← Акыда

Акыда · id 11256

شرح التدمرية - الخميس

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (448 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ثانيهما: وقوع النظير، فالنشأة الأولى، تشبه البعث وإن لم تكن مطابقة له من كل وجه كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] . ثالثها: وقوع ما هو أبلغ منه، فخلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] ، فلذلك فإن هذه المطالب شرعية وعقلية وذلك من جهتين: أـ لأن الشارع أخبر بها. ب ـ أنها تعلم وتدرك بالعقل. وجميع الأمثال المضروبة في القرآن عقلية مع كونها شرعية١. ٥ـ ما تدور عليه هذه القاعدة: مدار هذه القاعدة ومحورها على موضوعين أساسيين: أـ أن كثيراً مما دل عليه السمع يعلم بالعقل أيضاً، والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه. ب ـ مناقشة المعطلة في نفيهم الصفات بشبهة التقابل، سيأتي الحديث عنها مفصلاً. ٦ـ الصفات لا تُثبت بالعقل وحده: صفات الله توقيفية أي يتوقف على ما ورد في الكتاب والسنة ولا مجال للعقل فيها غلا تأييد ما دل عليه السمع من الصفات، فلا نثبت لله من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته، ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه: أـ التصريح بالصفة كالعزة والقوة والرحمة والبطش والوجه واليدين ونحوها.

стр. 317

ب ـ تضمن الاسم لها مثل الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع ... وهكذا. ج ـ التصريح بفعل أو وصف دال عليها كالاستواء على العرش وانزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة والانتقام من المجرمين الدال عليها الترتيب التالي١: ١ـ قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . ٢ـ قوله ﵇: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" [رواه مسلم ٢/١٧٦،١٧٥] . ٣ـ قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] . ٤ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢] . ٧ ـ السلف يعملون العقل ولا يهملونه بل يعملونه في عالم الشهادة، لا في عالم الغيب إلا على سبيل الإجمال دون التفصيل، ولا يثبتون بالعقل حكماً شرعياً فعندهم للعقل مع الشرع حالتان لا ثالث لهما: • الأولى: أن يدل على ما دل عليه الشرع فيكون شاهداً أو مؤيداً ومصدقاً، فيحتجون حينئذٍ بدلالة العقل على من خالف الشرع، وفي القرآن من هذا النوع شيء كثير كأدلة التوحيد والنبوة والمعاد، فتلك الأدلة هي عقلية شرعية. قال ابن تيمية: (إن كثيراً مما دل عليه السمع يعلم بالعقل أيضاً، والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه كما ذكر الله ذلك في غير موضع. فإن الله سبحانه بين من الآيات الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه

стр. 318

وغير ذلك مما أرشد العباد إليه ودلهم عليه، كما بين أيضاً ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه فهذه المطالب هي شرعية من جهتين: من جهة أن الشارع اخبر بها. ومن جهة أنه بين الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها، والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسطت في غير موضع، وهي أيضاً عقلية من جهة أن تعلم بالعقل أيضاً. • الثانية: أن لا يدل على ما دل عليه الشرع لا نفياً ولا إثباتاً، فحكم العقل إذاً جواز ما جاء به الشرع. أما أن يدل العقل على خلاف ما جاء به الشرع فيكون معارضاً له، فهذا ما لا يكون مع صحة النقل، ولهذا قال أهل السنة: إن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، وقالوا إن الرسل جاؤوا بمحارات العقول لا بمحالات العقول. أي أن الرسل لا يخبرون بما يحيله العقل، ولكن يخبرون بما يجيزه العقل ويحار فيه وهذا تحديد موقف أهل السنة من العقل مع الشرع. ٨ ـ ذكر شيء من ضلال المتكلمين في تقديم العقل على النقل: أـ ظنهم أن وجود الرب لا يثبت إلا بسلوك طرقهم العقلية. ب ـ ظنهم أن الرسول ﵇ لا يعلم صدقه إلا بالأدلة العقلية التي سلكوها. ج ـ ظنهم أن ما عارضوا به الأدلة السمعية معلوم بالعقل. ٩ ـ الغرض من عقد الشيخ القاعدة السابعة: الغرض من ذلك أن من صفات الله ما قد يُعلم بالعقل ويذكر من الطرق العقلية التي يسلكها نُظار السنة في إثبات الصفات أنه سبحانه لو لم يكن موصوفاً بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالقدرة لوصف بالعجز... إلخ وأنه اعترض على هذه الطريقة باعتراض مشهور. مفاده قالوا: "القول بأنه لو لم يكن متصفاً بهذه الصفات السمع والبصر

стр. 319

والكلام مع كونه حياً؛ لكان متصفاً بما يقابلها فالتحقيق فيه متوقف على بيان حقيقة المتقابلين وبيان أقسامه" وقد رد عليه الشيخ رداً موسعاً من سبعة أوجهٍ وإليك مختصرة: أـ المتقابلان ما لا يجتمعان في شيء واحدٍ من جهة واحدة، ثم فصَّل الكلام في ذلك. ب ـ أن هذا التقسيم يتداخل، فإن العدم والملكة يدخل في السلب والإيجاب، وهو نوع منه، والمتضايفان يدخلان في المتضادين وإنما هو نوع منه. ج ـ أن يقال التقسيم الحاصر أن يقال: المتقابلان إما أن يختلفا بالسلب والإيجاب وغما أن لا يختلفا بذلك، بل يكونان إيجابيين أو سلبيين فالأول هو النقيضان، والثاني: إما أن يمكن خلو المحل عنهما وإما أن لا يمكن ثم وضَّحه بالأمثلة. د ـ المحل الذي لا يقبل الاتصاف بالحياة والقدرة ونحوها أنقص من المحل الذي يقبل ويخلو عنها وحينئذٍ، فإذا كان الباري منزهاً عن نفي هذه الصفات مع قبوله لها، فتنزيهه عن امتناع قبوله لها أولى وأحرى إذ يجب اتصافه بصفات الكمال. هـ ـ أن يقال أنتم جعلتم تقابل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه بثبوت، فإن عنيتم بالإمكان الإمكان الخارجي كان هذا باطلاً لوجهين: • الأول: أنه يلزمكم أن يكون الجامدات لا توصف بأنها حية ولا ميتة وهو قولكم. • الثاني: أن الجمادات يمكن اتصافها بذلك فإن الله سبحانه قادر أن يخلق في الجمادات حياة كما جعل عصا موسى حية، وإن عنيتم الإمكان الذهني فهذا حاصل في حق الله. وـ أن الحياة والعلم ثابتة للموجودات المخلوقة وممكنة فإمكانها للخالق أولى وأحرى وهو قابل للاتصاف بالصفات، وإذا كانت ممكنة في

