهي عبارة مجملة لا تحق حقاً، ولا تبطل باطلاً.
٣ـ أن من ينزه الله بنفي التجسيم يدخل فيه نفي صفاته الواردة في الكتاب والسنة؛ لأن إثباتها في نظرة تجسيم.
٤ـ أن من يسلكون هذه الطريقة في النفي متناقضون، فمثلاً: إذا قالت الأشاعرة بإثبات صفة الحياة والعلم والقدرة، ترد عليهم المعتزلة: بأن هذا يستلزم التجسيد، فتقول الأشاعرة وأنتم تثبتون الأسماء الحسنى مع عدم التجسيم، فكذلك نثبت صفات العلم والقدرة بلا تجسيم.
٥ـ أن هذه الطريقة ابتدعها المتكلمون لذا أنكرها السلف.
١٠ ـ إثبات القدر المشترك:
ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، فمن نفى القدر الفارق فقد مثل، ومن نفى القدر المشترك فقد عطل، فالنافي للصفات إن اعتمد فيما ينفيه على نفي التشبيه قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل.
وإن أردت أنه متشابه له من وجه دون وجه أو مشارك له في الاسم فإن هذا هو الحق الذي يلزم في سائر الصفات، فالله سبحانه موجود والمخلوق موجود، ولكن وجود الله ليس كوجود المخلوق واتفاقهما في الاسم العام لا يقتضي مماثلتهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره.
١١ ـ المخالفون لأهل السنة في ضابط الإثبات:
خالف المتكلمون أهل السنة في ضابط الإثبات عند أهل السنة واتخذوا ضابطاً خاصاً بهم ألا وهو مجرد الإثبات، وهذا الضابط لا يصح؛ لأنه لو صح لجاز أن يثبت المفتري لله كل صفة نقص مع نفي التشبيه، فيصفه بالحزن والبكاء ويقول: إن الله يحزن لا كحزن العباد ويبكي لا كبكائهم.
стр. 293
ولجاز أيضاً أن يثبت المفتري لله أعضاء كثيرة مع نفي التشبيه، فيقول: إن لله كبداً لا كأكباد العباد، وأمعاء لا كأمعائهم ونحو ذلك.
١٢ ـ الأدلة على نفي مماثلة الله لخلقه:
الأدلة على نفي مماثلة الله لخلقه كثيرة منها:
١ ـ الأدلة النقلية: كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] ، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدَادًا﴾ [البقرة:٢٢] .
٢ ـ الأدلة العقلية: لو قلنا بالتماثل لزم أن يجب له ما يجب للمخلوقين وأن يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين، وهذا باطل، لأنه يلزم منه أن يكون الخالق القديم الواجب بنفسه جائزاً عليه العدم والحاجة، ويكون للمخلوق صفة الوجوب والقدم فيكون الشيء الواحد واجباً بنفسه وغير واجب بنفسه قديماً ومحدثاً، وذلك جمع بين النقيضين وهو ممتنع ومن هنا يعلم بطلان قول المشبهة اللذين يقولون: له بصر كبصري وله يد كيدي كما سبق النقل عن إسحاق بن راهوية: "إنما يكون التشبيه إذا قال: يد مثل يدي، أو سمع مثل سمعي؛ فهذا التشبيه"١.
الأسئلة والأجوبة الواردة على القاعدة السادسة:
س١ ـ ما الفرق بين التشبيه والتمثيل؟
ج ـ الفرق بينهما من وجهين:
• الوجه الأول: أن التمثيل ورد نفيه بالنص، وأما التشبيه فمن غير نص.
• الوجه الثاني: أن التمثيل فيه مشابهة من جميع الوجوه، وأما التشبيه فمن بعض الوجوه.
стр. 294
س٢ ـ ما هي طرق التنزيه عتد المتكلمين؟
ج ـ طرق التنزيه بنفي التشبيه.
الأولى: التنزيه بنفي التشبيه.
الثانية: التنزيه بنفي التجسيم.
س٣ ـ اذكر شبهة تعدد القدماء، ومن القائلون بها، وما الرد عليهم؟
ج ـ شبهتهم: أن كل من أثبت لله صفة قديمة فقد جعل له شريكاً يماثله في القدم، وبناء عليه لا يجوز القول بتعدد الصفات لأنه قول بتعدد القدماء عندهم، وهو تشبيه وكفر بإجماعهم.
* والقائلون بها هم المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات.
* والرد عليهم من أربعة أوجه:
• أولاً: منع أن يكون أخص وصف للإله هو القدم بل أخص وصف هو ما لا يتصف به غيره مثل رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إله واحد، والصفات لا توصف بهذه الأوصاف.
• ثانياً: إذا سلمنا ذلك فإن وصف الصفات بالقدم لا يلزم منه تعدد القدماء وإثبات شريك لله وذلك لأمرين:
١ـ أن القدم إنما هو وصف لذات متصفة بصفات وليس وصفاً للذات المجردة عن الصفات.
٢ـ إذا قيل: إن الصفات متصفة بالقدم فلا تكون إلهاً؛ لأنها قائمة بذات الله كما أننا لو قلنا: إن النبي ﷺ محدث وصفاته محدثة فلا تكون صفاته نبياً.
• ثالثاً: أن الشرع لم ينف هذا التشبيه وإنما نفى (المثل) كما في قول تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . والصفة ليست مثلاً للموصوف وكذلك نفي (الكفء) كما في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ، والصفة ليست كفؤاً للموصوف. فلا تدخل هذه الصفات فيما نفاه الشرع لغة.
стр. 295
• رابعاً: وكذلك فإن العقل لم ينف هذا المعنى، فإن الصفات قائمة بالذات فوصفها بالقدم لا يدل على التمثيل بل قدم الصفات تابع لقدم الذات ويستحيل في الخارج وجود ذات مجردة عن أي صفة.
س٤ ـ اذكر الطرق الصحيحة في النفي أي التنزيه؟
ج ـ الطرق الصحيحة في النفي هي ثلاثة:
• الأولى: هي نفي ما نفاه الله عن نفسه تصريحاً، وهي طريقة نقلية نصية كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا آحَدٌ﴾ .
• الثانية: نفي النقص والعيب عن الله تعالى كالعمى والصمم والجوع وغيرها وضابط النقص والعيب أحد أمرين:
١ـ كل ما يضاد الكمال الذي وصف الله به نفسه فإذا قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] كان ضده نقصاً ـ كالصمم والعمى.
٢ـ إذا نفى عن نفسه نقصاً دل على اتصافه بما هو من لوازم ذلك النقص فمثلاً: نفى الصاحبة والولد دليل على عدم اتصافه بالشهوة ونحوها من اللوازم.
• الثالثة: نفي مماثلته للمخلوقين فكل صفة كمال فهو متصف بها لا يماثله فيها شيء، وهذا مذهب سلف الأئمة وأئمتها، إثبات ما وصف الله به نفسه بلا تمثيل.
