← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1125

شرح الوقاية - ت أبو الحاج

المحبوبي صدر الشريعة الأصغر

Полный текст (1 235 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

كتاب الطهارة قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية كتاب الطهارة (١) اكتفى بلفظِ الواحدِ مع كثرةِ الطَّهارات؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ المصدرَ لا يُثنَّى ولا يُجْمَعُ؛ لكونِها (٢) اسمُ جنسٍ (٣) يشملُ جميعَ أنواعِها، وأفرادِها، فلا حاجةَ إلى لفظِ الجمع. (قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية (٤)) افتتحَ الكتابَ بهذه الآيةِ تيمُّناً؛ ولأنَّ الدَّليلَ أصل، والحكمُ فرعُه، والأصلُ مقدَّمٌ بالرُّتبةِ على الفرع. ثمَّ لمَّا كانت الآيةُ دالَّةً على فرائضِ (٥) الوضوء (٦)، أدخلَ فاءَ التَّعقيبِ في قوله:

стр. 107

ففرضُ الوضوء: غسلُ الوجهِ من الشَّعر إلى الأذن وأسفلُ الذَّقن واليدين، والرِّجلين، مع المرفقين والكعبين (ففرضُ الوضوء: غسلُ الوجهِ من الشَّعر): أي من قصاصِ شعرِ الرَّأس، وهو منتهى منبت شعرِ الرَّأس (إلى الأذن) فيكون ما بين العِذارِ (١) والأُذُنِ داخلاً في الوجه، كما هو مذهبُ أبي حنيفةَ ﵁ ومحمَّدٍ ﵁ فيفرضُ غسلُه، وعليه أكثرُ مشايخنا (٢) ﵃. وذكرَ شمسُ الأئمَّة الحَلْوَانيُّ (٣) ﵁: يكفيه أن يَبُلَّ ما بين العِذارِ والأُذُن، ولا يجب إسالةُ الماءِ عليه؛ بناءً على ما رُوي عن أبي يوسفَ ﵁: أنَّ المصلِّي إذا بَلَّ وجهَهُ وأعضاءَ وضوئِهِ بالماء، ولم يسلْ الماءُ عن العضو جاز، لكن قيلَ تأويلُهُ: أنّه سالَ من العضوِ قطرةٌ أو قطرتان (٤)، ولم يتدارك. (وأسفلُ الذَّقن) فتممَّ حدودَ الوجهِ من الأطرافِ الأربعة (٥). ثمَّ عَطَفَ على الوجه قولَه: (واليدين، والرِّجلين مع المرفقين، والكعبين (٦))

стр. 108

.................................................................................... خلافاً لزُفَرَ (١) ﵁، فإنَّ عنده لا يَدْخُلُ المرفقانِ والكعبانِ في الغَسل؛ لأنَّ الغايةَ لا تدخلُ تحتَ المغيَّا (٢). ونحن نقول: إن كانت الغايةُ بحيثُ لو لم تدخلْ فيها كلمةُ: إلى، لم يتناولْها صدرُ الكلام، لم يدخلْ تحت المغيَّا، كاللَّيلِ في الصَّوم. وإن كانت بحيثُ يتناولُها الصَّدرُ كالمتنازعِ فيه تدخلُ تحتَ المغيَّا (٣)، بناءً على أنَّ للنَّحويِّين في: إلى؛ أربعةُ مذاهب: الأوَّل: دخولُ ما بعدَها فيما قبلها إلا مجازاً. والثَّاني: عدمُ الدُّخولِ إلا مجازاً (٤). والثَّالث: الاشتراك (٥). والرَّابع: الدُّخولُ إن كانَ ما بعدها من جنسِ ما قبلها، وعدمُهُ إن لم يكن (٦). فهذا المذهبُ الرَّابعُ يوافقُ ما ذكرنا في اللَّيل (٧) والمرافق (٨).

