باب ما يوجب القود وما لا يوجب
هو يجبُ بقتلِ ما حُقِنَ دمُهُ أبداً عمداً، فيقتلُ الحرُّ بالحرِّ وبالعبد، والمسلمُ بالذِّمي لا هما بمستأمنٍ بل هو بنِدِّه، والعاقلُ بالمجنون، والبالغُ بالصَّبيّ، والصَّحيحُ بالأعمى والزَّمِن وناقصِ الأطراف، والرَّجلُ بالمرأة، والفرعُ بأصلٍ لا بعكسِه. ولا سيِّدٌ بعبدِه، ومدبَّرِه، ومكاتَبِه، وعبدِ ولده، وعبدِ بعضِه له، ولا بعبدِ الرَّهنِ حتى يجتمعَ عاقداه، وبمكاتبٍ قتلَ عمداً عن وفاء، ووارثٍ وسيِّدٍ وإن اجتمعا
باب ما يوجب القود وما لا يوجب
(هو يجبُ بقتلِ ما حُقِنَ دمُهُ أبداً عمداً): أي ما حُفِظَ دمُهُ أبداً، وهو المسلمُ والذِّميُّ، وأبداً: احترازٌ عن المستأمن، فإنّ حَقْنَ دمِهِ مؤقَّتٌ إلى رجوعِه.
(فيقتلُ الحرُّ بالحرِّ وبالعبد)، هذا عندنا، وعندَ الشَّافعيِّ (١) ﵁ لا يقتلُ الحرُّ بالعبد؛ لقولهِ تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْد﴾ (٢)، ولنا: أنّ النَّفسَ بالنَّفس، وقولُهُ: الحرُّ بالحرِّ؛ لا يدلُّ على النَّفي فيما عداهُ على أصلنا، على أنَّهُ إن دلَّ يجبُ أن لا يقتلَ العبدُ بالحرّ؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْد﴾، (والمسلمُ بالذِّمي): هذا عندنا، خلافاً للشَّافعيِّ (٣) ﵁، (لا هما بمستأمنٍ بل هو بنِدِّه): أي يقتلُ المستأمنُ بمثلِه، وهو المستأمن، (والعاقلُ بالمجنون، والبالغُ بالصَّبيّ، والصَّحيحُ بالأعمى والزَّمِن وناقصِ الأطراف، والرَّجلُ بالمرأة، والفرعُ بأصلٍ لا بعكسِه.
ولا سيِّدٌ بعبدِه، ومدبَّرِه، ومكاتَبِه، وعبدِ ولده، وعبدِ بعضِه له، ولا بعبدِ الرَّهنِ حتى يجتمعَ عاقداه)؛ لأنَّ المرتهنَ لا ملكَ له فلا يليه، والرَّاهنُ لو تولاَّهُ لبطلَ حقُّ المرتهنُ في الدَّين، فيشترطُ إجماعهما؛ ليسقطَ حقُّ المُرْتَهنِ برضاه.
(وبمكاتبٍ قتلَ عمداً عن وفاء، ووارثٍ وسيِّدٍ وإن اجتمعا)؛ لأنَّهُ ظهرَ الاختلافُ بينَ الصَّحابةِ ﵃ في موتِهِ حرَّاً أو رقيقاً، فإن ماتَ حُرَّاً فالوليُّ هو الوارث، وإن ماتَ رقيقاً فالوليُّ هو المولى، فاشتبه مَن له الحقُّ فلا يقتصُّ قاتلُه وإن اجتمعَ الوارثُ
стр. 1122
فإن لم يدعْ وارثاً غيرَ سيِّدِهِ أو تركَه ولا وفاءَ أقاد سيِّده، ويسقطُ قَوَدٌ ورثَهُ على أبيه، ولا يقادُ إلا بالسَّيف
والمولى، (فإن لم يدعْ وارثاً غيرَ سيِّدِهِ أو تركَه ولا وفاءَ أقاد سيِّده) (١)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁ خلافاً لمحمَّدٍ ﵁، وإن لم يتركْ وفاءً قادَ السيِّدُ أيضاً؛ لأنَّهُ متعيِّن.
(ويسقطُ قَوَدٌ ورثَهُ على أبيه): أي إذا قتلَ الأبُ شخصاً (٢)، وولي القصاصُ ابن القاتلِ يسقطُ القصاصُ لحرمةِ الأبوَّة.
(ولا يقادُ إلا بالسَّيف)، هذا عندنا، وعند الشَّافعيِّ (٣) ﵁: يفعلُ به مثلَ ما فعل، فإن ماتَ فيها، وإلا تجزُّ رقبتُهُ تحقيقاً للتَّسوية، ولنا: قولُهُ ﷺ : «لا قودَ إلا بالسَّيف» (٤)، وأيضاً يحتملُ أن لا يموتَ فيحتاجَ إلى جزِّ الرَّقبة، فلا تسوية.
стр. 1123
ويقيدُ أبو المعتوه قاطعُ يده، وقاتلُ قريبِه، ويصالحُ ولا يعفو، وللوصيِّ الصُّلحُ فقط والصَّبيِّ كالمعتوه، والقاضي كالأب، هو الصحيح، ويستوفي الكبيرُ قبلَ كِبَرِ الصَّغيرِ قَوَداً لهما، ويُقْتَصُّ في جرحٍ ثبتَ عياناً أو بحجّة، وجُعِلَ المجروحُ ذا فراشٍ حتى مات، وفي
(ويقيدُ أبو المعتوه قاطعُ يده، وقاتلُ قريبِه، ويصالحُ ولا يعفو (١)، وللوصيِّ الصُّلحُ فقط): أي ليس له العفوَ ولا القتل، إذ ليسَ له الولايةَ على نفسِهِ بل على ماله، والقتلُ قصاصٌ من باب الولايةِ على النَّفس، وليسَ له ولايةُ القصاصِ في الأطراف، (والصَّبيِّ كالمعتوه، والقاضي كالأب، هو الصحيح) (٢)، حتى يكونَ لأبيهِ ووصيِّهِ ما يكونُ لأبِ المعتوهِ ووصيِّه، والقاضي بمَنْزلةِ الأب.
(ويستوفي الكبيرُ قبلَ كِبَرِ الصَّغيرِ قَوَداً لهما)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وقالا (٣): ليسَ للكبيرِ ولايةُ القصاص حتى يدركَ الصَّغيرُ البلوغ؛ لأنَّهُ حقٌّ مشتركٌ كما إذا كان بين الكبيرَيْن وأحدهما غائب، له: أنّه حقٌّ لا يتجزَّأُ؛ لثبوتِهِ بسببٍ لا يتجزَّأ، وهو القرابةُ فيثبتُ لكلٍّ كملاً كما في ولايةِ الإنكاح، واحتمالُ العفوِ عن الصَّغيرِ منقطعٌ بخلافِ الكبيريْن.
(ويُقْتَصُّ في جرحٍ ثبتَ عياناً أو بحجّة، وجُعِلَ المجروحُ ذا فراشٍ حتى مات، وفي
стр. 1124
قتلٍ بحدٍّ مَرّ، لا في قتلٍ بظهرِهِ أو عوده، أو مثقل، أو خَنْق، أو تغريق، أو سوط والى في ضربهِ فمات، ولا في قتلِ مسلمٍ مسلماً ظنَّهُ مشركاً عند التقاءِ الصَّفين، بل يكَفِّرُ ويَدِي، وفي موتٍ بفعلِ نفسِه وزيد وسَبُع وحيَّةٍ ثلثُ الدِّيةِ على زيد، ويجبُ قتلُ مَن شَهَر سيفاً على المسلمين، ولا شيءَ بقتلِه
قتلٍ بحدٍّ مَرّ (١)، لا في قتلٍ بظهرِهِ أو عوده (٢)، أو مثقل، أو خَنْق، أو تغريق، أو سوط والى في ضربهِ فمات)، المَرُّ بالفارسيِّة كلند، وإن أصابَهُ بظهرِهِ فلا قصاصَ عندَ أبي حنيفةَ ﵁، وعنه وجوبِ القصاصِ نظراً إلى الآلة، وعنه: أنَّهُ يجب إذا جرح، وعندهما وعندَ الشَّافعيِّ ﵁: يجبُ وإن أصابَهُ بعودِ المَرّ، فإن كان ممَّا يطيقُهُ الإنسانُ فلا قصاصَ بالاتَّفاق، وإن كان ممَّا لا يطيقُهُ ففيه خلافٌ كما مَرَّ، وفي الخنقِ والتَّغريقِ لا قصاصَ عند أبي حنيفةَ ﵁ خلافاً لغيره، وفي موالاةِ السَّوطِ لا قصاصَ خلافاً للشَّافعيّ (٣) ﵁.
(ولا في قتلِ مسلمٍ مسلماً ظنَّهُ مشركاً عند التقاءِ الصَّفين، بل يكَفِّرُ ويَدِي): أي يعطي الدِّيَة.
(وفي موتٍ بفعلِ نفسِه وزيد وسَبُع وحيَّةٍ ثلثُ الدِّيةِ على زيد)؛ لأنَّهُ ماتَ بثلاثةِ أفعال، ففعلُ السَّبُعِ والحيَّةِ جنسٌ واحدٌ لكونِهِ هدراً مطلقاً، وفعلُ نفسِهِ جنسٌ آخر، وهو أنَّهُ هدرٌ في الدُّنيا لا في الآخرة، وفعلُ زيدٍ جنسٌ آخر، فيجبُ ثلثُ الدِّية. أقول: يجبُ أن ينظرَ إلى ما هو مؤثِّرٌ في الموت، وينظرُ إلى اتِّحادِهِ وتعدُّدِه، فالسَّبُعُ والحيَّةُ اثنان، ولا اعتبارَ في ذلكِ لكونهما هدراً.
(ويجبُ قتلُ مَن شَهَر سيفاً على المسلمين، ولا شيءَ بقتلِه)، فإن قلت: لَمَّا قال يجبُ قتلُ مَن شَهَر، فما الاحتياجُ إلى قولِه: لا شيءَ بقتلِه، قلت: يحتملُ أن يجبَ قتلُهُ دفعاً للشرّ، ومع ذلكَ يجبُ بقتلِهِ شيء.
стр. 1125
ولا في مَن شَهَرَ سلاحاً على رجلٍ ليلاً أو نهاراً في مصرٍ وغيرِه، أو شَهَرَ عليهِ عصاً ليلاً في مصر أو نهاراً في غيرِهِ فقتلَهُ المشهورُ عليه، ولا على مَن تبعَ سارقَهُ المخرجَ سرقتَهُ ليلاً فقتله، وقُتِلَ بقَتْلِ مَن شَهَرَ عصاً نهاراً في مصر، ويقتلُ مَن شهرَ سيفاً فضربَ ولم يقتل فرجعَ فقتلَهُ آخر، ويجبُ الدِّيَةُ بقتلِ مجنونٍ أو صبيٍّ شَهَرَ سيفاً على رجلٍ فقتلَهُ هو، عمداً في مالِه
(ولا في مَن شَهَرَ سلاحاً على رجلٍ ليلاً أو نهاراً في مصرٍ وغيرِه، أو شَهَرَ عليهِ عصاً ليلاً في مصر أو نهاراً في غيرِهِ فقتلَهُ المشهورُ عليه)، السِّلاحُ إذا شَهَرَهُ فلا شيءَ بقتلِهِ مطلقاً؛ لأنَّهُ غيرُ ملبث، والعصا إذا شَهَرَهُ ليلاً في مصرٍ أو نهاراً في غيرِهِ فلا شيءَ بقتلِهِ أيضاً؛ لأنَّهُ وإن كان ملبثاً ففي اللَّيلِ في المصر لا يلحقُهُ الغوث، وكذا في النَّهارِ في غيرِ المصر.
(ولا على مَن تبعَ سارقَهُ المخرجَ سرقتَهُ ليلاً فقتله)، هذا إذا لم يتمكَّن من الاسترداد إلا بالقتل؛ لقولِهِ ﷺ : «قاتلْ دونَ مالك» (١)، وكذا إذا قتلَهُ قبلَ الأخذ، إذا قصدَ أخذَ مالَه، ولا يتمكَّنُ من دفعه إلا بالقتل، وكذا إذا دخلَ رجلٌ دارَ رجلٍ بالسِّلاح، فغلبَ على ظنِّ صاحبِ الدَّارِ أنَّهُ جاءَ لقتلِهِ يحلُّ قتلُه.
(وقُتِلَ بقَتْلِ مَن شَهَرَ عصاً نهاراً في مصر)، فإنَّ العصا ملبث، والظَّاهرُ لحوقِ الغوثِ نهاراً في المصر، فلا يفضي إلى القتلِ غالباً خلافاً لهما.
(ويقتلُ مَن شهرَ سيفاً فضربَ ولم يقتل فرجعَ فقتلَهُ آخر)، فإنَّهُ إذا ضربَ ولم يقتل ورجعَ، عادتْ عصمتُه، فإذا قتلَهُ آخرَ فقد قتلَ معصوماً، فعليه القصاص (٢).
(ويجبُ الدِّيَةُ بقتلِ مجنونٍ أو صبيٍّ شَهَرَ سيفاً على رجلٍ فقتلَهُ هو): أي المشهورُ عليه، (عمداً في مالِه): أي يجبُ الدِّيَةُ في مالِه؛ لأنَّ العاقلةَ لا تتحمَّلُ العمد،
стр. 1126
والقيمة في قتلِ جمل صالَ عليه.
باب القود فيما دون النفس
هو فيما يمكنُ حفظُ المماثلةِ فقط، فيقتصُّ قاطعُ اليدِ عمداً من المفصل، وإن كانتْ يدُهُ أكبرَ ممَّا قطعَ كالرِّجل، ومارنِ الأنف، والأذنُ والعينُ إذا ضربتْ فذهبَ ضوؤها، وهي قائمةٌ فيجعلُ على وجهِهِ قطنٌ رطب، ويقابلُ عينَهُ بمرآةٍ محمَّاة، ولو قلعتْ لا، وكلُّ شجَّة تراعى فيها المماثلة، ولا قَوَدَ في عظمٍ إلاَّ في السِّنِّ فيقلعُ إن قلعت، وتبردُ إن كسرت، ولا بينَ رجلٍ وامرأة، وبينَ حرِّ وعبد، وبين عبدَيْن في الطّرف
(والقيمةُ): أي يجبُ القيمة، (في قتلِ جمل صالَ عليه)، هذا عندنا؛ لأنَّه قتلَ شخصاً معصوماً، وأتلفَ مالاً معصوماً؛ لأنَّ فعلَ الصَّبيِّ والمجنونِ والدَّابةُ لا يسقطُ العصمة، وإنَّما لا يجبُ القصاصُ لوجودِ المبيحِ وهو دفعُ الشَّرّ، وعن أبي يوسفَ ﵁: أنَّهُ يجبُ الضَّمانِ في الدَّابّةِ لا في الصَّبيِّ والمجنون؛ لأنَّ عصمتُهما لحقِّهما، فتسقطُ بفعلهما، وعصمةُ الدَّابةِ لحقِّ صاحبها فلا يسقطُ بفعلهما، وعند الشَّافعيِّ ﵁: لا يجبُ الضَّمانُ في شيءٍ أصلاً؛ لأنَّهُ قتلَ لدفعِ الشَّرِّ كما في العاقلِ البالغ.