س٥ ـ اذكر وجوه بطلان طريقة التنزيه بنفي التشبيه؟
ج ـ وجوه بطلانها ما يلي:
١ـ إن أردت أنه مماثل من كل وجه باطل لأن بين الخالق والمخلوق فروقاً تعلم ضرورة، ويكفي فرقاً أن هذا خالق وذاك مخلوق فضلاً عن البون العظيم بينهما.
٢ـ وإن أردت أنه مشابه من وجه دون وجه أو مشارك له في الاسم لزمك النفي في سائر ما تثبته الوجود لأنه يشترك مع
стр. 296
وجود المخلوقات في مسمى الوجود، وإن قلت بأن وجوده يختص به، قلنا وكذلك ذاته وصفاته تختص به.
٣ـ وإن أردت ما فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع على الآخر، ويجب له ما يجب على الآخر، فإثبات مثل هذا التشبيه لا يقول به عاقل فهو ممتنع بضرورة العقل ومستلزم للجمع بين النقيضين، ولأن الله تعالى واجب الوجود والمخلوق ممكن، فلو جاز للواجب أن يكون ممكناً أصبح هذا جمعاً بين النقيضين.
س٦ـ اذكر وجوه بطلان طريقة التنزيه بنفي التجسيم؟
ج ـ هذه الطريقة باطلة من وجوه خمسة:
• أولالاً: إن وصف الله بهذه النقائص أظهر فساداً من نفي التجسيم فإن فيها اشتباهاً ونزاعاً بينما كفر القائل بهذه النقائض أظهر، ولا يجوز أن يكون الدليل وهو نفي التجسيم أخفى من المدلول وهو نفي النقائص عن الله، مثل الحدود (التعريفات) فلا يصح أن يكون التعريف أخفى من المعَرَّف، كمن يعرِّف الخمر بأنها العقار، فإنه أخفى من الخمر.
• ثانياً: إن هذا الذي يصفه بالبكاء والرمد وغيره من النقائص يمكنه أن يقول نحن لا نقول بالتجسيم، مثل من يثبت الصفات دون تجسيم، فيصبح نزاع هؤلاء الكفار مثل نزاع مثبتة الكمال، ويبقى رد نفاة التجسيم على من وصف الله بالنقص ومن وصفه بالكمال بطريق واحد، وهذا في غاية الفساد فإن الطريق الذي يسوي بين الحق والباطل من أفسد طرق الرد.
• ثالثاً: إن من ينفي التجسيم ينفي صفات الكمال بهذه الطريقة فراراً من التجسيم بزعمه، فيقول: لا أثبت الصفات فراراً من التجسيم واتصافه بصفات الكمال واجب عقلاً ونقلاً وقد عارضها بنفي التجسيم، فيكون ذلك دليلاً على فساد طريقته هذه.
• رابعاً: إن من يسلكون هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت أو نفى
стр. 297
شيئاً من الصفات ألزمه الآخر بما يتفقون عليه من النفي أو الإثبات كما سبق مع الأشاعرة.
• خامساً: ومما يبين بطلان هذه الطريقة في النفي أنها لم يسلكها السلف ولم ينطق أحد منهم بالجسم نفياً ولا إثباتاً ولا الجوهر والتحيز؛ لأنها عبارات مجملة لا تحق حقاً ولا تبطل باطلاً، ولم يذكرها الله في كتابه في إنكاره على اليهود والكفار بل هو من الكلام المبتدع الذي أنكره السلف.
س٧ ـ كيف نجيب على من زعم أن إثبات القدر المشترك يستلزم أن يجوز على الله ما يجوز على المخلوقات، وأن يجب له ما يجب لهم، وأن يمتنع عليه ما يمتنع عليهم؟
ج ـ نجيب على هذا السؤال بما يلي:
١ـ أنه لو فرضنا أن قول المعترض صحيح فإذا كان القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الله أو نفي ما يجب عليه، فعندها لا يكون ها الاشتراك ممتنعاً.
٢ـ وأيضاً فإننا إذا قلنا: إن الله تعالى موجود حي عليم سميع بصير، وسمى بعض عباده حياً سميعاً عليماً بصيراً، فهو مطلق لا فيما يختص بالخالق أو المخلوق من خصائص.
٣ـ بل إثبات هذا القدر المشترك الكلي من لوازم الوجود فكل موجودين لا بد أن يشتركا في هذا المعنى العام الذي هو ضد العدم، ومن نفى هذا المعنى العام لزمه تعطيل الوجود، لذلك لما تفطن الأئمة لحقيقة قول الجهمي وأنه يفضي إلى نفي وجود الله سموهم معطلة، وكان جهم ينكر أن يسمى اله شيئاً مع أن كل موجود شيء، وقد ورد إطلاق الشيء على الله تعالى كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] ، ولكن أتباعه الجهمية قالوا شيء لا كالأشياء، ومرادهم بذلك نفي الصفات.
٤ـ وجميع المعاني التي يوصف الله تعالى بها كالحياة والعلم والقدرة تثبت لله تعالى مع لوازمها، فحياة الله تعالى يلزم منها عدم الموت والأزلية
стр. 298
ونحوها من خصائص الخالق وعلمه يلزم منه الكمال المطلق.. وهكذا، فخصائص المخلوق ليست من لوازم تلك الصفات لأن الله تعالى منزه عن خصائص المخلوقات وملزوماته كالحدوث والافتقار، فبذلك لا يكون في إثبات القدر المشترك تشبيه.
س٨ ـ اذكر أمثلة لبعض المتكلمين الذين شهدوا على أنفسهم بالحيرة والاضطراب؟
ج ـ من المتكلمين الذين شهدوا على أنفسهم بالحيرة والاضطراب ما يلي:
١ـ محمد بن نامار الخُونَجِي وكان عالماً بالفلسفة والمنطق، روي أنه قال عند موته: (أموت وما علمت شيئاً إلا أن الممكن يفتقر إلى الواجب ثم قال الافتقار وصف عدمي، أموت وما علمت شيئاً) .
٢ـ محمد بن واصل الحموي وكان مؤرخاً وعالماً بالمنطق، روي أنه قال: (أبيت بالليل واستلقي على ظهري وأضع الملحفة على وجهي، وأبيت أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس، وأصبح وما ترجح عندي شيء) .
٣ـ الشهرستاني: وكان مما قال في إنشاده ما يلي:
لعمري قد طفت المعاهد كلها
وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر
على ذقن أو قارعاً سن نادم
٤ـ فخر الدين الرازي وكان مفسراً أصولياً متكلماً ومن قوله ما يلي:
نهاية إقدام العقول عقال
وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسوم
وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثاً طول عمرنا
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وقال لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما وجدتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وفي النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ
стр. 299
شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وهذه طريقة أهل السنة المنزهة عن التناقض والاضطرب.