стр. 109

.................................................................................................................... وأمَّا الثَّلاثةُ الأُوَل: فالأوَّلُ يعارضُهُ الثَّاني، فتساويا، والثَّالثُ أوجبَ التَّساوي أيضاً، فوقعَ الشَّكُ في مواضعِ استعمالِ كلمة: إلى. ففي مثل صورة: اللَّيل في الصَّوم، إنَّما وَقَعَ الشَّكُّ في التَّناولِ والدُّخول، فلا يثبتُ التَّناولُ بالشَّكّ. وفي مثلِ صورة: النِّزاع، إنَّما وقعَ الشَّكُّ في الخروجِ بعدما ثبتَ تناولُ صدرِ الكلامِ والدُّخولُ فيه، فلا يخرجُ بالشَّكّ. وما ذكرُوا (١) أنَّها غايةُ الإسقاط فمشهور في الكتب (٢)، فلا نذكرُه. ثمَّ الكعبُ (٣) في رواية هشام (٤) ﵁ عن محمَّد ﵁: هو المفصلُ الذي في وسطِ القدمِ عند معقدِ الشِّراك (٥)، لكنَّ الأصحَّ (٦) أنَّها العظمُ النَّاتئُ الذي ينتهي إليه عظم السَّاق؛ وذلك لأنَّه تعالى اختار لفظَ الجمعِ في أعضاءِ الوضوء، فأريدَ بمقابلةِ الجمعِ بالجمع انقسامُ الآحادِ على الآحاد،

стр. 110

ومسحُ رُبْعِ الرَّأس واللِّحية واختارَ في الكعبِ لفظَ المثنى فلم يمكنْ أن يُرادَ به انقسامُ الآحادِ على الآحاد، فتعيَّنَ أنَّ المثنَّى مقابلٌ لكلِّ واحدٍ من أفرادِ الجمع في كلِّ رِجْلِ كعبان، وهما العظمان النَّاتئان لا معقدُ الشِّراك (١)، فإنَّهُ واحدٌ في كلِّ رجل (٢). (ومسحُ رُبْعِ الرَّأس واللِّحية) المسحُ (٣): إصابةُ اليدِ المبتلَّةِ العضو، إمَّا بَلَلاً يأخذُهُ من الإناء، أو بَلَلاً باقياً باليدِ بعد غَسلِ عضوٍ من المغسولات (٤). ولا يكفي البَلَلُ الباقي في يدِهِ بعد مسحِ عضوٍ من الممسوحات، ولا بَلَلٌ يأخذُهُ من بعضِ أعضائهِ سواءٌ كان ذلك العضوُ مغسولاً أو ممسوحاً، وكذا في مَسْحِ الخُفّ (٥).

стр. 111

................................................................................................................... واعلمْ (١) أنَّ المفروضَ (٢) في مسحِ الرَّأسِ أدنى ما يطلقُ عليه اسمُ المسح، وهو شعرةٌ أو ثلاثُ شعراتٍ عند الشَّافعيِّ (٣) (٤) ﵁، عملاً بإطلاقِ النَّصّ. وعندَ مالكٍ (٥) (٦): الاستيعابُ فرضٌ كما في قولِهِ تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (٧)

стр. 112

................................................................................................................... وعندنا ربعُ الرَّأس (١) : وقد ذكرُوا أنَّهُ إذا قيل: مسحتُ الحائط بيدي، يرادُ به (٢) كلُّه، (لأنَّ الحائطَ اسمٌ للمجموع، وقد وقعَ مقصوداً؛ لأنَّهُ محلّ، و المحلُّ هو المقصودُ بالفعلِ المتعدي، فيرادُ بهِ كلُّه) (٣). وإذا قيل: مسحت بالحائط، يرادُ به (٤) بعضه؛ لأنَّ الأصلَ في الباءِ أن تدخلَ على الوسائل، وهي غيرُ مقصودةٍ، فلا يثبتُ استيعابها، بل يكفي منها ما يتوسَّلُ به إلى المقصود، فإذا دخلَت الباءُ في (٥) المحلِّ شُبِّهَ المحلُّ بالوسائل، فلا يثبتُ استيعابُ المحلّ.