стр. 320

حقه فلولم يتصف بها لا تصف بأضدادها. زـ مجرد سلب هذه الصفات نقص لذاته سواء سميت عمى وصمماً وبكماً أو لم تسم والعلم بذلك ضروري، ولهذا عاب الله من عبد ما تنتفي فيه هذه الصفات. ١٠ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وقيل له أيضاً: أنت في تقابل السلب والإيجاب ... ) أقول: لقد سبق أن شرحنا: أنواع التقابل كما هي في كتب المنطق: وأعيدها هنا للإيضاح: فأقول: التقابل أنواع: أـ نوع يسمى تقابل الإيجاب والسلب: أو تقابل النقيضين وهذا التقابل لا يتحقق إلا بين الشيئين اللذين لا يجوز رفعهما ولا يجوز جمعها ويكون أحدهما وجودياً والآخر عدمياً، أي يكون أحدهما إيجابياً والآخر سلبياً نحو الإنسان واللا إنسان. والداخل واللا داخل والخارج واللا خارج. ب ـ ونوع يسمى تقابل التضاد: وهذا التقابل يكون في شيئين وجوديين بحيث لا يجوز الجمع بينهما ولكن يجوز رفعهما نحو الحجر والشجر، والإنسان والحمار والسماء والأرض ويسمى المتضادين أيضاً. ج ـ تقابل التضايف: وهو لا يحقق إلا في شيئين وجوديين، ولكن أحدهما لا يتصور بدون الآخر. نحو الأب والابن، فالأب لا يكون أبا إلا إذا كان له ابن، وكذا الابن لا يكون ابناً إلا إذا كان له أب. د ـ تقابل العدم والملكة: وهذا التقابل لا يتحقق إلا في شيئين أحدهما وجودي وهو الملكة أي أمر محبوب وصفة كمال، والثاني عدمي أي أمر غير محبوب وصفة نقص نحو البصر والعمى. ويكون محل الوجودي صالحاً للعدمي وبالعكس أيضاً. فالبصر ملكة وصفة كمال وهو شيء وجودي والعمى صفة نقص وهو

стр. 321

شيء عدمي، ومحل الوجودي ـ وهو الرجل البصير ـ صالح للعمى لأنه يمكن أن يصير الرجل البصير أعمى، وكذلك بالعكس، لأنه يمكن أن يصير الرجل البصير أعمى، وكذلك بالعكس، لأنه يمكن أن يصير الرجل الأعمى بصيراً. ١١ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (الوجه الثالث أن يقال: التقسيم الحاصر، وأن يقال: المتقابلان إما أن يختلف بالسلب والإيجاب ... ) . أقول: حاصل هذا الكلام: أن المتقابلين إن كانا وجوديين أو كانا سلبيين (عدميين) أو كان أحدهما وجودياً والآخر سلبياً (عدمياً) . فإن كانا وجوديين: فإن أمكن خلو المحل منهما. فهما ضدان: نحو البياض والسواد، والحجر والشجر؛ لأنه يجوز أن يكون هذا اللون لا أبيض ولا أسود بل يكون أحمر ويكون هذا الشيء لا حجراً ولا شجراً بل يكون إنساناً. وإن لم يمكن خلو المحل منهما، بل كانا بحيث لا يجوز اجتماعهما معاً، ولا نفيهما معاً فهما نقيضان عند أهل اللغة وأهل السنة وإن كانا وجوديين: كالوجود والإمكان والحدوث والقدم والدخول والخروج والاتصال والانفصال والمباينة والمماسة فهذه الأمور وإن كانت وجودية إيجابية ثبوتية، ولكن لا يمكن رفعهما معاً ولا إثباتهما معاً كالنقيضين عند المناطقة والمتكلمين والجهمية. وإن كانا وجوديين أيضاً ولكن كان تصور أحدهما موقوفاً بتصور الآخر: فهما متضائفان، نحو الابن والأب. وإن كانا سلبيين: نحو اللا إنسان واللا حجر: فهذا النوع لا تسمية له عندهم، ولكن قد يكون بينهما تصادقاً. نحو الكتاب فالكتاب لا إنسان ولا حجر. وقد لا يكون ذلك، نحو الإنسان، فإنه لا يقال له: هذا لا إنسان

стр. 322

ولا حجر. بل يقال: إنسان ولا حجر، والحجر لا يقال له: هذا لا إنسان ولا حجر. بل يقال: حجر ولا إنسان. وإما أن يكون أحدهما وجودياً والآخر سلبياً، بحيث لا يجتمعان ولا يرتفعان، فهما نقيضان أيضاً: نحو الإنسان واللا إنسان. ١٢ ـ معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (الوجه السادس: أن يقال: هب أنه لا بد من العلم بالإمكان الخارجي ... ) قصد شيخ الإسلام: أنه لابد في باب اتصاف الله تعالى أن نعلم أن ثبوت الصفات له تعالى ممكن بالإمكان الخارجي أي ليس ذلك مجرد الإمكان الذهني فقط، بل يكون من الأمور الممكنة الواقعة في الخارج. لأن إمكان الوصف لأي شيء لا يعلم إلا بثلاثة طرق: ١ـ إما أن يوجد ذلك الوصف لهذا الشيء في الخارج الواقع. ٢ـ أو أن يوجد ذلك الوصف لنظير ذلك الشيء في الخارج الواقع. ٣ـ أو أن يجيء ذلك الوصف لما هو أولى. مثال ذلك صفة الكلام في الإنسان صفة كمال فإذا ثبت ذلك الوصف لمن هو أدنى، فإثباتهما لمن هو فوق أولى وذلك بالأدلة العقلية. الحاصل: أن شيخ الإسلام يقول: إن صفة الكلام صفة خارجية توجد في الخارج عند الموصوفين بها. وذلك أن زيداً موصوف بهذه الصفة فعلمنا اتصافه بها لأجل المشاهدة، وكذا نرى أن عمراً أو بكراً أو خالداً موصوفون بذلك، فزيد أيضاً يتصف بذلك لأنه ممكن لأن زيداً من جنس عمر وكذا إذا نظرنا أن الطفل يتصف بهذا الوصف ويتكلم فالكبير يتصف بهذه الصفة بالطريق الأولى، فالإنسان إذا اتصف بصفة كمال فالله أولى أن يتصف بها؛ وهذا البرهان يسمى بقياس الأَوْلَى عند شيخ الإسلام؛ كما يسمى بدلالة النص عند الأصوليين. ومثال ذلك: أن الله تعالى نهى عن "الأف" للوالدين؛ فالنهي عن شتمهما وضربهما بالطريق الأوْلَى.

стр. 323

١٣ ـ الأسئلة والأجوبة الواردة على القاعدة السابعة: س١ ـ دلل على أن كثيراً مما أثبته السمع يعرف بالعقل؟ ج ـ الدليل على ذلك: أولاً: دا السمع على وحدانية الله ـ تعالى ـ وعلمه، وقدرته، وصدق النبوة، والمعاد، ثم بين للعقل طرق الاستدلال عليه؛ فمثلاً: أرشد السمع العقل إلى معرفة الله ـ تعالى ـ ووحدانيته بدلالات كثيرة؛ منها: ١ ـ دلالة الآيات العيانية؛ كالسموات والأرض والجبال والأنهار والشمس والقمر؛ كما قال تعالى: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] . ٢ ـ وكذلك دلالة الأنفس؛ كما في قوله سبحانه: ﴿وَفِي أنْفُسِكُمْ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٥١] . ٣ ـ وأرشد العقل إلى معرفة علمه بإحكامه للمخلوقات: ما في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] . ٤ ـ ودلل على المعاد والبعث وإمكانه بثلاث طرق عقلية: أواها الوقوع كما في حق الرجل الذي مر على القرية وهي خاوية فقال تعالى: ﴿فَأمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . وثانياً: وقوع النظير كالنشأة الأولى فإنها تشبه البعث وإن لم تكن مطابقة له من كل وجه كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] . وثالثاً: وقوع ماهو أبلغ منه فخلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧] . س٢ ـ اذكر بعض الأصول العقلية عند المتكلمين؟

