فصل [في الشرب]
الشربُ: نصيبُ الماء، والشَفَةُ شربُ بني آدمَ والبهائم، ولكلٍّ حقُّها في كلِّ ماءٍ لم يحرزْ بإناء، وسقي أرضِه من البحرِ ونهرٍ عظيمٍ كدجلة ونحوها، وشقُّ نهرٍ لأرضِهِ منها أو لنصب الرحى إن لم يضرَّ بالعامَّة، وإن ضرّ فلا. لا سقي دوابّه إن خيفَ تخريبُ النهرِ لكثرتها وأرضِه، وشجرةٍ من نهرِ غيره وقناتِهِ وبئره إلاَّ بإذنه، وله سقي شجرٍ أو خضرٍ في داره حملاً بجراره في الأصحّ. وكريُ نهرٍ لم يُمْلَكُ من بيتِ المال، فإن لم يكن فيه شيءٌ فعلى العامَّة، وكريُ نهرٍ مُلِكَ على أهلِه من أعلاه لا على أهلِ الشَّفَة، ومَن جاوزَ من أرضه قد برئ
لم يكن لأحدهما عليها غرسٌ أو طينٌ مُلْقَىً فهي لصاحبِ الأرضِ عند أبي حنيفة ﵁، وإن كان فصاحبُ الشغلِ هو صاحبُ اليد، وعند أبي يوسفَ ﵁ حريمُهُ مقدارُ نصفِ بطنِ النهرِ من كلِّ جانب، وعند محمّد ﵁ مقدارُ بطنِ النهرِ من كلِّ جانب.
فصل [في الشرب]
(الشربُ: نصيبُ الماء، والشَفَةُ شربُ بني آدمَ والبهائم، ولكلٍّ (١) حقُّها في كلِّ ماءٍ لم يحرزْ بإناء، وسقي أرضِه من البحرِ ونهرٍ عظيمٍ كدجلة ونحوها، وشقُّ نهرٍ لأرضِهِ منها (٢) أو لنصب الرحى إن لم يضرَّ بالعامَّة، (وإن ضرّ فلا) (٣).
لا سقي دوابّه إن خيفَ تخريبُ النهرِ لكثرتها وأرضِه)، بالجرِّ عطفٌ على دوابّه، (وشجرةٍ من نهرِ غيره وقناتِهِ وبئره إلاَّ بإذنه، وله سقي شجرٍ أو خضرٍ في داره حملاً بجراره في الأصحّ (٤).
وكريُ نهرٍ لم يُمْلَكُ من بيتِ المال، فإن لم يكن فيه شيءٌ فعلى العامَّة): أي يجبرُ الإمامُ الناسَ على كريه، (وكريُ نهرٍ مُلِكَ على أهلِه من أعلاه لا على أهلِ الشَّفَة، ومَن جاوزَ من أرضه قد برئ): أي كلُّ شريكٍ جاوزَ الذين يكرونَ النهر عن
стр. 1087
وصحَّ دعوى الشربِ بلا أرض، فإن اختصمَ قومٌ في شربٍ بينهم قُسِمَ بقدرِ أراضيهم، ومُنِعَ الأعلى منهم من سكرِ النهر وإن لم يشرب بدونه إلا برضاهم، وكلٌّ منهم من شقِّ نهرٍ منه، ونصبِ رحى أو داليةٍ أو جسرٍ عليه بلا أذنِ شريكه، إلاَّ رحى وُضِعَ في ملكه، ولا يضرُّ بالنهرِ ولا بالماء، ومن توسيعِ فمِ النهر، ومن القسمةِ بالأيَّام وقد كانت بالكِوى، ومن سوقِ شربهِ إلى أرضٍ له أخرى ليس لها منه شرب
أرضِهِ لم يكن عليه كريُ باقي النهر، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وقالا: عليهم كريه من أوَّله إلى آخرِه (١).
(وصحَّ دعوى الشربِ بلا أرض)، هذا استحسان؛ لأنَّه قد يملكُ بدون الأرضِ إرثاً، وقد يباعُ الأرضُ ويبقى الشربُ للبائع.
(فإن اختصمَ قومٌ في شربٍ بينهم قُسِمَ بقدرِ أراضيهم، ومُنِعَ الأعلى منهم من سكرِ النهر وإن لم يشرب بدونه إلا برضاهم (٢)، وكلٌّ منهم من شقِّ نهرٍ منه، ونصبِ رحى أو داليةٍ أو جسرٍ عليه بلا أذنِ شريكه، إلاَّ رحى وُضِعَ في ملكه)، بأن يكون بطنُ النهر وحافتاه ملكاً له، وللآخرِ حقُّ التسييل، (ولا يضرُّ بالنهرِ ولا بالماء، ومن توسيعِ فمِ النهر، ومن القسمةِ بالأيَّام وقد كانت بالكِوى)، الكِوى جمعُ الكَوّة، وهي روزنُ (٣) البيت، ثمّ استعيرت للثقبِ التي تثقبُ في الخشب؛ ليجريَ الماءُ فيه إلى المزارعِ أو الجداول، وإنَّما يمنع؛ لأنَّ القديمَ يتركُ على قدمِه (٤)، (ومن سوقِ شربهِ إلى أرضٍ له أخرى ليس لها منه شرب)؛ لأنَّه إذا تقادمَ العهدُ يستدلُّ به على أنّه حقُّ تلكَ الأرض.
стр. 1088
والشربُ يورثُ ويوصى بالانتفاع، ولا يباعُ، ولا يؤجَّر، ولا يوهب، ولا يتصدَّقُ به، ولا يجعل مهراً، وبدل الصلح. ولا يضمنُ مَن ملأ أرضَه فنَزَّت أرضُ جارِه، أو غرقت، ولا مَن سقى من شربِ غيره
(والشربُ يورثُ ويوصى بالانتفاع، ولا يباعُ، ولا يؤجَّر، ولا يوهب، ولا يتصدَّقُ به، ولا يجعل مهراً، وبدل الصلح.
ولا يضمنُ مَن ملأ أرضَه فنَزَّت أرضُ جارِه، أو غرقت، ولا مَن سقى من شربِ غيره)، وهو قولُ الإمامِ المعروفِ بخُواهر زَادَه (١) ﵁، وفي «الجامع الصغير» للبَزْدَوِيّ ﵁: أنّه يضمن. (والله أعلم) (٢).
* * *
стр. 1089
كتاب الأشربة
حَرُمَ الخمرُ: وهي التي من ماءِ العنبِ إذا غُلِيَ واشتدَّ وقذفَ بالزَّبَد وإن قَلَّت
كتاب الأشربة
(حَرُمَ الخمرُ: وهي التي من ماءِ العنبِ إذا (١) غُلِيَ واشتدَّ وقذفَ بالزَّبَد وإن قَلَّت)، هذا الاسمُ خصَّ هذا الشراب بإجماعِ أهلِ اللغة (٢)، ولا نقول: إنّ كلَّ مسكرٍ خمر؛ لاشتقاقِهِ من مخامرةِ العقل، فإنّ اللغةَ لا يجري فيها القياس، فلا يُسمَّى الدنّ قارورة؛ لقرارِ الماء فيه، ورعايةُ الوضعِ الأوَّل ليست لصحَّةِ الإطلاقِ بل لترجيحِ الوضع، وقد حقَّقناه في «التنقيح» (٣)، وقذفُ الزبدِ قولُ أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما: إذا اشتدَّ صار مسكراً، لا يشترطُ قذفُ الزبد، ثمّ عينُها حرام وإن قلَّت.
ومن الناسِ (٤) مَن قال: السكرُ منها حرام، وهذا مدفوعٌ بأنَّ الله تعالى سمَّاها رجساً، وعليه انعقدَ إجماعُ الأمَّة، ثمَّ يكفَّرُ مستحلُّها، وسقطَ تقوُّمها لا ماليَّتُها عنها، ويحرمُ الانتفاعُ بها، ويحدُّ شاربُها وإن لم يسكر، ولا يؤثِّرُ فيها الطبخ، ويجوز تخليلها خلافاً للشَّافِعِيّ (٥) ﵁.
стр. 1090
كالطلاءِ وهو ماءُ عنبٍ قد طُبِخَ فذهبَ أقلُّ من ثلثيه، وغلظاً نجاسةً، ونقيعُ التمر، ونقيعُ الزبيب نيّين، إذا غلت واشتدت
هذه عشرةُ أحكام (١).
(كالطلاءِ وهو ماءُ عنبٍ قد طُبِخَ فذهبَ أقلُّ من ثلثيه، وغلظاً نجاسةً (٢)، ونقيعُ التمر): أي السكر، (ونقيعُ الزبيب نيّين، إذا غلت واشتدت)، الضميرُ يرجعُ إلى الطلاء ونقيعِ التمرِ ونقيعِ الزبيب، وعند الأَوْزَاعِيّ (٣) الطلاءُ: وهو الباذق (٤) مباح،
стр. 1091
وحرمةُ الخمرِ أقوى، فيكفرُ مستحلُّها فقط. وحلَّ المُثَلَّثُ العنبيّ مشتدّاً، ونبيذُ التمرِ والزبيبِ مطبوخاً أدنى طبخة وإن اشتدّ إذا شربَ ما لم يسكرْ بلا لهو وطرب، والخليطان، ونبيذُ العسلِ والتينِ والبُرِّ والشعيرِ والذرة وإن لم يطبخْ بلا لهوٍ ولا طرب
وكذا نقيعُ الزبيب، وعند شريك بن عبد الله (١): السكرُ مباح؛ لقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ (٢)، واعلم أنَّ هذه الأشربةَ إنَّما تحرمُ عند أبي حنيفة ﵁ إذا غلت واشتدَّت وقذفتْ بالزبد، وعندهما: يكفي الاشتدادُ كما في الخمر.
(وحرمةُ الخمرِ أقوى، فيكفرُ مستحلُّها فقط.
وحلَّ المُثَلَّثُ العنبيّ مشتدّاً): أي بطبخ ماء العنب حتى يذهبَ ثلثاه وبقي ثلثُه، ثمّ يوضعُ حتى يغلي ويشتدُّ ويقذفُ بالزبد، وكذا إن صبَّ فيه الماءُ حتى يرقَّ بعدما ذهبَ ثلثاه، ثمّ يطبخُ أدنى طبخة، ثمّ يتركُ إلى أن يغليَ ويشتدَّ ويقذفَ بالزبد، وإنَّما حلَّ المثلَّث عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁ خلافاً لمحمَّد ومالك (٣) والشافعيّ (٤) ﵃، (ونبيذُ التمرِ والزبيبِ مطبوخاً أدنى طبخة وإن اشتدّ إذا شربَ ما لم يسكرْ بلا لهو وطرب): أي إنَّما يحلّ هذه الأشربةُ إذا شربَ ما لم يسكر، أمَّا القدحُ الأخير (٥)، وهو المسكرُ حرامٌ اتّفاقاً، وشرطُهُ أن يشربَ لا لقصدِ اللهوِ والطرب، بل لقصدِ التقوى.
(والخليطان): وهو أن يجمعَ بين ماءِ التمرِ والزبيبِ ويطبخَ أدنى طبخة، ويترك إلى أن يغليَ ويشتدّ، يحلُّ بلا لهو وطرب.
(ونبيذُ العسلِ والتينِ والبُرِّ والشعيرِ والذرة وإن لم يطبخْ بلا لهوٍ ولا طرب،
стр. 1092
وخلُّ الخمر ولو بعلاج والانتباذُ في الدباء والحنتم والمزفَّتِ والنقير، وكرهَ شربُ دُرْدِيّ الخمر، والامتشاطُ به، ولا يحدُّ شاربُهُ بلا سكر
وخلُّ الخمر (١) ولو بعلاج): أي بإلقاءِ شيءٍ فيه، وهذا احترازٌ عن قولِ الشافعيّ (٢) ﵁، فإنّ التخليلَ إذا كان بإلقاءِ شيءٍ لا يحلُّ الخلُّ قولاً واحداً، وإن كان بغيرِ إلقاءِ شيء ففيه قولان له.
( … (٣) والانتباذُ في الدباء والحنتم والمزفَّتِ والنقير)، الدباءُ: القرع، والحنتمُ: الجرَّة الخضراء، والمزفت: الظرفُ المطلي بالزفت؛ أي القير، والنقير: الظرفُ الذي يكون من الخشبِ المنقور.
اعلم أنَّ هذه الظروفَ كانت مختصَّةً بالخمر، فإذا حرِّمت الخمرُ حرمَ النبيُّ ﷺ استعمالَ هذه الظروف، إمَّا لأنَّ في استعمالها تشبُّهاً بشربِ الخمر، وإمّا لأنَّ هذه الظروفَ كان فيها أثرُ الخمر، فلمَّا مضت مدَّةٌ أباحَ النبيّ ﷺ استعمالَ هذه الظروف، فإنّ أثرَ الخمرِ قد زال عنها، وأيضاً في ابتداءِ تحريمِ شيءٍ يبالغُ ويشدَّد ليتركَه الناسَ مرَّة، فإذا تركَ الناسُ واستقرَّ الأمرُ يزولُ ذلك التشديدُ بعد حصولِ المقصود.
(وكرهَ شربُ دُرْدِيّ (٤) الخمر، والامتشاطُ به)، المرادُ بالكراهةِ الحرمة؛ لأنَّ فيه أجزاءَ الخمر، إلا أنَّه ذكرَ لفظَ الكراهةِ لا الحرمة؛ لعدمِ النصِّ القاطعِ فيه، (ولا يحدُّ شاربُهُ بلا سكر)، فإنّ في الخمر إنّما يحدُّ بشربِ القليل؛ لأنَّ قليلَ الخمرِ يدعو إلى الكثير، ولا كذلك في الدُرْدِيّ فاعتبرَ حقيقةُ السكر.