باب القود فيما دون النفس
(هو فيما يمكنُ حفظُ المماثلةِ فقط، فيقتصُّ قاطعُ اليدِ عمداً من المفصل)، إنَّما قال: من المفصل، احترازاً عمَّا إذا قطعَ من نصفِ السَّاعد، أو من نصفِ السَّاقِ إذ لا يمكنُ حفظُ المماثلة، (وإن كانتْ يدُهُ أكبرَ ممَّا قطعَ كالرِّجل، ومارنِ الأنف)، فإنَّ الرِّجلَ إذا قطعتْ من المفصلِ يجبُ القصاص، وفي مارنِ الأنف يجبُ القصاصُ لا في قصبةِ الأنف؛ لأنَّهُ لا يمكنُ فيها حفظُ المماثلة.
(والأذنُ والعينُ إذا ضربتْ فذهبَ ضوؤها، وهي قائمةٌ فيجعلُ على وجهِهِ قطنٌ رطب، ويقابلُ عينَهُ بمرآةٍ محمَّاة، ولو قلعتْ لا) إذ في القلعِ لا يمكنُ رعايةُ المماثلة.
(وكلُّ شجَّة تراعى فيها المماثلة): كالموضِّحَة: وهي أن يظهرَ العظم.
(ولا قَوَدَ في عظمٍ إلاَّ في السِّنِّ فيقلعُ إن قلعت، وتبردُ إن كسرت، ولا بينَ رجلٍ وامرأة، وبينَ حرِّ وعبد، وبين عبدَيْن في الطّرف)، هذا عندنا، وعندَ الشَّافعيِّ (١) ﵁:
стр. 1127
ولا في قطعِ يدٍ من نصفِ السَّاعد، وجائفةٍ برأت، واللِّسانِ والذَكَرِ إلا أن يقطعَ الحشفة، وطَرْفُ المسلمِ والذِّميِّ سواء، وخُيِّر المجنيُّ عليه إن كانت يدُ القاطعِ شلاّء، أو ناقصةَ بأصبع، أو الشَّجةُ لا تستوعبُ ما بينَ قرنَيْ الشَّاج، واستوعبَ ما بينَ قرنَي المشجوج.
[فصل]
ويسقطُ القَوَدُ بموتِ القاتل، وبعفوِ الأولياء، وبصلحِهم على مالٍ قلَّ أو جلّ
يجبُ القصاصَ إلا إذا قطعَ الحرُّ طرفَ العبد؛ فإنَّهُ لا قصاصَ عندهُ أيضاً، وإنَّما لا يجري القصاصُ عندنا؛ لأنَّ الأطرافَ يسلكُ بها مسلكُ الأموالِ فتنعدم المماثلةُ بالتَّفاوتِ في القيمة.
(ولا في قطعِ يدٍ من نصفِ السَّاعد، وجائفةٍ برأت)، فإنَّ الجائفةَ إذا برأت لا يجري فيها القصاص؛ لأنَّ البرءَ فيها نادرٌ، فالظَّاهرُ أنَّ الثَّاني يفضي إلى الهلاك، أمَّا إذا لم تبرأ، فإن كانت ساريةً يجبُ القصاص، فإن لم تسرِ بَعْدُ لا يقتصُّ إلى أن يظهرَ الحالُ من البرءِ والسِّراية، (واللِّسانِ والذَكَرِ إلا أن يقطعَ الحشفة)، هذا عندنا؛ لأنَّ الانقباضَ والانبساطُ يجري فيهما فلا تراعى المماثلة، وعن أبي يوسفَ ﵁: إن كانَ القطعُ من الأصلِ يقتصّ.
(وطَرْفُ المسلمِ والذِّميِّ سواء، وخُيِّر المجنيُّ عليه إن كانت يدُ القاطعِ شلاّء، أو ناقصةَ بأصبع، أو الشَّجةُ لا تستوعبُ ما بينَ قرنَيْ الشَّاج، واستوعبَ ما بينَ قرنَي المشجوج): أي شجَّ رجلٌ رجلاً موضحةٌ حتى وجبَ القصاص، والشَّجةُ طولها مقدارُ شبر، والرَّأسُ المشجوجُ صغيرٌ استوعبَ الشَّجَّةِ ما بينَ قرنيه، ورأسُ الشَّاجِّ عظيمٌ لا تستوعبُ الشَّجُّة وهي شبرٌ ما بينَ قرنيهِ فالشِّبرُ الذي لحقَ المشجوجَ أكثرَ ممَّا يلحقُ الشَّاج، فالمشجوجُ بالخيارِ إن شاءَ اقتصّ، وإن شاءَ أخذَ الأرش (١).
[فصل]
(ويسقطُ القَوَدُ بموتِ القاتل، وبعفوِ الأولياء، وبصلحِهم على مالٍ قلَّ أو جلّ،
стр. 1128
ويجبُ حالاً، وبصلحِ أحدهم وبعفوِه، ولمَن بقي حصَّتُهُ من الدِّية، فإن صالحَ بألف وكيلَ سيِّدِ عبدٍ وحرّ قتلا فالصُّلحُ عن دمهما بألف بنصف، ويقتلُ جمعٌ بفرد، وبالعكسِ اكتفاءً إن حضرَ وليُّهم، وإن حضرَ واحدٌ قتلَ له، وسقطَ حقُّ البقيَّة، ولا يقطعُ يدانِ بيد، وإن أمرَّا سكيناً على يدٍ فقطعت، وضمنا ديِّتها
ويجبُ حالاً): أي إن لم يذكرْ الحلولَ والتَّأجيلَ يجبُ حالاً، ولا يكونُ كالدِّيَةِ مؤجَّلاً، (وبصلحِ أحدهم وبعفوِه (١)، ولمَن بقي حصَّتُهُ من الدِّية): أي لمَن بقي من الورثة، فإنَّ القصاصَ والدِّيَةِ حقُّ جميعِ الورثةِ عندنا، خلافاً لمالكِ ﵁ والشَّافعيِّ (٢) ﵁ في الزَّوجين.
(فإن صالحَ بألف وكيلَ سيِّدِ عبدٍ وحرّ قتلا فالصُّلحُ عن دمهما بألف بنصف): أي إن كان القاتلُ حرَّاً وعبداً، فأمرَ الحرُّ ومولى العبدِ رجلاً بأن يصالحَ من دمهما على ألفٍ ففعل، فالألفُ على الحرِّ والمولى نصفان.
(ويقتلُ جمعٌ بفرد، وبالعكسِ اكتفاءً إن حضرَ وليُّهم): أي يقتلُ فردٍ بجمع، ويكتفى بقتلِه، ولا شيءَ لأوليائِهم غيرَ ذلك خلافاً للشَّافِعِيِّ (٣) ﵁ فإنَّ عندهُ يقتلُ للأوَّلِ ويجبُ للباقينَ المال، وإن لم يَدْرِ الأوَّلُ قتل لهم جميعاً، وقَسَّمَ الدِّياتِ بينهم، وقيلَ: يقرعُ فيقتلُ لمَن خرجتْ قرعتُه، (وإن حضرَ واحدٌ قتلَ له، وسقطَ حقُّ البقيَّة): أي إن حضرَ وليٌّ واحدٍ قُتِلَ له، وسقطَ حقُّ الباقين عندنا.
(ولا يقطعُ يدانِ بيد، وإن أمرَّا سكيناً على يدٍ فقطعت، وضمنا ديِّتها)، هذا عندنا، وعندَ الشَّافعيِّ (٤) ﵁: إذا أخذَ رجلانِ سكيناً وأمرَّا على يدِ آخرِ تقطعُ يدُهُما
стр. 1129
فإن قطعَ رجلٌ يَمِيْنَيْ رجلَيْن فلهما يمينه، وديةُ يدٍ فإن حضرَ أحدهما وقطع، فللآخرِ الدِّية، ويقادُ عبد أقرَّ بقَوَد، ومَن رمى رجلاً عمداً فنفذَ إلى آخر فماتا، يُقْتَصُّ للأوَّل، وعلى عاقلتِهِ الدِّيَةُ للثَّاني.
[فصل في الفعلين]
ومَن قطعَ يدَ رجلٍ ثمَّ قتلَهُ أخذَ بهما في عمدين، ومختلفين برأ بينهما أو لا، وخطأين بينهما برءٌ، وكفتْ دِيَةٌ إن لم يبرأ بين هذين
اعتباراً بالنَّفس، ولنا: أنّ الانقطاعَ وقعَ باعتمادهما، والمحلُّ متجزئ، فيضافُ إلى كلِّ واحدٍ البعضُ بخلافِ النَّفس، فإنَّ زهوقَ الرُّوحِ غيرُ متجزّئ.
(فإن قطعَ رجلٌ يَمِيْنَيْ رجلَيْن فلهما يمينه، وديةُ يدٍ فإن حضرَ أحدهما وقطع، فللآخرِ الدِّية)، هذا عندنا سواءُ قطعهما على التَّعاقبِ أو معاً، وعندَ الشَّافعيِّ ﵁: في التَّعاقبِ يقطعُ بالأوَّل، وفي القِرانِ يقرع.
(ويقادُ عبد أقرَّ بقَوَد)، هذا عندنا؛ لأنَّهُ غيرُ متَّهمٍ فيه؛ لأنَّهُ مضرٌّ به؛ ولأنَّه مُبَقَّىً على أصلِ الحريَّةِ في حقِّ الدَّم، وعندَ زفرَ ﵁: لا يصحُّ إقرارُهُ كما في المالِ لملاقاتِهِ حقَّ المولى.
(ومَن رمى رجلاً عمداً فنفذَ إلى آخر فماتا، يُقْتَصُّ للأوَّل، وعلى عاقلتِهِ الدِّيَةُ للثَّاني)؛ لأنَّ الأوَّلَ عمد، والثَّاني خطأ (١).
[فصل في الفعلين]
(ومَن قطعَ يدَ رجلٍ ثمَّ قتلَهُ أخذَ بهما في عمدين، ومختلفين برأ بينهما أو لا، وخطأين بينهما برءٌ، وكفتْ دِيَةٌ إن لم يبرأ بين هذين)، هذه ثمانيةُ مسائل؛ لأنَّ القطعَ إما عمدٌ أو خطأٌ، ثمَّ القتلُ كذلك، صارَ أربعة، ثمِّ إمَّا أن يكونَ بينهما برءٌ أو لا يكون، صارَ ثمانية.
стр. 1130
كما في ضربِ مئةِ سوطٍ بَرِأَ من تسعين وماتَ من عشرة، وتجب حكومةُ عدلٍ في مئةِ سوطٍ جرحتْهُ وبقي أثرها
فإن كان كلُّ واحدٍ عمداً، فإن كانَ برءٌ بينهما يقتصُّ بالقطعِ ثمَّ بالقتل، وإن لم يبرأ فكذا عند أبي حنيفةَ ﵁؛ لأنَّ القطعَ ثمَّ القتلَ هو المثلُ صورةً ومعنى، وعندهما: يقتلُ ولا يقطع، فدخلَ جزاءُ القطعِ في جزاءِ القتل، وتحقيق هذا في أصولِ الفقهِ (١) في الأداءِ والقضاء.
وإن كان كلٌّ منهما خطأً، فإن كان بَرِءَ بينهما أُخِذَ بهما: أي يجبُ دِيَةُ القطعِ والقتل، وإن لم يبرأ بينهما كفتْ دِيَةُ القتل؛ لأنَّ ديةَ القطعِ إنَّما يجبُ عند استحكامِ أثرِ الفعل، وهو أن يُعْلَمَ عدمُ السِّراية، والفرقُ بين هذه الصُّورةِ وبين عمدين لا برء بينهما، أنَّ الدِّيَةَ مِثْلٌ غيرُ معقول، فالأصلُ عدمُ وجوبها بخلافِ القصاص؛ فإنَّهُ مِثْلٌ معقول.
وإن قطعَ عمداً ثمَّ قتلَ خطأ، سواءٌ بَرِءَ بينهما أو لم يبرأ أخذَ بالقتلِ والقطع: أي يقتصُّ للقطعِ وتؤخذُ دِيَةُ النَّفس.
وإن قطعَ خطأ ثمَّ قتلَ عمداً، سواءٌ برء بينهما أو لا، تؤخذُ الدِّيَةُ للقطع، ويقتصُّ للقتل، لاختلافِ الجنايتَيْن؛ لأنَّ أحدَهما عمد، والآخرَ خطأ.
(كما في ضربِ مئةِ سوطٍ بَرِأَ من تسعين (٢) وماتَ من عشرة)، فإنَّهُ يكتفى بدِيَةٍ واحدة؛ لأنَّهُ لَمَّا بَرِأَ من تسعين لم يبقَ معتبرةً إلا في حقِّ التَّعزير، وكذا كلُّ جراحِهِ (٣) اندملت، ولم يبقَ لها أثرٌ على أصلِ أبي حنيفةَ ﵁، وعن أبي يوسفَ ﵁: في مثلِهِ حكومةُ عدل، وعن محمَّدٍ ﵁: أجرةُ الطَّبيب، (وتجب حكومةُ عدلٍ في مئةِ سوطٍ جرحتْهُ وبقي أثرها): سيأتي في «كتابِ الدِّيات» تفسيرُ حكومةُ العدل (٤).
стр. 1131
ومَن قطعَ يدَ رجل فعفا عن القطع، فماتَ منه ضَمِنَ له قاطعه دِيْتَه، ولو عفا عن الجناية أو عن القطع وما يحدثُ منه، فهو عفوٌ عن النَّفسِ والخطأ من ثلثِ مالِه، والعمدُ من كلِّه، وكذا الشَّجَّة، فإن قطعتْ امرأةٌ يدَ رجلٍ فنكحَها على يدِه، ثمَّ ماتَ يجبُ مهرِ مثلها، ودِيَةُ يدِه في مالها إن تعمَّدت، وعلى عاقلتِها إن أخطأت
(ومَن قطعَ (يدَ رجل) (١) فعفا عن القطع، فماتَ منه ضَمِنَ له قاطعه دِيْتَه)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وقالا: لا يجبُ شيء؛ لأنَّ العفوَ عن القطعِ عفوٌ عن موجبِه، وهو القطعُ إن لم يَسْر، والقتلُ إن سرى، له: أنّه عفى عن القطع، فإذا سرى عَلِمَ أنَّهُ كان قتلاً لا قطعاً، وإنَّما لا يجبُ القصاصُ بشبهةِ العفو.
(ولو عفا عن الجناية أو عن القطع وما يحدثُ منه، فهو عفوٌ عن النَّفسِ والخطأ من ثلثِ مالِه، والعمدُ من كلِّه): أي إذا كانت الجنايةُ خطأ، وقد عفا عنها فهو عفوٌ عن الدِّيَة، فيعتبرُ من الثُّلُث؛ لأنَّ الدِّيةَ مالٌ فحقُّ الورثةِ يتعلَّقُ بها، فالعفوُ وصيةٌ فيصحُّ من الثُّلث، وأمَّا العمدُ فموجبُهُ القَوَدُ وهو ليسَ بمالٍ فلم يتعلَّقُ به حقُّ الورثةِ فيصحُّ العفوُ عنه على الكمال، فإن قلت: القودُ إنَّما يجبُ بعد الموتَ تشفيَّاً لصدورِ الأولياء، فينبغي أن لا يصحَّ عفو المقتول، قلت: السَّببُ انعقدَ في حقِّهِ فيعتبرُ، وسيأتي كيفيَّةُ وجوبِ القَوَد (٢)، (وكذا الشَّجَّة): أي لو كانتْ مقامَ القطعِ الشَّجة، فهي على الخلافِ المذكور.