стр. 113

.................................................................................................................. لكن يُشْكِل هذا بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (١)، ويمكنُ أن يجابَ عنه: أ- بأنَّ الاستيعابَ في التَّيمُّمِ لم يثبتْ بالنَّص، بل بالأحاديثِ (٢) المشهورةِ (٣) بأنَّ مسحَ الوجهِ في التَّيمُّمِ قائمٌ مقامَ غسلِه. ب- فحكمُ الخَلَفِ (٤) في المقدارِ حكمُ الأصل (٥)، كما في مسحِ اليدين، فلو كان النَّصُّ دالاً على الاستيعابِ لَلَزمَ مسحُ اليدينِ إلى الإبطينِ في التَّيمُّم؛ لأنَّ الغايةَ لم تذكرْ في التَّيمُّم.

стр. 114

................................................................................................................... وأيضاً الحديثُ المشهور، وهو حديثُ (١) المسحِ على النَّاصية (٢)، دلَّ على أنَّ الاستيعابَ غيرُ مراد، فانتفى قولُ مالكٍ ﵁. وأمَّا نفيُ مذهبِ الشَّافعيِّ (٣) ﵁ فمبنيٌّ على أنَّ الآيةَ مجملةٌ (٤) في حقِّ المقدارِ لا مطلقةٌ (٥) كما زعم؛ لأنَّ المسحَ في اللُّغة: إمرارُ اليدِ المبتلَّة (٦). ولا شكَّ أنَّ مماسّةَ الأنملةِ (٧) شعرةً أو ثلاثاً لا تُسَمَّى مسحَ الرَّأس، وإمرارُ اليدِ يكونُ له حدّ، وهو غيرُ معلوم، فيكونُ مجملاً؛ ولأنَّهُ إذا قيل: مسحتُ بالحائط، يرادُ به البعض، وفي قولِهِ تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (٨) يرادُ (٩) الكلّ، فتكونُ الآيةُ في المقدارِ مجملة، ففعلُهُ ﷺ أنَّهُ «مسحَ على ناصيتِه» (١٠) يكون بياناً.

стр. 115

................................................................................................................... وأمَّا اللِّحيةُ: فعندَ أبي حنيفةَ ﵁: مسحُ ربعها فرض (١) ؛ لأنَّهُ لمَّا سقطَ غسلُ ما تحتها من البشرةِ صارَ كالرَّأس. وعند أبي يوسفَ ﵁: مسحُ كلِّها فرض؛ لأنَّهُ لمَّا سقطَ غسلُ ما تحتها، أقيمَ مسحُها مقامَ غسلِ ما تحتَها، فيفرضُ مسحُ الكلِّ بخلافِ الرَّأس، فإنَّهُ إذا كان عارياً عن الشَّعرِ لا يجبُ غسلُ كلِّه، ولا مسحُ كلِّه. وقد ذُكِرَ أنَّ المرادَ بالرُّبعِ ربعُ ما يُلاقي بشرةَ الوجهِ منها، إذ لا يجبُ إيصالُ

стр. 116

وسُنَّتُهُ: للمستيقظِ غسلُ يديِهِ إلى رُسْغيِهِ ثلاثاً قبل إدخالِهما الإناء الماءِ إلى ما استرسلَ من الذَّقنِ خلافاً للشَّافعيِّ (١) ﵁، كذا ذكره (٢) في «الايضاح» (٣). وفي أشهرِ الرِّوايتَيْن عن أبي حنيفةَ ﵁: مسحُ ما يسترُ البشرةَ فرض، وهو الأصحُّ المختار، كذا في «شرحِ الجامعِ الصَّغير» لقاضي خان (٤). وإذا مسحَ ثمَّ حلقَ الشَّعرَ لا تجبُ الإعادة، وكذا إذا توضَّأ، ثمَّ قصَّ الأَظْفار (٥). (وسُنَّتُهُ (٦): للمستيقظِ (٧) غسلُ يديِهِ إلى رُسْغيِهِ (٨) ثلاثاً قبل إدخالِهما الإناء (٩)) هذا الغسل:

стр. 117

................................................................................................................... عند بعضِ المشايخِ: سنَّة قبل الاستنجاء. وعند البعض: بعدَه. وعند البعض: قبلَهُ وبعدَهُ جميعاً (١). وكيفيةُ الغَسل: أنَّهُ إذا كان الإناءُ صغيراً بحيثُ يمكنُ رفعُهُ يرفعُهُ بشمالِه، ويصبُّهُ على كفِّهِ اليمنى، ويغسلُها ثلاثاً، ثمَّ يصبُّ بيمينِهِ على كفِّه اليسرى كما ذكرنا. وإن كان كبيراً بحيث (٢) لا يمكنُ رفعُه، فإن كان معه إناءٌ صغير، يرفعُ الماءَ ويغسلهُمَا ثلاثاً كما ذكرنا (٣). وإن لم يكن، يُدْخِلُ أصابعَ يدِهِ اليسرى مضمومةً في الإناء، ولا يدخلُ الكفّ (٤)، ويصبُّ الماءَ على يمينه، ويدلِّكُ الأصابعَ بعضَها ببعض يفعلُ هكذا ثلاثاً، ثمَّ يدخلُ يمناهُ في الإناءِ بالغاً ما بلغ. والنَّهيُّ في قولِهِ ﷺ : «فَلا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي الإِنَاء» (٥)، محمولٌ على ما إذا كان الإناءُ صغيراً أو كبيراً ومعهُ إناءٌ صغير. أمَّا إذا كان الإناءُ كبيراً، وليس معه إناءٌ صغير، يحملُ على الإدخالِ بطريقِ المبالغة، وكلُّ ذلك إذا لم يعلمْ على يدِهِ نجاسة (٦)، أمَّا إذا عَلِمَ فإزالةُ النَّجاسةِ على

стр. 118

وتسميةُ اللهِ تعالى ابتداءً، والسِّواك، والمضمضةُ بمياه، والاستنشاقُ بمياه وجهٍ لا يفضي إلى تنجيسِ الإناء أو غيرِهِ فرضٌ. (وتسميةُ اللهِ تعالى ابتداءً (١)، والسِّواك (٢)، والمضمضةُ (٣) بمياه، والاستنشاقُ (٤) بمياه)، وإنَّما قال (٥): بمياه، ولم يقل: ثلاثاً ليدلَّ على أنَّ المسنونَ التَّثليثَ بمياهٍ جديدة،

стр. 119

وتخليلُ اللِّحية، والأصابع، وتثليثُ الغَسْل، ومسحُ كلِّ الرَّأسِ وإنَّما كرَّرَ قولَهُ بمياهٍ ليدلّ على تجديدِ الماءِ لكلٍّ منهما (١) خلافاً للشَّافعي (٢) ﵁، فإنَّ المسنونَ عندَهُ أن يمضمضَ ويستنشقَ بغرفة واحدة، ثمَّ هكذا ثمَّ هكذا. (وتخليلُ اللِّحية (٣)، والأصابع (٤)، وتثليثُ الغَسْل (٥)، ومسحُ كلِّ الرَّأسِ (٦)