٥ـ الوليد بن أبان الكرابيس أحد أئمة الكلام، قال لبنيه عند وفاته: (تعلمون أحداً أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا قال: فتتهموني؟ قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم. قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم) . وشهادات المتكلمين على أنفسهم بالشك والاضطراب أكثر من أن تحصى.
س٩ ـ ما القول الحق في المسائل التالية:
أـ وجود الرب هل هو عين ماهيته، أو زائد عنها؟
ب ـ لفظ الوجود هل هو من قبيل المشترك اللفظي، أم المتواطئ، أم المشكك؟
ج ـ إثبات الأحوال؟
د ـ هل المعدوم شيء أم لا؟
هـ ـ هل وجود الموجودات عين ماهيتها أم لا؟
ج ـ هذه المسائل من المسائل التي وقع فيها اضطراب المتكلمين بسبب الاضطراب في الاشتراك والقول الحق فيها ما يلي:
أـ أن وجود الموجودات هو عين ماهيتها ـ خصائصها الذاتية ـ أو حقيقتها في الخارج، لكنه زائد عن ماهيتها في الذهن، فإنه في الذهن يكون عاماً كلياً وفي الخارج يزيد بتقييدات وتخصيصات هي عين حقيقته الخارجية الزائد عما في الذهن.
ب ـ القول الصحيح فيها هو أن الوجود متواطئ؛ أي متحد لفظاً ومعنى والفرق بين التواطؤ اتفاق في اللفظ والمعنى مع الاتحاد في المعنى الكلي، كلفظ (الإنسان) فإن زيداً وعمراً متفقان في الإنسانية ولا يتفاوتان فيها. أما التشكيك: فهو اتفاق في اللفظ والمعنى أيضاً، ولكن مع التفاوت في المعنى الكلي مثل البياض فإن الثلج والإنسان متفقان في البياض مع التفاوت بين بياض كل منهما.
стр. 300
ج ـ الحق في إثبات الأحوال أنها لا وجود لها إلا في الأذهان، وأما في الأعيان فلا توجد إلا الذوات وصفاتها القائمة بها.
د ـ الصواب أن المعدوم شيء في العلم والذهن، وليس بشيء في الخارج، وهذا التفصيل هو الذي تجتمع عليه الأدلة خلافاً للمعتزلة القائلين بأنه شيء مطلقاً.
* ومن أدلة كونه شيئاً في العلم:
• قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أمْرُهُ إِذَا أرَادَ شَيْئًا﴾ [يس: ٨٢] ، فالشيء هنا غير موجود لكنه معلوم مراد. ومثل قوله سبحانه: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] ، فهي لم تقع لكنها معلومة.
* وأدلة كونه ليس بشيء في الخارج:
• قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٧] ، أي في الخارج. فالمعدوم شيء علمي لا عيني.
هـ ـ الصواب أن الموجودات هي عين ماهيتها في الخارج، وزائدة على ماهيتها في الذهن.
س١٠ ـ هل يكفي الاعتماد في النفي على مجرد عدم ورود السمع، ولماذا؟
ج ـ لا يكفي الاعتماد في النفي على مجرد عدم ورود السمع؛ لأن هناك لوازماً عقلية تتوافق مع الأدلة النقلية، فتثبت بمجموعها كمال الصفات لله، وخلاصة الأمر: أن كل ما نافى صفات الكمال الثابتة لله فهو منزه عنه؛ لأن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر؛ كالنقص والعيب والمماثلة للخلق. وهذه هي القاعدة العامة في التنزيه، لا طريقة نفي التشبيه، أو التجسيم التي تناقض فيها المتكلمون.
س١١ـ كيف ترد على من سوى بين وصف الله بالنقائص، كالمعدة والأمعاء والبكاء، ووصفه بالكمال؛ كالوجه والضحك والفرح؟
ج ـ يرد عليه ببيان الفرق بين صفات الكمال الثابتة لله تعالى، وصفات
стр. 301
النقص، ويجاب عليه بالقاعدة العامة في التنزيه؛ وهي:
١ـ أن الله حي والموت ضد الحياة فينزه الله عنه، وكذلك النوم والسنة ضد كمال الحياة.
٢ـ أن اللغو نقص في كمال القدرة والقوة فينزه عنه من وجوه:
٣ـ الأكل والشرب يستدل على نفيهما عنه من وجوه:
أـ أن فيهما افتقاراً إلى موجود غيره، وهو الطعام والشراب.
ب ـ أن الملائكة صمد لا تأكل ولا تشرب، وهذا كمالها لها، وهو دليل على تنزيهه ـ سبحانه ـ عن ذلك بطريق الأولى؛ فكل كمال اتصف به المخلوق فالخالق أولى به.
ج ـ في قوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] عن عيسى وأمه ﵉ جعل الأكل دليلاً على نفي الألوهية؛ فالله أولى بالتنزه عنه.
٤ـ أما المعدة والأمعاء وأعضاء الأكل والشرب؛ فالغني المنزه عن الأكل والشرب، منزه عن آلات ذلك ولوازمه بخلاف اليد فإنها للفعل والله موصوف بالفعل، فهو كمال فالفاعل أكمل ممن لا يقدر على الفعل بالإضافة إلى ثبوتها في النصوص.
٥ـ وأما البكاء والحزن فمستلزم للضعف والعجز، بخلاف الفرح والغضب والضحك فإنها من صفات الكمال الثابتة شرعاً؛ فكان يوصف بالبكاء والقدرة دون العجز، فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن، وبالضحك دون البكاء؛ لعدم منافاتها لصفات الكمال.
ودليل ثبوت الفرح قوله: صلي الله عليه وسلم: " الله أفرح بتوبة عبده من من أحدكم.. الحديث " رواه البخاري ومسلم (٢٧٤٧) . ودليل ثبوت الضحك قوله: صلي الله عليه وسلم "يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة ".. رواه البخاري ومسلم (١٨٩٠) .
стр. 302
س١٢ ـ اذكر أدلة نفي التمثيل نقلاً وعقلاً؟
ج ـ ثبت نفي التمثيل نقلاً وعقلاً:
* فمن النقل: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] ، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] ، ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] .
* ومن العقل: لو قلنا بالتماثل؛ لزم أن يجب له ما يجب للمخلوقين، وأن يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين، وهذا باطل، لأنه يلزم أن يكون الخالق القديم الواجب بنفسه جائزاً عليه العدم والحاجة، ويكون للمخلوقين صفة الوجوب والقدم؛ فيكون الشيء الواحد واجباً غير واجب بنفسه قديماً ومحدثاً؛ وذلك جمع بين النقيضين، وهو ممتنع.
стр. 303
القاعدة السابعة
دلالة العقل على الصفات التي دل عليها السمع
قال شيخ الإسلام:
"القاعدة السابعة: أن يُقال: إنّ كثيراً مما دل عليه السمع يعلم بالعقل أيضاً، والقرآن يبين ما يستدل به العقل، ويرشد إليه وينبه عليه، كما ذكر الله ذلك في غير موضع، فإنه بيَّن الآيات الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه وغير ذلك، ما أرشد العباد إليه ودلهّم عليه كما بيَّن أيضاً ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه.