(فإن قطعتْ امرأةٌ يدَ رجلٍ فنكحَها على يدِه، ثمَّ ماتَ (٣) يجبُ مهرِ مثلها، ودِيَةُ يدِه في مالها إن تعمَّدت، وعلى عاقلتِها إن أخطأت): أي إن قطعتِ امرأةٌ يدَ رجلٍ عمداً فنكحَها على يدِه فهو نكاحٌ:
إمَّا على الموجبِ الأصليِّ للقطعِ العمدِ وهو القصاصُ في الطَّرْف، فهو لا يصلحُ مهراً، فيجبُ مهرُ المثل، وعليها الدِّيَةُ في مالها.
стр. 1132
فإن نكحَها على اليد وما يحدثُ منها أو على الجنايةِ ثمَّ مات، ففي العمدِ مهرُ المثل، وفي الخطأ رفعٌ عن العاقلةِ مهرُ مثلها، والباقي وصيَّةٌ لهم، فإن خرجَ من الثُّلث سقطَ، وإلا سقطَ ثلثُ المال، فإن ماتَ المقتصُّ له بقطع، قتلَ المقتصُّ منه، وضَمِنَ دِيَةَ النَّفسِ مَن قطعَ قَوَداً فسرى
وإمّا على ما هو واجبٌ بهذا القطعِ وهو الدِّيَة، فإنَّهُ لا قصاصَ بينَ الرَّجلِ والمرأةِ في الطَّرْف، ثمَّ إذا سرى، ظهرَ أنَّ اليدَ غيرُ واجبةٍ فيجبُ مهرُ المثل، وإن قطعتْ خطأً يجبُ مهرُ المثلِ أيضاً لهذا، وديةُ النَّفسِ على العاقلةِ فلا مقاصَّةَ هاهنا بخلافِ العمد.
(فإن نكحَها على اليد وما يحدثُ منها أو على الجنايةِ ثمَّ مات، ففي العمدِ مهرُ المثل، وفي الخطأ رفعٌ عن العاقلةِ مهرُ مثلها، والباقي وصيَّةٌ لهم، فإن خرجَ من الثُّلث سقطَ، وإلا سقطَ ثلثُ المال)، إنَّما يجبُ مهرُ المثلِ في العمد؛ لأنَّ هذا تزوَّجٌ على القصاص، وهو لا يصلحُ مهراً فيجبُ مهر المثل، ولا شيءَ عليها بسببِ القتل؛ لأنَّ الواجبَ القصاص، وقد أسقطَه.
وإن كانَ خطأً يرفعُ عن العاقلةِ مهرَ مثلها؛ لأنَّ هذا تزوُّجٌ على الدِّيَة، وهي تصلحُ مهراً، فإن كان مهرُ المثلِ مساوياً للدِّيَة، ولا مالَ له سوى هذا، فلا شيءَ على العاقلة؛ لأنَّ التَّزوُّجَ من الحوائجِ الأصليَّةِ فيعتبرُ من جميعِ المال، وإن كان مهرُ المثلِ أكثرَ لا يجبُ الزِّيادة؛ لأنَّها رضيتْ بأقلَّ من مهرِ المثل، وإن كان مهرُ المثلِ أقلَّ فالزِّيادةُ وصيَّةٌ للعاقلة، وتصحُّ لأنَّهم ليسوا بقتلة، وتعتبرُ من الثُّلث، فإن خرجتْ من الثُّلث سقطت، وإلا يسقطُ مقدارُ ثلثِ المال، وهذا الفرقُ بينَ التَّزوِّجِ على اليد وبينَ التَّزوُّجِ على الجنايةِ على قولِ أبي حنيفة ﵁، وأمَّا عندهما فالحكمُ في التَّزوُّجِ على اليدِ كما ذكرنا في هذه المسألة، وهي التَّزوُّجُ على الجناية.
(فإن ماتَ المقتصُّ له بقطع، قتلَ المقتصُّ منه): أي مَن قطعَ يدَه فاقتصَّ له من اليدِ ثمَّ مات، فإنَّهُ يقتلُ المقتصُّ منه، وعند أبي يوسفَ ﵁: لا يقتل؛ لأنَّهُ لمَّا أقدمَ على القطعِ قصاصاً أبرأه عمَّا وراءه، قلنا: استيفاءُ القطعِ لا يوجبُ سقوطَ القَوَد، كمَن له القَوَدُ إذا قطعَ يدَ مَن عليه القَوَد (١).
(وضَمِنَ دِيَةَ النَّفسِ مَن قطعَ قَوَداً فسرى): أي مَن له القصاصُ في الطَّرفِ
стр. 1133
وأرشُ اليد من قطعِ يدِ مَن له عليه قودُ نفسٍ فعفا عنه.
باب الشهادة في القتل واعتبار حالته
القَوَدُ يثبتُ بدأ للورثِةِ لا إرثاً، فلا يصيرُ أحدُهم خصماً عن البقيَّة
فاستوفاهُ فسرى إلى النَّفسِ يضمنُ دِيَةَ النَّفسِ عند أبي حنيفةَ ﵁؛ لأنَّ حقَّهُ في القطع، وقد قتل، وعندهما (١) لا يضمنُ شيئاً؛ لأنَّهُ استوفى حقَّهُ وهو القطع، ولا يمكنُهُ التَّقييدُ بوصفِ السَّلامة، لما فيه من سدِّ بابِ القصاص، والاحترازِ عن السِّرايةِ ليسَ في وسعِه.
(وأرشُ اليد من قطعِ يدِ مَن له عليه قودُ نفسٍ فعفا عنه): أي قطعَ وليُّ القتيلِ يدَ القاتل، ثمَّ عفا عن القتلِ ضَمِنَ ديةَ اليدِ عند أبي حنيفةَ ﵁؛ لأنَّهُ استوفى غيرَ حقِّهِ لكن لا يجبُ القصاصُ للشُّبهة، وعندهما: لا يضمنُ شيئاً؛ لأنَّهُ استحقَّ إتلافَ النَّفسِ بجميعِ أجزائِهِ فأتلفَ البعض، فإذا عفا، فهو عفوٌ عمَّا وراءَ هذا البعضِ فلا يضمن شيئاً.
باب الشهادة في القتل واعتبار حالته
(القَوَدُ يثبتُ بدأ للورثِةِ لا إرثاً)، اعلمْ أنَّ القصاصَ يثبتُ للورثةِ ابتداءً عند أبي حنيفةَ ﵁؛ لأنَّهُ يثبتُ بعد الموت، والميْتُ ليس أهلاً لأن يملكَ شيئاً إلا ما له إليه حاجةٌ كالمالِ مثلاً، فطريقُ ثبوتِهِ الخلافة، وعندهما: طريقُ ثبوتِهِ الوراثة، والفرقُ بينهما أنَّ الوراثةَ تستدعي سبقَ ملكِ المورِّثِ، ثمَّ الانتقالُ منه إلى الوارث، والخلافةُ لا تستدعي ذلك، فالمرادُ بالخلافةِ هنا أن يقومَ شخصٌ مقامَ غيرِهِ في إقامةِ فعلِه، ففي القتلِ إذا اعتدى القاتلُ على المقتولِ فالحقُّ أن يعتدي المقتولُ بمثلِ ما اعتدى عليه، لكنَّهُ عاجزٌ عن إقامتِه، فالورثةُ قاموا مقامَهُ من غيرِ أنَّ المقتولَ ملكَه، ثمَّ انتقلَ منه إلى الورثة.
ثمَّ إذا ثبتَ هذا الأصلُ فرَّعَ عليه قوله: (فلا يصيرُ أحدُهم خصماً عن البقيَّة)، اعلم أنَّ كلَّ ما يملكُهُ الورثةُ بطريقِ الوراثة، فأحدُهم خصمٌ عن الباقين: أي قائمٌ مقامَ الباقينَ في الخصومةِ حتى إن ادَّعى أحدُ الورثةِ شيئاً من التَّركةِ على أحد، وأقامَ بيِّنةَ يثبتُ حقُّ الجميع، فلا يحتاجُ الباقونَ إلى تجديدِ الدَّعوى، وكذا إذا ادَّعى أحدٌ على أحدِ الورثةِ شيئاً من التَّركة، وأقامَ البيَّنةَ عليه يثبتُ على الجميع، حتى لا يحتاجَ المدَّعي إلى أن يدَّعي على كلِّ واحد، وما يملكُهُ الورثةُ لا بطريقِ الوراثةِ لا يصيرُ أحدُهُم خصماً عن الباقين.
стр. 1134
فلو أقامَ حجَّةً بقتلِ أبيه غائباً أخوه فحضرَ يعيدها، وفي الخطأ والدَّينِ لا، فلو بَرْهَنَ القاتلُ على عفوِ الغائب، فالحاضرُ خصمٌ، وسقطَ القَوَد، وكذا لو قُتِلَ عبدٌ بينَ رجلَيْن أحدهما غائب، فإن شَهِدَ وليَّا قَوَدٍ بعفوِ أخيهما بطلت، وهي عفوٌ منهما، فإن صدَّقَهُما القاتلُ وحده، فلكلِّ منهم ثلثُ الدِّية، وإنَّ كذَّبهما فلا شيءَ لهما، وللآخرِ ثلثُ الدِّيَة، وإن صدَّقهما الأخُ فقطُ فلهُ الثُّلث
ففرَّعَ على هذا قوله: (فلو أقامَ حجَّةً بقتلِ أبيه غائباً أخوه فحضرَ يعيدها): أي فلو أقامَ أحدُ الورثةِ بيِّنةً وأخوهُ غائبٌ أنَّ فلاناً قتلَ أباهُ عمداً يريدُ القصاص، ثمَّ حضرَ أخوهُ يحتاجُ إلى إعادةِ إِقامةِ البيِّنةِ عند أبي حنيفةَ ﵁ خلافاً لهما.
(وفي الخطأ والدَّينِ لا): أي إذا كان القتلُ خطأ لا يحتاجُ إلى إعادةِ البيِّنة؛ لأنَّ موجبُهُ المال، وطريقُ ثبوتِهِ الميراث، وفي الدَّينِ إذا أقامَ أحدُ الورثةِ البيِّنةَ أنَّ لأبيهِ على فلانٍ كذا، فحضرَ أخوهُ لا يحتاجُ إلى إقامةِ البيِّنة.
(فلو بَرْهَنَ القاتلُ على عفوِ الغائب، فالحاضرُ خصمٌ، وسقطَ القَوَد): أي إذا كانَ بعضُ الورثةِ غائباً، والبعضُ حاضراً، فأقامَ القاتلُ البيِّنةَ على الحاضرِ أنَّ الغائبَ قد عفى، فالحاضرُ خصمٌ؛ لأنَّهُ يدَّعي على الحاضرِ سقوطَ حقِّهِ في القصاص، وانتقالِهِ إلى مال، فيكونُ خصماً.
(وكذا لو قُتِلَ عبدٌ بينَ رجلَيْن أحدهما غائب): أي عبدٌ مشتركٌ بينَ رجلَيْن، أحدُهما غائب، قتلَ عمداً، فادَّعى القاتلُ على الحاضرِ أنَّ الغائبَ قد عفى، فالحاضرُ خصمٌ وسقطَ عنه القَوَدُ لما ذكرنا (١).
(فإن شَهِدَ وليَّا قَوَدٍ بعفوِ أخيهما بطلت، وهي): أي الشَّهادة، (عفوٌ منهما، فإن صدَّقَهُما القاتلُ وحده، فلكلِّ منهم ثلثُ الدِّية، وإنَّ كذَّبهما فلا شيءَ لهما، وللآخرِ ثلثُ الدِّيَة، وإن صدَّقهما الأخُ فقطُ فلهُ الثُّلث)، هكذا ذكرَ في «الهداية» (٢) وفيه نوعُ نظر؛ لأنَّهُ إن أريدَ بالشَّهادةِ حقيقتُهما، فهي لا تكونُ بدونِ الدَّعوى، والمدِّعي هو القاتل، فكيفَ يكونُ تكذيبِ القاتلِ من أقسامِ هذهِ المسألة، وإن أريدَ بالشَّهادةِ مجرَّدُ الإخبارِ لا يصحُّ الحكمُ بالبطلانِ مطلقاً، إذ هو مخصوصٌ بما إذا كذَّبهما، ومن الأقسامِ ما إذا صدَّقهما الأخ، وحينئذٍ لا يبطلُ الإخبار.
стр. 1135
وإن اختلفَ شاهدا القتلِ في زمانِهِ أو مكانِهِ أو آلته، أو قالَ شاهد: قتلَهُ بعصا، وقال الآخر: جهلتُ آلةَ قتله، لغت، وإن شهدا بقتلِه، وقالا: جهلنا آلتَهُ تجبُ الدِّيَة
وأيضاً الأقسامُ أربعةٌ ولم يذكرْ إلا الثَّلاثة، فالحقُّ أن يقال: فإن أخبرَ وليَّا قَوَدٍ بعفوِ أخيهما، فهو عفوٌ للقصاصِ منهما:
فإن صدَّقهما القاتلُ والأخُ فلا شيءَ له، ولهما ثُلُثا الدِّيَة.
وإن كذَّباهما فلا شيءَ للمخبرَيْن ولأخيهما ثلثُ الدِّية.
وإن صدَّقهما القاتلُ وحدَهُ فلكلٍّ منهم ثلثُ الدِّية.
وإن صدَّقهما الأخُ فقطْ فله ثلثُ الدَّيَة.
أمَّا الأوَّلُ؛ وهو تصديقهما فظاهر.
وأمَّا الثَّاني: وهو تكذيبُهما؛ فلأنَّ إخبارَهما بعفوِ الأخِ إقرارٌ بأنَّ لا حقَّ لهما في القصاص، فلا قصاصَ لهما، ولا مال لتكذيبِ القاتلِ والأخ، ثمَّ للأخِ ثلثُ الدِّيَة؛ لأنَّ حقَّ المخبريْن لَمَّا سقطَ في القصاصِ سقطَ حقُّ الأخِ لعدمِ تجزِّيه، وانتقلَ إلى المال، إذ لم يثبتْ عفوُه؛ لأنَّ إخبارَ المخبرينَ بعفوِهِ لم يصحَّ؛ لأنَّهما يجرَّانِ به نفعاً، وهو انتقالُ حقِّهما إلى المال.
وأمَّا الثَّالث؛ وهو تصديقُ القاتلِ فقط، فإنَّ للأخِ ثلثُ الدِّيَةِ لما ذكرنا (١)، وكذا لكلِّ من المخبرين، بتصديقِ القاتل؛ لأنَّ حقَّهما انتقلَ إلى المال.
وأمَّا الرَّابع؛ وهو تصديقُ الأخِ فقط فهو الاستحسان، والقياسُ أن لا يكونَ على القاتلِ شيء؛ لأنَّ ما ادَّعاهُ المخبرانِ على القاتلِ لم يثبتْ لإنكارِه، وما أقرَّ به القاتلُ للأخِ يبطلُ بتكذيبِه، وجهُ الاستحسان: أنّ القاتلَ بتكذيبِهِ المخبرين أقرَّ بأنَّ لأخيهما ثلثُ الدِّيَةِ لزعمِهِ أنَّ القصاصَ سقطَ بدعواهما العفوَ على الأخ، وانقلبَ نصيبُ الأخِ مالاً، والأخُ لَمَّا صدَّقَ المخبريْن في العفوِ فقد زعمَ أنَّ نصيبَهما انقلبَ مالاً، فصارَ مقرِّاً لهما، بما أقرَّ به القاتل، ووجهُهما مذكورٌ في «الهداية» (٢).