стр. 324

ج ـ من الأصول العقلية عند المتكلمين: ١ـ التحسين والتقبيح؛ أي أن العقل يحسن الأشياء ويقبحها، وما حكم العقل بحسنه وجب فعله، وما حكم بقبحه حرم فعله. ٢ـ لا يمكن إثبات النبوة إلا بالتحسين والتقبيح. ٣ـ التكذيب بالقدر مما يقتضيه العقل. ٤ـ حدوث العالم. ٥ـ لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة؛ لظنهم أن العقل عارض السمع ـ وهو أصله ـ فيجب تقديمه عليه، والسمع إما أن يؤول، وإما أن يفوض. س٣ـ بين وجوه ضلال المتكلمين في تلك الأصول؟ ج ـ أن هذه الطوائف تضل من وجوه: ١ـ ظنهم أن الشرع خبر مجرد، وليس الأمر كذلك، بل بيَّن القرآن كثيراً من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية. ٢ـ ظنهم أن الرسول لا يعرف صدقه إلا بطريقتهم تلك؛ وهذا خطأ، بل طرق العلم بصدق الرسول كثيرة جداً فإذا ثبت بالقرآن صدقه، فقد علم صحة كل ما أخبر به النبي ﷺ وصارت أخباره ﵇ أدلة على صحة سائر ما دعى إليه من الأمور الغائبة عن حواسنا. ٣ـ ظنهم أن تلك الطرق صحيحة مع أنها قد تكون باطلة. ٤ـ ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل؛ وهو غلط: فإن العقل لا يعارض السمع، وإنما يعارض الكتاب والسنة المجهولات لا المعقولات. س٤ـ اذكر أمثلة لصفات الله التي تعرف بالعقل؟ ج ـ١ـ من الصفات التي تعرف بالعقل: قوله تعالى: ﴿ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] أثبت الله خلقه للخلق، وهذا يرشدنا إلى اتصافه بالعلم

стр. 325

والقدرة والحياة، فإنه لا يخلق إلا قادر على الخلق عالم بما سيخلقه ولا يكون ذلك إلا من حي. ٢ـ اتفاق النظار أي المتكلمين من الأشاعرة على ان الصفات السبع تعلم بالعقل أي أنه ـ سبحانه ـ عالم، وقادر، وحي، وسميع، وبصير. ٣ـ ويثبت بالعقل كذلك: الحب، والرضى، واغضب، وعلوه ـ تعالى ـ على المخلوقات، وإمكان الرؤية. س٥ـ اذكر الطرق العقلية العامة في إثبات صفات الكمال لله؟ ج ـ هناك طريقتان لإثبات الكمال: ١ـ إثبات صفات الكمال بنفي ما يناقضها. وذلك بأن يقال: لولم يكن متصفاً بصفات الكمال لكان موصوفاً بضدها، فلو لم يوصف بالحياة والسمع مثلاً لكان موصوفاً بالموت والصمم. ٢ـ إثبات صفات الكمال بأنفسها. بأن يقال: كل كمال اتصف به المخلوق فالخالق أولى به، وهذا ما سبق تسميته بقياس الأولى. س٦ـ في شبهة التقابل المشهورة، اذكر الأجوبة باختصار؟ ج ـ الأجوبة السبعة باختصار: ١ـ التقسيم إلى أربعة أقسام منقوض بالوجوب والإمكان، فهما وجوديان ومع ذلك لا يجتمعان ولا يرتفعان، فلم ينطبق عليهم حد النقيضين ولا الضدين. ٢ـ الأقسام الأربعة تتداخل، فالملكة والعدم تدخل في النقيضين، والمتضايفان يدخلان في الضدين. ٣ـ التقسيم الصحيح أن يقال: المتقابلان: إما نقيضان، وهما السلب والإيجاب، أو ضدان، أو في معنى النقيضين، وهما ما لا يمكن خلو الشيء عنهما مع كونهما وجوديين كالإمكان والوجوب.

стр. 326

٤ـ المحل الذي لا يقبل الصفات أنقص من المحل الذي يقبلها مع عدمها. ٥ـ لا يسلم أن تكون الجمادات مثلاً لا يمكن قبولها للصفات؛ فالإمكان قسمان: ذهني وهذا لا يمتنع، وخارجي: وهذا منقوض بأمرين: أـ ورود وصفها بالموت والعجمة والخرس لغة وشرعاً. ب ـ إمكان ذلك بقدرة الله كعصا موسى. ٦ـ هذه الصفات كمال في حق المخلوق؛ فالخالق أولى بها فتكون واجبة في حقه. ٧ـ مجرد نفي هذه الصفات نقص لذاته؛ لذلك ذم الله المشركين لعبادتهم آلهة لا تسمع، ولا تبصر ولا تتكلم.

стр. 327

الفصل الثاني: الأصل الثاني " الشرع والقدر " الأصل الثاني: الشرع والقدر ... الأصل الثاني الشرع والقدر قال شيخ الإسلام: "وأما الأصل الثاني، وهو التوحيد في العبادات المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعاً؛ فنقول: إنه لابد من الإيمان بخلق الله وأمره، فيجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وقد علم ما سيكون قبل أن يكون وقدر المقادير وكتبها حيث شاء، كما قال تعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] . وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء"١. ويجب الإيمان بأن الله تعالى أمر بعبادته وحده لا شريك له، كما خلق الجن والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله وأنزل كتبه. وعبادته تتضمن كمال الذل له والحب له، وذلك يتضمن كمال طاعته ومن يُطع الرسول فقد أطاع الله؛ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا

стр. 328

لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] . وقد قال تعالى: ﴿وَاسْألْ مَنْ أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ..﴾ [الشورى: ١٣] ، وقال تعالى: ﴿يا أيها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١ـ٥٢] ، فأمر الرسل بإقامة الدين وأن لا يتفرقوا فيه، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إنَّا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء إخوةٌ لعَلاّت، وأنا أوْلى الناس بابن مريم؛ لأنه ليس بيني وبينه نبي"١. وهذا الدين هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله ديناً غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال تعالى عن نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَآ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ آمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَألْتُكُمْ مِنْ أجْرٍ إِنْ أجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ـ٧٢] . وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قَالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ـ١٣٢] . وقال عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] .

стр. 329

وقال في خبر المسيح: ﴿وَإِذْ أوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] . وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] . وقال عن بلقيس أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] . فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً، ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده. وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يُطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمر ثانياً باستقبال الكعبة، كان كل من الفعلين حين أمر به داخلاً في دين االلإسلام، فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوّع بعض صور الفعل وهو وجهة المصلّي، فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشرعة والمنهاج والوجهة والمنسك، فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدِّين واحداً، كما لم يمنع ذلك في شرعة الرسول الواحد. والله تعالى جعل من دين رسل أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به، وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أأقْرَرْتُمْ وَأخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ، قال ابن عباس ﵄: لم يبعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق لئن بُعث محمَّد وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنه،

стр. 330

وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمَّد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه١. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] . وجعل الإيمان بهم متلازماً، وكفَّر من قال: إنه آمن ببعض وكفر ببعض، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ آنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ـ١٥١] . وقال تعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى آشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] ، وقد قال لنا: ﴿قُولُوا أمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٦ـ١٣٧] ، فأمرنا أن نقول: آمنا بهذا كله ونحن له مسلمون، فمن بلغته رسالة محمَّد ﷺ فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلماً ولا مؤمناً بل يكون كافراً، وإن زعم أنه مسلم أو مؤمن. كما ذكروا أنه لما أنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] ، فقالوا: لا نحج، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] .