فهذه المطالب هي شرعية من جهتين:
من جهة أن الشارع أخبر بها.
ومن جهة أنه بَيَّن الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها.
والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع، وهي أيضاً عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضاً.
وكثير من أهل الكلام يسمى هذه "الأصول العقلية" لاعتقاده أنها لا تعلم إلا بالعقل فقط، فإن السمع هو مجرد إخبار الصادق، وخبر الصادق ـ الذي هو النبي ـ لا يعلم صدقه إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل.
ثم أتهم قد يتنازعون في الأصول التي يتوقف إثبات النبوة عليها:
فطائفةٌ تزعم أن تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه الأصول، وأنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ذلك، ويجعلون التكذيب بالقدر مما ينفيه العقل.
стр. 304
وطائفةٌ تزعم أن حدوث العالم من هذه الأصول، وأن العلم بالصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوثه، وإثبات حدوثه لا يمكن إلا بحدوث الأجسام، وحدوثها يُعلم إما بحدوث الصفات، وإما بحدوث الأفعال القائمة بها، فيجعلون نفي أفعال الرب، ونفي صفاته من الأصول التي لا يمكن إثبات النبوة إلا بها.
ثم هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على نقيض قولهم، والسمع إما أن يؤوّل، وإما أن يفوّض.
وهم أيضاً عند التحقيق لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على وفق قولهم، لما تقدم.
وهؤلاء يضلون من وجوه:
منها: ظنهم أن السمع بطريق الخبر تارة١، وليس الأمر كذلك بل القرآن بيَّن من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النظر، فتكون هذه المطالب شرعية عقلية.
ومنها: ظنهم أن الرسول لا يعلم صدقه إلا بالطريق المعينة التي سلكوها، وهم مخطئون قطعاً في انحصار طريق تصديقه فيما ذكروه، فإن طرق العلم بصدق الرسول كثيرة، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
ومنها: ظنهم أن تلك الطريق التي سلكوها صحيحة، وقد تكون باطلة.
ومنها: ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل، ويكونون غالطين في ذلك فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح وجد ما يعارض الكتاب والسنة من
стр. 305
المجهولات لا من المعقولات، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن من صفات الله تعالى ما قد يعلم بالعقل، كما يعلم أنه عالم، وأنه قادر، وأنه حيّ كما أرشد إلى ذلك قوله: ﴿ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] .
وقد اتفق النظّار من مثبتة الصفات على أنه يعلم بالعقل ـ عند المحققين ـ أنه حي عليم قدير مريد، وكذلك السمع والبصر والكلام يثبت بالعقل عند المحققين منهم.
بل وكذلك الحب والرضا والغضب يمكن إثباته بالعقل.
وكذلك علوه على المخلوقات ومباينته لها مما يُعلم بالعقل، كما أثبته بذلك الأئمة مثل أحمد بن حنبل وغيره، ومثل عبد العزيز المكي، وعبد الله بن سعيد بن كلاّب.
بل وكذلك إمكان الرؤية يثبت بالعقل، لكن منهم من أثبتها بأن كل موجود تصح رؤيته، ومنهم من أثبتها بأن كل قائم بنفسه تمكن رؤيته، وهذه الطريق أصحّ من تلك.
وقد يمكن إثبات الرؤية بغير هذين الطريقين، بتقسيم دائر بين النفي والإثبات، كما يقال إن الرؤية لا تتوقف إلاّ على أمور وجودية، فإن ما لا يتوقف إلا على أمور وجودية يكون الموجود الواجب القديم أحق به من الممكن المحدَث، والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن من الطرق التي يسلكها الأئمة ومن اتبعهم من نظّار السنة في هذا الباب أنه لو لم يكن موصوفاً بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى، فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت، ولو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام لوصف بالصمم والخرس والبكَم.
стр. 306
وطرد ذلك أنه لو لم يوصف بأنه مباين للعالم لكان داخلاً فيه، فسلب إحدى الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الأخرى، وتلك صفة نقص ينزه عنها الكامل من المخلوقات فتنزيه الخالق عنها أولى.
وهذه الطريق غير قولنا: إن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق فالخالق أولى، فإن طريق إثبات صفات كمال بأنفسها مغاير لطريق إثباتها بنفي ما يناقضها.
وقد اعترض طائفة من النفاة على هذه الطريقة باعتراض مشهور لبسوا به على الناس، حتى صار كثير من أهل الإثبات يظن صحته ويُضعف الإثبات به، مثل ما فعل من فعل ذلك من النظار حتى الآمدي وأمثاله، مع أنه أصل قول القرامطة الباطنية وأمثالهم من الجهمية.
فقالوا١: القول بأنه لو لم يكن متصفاص بهذه الصفات، كالسمع والبصر والكلام، مع كونه حيّاً لكان متصفاً بما يقابلها، فالتحقيق فيه متوقف على بيان حقيقة المتقابلَيْن وبيان أقسامهما.
فنقول: أما المتقابلان فما لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة، وهو إما أن لا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، أو يصح ذلك في أحد الطرفين:
• فلأول: هما المتقابلان بالسلب والإيجاب، وهو تقابل التناقض، والتناقض هو اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب على وجه لا يجتمعان في الصدق ولا في الكذب لذاتيهما كقولنا: زيد حيوان، زيد ليس بحيوان، ومن خاصيته استحالة اجتماع طرفيه في الصدق والكذب، وأنه لا واسطة بين الطرفين ولا استحالة لأحد الطرفين [إلى الآخر] ٢.
стр. 307
_________
وكذلك اجتهد المحقق في وضع بدايةٍ لرد شيخ الإسلام عليه، ولتكميل الفائدة ننقل هنا بقية كلام الآمدي، وبداية الوجه الأول من رد شيخ الإسلام، والذي اجتهد المحقق في صياغته.
أولاً: بقية نص الآمدي: "والثاني ثلاثة أقسام: الأول: المتقابلان بالتضايف وهما اللذان لا تعقّل لكل واحد منهما إلا مع تعقُّل الآخر، كقولنا: زيد أب، زيد ابن، وخاصيتُه: توقف كل واحد من طرفيه على الآخر في الفهم.
الثاني: المتقابلان بالتضاد: والمتضادان: كل أمرين يتصور اجتماعهما في الكذب دون الصدق، كالسواد والبياض. ومن خواصه: جواز استحالة كل واحد من طرفيه إلى الآخر في بعض صوره، وجواز وجود واسطة بين الطرفين، تمرّ عليه الاستحالة من أحد الطرفين على الآخر، كالصفرة والحمرة بين السواد والبياض.