стр. 120

مرَّة والأُذُنَيْنِ بمائه، والنِيَّةُ، والتَّرتيب الذي نصَّ عليه مرَّة (١)) خلافاً للشَّافعيّ ﵁، فإنَّ عنده تثليثُ المسحِ سُنَّة (٢)، وقد أوردَ التِّرْمِذِيُّ (٣) في «جامعه»: «أنَّ عليَّاً ﵁ توضَّأ فغسلَ أعضاءه ثلاثاً، ومسحَ رأسَهُ مرّةً واحدةً (٤)، وقال: هكذا وضوءُ رسولِ الله ﷺ » (٥)، (٧ وفي «صحيحِ البُخاري (٦)» مثلُ هذا (٧). (والأُذُنَيْنِ بمائه (٨)): أي بماءِ الرَّأسِ خلافاً له (٩)، فإنَّ تجديدَ الماءِ لمسحِ الأُذُنَيْنِ سُنَّةٌ عنده. (والنِيَّةُ، والتَّرتيب الذي نصَّ عليه): أي التَّرتيبُ المذكورُ في نصِّ القرآن، وكلاهما فرضان عنده (١٠)، أمَّا النِيَّةُ فلقولِهِ ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات» (١١).

стр. 121

.................................................................................................................... وجوابُنا (١): إنَّ الثَّوابَ منوطٌ (٢) بالنِيَّة اتِّفاقاً، فلا بُدَّ أن يقدَّرَ الثَّواب، أو يقدَّرَ شيء يشملُ الثَّواب، نحو: حكمِ الأعمالِ بالنِيَّات، فإنَّ قُدِّرَ الثَّوابَ فظاهر، وإن قُدِّرَ الحكم، فهو نوعان: دنيويٌّ كالصِّحَّة، وأخرويُّ كالثَّواب، والآخرويٌّ مرادٌ بالإجماع. فإن قيل: حكمُ الأعمال بالنِيَّات، ويرادُ بهِ الثَّواب، صُدِّقَ الكلام، فلا دلالةَ له على الصِّحَّة. فإن قيل: مثلُ هذا الكلام يتأتَّى في جميعِ العبادات، فلا دلالةَ على اشتراطِ النِيَّةِ في العبادات، وذا باطل، فإنَّ المُتَمَسَّكَ في اشتراطِ النِيَّة في العبادات هذا الحديث. قلنا: نقدَّرُ الثَّواب، لكنَّ المقصودَ في العباداتِ المحضةِ هو الثَّواب، فإذا خَلَتْ عن المقصودِ لا يكونُ لها صحَّة؛ لأنَّها لم تشرعْ إلا مع كونها عبادةٌ بخلافِ الوضوء، إذ ليسَ عبادة مقصودة، بل شُرِعَ شرطاً لجوازِ الصَّلاة، فإذا خلا (عن المقصود: أي) (٣) عن الثَّوابِ انتفى كونُهُ عبادة، لكن لا يلزمُ من هذا انتفاءُ صحَّتِه؛ إذ لا يَصْدُقُ أنَّه

стр. 122

................................................................................................................... لم يشرعْ إلا عبادة، فبقي صحَّتُهُ بمعنى أنَّهُ مفتاحُ الصَّلاةِ (١)، كما في سائرِ الشُّرائط: كتطهيرِ الثَّوب، والمكان، وسترِ العورة، فإنَّهُ لا تشترطُ النِيَّةُ في شيءٍ منها. وأمَّا التَّرتيبُ؛ فلقولِهِ تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢)، فيفرضُ تقديمُ غسلِ الوجه، فيفرضُ تقديم (٣) الباقي مُرَتَّباً؛ لأنَّ تقديمَ غسلِ الوجهِ مع عدمِ التَّرتيبِ (في الباقي) (٤) خلافُ الإجماع (٥).