(وإن اختلفَ شاهدا القتلِ في زمانِهِ أو مكانِهِ أو آلته، أو قالَ شاهد: قتلَهُ بعصا وقال الآخر: جهلتُ آلةَ قتله، لغت، وإن شهدا بقتلِه، وقالا: جهلنا آلتَهُ تجبُ الدِّيَة)،
стр. 1136
وإن أقرَّ كلٌّ من رجلَيْن بقتلِ زيد، وقال الوليُّ: قتلتماه، فله قتلُهما، ولو قامتْ بيِّنةٌ بقتلِ زيدٍ عمرو، وأخرى بقتلٍ بكرِ إيَّاه، وادَّعى الوليُّ قتلَهما لغتا، والعبرةُ لحالةِ الرَّمي لا للوصولِ فتجبُ الدِّيَةُ على مَن رمى مسلماً فارتدَّ فوصل، والقيمةُ لسيِّدِ عبدٍ رُمِيَ إليه فأعتقَهُ فوصل، والجزاءُ على محرمٍ رمى صيداً فَحَلَّ فوصلَ لا على حلالٍ رماه فأحرمَ فوصل، ولا يضمنُ مَن رمى مقضيَّاً، عليهِ برجم فرجعَ شاهدُهُ فوصل، وحلَّ صيدٌ رماهُ مسلمٌ فتمجَّس
القياسُ أن لا يجبَ شيء؛ لأنَّ حكمَ القتلِ يختلفُ باختلافِ الآلة، ووجهُ الاستحسان: أنّهم شهدُوا بمطلقِ القتل، والمطلقُ ليسَ بمجمل (١) فيثبتُ أقلُّ موجبِه وهو الدِّية، وتجبُ في مالِه؛ لأنَّ الأصلَ في القتلِ العمدِ فلا يتحمَّلُهُ العاقلة.
(وإن أقرَّ كلٌّ من رجلَيْن بقتلِ زيد، وقال الوليُّ: قتلتماه، فله قتلُهما، ولو قامتْ بيِّنةٌ بقتلِ زيدٍ عمرو، وأخرى بقتلٍ بكرِ إيَّاه، وادَّعى الوليُّ قتلَهما لغتا)؛ لأنَّ في الثَّاني تكذيبَ المشهودِ له الشَّاهدَ في بعضِ ما شهدَ له، وهذا يبطلُ شهادَتَه؛ لأنَّ التكذيبَ تفسيق، وفي الأوَّلِ تكذيبَ المُقَرِّ له المُقِرَّ في بعضِ ما أقرَّ بهِ وهو انفرادُهُ في القتل، وهذا لا يبطلُ الإقرار (٢).
(والعبرةُ لحالةِ الرَّمي لا للوصولِ فتجبُ الدِّيَةُ على مَن رمى مسلماً فارتدَّ فوصل)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما: لا يجبُ شيءٌ إذ بالارتدادِ سقطَ تقوُّمُهُ فصارَ مبرَّئاً للرَّامي عن موجبِه، كما إذا أبرأهُ بعدَ الجرحِ قبلَ الموت، له: أنَّ المرميَّ إليه حالةَ الرَّمي متقوَّم، (والقيمةُ لسيِّدِ عبدٍ رُمِيَ إليه فأعتقَهُ فوصل)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁، وقال محمَّدٌ ﵁: فضلُ ما بينَ قيمتِهِ مرميَّاً إلى غيرِ مرمي، (والجزاءُ على محرمٍ رمى صيداً فَحَلَّ فوصلَ لا على حلالٍ رماه فأحرمَ فوصل، ولا يضمنُ مَن رمى مقضيَّاً عليه برجم فرجعَ شاهدُهُ فوصل وحلَّ صيدٌ رماهُ مسلمٌ فتمجَّس
стр. 1137
ـ نعوذُ بالله ـ فوصلَ، لا ما رماهُ مجوسيُّ فأسلمَ فوصل.
نعوذُ بالله فوصلَ، لا ما رماهُ مجوسيُّ فأسلمَ فوصل)؛ لأنَّ المعتبرَ حالةُ الرَّمي (١)
стр. 1138
كتاب الديات
الدِّيَةُ من الذَّهب ألفُ دينار، ومن الورقِ عشرةُ آلافِ درهم، ومن الإبلِ مئة، وهذه في شبه العمدِ أرباعِ: من بنتِ مخاض، وبنتِ لبون، وحِقَّة، وجَذَعَة، وهي المغلَّظة، وفي الخطأ أخماسٌ منهما، ومن ابنِ مخاض
كتاب الديات
(الدِّيَةُ من الذَّهب ألفُ دينار، ومن الورقِ عشرةُ آلافِ درهم، ومن الإبلِ مئة، وهذه في شبه العمدِ أرباعِ: من بنتِ مخاض، وبنتِ لبون، وحِقَّة، وجَذَعَة، وهي المغلَّظة، وفي الخطأ أخماسٌ منهما، ومن ابنِ مخاض)، الدِّيةُ عند أبي حنيفةَ ﵁ لا تكونُ إلاَّ من هذه الأموالِ الثَّلاثة، وقالا: منها، ومن البقرِ مئتا بقرة، ومن الغنمِ ألف شاة، ومن الحِلَل مئتا حلَّة، كلُّ حلَّةٍ ثوبان؛ لأنَّ عمرَ ﵁ جعلَ على أهلِ كلِّ مالٍ منها. وله: إنّ هذه الأشياءَ مجهولة، فلا يصحُّ بها التَّقدير، ولم يردْ فيها أثرٌ مشهورٌ بخلافِ الإبل، وعندَ الشَّافعيِّ (١) ﵁: من الورقِ اثنا عشرَ ألف درهم.
ثمَّ الدِّيةُ المغلَّظةُ عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁: خمسٌ وعشرونَ بنتَ مخاض: وهي التي تمَّت عليها حول، وخمسٌ وعشرون بنتَ لبون: وهي التي تمَّت عليها حولان، وخمسٌ وعشرونَ حِقَّة: وهي التي تمَّت عليها ثلاثُ سنين، وخمسٌ وعشرونَ جَذَعة: وهي التي تمَّتْ عليها أربعُ سنين، وعند محمَّدٍ ﵁ والشَّافعيِّ (٢) ﵁: ثلاثونَ حِقَّة، وثلاثونَ جَذَعة، وأربعونَ ثنيَّةً كلُّها خَلِفَاتٍ في بطونِها أولادها، الثَّنية: التي تمَّتْ عليها خمسُ سنين، والخَلِفَة: التي في بطنِها ولدٌ مضتْ عليه ستَّةُ أشهر، والتَّغليظُ مختلفٌ فيه بين الصَّحابةِ ﵃، ونحنُ أخذنا بقولِ ابنِ مسعود ﵁.
ودِيَةُ الخطأ عندنا عشرونَ ابنَ مخاض: وهو ذكرٌ تمَّتْ عليه حول، ومن الأصنافِ الأربعةِ المذكورةِ عشرونُ عشرون، وعند الشَّافعيِّ (٣) ﵁: عشرونَ ابنُ لبونٍ مكانَ ابن مخاض.
стр. 1139
وكفارتُهما عتقُ مؤمن، فإن عَجِزَ عنهُ صامَ شهرينٍ ولاءً، ولا إطعامَ فيها، وصحَّ رضيعٌ أحدُ أبويه مسلم، لا الجنين. وللمرأةِ نصفُ ما للرَّجلِ في دِيَةِ النَّفسِ وما دونها، وللذِّميِّ ما للمسلم، وفي النَّفس، والأنف، والذَّكَر، والحشفة، والعقل، والشمّ، والذَّوق، والسَّمع، والبصر، واللَّسان إن منعَ النُّطقَ أو أداءَ أكثرِ الحروف، ولحيةٍ حُلِقَتْ فلم تنبت، وشعرِ الرَّأس الدِّية، كما في اثنينِ ممَّا في البدنِ اثنان، وفي أحدِهما نصفُها، وكما في أشفارِ العينَيْن
(وكفارتُهما عتقُ مؤمن، فإن عَجِزَ عنهُ صامَ شهرينٍ ولاءً، ولا إطعامَ فيها)؛ لأنَّه لم يرد به النَّص، (وصحَّ رضيعٌ أحدُ أبويه مسلم)؛ لأنَّه يكونُ مؤمناً بالتَّبعيَّة، (لا الجنين.
وللمرأةِ نصفُ ما للرَّجلِ في دِيَةِ النَّفسِ وما دونها)، هذا عندنا، وعندَ الشَّافعيّ (١) ﵁: دونَ الثُّلثِ لا ينصف.
(وللذِّميِّ ما للمسلم)، هذا عندنا، وعندَ الشَّافعيِّ (٢) ﵁: ديةُ اليهوديّ والنَّصرانيّ أربعةُ الآفِ درهم، وديةُ المجوسيِّ ثمانِ مئةٍ درهم، وعند مالكٍ (٣) ﵁: دِيَةُ اليهوديِّ والنَّصرانيّ نصفُ دِيَة المسلم، وديةُ المسلمِ عنده اثنا عشرَ ألفٍ درهم.
(وفي النَّفس، والأنف، والذَّكَر، والحشفة، والعقل، والشمّ، والذَّوق، والسَّمع، والبصر، واللَّسان إن منعَ النُّطقَ أو أداءَ أكثرِ الحروف، ولحيةٍ حُلِقَتْ فلم تنبت، وشعرِ الرَّأس الدِّية): أي الدِّيَةُ الكاملة، وعند مالكٍ (٤) ﵁ والشَّافعيِّ (٥) ﵁: يجبُ في اللِّحيةِ وشعرِ الرَّأسِ حكومةُ العدل.
(كما في اثنينِ ممَّا في البدنِ اثنان، وفي أحدِهما نصفُها، وكما في أشفارِ (٦) العينَيْن،
стр. 1140
وفي أحدِها ربعُها، وفي كلِّ أصبعِ يدٍ أو رجلٍ عشرُها، وفي كلِّ مفصلٍ من إصبعٍ فيها مفاصلُ ثلثُ عشرها، وفيما فيه مفصلانِ نصفُ عشرها، كما في كلِّ سنّ، وكلُّ عضوٍ ذَهَبَ نفعُهُ بضربٍ ففيهِ ديَّته كيدٍ شُلَّت، وعينٍ عميت.
[فصل في أحكام الشجاج]
ولا قَوَدَ في الشِّجاجِ إلاَّ في المُوضِحَةِ عمداً، وفيها خطأٌ نصفُ عشرِ الدِّيَة.
وفي أحدِها ربعُها، وفي كلِّ أصبعِ يدٍ أو رجلٍ عشرُها، وفي كلِّ مفصلٍ من إصبعٍ فيها مفاصلُ ثلثُ عشرها، وفيما فيه مفصلانِ نصفُ عشرها، كما في كلِّ سنّ)، فإنَّ فيها نصفَ العشرِ لما كان عدد الأسنانِ اثنينِ وثلاثين، فينبغي أن يجبَ في كلِّ سنِّ ربعُ ثمنِ الدَّية، فما الحكمةُ في وجوبِ نصفِ العشر.
فيخطرُ ببالي: أنَّ عددَ الأسنانِ وإن كان اثنينِ وثلاثين، فالأربعةُ الأخيرةُ وهي أسنانُ الحلمِ قد لا تنبتُ لبعضِ النَّاس، وقد تنبتُ لبعضِ النَّاسِ منها بعضها، وللبعضِ كلُّها، فالعددُ المتوسِّطُ للأسنانِ ثلاثون، ثمَّ للأسنانِ منفعتان الزِّينةُ والمضغ، فإذا سقطَ سنٌّ يبطلُ منفعتُها بالكليَّة، ونصفُ منفعةِ السِّنِّ التي تقابُلها، وهو منفعةُ المضغ، وإن كانَ النِّصفُ الآخرُ وهو الزِّينةُ باقية، وإذا كان العددُ المتوسِّطُ ثلاثين، فمنفعةُ السِّنِّ الواحدةِ ثلثُ العشر، ونصفُ المنفعةِ سدسُ العشر، ومجموعُهما نصفُ العشر، واللهُ أعلمُ بالحقيقة.
(وكلُّ عضوٍ ذَهَبَ نفعُهُ بضربٍ ففيهِ ديَّته كيدٍ شُلَّت، وعينٍ عميت.
[فصل في أحكام الشجاج]
ولا قَوَدَ في الشِّجاجِ إلاَّ في المُوضِحَةِ عمداً)؛ لأنَّهُ لا يمكنُ حفظُ المماثلةِ في غيرِ الموضِحة، وفيها يمكن، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وقال محمَّدٌ ﵁: يجبُ القصاصُ فيما قبلَ المُوضِحَة (١)، بأن يسبرَ (٢) غورَها بمسبار، ثمَّ يتَّخذَ حديدةً بقدرِ ذلك، ويقطعَ بها مقدارَ ما قطع، وهي ما يوضحُ العظمَ: أي يظهرُه، (وفيها خطأٌ نصفُ عشرِ الدِّيَة.
стр. 1141
وفي الهاشمة: عشرُها، والمنقلةُ: عشرُها ونصفُ عشرِها، والآمةُ والجائفةُ ثلثُها، وفي جائفةٍ نفذتْ ثلثاها، والحارصةُ، والدَّامعة، والدَّامية، والباضعة، والمتلاحمة السِمحاقِ حكومةُ عدل، فيقوَّمُ عبداً بلا هذا الأثر، ثمَّ معه، فقدرُ التَّفاوتِ بين القيمتينِ من الدِّيَة هو هي، وبهِ يفتى، وفي أصابعِ يدٍ بلا كفٍّ ومعها نصفُ الدِّيَة، ومع نصفِ السَّاعدِ نصفُ ديَةٍ وحكومةُ عدل
وفي الهاشمة: عشرُها): وهي التي تكسرُ العظم.
(والمنقلةُ: عشرُها ونصفُ عشرِها): وهي التي تحوَّلُ العظمَ بعد الكسر.
(والآمةُ والجائفةُ ثلثُها): الآمة: التي تصلُ إلى أمُّ الدِّماغ، وهي الجلدةِ التي فيها الدِّماغ، والجائفة: الجراحةُ التي وصلتْ إلى الجوف.
(وفي جائفةٍ نفذتْ ثلثاها)؛ لأنَّها بمَنْزلةِ الجائفتين.
(والحارصةُ، والدَّامعة، والدَّامية، والباضعة، والمتلاحمة السِمحاقِ حكومةُ عدل): أي ما يحرصُ الجلد: أي يخدشُهُ، ويظهرُ الدَّمَ ولا يسيلُهُ كالدَّمعِ من العين (١)، وما يسيلُ الدَّم، وما يبضعُ الجلد: أي يقطعه، وما يأخذُ في اللَّحم، وما يصلُ إلى السَّمحاق، أي: جلدةٍ رقيقةٍ بين اللَّحمَ وعظمِ الرَّأس.