الثالث: تقابل العدم والمَلكَة، والمراد بالملكة هنا: كل معنى وجودي أمكن أن يكون ثابتاً للشيء، إما بحق جنسه، كالبصر للإنسان، أو بحق نوعه، ككتابة زيد، أو بحق شخصه، كاللحية للرجل. وأما العدم المقابل لها فهو ارتفاع هذه الملكة. ولما لم تكن ملكة البصر بالتفسير المذكور ثابتة للحجر؛ لا يقال له: أعمى ولا بصير، ومن خواص هذا التقابل، جواز اقتراب الملكة إلى العدم ولا عكس.
فإن أريد بالتقابل ههنا تقابل التناقض بالسلب والإيجاب، وهو أنه لا يخلو من كونه سميعاً وبصيراً ومتكلماً أو ليس: فهو ما يقوله الخصم، ولا يقبل نفيه من غير دليل.
وإن أريد بالتقابل تقابل المتضايفين: فهو غير متحقق ههنا، ومع كونه غير متحقق فلا يلزم من نفي أحد المتضايفين ثبوت الآخر، بل ربما انتفيا معاً، ولهذا يقال: زيد ليس بأب لعمرو ولا بابن له أيضاً.
وإن أريد بالتقابل تقابل الضدين: فإنما يلزم أن لو كان واجب الوجود قابلاً لتوارد الأضداد عليه، وهو غير مسلَّم، وإن كان قابلاً فلا يلزم من نفي أحد الضدين وجودُ الآخر؛ لجواز اجتماعهما في العدم، ووجود واسطة بينهما، ولهذا يصح أن يُقال: الباري تعالى ليس بأسود ولا أبيض.
وإن أريد بالتقابل تقابل العدم والملكة: فلا يلزم أيضاً من نفي الملكة تحقُقُ العدم ولا بالعكس إلا في محل يكون قابلاً لهما، ولهذا يصح أن يقال: الحجر لا أعمى ولا بصير.
والقول بكون الباري تعالى قابلاً للبصر والعمى دعوى محل النزاع والمصادرة على المطلوب، وعلى هذا فقد امتنع لزوم العمى والخرس والطرش في حق الله تعالى من ضرورة نفي البصر والسمع والكلام عنه.
ثانياً: بداية رد شيخ الإسلام على الأمدي حسب صياغة المحقق: والرد عليهم من وجوه:
الوجه الأول: أن هذا التقسيم غير حاصر؛ فإنه يقال للموجود: إما أن يكون واجباً بنفسه، وإما أن يكون ممكناً بنفسه، وهذان ـ الوجوب والإمكان ـ لا يجتمعان في شيٍ واحد ...
стр. 308
من جهة واحدة، ولا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، إذ كون الموجود واجباً بنفسه لا يجتمعان ولا يرتفعان.
فإذا جعلتم هذا التقسيم، وهما النقيضان مالا يجتمعان ولا يرتفعان، فهذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وليس هما السلب والإِيجاب.
وحينئذٍ، فقد ثبت وصفان: شيئان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وهو خارج عن الأقسام الأربعة.
وعلى هذا فمن جعل الموت معنى وجودياً فقد يقول: إن كون الشيء لا يخلو من الحياة والموت هو من هذا الباب.
وكذلك العلم والجهل، والصمم، والبكم، ونحو ذلك.
• الوجه الثاني: أن يقال: هذا التقسيم يتداخل، فإن العدم والملكة يدخل في السلب والإيجاب، وغايته أنه نوع منه، والمتضادين، وإنما هو نوع منه.
فإن قال: أعني بالسلب والإيجاب [ما لا] يدخل [فيه] العدم والملكة، وهو أن يسلب عن الشيء ما ليس بقابل له. ولهذا جعل من خواصه أنه لا استحالة لأحد طرفيه إلى الآخر. المتضادين، وإنما هو نوع منه.
قيل له: عن هذا جوابان:
• أحدهما: أن غاية هذا أن السلب ينقسم إلى نوعين، أحدهما: سلب ما يمكن اتصاف الشيء به، والثاني: سلب ما لا يمكن اتصافه به،
стр. 309
فيكون المراد به فيكون المراد به سلب الممتنع وإثبات الواجب، كقولنا: زيد حيوان، فإن هذا إثبات واجب، وزيد ليس بحجر، فإن هذا سلب ممتنع.
وعلى هذا التقدير، فالممكنات التي تقبل الوجود والعدم، كقولنا: المثلث إما موجود وإما معدوم، يكون من قسم العدم والملكة، وليس كذلك، فإن ذلك القسم يخلو فيه الموصوف الواحد عن المتقابلين جميعاً، ولا يخلو شيء من الممكنات عن الوجود والعدم.
وأيضاً فإنه على هذا التقدير، فصفات الرب كلها واجبة له، فإذا قيل: إما أن يكون حياً أو عليماً أو سميعاً أو بصيراً أو متكلماً، أو لا يكون كان مثل قولنا: إما أن يكون موجوداً وإما أن لا يكون، وهذا متقابل تقابل السلب والإيجاب، فيكون الآخر مثله، وبهذا يحصل المقصود.
فإن قيل: هذا لا يصح حتى يُعلم إمكان قبوله لهذه الصفات.
قيل له: هذا إنما [اشتُرِط] فيما أمكن أن يثبت له ويزول كالحيوان، فأما الرب تعالى فإنه بتقدير ثبوتها له فهي واجبة، ضرورة أنه لا يمكن أن يكون تارة حياً وتارة ميتاً، وتارة سميعاً، وهذا يوجب اتصافه بالنقائص، وذلك منتف قطعاً.
بخلاف من نفاها، وقال: إن نفيها ليس بنقص، لظنه أنه لا يقبل الاتصاف بها، فإن من قال هذا لا يمكنه أن يقولك إنه مع إمكان الاتصاف بها لا يكون نفيها نقصاً. فإن فساد هذا معلوم بالضرورة.
وقيل له أيضاً: أنت في تقابل السلب والإيجاب، إن اشترطت العلم بإمكان الطرفين لم يصح أن تقول: واجب الوجود غما موجود وإما معدوم، والممتنع الوجود إما موجود وإما معدوم، لأن أحد الطرفين هنا معلوم الوجوب، والآخر معلوم الامتناع.
وإن اشترطت العلم بإمكان أحدهما صح أن تقول: إما أن يكون حياًُ وغما أن لا يكون، وإما أن يكون سميعاً بصيراً وإما أن لا يكون، لأن النفي إن كان ممكناً صح التقسيم، وغن كان ممتنعاً كان الإثبات واجباً، وحصل المقصود.
стр. 310
فإن قيل: هذا يفيد أن هذا التأويل يقابل السلب والإيجاب ونحن نسلم ذلك، كما ذكر في الاعتراض، لكن غايته أنه إما سميع وإما ليس بسميع، وإما بصير وإما ليس ببصير، والمنازع يختار النفي.