* * *
стр. 1093
كتاب الصيد
يحلُّ صيدُ كلِّ ذي نابٍ وذي مخلبٍ من كلبٍ أو بازٍ ونحوهما، بشرطِ: علمِهما، وجرحِهما: أيَّ موضعٍ منه، وإرسالِ مسلمٍ أو كتابيّ إيَّاهما مسمّياً على ممتنعٍ متوحِّش يؤكل
كتاب الصيد
(يحلُّ صيدُ كلِّ ذي نابٍ وذي (١) مخلبٍ من كلبٍ أو بازٍ ونحوهما)، قد مرَّ في (الذبائح) (٢) معنى ذي النابِ وذي المخلب، ثمَّ اعلم أنَّ الخنْزيرَ مستثنى؛ لأنّه نجسُ العين، وأبو يوسفَ ﵁ استثنى الأسد؛ لعلوِّ همَّته، والدُّبّ؛ لخساسته، والبعضُ ألحق الحِدأة (٣) به؛ لخساسته، والظاهرُ أنّه لا يحتاجُ إلى الاستثناء؛ فإنّ الأسدَ والدُّبَّ لا يصيران مُعَلَّمين لعلوِّ الهمةِ والخساسة، فلم يوجدُ شرطُ حلّ الصيد.
(بشرطِ: علمِهما (٤)، وجرحِهما (٥): أيَّ موضعٍ منه)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ ومحمَّد ﵁، وعن أبي يوسفَ ﵁: أنَّه لا يشترطُ الجرح، (وإرسالِ مسلمٍ أو كتابيّ إيَّاهما مسمّياً): أي لا يتركُ التسميةَ عامداً، (على ممتنعٍ متوحِّش يؤكل)، يشترطُ في الصيدِ أن يكون ممتنعاً بالقوائمِ أو الجناحين، فالصيدُ الذي استأنسَ ممتنعٌ غير متوحِّش، والصّيدُ الواقعُ في الشبكةِ والساقطُ في البئرِ والذي أثخنه متوحِّشٌ غيرُ ممتنعٍ لخروجه عن حيزِ الامتناع (٦).
стр. 1094
وأن لا يشاركَ الكلبَ المعلَّمَ كلبٌ لا يحلّ صيده، ولا يطولُ وقفته بعد إرساله، ويُعَلَّمُ المُعَلَّمُ بتركِ أكل الكلب ثلاثَ مرَّات، ورجوعُ البازيّ بدعائه، فإن أكلَ منه البازيّ أكلَ، لا إن أكلَ الكلب، ولا ما أكلَ منه بعد تركِهِ ثلاث مرَّات، ولا ما صادَ بعده حتى يَتَعَلَّم، وقبله وبقى في ملكه، ومن شرطِ الحلِّ بالرمي التسمية، والجرح، وأن لا يقعدَ عن طلبه لو غاب متحاملاً سهمه. فإن أدركَه المرسلُ أو الرامي حيَّاً ذكَّاه
(وأن لا يشاركَ الكلبَ المعلَّمَ كلبٌ لا يحلّ صيده)، مثلُ كلبٍ غيرِ مُعَلَّم، أو كلبِ مجوسيٍّ، أو كلبٍ لم يرسلْ للصيد، أو أرسلَ وتركَ التسميةَ عمداً، (ولا يطولُ وقفته بعد إرساله)، فإنّه إن طال وقفتُه بعد الإرسالِ لم يكن الاصطياد مضافاً إلى الإرسال، بخلاف ما إذا كَمَنَ الفهد، فإنّ هذا حيلةٌ في الاصطياد، فيكون مضافاً إلى الإرسال.
(ويُعَلَّمُ المُعَلَّمُ بتركِ أكل الكلب ثلاثَ مرَّات (١)، ورجوعُ البازيّ بدعائه، فإن أكلَ منه البازيّ أكلَ، لا إن أكلَ الكلب، ولا ما أكلَ منه بعد تركِهِ ثلاث مرَّات، ولا ما صادَ بعده حتى يَتَعَلَّم، وقبله وبقى في ملكه): أي لا يحلُّ ما صادَ الكلبُ بعدما أكلَ حتى يَتَعَلَّم: أي يتركَ الأكلَ ثلاثَ مرَّات، ولا يحلُّ ما صادَ قبل الأكل إذا بقيَ في ملكه، فإنَّ الكلبَ إذا أكلَ علمَ أنَّه لم يكن كلباً معلَّماً، وكلّ ما صادَ قبل ذلك الأكلِ فهو صيدُ كلبٍ جاهل، فيحرمُ إذا بقي في ملكِ الصيَّاد.
(ومن شرطِ الحلِّ بالرمي التسمية): أي لا يتركها عامداً، (والجرح، وأن لا يقعدَ عن طلبه لو غاب متحاملاً سهمه): أي رمى فغابَ عن بصرِهِ متحاملاً سهمه، فأدركه ميتاً، فإن لم يقعدْ عن طلبِهِ حلَّ أكله؛ لأنَّ هذا ليس في وسعه، وإن قعدَ عن طلبه يحرم؛ لأنَّ في وسعه أن يطلبَه، وقد قال ﷺ : «لعلّ هوامَّ الأرضِ قتلته» (٢).
(فإن أدركَه المرسلُ أو الرامي حيَّاً ذكَّاه)، المرادُ إنّه أدركه حيَّاً، وفيه من الحياةِ فوقَ ما يكون في المذبوحِ يجبُ التذكية، حتى لو تركَ التذكيةَ يحرم، وقد قال في «المتن»:
стр. 1095
فإن تركها عمداً فمات أو أرسلَ مجوسيّ كلبَه، فزجرَه مسلمٌ فانزجر، أو قتله معراض بعرضه، أو رمى صيداً فوقعَ في ماء، أو على سطحٍ أو جبلٍ فتردَّى منه إلى الأرض حرم، أو أرسلَ مسلمٌ كلبَه فزجرَه مجوسيّ فانزجر، أو لم يرسلْهُ أحد، فزجرَه مسلمٌ فانزجر
فإن تركها عمداً المرادُ به: أنّه تركَ التذكيةَ مع القدرة عليها، أمّا إن لم يتمكّن من التذكيةِ ففي «المتن» إشارةٌ إلى حلِّه كما روي عن أبي حنيفةَ ﵁، وكذا عن أبي يوسفَ ﵁ وهو قولُ الشافعيّ (١) ﵁، وفي ظاهرِ الرواية: إنّه يحرمُ وإن كان حياته مثل حياة المذبوح فلا اعتبارَ لها، فلا يجبُ التذكية، أمَّا في المتردِّية وأخواتها، وفي الشاةِ التي مرضت فالفتوى على أنَّ الحياة وإن قلَّت معتبرة، حتى لو ذكَّاها وفيها حياةٌ قليلةٌ يحلّ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٢).
(فإن تركها): أي التذكية، (عمداً فمات أو أرسلَ مجوسيّ كلبَه، فزجرَه مسلمٌ فانزجر): أي أغراهُ بالصياح فاشتدّ (٣)، (أو قتله معراض بعرضه)، المعراضُ السهمُ الذي لا ريشَ له، سمّيَ معراضاً؛ لأنَّه يصيبُ الشيءَ بعرضه، فلو كان في رأسه حدَّة فأصابَ بحدته يحلّ، أو بندقةٍ (٤) ثقيلةٍ ذات حدّة، إنَّما قال هذا؛ لأنّه يحتملُ أن يكون قد قتلَه بثقله، حتى لو كان خفيفاً به حدَّة يحلّ لتعيِّن أنَّ الموتَ بالجرح، (أو رمى صيداً فوقعَ في ماء)، فإنّه يحتملُ أنَّ الماءَ قتله فيحرم، (أو على سطحٍ أو جبلٍ فتردَّى منه إلى الأرض حرم)؛ لأنَّ الاحترازَ عن مثلِ هذا ممكن، فإن وقعَ على الأرضِ ابتداءً فإنّ الاحترازَ عن مثل هذا غير ممكن، فيحلّ.
(أو أرسلَ مسلمٌ كلبَه فزجرَه مجوسيّ فانزجر، أو لم يرسلْهُ أحد، فزجرَه مسلمٌ فانزجر)، اعلم أنّه إذا اجتمعَ الإرسالُ والزجرُ: أي السوقُ، فالاعتبارُ للإرسال، فإن كان الإرسالُ من المجوسيِّ والزجرُ من المسلمِ حَرُم، وإن كان على
стр. 1096
أو أخذ غيرَ ما أرسلَ عليه أكل، كصيدٍ رمى فقطعَ عضوٌ أكل منه لا العضو، وإن قطع أثلاثاً وأكثره مع عجزه، أو قطعَ نصفَ رأسه أو أكثره أو قدّ بنصفين أكل كلّه، فإن رمى صيداً فرماه آخرُ فقتلَه فهو للأوّل وحرمَ، وضَمِنَ الثاني له قيمتَه مجروحاً إن كان الأوَّل أثخنَه، وإلا فللثاني وحلّ
العكسِ حلّ، وإن لم يوجدِ الإرسالُ ووجدَ الزجرُ يعتبرُ الزجر، فإن كان من المسلمِ حلّ، وإن كان من المجوسيّ حرم.
(أو أخذ غيرَ ما أرسلَ عليه أكل)، هذا عندنا، فإنّه لا يمكنُ التعليمُ بحيث يأخذُ ما عيَّنَه، وعند مالكٍ (١) ﵁ لا يؤكل، وإن أرسله فقتلَ صيداً ثمَّ قتلَ صيداً آخرَ أكلا، كما لو رمى سهماً إلى صيدٍ فأصابه وأصاب آخر، وكذا لو أرسلَ على صيودٍ كثيرة، وسمَّى مرَّة واحدة، بخلافِ ذبحِ الشاتين بتسميةٍ واحدة.
(كصيدٍ رمى فقطعَ عضوٌ أكل (٢) منه لا العضو)، هذا عندنا، وعند الشافعيّ (٣) ﵁ أكلاً جميعاً، لنا قوله ﷺ : «ما أبينُ من الحيّ فهو ميْت» (٤)، (وإن قطع أثلاثاً وأكثره مع عجزه): أي قطعه قطعتين، بحيث يكون الثلثُ في طرفِ الرأس، والثلثان في طرفِ العجز، (أو قطعَ نصفَ رأسه أو أكثره أو قدّ بنصفين أكل كلّه)؛ لأنّ في هذه الصور لا يمكن حياته فوق حياةِ المذبوح، فلم يتناوله قوله ﷺ : «ما أبين من الحيّ فهو ميْت»، بخلافِ ما إذا كان الثلثان في طرفِ الرأسِ والثلثُ في طرف العجز لإمكانِ الحياةِ في الثلثين فوقَ حياةِ المذبوح، وبخلاف ما إذا قطعَ أقلَّ من نصفِ الرأس لإمكانِ الحياة (في الثلثين) (٥) فوق حياة المذبوح.
(فإن رمى صيداً فرماه آخرُ فقتلَه فهو للأوّل وحرمَ (٦)، وضَمِنَ الثاني له قيمتَه مجروحاً إن كان الأوَّل أثخنَه، وإلا فللثاني وحلّ): أي رمى صيداً فرماهُ آخرُ فقتله،
стр. 1097
ويصاد ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل
فإن كان الأوَّل أخرجَه عن حيزِ الامتناعِ فهو ملكٌ للأوَّل، ويكون حراماً؛ لأن ذكاته ذكاة اختياريّة، فيحرم حيث قتلَه بالرمي، وإذا كان ملكاً للأوَّل وحرّم برمي الثاني فالثاني يضمنُ قيمتَه حال كونِه مجروحاً برمي الأوَّل، وإن لم يكن الأوَّل أخرجَه عن حيِّز الامتناعِ فهو ملكٌ للثاني؛ لأنّه قد صاده، ويكون حلالاً؛ لأنَّ ذكاته اضطراريّة.
(ويصاد ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل)، فما لا يؤكل لحمه فبالاصطياد يطهر لحمه وجلده.
* * *
стр. 1098
كتاب الرهن
هو حبسُ الشيءِ بحقٍّ يمكن أخذُه منه كالدين، وينعقدُ بإيجابٍ وقبولٍ غيرَ لازم، فللرَّاهنِ تسليمُهُ والرجوعُ عنه، فإذا سلَّمَ فقبضَ محوزاً، مفرغاً، متميِّزاً لَزِمَ، والتخليةُ قبضٌ فيه كما في البيع
كتاب الرهن
(هو حبسُ الشيءِ بحقٍّ يمكن أخذُه منه كالدين)، فإنَّ الدينَ يمكنُ أخذُه من المرهونِ بأن يباعَ المرهونُ بخلاف العين، فإنّ الصورةَ مطلوبةٌ فيها ولا يمكن تحصيل صورتِها من شيءٍ آخر.
(وينعقدُ بإيجابٍ وقبولٍ غيرَ لازم): أي ينعقدُ حالَ كونِهِ غير لازم، (فللرَّاهنِ تسليمُهُ والرجوعُ عنه) (١): أي تسليمُ الرهنِ بمعنى المرهون، والرجوعُ عن الرهنِ بمعنى العقد، (فإذا سلَّمَ فقبضَ (٢) محوزاً): أي مقسوماً غير شائع، (مفرغاً): أي غيرَ مشغولٍ بحقِّ الراهن، حتى لا يجوزَ رهنُ الأرضِ بدون النخل، والشجرِ بدون الثمر، ودارٍ فيها متاعُ الراهنِ بدون المتاع، (متميِّزاً لَزِمَ): أي إن كان متَّصلاً بحقّ الراهنِ خلقةً كالثمرِ على الشجرِ يجبُ أن يميِّزَ ويفصلَ عنه، فالمفرغُ يتعلَّقُ بالمحلّ، فيجبُ فراغُهُ عمَّا حلّ فيه كالثمر (٣)، وهو ليس بمرهونٍ سواءً كان اتّصالُهُ به خلقةً أو مجاورة، والمتميّزُ يتعلَّقُ بالحالِ في المحلّ، فيجبُ انفصالُهُ عن محلٍّ غيرِ مرهونٍ إذا كان اتِّصالُهُ به خلقة، حتى لو كان اتِّصالُهُ بالمجاورةِ لا يضرّ كرهن المتاعِ الذي في بيتِ الراهن.