ثمَّ فسَّرَ حكومةَ العدلِ بقوله: (فيقوَّمُ عبداً بلا هذا الأثر، ثمَّ معه، فقدرُ التَّفاوتِ بين القيمتينِ من الدِّيَة هو هي)، هو؛ يرجعُ إلى قدرِ التَّفاوت. وهي؛ ترجعُ إلى حكومةِ العدل، فيفرضُ أنَّ هذا الحرَّ عبدٌ، وقيمتُهُ بلا هذا الأثرِ ألفُ درهم، ومع هذا الأثرِ تسعمئةٍ درهم، فالتَّفاوتُ بينهما مئةُ درهم، وهو عشرُ الألف، فيؤخذُ هذا التَّفاوتُ من الدِّيَةِ وهي عشرةُ آلافِ درهم، فعشرُها ألفُ درهم، فهو حكومةُ العدل، (وبهِ يفتى)، احترازٌ عمَّا قال الكَرْخِيُّ ﵁: إنَّهُ ينظرُ مقدارُ هذه الشَّجَّةِ من المُوضِحةِ فيجبُ بقدرِ ذلك من نصفِ عشرِ الدِّيَة.
(وفي أصابعِ يدٍ بلا كفٍّ ومعها نصفُ الدِّيَة): أي في خمسِ أصابعٍ نصفُ الدِّيَةِ سواءٌ قطعَها مع الكفِّ أو بدونِها، فإنَّ الكفَّ تابعٌ لها، (ومع نصفِ السَّاعدِ نصفُ ديَةٍ وحكومةُ عدل)، فإنَّ الذِّراعَ ليستْ تبعاً، وفي روايةٍ عن أبي يوسفَ ﵁:
стр. 1142
وفي كفٍّ فيها أصبعٌ عشرها، وإن كانت أُصبعان فخمسُها، ولا شيءَ في الكفّ، وفي أصبعٍ زائدة، وعينِ صبيّ، وذَكَرِه، ولسانِه، لو لم يعلمِ الصِحّةَ بما دلَّ على نظرِه، وتحرُّكِ ذكرِه، وكلامِهِ حكومةُ عدل، ودخلَ أرشُ مُوضِحةٍ أذهبتْ عقلَهُ أو شعرَ رأسِهِ في الدِّيَة، وإن ذهبَ سمعُه، أو بصرُه، أو نطقُه لا
أنّ ما زادَ على أصابعِ اليدِ والرِّجلِ إلى المنكب وإلى الفخذ، فهو تَبَعٌ؛ لأنَّ الشَّرعَ أوجبَ في اليدِ الواحدةِ نصفَ الدِّيَة، واليدُ اسمُ هذه الجارحةِ إلى المنكب.
(وفي كفٍّ فيها أصبعٌ عشرها، وإن كانت أُصبعان فخمسُها، ولا شيءَ في الكفّ)، هذا عندَ أبي حنيفةَ ﵁، وقالا: ينظرُ إلى إرشِ الكفِّ والأصبعِ فيكون عليه الأكثر، ويدخلُ القليلُ في الكثير، وإن كانتْ ثلاثةُ أصابعَ يجبُ أرشُ الأصابع، ولا شيءَ في الكفِّ بالإجماع؛ لأنَّ للأكثرِ حكمَ الكلّ، فاستتبعتِ الكف.
(وفي أصبعٍ زائدة، وعينِ صبيّ، وذَكَرِه، ولسانِه، لو لم يعلمِ الصِحّةَ بما دلَّ على نظرِه، وتحرُّكِ ذكرِه، وكلامِهِ حكومةُ عدل)، هذا عندنا (١)، وعندَ الشَّافعيِّ (٢) ﵁: يجبُ دِيَةٌ كاملة؛ لأنَّ الغالبَ الصحّة، أمَّا إن عَلِمَ صحَّةَ هذه الأعضاء، فالواجبُ الدِّيَةُ الكاملةُ اتِّفاقاً.
(ودخلَ أرشُ مُوضِحةٍ أذهبتْ عقلَهُ أو شعرَ رأسِهِ في الدِّيَة (٣)، وإن ذهبَ سمعُه، أو بصرُه، أو نطقُه لا)، هذا عندنا، وعند زفرَ ﵁: لا يدخلُ في ذهابِ العقلِ والشَّعرِ أيضاً؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ جنايةٌ على حدة، قلنا: الرَّأسُ محلُّ العقلِ والشَّعر، فالجناياتُ كلُّها على الرَّأس، فيدخلُ بعضُ الدِّيَةِ في الكلّ، والرَّأسُ ليس محلاً للسَّمعِ والبصر، فالجنايةُ عليهما لا تستتبعُ المُوضِحة.
стр. 1143
ولا قَوَدَ إن ذهبتْ عيناه، بَلِ الدِّيَةُ فيهما، ولا بقطعِ أصبعٍ شلَّ جارُه، وفي أصبعٍ قُطِعَ مفصلُهُ الأعلى، وشُلَّ ما بَقِي، بل دِيَةُ المفصل، والحكومةُ فيما بَقِي، ولا بكسرِ نصفِ سنٍّ أسودٍ باقيها، بل كلُّ دِيَةِ السِّنِّ. ويجبُ الأَرشُ على مَن أقادَ سنَّهُ ثمَّ نبتتَ، أو قلعَها فردَّتْ إلى مكانها، ونبت عليه اللَّحم، لا إن قُلِعَت فنبتت أخرى، أو التحمتْ شجَّة أو جُرِحَ بضربٍ ولم يبقَ أثرُه
(ولا قَوَدَ إن ذهبتْ عيناه، بَلِ الدِّيَةُ فيهما): أي في المُوضِحةِ والعينينِ الدِّيَة، وهذا عندَ أبي حنيفةَ ﵁، وقالا: في الموضِحةِ القصاص، وفي العينَيْن الدِّية، (ولا بقطعِ أصبعٍ شلَّ جارُه)، هذا عند أبي حنيفةَ (١) ﵁، وعندهما وعند زفر ﵁: يقتصُّ من الأوَّل، وفي الثَّاني أَرشُها، (و (٢) في أصبعٍ قُطِعَ مفصلُهُ الأعلى، وشُلَّ ما بَقِي، بل دِيَةُ المفصل، والحكومةُ فيما بَقِي، ولا بكسرِ نصفِ سنٍّ أسودٍ باقيها، بل كلُّ دِيَةِ السِّنِّ.
ويجبُ الأَرشُ على مَن أقادَ سنَّهُ ثمَّ نبتتَ): أي نبت سنُّ مَن أقادَ فعُلِمَ أنَّه أقادَ بغيرِ حقّ، وكانَ واجباً أن يستأنيَ حولاً، ثمَّ يقتصّ، ولمَّا كانَ بغيرِ حقٍّ ينبغي أن يجبَ القصاص، لكن سقطَ للشُّبهةِ فيجبُ الأرش، (أو قلعَها فردَّتْ إلى مكانها، ونبت عليه اللَّحم): أي يجبُ الأرشُ على مَن قلعَ سنَّ غيرِهِ فردَّ صاحبُ السِّنِّ سنَّهُ إلى مكانها، فنبتَ عليها اللَّحم، وإنَّما يجبُ الأرش؛ لأنَّ نباتَ اللَّحمَ لا اعتبارَ له؛ لأنَّ العروقَ لا تعود.
(لا إن قُلِعَت فنبتت أخرى)، فإنَّه لا يجبُ الأرشُ على القالعِ عندَ أبي حنيفةَ ﵁؛ لأنَّ الجنايةَ انعدمتْ معنىً، كما إذا قلعَ سنَّ صبيٍّ فنبتتْ أخرى لا يجبُ الأرشُ بالإجماع، وعندهما: يجبُ الأرش؛ لأنَّ الجنايةَ قد تحقَّقت، والحادثةُ نعمةٌ مبتدأةٌ من الله تعالى.
(أو التحمتْ شجَّة أو جُرِحَ بضربٍ ولم يبقَ أثرُه)، فإنَّهُ يسقطُ الأرشُ عند أبي حنيفةَ ﵁ لزوالِ الشَّينِ الموجب، وعند أبي يوسفَ ﵁: عليه أرشُ الألم، وهو حكومةُ العدل، قيل: ينظرُ إنَّ الإنسانَ بكم يجرح نفسه مثلَ هذه الجراحة، فإنَّ بعضَ النَّاسِ يخرجُ نفسَه ويأخذُ على ذلك شيئاً، وعند محمَّدٍ ﵁: تجبُ أجرةُ الطَّبيبِ وثمنُ الدَّواء.
стр. 1144
ولا يقادُ جرحٌ إلاَّ بعد برء، وعمدُ الصَّبيِّ والمجنونِ خطأٌ، وعلى عاقلتِهِ الدِّيَة، ولا كفارةَ فيه، ولا حرمان إرث.
[فصل في الجنين]
ومَن ضربَ بطنَ امرأةٍ فألقتْ جنيناً تَجِبُ غرَةٌ خمسمئةٌ درهمٍ على عاقلتِهِ إن ألقتْ ميتاً، ودِيَةٌ إن ألقت حيَّاً فمات، وغُرَّةٌ ودِيَةٌ إن كان ميْتاً فماتتْ الأم، ودِيَةُ الأمِّ فقط إن ماتتْ فألقتْ ميتاً
(ولا يقادُ جرحٌ إلاَّ بعد برء)، هذا عندنا، وعند الشَّافِعِيِّ (١) ﵁: يقتصُّ في الحالِ كما في القصاصِ في النَّفس.
(وعمدُ الصَّبيِّ والمجنونِ خطأٌ، وعلى عاقلتِهِ الدِّيَة، ولا كفارةَ فيه، ولا حرمان إرث.
[فصل في الجنين]
ومَن ضربَ بطنَ امرأةٍ فألقتْ جنيناً تَجِبُ غرَةٌ خمسمئةٌ درهمٍ على عاقلتِهِ إن ألقتْ ميتاً، ودِيَةٌ إن ألقت (٢) حيَّاً فمات): أي تجبُ الدِّيةُ الكاملةُ إن ألقتْ حيَّاً فمات؛ لأنَّ موتَه بسببِ الضَّرب، واعلمْ أنَّ الغُرَّةَ عندنا تجبُ في سنة، فإنَّهُ ﷺ جَعَلَ الغُرَّةَ على العاقلةِ في سنة (٣)، وأيضاً هي بدلُ العضوِ من وجه، وما كانَ بدلَ العضوِ يجبُ في سنةٍ إن كانَ ثلثَ الدِّيَة، أو أقلّ إلى نصفِ العشر، وعند الشَّافعيِّ (٤) ﵁: تجبُ الغُرَّةُ في ثلاثِ سنينَ كالدِّيَة.
(وغُرَّةٌ ودِيَةٌ إن كان ميْتاً فماتتْ الأم (٥)، ودِيَةُ الأمِّ فقط إن ماتتْ فألقتْ ميتاً)؛ لأنَّهُ لا يمكنُ أن يكونَ موتُهُ بسببِ اختناقِهِ بعد موتها (٦)، وعند الشَّافِعِيّ (٧) ﵁: يجبُ الغُرَّةُ أيضاً.
стр. 1145
وديَّتان إن ماتتْ فألقتْ حيَّاً فمات، وما يجبُ في الجنينِ لورثتِهِ سوى ضاربِه، وفي جنينِ الأمَةِ نصفُ عشرِ قيمتِهِ في الذَّكَر، وعشرِ قيمتِهِ في الأنثى، فإن ضُرِبَتْ فأعتقَ سيِّدُها حملَها فألقتْهُ فماتَ يجبُ قيمتُهُ حيَّاً لا ديته، ولا كفّارةَ في الجنين
(وديَّتان (١) إن ماتتْ فألقتْ حيَّاً فمات، وما يجبُ في الجنينِ لورثتِهِ سوى ضاربِه): أي إن كان الضَّاربُ وارثاً للجنينِ لا يكونُ له شيءٌ ممَّا وجب، إذ لا ميراثَ للقاتل.
(وفي جنينِ الأمَةِ نصفُ عشرِ قيمتِهِ في الذَّكَر، وعشرِ قيمتِهِ في الأنثى)، اعلمْ أنَّ الجنينَ إذا كانَ حُرَّاً يجبُ فيه خمسمئةِ درهمٍ سواءٌ كان ذكراً أو أُنثى، إذ لا تفاوتَ في الجنينِ بينَ الذَّكرِ والأُنثى، وهي نصفُ عشرٍ من ديَةِ الذَّكر، وعشرٌ من ديَةِ الأُنثى، فإذا كان رقيقاً يجبُ أن تكونَ نصفَ عشرِ قيمتِهِ على تقديرِ ذكورتِه، وعشرَ قيمتِهِ على تقديرِ أنوثتِه؛ لأنَّ دِيَةَ الرَّقيقِ قيمتُهُ فيما يقدَّرُ من دِيَةِ الحرِّ يقدَّرُ من قيمةِ الرَّقيق.
فإن قلت: يلزمُ أن يكونَ الواجبُ في الأُنثى أكثرَ من الواجبِ في الذَّكر.
قلت: لا يلزم؛ لأنَّ في العادةِ قيمةَ الغلامِ زائدةٌ على قيمتِهِ الجاريةِ بكثير، حتى إن قوِّمَت جاريةً بألفِ درهمٍ يقوَّمُ الغلامُ الذي مثلُها في الحسنِ بألفي درهم، فنصفُ قيمةِ الجنينِ إن كانَ ذكراً لا يكونَ أقلَّ من قيمتِهِ إن كان أُنثى، وعند أبي يوسفَ ﵁: يجبُ النُّقصانُ لو انتقصتِ الأمُّ بإلقائها، كما في البهائم، فإنَّ الضَّمانَ في قتلِ الرَّقيقِ ضمانُ مالٍ عنده، وعندَ الشَّافعيِّ (٢) ﵁: يجبُ عشرُ قيميةِ الأمّ.
(فإن ضُرِبَتْ فأعتقَ سيِّدُها حملَها فألقتْهُ فماتَ يجبُ قيمتُهُ حيَّاً لا ديته)؛ لأنَّ قتلَهُ بالضَّربِ السَّابق، وقد كانَ في حالةِ الرِّق (٣).
(ولا كفّارةَ في الجنين)، هذا عندنا، وعندَ الشَّافعيِّ (٤) ﵁: تجب.
стр. 1146
وما استبانَ بعضُ خلَقِهِ كالتَّام فيما ذُكِر. وضَمِنَ الغُرَّةَ عاقلةُ امرأةٍ أسقطتْ ميْتاً عمداً بدواءٍ أو فعلٍ بلا إذن زوجِها فإن أذنَ لا.
باب ما يحدث في الطريق
مَن أحدثَ في طريقِ العامَّة كنيفاً أو ميزاباً أو جُرْصُناً أو دُكَّاناً وَسِعَه ذلك إن لم يضرَّ بالنَّاس، ولكلٍّ نقضُه، وفي غيرِ نافذٍ لا يسعُهُ بلا إذنِ الشُّركاء، وإن لم يضرّ. وضَمِنَ عاقلتُهُ دِيَةَ مَن ماتَ بسقوطِها، كما لو وضعَ حجراً، أو حفرَ بئراً في
(وما استبانَ بعضُ خلَقِهِ كالتَّام فيما ذُكِر (١).
وضَمِنَ الغُرَّةَ عاقلةُ امرأةٍ أسقطتْ ميْتاً عمداً بدواءٍ أو فعلٍ بلا إذن زوجِها فإن أذنَ لا)، اعلمْ أنَّها تجبُ على عاقلةِ المرأةِ في سنةٍ واحدة، وإن لم تكنْ لها عاقلةٌ تجبُ في مالِهَا في سنةٍ أيضاً.