فيقال له: على هذا التقدير فالمثبَت واجب، والمسلوب ممتنع، فإما أن تكون هذه الصفات واجبة له، وإما أن تكون ممتنعة عليه، والقول بالامتناع لا وجه له إذ لا دليل عليه بوجه.
بل قد يقال: نحن نعلم بالاضطرار بطلان الامتناع، فإنه لا يمكن أن يستدل على امتناع ذلك إلا بما يستدل به على إبطال أصل الصفات، وقد علم فساد ذلك، وحينئذٍ فيجب القول بوجوب هذه الصفات له.
واعلم أن هذا يمكن أن يُجعل طريقة مستقلة في إثبات صفات الكمال له، فإنها إما واجبة له، وإما ممتنعة عليه، والثاني باطل فتعيَّن الأول، لأنه كونه قابلاً لها خالياً عنها يقتضي أن يكون ممكناً، وذلك ممتنع في حقه، وهذه طريقة معروفة لمن سلكها من النظار.
• الجواب الثاني: أن يقال فعلى هذا إذا قلنا: زيد إما عاقل وإما غير عاقل، وإما عالم وإما ليس بعالم، وإما حي وإما غير حي، وإما ناطق وإما غير ناطق، وأمثال ذلك مما فيه سلب الصفة عن محل قابل لها، لم يكن هذا داخلاً في قسم تقابل السلب والإيجاب.
ومعلوم أن هذا خلاف المعلوم بالضرورة، وخلاف اتفاق العقلاء، وخلاف ما ذكروه في المنطق وغيره.
ومعلوم أن مثل هذه القضايا تتناقض بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى، فلا يجتمعان في الصدق والكذب، فهذه شروط التناقض موجودة فيها.
وغاية فرقهم أن يقولوا: إذا قلنا: هو إما بصير وإما ليس ببصير، كان إيجاباً وسلباً، وإذا قلنا: هو إما بصير وإما أعمى، كان ملكة وعدماً.
وهذا منازعة لفظية، وإلا فالمعنى في الموضعين سواء، فعلم أن ذلك
стр. 311
نوع من تقابل السلب والإيجاب، وهذا يبطل قولهم في حد ذلك التقابل: إنه لا استحالة لأحد الطرفين إلى الآخر، فإن الاستحالة هنا ممكنة كإمكانها إذا عبر بلفظ "العمى".
• الوجه الثالث: أن يقال: التقسيم الحاصر أن يقال: المتقابلان إما أن يختلفا بالسلب والإيجاب، وإما أن لا يختلفا بذلك، بل يكونان إيجابيين أو سلبيين، فالأول هو النقيضان، والثاني: إما أن يمكن خلو المحل عنهما، وإما أم لا يمكن، والأول هما الضدان كالسواد والبياض، والثاني هما في معنى النقيضين وإن كانا ثبوتَين كالوجوب والإمكان، والحدوث والقدم، والقيام بالنفس والقيام بالغير، والمباينة والمجانبة، ونحو ذلك.
ومعلوم أن الحياة والموت، والصمم والبكم والسمع، ليس مما إذا خلا الموصوف عنهما وصف بوصف ثالث بينهما كالحمرة بين السواد والبياض، فعُلم أن الموصوف لا يخلو عن أحدهما فإذا انتفى تعين الآخر.
• الوجه الرابع: المحل الذي لا يقبل الاتصاف بالحياة والعلم والقدرة والكلام ونحوها، أنقص من المحل الذي يقبل ذلك ويخلو عنها، ولهذا كان الحجر ونحوه أنقص من الحي الأعمى.
وحينئذٍ، فإذا كان الباري منزها عن نفي هذه الصفات ـ مع قبوله لها ـ فتنزيهه عن امتناع قبوله لها أوْلى وأحرى، إذ بتقدير قبوله لها يمتنع منع المتقابلين، واتصافه بالنقائص ممتنع، فيجب اتصافه بصفات الكمال، وبتقدير عدم قبوله لا يمكن اتصافه لا بصفات الكمال ولا بصفات النقص، وهذا أشد امتناعاً، فثبت أن اتصافه لا بصفات الكمال ولا بصفات النقص، وهذا أشد امتناعاً، فثبت أن اتصافه بذلك ممكن، وأنه واجب له، وهو المطلوب، وهذا في غاية الحسن.
• الوجه الخامس: أن يقال: أنتم جعلتم تقابل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه بثبوت، فإن عنيتم بالإمكان الإمكان الخارجي، وهو أن يعلم ثبوت ذلك في الخارج، كان هذا باطلاً من وجهين:
* أحدهما: أنه يلزمكم أن تكون الجامدات لا توصف بأنها لا حيّة ولا ميتة، ولا ناطقة ولا صامتة، وهو قولكم، لكن هذا اصطلاح
стр. 312
محض، وإلا [فالعرب] يصفون هذه الجمادات بالموت والصمت.
وقد جاء القرآن بذلك، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * آمْوَاتٌ غَيْرُ أحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ـ٢١] ، فهذا في الأصنام وهي من الجمادات، وقد وصفت بالموت.
والعرب تقسم الأرض إلى الحيوان والمَوَتان ولا تَشْتَر الحيوان، أي: اشتر الأرضين والدّور، ولا تشتر الرقيق والدّواب.
وقالوا أيضاً: المَوَات: ما لا روح فيه.
فإن قيل: فهذا إنما سمي مواتاً باعتبار قبوله للحياة، التي هي إحياء الأرض.
قيل: وهذا يقتضي أن الحياة أعم من حياة الحيوان، وأن الجماد يوصف بالحياة إذا كان قابلاً للزرع والعمارة.
واخرس ضد النطق، والعرب تقول: لبن أخرس، أي خائر لا صوت له في الإناء، وسحابة خرساء، ليس فيها رعد ولا برق، وعَلَم أخرس، إذا لم يُسمع له في الجبل صوت صدى، ويقال كتيبة خرساء، قال أبو عبيد: هي التي صمتت من كثرة الدروع ليس لها قعاقع.
وأبلغ من ذلك الصمت والسكوت، فإنه يوصف به القادر على النطق إذا تركه، بخلاف الخرس، فإنه عجز عن النطق، ومع هذا فالعرب تقول: ماله صامت ولا ناطق، فالصامت الذهب والفضة، والناطق الإِبل والغنم، والصامت من اللبن: الخاثر، والصَّمُوت: الدرع التي إذا صُبَّت لم يسمع لها صوت.
ويقولون: دابة عجماء، وخرساء، لما لا ينطق ولا يمكن منه النطق في العادة، ومنه قول النبي ﷺ : "العجماء جبار"١.
стр. 313
وكذلك في العمى، تقول العرب: عَمَى الموجُ يَعْمِي عَمْياً إذا رمى القذى والزَّبَدَ، والأعميان: السيل والجمهل الهائج، وعَمِيَ عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الآنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] .