(والتخليةُ قبضٌ فيه كما في البيع)، التخليةُ أن يضعَه الراهنُ في موضعٍ يتمكَّنُ المرتهنُ من أخذه، هذا في ظاهرِ الرواية، وعن أبي يوسفَ ﵁ لا يثبتُ في المنقولِ إلا بالنقل؛ لأنَّه قبضٌ موجبٌ للضمان بمنْزلةِ الغصب، وعند مالك (٤) ﵁ يلزمُ بدون القبض.
стр. 1099
وضمنَ بأقلَّ من قيمتِهِ ومن الدَّين، فلو هلكَ وهما سواء سقطَ دينُه، وإن كانت قيمتُهُ أكثر، فالفضلُ أمانة، وفي أقلّ سقط من دينه بقدرها، ورجعَ المرتهنُ بالفضل، وللمرتهنِ طلبُ دينِهِ من راهنِه، وحبسه به، وحبسُ رهنِهِ بعد فسخِ عقدِه حتى يقبضَ دينَه أو يبرئه
(وضمنَ بأقلَّ من قيمتِهِ ومن الدَّين)، اعلم أنَّ هذا تركيبٌ مشكلٌ غفلَ الناس عن إشكاله، وهو أنَّه يتوهَّم أنَّ كلمة: من؛ هي التي تستعملُ مع أفعلِ التفضيل، وليس كذلك؛ لأنّه إن أريدَ أنّه مضمونٌ بأقلّ من كلِّ واحدٍ فهذا غير مراد، وإن أريدَ أنّه مضمونٌ بأقلَّ من المجموعِ أو بأقلَّ من أحدهما إن كان الواو بمعنى: أو؛ فهذا شيءٌ مجهولٌ غيرُ مفيد، بل المرادُ أنّه مضمونٌ بما هو الأقلّ، فإن كان الدينُ أقلَّ من القيمة فهو مضمون بالدين، وإن كانت القيمةُ أقلَّ من الدين فهو مضمون بالقيمة فيكون: من؛ للبيان، تقديرُه: أنه مضمونٌ بما هو أقلُّ من الآخرِ الذي هو القيمةُ تارةً، والدينُ أخرى، ثمّ إذا عُلِمَ الحكمُ فيما إذا كانت القيمةُ أكثر، وهو أنّه مضمونٌ بالدين، والفضلُ أمانة، فُهِمَ الحكمُ في صورةِ المساواةِ أنَّه يكون مضموناً بالدين.
(فلو هلكَ وهما سواء سقطَ دينُه، وإن كانت قيمتُهُ أكثر، فالفضلُ أمانة، وفي أقلّ سقط من دينه بقدرها، ورجعَ المرتهنُ بالفضل)، فالحاصلُ أنَّ يدَ المرتهنِ على الرهنِ يدُ استيفاء؛ لأنَّه وثيقةٌ لجانبِ الاستيفاء؛ لتكون موصلةً إليه، فيكونُ استيفاءً من وجه، ويتقرَّب بالهلاك، فإذا كان الدينُ أقلَّ من القيمةِ فقد استوفى الدين، والفضلُ أمانة، وإن كانت القيمةُ أقلّ يكون مستوفياً بقدرِ الماليّة، وهي القيمة، فيرجعُ بالفضل، هذا عندنا، وعند مالك (١) ﵁ هو مضمونٌ بالقيمة، وعند الشَّافِعِيّ (٢) ﵁ هو غيرُ مضمون، بل هو أمانة.
(وللمرتهنِ طلبُ دينِهِ من راهنِه)، فإنّه لا يسقطُ بالرهنِ طلبُ الدّين، (وحبسه به): أي حبسُ الرهنِ بالدّين، (وحبسُ رهنِهِ بعد فسخِ عقدِه حتى يقبضَ دينَه أو يبرئه)، فإنّه لا يبطلُ إلا بالردِّ على الراهنِ على وجه الفسخ؛ لأنّه يبقى مضموناً ما بقيَ القبضُ والدين.
стр. 1100
لا الانتفاعُ به باستخدامٍ ولا سكنى ولا لُبْسٍ ولا إجارةٍ ولا إعارةٍ، وهو متعدٍّ لو فعل، ولا يبطلُ الرهن به، وإذا طلبَ دينَهُ أُمِرَ بإحضارِ رهنِه، فإن أحضرَه سَلَّمَ كلَّ دينِهِ أوَّلاً، ثمَّ رهنه، وإن طلبَ في غيرِ بلدِ العقدِ إن لم يكن للرَّهنِ مؤنةٌ حُمِل، وإن كان سَلَّمَ دينَه بلا إحضارِ رهنه، ولا يكلَّفُ مرتهنٌ طلبَ دينَه بإحضارِ رهنٍ وضعَ عند عدل، ولا ثمنَ رهنٍ باعَهُ المُرْتهنُ بأمره حتى يقبضَه، ولا مرتهنٌ معه رهنٌ تمكينه من بيعِه حتى يقضيَ دينه، ولا مَن قضى بعضَ دينه تسليمَ بعض رهنه، حتى يقبضَ البقيّة
(لا الانتفاعُ به باستخدامٍ ولا سكنى ولا لُبْسٍ ولا إجارةٍ ولا إعارةٍ، وهو متعدٍّ لو فعل (١)، ولا يبطلُ الرهن به): أي بالتعدِّي.
(وإذا طلبَ دينَهُ أُمِرَ بإحضارِ رهنِه، فإن أحضرَه سَلَّمَ كلَّ دينِهِ أوَّلاً، ثمَّ رهنه، وإن طلبَ في غيرِ بلدِ العقدِ إن لم يكن للرَّهنِ مؤنةٌ حُمِل، وإن كان سَلَّمَ دينَه بلا إحضارِ رهنه)، إنَّما يُسَلِّمُ الدينَ أوَّلاً لتعيينِ حقِّ المُرْتَهن كما ذكرنا في البيعِ أنَّ الثمنَ يُسَلَّمُ أوَّلاً لهذا المعنى، وقوله: وإن طلب، متَّصلٌ بما سبق، وهو قوله: أمر بإحضارِ رهنه؛ أي يؤمرُ بإحضارِ الرهن، وإن كان طلبُ الدينِ في غير بلدِ العقد، وهذا الحكمُ وهو الأمرُ بإحضارِ الرهنِ في غير بلدِ العقدِ إنَّما يثبتُ إن لم يكن للرَّهن مؤنةُ الحمل، حتى إن كان للرهنِ مؤنةُ الحملِ سَلَّمَ دينَه بلا إحضارِ الرهن.
(ولا يكلَّفُ مرتهنٌ طلبَ دينَه بإحضارِ رهنٍ وضعَ عند عدل، ولا ثمنَ رهنٍ باعَهُ المُرْتهنُ بأمره حتى يقبضَه): أي لأنّ أمرَ الراهنِ المرتهنَ ببيعِ رهنِهِ فباعَه، فإن لم يقبضِ الثمنَ لا يكلَّفُ بإحضارِ الثمنِ إذا طلبَ دينه، وإن قبضَ الثمنَ يكلّف بإحضاره.
(ولا مرتهنٌ معه رهنٌ تمكينه من بيعِه حتى يقضيَ دينه): أي لا يكلَّفُ مرتهنٌ معه رهنٌ أن يمكِّنَ الراهنَ من بيع الرهن، ثمّ هذا الحكمُ وهو عدمُ التكليفِ المذكورِ مغيّاً إلى قضاء الدين.
(ولا مَن قضى بعضَ دينه تسليمَ بعض رهنه، حتى يقبضَ البقيّة): أي لا يكلَّفُ مرتهنٌ قضى بعضَ دينِهِ تسليمَ بعض رهنه، ثمَّ هذا الحكمُ وهو عدمُ التكليف المذكورِ مغيَّاً إلى قبض بقيّة الدّين.
стр. 1101
وله حفظُهُ بنفسِهِ وعياله، وضَمِنَ بحفظِهِ بغيرهم، وإيداعِه وتعدِّيه، وجعلِه خاتمَ الرهنِ في خنصرِهِ لا بجعله في إصبع آخر، وعليه مؤنةُ حفظِهِ وردِّه إلى يدِه، أو ردُّ جزءٍ منه، كأجرةِ بيتِ حفظه وحافظِه، فأمّا جعلُ الآبقِ ومداواةُ الجرحِ فمنقسمٌ على المضمونِ والأمانة، وعلى الراهنِ مُؤَنُ تبقيته وإصلاحِ منافعِهِ كنفقةِ رهنِهِ وكسوته، وأجرِ راعيه، وظئرِ ولدِ الرهن، وسقي البُستان والقيام بأموره.
باب ما يصح رهنه والرهن به وما لا يصح
لا يصحُّ رهنُ مشاعٍ وثمرٍ على نخل دونه، وزرعِ أرض ونخل أرض دونها، وكذا عكسُها
(وله حفظُهُ بنفسِهِ وعياله): كالزوجةِ والولدِ والخادم الذين في عياله، (وضَمِنَ بحفظِهِ بغيرهم، وإيداعِه وتعدِّيه، وجعلِه خاتمَ الرهنِ في خنصرِهِ لا بجعله في إصبع آخر)، فإنَّ جعلَه في الخنصر استعمالٌ، وجعلَهُ في إصبع آخر لا لعدمِ العادة، بل هو من باب الحفظ.
(وعليه مؤنةُ حفظِهِ وردِّه إلى يدِه، أو ردُّ جزءٍ منه، كأجرةِ بيتِ حفظه وحافظِه، فأمّا جعلُ الآبقِ ومداواةُ الجرحِ فمنقسمٌ على المضمونِ والأمانة): أي على المُرْتَهِنِ مؤنةُ الحفظِ كأجرةِ بيتِ الحفظ وأجرةِ الحافظ، وكذا مؤنةُ ردِّه إلى يدِ المرتهن إن خرجَ من يده، كجعلِ الآبق، فهو على المرتهنِ إذا كان قيمةُ الرهنِ مثل الدين، وكذا مؤنةُ ردِّ جزءٍ من الرهنِ إلى يدِ المرتهن، كمداواةِ الجرح إذا كان قيمتُهُ مثل الدين.
أمَّا إذا كان قيمتُهُ أكثرَ منه فيقسم على المضمون والأمانة، فما هو مضمونٌ فعلى المرتهن، وما هو أمانةٌ فعلى الراهن، وهذا بخلافِ أجرةِ بيت الحفظ، فإنّ تمامه على المرتهن، وإن كان قيمةُ المرهونِ أكثرَ من الدين؛ لأنَّ وجوبَ ذلك بسببِ الحبس، وحقّ الحبسِ في الكلّ ثابتٌ له.
(وعلى الراهنِ مُؤَنُ تبقيته وإصلاحِ منافعِهِ كنفقةِ رهنِهِ وكسوته، وأجرِ راعيه، وظئرِ ولدِ الرهن، وسقي البُستان والقيام بأموره).
باب ما يصح رهنه والرهن به وما لا يصح
(لا يصحُّ رهنُ مشاعٍ وثمرٍ على نخل دونه، وزرعِ أرض ونخل أرض دونها)؛ لعدم كونه متميِّزاً، (وكذا عكسُها): أي لا يصحُّ رهنُ نخلٍ بدون ثمر،
стр. 1102
ورهنُ الحرِّ والمدبَّرِ والمكاتَبِ وأمِّ الولد، ولا بالأمانات، ولا بالدَّرَك، ولا بعينٍ مضمونةٍ بغيرها: كمبيعٍ في يدِ البائع، ولا بالكفالةِ بالنفسِ وبالقصاصِ بالنفس وما دونها، وبالشفعة، وبأجرةِ النائحةِ والمغنِّية، وبالعبد الجاني أو المديون
وأرضٍ بدون زرع أو نخل؛ لعدمِ كونه مفرغاً، فلا يتمُّ القبض، وعن أبي حنيفةَ ﵁ أنّ رهنَ الأرضِ بدونِ الشجر جائزٌ؛ لأنَّ الشجرَ اسمٌ للنابت، فيكون استثناءُ الأشجارِ بمواضعها فيجوز؛ لأنَّ الاتِّصالَ حينئذٍ يكون اتَّصالَ مجاورة، ولو رهنَ النخل بمواضعها جاز أيضاً؛ لأنَّ الاتَّصال حينئذٍ اتَّصالُ مجاورة، (ورهنُ الحرِّ والمدبَّرِ والمكاتَبِ وأمِّ الولد).
ثمَّ لَمَّا ذكرَ ما لا يجوزُ رهنُه أرادَ أن يذكرَ ما لا يجوزُ الرهن به، فقال: (ولا بالأمانات): كالوديعةِ، والمستعار، ومالِ المضاربة، والشركة، (ولا بالدَّرَك)، صورته: باعَ زيدٌ من عمرو داراً فرهنَ بكرٌ عند المشتري شيئاً بما يدركُهُ في هذا البيع، وكذا لو رهنَ شيئاً بما ذابَ له على فلان لا يجوز، ولو كَفِلَ بهذا يجوز.
(ولا بعينٍ مضمونةٍ بغيرها)، المراد أن لا تكون مضمونةً بالمثل أو بالقيمة: (كمبيعٍ في يدِ البائع): أي باعَ شيئاً ولم يسلِّمه فرهنَ به شيئاً لا يجوز؛ لأنّه إذا هلكَ العينُ لم يضمنِ البائعُ شيئاً، لكنَّه يسقطُ الثمن، وهو حقّ البائع.
(ولا بالكفالةِ بالنفسِ وبالقصاصِ بالنفس وما دونها، وبالشفعة): أي كفلَ بنفسِ رجلٍ فرهنَ بها شيئاً ليسلِّمه، وإذا وجبَ عليه القصاصُ فرهنَ شيئاً لئلا يمتنعَ عن القصاصِ لا يجوز، وكذا إذا رهنَ البائعُ أو المشتري شيئاً عند الشفيعِ ليسلِّمَ الدارَ بالشفعةِ لا يجوزِ لعدمِ الدَّين في هذه الصور (١).