باب ما يحدث في الطريق
(مَن أحدثَ في طريقِ العامَّة كنيفاً أو ميزاباً أو جُرْصُناً (٢) أو دُكَّاناً وَسِعَه ذلك إن لم يضرَّ بالنَّاس)، الكنيف: المستراح، والميزاب: مجرى الماء، والجُرْصُن: البرج، وقيل: مجرى ماءٍ يركبُ في الحائط، وعن البَزْدَويِّ ﵁: جذعٌ يخرجُ من الحائطِ ليبنى عليه، (ولكلٍّ نقضُه): أي في صورةِ لم يضرّ، فالحاصلُ أنَّهُ إن أضرَّ بالنَّاسِ لا يجوزُ له أن يفعل، وإن لم يُضِرَّ بهم يجوز، لكن مع ذلك يكونُ لكلِّ واحدٍ نقضُه؛ لأنَّهُ تصرُّفٌ في الحقِّ المشترك، فلكلٍّ نقضُهُ كما في الملكِ المشتركِ مع أنَّهُ لم يضرّ، (وفي غيرِ نافذٍ لا يسعُهُ بلا إذنِ الشُّركاء، وإن لم يضرّ.
وضَمِنَ عاقلتُهُ دِيَةَ مَن ماتَ بسقوطِها، كما لو وضعَ حجراً، أو حفرَ بئراً في
стр. 1147
الطَّريق، فتَلِفَ به نفس، فإن تَلِفَ به بهيمةٌ ضَمِنَ هو إن لم يأذنْ به الإمام، فإن أَذِنَ أو ماتَ واقعٌ في بئرِ طريقٍ جوعاً، أو غمَّاً فلا، ومَن نحَّى حجراً وضعَهُ آخر، فعطبَ به رجلُ ضَمِن، كمَن حملَ شيئاً في الطَّريقِ فسقطَ منه على آخر، أو دخلَ بحصير، أو قنديل، أو حصاةٍ في مسجدِ غيرِه، أو جلسَ فيه غيرُ مصلّ، فعطبَ بهِ أحد، لا مَن سقطَ منه رداءٌ لَبِسَه، أو أدخلَ هذهِ الأشياءَ في مسجدِ حيِّهِ أو جلسَ فيه مصليَّاً
الطَّريق، فتَلِفَ به نفس، فإن تَلِفَ به بهيمةٌ ضَمِنَ هو إن لم يأذنْ به الإمام)، فإنَّ الضَّمانَ في جميعِ ما ذُكِرَ بإحداثِ شيءٍ في طريقِ العامَّة إنَّما يكون إذا لم يأذنْ به الإمام، (فإن أَذِنَ أو ماتَ واقعٌ في بئرِ طريقٍ جوعاً، أو غمَّاً فلا)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعند أبي يوسف ﵁: إن ماتَ غَمَّاً يجبُ الضَّمان؛ لأنَّ الغمَّ بسبب الوقوع، المرادُ بالغمِّ هاهنا: الاختناقُ من هواءِ البئر.
(ومَن نحَّى (١) حجراً وضعَهُ آخر، فعطبَ به رجلُ ضَمِن)؛ لأنَّ فعلَ الأوَّلِ انفسخَ بفعلِ الثَّاني، فالضَّمانُ على الثَّاني، (كمَن حملَ شيئاً في الطَّريقِ فسقطَ منه على آخر، أو دخلَ بحصير، أو قنديل، أو حصاةٍ في مسجدِ غيرِه، أو جلسَ فيه (٢) غيرُ مصلّ، فعطبَ بهِ أحد)، نحوَ إن سقطَ الحصيرُ أو القنديلُ على أحد، أو سقطَ الظَّرفُ الذي فيه الحصاة على أحد، أو كان جالساً غيرَ مصلٍّ فسقطَ عليه أعمى ضَمِن.
(لا مَن سقطَ منه رداءٌ لَبِسَه، أو أدخلَ هذهِ الأشياءَ (٣) في مسجدِ حيِّهِ أو جلسَ فيه مصليَّاً)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما: لا يضمنُ بإدخالِ هذه الأشياءَ في المسجدِ سواءٌ كان مسجدَ حيِّهِ أو (غيرَ مسجد حيِّه) (٤)؛ لأنَّ القربةَ لا تتقيَّدُ بشرطِ السَّلامة. له: أنّ تدبيرَ المسجدِ لأهلِهِ دونَ غيرهم، ففعلُ الغيرِ مباحٌ فيكونُ مقيَّداً بشرطِ السَّلامة، وعندهما: الجالسُ في المسجدِ لا يضمن، سواءٌ جلسَ للصَّلاةِ أو غيرِ الصَّلاة.
стр. 1148
[فصل في الحائط المائل]
وربُّ حائطٍ مالَ إلى طريقِ العامَّة، وطلبَ نقضَه مسلمٌ أو ذميُّ ممَّن يملكُ نقضَهُ كالرَّاهنِ بفكِّ رهنِه، وأب الطِّفل، والوصي، والمكاتَب، والعبدِ التَّاجر، فلم ينقضْ في مدِّةٍ يمكنُ نقضُهُ ضَمِنَ مالاً تلفَ به، وعاقلتُهُ النَّفس،
فالحاصلُ أنَّ الجالسَ للصَّلاةِ في المسجدِ لا يضمن عند أبي حنيفةَ ﵁ سواءٌ في مسجدِ حيِّهِ أو غيرِه، والجالسُ لغيرِ الصَّلاةِ يضمن سواءٌ في مسجدِ حيِّهِ أو غيرِه، وفي سقوطُ الرِّداءِ إنَّما لا يضمنُ عند محمَّدٍ ﵁ إذا لَبِسَ ما يلبسُ عادة، أمَّا إن لَبِسَ ما لا يَلْبَسُ عادةً كجوالقِ القلندرين، فسقطَ على إنسانٍ فهلكَ يضمن، فهذا اللُّبْسُ بمَنْزلةِ الحمل، وفي الحملِ يضمن.
[فصل في الحائط المائل]
(وربُّ حائطٍ مالَ إلى طريقِ العامَّة، وطلبَ نقضَه مسلمٌ أو ذميُّ ممَّن يملكُ نقضَهُ كالرَّاهنِ بفكِّ رهنِه)، فإنَّهُ يملكُ نقضَهُ بفكِّ رهنِه، (وأب الطِّفل، والوصي، والمكاتَب، والعبدِ التَّاجر، فلم ينقضْ في مدِّةٍ يمكنُ نقضُهُ ضَمِنَ مالاً تلفَ به، وعاقلتُهُ النَّفس (١))، وصورةُ الطَّلبِ أن يقول: إن حائطَكَ هذا مائلٌ فاهدمْه، وصورةُ الإشهادِ أن يقول: إشهدوا أنِّي تقدمتُ إلى هذا الرَّجلِ لهدمِ حائطِه، واعلمَ أنَّهُ ذكرَ في الكتبِ (٢) الطَّلبُ والإشهاد، لكنّ الإشهاد ليس بشرط، وإنَّما ذكرَ ليتمكَّنَ من إثباتِهِ عند الإنكار، فكان من بابِ الاحتياط.
стр. 1149
لا مَن أشهدَ عليه فباعَ وقبضَهُ المشتري فسقطَ أو طلبَ ممَّن لا يملكُ نقضَهُ كالمُرْتَهِن، والمستأجر، والمودع، وساكنِ الدَّار. فإن مالَ إلى دارِ رجلٍ فله الطَّلب، فيصحُّ تأجيلُهُ وإبراؤهُ منها، لا إن مالَ إلى الطَّريقِ فأجَّلَهُ القاضي أو مَن طلب، فإن بنى مائلاً ابتداءً ضَمِنَ بلا طلبٍ كما في إشراعِ الجناحِ ونحوه، حائطُ بين خمسةٍ طُلِبَ نقضُهُ من أحدهم، وسقطَ على رجلٍ ضَمِنَ العاقلةُ خمسَ الدِّيَة، كما ضمنُوا ثلثيها إن حفرَ أحدُ ثلاثةٍ في دارهم بئراً، أو بنى حائطاً
(لا مَن أشهدَ عليه فباعَ وقبضَهُ المشتري فسقطَ أو طلبَ ممَّن لا يملكُ نقضَهُ كالمُرْتَهِن، والمستأجر، والمودع، وساكنِ الدَّار.
فإن مالَ إلى دارِ رجلٍ فله الطَّلب، فيصحُّ تأجيلُهُ وإبراؤهُ منها (١)، لا إن مالَ إلى الطَّريقِ فأجَّلَهُ القاضي أو مَن طلب)؛ لأنَّه حقُّ العامَّةِ فلا يكونُ لهما إبطالُه.
(فإن بنى مائلاً ابتداءً ضَمِنَ بلا طلبٍ كما في إشراعِ الجناحِ ونحوه)، إشراعُ الجناح: إخراجُ الجذوعُ من الجدارِ إلى الطَّريقِ والبناءِ عليها، وأمَّا نحوه: فالكنيفُ والميزاب.
(حائطُ بين خمسةٍ طُلِبَ نقضُهُ من أحدهم، وسقطَ على رجلٍ ضَمِنَ العاقلةُ خمسَ الدِّيَة، كما ضمنُوا ثلثيها إن حفرَ أحدُ ثلاثةٍ (٢) في دارهم بئراً، أو بنى حائطاً): أي ضمنَ عاقلةُ مَن طلبَ منه النَّقضَ خمسَ الدِّيَة؛ لأنَّ الطَّلبَ صحَّ في الخمس، وضَمِنَ عاقلةُ حافرِ البئر، وباني الحائطِ ثُلُثَي الدِّيَة؛ لأنَّ الحافرَ والباني في الثُّلثين متعدّ، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وقالا: ضمنُوا النِّصفِ في الحائط، والحفرِ والبناء، أمَّا في الحائط؛ فلأنَّ التَّلفَ بنصيبِ مَن طُلِبَ منه معتبر، وفي نصيبِ غيرِهِ لا، فكان قسمَيْن كما في عقرِ الأسد، ونهشِ الحيَّة، وجرحِ الإنسان، وفي مسألةِ الحفرِ والبناءِ التَّلَفُ بنصيبِ المالكِ لا يوجبُ الضَّمان، و بنصيبِ الغاصب يوجب، فيقسمُ قسمَيْن. (والله أعلم) (٣).
стр. 1150
باب جناية البهيمة وعليها
ضَمِنَ الرَّاكبُ ما وطئتْ دابَّتُهُ وما أصابتْ بيدِها، أو رجلِها، أو رأسِها، أو كدمَت، أو خبطَت، أو صدمَت، لا ما نفحَتْ برجلها، أو ذنبها، أو عطبَ إنسانٌ بما راثتْ أو بالتْ في الطَّريقِ سائرة، أو أوقفها لذلك، فإن أوقفَها لغيرِهِ ضمن، فإن أصابتْ بيدِها، أو رجلِها حصاةً أو نواةً، أو أثارتْ غباراً أو حجراً صغيراً، فَفَقأ عيناً أو أفسدَ ثوباً لا يضمن، وضمنَ بالكبير، وضمنَ السَّائقُ والقائدُ ما ضمنَهُ الرَّاكب، وعليه الكفَّارةُ لا عليهما
باب جناية البهيمة وعليها
(ضَمِنَ الرَّاكبُ ما وطئتْ دابَّتُهُ وما أصابتْ بيدِها، أو رجلِها، أو رأسِها، أو كدمَت، أو خبطَت، أو صدمَت، لا ما نفحَتْ (١) برجلها، أو ذنبها)، فإنَّ الاحترازَ عن الوطء وما يشابهُهُ ممكنٌ بخلافِ النَّفحةِ بالرِّجلِ والذَّنب، هذا عندنا، وعند الشَّافعيِّ (٢) ﵁: يضمنُ بالنفحةِ أيضاً؛ لأنَّ فعلَها يضافُ إلى الرَّاكب، (أو عطبَ إنسانٌ بما راثتْ أو بالتْ في الطَّريقِ سائرة، أو أوقفها لذلك، فإن أوقفَها لغيرِهِ ضمن)، فإنَّها إن راثتْ أو بالتْ في الطَّريقِ حالةَ السَّيرِ لا يضمن، أمَّا إذا أوقفها لتروثَ أو تبولَ لا يضمنُ أيضاً؛ لأنَّ بعضَ الدَّوابِّ لا يفعلُ ذلكَ إلا بعدَ الوقوف، وإن أوقفَها لغيرِ ذلكَ يضمنُ لأنَّهُ متعدٍّ بالإيقاف.
(فإن أصابتْ بيدِها، أو رجلِها حصاةً أو نواةً، أو أثارتْ غباراً أو حجراً صغيراً، فَفَقأ عيناً أو أفسدَ ثوباً لا يضمن، وضمنَ بالكبير)؛ لأنَّ الاحترازَ عن الأوَّلِ متعذِّرٌ بخلافِ الثَّاني.
(وضمنَ السَّائقُ والقائدُ ما ضمنَهُ الرَّاكب، وعليه الكفَّارةُ لا عليهما): أي إن كانَ مكانَ الرَّاكبِ سائقٌ أو قائدٌ يضمنُ كلُّ منهما ما ضمَنَهُ الرَّاكب، ويجبُ على الرَّاكبِ الكفّارة، لا على السَّائقِ والقائد، والرَّاكبُ يحرمُ عن الميراث، لا القائدُ والسَّائق.
стр. 1151
وضمنَ عاقلةُ كلِّ فارسٍ ديةَ الآخرِ إن اصطدما وماتا، وسائقُ دابَّةٍ وقعَ أداتُها على رجلٍ فمات، وقائدٌ قطارٍ وَطِئ بعيرٌ منه رجلاً، ضمِنَ الدِّيَةَ وإن كان معه سائقٌ ضمنا، فإن قتلَ بعيرٌ ربطَ على قطارٍ بلا علمِ قائدِه رجلاً ضَمِنَ عاقلةُ القائدِ الدِّية، ورجعُوا بها على عاقلةِ الرَّابط، ومَن أرسلَ كلباً أو طيراً أو ساقَهُ فأصابَ في فورِهِ ضَمِنَ في الكلبِ لا في الطَّير، ولا في كلبٍ لم يسقْه
(وضمنَ عاقلةُ كلِّ فارسٍ ديةَ الآخرِ إن اصطدما وماتا): هذا عندنا، وعندَ الشَّافعيِّ ﵀: يضمنُ كلٌّ نصفَ ديةِ الآخر؛ لأنَّ هلاكَهُ بفعلَيْن، فعلِ نفسِه، وفعلُ صاحبه، فيُهْدَرُ نصفُهُ ويعتبرُ نصف صاحبِه، قلنا: فعلُ كلِّ منهما مباح، والمباحُ في حقِّ نفسِهِ لا يضافُ إليهِ الهلاك، وفي حقِّ غيرِهِ يضافُ.
(وسائقُ دابَّةٍ وقعَ أداتُها على رجلٍ فمات، وقائدٌ قطارٍ وَطِئ بعيرٌ منه رجلاً، ضمِنَ الدِّيَةَ وإن كان معه سائقٌ ضمنا، فإن قتلَ بعيرٌ ربطَ على قطارٍ بلا علمِ قائدِه رجلاً ضَمِنَ عاقلةُ القائدِ الدِّية، ورجعُوا بها على عاقلةِ الرَّابط)؛ لأنَّ الرَّابطَ أوقعَهم في هذهِ العهدة.
أقول: ينبغي أن تكونَ في مالِ الرَّابط؛ لأنَّ الرَّابطَ أوقعَهُم في خسرانِ المال، وهذا ممَّا لا يتحمَّلُهُ العاقلة (١).