стр. 331

فإن الاستسلام لله لا يتم إلا بإقرار بما له على عباده من حج البيت، كما قال النبي ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمَّداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"١، ولهذا لما وقف النبي ﷺ بعرفة أنزل الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ٢ [المائدة: ٣] . وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا؟ وهو نزاع لفظي، فإن الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمَّداً ﷺ ، المتضمن لشريعة القرآن ـ ليس عليه إلا أمة محمَّد ﷺ ، والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام، المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبياً من الأنبياء ـ فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء. ورأس الإسلام مطلقاً شهادة أن لا إله إلا الله، وبها بعث الله جميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً آنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ، وقال تعالى عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ـ ٢٨] ، وقال تعالى عنه: ﴿قَالَ أفَرَأيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ـ ٧٧] وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] ، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] . وذكر عن رسله: كنوح وهود وصالح وغيرهم انهم قالوا لقومهم:

стр. 332

﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩، ٦٥، ٧٣] ، وقال عنهم أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: ١٣ـ١٥] ، وقد قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨،١١٦] ذكر ذلك في موضعين من كتابه. وقد بين في كتابه الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء، والشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام ـ وأصل الشرك، الشرك بالشيطان ـ فقال عن النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلآ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٢١] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أنْتَ عَلآمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦ـ١١٧] ، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أرْبَابًا أيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ـ٨٠] ، فبيّن أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كُفْرٌ. ومعلوم أن أحداً من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان أو المسيح ابن مريم شاركوا الله في خلق السموات والأرض، بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهاً مساوياً لله في جميع صفاته، بل عامة المشركين بالله مقرّون بأنه ليس شريكه مثله، بل عامتهم مقرّون أن الشريك مملوك له سواء كان ملكاً أو نبياً أو كوكباً أو صنماً، كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فأهلّ

стр. 333

رسول الله ﷺ بالتوحيد، فقال: "لبيك اللهم لبيك، [لبيك] لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" ١. وقد ذكر أرباب المقالات ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين في الملل والنحل والآراء والديانات، فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل له في جميع الصفات، بل من أعظم ما نقلوا في ذلك قول الثنوية، الذين يقولون بالأصلين: النور والظلمة، وأن النور خلق الخبر، والظلمة خلقت الشر، ثم ذكروا لهم في الظلمة قولين: أحدهما أنها محدثة، فتكون من جملة المخلوقات له، والثاني أنها قديمة، لكنها لم تفعل إلا الشر، فكانت ناقصة في ذاتها وصفاتها ومفعولاتها عن النور. وقد أخبر الله عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات ما بيّنه في كتابه، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أوْ أرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ ـ ٨٩] إلى قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١] ، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] . وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى (التوحيد) ، فإن عامة المتكلمين الذين يقرّرون التوحيد في كتب الكلام والنظر ـ غايتهم أن يجعلوا

стр. 334

التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث: وهو توحيد الأفعال وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى قد يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع. ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمَّد ﷺ أولاً ـ لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرّون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضاً، وهم مع هذا مشركون". معاني الكلمات: التوحيد: هو إفراد الله ذاتاً وصفة وفعلاً، وأنه مستحق وحده للعبادة والمقصود به هنا إفراد الله بالعبادة. العبادات: هي الذل والخضوع لله سبحانه، وهي اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وهي متضمنة كمال الذل والمحبة لله، ويترتب على ذلك كمال الطاعة لله وطاعة رسوله. الشرع: هو الإيمان بأنه تعالى شرع الشرائع وخلق الخلق لعبادته. القدر: تقدير الله لما كان وما يكون أزلاً وأبداً وأنه كتبه في اللوح المحفوظ وأوجده على حسب علمه السابق. عناصر الموضوع: ١ـ موضوع الأصل الثاني: موضوع الأصل الثاني هما أصلان عظيمان يجب الإيمان بهما: • الأصل الأول: الإيمان بشرع الله، وأنه تعالى شرع الشرائع وأرسل الرسل وخلق الخلق لعبادته. (ويسمى توحيد الألوهية وهذا توحيد العبادة) . • الأصل الثاني: الإيمان بأن الله خالق كل شيء، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهذا هو القدر.

стр. 335

٢ـ الصلة بين الأصلين: (الأول والثاني) تقدم أن موضوع الرسالة التدمرية هو الكلام في أصلين عظيمين: الأول: التوحيد والصفات. والثاني: الشرع والقدر. فبيَّن المؤلف في الأصل الأول ما يجب على العباد أن يعتقدوه في الله نفياً وإثباتاً، ورد على المخالفين في ذلك من المعطلة والممثلة، فناسب أن يبين في الأصل الثاني ما يجب على العباد من حق الله الذي من أجله خلق الثقلين الإنس والجن وأرسل الرسل وأنزل الكتب. ٣ـ عَلاَمَ يدور عليه الأصل الثاني؟: مدار الأصل الثاني على مسألتلا: ١ـ الإيمان بربوبية الله تعالى الشاملة، وأنه خالق كل شيء، وأن ما شاء كان وما لم يشأ يكن. ٢ـ الإيمان بأنه خلق الخلق لعبادته. ٤ـ على من يرد شيخ الإسلام بالأصل الثاني؟: يرد شيخ الإسلام بهذا الأصل على طائفتين: أـ المنحرفون في الشرع وهم المتكلمون والمتصوفة. ب ـ المنحرفون في القدر من القدرية والجبرية والصوفية. ٥ـ الإيمان بالقدر والشرع من تمام الإيمان بالله: إن من تمام الإيمان بربوبية الله الإيمان بأن الله خالق كل شيء وأنه ربه ومليكه وأنه ما شاء كان ومالم يشأ يكن، وأنه المتصرف في خلقه، وكذا الإيمان بأنه المستحق وحده للعبادة وهذا هو دين الأنبياء جميعهم، وهو الإسلام: وهو الاستسلام لله بالطاعة وإفراده بالعبادة والخلوص من الشرك، قال تعالى عن نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] ، وقال عن يعقوب: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢] .

стр. 336

٦ـ ضرورة الإيمان بالقدر والشرع: الإيمان بالقدر والشرع أحد أركان الإيمان بالستة التي بينها رسول الله ﷺ لجبريل حين سأله عن الإيمان فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" (أخرجه مسلم ٨/١) . فلا بد للإنسان من الإيمان بالقدر لأنه أحد أركان الإيمان الستة، ولأنه من تمام توحيد الربوبية، ولأنه به تحقيق التوكل على الله وتفويض الأمر إليه مع القيام بالأسباب الصحيحة النافعة، ولأن به اطمئنان الإنسان في حياته حيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ولأنه ينتفي الإعجاب بالنفس عند حصوله المراد؛ لأنه يعلم أن حصوله بقدر الله وإنَّ عمله الذي حصل به مراده ليس إلا مجرد سبب يسره الله له، ولأن به يزول القلق والضجر عند فوات المراد، أو حصول المكروه، لأنه يعلم أن الأمر كله لله فيرضى ويسلم، وإلى هذين الأمرين يشير قوله تعالى: ﴿مَا أصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أنْفُسِكُمْ إِلآ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أنْ نَبْرَأهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢ـ٢٣] . ولابد للإنسان أيضاً من الإيمان بالشرع وهو ما جاءت به الرسل من أمر الله ونهيه، وما يترتب عليهما من الجزاء ثواباً أو عقاباً، فيقوم بما يلزمه نحو الأمر والنهي، ويؤمن بما يترتب عليهما من الجزاء. وذلك لأن الإنسان مريد فلا بد له من فعل يدرك به ما يريد، ويدفع به ما لا يريد، ولا بد له من ضابط يضبط تصرفه لئلا يقع فيما يضره، أو يفوته من حيث لا يشعر، والشرع الإلهي الذي جاءت به الرسل هو الذي يضبط ذلك، ويصدر الحكم الذي به التمييز بين النافع والضار، والصالح والفاسد، لأنه من عند الله العليم الرحيم الحكيم. والعقول وإن كانت تدرك النافع والضار في الجملة لكن تفصيل ذلك والإحاطة به إحاطة تامة إنما يكون من جهة الشرع.