стр. 123

.................................................................................................................... قلنا (١): المذكورُ (٢) بعده حرفُ الواو، فاغسلوا هذا المجموع، فلا دلالةَ له على تقديمِ غسلِ الوجه. وإن سُلِّمَ فمتى استدلَّ المجتهدُ بهذهِ الآية، لم يكنْ الإجماعُ مُنْعَقِداً (٣)، فاستدلالُهُ بها على ترتيبِ الباقي استدلالٌ بلا دليل، وتمسُّكٌ بمجرَّدِ زعمِهِ لا بالإجماع. وقد رأيتُ في كتبهم: الاستدلالُ بقولِهِ ﷺ : «هَذَا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللهُ تَعَالَى الصَّلاةَ إِلاَّ بِهِ» (٤)، وقد كان هذا الوضوءُ مُرَتَّباً، فيفرضُ التَّرتيب (٥).

стр. 124

والوِلاء. ومستحبُّهُ: التَّيامن وقد سَنَحَ (١) لي جوابٌ حَسَن، وهو أنَّهُ توضَّأ مرَّةً مرَّة، وقال ﷺ : «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاةَ إِلاَّ بِهِ»، فهذا القولُ يرجعُ إلى المرَّةِ فحسب، لا إلى الأشياءِ الأُخر؛ لأنَّ هذا الوضوءَ لا يخلو: إمَّا أن يكون ابتداؤهُ من اليمين، أو من (٢) اليسار. وأيضاً: إمَّا أن يكون على سبيلِ الموالات، أو عدمِها. فقولِه ﷺ : «هَذَا وُضُوءٌ … » إلى آخرِه، إن أريدَ به هذا الوضوء بجميعِ أوصافِهِ يلزمُ فرضيَّة الموالات، أو ضدّها، أو التَّيامن أو ضدّه، وإن لم يُرِدْ بجميعِ أوصافِهِ لا يدلُّ على فرضيَّةِ التَّرتيب. (والوِلاء (٣)): أي غسلُ الأعضاءِ المفروضات (٤) على سبيلِ التَّعاقبِ بحيثُ لا يَجِفُّ العضوُ الأوَّل. وعند مالكٍ (٥) ﵁: هو فرض، والدَّليلُ على كونِ الأمورِ المذكورةُ سنَّةٌ مواظبةُ النَّبيِّ ﷺ من غيرِ دليلٍ على فرضيَّتِها (٦). (ومستحبُّهُ: التَّيامن): أي الابتداءُ باليمينِ في غسلِ الأعضاء، فإن قلت: لا شكَّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ

стр. 125

.................................................................................................................... واظبَ على التَّيامنِ في غسلِ الأعضاء (١)، ولم يروِ أحدٌ أنَّهُ بدأ بالشِّمال، فينبغي أن يكونَ سنَّة. قلتُ: السُنَّةُ ما واظبَ عليه النَّبيُّ ﷺ مع التَّركِ أحياناً، فإن كانت المواظبةُ المذكورةُ على سبيلِ العبادةِ فسننُ الهدى (٢)، وإن كانت على سبيلِ العادةِ فسننُ الزَّوائد، كلبسِ الثَّياب، والأكل باليمين، وتقديمِ الرِّجلِ اليُمْنى في الدُّخول، ونحو ذلك. وكلامُنا في الأَوَّل (٣)، ومواظبةُ النَّبيِّ ﷺ على التَّيامنِ كانت من قبيلِ الثَّاني (٤)، ويفهمُ هذا من تعليلِ صاحبِ «الهداية» (٥) بقولِه: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيء، حَتَّى التَّنَعُلَّ والتَّرُجُّل» (٦). (٧)

стр. 126

ومسحُ الرَّقبة، وناقضُهُ: ما خرجَ من السَّبيلَيْن (ومسحُ الرَّقبة (١))؛ (لأنَّ النَّبيَّ ﷺ مسح عليها) (٢) (٣). (وناقضُهُ: ما خرجَ من السَّبيلَيْن) سواءٌ كان معتاداً، أو غيرَ معتاد: كالدَّودة (٤)، والرَّيحِ (٥)