(وبأجرةِ النائحةِ والمغنِّية (٢)، وبالعبد الجاني أو المديون)، فإنَّه غيرُ مضمونٍ على المولى، فإنّه لو هلكَ لا يكون على المولى شيء، فإذا لم يصحّ الرهنُ في هذه الصورِ فللرَّاهنِ أن يأخذَ المرهونَ من المرتهن، ولو هلكَ المرهونُ في يدِ المرتهنِ قبل طلب الراهنِ هلكَ بلا شيء؛ لأنَّه لا حكمَ للباطل، فبقيَ القبضُ بإذنِ المالك.
стр. 1103
ولا رهنَ خمرٍ وارتهانها من مسلمٍ أو ذميٍّ للمسلم، ولا يضمنُ له مرتهنُها ذميّاً، وفي عكسِهِ الضمان، وصحَّ بعينٍ مضمونةٍ بالمثلِ أو بالقيمة؛ كالمغصوبِ وبدلِ الخلع، والمهر، وبدل الصلح عن دم عمد، وبالدينِ ولو موعوداً، بأن رهنَ ليقرضَه كذا، فهلكُهُ في يدِ المرتهنِ عليه بما وعدَه، وبرأسِ مالِ السَّلَمِ وثمنِ الصرفِ والمسلَّم فيه، فإن هلكَ في المجلسِ فقد أخذ، وإن افترقا قبل نقدٍ وهَلَكَ بطلا
(ولا رهنَ خمرٍ وارتهانها من مسلمٍ أو ذميٍّ للمسلم): أي لا يجوز للمسلمِ أن يرهنَ خمراً ويرتهنَها من مسلمٍ أو ذميّ، (ولا يضمنُ له مرتهنُها ذميّاً، وفي عكسِهِ الضمان) (١): أي إن رهنَ المسلمُ من ذميٍّ خمراً فهلكت في يدِ الذميّ لا يضمنُ للمسلمِ شيئاً، وإن رهنَ الذميّ من المسلمِ خمراً فهلكت في يدِ المسلمِ للذميّ؛ لأنَّها مالٌ متقوّمٌ في حقِّ الذميّ دون المسلم وصحّ.
(وصحَّ بعينٍ مضمونةٍ بالمثلِ أو بالقيمة؛ كالمغصوبِ وبدلِ الخلع، والمهر، وبدل الصلح عن دم عمد)، فإنّ هذه الأشياء إذا كانت قائمةً يجبُ عينُها، وإن هلكت يجبُ المثلُ أو القيمة، فيصحُّ الرهنُ بها، (وبالدينِ ولو موعوداً، بأن رهنَ ليقرضَه كذا، فهلكُهُ في يدِ المرتهنِ عليه بما وعدَه) (٢): أي إن هلكَ في يدِ المرتهنِ فللرَّاهن على المرتهنِ المقدارُ الذي وَعَدَ إقراضَه، فهلكُه: بالرفع مبتدأ، وفي يد المرتهن: صفتُه، وعليه: خبره، واعلم أنَّ الرهنَ إنَّما يكونُ مضموناً بالدينِ الموعودِ إذا كان الدينُ مساوياً للقيمةِ أو أقلّ، أمَّا إذا كان أكثر فلا يكون مضموناً بالدين بل بالقيمة، وإنَّما لم يذكرْ هذا القسم؛ لأنَّ الظاهرَ أن لا يكون الدينُ أكثرَ من قيمة الرهن، وإن كان على سبيلِ الندرة فحكمه يعلم ممّا سبق، فاعتمد على ذلك.
(وبرأسِ مالِ السَّلَمِ وثمنِ الصرفِ والمسلَّم فيه، فإن هلكَ في المجلسِ فقد أخذ، وإن افترقا قبل نقدٍ وهَلَكَ بطلا): أي إذا رهنَ برأسِ مالِ السلم أو ثمنِ الصرف، فإن هلكَ الرهنُ قبل الافتراقِ فالمرتهنُ قد استوفى حقَّه، وإن افترقا قبل نقدِ
стр. 1104
ورهنُ المُسَلَّم فيه رهنٌ ببدله إذا فسخ، لو هلكَ رهنُهُ بعد الفسخِ هلكَ به، وبدينٍ عليه عبدَ طفله، وبثمنِ عبدٍ أو خلٍّ أو ذكيَّة إن ظهرَ العبدُ حرّاً، والخلّ خمراً، والذكيَّةُ ميتة
المرهونِ به وقبل هلاكِ المرهون بطل السَّلَم والصرف، وهذا التفصيلُ لا يتأتَّى في الرهنِ بالمسلَّم فيه، فيصحُّ مطلقاً، فإن هلكَ الرهنُ يصيرُ مستوفياً للمسلَّم فيه، فلا يبقى السلم.
(ورهنُ المُسَلَّم فيه رهنٌ ببدله إذا فسخ): أي إذا كان الشيءُ مرهوناً بالمسلَّم فيه، ثمَّ فسخا عقدَ السَّلَمِ فهو رهنٌ بالبدل: أي يكونُ لربِّ السَّلَمِ أن يحبسَ الرهنَ حتى يقبضَ رأسَ المال.
(لو (١) هلكَ رهنُهُ بعد الفسخِ … (٢) هلكَ به): أي إذا رهنَ المُسَلَّمُ إليه عند ربِّ السَّلَمِ شيئاً بالمُسَلَّمِ فيه، ثمَّ فسخا عقدَ السَّلَمِ فهَلَكَ الرهنُ في يدِ ربِّ السَّلَمِ فهلكُهُ يكونُ بالمُسَلَّمِ فيه: أي يكون على ربِّ السَّلَمِ أن يؤدِّيَ إلى المُسَلَّمِ إليه مقدارَ الطعامِ المُسَلَّمِ فيه؛ لأنّه إذا هلكَ الرهنُ صار كأنَّ ربَّ السَّلَمِ استوفى حقَّ (٣) المُسَلَّم فيه؛ لأنَّ يدَ المرتهنِ على الرهنِ يدُ استيفاء، فيتقرَّرُ بالهلاك، فصار كأنَّ ربَّ السَّلَمِ استوفى المُسَلَّمُ فيه، ثمَّ فسخا العقد، فعلى ربِّ السَّلَمِ أداءُ المسلَّمِ فيه إلى المُسَلَّمِ إليه.
(وبدينٍ عليه عبدَ طفله): (عطف على رأس المال) (٤): أي صحَّ الرهنُ بدينٍ على الأبِ عبدَ طفله، هذا عندنا، وعند أبي يوسفَ ﵁ وزفرَ ﵁ لا يصحّ، وهو القياسُ اعتباراً بحقيقةِ الإيفاء (٥)، وجه الاستحسان: أنَّ في حقيقةِ الإيفاءِ إزالةُ ملكِ الصغيرِ بلا عوضٍ في الحال، وفي هذا نصبٌ حافظ لماله مع بقاءِ ملكِه (٦).
(وبثمنِ عبدٍ أو خلٍّ أو ذكيَّة إن ظهرَ العبدُ حرّاً، والخلّ خمراً، والذكيَّةُ ميتة): أي اشترى عبداً أو خلاً أو شاةً مذبوحة، ورهنَ بثمنِ المشترى، وهو عشرةُ دراهمٍ مثلاً
стр. 1105
وببدلِ صلحٍ عن إنكارٍ إن أقرَّ أن لا دين، ورهنُ الحجرينِ والمكيلِ والموزون، فإن رهنَ بجنسِهِ فهلكُهُ بمثلِهِ قدراً من دينه، ولا عبرةَ للجودة
شيئاً، ثمَّ ظهرَ العبدُ حرَّاً، والخلُّ خمراً، والشاةُ ميتةً فالرهنُ مضمون؛ أي إن هلكَ وقيمتُه عشرةُ دراهمٍ أو أكثر فعلى المرتهنِ عشرةُ دراهم يؤدِّيها إلى الراهن، وإن كانت قيمته أقلَّ فعليه القيمة؛ لأنَّ رهنَه بدينٍ واجبٍ ظاهراً.
(وببدلِ صلحٍ عن إنكارٍ إن أقرَّ أن لا دين)، صالحَ مع إنكارٍ ورهنَ ببدلِ الصلحِ شيئاً، ثمَّ تصادقا على أن لا دين، فالرهنُ مضمونٌ كما ذكر.
(ورهنُ الحجرينِ والمكيلِ والموزون، فإن رهنَ بجنسِهِ فهلكُهُ بمثلِهِ قدراً من دينه، ولا عبرةَ للجودة)، قوله: قدراً؛ تميَّزٌ من مثله؛ أي يعتبرُ المماثلةُ في القدر، وهو الوزنُ والكيلُ بلا اعتبارِ الجودة، وعندهما: يعتبرُ القيمة فيقوَّمُ بخلافِ الجنس، ويكون رهناً مكانه، فإن رهنَ إبريقَ فضَّةٍ وزنُهُ عشرةَ دراهمَ بعشرةِ دراهم، فهلكَ فعند أبي حنيفةَ ﵁ هلكَ بالدين، وعندهما إن كان قيمتُهُ مثلَ وزنه أو أكثرَ فكذا، وإن كان قيمتُهُ أقلَّ وهي ثمانيةٌ مثلاً يشتري بثمانيةَ دراهمٍ ذهب؛ ليكونَ رهناً مكانه.
فإن قيل: في هذا التركيب، وهو قوله: فهلكُهُ بمثلِهِ قدراً من دينِه؛ نظرٌ؛ لأنَّ الدَّينَ إذا كان خمسةَ عشرَ ووزنُهُ عشرةَ وقد هلكَ، فقد هلكَ بعشرة دراهم من الدين، فعلى المديونِ خمسة، فيكون: من؛ للتبعيض، فلا يتناولُ ما إذا كان وزنُهُ عشرةً والدَّينُ عشرة؛ لأنَّ التبعيضَ غيرُ ممكن، ولا يكون للبيان هنا؛ لأنَّه لمَّا أريدَ به التبعيض في صورةٍ لا يكونُ للبيانِ في صورةٍ أخرى؛ لأنَّ المشتركَ لا عمومَ له، ولا يتناولُ أيضاً: ما (١) إذا كان وزنُهُ خمسةَ عشرَ والدَّينُ عشرة؛ لأنَّه يصيرُ معناهُ أنَّ هلاكَهُ بمقدارِ خمسةَ عشرَ من الدين، وهو عشرة، فهذا غيرُ مستقيم.
قلنا: ليس غرضُهُ بيانُ أنَّه بأيِّ شيءٍ مضمونٌ في كلِّ صورة، بل الغرضُ أنَّه هالكٌ باعتبارِ الوزنِ لا باعتبارِ القيمة، فتقديرُهُ: أنَّه هالكٌ بمثله وزناً من الدينِ إذا كان الدينُ زائداً، فإذا عُلِمَ الحكمُ في هذهِ الصورةِ يُعْلَمُ في صورةِ المساواة، وفي صورة أن يكون الوزنُ زائداً على الدَّين، لما عرفَ أنَّ الفضلَ أمانة.
стр. 1106
ومَن شرى شيئاً على أن يرهن شيئاً، أو يعطيَ كفيلاً بعينهما من ثمنِهِ وأبى صحَّ استحساناً، ولا يجبرُ على الوفاء، وللبائعِ فسخُه إلاَّ إذا سَلَّمَ ثمنَه حالاً، أو قيمةُ الرهن رهناً، فإن قال لبائعه: أمسك هذا حتى أعطيَ ثمنك فهو رهن، وإن رهنَ عيناً من رجلين بدينٍ لكلٍّ منهما صحّ، وكلُّه رهنٌ من كلٍّ منهما، وإذا تهايئا فكلٌّ في نوبتِهِ كالعدلِ في حقِّ الآخر، ولو هلكَ ضَمِنَ كلٌّ
(ومَن شرى شيئاً (١) على أن يرهن شيئاً، أو يعطيَ كفيلاً بعينهما من ثمنِهِ وأبى (٢) صحَّ استحساناً)، والقياسُ أن لا يجوز؛ لأنَّه صفقةٌ في صفقة، وجه الاستحسان: أنّه شرطٌ ملائم؛ لأنّ الكفالةَ والرهنَ للاستيثاق (٣)، والإستيثاقُ ملائمٌ للوجوب، وإنَّما قال بعينهما؛ لأنَّه لو لم يكن الرهنُ أو الكفيلُ معيَّناً يفسدُ البيع، (ولا يجبرُ على الوفاء)، هذا عندنا؛ لأنَّه لا جبرَ على التبرُّعات، وعند زفرَ ﵁: يجبر؛ لأنَّ الرهنَ إذا شرطَ في البيعِ صارَ حقَّاً من حقوقِهِ كالوكالةِ المشروطةِ في الرهن، (وللبائعِ فسخُه إلاَّ إذا سَلَّمَ ثمنَه حالاً، أو قيمةُ الرهن رهناً)، إذ عندنا لمَّا صحَّ الشرطُ فإنّه وصفٌ مرغوبٌ فيه (٤) فبفواتِهِ يكون للبائعِ حقُّ الفسخ.
(فإن قال لبائعه: أمسك هذا حتى أعطيَ ثمنك فهو رهن): أي أعطى المشتري البائعَ شيئاً غيرَ مبيعِه، وقال: أمسكْ هذا حتَّى أعطيَ ثمنك يكون رهناً؛ لأنَّه تلفَّظَ بما ينبئُ عن الرهن، والعبرةُ للمعاني، وعند زفرَ ﵁ لا يكونُ رهناً.
(وإن رهنَ عيناً من رجلين بدينٍ لكلٍّ منهما صحّ، وكلُّه رهنٌ من كلٍّ منهما): أي يصيرُ كلُّهُ محبوساً بدينِ كلِّ واحد، لا أنّ نصفَه يكون رهناً عند هذا، ونصفَه عند ذلك، وهذا بخلافِ الهبةِ من رجلين، حيث لا يصحُّ عند أبي حنيفة ﵁، فإنّ الأوَّل لا يقبلُ الوصفَ بالتجزئ بخلافِ الهبة.