стр. 337

ولهذا نقول: النفع أو الضرر قد يكون معلوماً بالفطرة، وقد يكون معلوماً بالعقل، وقد يكون معلوماً بالتجارب، وقد يكون معلوماً بالشرع، فالشرع يأتي مؤيداً لما شهدت به الفطرة والعقل والتجارب، وهذه تأتي شاهدة لما جاء به الشرع. وفي هذا المقام اختلف الناس في الأعمال هل يُعرف حسنها وقبحها بالشرع أو العقل؟ والتحقيق أن ذلك: يعرف تارة بالشرعو وتارة بالعقل، وتارة بهما، لكن علم ذلك على وجه الشمول والتفصيل، وعلم غايات الأعمال في الآخرة من سعادة وشقاء ونحو ذلك لا يعلم إلا بالشرع. ٧ـ الواجب في الشرع اعتقاداً وعملاً: سبق أن بين شيخ الإسلام الواجب في هذا الأصل في مقدمته؛ فالواجب فيه إثبات أمره المتضمن لبيان ما يحبه الله ويرضاه من العمل، ويؤمن بشرعه وقدره إيماناً خالياً من الزلل.. وإليك تفصيل ذلك: الواجب في الشرع اعتقاداً وعملاً يتضمن ما يلي: • أولاً ـ الواجب في الشرع اعتقاداً؛ وهو يتضمن ما يلي: ١ـ الإيمان بأن الله أمر بعبادته وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ إلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] . ٢) وأنه خلق الجن والإنس ليعبدوه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ٣) وأنه أرسل رسله وأنزل كتبه لتحقيق عبوديته، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ٤) وأن من يطع الرسول فقد أطاع الله: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤] .

стр. 338

• ثانياً ـ الواجب في الشرع عملاً؛ ما يأتي: ١) عبادة الله مع الإخلاص في الدين والموافقة للسنة. ٢) الاستغفار؛ كما قال تعالى: ﴿فاصب....لذنبك﴾ [غافر: ٥٥] ، أي: اصبر أيها الرسول فإن وعد الله حق ليس مشكوكاً فيه حتى يصعب عليك الصبر، واستغفر لذنبك المانع لك من تحصيل فوزك وسعادتك فأمر الله نبيه بالصبر الذي يحصل فيه المحبوب، وبالاستغفار الذي فيه دفع المحظور. ٨ ـ الواجب في القدر اعتقاداً وعملاً: تقدم أن شيخ الإسلام بيَّن الواجب في هذا الأصل في مقدمته؛ فنؤمن بخلق الله المتضمن لكمال قدرته وعموم مشيئته، وما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن، وإليك تفصيل ذلك: • أولاً ـ الواجب في القدر اعتقاداً: الواجب في القدر اعتقاداً الإيمان بمراتبه الأربعة: وهي كما يلي على ترتيب شيخ الإسلام في هذه الرسالة: المرتبة الأولى: الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢] . المرتبة الثانية: الإيمان بأن لله المشيئة العامة، فما شاء كان ومالم يشأ لم يكن، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] . المرتبة الثالثة: الإيمان بعلمه الأبدي بما سيكون قبل أن يكون. المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله كتب مقادير كل شيء. ودليل هاتين المرتبتين ما يلي: ١ـ من القرآن قوله تعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ

стр. 339

ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] . ٢ـ من السنة قوله ﵇: "إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء". أخرجه مسلم (٤/٢٠٤٤) . فكتابته تستلزم العلم. وقد جمع بعضهم هذه المراتب بقوله: علم كتابة مولانا مشيئته وخلقه هو إيجاد وتكوي • ثانياً ـ الواجب في القدر عملاً: الواجب في القدر عملاً يتضمن ما يلي: ١) الاستعانة بالله، والتوكل عليه والاعتماد عليه. ٢) الصبر على المقدور، فلا يكثر الأسى على المقدور، ولا يجزع مما يصيبه، ولا يحزن على ما يفوته، بل هو يصبر على أقدار الله الموجعة. ٩ـ مراتب الناس في تحقيق مقامي الشرع والقدر: الناس في تحقيق مقامي الشرع والقدر على أربعة أقسام: أـ من حقق مقامي الشرع والقدر هم المؤمنون المتقون الذين كان عندهم من عبادة الله تعالى والاستعانة به ما يصلح به أحوالهم، فكانوا لله وبالله وفي الله، وهؤلاء أهل القسط والعدل الذين شهدوا مقام الربوبية والألوهية وهم أعلى الأقسام، فإم هذا مقام الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ب ـ من فاتهم التحقق في أصل القدر، فكان عندهم من عبادة الله والاستقامة في شرعه ما عندهم، لكن ليس عندهم قوة في الاستعانة بالله والصبر على أحكامه الكونية والشرعية، فيصيبهم عند العمل من العجز والكسل ما يمنعهم من العمل أو إكماله ويلحقهم بعد العمل من العجب والفخر ما قد يكون سبباً لحبوط عملهم وخذلانهم، وهؤلاء أضعف مما سبقهم، وأدنى مقاماً، وأقل عدلاً؛ لأن شهودهم مقام الألوهية غالب على شهود مقام الربوبية.

стр. 340

ج ـ من فاتهم التحقيق في أصل الشرع فكانوا ضعفاء في الاستقامة على أمر الله ومتابعة شرعه، لكن عندهم قوة في الاستعانة بالله والتوكل عليه، ولكن قد يكون ذلك في أمور لا يحبها الله تعالى ولا يرضاها، فَيُعَانُ ويُمَكَّنُ له بقدر حاله، ويحصل له من المكاشفات والتأثيرات ما لا يحصل للقسم الذي قببه، لكن ما يحصل من هذه الأمور يكون من نصيب العاجلة في الدنيا، أما عاقبته في الدنيا، أما عاقبته فعاقبته سيئة، لأنه ليس من المتقين، وإنما العاقبة للمتقين، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ . فالله سبحانه يعلم أن هؤلاء سيشركون بعد أن ينجيهم، لكن لما كانوا في البحر كانوا مخلصين في دعائهم الله تعالى أن ينجيهم صادقين في تفويض الأمر إليه حتى يحصل مرادهم، ولما لم يكن لهم عبادة لم يستقم أمرهم وكان عاقبة أمرهم خسراً. فالفرق بين هؤلاء وبين القسم الذين فبلهم: أن الذين قبلهم كان لهم دين ضعيف لضعف استعانتهم بالله وتوكلهم عليه، لكنه مستمر باق إن لم يفسده صاحبه بالعجز والجزع، وهؤلاء لهم حال وقوة لكن لا يبقى لهم إلا ما وافقوا فيه الأمر واتبعوا السنة. د ـ من فاتهم تحقيق أصلي الشرع والقدر، فليس عندهم عبادة الله، ولا استعانة ولا لجوء إليه عند الشدة، فهم مستكبرون من عبادة الله، مستغنون بأنفسهم عن خالقهم، وربما لجؤوا في الشدائد وإدراك مطالبهم إلى الشياطين فأطاعوها فيما تريد وأعانتهم فيما يريدون، فيظن الظاّن أن هذا من باب الكرامات! وهو من باب الإهانات لأن عاقبتهم الذل والهوان وهذا قسم شر الأقسام. ١٠ـ المنحرفون في باب القدر: سأتناول هذا الموضوع فيما يلي:

стр. 341

أـ الفرق التي ضلّت في باب القدر: وقد ضل في هذا الباب فرق ثلاث: المجوسية والمشركية والإبليسية، وتفصيل هذه الفرق كما يلي: • الأولى ـ المجوسية: وهم الذين أنكروا القدر وأقروا بالشرع وهم: غلاة أنكروا مرتبتي العلم والكتابة كمعبد الجهني، ومقتصدون أنكروا عموم مرتبتي الخلق والمشيئة، وهم المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة، وسُموا بذلك لأنهم أثبتوا خالقاً غير الله وهو العبد؛ حيث زعموا أنه خالق لفعله. • الثانية ـ المشركية: الذين أقروا بالقدر ولكنهم غلوا فيه حتى أنكروا الأمر والنهي فصادموا الشرع بالقدر، وسُموا بذلك لأنهم احتجوا على تعطيل الشرع بالقدر، كما قال المشركون فيما حكى الله عنهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] ، وهذا حال كثير ممن يدعى الحقيقة الكونية ويفنى في الربوبية حتى الصوفية. • الثالثة ـ الإبليسية: وهم الذين أقروا بالأمرين ـ الشرع والقدر ـ ولكنهم جعلوا هذا تناقضاً وطعنوا في حكمة الله تعالى وعدله، قال تعالى عن إبليس: ﴿أنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] ، وكذلك قوله: ﴿أأسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] ، فهنا أقر إبليس بخلق الله تعالى وقدرته، وكذلك أقر بشرعه، ولكنه طعن في حكمة الله وعدله؛ لأنه أمره بالسجود لمن هو دونه بزعمه. ب ـ مخالفة من ينظر إلى القدر دون الشرع للحس والعقل: من ينظر إلى تقدير الله وخلقه الأشياء وتدبيره، دون أن ينظر على أوامر الله ونواهيه: يسقط تمييزهم؛ لوقوفهم عند الحقيقة الكونية، فهم مخالفون للحس والعقل. أمال مخالفتهم للحس فإنه لابد لكل إنسان من أن يشعر بما يسعده أو يؤذيه ولابد أن يميز بين ما يأكله وما لا يأكله، وبين الحر والبرد، فكيف لا يُميَّز الأوامر والنواهي؟! فلا يمكن تصور زوال الإحساس، ولا يستوي الأمران مع وجود الحياة.

стр. 342

أما مخالفة من ينظر إلى القدر ويعرض عن الشرع للعقل والقياس: أنه إذا عومل أحدهم بموجب مذهبهم؛ مثل أن يضرب أو يجاع، فإن لام من فعل به ذلك فقد نقض قوله وخرج عن أصل مذهبه، فيقال له: هذا الذي فعل مقضي مقدور، فخلق الله ومشيئته وقدره متناول لك وله، فإن كان القدر حجة لهذا أيضاً، وإلا فليس بحجة لك ولا له١. ج ـ الإيمان بالقدر لا ينافي الأسباب: الإيمان بالقدر لا ينافي إثبات الأسباب، فللأسباب تأثير لذاتها بل بما أودعه الله فيها من القوى والأسباب، وهي قد تكون كونية، مثل جعل الله أودعه الله فيها من القوى والأسباب، وهي قد تكون كونية، مثل جعل الله السحاب سبباً لنزول المطر، ونزول المطر سبباً لإخراج الثمرات. وقد تكون شرعية؛ مثل جعل إتباع الكتاب والسنة سبباً للهداية، والإعراض عنهما سبباً للضلال والغواية. فإذا كان القدر لا ينافي الأسباب فكذلك لا ينافي في أن يكون للعبد قدرة وإرادة مع خلق الله الأسباب، والمنحرفون في هذا الباب طائفتان: ١ـ الغلاة في إثبات الأسباب حتى جعلوها هي المؤثرة بذاتها، فوقعوا في الشرك، وهؤلاء خالفوا المحسوس من عدة وجوه: أـ أن الحس دل على أن ما من سبب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه. ب ـ ولابد من عدم مانع يمنع أثره إذا لم يدفعه الله عنه، فلا يستقل شيء بفعل شيء إلا الله. ج ـ أننا نشاهد تخلف بعض المسببات عن أسبابها كتخلف الإحراق عن النار في قصة إبراهيم، حيث قال: ﴿قُلْنَا ينَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] . والغلاة في الأسباب هم القدرية. ٢ـ نفاة الأسباب وهم الأشاعرة؛ فينكرون تأثير الأسباب ويجعلونها

стр. 343

مجرد علامات يحصل الشيء عندها لا بها، وهؤلاء خالفوا السمع وأنكروا ما خلق الله من القوى والطباع. د ـ الأسباب لا تستقل بنفسها: تقدم أن الأسباب لا تستقل شيء منها في تحصيل مسبباتها فيعلم بطلان مقولة الفلاسفة الملاحدة ومن وافقهم من المتفلسفة ممن ينتسبون إلى الإسلام كابن سينا، وهي أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد١. ويمكن تلخيص الرد عليهم بما يلي: ١ـ أنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء لا واحد ولا إثنان إلا الله تعالى، بل كل شيء محتاج إلى غيره في التسبب. ٢ـ فالنار مثلاً لا يحصل الإحراق بها إلا بمحل يقبل الاحتراق، فإذا وقعت على السمندل والياقوت ونحوهما لم تحرقهما، وكذلك إذا طلي الجسم بما يمنع إحراقه فلا يحترق. السمندل: حيوان في الهند لا يحترق بالنار، قيل هو: هو دابة دون الثعلب يتلذذ بالنار، وقيل طائر لا يحترق ريشه٢. الياقوت: حجر شفاف شديد الصلابة لا تذوبه النار. ب ـ وكذلك شعاع الشمس لا بد له من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه، وإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل وصول الشعاع٣. فهذا يدل على أنه لا يوجد واحد يصدر عنه شيء بنفسه مفتقر إلى غيره وله مانع يمنع أثره. ٢ـ هذا القول من أعظم الجهل وليس عليه دليل عقلي ولا نقلي، بل الله خلق المخلوقات كلها وقال: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ

стр. 344

لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] ، فخالق الأزواج واحد، بل وخالق جميع المخلوقات واحد١. ١١ـ الأسئلة والأجوبة الواردة على ما في الأصل الثاني وهو (الشرع والقدر) : س١ـ اذكر مراتب القدر مع الأدلة. ج ـ للقدر أربع مراتب وهي كما يلي: ـ المرتبة الأولى: الإيمان بأن الله خالق كل شي وربه وملكيه، وأنه على كل شي قدير، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢] . ـ المرتبة الثانية: الإيمان بأن لله المشيئة العامة؛ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] . ـ المرتبة الثالثة: الإيمان بعلمه الأزلي الأبدي بما سيكون قبل أن يكون. ـ المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى كتب مقادير كل شي. * ودليل هاتين المرتبتين ما يلي: ١ـ من القرآن: قوله تعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ٢ـ ومن السنة: قوله ﵊: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء فكتابته تستلزم العلم، "هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه (٤/٢٠٤٤) . س٢ـ ما الذي يتضمنه الإيمان بالشرع؟ ج ـ يتصمن ما يلي:

стр. 345

١ـ الإيمان بأن الله أمر بعبادته وحده لا شريك له. قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] . ٢ـ وأنه خلق الجن والأنس ليعبدوه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٣] . ٣ـ وأنه أرسل رسله وأنزل كتبه لتحقيق عبودبته، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . ٤ـ وأن من يطع الرسول فقد أطاع الله. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ . ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] . * تعريف العبادة: العبادة لغة: التذلل، مأخوذ من قولهم "عبّد" إذا ذلل. واصطلاحاً: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. س٣: ما هو دين الأنبياء جميعاً؟ ج: دين الأنبياء جميعاً واحد وهو الإسلام، وإن اختلفت شرائعهم، والدليل على ذلك ما يلي: ١ـ فمن القرآن قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] ، فأمر بإقامة الدين وألا يتفرقوا فيه، وقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] . ٢ـ ومن السنة قوله ﷺ : "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء إخوة لعلاّت، وأنا أولى الناس بابن مريم، لأنه ليس بيني وبينه نبي" رواه البخاري ومسلم (٤/١٨٣٧) . * والمراد: أن أمهاتهم شتى وأباءهم واحد؛ أي: شرائعهم شتى ودينهم