قالوا: هذا إذا ربط، والقطارُ في السَّير؛ لأنَّه أمرَ بالقَوَدِ دلالة، أمَّا إذا ربطَ في غيرِ حالةِ السَّير فالضَّمانُ على عاقلةِ القائد؛ لأنَّهُ قادَ بعيرَ غيرِهِ بغيرِ أمرِه لا صريحاً ولا دلالةً فلا يرجعُ بما لحقَهُ من الضَّمان.
(ومَن أرسلَ كلباً أو طيراً أو ساقَهُ (٢) فأصابَ في فورِهِ ضَمِنَ في الكلبِ لا في الطَّير، ولا في كلبٍ لم يسقْه)، الحاصلُ أنَّهُ لا يضمنُ في الطَّيرِ ساقَ أو لم يَسُقْ، ويضمنُ في الكلبِ إن ساقَ وإن لم يَسُقْ لا، ففي الكلبِ ينتقلُ الفعلُ إليه بسببِ
стр. 1152
ولا في دابَّةٍ منفلتةٍ أصابتْ نفساً، أو مالاً ليلاً أو نهاراً. ومَن ضَرَبَ دابَّةً عليها راكب، أو نَخَسَها فنفحت، أو ضربتْ بيدِها آخر، أو نفَرَتْ فصدمتْهُ وقتلتْهُ ضمنَ هو لا الرَّاكب، وفي فَقْءِ عينِ شاةِ القصَّابِ ما نقصَها، وفي عينِ بقرةِ الجزَّار، وجَزُورِه، والحمار، والبغل، والفرسِ ربعُ القيمة.
باب جناية الرقيق وعليه
فإن جنى عبدٌ خطأً دفعَهُ سيِّدُهُ بهاويملكُهُ وليُّها أو فداهُ بأرشها
السَّوق، وإن لم يسقْ لا ينتقلُ إليه؛ لأنَّه فاعلٌ مختار، ولا يضمنُ في الطَّيرِ إذا لم يسق، وكذا إن ساق؛ لأنَّ بدنَهُ لا يطيقُ السَّوق، فوجودُهُ كعدمِه.
أقول: نعم؛ لا يطيقُ الضَّرب، أمَّا سوقُهُ فبالزجرِ والصَّياحِ بخلافِ الصَّيد، فإنِّه يُحِلُّ الصَّيدَ بمجردِ الإرسالِ للضَّرورة، وعن أبي يوسفَ ﵁: إنَّهُ أوجبَ الضَّمانَ في هذا كلِّهِ احتياطاً، والمشايخُ ﵃ أخذوا بقوله.
(ولا في دابَّةٍ منفلتةٍ أصابتْ نفساً، أو مالاً ليلاً أو نهاراً.
ومَن ضَرَبَ دابَّةً عليها راكب، أو نَخَسَها فنفحت، أو ضربتْ بيدِها آخر، أو نفَرَتْ فصدمتْهُ وقتلتْهُ ضمنَ هو لا الرَّاكب)، هذا عندنا، وعندَ أبي يوسفَ ﵁: إنَّ الضَّمانَ على الرَّاكب والنَّاخسِ نصفَيْن، وهذا إذا نَخَسَها بلا إذنِ الرَّاكب، أمَّا إذا نَخَسَها بإذنِهِ فلا يضمن؛ لأنَّهُ أمرَهُ بما يملكه، إذا النَّخسُ في معنى السَّوق، فانتقلَ إلى الرَّاكبِ فلا يضمنُ بالنَّفحةِ كما إذا نَخَسَ الرَّاكبُ الدَّابةَ فنفحت.
(وفي فَقْءِ عينِ شاةِ القصَّابِ ما نقصَها (١)، وفي عينِ بقرةِ الجزَّار، وجَزُورِه، والحمار، والبغل، والفرسِ ربعُ القيمة)؛ لأنَّهُ يمكنُ إقامةُ العملِ بها بأربعِ أعين: عينيها وعيني المستعمل، وعندَ الشَّافعيِّ ﵁ يجبُ النُّقصانِ كما في شاةِ القصَّاب، قلنا: في شاةِ القصَّابِ المقصودُ اللَّحمُ فقط.
باب جناية الرقيق وعليه
(فإن جنى عبدٌ خطأً دفعَهُ سيِّدُهُ بها): أي بالجناية، (ويملكُهُ وليُّها أو فداهُ بأرشها
стр. 1153
حالاً، فداهُ فجنى، فهي كالأولى، فإن جنى جنايتَيْن دفعَهُ بهما إلى وليِّهما يقسمانِهِ على قدرِ حقيهِما أو فداهُ بأرشِهما. فإن وهبَه، أو باعَه، أو اعتقَه، أو دبَّرَه، أو استولدَها، ولم يعلمْ بها، ضَمِنَ الأقلَّ من قيمتِهِ ومنَ الأرش، فإن عَلِمَ بها غَرِمَ الأرش، كما لو علَّقَ عتقَهُ بقتلِ زيدٍ أو رميهِ أو شجِّهِ ففعل، فإن قطعَ عبدٌ يدَ حرٍّ عمداً ودفعَ إليه فأعتقَهُ فسرى، فالعبدُ صُلْحٌ بها، وإن لم يعتقْهُ يردُّ على سيِّدِه، فيقتلُ أو يعفي
حالاً)، هذا عندنا، وعند الشَّافِعِيِّ (١) ﵁: الجنايةُ في رقبتِه، يباعُ فيها إلا أن يقضيَ المولى الأرش، وثمرةُ الخلافِ تظهرُ في اتِّباعِ الجاني بعد العتق، فإنَّ المجنيَّ عليه يتَّبعُ الجاني إذا عتقَ عند الشَّافِعِيِّ ﵁.
(فإن فداهُ فجنى، فهي كالأولى)، فإنَّهُ إذا فدى طَهُرَ عن الأولى، فصارتْ الأولى كأن لم تكن، فيجبُ بالثَّانيةِ الدَّفعُ أو الفداء، (فإن جنى جنايتَيْن دفعَهُ بهما إلى وليِّهما يقسمانِهِ على قدرِ حقيهِما أو فداهُ بأرشِهما.
فإن وهبَه، أو باعَه، أو اعتقَه، أو دبَّرَه، أو استولدَها): أي الأمةُ الجانية، (ولم يعلمْ بها، ضَمِنَ الأقلَّ من قيمتِهِ ومنَ الأرش، فإن عَلِمَ بها غَرِمَ الأرش)، فإنَّ المولى قبل هذه التَّصرُّفاتِ كان مختاراً بين الدَّفعِ والفداء، ولمَّا لم يبقَ محلاً للدَّفعِ بلا علمِ المولى بالجنايةِ لم يصرْ مختاراً للأرشِ فصارتِ القيمةُ مقامَ العبد، ولا فائدةَ في التَّخييرِ بين الأقلِّ والأكثر، فيجبُ الأقلّ بخلافِ ما إذا عَلِم، فإنَّهُ يصيرُ مختاراً للأرش.
(كما لو علَّقَ عتقَهُ بقتلِ زيدٍ أو رميهِ أو شجِّهِ ففعل): أي قال: إن قتلتَ زيداً فأنتَ حرٌّ، فقتل، أو قال: إن رميتَ زيداً فأنتَ حرّ، فرمى، أو قال: إن شججتَ رأسَه، فأنتَ حرّ، فشجَّه، غَرِمَ الأرش؛ لأنَّهُ يصيرُ مختاراً للفداء، حيث أعتقَهُ على تقديرِ وجودِ الجناية، كما لو قال: إذا مرضتُ فأنت طالقٌ ثلاثاً، فإذا مرضَ يصيرٌ فارًّاً، وعند زفرَ ﵁: لا يصيرُ مختاراً للفداءِ إذ لا جنايةَ وقتَ تكلُّمِه، ولا عِلْمَ بوجودها.
(فإن قطعَ عبدٌ يدَ حرٍّ عمداً ودفعَ إليه فأعتقَهُ فسرى، فالعبدُ صُلْحٌ بها، وإن لم يعتقْهُ يردُّ على سيِّدِه، فيقتلُ أو يعفي)، فإنَّهُ إذا أعتقَ دلَّ على أنّ (٢) قصدَهُ تصحيحُ الصُّلح، إذ لا صحَّةَ له إلا أن يكون صلحاً عن الجناية، وما يحدثُ منها، أمَّا إذا لم
стр. 1154
فإن جنى مأذونٌ مديونٌ خطأً فأعتقَهُ سيِّدُهُ بلا علمٍ بها، غَرِمَ لربِّ الدَّينِ الأقلَّ من قيمتِهِ ومن دينِه، ولوليِّها الأقلَّ منها ومن الأرش، فإن ولدتْ مأذونةٌ مديونةٌ ولداً يباعُ معها لدينِها، ولا يدفعُ معها لجنايتِها، فإن قتلَ عبدٌ خطأً وليَّ حرٍّ زَعَمَ أنَّ سيِّدَهُ أعتقَهُ فلا شيءَ للحرِّ عليه، فإن قال: قتلتُ أخا زيدٍ قبل عتقي خطأً، وقال زيد: بل بعدَه، صُدِّقَ الأوَّل
يعتقْ، وقد سرى تبيَّنَ أنَّ المالَ غيرُ واجب، وأنَّ الواجبَ هو القَوَد، فكانَ الصُّلحُ باطلاً (١)، فيردّ، ويقال للأولياء: اقتلُوه أو اعفوه.
(فإن جنى مأذونٌ مديونٌ خطأً فأعتقَهُ سيِّدُهُ بلا علمٍ بها، غَرِمَ لربِّ الدَّينِ الأقلَّ من قيمتِهِ ومن دينِه، ولوليِّها الأقلَّ منها ومن الأرش)، فإنَّ السيِّدَ إذا أعتقَ المأذونَ المديونَ فعليه لربِّ الدَّينِ الأقلَّ من قيمتِه ومن الدين، وإذا أعتقَ العبدَ الجاني جنايةً خطأً، فعليه الأقلُّ من قيمتِهِ ومن الأرش، فكذا عند الاجتماعِ إذ لا يزاحمُ أحدُهما الآخر؛ لأنَّهُ لولا الإعتاقُ يدفعُ إلى وليِّ الجناية، ثمَّ يباعُ للدَّين.
(فإن ولدتْ مأذونةٌ (٢) مديونةٌ ولداً يباعُ معها لدينِها، ولا يدفعُ معها لجنايتِها)، فإنَّ الدَّينَ في ذمَّةِ الأمَةِ متعلِّقٌ برقبتِها فيسري إلى الولد، وفي الجنايةِ الدفعُ في ذمَّةِ المولى لا في ذمَّتِها، وإنَّما يلاقيها أثرُ الفعلِ الحقيقيِّ وهو الدَّفع، والسِّرايةُ في الأمورِ الشَّرعيَّةِ لا الحقيقيَّة.
(فإن قتلَ عبدٌ خطأً وليَّ حرٍّ زَعَمَ أنَّ سيِّدَهُ أعتقَهُ فلا شيءَ للحرِّ عليه): أي قال رجل: هذا العبدُ قد أعتقَهُ مولاه، فقتلَ ذلكَ العبدُ شخصاً خطأ، وذلكَ الرَّجلُ وليُّ جنايتِهِ فلا شيء له؛ لأنَّهُ لمَّا قال: إنَّ مولاهُ أعتقَهُ فادَّعى الدِّيةَ على العاقلة، وأبرأ العبدَ والمولى عن موجبِ الجناية (٣).
(فإن قال: قتلتُ أخا زيدٍ قبل عتقي خطأً، وقال زيد: بل بعدَه، صُدِّقَ الأوَّل)، فإنَّهُ أسندَ قتلَهُ إلى حالةٍ منافيةٍ للضَّمان، فكان منكراً، فالقولُ قولُه، كما إذا
стр. 1155
إن قال: قطعتُ يدَها قبل إعتاقِها، وقالت: بل بعدَه، صُدِّقَت، وكذا في أخذِ المالِ منها، لا في الجماعِ والغلَّة، فإن أمرَ عبدٌ محجور، أو صبيٌّ صبياً بقتلِ رجلٍ فقتلَه، فالدِّيةُ على عاقلةِ القاتل، ورجعوا على العبدِ بعد عتقِهِ لا على الصَّبي الآمر
قال العاقل البالغ (١): طلَّقتُ امرأتي، وبعتُ داري، وأنا صبيّ، أو أنا مجنون، وكان جنونُهُ معروفاً، فالقولُ قولُه.
فإن قلت: ينبغي أن لا يكونَ لقولِ العبدِ اعتبار؛ لأنَّ معنى قولِ الأخ: إنّ دِيَةَ القتلِ على عاقلتِك، ومعنى قولِ القاتل: إن الواجبَ على مولاي الأقلَّ من قيمتي، ومن الدِّيَةِ إن لم يعلمْ بالجناية، والدِّيةُ إن كان عالماً بها، فلا اعتبارَ لقولِ العبدِ في حقِّ المولى.
قلت: الأخُ يدَّعي على القاتلِ القتلَ (٢) الخطأَ بعد العتق، ولا بيِّنةَ له، فالقاتلُ إن أقرَّ بذلكِ تلزمُهُ الدِّيَة؛ لأنَّ ما يثبتُ بالإقرارِ لا يتحمَّلُهُ العاقلة، فهو منكرٌ ذلك، بل يقول: قتلُهُ قبلَ العتقِ فيعتبرُ قولُهُ في نفي قتلِهِ بعد العتق، لا في أنَّهُ يثبتُ على المولى شيء؛ لأنَّ قولَهُ لا يكونُ حجَّةً على المولى.
(إن قال: قطعتُ يدَها قبل إعتاقِها، وقالت: بل بعدَه، صُدِّقَت، وكذا في أخذِ المالِ منها، لا في الجماعِ والغلَّة): أي أعتقَ أمَةً ثمَّ قال لها: قَطَعْتُ يدَك، أو أخذتُ منكِ هذا المالَ قبلَما أعتقتُك، وقالت: بل بعدَه، فالقولُ قولُها عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁، وعند محمَّدٍ ﵁: القولُ قولُه، وهو القياس؛ لأنَّهُ ينكرُ الضَّمانَ بإسنادِ الفعلِ إلى حالةٍ معهودةٍ منافيةٍ للضَّمان، قلنا: لم يسندْهُ إلى حالةٍ منافيةٍ له؛ لأنَّه يضمنُ لو فعل وهي مديونةٌ، على أنَّ الأصلَ في هذهِ الأمورِ الضَّمان، فقد أقرَّ بسببِ الضَّمان، ثمَّ ادَّعى البراءةَ عنه بخلافِ ما إذا قال: جامعتُها قبلَ الاعتاق، أو أخذتُ الغلَّةَ (٣) قبلَ الإعتاق، فإنَّ تلكَ الحالةِ منافيةٌ للضَّمانِ بسببِ الجماعِ وأخذِ الغلَّة، وأيضاً الظُّاهرُ كونهما في حالةِ الرِّق.
(فإن أمرَ عبدٌ محجور، أو صبيٌّ صبياً بقتلِ رجلٍ فقتلَه، فالدِّيةُ على عاقلةِ القاتل، ورجعوا على العبدِ بعد عتقِهِ لا على الصَّبي الآمر)؛ لأنَّ المباشرَ هو الصبيُّ المأمور، فتضمنُ عاقلتُهُ ثمَّ يرجعونَ على العبدِ إذا أعتق؛ لأنَّهُ أوقعَ الصَّبيَّ في هذهِ
стр. 1156
فإن كان مأمورُ العبدِ مثلَهُ دفعَ السيِّدُ القاتل، أو فداهُ في الخطأ بلا رجوعٍ في الحال، ويجبُ أن يرجعَ بعد عتقِهِ بأقلَّ من قيمتِه ومن الفداء، وكذا في العمدِ إن كان العبدُ القاتلُ صغيراً، وإن كان كبيراً اقتصّ، فإن قتلَ قنُّ عمداً حرَّيْن لكلِّ واحد وليَّان، فعفا أحدُ وليِّي كلٍّ منهما، دفعَ نصفَه إلى الآخرين، أو فداه بدِيَة
الورطة، لكنَّ قولَهُ غيرُ معتبرٍ لحقِّ المولى، فيضمنُ بعدَ العتق، ولا يرجعونَ على الصَّبيِّ الآمرِ لقصورِ أهليَّتِه.