(وإذا تهايئا فكلٌّ في نوبتِهِ كالعدلِ في حقِّ الآخر (٥)، ولو هلكَ ضَمِنَ كلٌّ
стр. 1107
حصَّتَه، فإن قُضِيَ دينُ أحدهما، فكلُّه رهنٌ للآخر، وإن رهنا رجلاً رهناً بدينٍ عليهما صحَّ بكلِّ الدَّين، ويمسكُه إلى قبضِ الكلّ، وبطلَ حجَّةُ كلٍّ منهما أنَّه رهنَ هذا منه وقبضَه، ولو ماتَ راهنُهُ والرهنُ معهما، فبرهنِ كلٍّ كذلك كان مع كلٍّ نصفَهُ رهناً بحقِّه.
باب الرهن عند عدل
يتمُّ الرّهنُ بقبضِ عدلٍ شُرِطَ وضعُه عنده
حصَّتَه)، فإنّ عند الهلاكِ يصيرُ كلٌّ مستوفياً حصَّته، والإستيفاءُ ممَّا يتجزَّئ، (فإن قُضِيَ دينُ أحدهما، فكلُّه رهنٌ للآخر)؛ لما مرَّ أنّ كلَّه رهنٌ عند كلِّ واحد.
(وإن رهنا رجلاً رهناً بدينٍ عليهما صحَّ بكلِّ الدَّين، ويمسكُه إلى قبضِ الكلّ)، وإنَّما صحَّ هذا؛ لأنَّ قبضَ الرهنِ وقعَ في الكلِّ بلا شيوع.
(وبطلَ حجَّةُ كلٍّ منهما أنَّه رهنَ هذا منه وقبضَه)، هذه مسألة مبتدأة لا تعلُّق لها بما سبق، وصورتها: أنّ كلَّ واحدٍ من الرَّجلينِ ادَّعى أنَّ زيداً رهنَ هذا العبدَ من هذا المدِّعي وسلَّمه إليه، وأقامَ على ذلك بيِّنة تبطلُ حجَّةُ كلِّ واحد؛ لأنَّه لا يمكنُ القضاءُ لكلِّ واحدٍ منهما، ولا لأحدهما؛ لعدمِ أولويَّته، ولا إلى القضاء لكلٍّ بالنصفِ للشيوع (١).
(ولو ماتَ راهنُهُ والرهنُ معهما، فبرهنِ كلٍّ كذلك كان مع كلٍّ نصفَهُ رهناً بحقِّه)، هذا قولُ أبي حنيفةَ ﵁ ومحمَّد ﵁ وهو إستحسان، وعند أبي يوسفَ ﵁ هذا باطل، وهو القياسُ كما في الحياة، وجه الاستحسانِ: أنّ حكمَهُ في الحياةِ هو (٢) الحبسُ، والشيوعُ يضرُّه، وبعد المماتِ الاستيفاءُ بالبيعِ في الدَّين والشيوعُ لا يضرُّه (٣).
باب الرهن عند عدل
(يتمُّ الرّهنُ بقبضِ عدلٍ شُرِطَ وضعُه عنده)، هذا عندنا، وقال مالك (٤) ﵁: لا
стр. 1108
ولا أخذ لأحدهما منه، وضمنَ بدفعه إلى أحدهما، وهلكُهُ معه هلكُ رهن، فإنْ وكِّلَ العدلُ أو غيرُه ببيعِهِ إذا حلَّ أجلُهُ صحَّ، فإن شرط في الرهنِ لا ينعزلُ بالعزل، ولا بموتِ الراهنِ أو المرتهن، بل بموتِ الوكيل، له بيعُهُ بغيبةِ ورثته، ولا يبيعُ الراهنُ أو المرتهنُ إلا برضا الآخر. فإن حلَّ أجلُهُ وراهنُهُ غائبٌ أجبرَ الوكيلُ على بيعِه، كوكيلٍ بالخصومةِ غابَ موكِّله وأباها
يجوز؛ لأنَّ يدَه يدُ المالك؛ ولهذا يرجعُ عليه عند الاستحقاق، فانعدمَ القبض، قلنا: يدُه على الصورةِ (١) يدُ المالك، وفي الماليَّةِ يدُ المرتهن؛ لأنَّ يدَه يدُ ضمان، والمضمونُ الماليَّة، فَنُزِّلَ منْزلةَ شخصين، (ولا أخذ لأحدهما منه، وضمنَ بدفعه إلى أحدهما، وهلكُهُ معه هلكُ رهن، فإنْ وكِّلَ العدلُ أو غيرُه ببيعِهِ إذا حلَّ أجلُهُ صحَّ، فإن شرط): أي التوكيل، (في الرهنِ لا ينعزلُ بالعزل (٢)، ولا بموتِ الراهنِ أو المرتهن، بل بموتِ الوكيل)، سواء كان الوكيل المرتهنَ أو العدلَ أو غيرَهما، وإذا ماتَ الوكيلُ لا يقومُ وارثُهُ أو وصيُّهُ مقامَه عندنا، وعند أبي يوسفَ ﵁ إنّ وصيَّ الوكيلِ يملكُ بيعَه، (وله بيعُهُ بغيبةِ ورثته): أي للوكيلُ بيعُ المرهونِ بغيبةِ ورثةِ الراهن.
(ولا يبيعُ الراهنُ أو المرتهنُ إلا برضا الآخر): أي لا يكونُ للراهنِ بيعُ الرهنِ إلاَّ برضاءِ المرتهن، وأيضاً لا يكون للمرتهنِ بيعُ الرهن إلاَّ برضاءِ الراهن، بأن وكَّلَه أو باعَه، فأجازَ الراهنُ بيعَه (٣).
(فإن حلَّ أجلُهُ وراهنُهُ غائبٌ أجبرَ الوكيلُ على بيعِه، كوكيلٍ بالخصومةِ غابَ موكِّله وأباها)، فإنّ الوكيلَ يجبرُ على الخصومة، فالحاصلُ أنَّ الوكيلَ لا يجبرُ على التصرُّف، إلاَّ أنَّ في هذه الصورةِ إذا غابَ الراهنُ وأبى الوكيلُ عن البيع، فإنَّ المرتهنَ يتضرَّر، فيجبرُ الوكيلُ على البيع، كما يجبرُ على الخصومةِ إذا غابَ الموكِّل، فإنَّ الموكِّلَ
стр. 1109
وكذا يجبر لو شرطَ بعد الرهنِ في الأصحّ، فإن باعَهُ العدلُ فالثمنُ رهنٌ، فهلكُهُ كهلكِه، فإن أوفى ثمنَهُ المرتهنُ فاستحقّ، ففي الهالك ضمَّنَ المستحقُّ الراهنَ قيمتَه وصحَّ البيعُ والقبض، أو العدلَ ثمَّ هو الراهن وصَحَّا، أو المرتهن ثمنه وهو له ورجعَ المرتهنُ على راهنِهِ بدينه، وفي القائمِ أخذه من مشتريه، ورجعَ هو على العدلِ بثمنِه، ثمَّ هو على الراهنِ به، وصحَّ القبض ثمَّ هو على الراهنِ بدينه
اعتمدَ عليه وغاب، فلو لم يخاصمْ يتضرَّرُ الموكِّلُ ويضيعُ حقّه، فيجبرُ الوكيلُ على الخصومة.
(وكذا يجبر (١) لو شرطَ بعد الرهنِ في الأصحّ)، اعلم أنَّ في الجبرِ قولين:
أحدهما: إنَّ الجبرَ إنّما يثبتُ إذا كانت الوكالةُ لازمة، وهي أن تكونَ في ضمنِ عقدِ الرهن، فإذا كان بعدَه لا يجبر.
والآخر: إنّ الجبرَ بناء على أنَّ حقَّ المرتهنِ يضيع، فيجبرُ كالوكيلِ بالخصومة إذا غابَ الموكِّل، وإنَّما كان هذا القولُ أصحّ؛ لأنَّ عدمَ الدليلِ لا يدلُّ على عدمِ المدلول، خصوصاً إذا وجدَ دليل آخر.
(فإن باعَهُ العدلُ فالثمنُ رهنٌ، فهلكُهُ كهلكِه، فإن أوفى ثمنَهُ المرتهنُ فاستحقّ): أي الرهن، (ففي الهالك): أي إذا هلكَ الرهنُ في يدِ المشتري، (ضمَّنَ المستحقُّ الراهنَ قيمتَه وصحَّ البيعُ والقبض، أو العدلَ ثمَّ هو الراهن وصَحَّا، أو المرتهن ثمنه وهو له ورجعَ المرتهنُ على راهنِهِ بدينه): أي المستحقُّ إمّا أن يضمِّنَ الراهنَ قيمةَ الرهن؛ لأنَّه غاصب، وحينئذٍ صحَّ البيعُ وقبض الثمن؛ لأنَّ الراهنَ ملكَهُ بأداءِ الضمان، وإمَّا أن يضمِّنَ العدلَ القيمة؛ لأنَّه متعدٍّ بالبيعِ والتسليم، وحينئذٍ العدلُ بالخيار، إمّا أن يضمِّنَ الراهنَ القيمة، وحينئذٍ صحَّ البيع وقبضَ الثمن، وإمَّا أن يضمِّنَ المرتهنَ الثمنَّ الذي أدَّاه إليه، وهو له؛ أي ذلك الثمن يكون للعدل، فيرجعُ المرتهنُ على راهنِهِ بدينه.
(وفي القائمِ أخذه): أي المستحقُّ المرهون، (من مشتريه، ورجعَ هو على العدلِ بثمنِه، ثمَّ هو على الراهنِ به، وصحَّ القبض): أي على المرتهنِ بثمنه، (ثمَّ هو على الراهنِ بدينه): أي العدلُ بالخيار، إمَّا أن يرجعَ على الراهنِ بالثمن، وحينئذٍ صحَّ قبضُ المرتهنِ الثمنَ، وإمّا أن يرجعَ على المرتهن، ثمَّ المرتهنُ يرجعُ على الراهنِ بدينه.
стр. 1110
وإن لم يشترطِ التوكيلَ في الرهنِ رجعَ العدلُ على الراهنِ فقط، قبضَ المرتهنُ ثمنَه أو لا، فإن هلكَ الرهنُ مع المرتهنِ فاستحقَّ وضَمَّنَ الراهنُ قيمتَهُ هلكَ بدينه، وإن ضَمَّنَ المرتهنُ رجعَ على الراهنِ بقيمتِهِ وبدينِه
(وإن لم يشترطِ التوكيلَ في الرهنِ رجعَ العدلُ على الراهنِ فقط، قبضَ المرتهنُ ثمنَه أو لا): أي ما ذكرَ من خيارِ العدلِ بين تضمينِ الراهنِ أو المرتهن إنَّما يكونُ إذا كانت الوكالةُ مشروطةً في عقدِ الرهن، فإنّه حينئذٍ تعلَّقَ حقُّ المرتهنِ بالوكالة، فللعدلِ تضمينُ المرتهن؛ لأنَّه باعَه لحقِّه، أمَّا إذا لم تكن مشروطةً في الرهنِ تكونُ كالوكالةِ المفردة، فإنّه إذا باعَ الوكيلُ وأدّى الثمنَ إلى آخرَ بأمرِ الموكِّل، ثمّ لحقَه عهدةٌ لا يرجعُ على القابض، فهاهنا لا يرجعُ إلا على الراهنِ سواءً قبضَ المرتهنُ الثمنَ أو لم يقبض، وصورةُ ما لم يقبضْ أنَّ العدلَ باعَ الرهنَ بأمرِ الراهن، وضاعَ الثمنُ في يدِ العدلِ بلا تعدِّيه، ثمَّ استحقَّ المرهون، فالضمانُ الذي يلحقُ العدلَ يرجعُ به على الراهن.
(فإن هلكَ الرهنُ مع المرتهنِ فاستحقَّ وضَمَّنَ الراهنُ قيمتَهُ هلكَ بدينه): أي يكون مستوفياً دينه، (وإن ضَمَّنَ المرتهنُ رجعَ على الراهنِ بقيمتِهِ وبدينِه): أي المستحقُّ بالخيارِ بين تضمينِ الراهنِ أو المرتهن، فإن ضَمَّنَ الراهنَ ملكَه بأداءِ الضمان، فصحَّ الرهن، وإن ضَمَّنَ المرتهنَ يرجع على الراهنِ بالقيمة؛ لأنَّه مغرورٌ من جهةِ الراهنِ وبالدين؛ لأنَّه انتقضَ قبضه فيعودُ حقُّه كما كان، قيل عليه (١)
: لمَّا كان قرارُ الضمانِ على الراهنِ والملكُ في المضمونِ يثبتُ لمَن عليه قرارُ الضمان، فتبيَّن أنَّه رهنَ ملكَ نفسه.
стр. 1111
باب التصرف والجناية في الرهن
وُقِفَ بيعُ الرّاهنِ رهنَه، فإن أجازَ مرتهنُه أو قضى دينَه نفذ، وصارَ ثمنُهُ رهناً وإن لم يجزْ وفسخَ لا ينفسخُ في الأصحّ، وصَبَرَ المشتري إلى فكِّ الرهن، أو رفعَ إلى القاضي ليفسخ، وصحَّ إعتاقُهُ وتدبيرُهُ واستيلادُهُ رهنَه، فإن فعلَها غنيَّاً ففي دينه حالاً أخذَ دينه، وفي مؤجَّلِهِ قيمته للرهن بدله إلى محلِّ أجله، وإن فعلَها مُعْسِراً ففي العتقِ سعى العبدُ في أقلِّ من قيمته ومن دينه، ورجعَ
باب التصرف والجناية في الرهن
(وُقِفَ بيعُ الرّاهنِ رهنَه، فإن أجازَ مرتهنُه أو قضى دينَه نفذ (١)، وصارَ ثمنُهُ رهناً وإن لم يجزْ وفسخَ لا ينفسخُ في الأصحّ، وصَبَرَ المشتري إلى فكِّ الرهن، أو رفعَ إلى القاضي ليفسخ).