стр. 346

واحد، كما في رواية البخاري: "أمهاتهم شتى ودينهم واحد". وقيل: المراد أزمنتهم مختلفة ودينهم واحد. س٤: عرِّف الإسلام وبين أنواعه؟ ج: الإسلام هو الاستسلام والطاعة والعبادة لله، ثم إفراده بهذه العبادة؛ فمن لم يفرده بالعبادة كان مشركاً، ومن استكبر عن عبادته كان كافراً متكبراً، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] ، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] . والإسلام نوعان: عام وخاص: فالعام: هو الاستسلام لله وحده؛ فهذا يصدق على كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء. والإسلام الخاص: هو ما بعث الله به نبيه ﷺ إلا الدين الذي جاء به. س٥: ما الأدلة على أن أول الأنبياء يبشر بآخرهم، وآخرهم يصّدق أولهم؟ ج: الأدلة على ذلك ما يلي: ١ـ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أأَقْرَرْتُمْ وَآخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ، قال القرطبي: "أخذ الله ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر، والإصر: هو العهد. تفسير القرطبي (٤/١٢٣) . ٢ـ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . ٣ـ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ

стр. 347

مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] . ٤ـ وقد اجتمع التصديق بالأول والتبشير بالآخر في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ . س٦: هل من سبق من الأمم المتبعة لرسلهم مسلمون أم لا؟ وما ثمرة الخلاف؟ ج: إنهم مسلمون بالإطلاق العام لمعنى الإسلام؛ فالخلاف لفظي، وثمرة الخلاف: أن من قال: إن تلك الأمم مسلمون أراد الإسلام العام، ومن قال: إنهم غير مسلمين أراد الإسلام الخاص.

стр. 348

التوحيد عند المتكلمين قال شيخ الإسلام: "وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى التوحيد؛ فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتاب الكلام والنظر، غايتهم: أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث، وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا معنى قولنا: "لا إله إلا الله"، حتى قد يجعلون معنى الإلهية: القدرة على الاختراع. ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم محمَّد ﷺ أولاً لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرُّون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضاً، وهم مع هذا مشركون. وقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك، ولكن غاية ما يقال: إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقاً لغير الله؛ كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا: إنهم خالقوا أفعالهم. وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، فهم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة، لا يقولون إنها غنية عن الخالق، مشاركة له في الخلق. فأما من أنكر الصانع فذلك جاحد معطِّل للصانع، كالقول الذي أظهره

стр. 349

فرعون، والكلام الآن مع المشركين بالله المقرَّين بوجوده، فإذا هذا التوحيد الذي قرروه لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون، بل يقرون به مع أنهم مشركون، كما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، وكما علم بالاضطرار من دين الإسلام. وكذلك النوع الثاني، وهو قولهم: لا شبيه له في صفاته، فإنه ليس في الأمم من أثبت قديماً مماثلاً له في ذاته، سواء قال: إنه مشاركه، أو قال: إنه لا فعل له، بل من شبَّه شيئاً من مخلوقاته فإنما يشبّهه به في بعض الأمور. وقد عُلم بالعقل امتناع أن يكون له مِثْلٌ في المخلوقات، يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع، فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم، وعلم أيضاً بالعقل أن كل موجودَيْن قائمين بأنفسهما فلابدّ بينها من قدر مشترك؛ كاتفاقهما في مسمى (الوجود) و (القيام بالنفس) و (الذات) ونحو ذلك، وأن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض، وأنه لابد من إثبات خصائص الربوبية، وقد تقدم الكلام على ذلك. ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى (التوحيد) ، فصار من قال: إن لله علماً أو قدرة، أو إنه يُرى في الآخرة، أو إن القرآن كلام الله منزَّل غير مخلوق يقولون: إنه مشبَّه ليس بموحِّد. وزاد عليهم غلاة الجهمية والفلاسفة والقرامطة فنفوا أسماءه الحسنى، وقالوا: من قال: إن الله عليم قدير عزيز حكيم فهو مشبِّه، ليس بموحد. وزاد عليهم غلاة الغلاة، وقالوا: لا يوصف بالنفي ولا الإثبات، لأن في كل منهما تشبيهاً له. وهؤلاء كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر مما فروا منه، فإنهم شبَّهوه بالممتنعات والمعدومات والجمادات فراراً من تشبيههم ـ بزعمهم ـ له بالأحياء. ومعلوم أن هذه الصفات الثابتة لله لا تثبت له على حد ما يثبت لمخلوق أصلاً، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا فرق بين إثبات الذات وإثبات الصفات، فإذا لم يكن في إثبات

стр. 350

الذات مماثلة للذوات لم يكن في إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك، فصار هؤلاء الجهمية المعطلة يجعلون هذا توحيداً، ويجعلون مقابل ذلك التشبيه، ويسمون نفوسهم (الموحدين) . وكذلك النوع الثالث، وهو قولهم هو واحد لا قسيم له في ذاته، أو لا جزء له، أو لا بعض له لفظ مجمل، فإن الله أحد صمد لم يلد ولم يُولد، ولم يكن له كفواً أحد، فيمتنع أن يتفرق، أو يتجزأ، أو يكون قد رُكِّب من أجزاء، لكنهم يدرجون في هذا الفظ نفي علوه على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد. فقد تبيّن أن ما يسمونه (توحيداً) فيه ما هو حق وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقاً، فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله لم يخرجوا فيه من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن، وقاتلهم عليه الرسول ﷺ ، بل لابد أن يعترفوا بأنه لا إله إلا الله. وليس المراد بـ (الإله) هو القادر على الاختراع، كما ظنّه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن الإلهية هي القدرو على الاختراع، وأن من أقرّ بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شَهِدَ أنه لا إله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرُّون بهذا وهم مشركون، كما تقدم بيانه، بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يُعبد فهو إله بمعنى مألوه، لا إله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرُّون بهذا وهم مشركون، كما تقدم بيانه، لا إله بمعنى آله، والتوحيد أن يُعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلهاً آخر". معاني الكلمات: المتكلمون: هم الذين يتعاطون علم الكلام المذموم كالجهمية والمعتزلة والأشعرية وغيرهم. أهل النظر: هم الذين يوجبون النظر العقلي لإثبات الربوبية، فقالوا: أول واجب على العبد النظر أو القصد إلى النظر، وهم طوائف من الأشعرية والماتريدية.

стр. 351

دلالة التمانع: سُمي التمانع لأنه مبني على فرض تمانع الآلهة بعضها بعضاً عن الصنع ومغالبة بعضهم بعضاً. عناصر الموضوع: ١ ـ حقيقة التوحيد عند أهل الكلام: حقيقة التوحيد عند أهل الكلام هي اعتقاد الوحدانية لله ذاتاً وصفة وفعلاً، فنلحظ أنهم غلوا في توحيد الربوبية، وأهملوا توحيد الألوهية والعبادة تماماً، مع نفيهم لكثير من الصفات كالعلو والاستواء، ويدَّعون أن هذا هو التحقيق والغاية من خلق الثقلين الإنس والجن، والغاية من إرسال الرسل وهذا خلاف الأدلة من الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، الحاصل أنهم لا يتعرضون لتوحيد الألوهية ويفسرونه بالربوبية. ٢ ـ أقسام التوحيد عند أهل الكلام: ينقسم التوحيد عند أهل الكلام إلى ثلاثة أقسام: ١ـ توحيد الله في أفعاله لا شريك له. ٢ـ أنه واحد بصفاته ولا شبيه له. ٣ـ أنه واحد في ذاته لا قسيم له. ولا يَخْفى أن من تدبر في توحيد المتكلمين يتبين له ما يلي: ١ـ أنه لا يوجد عندهم توحيد الألوهية ولا اهتمُّوا به، مع أن توحيد الألوهية هو المقصد الأعلى والهدف الأسمى من خلق الكون وما فيه، وإنزال الكتب، وإرسال الرسل كما تقدم بيانه. غاية من خلق الثقلين الإنس والجن إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك، فصار هؤلاء المعطلة يجعلون هذا توحيداً، ويجعلون مقابل ذلك التشبيه، ويسمون نفوسهم (الموحدين) . ٢ـ اهتمامهم الكبير بتوحيد الربوبية فقد جعلوه هو المقصد الأعلى والغاية العظمى، مع أنه أمر فطري لا يختلف فيه أهل الملل والنحل. ٣ـ قصدهم بتوحيد الذات أن الله لا يتجزأ ولا يتبعض، بل هو سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