(فإن كان مأمورُ العبدِ مثلَهُ دفعَ السيِّدُ القاتل، أو فداهُ في الخطأ بلا رجوعٍ في الحال، ويجبُ أن يرجعَ بعد عتقِهِ بأقلَّ من قيمتِه ومن الفداء): أي إن أمرَ عبدٌ محجورٌ عبداً محجوراً بقتلِ رجلٍ ففي الخطأ دفعَ السيِّدُ القاتل أو فداه، ولا رجوعَ على العبدِ الآمرِ في الحال، وإنَّما قال: ويجبُ أن يرجعَ بعدَ العتقِ إذ لا روايةَ لذلك، فينبغي أن يرجعَ بأقلَّ من قيمتِه ومن الفداء؛ لأنَّ القيمةَ إذا كانت أقلَّ من الفداءِ فالمولى غيرُ مضطرٍ إلى إعطاءِ الزِّيادةِ على القيمة، بل يدفعُ العبد، أقول: ينبغي أن لا يرجعَ بشيءٍ لأنَّ الأمرَ لم يصحّ، والآمرُ لم يوقعْهُ في هذهِ الورطةِ لكمالِ عقلِ المأمور، بخلافِ ما إذا كان المأمورُ صبيَّاً (١).
(وكذا في العمدِ إن كان العبدُ القاتلُ صغيراً، وإن كان كبيراً اقتصّ): أي في العمدِ دفعَ السيُّدُ القاتلَ أو فداهُ ثمَّ رجعَ على العبدِ الآمرِ بأقلَّ من قيمتِه ومن الفداءِ إن كان العبدُ القاتلُ صغيراً، فإنَّ عمدَ الصَّغيرِ كالخطأ، وإن كان كبيراً يجبُ القصاص.
(فإن قتلَ قنُّ عمداً حرَّيْن لكلِّ واحد (٢) وليَّان، فعفا أحدُ وليِّي كلٍّ منهما، دفعَ نصفَه إلى الآخرين، أو فداه بدِيَة)، وسقطَ حقُّ مَن عفا في الدِّيَة، وانقلبَ حصّةُ مَن لم يعفُ مالاً، فإمَّا أن يدفعَ نصفَه أو الدِّيَةِ الواحدة.
стр. 1157
فإن قتلَ أحدَهما عمداً والآخرَ خطأً، وعفا أحدُ وليَّيْ العمد، فدى بدِيَةِ لوليِّ الخطأ، وبنصفِها لأحدِ وليَّيْ العمد، أو دفعَ إليهم، وقُسِمَ أثلاثاً عولاً عند أبي حنيفةَ ﵁، وأرباعاً منازعةً عندهما، فإن قتلَ عبدُهما قريبَهما، وعفا أحدُهُما، بطلَ كلُّه.
[فصل الجناية على العبد]
ديةُ العبدِ قيمتُهُ فإن بلغتْ هي دِيَةَ الحرّ، وقيمةُ الأمةِ دِيَةَ الحرَّة، نقصَ من كلٍّ عشرة
(فإن قتلَ أحدَهما عمداً والآخرَ خطأً، وعفا أحدُ وليَّيْ العمد، فدى بدِيَةِ لوليِّ الخطأ، وبنصفِها لأحدِ وليَّيْ العمد، أو دفعَ إليهم، وقُسِمَ أثلاثاً عولاً عند أبي حنيفةَ ﵁، وأرباعاً منازعةً عندهما)، أمَّا طريقُ العول فإنَّ وليَّي الخطأِ يدَّعيانِ الكلّ، وأحدُ وليَّي العمدِ يدَّعي النِّصفَ فيضرب هذانِ بالكلّ، وذلك بالنِّصف، أصلُهُ التَّركةُ المستغرقة بالدَّين (١)، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وقالا: يدفعُهُ أرباعاً، ثلاثةُ أرباعِهِ لوليِّ الخطأ، وربعُهُ لوليِّ العمدِ بطريقِ المنازعة، فيسلِّمُ النِّصفَ لوليِّ الخطأ بلا منازعة، وبقى منازعةُ الفريقَيْن في النَّصفِ الآخر، فينصَّف؛ فلهذا يقسمُ أرباعاً (٢).
(فإن قتلَ عبدُهما قريبَهما، وعفا أحدُهُما، بطلَ كلُّه): أي عبداً لرجليْن قتلَ ذلك العبدُ قريباً لهما، فعفا أحدُهما بطلَ الكلُّ عند أبي حنيفةَ (٣) ﵁، وقالا: يدفعُ الذي عفا نصفَ نصيبهِ إلى الآخر، أو يفديهِ بربعِ الدِّيَة.
[فصل الجناية على العبد]
(ديةُ العبدِ قيمتُهُ فإن بلغتْ هي دِيَةَ الحرّ، وقيمةُ الأمةِ دِيَةَ الحرَّة، نقصَ من كلٍّ عشرة)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ ومحمَّدٍ ﵁ إظهاراً لانحطاطِ رتبةِ العبدِ عن الحرِّ،
стр. 1158
وفي الغصبِ قيمتُهُ ما كانت، وما قُدِّرَ من دِيَةِ الحرِّ قُدِّرَ من قيمتِه، ففي يدِه نصفُ قيمتِه، عبدٌ قُطِعَ يَدُهُ عمداً، فأعتقَ فسرى، أُقيد إن ورثَه سيِّدُهُ فقط، وإلا لا، فإن أعتقَ أحدَ عبديهِ فشُجَّا، فعيَّن أحدهما، فأرشُهُما للسيِّد، فإن قتلَهُما رجلٌ تجبُ ديةُ حرّ، وقيمةُ عبد، وإن قتلَ كلاًّ رجلٌ فقيمةُ العبدَيْن
وعند أبي يوسفَ ﵁ والشَّافعيِّ (١) ﵁: يجبُ قيمتُهُ بالغةً ما بلغت.
(وفي الغصبِ قيمتُهُ ما كانت) (٢)، هذا بالإجماع، فإنَّ المعتبرَ في الغصبِ الماليَّةُ لا الآدميَّة.
(وما قُدِّرَ من دِيَةِ الحرِّ قُدِّرَ من قيمتِه): أي قيمةِ العبد، (ففي يدِه نصفُ قيمتِه): أي إن كانت قيمتُهُ عشرةَ آلافٍ أو أكثر، يجبُ في يدِه خمسةُ آلاف إلا خمسةُ دراهم.
(عبدٌ قُطِعَ يَدُهُ عمداً، فأعتقَ فسرى، أُقيد إن ورثَه سيِّدُهُ فقط، وإلا لا): أي إن كان وارثُ المعتقِ السيِّدُ فقط، استوفى القَوَدَ عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁، وعندَ محمَّدٍ ﵁ لا؛ لأنَّ القصاصَ يجبُ بالموتِ مستنداً إلى وقتِ الجرح، فإن اعتبرَ حالةَ الجرح، فسببُ الولايةِ الملك، وإن اعتبرَ حالةَ الموتِ فالسَّببُ الوراثةُ بالولاء، فجهالةُ سببُ الاستحقاقِ تمنعُ كجهالةِ المستحقّ، قلنا: لا اعتبارَ لجهالةِ السَّببِ عند تيقُّنِ مَن له الحقّ، وإن لم يكنْ الوارثُ السيِّدُ فقط: أي بقي له وارثٌ غيرُ السَيِّدِ لا يقادُ بالاتِّفاق؛ لأنَّهُ إن اعتبرَ حالةَ الجرحِ فالمستحقُّ السيِّدُ فقط، وإن اعتبرَ حالةَ الموتِ فذلكَ الوارث، أو هو مع السَيِّد، فجهالةُ المقضي لهُ تمنعُ الحكم.
(فإن أعتقَ أحدَ عبديهِ فشُجَّا، فعيَّن أحدهما، فأرشُهُما للسيِّد، فإن قتلَهُما رجلٌ تجبُ ديةُ حرّ، وقيمةُ عبد، وإن قتلَ كلاًّ رجلٌ فقيمةُ العبدَيْن): أي قال لعبديه: أحدكُما حرُّ ثمَّ شُجَّا فبيَّن السيِّدُ أنَّ المرادَ بأحدهما هذا المعيَّن، فأرشهما للسيِّدِ لما عرفَ أنَّ البيانَ إظهارٌ من وجه، وإنشاءٌ من وجه، وبعدَ الشَّجةِ يبقى محلاً للإنشاء، فاعتبرَ إنشاء (٣)، فكأنَّهُ أعتقَ وقتَ البيان.
стр. 1159
وفي فقء عينَيْ عبدٍ دَفَعَه سيِّدُهُ وأخذَ قيمتَه، أو أمسكَهُ بلا أخذِ النُّقصان.
[فصل جناية المدبّر وأم الولد]
فإن جنى مُدَبَّرٌ أو أمُّ ولد، ضمنَ السيِّدُ الأقلَّ من القيمة ومن الأرش، فإن جنى أخرى، شاركَ وليُّ الثَّانيةِ وليُّ الأولى في قيمةٍ دفعتْ إليهِ بقضاءٍ إذ ليس في جناياته إلا قيمةٌ واحدةٌ، واتَّبعَ السيِّدَ أو وليَّ الأولى إن دفعتْ بلا قضاء
(وفي فقء عينَيْ عبدٍ دَفَعَه سيِّدُهُ وأخذَ قيمتَه، أو أمسكَهُ بلا أخذِ النُّقصان): أي إن شاءَ السيِّدُ دفعَ العبدَ إلى الجاني، وأخذَ القيمة، وإن شاءَ أمسكَهُ بلا أخذِ النُّقصان، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وقالا: يخيَّرُ بينَ الدَّفعِ والإمساكِ مع أخذِ النُّقصان، وقال الشَّافعيُّ (١) ﵁: ضمَّنَهُ القيمةَ وأمسكَ الجثَّةَ العمياء، فإنَّهُ يجعلُ الضَّمانَ في مقابلةِ الفائتِ فبقي الباقي على ملكِهِ، كما إذا فقأَ إحدى عينيه، وقالا: الماليَّةُ معتبرةٌ في حقِّ الأطراف، وإنَّما سقطتْ في حقِّ الذَّاتِ فقط، وحكمُ الأموالِ ما ذكرنا، كما في الخرقِ الفاحش (٢)، وقال أبو حنيفةَ ﵁: الماليَّةُ إن كانتْ معتبرةً فالآدميَّةُ غيرُ مهدرة، فالعملُ بالشَّبهينِ أوجبَ ما ذكرنا.
[فصل جناية المدبر وأمّ الولد]
(فإن جنى مُدَبَّرٌ أو أمُّ ولد، ضمنَ السيِّدُ الأقلَّ من القيمة ومن الأرش)، إذ لا حقَّ لوليِّ الجنايةِ في أكثرَ من الأرش، ولا منعَ من المولى في أكثرَ من القيمة.
(فإن جنى أخرى، شاركَ وليُّ الثَّانيةِ وليُّ الأولى في قيمةٍ دفعتْ إليهِ بقضاءٍ إذ ليس في جناياته إلا قيمةٌ واحدةٌ، واتَّبعَ السيِّدَ أو وليَّ الأولى إن دفعتْ بلا قضاء)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما: لا يتَّبعُ السيِّد؛ لأنَّ الجنايةَ الثَّانيةَ لم تكنْ موجودةً عند دفعِ القيمةِ إلى وليِّ الأولى، فقد دفعَ كلَّ الواجبِ إلى مستحقِّه، له: أنَّ الثَّانيةَ مقارنةٌ للأولى من وجه؛ ولهذا يشاركُ وليُّ الأولى، فإن دفعَ إلى وليِّ الأولى
стр. 1160
[باب غصب العبد والصبي والمدبر والجناية في ذلك]
ومَن غصبَ عبداً قطعَ سيِّدُهُ يدُه فسرى، ضمنَ قيمتَهُ أقطع، فإن قطعَهُ سيِّدُه في يدِ غاصبِهِ فسرى في يدِه، لم يضمن، وضمنَ عبدٌ محجورٌ غصبَ مثلَهُ فماتَ معه، فإن جنى مُدبَّرٌ عند غاصبِه، ثمَّ عند سيِّدِه أو عكس، ضَمِنَ قيمتَهُ لهما، ورجعَ بنصفِها على الغاصب، ودفعَ إلى الأوَّل، ثمَّ في الأولى رجعَ به على الغاصب، وفي الثَّانيةِ لا
طوعاً (١) كان ضامناً بخلافِ ما إذا دفعَ غيرَ طائعٍ بحكمِ القاضي.
[باب غصب العبد والصبي والمدبر والجناية في ذلك]
(ومَن غصبَ عبداً قطعَ سيِّدُهُ يدُه فسرى، ضمنَ قيمتَهُ أقطع، فإن قطعَهُ سيِّدُه في يدِ غاصبِهِ فسرى في يدِه): أي في يدِ الغاصب، (لم يضمن)، فإنَّ الغاصبَ إذا غصبَ مقطوعَ اليدِ يجبُ ردُّهُ كذلك، فإذا امتنعَ فعليهِ قيمتُهُ أقطع، وإن قطعَ المولى في يدِ الغاصبِ استولى عليه، فصارَ مستردِّاً، فيبرأ الغاصبُ عن الضَّمان مع أنَّهُ ماتَ في يدِه.
(وضمنَ عبدٌ محجورٌ غصبَ مثلَهُ فماتَ معه)، فإنَّ المحجورَ مؤاخذٌ بأفعالِه، فإن كان الغصبُ ظاهراً يباعُ فيه، وإن لم يكنْ ظاهراً بل أقرَّ به لا يباعُ فيه، بل يؤاخذُ به إذا أعتق.
(فإن جنى مُدبَّرٌ عند غاصبِه، ثمَّ عند سيِّدِه أو عكس، ضَمِنَ قيمتَهُ لهما، ورجعَ بنصفِها على الغاصب، ودفعَ إلى الأوَّل، ثمَّ في الأولى رجعَ به على الغاصب، وفي الثَّانيةِ لا): أي غصبَ رجلٌ مدبِّراً فجنى عندَه خطأ، ثمَّ ردَّهُ على المولى، فجنى عنده خطأ، أو كان الأمرُ بالعكس: أي جنى عندَ المولى خطأ، ثمَّ غصبَه رجلٌ فجنى عنده خطأ، ففى الصُّورتَيْن يضمنُ المولى قيمتَهُ لأجلِ الجنايتيْن، ثمَّ يرجعُ بنصفِها على الغاصب، ثمَّ يدفعُ هذا النِّصفَ إلى وليِّ الجنايةِ الأولى، دونَ الثَّانية، لأنَّ حقَّهُ لم يجبْ إلا والمزاحمُ قائم، فلم يجب، فإذا دفعَ هل يرجعُ به على الغاصبِ أم لا؟
ففي الصُّورةِ الأولى: يرجع.