اعلم أنّ المرتهنَ إذا فسخَ ينفسخُ في رواية (٢)، والأصحُّ أنَّه لا ينفسخ؛ لأنَّ حقَّه في الحبسِ لا يبطلُ بانعقادِ هذا العقد، فبقيَ موقوفاً، فالمشتري إن شاءَ صبرَ إلى فكِّ الرهن، أو رفعَ الأمرَ إلى القاضي؛ ليفسخَ البيع.
(وصحَّ إعتاقُهُ وتدبيرُهُ واستيلادُهُ رهنَه، فإن فعلَها غنيَّاً ففي دينه حالاً أخذَ دينه (٣)، وفي مؤجَّلِهِ قيمته للرهن بدله إلى محلِّ أجله): أي أخذَ قيمته لأجلِ أن يكون رهناً عوضاً عن المرهونِ إلى زمانِ حلولِ الأجل، وفائدته تظهرُ إذا كانت القيمةُ من غيرِ جنسِ الدين، كما إذا كانت القيمةُ دراهم، والدين كرُّ برٍّ ولا قدرةَ له على أداءِ الدينِ في الحال، فيكون الدراهمُ رهناً إلى محلّ الأجل.
(وإن فعلَها مُعْسِراً ففي العتقِ سعى العبدُ في أقلِّ من قيمته ومن دينه، ورجعَ
стр. 1112
على سيِّدِه غنيَّاً، وفي أختيه سعى في كلِّ الدينِ ولا رجوع، وإتلافُه رهنَه كإعتاقه غنيّاً، وأجنبيّ أتلفَه ضمَّنَه مرتهنُهُ وكان رهناً معه. ورهنٌ أعارَهُ مرتهنُهُ راهنَه أو أحدُهما بأذنِ صاحبِه آخر سقطَ ضمانه، فهلكُهُ مع مستعيرِه هُلْكٌ بلا شيء، ولكلٍّ منهما أن يردَّهُ رهناً، فإن ماتَ الراهنُ قبل ردِّهِ فالمرتهنُ أحقُّ به من الغرماء، ومرتهنٌ أُذِنَ باستعمالِ رهنِهِ أو استعارَهُ من راهنِهِ لعملٍ، إن هلكَ قبلَ عملِه أو بعده ضَمِنَ كالرّهن، ولو هلك حالَ عملِهِ لا
على سيِّدِه غنيَّاً، وفي أختيه سعى في كلِّ الدينِ ولا رجوع)، فإنّ الراهنَ إذا أعتقَ وهو معسرٌ، فإن كان الدينُ أقلَّ من القيمةِ سعى العبدُ في الدين، وإن كانت القيمةُ أقلَّ سعى في القيمة؛ لأنَّه إنَّما يسعى لأنَّه لمَّا تعذَّرَ للمرتهن استيفاءُ حقِّه من الراهن، يأخذُهُ ممَّن ينتفعُ بالعتقِ والعبدُ إنَّما ينتفعُ بمقدارِ ماليِّته، ثمَّ يرجعُ بما سعى على السيَّد إذا أيسرَ سيِّدُه؛ لأنّه قضى دينَه، وهو مضطرٌ فيه بحكمِ الشرع، فيرجعُ عليه بما تحمَّلَ عنه، وفي التدبيرِ والإستيلادِ سعى في كلِّ الدين؛ لأنَّ كسبَ المدبَّرِ والمستولدةِ ملكُ المولى، فيسعيان في كلِّ دينه، ولا رجوع.
(وإتلافُه رهنَه كإعتاقه غنيّاً): أي إن أتلفَ الراهنُ الرهنَ فكما أعتقه غنيَّاً؛ أي إن كان الدينُ حالاً أخذَ منه الدين، وإن كان مؤجَّلاً أخذَ قيمتَه؛ ليكونَ رهناً إلى زمانِ حلولِ الأجل.
(وأجنبيّ أتلفَه ضمَّنَه مرتهنُهُ وكان): أي الضمان (رهناً معه.
ورهنٌ أعارَهُ مرتهنُهُ راهنَه أو أحدُهما بأذنِ صاحبِه آخر سقطَ ضمانه، فهلكُهُ مع مستعيرِه هُلْكٌ بلا شيء، ولكلٍّ منهما أن يردَّهُ رهناً، فإن ماتَ الراهنُ قبل ردِّهِ فالمرتهنُ أحقُّ به من الغرماء)؛ لأنَّ حكمَ الرهنِ باقٍ فيه؛ لأنَّ يدَ العاريةِ ليست بلازمة، وكونُهُ غيرُ مضمونٍ لا يدلُّ على أنَّه غيرُ مرهون، فإنّ ولدَ الرهنِ مرهونٌ غير مضمون.
(ومرتهنٌ أُذِنَ باستعمالِ رهنِهِ أو استعارَهُ من راهنِهِ لعملٍ، إن هلكَ قبلَ عملِه أو بعده ضَمِنَ كالرّهن، ولو هلك حالَ عملِهِ لا (١).
стр. 1113
وصحَّ استعارةُ شيءٍ ليرهن، فيرهنُ بما شاء، وإن قيَّدَ تقيَّدَ بما عيَّنَ من قدرٍ وجنسٍ ومرتهنٍ وبلد، فإن خالفَ ضَمَّنَ المعيرُ مستعيرَه، ويتمُّ رهنُهُ بينه وبين مرتهنِه، أو إيَّاه، ورجعَ هو بما ضَمَّنَ وبدينِهِ على راهنِه، فإن وافقَ وهلكَ مع مرتهنِهِ فقد أخذَ كلَّ دينِهِ إن كانت قيمتُهُ مثلَ الدَّينِ أو أكثر، وضَمَّنَ مستعيرَهُ قدرَ دينٍ أوفاهُ منهِ لا القيمة، أو بعضَ دينِهِ إن كانتْ أقلّ وباقي دينِهِ على راهنِه، ولا يمتنعُ المرتهنُ إذا قضى المعيرُ دينَه، وفكَّ رهنه
وصحَّ استعارةُ شيءٍ ليرهن، فيرهنُ بما شاء، وإن قيَّدَ تقيَّدَ بما عيَّنَ من قدرٍ وجنسٍ ومرتهنٍ وبلد، فإن خالفَ ضَمَّنَ المعيرُ مستعيرَه، ويتمُّ رهنُهُ بينه وبين مرتهنِه، أو إيَّاه): الضميرُ راجعٌ إلى المرتهن (١)، وهو معطوفٌ على المستعير، (ورجعَ هو بما ضَمَّنَ وبدينِهِ على راهنِه، فإن وافقَ (٢) وهلكَ مع مرتهنِهِ فقد أخذَ كلَّ دينِهِ إن كانت قيمتُهُ مثلَ الدَّينِ أو أكثر، وضَمَّنَ مستعيرَهُ قدرَ دينٍ أوفاهُ منهِ لا القيمة، أو بعضَ دينِهِ إن كانتْ أقلّ وباقي دينِهِ على راهنِه): أي إن وافقَ وهَلَكَ الرَّهنُ مع المُرْتَهِنِ، فإن كانت قيمتُهُ عشرةً والدَّينُ عشرةً، فقد أخذَ المرتهنُ كلَّ الدَّين، ويضمنُ المستعيرُ الدَّينَ الذي أوفاهُ وهو عشرةٌ للمعير، وإن كانت قيمتُهُ خمسةَ عشرَ والدَّينُ عشرةً، فقد أخذَ المرتهنُ كلَّ الدَّين، فيضمنُ المستعيرُ الدَّينَ الذي أوفاه: أي العشرةَ، ولا يضمنُ القيمة؛ لأنَّهُ قد وافقَ فليسَ بمتعدّ، وإن كانت القيمةُ عشرةً والدَّينُ خمسةَ عشرَ فقد أخذَ المرتهنُ بعضَ الدَّينِ وهو عشرة، وباقي الدَّينِ على الرَّاهن، ويضمنُ المستعيرُ قدرَ ما أوفاهُ من الدَّينِ وهو العشرة.
(ولا يمتنعُ المرتهنُ إذا قضى المعيرُ دينَه، وفكَّ رهنه) (٣): أي (٤) إذ هو يسعى في
стр. 1114
ويرجعُ على الرَّاهنِ بما أدَّى، فلو هلكَ مع الرَّاهنِ قبلَ رهنِهِ أو بعدَ فكِّهِ لا يضمن، وإن استخدمَهُ أو ركبَهُ من قبلِ، وجنايةُ الرَّاهنِ على الرَّهنِ مضمونةٌ، وجنايةُ المرتهنُ عليه تسقطُ من دينِهِ بقدرِها، وجنايةُ الرَّهنِ عليهما، وعلى مالهِما هدر، ومَن رهنَ عبداً يعدلُ ألفاً بألفٍ مؤجَّلٍ فصارتْ قيمتُهُ مئةً فقتلَهُ رجل، وغَرِمَ مئة، وحلَّ أجلُهُ قبضَ مرتهنُهُ المئةَ من حقِّهِ وسقطَ باقيه، وإن باعَهُ بأمرِه، وقبضَ ثمنَهُ رجعَ بما بقيَ
تخليصِ ملكِه، (ويرجعُ على الرَّاهنِ بما أدَّى)؛ لأنَّهُ غيرُ متبرِّعٍ كما ذكرنا.
(فلو هلكَ مع الرَّاهنِ قبلَ رهنِهِ أو بعدَ فكِّهِ لا يضمن، وإن استخدمَهُ أو ركبَهُ من قبلِ)؛ لأنَّهُ أمينٌ خالفَ ثمَّ عادَ إلى الوفاقِ فلا يضمن، خلافاً للشَّافعيِّ (١) ﵁.
(وجنايةُ الرَّاهنِ على الرَّهنِ مضمونةٌ (٢)، وجنايةُ المرتهنُ عليه تسقطُ من دينِهِ بقدرِها، وجنايةُ الرَّهنِ عليهما، وعلى مالهِما هدر)، هذا عندَ أبي حنيفةَ ﵁، وقالا: جنايةُ الرَّهنِ على المرتهنِ معتبرة؛ لأنَّها حصلتْ على غيرِ مالكِه، وفي الاعتبارِ فائدةٌ: وهي الدَّفعُ بالجنايةِ إلى المرتهن، فإن شاءَ الرَّاهنُ والمرتهنُ أبطلا الرَّهنَ ودفعَ بالجنايةِ إلى المرتهن، فإن قال المرتهنُ: لا أطلبُ الجناية، فهو رهنٌ على حالِه، وله: إنَّ الجنايةَ حصلتْ في ضَمانِ المرتهِن، فعليه تخليصُهُ فلا يفيدُ وجوبُ الضَّمانِ له مع وجوبِ التَّخليصِ عليه.
(ومَن رهنَ عبداً يعدلُ ألفاً بألفٍ مؤجَّلٍ فصارتْ قيمتُهُ مئةً فقتلَهُ رجل، وغَرِمَ مئة، وحلَّ أجلُهُ قبضَ مرتهنُهُ المئةَ من حقِّهِ وسقطَ باقيه)؛ لأنَّ نقصانَ السِّعرِ لا يوجبُ سقوطَ الدَّينِ عندنا، خلافاً لزفرَ ﵁، فإذا كان الدَّينُ باقياً، ويدُ المرتهنِ يدُ الاستيفاءِ فيصيرُ مستوفياً للكلِّ من الابتداء.
(وإن باعَهُ بأمرِه، وقبضَ ثمنَهُ رجعَ بما بقيَ): أي إن باعَهُ المرتهنُ بأمرِ الرَّاهنِ بالمئة، بعد أن صارَ قيمتُهُ مئة، وقبضَ ثمنَه، رجعَ بما بقي؛ لأنَّ الدَّينَ لم يسقطْ بنقصانِ السِّعر؛ لأنَّ نقصانَ السِّعرِ ليسَ هلاكاً؛ لاحتمالِ العودِ على ما كان، وإذا كان الدَّينُ باقياً، وقد أمرَ الرَّاهنُ أن يبيعَهُ بمئةٍ يكونُ الباقي في ذمَّتِه.
стр. 1115
وإن قتلَهُ عبدٌ يعدلُ مئة فدفعَ به فكَّ بكلِّ دينَه، فإن جنى الرَّهن خطأً فداهُ مرتهنُه، ولم يرجع، فإن أبى دفعَهُ الرَّاهن أو فداه، وسقطَ الدَّين، ولو ماتَ الرَّاهنُ باعَ وصيُّهُ رهنَهُ، وقضى دينه، فإن لم يكنْ له وصيٌّ نُصِبَ وصيٌّ يبيعه
(وإن قتلَهُ عبدٌ يعدلُ مئة فدفعَ به فكَّ بكلِّ دينَه) (١)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁، وعند محمَّدٍ ﵁: هو بالخيارِ إن شاءَ فكَّه، وإن شاءَ سَلَّمَ العبدَ المدفوعَ إلى المرتهنِ بماله، وعند زفرَ ﵁: يصيرُ رهناً بمئة؛ لأنَّهُ بقيَ الخلفُ بقدرِ العُشر، فيبقى الدَّينُ بقدرِه. قلنا لزفرَ ﵁: إنَّ العبدَ الثَّاني قائمٌ مقامَ الأوَّلِ فصارَ كما كان الأوَّلُ قائماً وتراجعَ سعرُهُ.
ثمَّ لمحمَّدٍ ﵁: أنّ المرهونَ تغيَّرَ في ضمانِ المرتهن، فيخيَّرُ الرَّاهنُ كالمبيعِ إذا قُتِلَ قبلَ القبض (٢)، ولهما: أنّ التَّغيرُ لم يظهرْ في حقِّ العبدِ لقيامِ الثَّاني مقامَه.