стр. 352

وهذا حق، لكنهم أدخلوا فيه نفي كثير من الصفات كالوجه واليدين، وأدخلوا فيه نفي علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه، فهم يظنون أنه لو ثبت هذه الصفات لله تعالى لكان مركباً مبعَّضاً، فكلامهم هذا من قبيل كلمة حق أريد بها الباطل. والنوع الثاني: أنه واحد في صفاته لا شبيه له، يراد به معنيان: ١ـ يعني حق وهو: أن يراد أن الله مسمى بالأسماء الحسنى، ومتصف بالصفات الكاملة التي لا يماثله فيها أحد. ٢ـ معنى باطل، وهو: أن يراد به نفي المماثلة من كل وجه، ووجه بطلانه: أنه ليس في الملل من يثبت قديماً مماثلاً لله تعالى على السواء، وما ورد من التشبيه فهو تشبيه لبعض الخلق بالله تعالى من بعض الوجوه لا من جميعها. ومقصودهم بتوحيد الأفعال: هو أنه واحد في أفعاله لا شريك له، أي أنه خلق العالم وهذا حق، لكنهم اخطئوا في جعله هو معنى لا إله إلا الله، نتيجة خلطهم بين الربوبية والألوهية. الحاصل أنهم لا يتعرضون لتوحيد الألوهية ويفسرونه بتوحيد الربوبية، فظنوا أنه هو المطلوب من العباد، وأن معنى لا إله إلا الله: لا خالق إلا الله، أو لا قادر على الاختراع إلا الله. ٣ ـ أشهر أنواع التوحيد عند أهل الكلام: أشهر أنواع التوحيد عند أهل الكلام هو أنه واحد في أفعاله لا شريك له، ومقصودهم به أن خالق العالم واحد، ويستدلون على ذلك بدليل التمانع؛ وهو دليل عقلي معناه: أنه لو كان للعالم صانعان وحصل اختلافهما؛ كأن يريد أحدهما إحياء جسم والآخر مماته، فلا يخلو إما أن يحصل مرادهما معاً أو لا يحصل مراد واحد منهما، أو يحصل مراد أحدهما دون الآخر، فالأول: ممتنع لأنه جمع بين النقيضين، والثاني: كذلك لأنه يستلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون وهذا ممتنع لأنه يستلزم ارتفاع

стр. 353

النقيضين وهذا باطل، والثالث: ممكن فيكون القادر إلهاً والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، وهذا الاستدلال صحيح ولكن ليس هذا معنى لا إله إلا الله، لأن معناها: لا معبود إلا الله، وهؤلاء غلطوا في جعل الإله بمعنى الرب من وجهين: أـ أنهم ظنوا أن الربوبية هي التوحيد المطلوب. ب ـ أنهم ظنوا أن هذا هو معنى لا إله إلا الله؛ لأن معنى الألوهية عندهم القدرة على الاختراع. ويرد عليهم: بأن المشركين الذين بعث إليهم الرسول ﷺ كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، ولو كان هذا هو التوحيد المطلوب لم يمتنع المشركون من قول لا إله إلا الله، فلم ينازع أحد في أصل الربوبية، وغاية ما وجد من ذلك أنَّ من الناس من جعل لبعض الموجودات خالقاً غير الله، من القدرية ونحوهم، مع أنهم يقرون بأن الله خالق العباد وقدرتهم، أو قالوا إنهم خالقوا أفعالهم، وأهل الكلام يسمونه توحيد الربوبية، وقد غلطوا في الاستدلال على هذا القول بقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] ؛ لأن المقصود من هذه الآية، بيان توحيد الربوبية كان معلوماً عند المشركين، فأفنوا أعمارهم بما لم ينازع فيه المشركون، لكن لم ينفعهم ذلك ولم يدخلهم في الإسلام، ومعلوم أن المقصد الأعظم الذي أرسل لأجله الرسل وأنزلت الكتاب وخلق له الجن والإنس هو عبادة الله وحده لا شريك له، فمعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله. ٤ـ المشركون يقرون بتوحيد الربوبية وينكرون توحيد الألوهية: أخبر الله أن المشركين الذين بعث فيهم الرسول ﷺ كانوا معترفين بالربوبية ولا ينكرونها، دلَّ على ذلك قوله تعالى: ١ـ ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] . ٢ـ ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالآبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]

стр. 354

٣ـ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ ـ ٨٩] . فتبيَّن مما تقدم أن المشركين لا يجعلون أحداً من آلهتهم شريكاً لله تعالى في ربوبيته من الخلق والرزق والملك والتدبير والتصريف، فهذه حقيقة لا ينكرها المشركون، وأخبر الله تعالى أن المشركين أنكروا على النبي ﷺ حقيقة أخرى لما نهاهم عن اتخاذ الشركاء وأمرهم بإخلاص العباد لله وحده، فهذا باطل عندهم وفاسد، وقالوا ما حكى الله عنهم في كتابه: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] ، لذا نعجبوا كيف ينهى عن اتخاذ الشركاء والأنداد ويأمر بإخلاص العبادة لله وحده. • وأما الأدلة من السنة أن النبي ﷺ كان يُعلِّم أصحابه والداخلين في الإسلام من جديد، بأن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئاً، حين كانوا مُقرِّين بأن الله الخالق، فقد روى البخاري عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: "إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" [أخرجه البخاري: ٣/٣٥٧] . وفي رواية: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى" [أخرجه البخاري، كتاب التوحيد: ١٣/٣٤٧ ح٧٣٧٢] . وفي رواية أخرى: قال: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله " [أخرجه مسلم، كتاب الإيمان ١/١٥ح ٣١] . وكذلك قال النبي ﷺ : "أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم

стр. 355

على الله" [أخرجه البخاري، كتاب الإيمان: ١/٧٥ ح٢٥] . وأخبر النبي ﷺ أصحابه أن حق الله على العباد أن يوحدوا الله بالعبادة ويفردوه في ذلك، ويتجردوا من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، حيث قال لمعاذ: "أتدري ما حق الله على العباد قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حقهم عليه؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: ألا يعذبهم" [أخرجه البخاري، كتاب التوحيد: ١٣/٤٣٧ ح٧٣] . • وأما في لغة العرب فإن معنى الرب غير معنى الإله، فالأول يدل على الإحاطة والخلق والإيجاد والتربية، والثاني يدل على المعبود بحق أو باطل. فالمقصود أن الكتاب والسنة واللغة دلت جميعها على أن هنالك فرقاً بين الربوبية والألوهية، وهذا خلاف ما عليه المتكلمون؛ فهم خلطوا معنى الألوهية بالربوبية، وظنوا أن الألوهية هي القدرة على الاختراع دون غيره فقد صار عندهم موحداً، وليس الأمر كما ذهبوا إليه، بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد دون غيره.
следующие страницы →