وهذه الأمثلة قد يقال في بعضها: إنه عدم ما يقبل المحل الاتصاف به كالصوت ولكن فيها ما لا يقبل كموت الأصنام.
* الثاني: أن الجامدات يمكن اتصافها بذلك، فإن الله سبحانه قادر أن يخلق في الجمادات حياة، كما جعل عصا موسى حيّة تبلع الحبال والعصي.
وإذا في إمكان العادات كان ذلك مما قد علم بالتواتر، وأنتم أيضاً قائلون به في مواضع كثيرة.
وإذا كان الجمادات يمكن اتصافها بالحياة وتوابع الحياة ثبت أن جميع الموجودات يمكن اتصافها بذلك، فيكون الخالق أوْلى بهذا الإمكان.
وإن عنيتم الإمكان الذهني، وهو عدم العلم بالامتناع فهذا حاصل قي حق الله، فإنه لا يعلم امتناع اتصافه بالسمع والبصر والكلام.
• الوجه السادس: أن يقال: هب أنه لابد من العلم بالإمكان الخارجي، فإمكان الوصف للشيء يُعلم تارة بوجوده له، أو بوجوده لنظيره، أو بوجوده لما هو الشيء أوْلَى بذلك منه.
ومعلوم أن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام ثابتة للموجودات المخلوقة، وممكنة لها، فإمكانها للخالق تعالى أوْلَى وأحرى، فإنها صفات كمال، وهو قابل للاتصاف بالصفات، وإذا كانت ممكنة في حقه فلو لم يتصف بها لا تصف بأضدادها.
• الوجه السابع: أن يقال: مجرد سلب هذه الصفات نقص لذاته، سواء سميت عمى وصمماً وبكماً، أو لم تسم، والعلم بذلك ضروري، فإنا إذا قدرنا موجودَين، أحدهما يسمع ويبصر ويتكلم، والآخر ليس كذلك كان الأول أكمل من الثاني.
ولهذا عاب الله سبحانه من عبد ما تنتفي فيه هذه الصفات، فقال تعالى
стр. 314
عن إبراهيم الخليل: ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٦٣] ، وقال أيضاً في قصته: ﴿فَاسْألُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] ، وقال تعالى عنه: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أوْ يَنْفَعُونَكُمْ أوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أفَرَآيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٢ـ٧٧] .
وكذلك في قصة موسى في العجل: ﴿ألَمْ يَرَوْا آنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] ، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أحَدُهُمَا أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦] ، فقابل بين الأبكم العاجز وبين الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم".
معاني الكلمات:
مما دل عليه السمع: أي الكتاب والسنة.
يعلم بالعقل: أي يعرف بالأدلة العقلية.
الأمثال: المثل: ما يضرب به من الأمثال.
عناصر الموضوع:
١ـ موضوع القاعدة السابعة:
موضوع القاعدة السابعة مسألتان هما:
أـ دلالة العقل على ما يدل عليه النقل.
ب ـ مناقشة المعطلة في شبهة التقابل إذ على أثرها أنكروا الصفات.
٢ـ على من يرد شيخ الإسلام بهذه القاعدة:
يرد شيخ الإسلام بهذه القاعدة على عامة المعطلة في دعواهم أن الصفات لا يدل عليها العقل، فالأشعرية نفت جميع الصفات ما عدا سبع زعموا أنها دل عليها العقل.
стр. 315
٣ـ الصلة بين القاعدتين السادسة والسابعة:
بعد أن تكلم شيخ الإسلام في القاعدة السادسة عن الضابط الصحيح في النفي والإثبات ونقد المخالفين الذين خالفوا هذا الضابط سواء في التنزيه بنفي التجسيم ناسب أن يبين أن الضابط الصحيح في النفي والإثبات هو متلقى عن السمع وأنه قد دل عليه العقل، فكثير من العقائد التي أثبتت بالسمع تعرف بالعقل.
٤ـ شرح القاعدة السابعة:
يبين شيخ الإسلام أن العقل يثبت ما أثبته السمع، فكثير مما أثبته السمع يعرف بالعقل أيضاً، فمثلاً دل السمع على وحدانية الله وعلمه وقدرته وصدق النبوة والمعاد، وأرشد السمع العقل إلى معرفة وحدانية الله وقدرته بدلالات كثيرة منها:
أـ دلالة الآيات العيانية كالسموات والأرض والجبال والأنهار والشمس والقمر، كما قال تعالى: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ آنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] .
ب ـ وكذلك دلالة الأنفس كما قال تعالى: ﴿وَفِي أنْفُسِكُمْ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
ج ـ وأرشد العقل إلى معرفة علمه وبأحكامه للمخلوقات قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] .
د ـ ودل ـ سبحانه ـ على صدق نبوة أنبيائه ببيان معجزاتهم، ونصر الله لهم، وتمكينه للدين الذي جاؤوا به.
هـ ـ ودل على المعاد والبعث وإمكانه بثلاثة طرق عقلية:
أولها: الوقوع كما في حق الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال تعالى: ﴿فَأمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩] .
стр. 316
ثانيهما: وقوع النظير، فالنشأة الأولى، تشبه البعث وإن لم تكن مطابقة له من كل وجه كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] .
ثالثها: وقوع ما هو أبلغ منه، فخلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] ، فلذلك فإن هذه المطالب شرعية وعقلية وذلك من جهتين:
أـ لأن الشارع أخبر بها.
ب ـ أنها تعلم وتدرك بالعقل.
وجميع الأمثال المضروبة في القرآن عقلية مع كونها شرعية١.
٥ـ ما تدور عليه هذه القاعدة:
مدار هذه القاعدة ومحورها على موضوعين أساسيين:
أـ أن كثيراً مما دل عليه السمع يعلم بالعقل أيضاً، والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه.
ب ـ مناقشة المعطلة في نفيهم الصفات بشبهة التقابل، سيأتي الحديث عنها مفصلاً.
٦ـ الصفات لا تُثبت بالعقل وحده:
صفات الله توقيفية أي يتوقف على ما ورد في الكتاب والسنة ولا مجال للعقل فيها غلا تأييد ما دل عليه السمع من الصفات، فلا نثبت لله من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته، ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه:
أـ التصريح بالصفة كالعزة والقوة والرحمة والبطش والوجه واليدين ونحوها.
стр. 317
ب ـ تضمن الاسم لها مثل الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع ... وهكذا.
ج ـ التصريح بفعل أو وصف دال عليها كالاستواء على العرش وانزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة والانتقام من المجرمين الدال عليها الترتيب التالي١:
١ـ قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
٢ـ قوله ﵇: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" [رواه مسلم ٢/١٧٦،١٧٥] .
٣ـ قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] .
٤ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢] .
٧ ـ السلف يعملون العقل ولا يهملونه بل يعملونه في عالم الشهادة، لا في عالم الغيب إلا على سبيل الإجمال دون التفصيل، ولا يثبتون بالعقل حكماً شرعياً فعندهم للعقل مع الشرع حالتان لا ثالث لهما:
• الأولى: أن يدل على ما دل عليه الشرع فيكون شاهداً أو مؤيداً ومصدقاً، فيحتجون حينئذٍ بدلالة العقل على من خالف الشرع، وفي القرآن من هذا النوع شيء كثير كأدلة التوحيد والنبوة والمعاد، فتلك الأدلة هي عقلية شرعية.
قال ابن تيمية: (إن كثيراً مما دل عليه السمع يعلم بالعقل أيضاً، والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه كما ذكر الله ذلك في غير موضع.
فإن الله سبحانه بين من الآيات الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه
стр. 318
وغير ذلك مما أرشد العباد إليه ودلهم عليه، كما بين أيضاً ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه فهذه المطالب هي شرعية من جهتين: من جهة أن الشارع اخبر بها.
ومن جهة أنه بين الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها، والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسطت في غير موضع، وهي أيضاً عقلية من جهة أن تعلم بالعقل أيضاً.
• الثانية: أن لا يدل على ما دل عليه الشرع لا نفياً ولا إثباتاً، فحكم العقل إذاً جواز ما جاء به الشرع. أما أن يدل العقل على خلاف ما جاء به الشرع فيكون معارضاً له، فهذا ما لا يكون مع صحة النقل، ولهذا قال أهل السنة: إن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، وقالوا إن الرسل جاؤوا بمحارات العقول لا بمحالات العقول.
أي أن الرسل لا يخبرون بما يحيله العقل، ولكن يخبرون بما يجيزه العقل ويحار فيه وهذا تحديد موقف أهل السنة من العقل مع الشرع.
٨ ـ ذكر شيء من ضلال المتكلمين في تقديم العقل على النقل:
أـ ظنهم أن وجود الرب لا يثبت إلا بسلوك طرقهم العقلية.
ب ـ ظنهم أن الرسول ﵇ لا يعلم صدقه إلا بالأدلة العقلية التي سلكوها.
ج ـ ظنهم أن ما عارضوا به الأدلة السمعية معلوم بالعقل.
٩ ـ الغرض من عقد الشيخ القاعدة السابعة:
الغرض من ذلك أن من صفات الله ما قد يُعلم بالعقل ويذكر من الطرق العقلية التي يسلكها نُظار السنة في إثبات الصفات أنه سبحانه لو لم يكن موصوفاً بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالقدرة لوصف بالعجز... إلخ وأنه اعترض على هذه الطريقة باعتراض مشهور.
مفاده قالوا: "القول بأنه لو لم يكن متصفاً بهذه الصفات السمع والبصر
стр. 319
والكلام مع كونه حياً؛ لكان متصفاً بما يقابلها فالتحقيق فيه متوقف على بيان حقيقة المتقابلين وبيان أقسامه" وقد رد عليه الشيخ رداً موسعاً من سبعة أوجهٍ وإليك مختصرة:
أـ المتقابلان ما لا يجتمعان في شيء واحدٍ من جهة واحدة، ثم فصَّل الكلام في ذلك.
ب ـ أن هذا التقسيم يتداخل، فإن العدم والملكة يدخل في السلب والإيجاب، وهو نوع منه، والمتضايفان يدخلان في المتضادين وإنما هو نوع منه.
ج ـ أن يقال التقسيم الحاصر أن يقال: المتقابلان إما أن يختلفا بالسلب والإيجاب وغما أن لا يختلفا بذلك، بل يكونان إيجابيين أو سلبيين فالأول هو النقيضان، والثاني: إما أن يمكن خلو المحل عنهما وإما أن لا يمكن ثم وضَّحه بالأمثلة.
د ـ المحل الذي لا يقبل الاتصاف بالحياة والقدرة ونحوها أنقص من المحل الذي يقبل ويخلو عنها وحينئذٍ، فإذا كان الباري منزهاً عن نفي هذه الصفات مع قبوله لها، فتنزيهه عن امتناع قبوله لها أولى وأحرى إذ يجب اتصافه بصفات الكمال.
هـ ـ أن يقال أنتم جعلتم تقابل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه بثبوت، فإن عنيتم بالإمكان الإمكان الخارجي كان هذا باطلاً لوجهين:
• الأول: أنه يلزمكم أن يكون الجامدات لا توصف بأنها حية ولا ميتة وهو قولكم.
• الثاني: أن الجمادات يمكن اتصافها بذلك فإن الله سبحانه قادر أن يخلق في الجمادات حياة كما جعل عصا موسى حية، وإن عنيتم الإمكان الذهني فهذا حاصل في حق الله.
وـ أن الحياة والعلم ثابتة للموجودات المخلوقة وممكنة فإمكانها للخالق أولى وأحرى وهو قابل للاتصاف بالصفات، وإذا كانت ممكنة في
стр. 320
حقه فلولم يتصف بها لا تصف بأضدادها.
زـ مجرد سلب هذه الصفات نقص لذاته سواء سميت عمى وصمماً وبكماً أو لم تسم والعلم بذلك ضروري، ولهذا عاب الله من عبد ما تنتفي فيه هذه الصفات.
١٠ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وقيل له أيضاً: أنت في تقابل السلب والإيجاب ... )
أقول: لقد سبق أن شرحنا: أنواع التقابل كما هي في كتب المنطق: وأعيدها هنا للإيضاح: فأقول: التقابل أنواع:
أـ نوع يسمى تقابل الإيجاب والسلب: أو تقابل النقيضين وهذا التقابل لا يتحقق إلا بين الشيئين اللذين لا يجوز رفعهما ولا يجوز جمعها ويكون أحدهما وجودياً والآخر عدمياً، أي يكون أحدهما إيجابياً والآخر سلبياً نحو الإنسان واللا إنسان.
والداخل واللا داخل والخارج واللا خارج.
ب ـ ونوع يسمى تقابل التضاد: وهذا التقابل يكون في شيئين وجوديين بحيث لا يجوز الجمع بينهما ولكن يجوز رفعهما نحو الحجر والشجر، والإنسان والحمار والسماء والأرض ويسمى المتضادين أيضاً.
ج ـ تقابل التضايف: وهو لا يحقق إلا في شيئين وجوديين، ولكن أحدهما لا يتصور بدون الآخر.
نحو الأب والابن، فالأب لا يكون أبا إلا إذا كان له ابن، وكذا الابن لا يكون ابناً إلا إذا كان له أب.
د ـ تقابل العدم والملكة: وهذا التقابل لا يتحقق إلا في شيئين أحدهما وجودي وهو الملكة أي أمر محبوب وصفة كمال، والثاني عدمي أي أمر غير محبوب وصفة نقص نحو البصر والعمى.
ويكون محل الوجودي صالحاً للعدمي وبالعكس أيضاً.
فالبصر ملكة وصفة كمال وهو شيء وجودي والعمى صفة نقص وهو