(فإن جنى الرَّهن خطأً فداهُ مرتهنُه، ولم يرجع): أي على الرَّاهن؛ لأنَّ الجنايةَ حصلتْ في ضمانِ المرتهن، ولا يملكُ الدَّفع؛ لأنَّ المرتهنَ غيرُ مالك، (فإن أبى دفعَهُ الرَّاهن أو فداه، وسقطَ الدَّين): أي إن أبى المرتهنُ أن يفديَهُ قيل للرَّاهن: ادفعِ العبد، أو افدِ عنه، وأيَّاً فعلَ سقطَ الدَّين. واعلمْ أنَّ الدَّينَ إنَّما يسقطُ بتمامِهِ إذا كانَ الدَّينُ أقلَّ من قيمةِ الرَّهنِ أو مساوياً، أمَّا إذا كان أكثر يسقطُ من الدَّينِ مقدارُ قيمةِ العبد، ولا يسقطُ الباقي، لكن لم يذكرْ في «المتن» هذا؛ لأنَّ الظَّاهرَ أن لا يكونَ الدَّينُ أكثرَ من قيمةِ الرَّهن.
(ولو ماتَ الرَّاهنُ باعَ وصيُّهُ رهنَهُ، وقضى دينه)، هذه مسألةٌ مبتدأة لا تعلُّق لها بمسألةِ الجناية، أي إذا ماتَ الرَّاهنُ فوصيٌّ يبيعُ الرَّهنَ بإذنِ المرتهنِ ويقضي دينَه، كما إذا كان الرَّاهنُ حيَّاً فلهُ البيعُ بإذنِ المرتهنِ كذا هاهنا، (فإن لم يكنْ له وصيٌّ نُصِبَ وصيٌّ يبيعه).
стр. 1116
فصل [في المتفرقات] (١)
عصيرٌ قيمتُهُ عشرة رُهِنَ بها فتخمَّرَ وتخلَّل، وهو يعدلُها بقي رهناً بها، وشاةٌ قيمتُها عشرةٌ رُهِنَتْ بها، فماتتْ فدبغَ جلدُها، فعدلَ درهماً، فهو رهنٌ به. ونماءُ الرَّهنِ كولدِهِ ولبنِهِ وصوفِهِ وثمرِهِ لراهنِه، وهو رهنٌ مع أصلِه، ويهلكُ بلا شيء، فإن هلكَ أصلُهُ وبقي هو فُكَّ بقسطِهِ يقسمُ الدَّينُ على قيمتِهِ يومَ فكِّه، وقيمةُ أصلِهِ يومَ قبضِه، وتسقطُ حصّةُ أصلِه، وفُكَّ بقسطِه. والزيادةُ في الرَّهنِ تصحّ، وفي الدَّينِ لا
فصل [في المتفرقات] (٢)
(عصيرٌ قيمتُهُ عشرة رُهِنَ بها فتخمَّرَ وتخلَّل، وهو يعدلُها): أي الخلُّ يعدلُ عشرة، (بقي رهناً بها)، فالحاصلُ أنَّ ما هو محلٌّ للبيعِ محلٌّ للرَّهن، وما ليس محلاً للبيعِ ليس محلاً للرَّهن، والخمرُ ليس محلاً للبيعِ ابتداءً، لكن محلٌّ له بقاءً (٣)، فكذا الرَّهن.
(وشاةٌ قيمتُها عشرةٌ رُهِنَتْ بها، فماتتْ فدبغَ جلدُها، فعدلَ درهماً، فهو رهنٌ به.
ونماءُ الرَّهنِ كولدِهِ ولبنِهِ وصوفِهِ وثمرِهِ لراهنِه، وهو رهنٌ مع أصلِه، ويهلكُ بلا شيء)، فإنَّهُ لم يدخلْ تحتَ العقدِ مقصوداً، (فإن هلكَ أصلُهُ وبقي هو فُكَّ بقسطِهِ يقسمُ الدَّينُ على قيمتِهِ يومَ فكِّه، وقيمةُ أصلِهِ يومَ قبضِه، وتسقطُ حصّةُ أصلِه، وفُكَّ بقسطِه) كما إذا كان الدَّينُ عشرةً، وقيمةُ الأصلِ يومَ القبضِ عشرةً، وقيمةُ النَّماءِ يومَ الفكِّ خمسة، فثلثا العشرةِ حصَّةُ الأصل فيسقط، وثلثُ العشرةِ حصَّةُ النَّماء، فيفكُّ به.
(والزيادةُ في الرَّهنِ تصحّ، وفي الدَّينِ لا) هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ ومحمَّدٌ ﵁، وعند أبي يوسفَ ﵁: يجوزُ الزُّيادةُ في الدَّينِ أيضاً، فإنَّ الدَّينَ بمَنْزلةِ الثَّمن، والزِّيادةُ في الثَّمنِ تجوز، قلنا: الزِّيادةُ في الدَّينِ توجبُ الشُّيوعَ في الرَّهن، وعند زفرَ ﵁ والشَّافعيِّ ﵁:
стр. 1117
فإن رهنَ عبداً يعدلُ ألفاً بألف، فدفعَ عبداً كذلك رهناً بدلَ الأوَّلِ فهو رهن، حتى يردَّهُ إلى راهنِه، ومرتهنُهُ أمينٌ في الآخرِ حتى يجعلَهُ مكانَ الأوَّل، ولو أبرأ المرتهنُ راهنَهُ عن دينِه، أو وهبَهُ منه فهلكَ الرَّهن هلكَ بلا شيء، ولو قبضَ المرتهنُ دينَهُ أو بعضَهُ من راهنِهِ أو غيرِهِ أو شرى بالدَّينِ عيناً أو صالحَ عنه على شيء أو أحالَ الرَّاهنُ مرتهنَهُ بدينِهِ على آخر، ثمَّ هلكَ رهنُهُ معه هلكَ بالدَّين، وردَّ ما قبض إلى من أدَّى، وبطلتِ الحوالة. وكذا لو تصادقا على أن لا دينَ ثمَّ هلكَ هلك بالدَّين
لا تجوزُ في شيءٍ منهما، كما لا تجوزُ في المبيع والثَّمنُ عندهما، وقد مرَّ في «البيوع» (١).
(فإن رهنَ عبداً يعدلُ ألفاً بألف، فدفعَ عبداً كذلك رهناً بدلَ الأوَّلِ فهو رهن): أي الأوَّلُ رهن، (حتى يردَّهُ إلى راهنِه، ومرتهنُهُ أمينٌ في الآخرِ حتى يجعلَهُ مكانَ الأوَّل (٢))، بأن يردَّ الأوَّلَ إلى الرَّاهن، فحينئذٍ يصيرُ الثَّاني مضموناً.
(ولو أبرأ المرتهنُ راهنَهُ عن دينِه، أو وهبَهُ منه فهلكَ الرَّهن): أي في يدِ المرتهن، (هلكَ بلا شيء) وهذا استحسان (٣)، وفي القياسِ هلكَ بالدَّينِ وهو قولُ زفر ﵁.
(ولو قبضَ المرتهنُ دينَهُ أو بعضَهُ من راهنِهِ أو غيرِهِ أو شرى بالدَّينِ عيناً أو صالحَ عنه على شيء أو أحالَ الرَّاهنُ مرتهنَهُ بدينِهِ على آخر، ثمَّ هلكَ رهنُهُ معه هلكَ بالدَّين، وردَّ ما قبض إلى من أدَّى، وبطلتِ الحوالة.
وكذا لو تصادقا على أن لا دينَ ثمَّ هلكَ هلك بالدَّين)، حكمُ هذه المسائلِ مبنيٌّ على أنَّ يدَ المرتهنِ يدُ استيفاء، يتقرَّرُ ذلك بالهلاك، فإذا هلكَ تبيَّن أنَّ الاستيفاءَ وقعَ مكرَّراً فيردَّ ما قبضَ إلى مَن أدَّى، فإن أدَّى المديونُ يردُّ إليه، وإن أدَّى غيرَهُ يردٌّ إلى
стр. 1118
....................................................................................................................
ذلك الغير، وإن أحالَ تبطلُ الحوالة، وفي صورةِ التَّصادقِ وجودُ الدَّينَ محتمل (١).
إذا عرفت هذا؛ فزفر ﵁ قاسَ المسألةَ الخلافيَّة على هذهِ الصُّورة، ووجهُ الاستحسانِ هو الفرقُ بينهما، وهو أنَّ الهلاكَ بالدَّينِ يقتضي وجودَ الدَّين، وبالإبراء والهبةِ لا يبقى الدَّينُ أصلاً، بخلافِ الاستيفاء، فإنَّ بالاستيفاءَ لا ينعدمُ الدَّين، بل يثبتُ لكلٍّ منهما على الآخرِ دين، فيسقطُ الطَّلبُ لعدمِ الفائدة. (والله أعلم بالصواب) (٢).
* * *
стр. 1119
كتاب الجنايات
القتلُ العَمَد: ضربُهُ قصداً بما يفرِّقُ الأجزاءَ كسلاحٍ ومحدَّدٍ من خشبٍ أو حجرٍ أو لِيْطة ونار، وبهِ يأثم، ويجبُ القَوَدُ عيناً لا الكفَّارة، وشبه العمدِ: ضربُهُ قصداً بغيرِ ما ذكر
كتاب الجنايات
اعلمْ أنَّ القتلَ على خمسةِ أنواع: عمدٍ، وشبهِ عَمْد، وخطأ، وجارٍ مجرى الخطأ، والقتلِ بسبب، فبيَّن هذه الأنواعَ بأحكامها فقال:
(القتلُ العَمَد: ضربُهُ قصداً بما يفرِّقُ الأجزاءَ كسلاحٍ ومحدَّدٍ من خشبٍ أو حجرٍ أو لِيْطة (١) ونار)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما وعند الشَّافعيِّ (٢) ﵁: ضربُهُ قصداً بما لا يطيقه البِنْية (٣)، حتى إن ضربَه بحجرٍ عظيمٍ أو خشبٍ عظيم، فهو عمد، (وبهِ يأثم، ويجبُ القَوَدُ عيناً)، هذا عندنا خلافاً للشَّافعيِّ (٤) ﵁، فإنَّ القَوَدَ غيرُ متعيِّنٍ عنده، بل الوليُّ مخيَّرٌ بينَ القَوَدِ وأخذِ الدّية. لنا: أنّ المالَ إنَّما يجبُ في الخطأ ضرورةَ صيانةِ الدَّمِ عن الهدر، إذ لا مماثلةَ بينه وبين النَّفس، ففي العمدِ لا يجبُ مع احتمالِ المثلِ صورةً ومعنىً، (لا الكفَّارة)، خلافاً للشَّافعيِّ (٥) ﵁، وهو يقول: لَمَّا وجبتْ في الخطأ، فأولى أن تَجِبَ في العمد، ونحن نقول: لا يلزمُ من كونِ الكفَّارةِ ساترةً للخطأ كونُها ساترةً للعمد، وهو كبيرةٌ محضة (٦)
(وشبه العمدِ: ضربُهُ قصداً بغيرِ ما ذكر): كالعصا والسَّوط، أو الحجرِ الصَّغير، وأمَّا الضَّربُ بالحجرِ العظيم، والخشبِ العظيمِ فمن شبهِ العمدِ أيضاً عندَ
стр. 1120
وفيه الإثمُ والكفَّارة، ودِيَةٌ مغلَّظةٌ على العاقلة بلا قَوَد. وهو فيما دونَ النَّفس عمد، وفي الخطأ، ولو على عبد قصداً: كرميهِ مسلماً ظنَّهُ صيداً أو حربيَّاً، أو فعلاً: كرميهِ غرضاً فأصابَ آدميَّاً، وما جرى مجراهُ: كنائمٍ سقطَ على آخرَ فقتلَه كفارةٌ ودِيَةٌ على عاقلتِه. وفي القتلِ بسببٍ كتلفِه بوضعِ حجر، وحفرِ بئرٍ في غيرِ ملكِه دِيَةٌ على العاقلةِ بلا كفارةٍ ولا إرث إلا هنا
أبي حنيفةَ ﵁، خلافاً لغيرِه، (وفيه الإثمُ والكفَّارة، ودِيَةٌ مغلَّظةٌ على العاقلة)، سيأتي تفسيرُ الدِّيَةِ المغلَّظة (١)، وتفسيرُ العاقلةِ (٢) إن شاءَ اللهُ تعالى، (بلا قَوَد.
وهو فيما دونَ النَّفس عمد): أي ضربُهُ قصداً بغيرِ ما ذكرَ فيما دونَ النَّفسِ عمدٌ موجبٌ للقصاص، فليسَ فيما دونَ النَّفسِ شبه عمد.
(وفي الخطأ، ولو على عبد)، إنَّما قال هذا لدفعِ توهُّمِ أنِّ العبدَ مال، وضمانُ الأموالِ لا يكونُ على العاقلة، فمع ذلك إذا كانَ قتلُهُ خطأً تكونُ الدِّيَةُ على العاقلة، (قصداً: كرميهِ مسلماً ظنَّهُ صيداً أو حربيَّاً، أو فعلاً: كرميهِ غرضاً فأصابَ آدميَّاً)، الخطأُ ضربان: خطأُ في القصد، وخطأُ في الفعل.
فالخطأُ في الفعل: أن يقصدَ فعلاً فصدرَ منه فعلٌ آخر، كما إذا رمىَ الغرضَ فأخطأَ فأصابَ غيرَه.
والخطأُ في القصد: أن لا يكونَ الخطأُ في الفعل، وإنَّما يكونُ الخطأُ في قصدِه، بأنَّه قصدَ بهذا الفعلَ حربيَّاً، لكن أخطأَ في ذلك القصدِ حيثُ لم يكنْ ما قصدَهُ حربيَّاً، وليس في الخطأ إثمُ القتل، بل إثمُ تركِ الاحتياط، فإنَّ شَرْعَ الكفَّارةِ دليلُ الإثم.
(وما جرى مجراهُ: كنائمٍ سقطَ على آخرَ فقتلَه): أي كقتلِ نائمٍ سقطَ على آخرَ فتلفَ ذلكَ الشَّخصُ بسببِ سقوطِهِ عليه، (كفارةٌ ودِيَةٌ على عاقلتِه.
وفي القتلِ بسببٍ كتلفِه): أي كإتلافه (بوضعِ حجر، وحفرِ بئرٍ في غيرِ ملكِه دِيَةٌ على العاقلةِ بلا كفارةٍ ولا إرث إلا هنا)، هذا عندنا، وعندَ الشَّافعيِّ (٣) ﵁: تجبُ الكفَّارة، ويثبتُ به حرمانُ الميراثِ إلحاقاً بالخطأ، قلنا: القتلُ معدومٌ حقيقة، وألحقَ بالخطأ في حقِّ الضَّمان، ففي غيرِهِ بقيَ على أصله.
стр. 1121
باب ما يوجب القود وما لا يوجب
هو يجبُ بقتلِ ما حُقِنَ دمُهُ أبداً عمداً، فيقتلُ الحرُّ بالحرِّ وبالعبد، والمسلمُ بالذِّمي لا هما بمستأمنٍ بل هو بنِدِّه، والعاقلُ بالمجنون، والبالغُ بالصَّبيّ، والصَّحيحُ بالأعمى والزَّمِن وناقصِ الأطراف، والرَّجلُ بالمرأة، والفرعُ بأصلٍ لا بعكسِه. ولا سيِّدٌ بعبدِه، ومدبَّرِه، ومكاتَبِه، وعبدِ ولده، وعبدِ بعضِه له، ولا بعبدِ الرَّهنِ حتى يجتمعَ عاقداه، وبمكاتبٍ قتلَ عمداً عن وفاء، ووارثٍ وسيِّدٍ وإن اجتمعا
باب ما يوجب القود وما لا يوجب
(هو يجبُ بقتلِ ما حُقِنَ دمُهُ أبداً عمداً): أي ما حُفِظَ دمُهُ أبداً، وهو المسلمُ والذِّميُّ، وأبداً: احترازٌ عن المستأمن، فإنّ حَقْنَ دمِهِ مؤقَّتٌ إلى رجوعِه.
(فيقتلُ الحرُّ بالحرِّ وبالعبد)، هذا عندنا، وعندَ الشَّافعيِّ (١) ﵁ لا يقتلُ الحرُّ بالعبد؛ لقولهِ تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْد﴾ (٢)، ولنا: أنّ النَّفسَ بالنَّفس، وقولُهُ: الحرُّ بالحرِّ؛ لا يدلُّ على النَّفي فيما عداهُ على أصلنا، على أنَّهُ إن دلَّ يجبُ أن لا يقتلَ العبدُ بالحرّ؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْد﴾، (والمسلمُ بالذِّمي): هذا عندنا، خلافاً للشَّافعيِّ (٣) ﵁، (لا هما بمستأمنٍ بل هو بنِدِّه): أي يقتلُ المستأمنُ بمثلِه، وهو المستأمن، (والعاقلُ بالمجنون، والبالغُ بالصَّبيّ، والصَّحيحُ بالأعمى والزَّمِن وناقصِ الأطراف، والرَّجلُ بالمرأة، والفرعُ بأصلٍ لا بعكسِه.
ولا سيِّدٌ بعبدِه، ومدبَّرِه، ومكاتَبِه، وعبدِ ولده، وعبدِ بعضِه له، ولا بعبدِ الرَّهنِ حتى يجتمعَ عاقداه)؛ لأنَّ المرتهنَ لا ملكَ له فلا يليه، والرَّاهنُ لو تولاَّهُ لبطلَ حقُّ المرتهنُ في الدَّين، فيشترطُ إجماعهما؛ ليسقطَ حقُّ المُرْتَهنِ برضاه.
(وبمكاتبٍ قتلَ عمداً عن وفاء، ووارثٍ وسيِّدٍ وإن اجتمعا)؛ لأنَّهُ ظهرَ الاختلافُ بينَ الصَّحابةِ ﵃ في موتِهِ حرَّاً أو رقيقاً، فإن ماتَ حُرَّاً فالوليُّ هو الوارث، وإن ماتَ رقيقاً فالوليُّ هو المولى، فاشتبه مَن له الحقُّ فلا يقتصُّ قاتلُه وإن اجتمعَ الوارثُ
стр. 1122
فإن لم يدعْ وارثاً غيرَ سيِّدِهِ أو تركَه ولا وفاءَ أقاد سيِّده، ويسقطُ قَوَدٌ ورثَهُ على أبيه، ولا يقادُ إلا بالسَّيف
والمولى، (فإن لم يدعْ وارثاً غيرَ سيِّدِهِ أو تركَه ولا وفاءَ أقاد سيِّده) (١)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁ خلافاً لمحمَّدٍ ﵁، وإن لم يتركْ وفاءً قادَ السيِّدُ أيضاً؛ لأنَّهُ متعيِّن.
(ويسقطُ قَوَدٌ ورثَهُ على أبيه): أي إذا قتلَ الأبُ شخصاً (٢)، وولي القصاصُ ابن القاتلِ يسقطُ القصاصُ لحرمةِ الأبوَّة.
(ولا يقادُ إلا بالسَّيف)، هذا عندنا، وعند الشَّافعيِّ (٣) ﵁: يفعلُ به مثلَ ما فعل، فإن ماتَ فيها، وإلا تجزُّ رقبتُهُ تحقيقاً للتَّسوية، ولنا: قولُهُ ﷺ : «لا قودَ إلا بالسَّيف» (٤)، وأيضاً يحتملُ أن لا يموتَ فيحتاجَ إلى جزِّ الرَّقبة، فلا تسوية.
стр. 1123
ويقيدُ أبو المعتوه قاطعُ يده، وقاتلُ قريبِه، ويصالحُ ولا يعفو، وللوصيِّ الصُّلحُ فقط والصَّبيِّ كالمعتوه، والقاضي كالأب، هو الصحيح، ويستوفي الكبيرُ قبلَ كِبَرِ الصَّغيرِ قَوَداً لهما، ويُقْتَصُّ في جرحٍ ثبتَ عياناً أو بحجّة، وجُعِلَ المجروحُ ذا فراشٍ حتى مات، وفي
(ويقيدُ أبو المعتوه قاطعُ يده، وقاتلُ قريبِه، ويصالحُ ولا يعفو (١)، وللوصيِّ الصُّلحُ فقط): أي ليس له العفوَ ولا القتل، إذ ليسَ له الولايةَ على نفسِهِ بل على ماله، والقتلُ قصاصٌ من باب الولايةِ على النَّفس، وليسَ له ولايةُ القصاصِ في الأطراف، (والصَّبيِّ كالمعتوه، والقاضي كالأب، هو الصحيح) (٢)، حتى يكونَ لأبيهِ ووصيِّهِ ما يكونُ لأبِ المعتوهِ ووصيِّه، والقاضي بمَنْزلةِ الأب.
(ويستوفي الكبيرُ قبلَ كِبَرِ الصَّغيرِ قَوَداً لهما)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وقالا (٣): ليسَ للكبيرِ ولايةُ القصاص حتى يدركَ الصَّغيرُ البلوغ؛ لأنَّهُ حقٌّ مشتركٌ كما إذا كان بين الكبيرَيْن وأحدهما غائب، له: أنّه حقٌّ لا يتجزَّأُ؛ لثبوتِهِ بسببٍ لا يتجزَّأ، وهو القرابةُ فيثبتُ لكلٍّ كملاً كما في ولايةِ الإنكاح، واحتمالُ العفوِ عن الصَّغيرِ منقطعٌ بخلافِ الكبيريْن.
(ويُقْتَصُّ في جرحٍ ثبتَ عياناً أو بحجّة، وجُعِلَ المجروحُ ذا فراشٍ حتى مات، وفي
стр. 1124
قتلٍ بحدٍّ مَرّ، لا في قتلٍ بظهرِهِ أو عوده، أو مثقل، أو خَنْق، أو تغريق، أو سوط والى في ضربهِ فمات، ولا في قتلِ مسلمٍ مسلماً ظنَّهُ مشركاً عند التقاءِ الصَّفين، بل يكَفِّرُ ويَدِي، وفي موتٍ بفعلِ نفسِه وزيد وسَبُع وحيَّةٍ ثلثُ الدِّيةِ على زيد، ويجبُ قتلُ مَن شَهَر سيفاً على المسلمين، ولا شيءَ بقتلِه
قتلٍ بحدٍّ مَرّ (١)، لا في قتلٍ بظهرِهِ أو عوده (٢)، أو مثقل، أو خَنْق، أو تغريق، أو سوط والى في ضربهِ فمات)، المَرُّ بالفارسيِّة كلند، وإن أصابَهُ بظهرِهِ فلا قصاصَ عندَ أبي حنيفةَ ﵁، وعنه وجوبِ القصاصِ نظراً إلى الآلة، وعنه: أنَّهُ يجب إذا جرح، وعندهما وعندَ الشَّافعيِّ ﵁: يجبُ وإن أصابَهُ بعودِ المَرّ، فإن كان ممَّا يطيقُهُ الإنسانُ فلا قصاصَ بالاتَّفاق، وإن كان ممَّا لا يطيقُهُ ففيه خلافٌ كما مَرَّ، وفي الخنقِ والتَّغريقِ لا قصاصَ عند أبي حنيفةَ ﵁ خلافاً لغيره، وفي موالاةِ السَّوطِ لا قصاصَ خلافاً للشَّافعيّ (٣) ﵁.
(ولا في قتلِ مسلمٍ مسلماً ظنَّهُ مشركاً عند التقاءِ الصَّفين، بل يكَفِّرُ ويَدِي): أي يعطي الدِّيَة.
(وفي موتٍ بفعلِ نفسِه وزيد وسَبُع وحيَّةٍ ثلثُ الدِّيةِ على زيد)؛ لأنَّهُ ماتَ بثلاثةِ أفعال، ففعلُ السَّبُعِ والحيَّةِ جنسٌ واحدٌ لكونِهِ هدراً مطلقاً، وفعلُ نفسِهِ جنسٌ آخر، وهو أنَّهُ هدرٌ في الدُّنيا لا في الآخرة، وفعلُ زيدٍ جنسٌ آخر، فيجبُ ثلثُ الدِّية. أقول: يجبُ أن ينظرَ إلى ما هو مؤثِّرٌ في الموت، وينظرُ إلى اتِّحادِهِ وتعدُّدِه، فالسَّبُعُ والحيَّةُ اثنان، ولا اعتبارَ في ذلكِ لكونهما هدراً.
(ويجبُ قتلُ مَن شَهَر سيفاً على المسلمين، ولا شيءَ بقتلِه)، فإن قلت: لَمَّا قال يجبُ قتلُ مَن شَهَر، فما الاحتياجُ إلى قولِه: لا شيءَ بقتلِه، قلت: يحتملُ أن يجبَ قتلُهُ دفعاً للشرّ، ومع ذلكَ يجبُ بقتلِهِ شيء.
стр. 1125
ولا في مَن شَهَرَ سلاحاً على رجلٍ ليلاً أو نهاراً في مصرٍ وغيرِه، أو شَهَرَ عليهِ عصاً ليلاً في مصر أو نهاراً في غيرِهِ فقتلَهُ المشهورُ عليه، ولا على مَن تبعَ سارقَهُ المخرجَ سرقتَهُ ليلاً فقتله، وقُتِلَ بقَتْلِ مَن شَهَرَ عصاً نهاراً في مصر، ويقتلُ مَن شهرَ سيفاً فضربَ ولم يقتل فرجعَ فقتلَهُ آخر، ويجبُ الدِّيَةُ بقتلِ مجنونٍ أو صبيٍّ شَهَرَ سيفاً على رجلٍ فقتلَهُ هو، عمداً في مالِه
(ولا في مَن شَهَرَ سلاحاً على رجلٍ ليلاً أو نهاراً في مصرٍ وغيرِه، أو شَهَرَ عليهِ عصاً ليلاً في مصر أو نهاراً في غيرِهِ فقتلَهُ المشهورُ عليه)، السِّلاحُ إذا شَهَرَهُ فلا شيءَ بقتلِهِ مطلقاً؛ لأنَّهُ غيرُ ملبث، والعصا إذا شَهَرَهُ ليلاً في مصرٍ أو نهاراً في غيرِهِ فلا شيءَ بقتلِهِ أيضاً؛ لأنَّهُ وإن كان ملبثاً ففي اللَّيلِ في المصر لا يلحقُهُ الغوث، وكذا في النَّهارِ في غيرِ المصر.
(ولا على مَن تبعَ سارقَهُ المخرجَ سرقتَهُ ليلاً فقتله)، هذا إذا لم يتمكَّن من الاسترداد إلا بالقتل؛ لقولِهِ ﷺ : «قاتلْ دونَ مالك» (١)، وكذا إذا قتلَهُ قبلَ الأخذ، إذا قصدَ أخذَ مالَه، ولا يتمكَّنُ من دفعه إلا بالقتل، وكذا إذا دخلَ رجلٌ دارَ رجلٍ بالسِّلاح، فغلبَ على ظنِّ صاحبِ الدَّارِ أنَّهُ جاءَ لقتلِهِ يحلُّ قتلُه.
(وقُتِلَ بقَتْلِ مَن شَهَرَ عصاً نهاراً في مصر)، فإنَّ العصا ملبث، والظَّاهرُ لحوقِ الغوثِ نهاراً في المصر، فلا يفضي إلى القتلِ غالباً خلافاً لهما.
(ويقتلُ مَن شهرَ سيفاً فضربَ ولم يقتل فرجعَ فقتلَهُ آخر)، فإنَّهُ إذا ضربَ ولم يقتل ورجعَ، عادتْ عصمتُه، فإذا قتلَهُ آخرَ فقد قتلَ معصوماً، فعليه القصاص (٢).
(ويجبُ الدِّيَةُ بقتلِ مجنونٍ أو صبيٍّ شَهَرَ سيفاً على رجلٍ فقتلَهُ هو): أي المشهورُ عليه، (عمداً في مالِه): أي يجبُ الدِّيَةُ في مالِه؛ لأنَّ العاقلةَ لا تتحمَّلُ العمد،