стр. 127

أو من غيرِهِ إن كان نَجَساً سالَ إلى ما يطهر الخارجةِ من القُبُلِ والذَّكر، وفيه اختلاف المشايخ. (أو من غيرِهِ إن كان نَجَساً (١) سالَ إلى ما يطهر): أي إلى موضعٍ يجبُ تطهيرُهُ في الجملة، إمَّا في الوضوء، أو في الغُسْل (٢). وعند الشَّافعيِّ (٣) ﵁ الخارجُ من غيرِ السَّبيلَيْن لا ينقضُ الوضوء. وقولُه: إن كان نَجَساً، متعلِّقٌ بقولِه: أو من غيرِه، والرِّوايةُ النَّجَس، بفتحِ الجيم: وهو عينُ النَّجاسة، وأمَّا بكسرِ الجيم، فما لا يكونُ طاهراً، هذا في اصطلاحِ الفقهاء (٤). وأمَّا في اللُّغةِ فيقال: نَجِسَ الشَّيءُ يَنْجُس، فهو نَجِسٌ ونَجَس (٥). وإنَّما قال: سال؛ لأنَّهُ إذا لم يتجاوزِ المخرجَ لا ينقضُ الوضوءَ عندنا، وينقضُ عندَ زُفَر ﵁.

стр. 128

.................................................................................................................... وكذا إذا عَصَرَ القُرْحةَ (١) فتجاوز، وكان بحالٍ لو لم يعصرْ لم يتجاوزْه (٢). وكذا (٣) إذا عَضَّ شيئاً، أو خلَّلَ أسنانَه، أو أدخلَ أُصْبَعَهُ في أنفِهِ فرأى أثرَ الدَّم، أو استنثرَ فخرجَ من أنفِهِ الدَّمُ عَلَقاً (٤) عَلَقا مثل: العدس، لا ينقضُ الوضوء (٥) عندنا، خلافاً لزُفَرَ ﵁، ووجهُه: أنَّ خروجَ النَّجاسةِ مؤثِّرٌ في زوالِ الطَّهارةِ كالسَّبيلَيْن. ونحن نقول: نعم؛ لكنَّ القليلَ بادٍ لا خارج، والنَّجاسةُ المستقرِّةُ في موضعِهَا لا تنقض. قلت: هذا الدَّليلُ غير تامّ؛ لأنَّهُ لا يشملُ ما إذا غُرِزَتْ إبرةٌ فارتقى الدَّمُ على رأسِ الجرحِ لكن لم يسلْ (عن رأسِ الجرح) (٦)، فإنَّ الخروجَ هناكَ محسوسٌ، ومع ذلك لا ينقضُ عندنا (٧)، وقد خطرَ ببالي وجهٌ حسن: وهو أنَّهُ لم يتحقَّقْ خروجُ النَّجاسة؛ لأنَّ هذا الدَّمَ غيرُ نجس، بل النَّجسُ هو الدَّمُ المسفوح، وهكذا في القيءِ القليل، وسيأتي في هذهِ الصَّفحة (٨). وقولُه: إلى ما يطهر، احترازٌ عمَّا إذا قشرتْ نَفْطةٌ (٩) في العين، فسالَ الصَّديدُ بحيث

стр. 129

والقيء دماً رقيقاً إن ساوى البُزاق أو مِرَّةً، أو طعاماً، أو ماءً، أو عَلَقاً إن لم يخرجْ من العينِ لا ينقضُ الوضوء؛ لأنَّ داخلَ العينِ لا يجبُ تطهيرُهُ أصلاً لا في الوضوء، ولا في الغُسْل، إذ ليسَ له حكمُ ظاهرِ البدن، فالمعتبرُ الخروجُ إلى ما هو ظاهرُ البدنِ شرعاً. واعلم أنَّ قولَهُ: إلى ما يطهر، يجبُ أن يكونَ متعلِّقاً بقولِه: ما خرج، لا بقولِه: سال، فإنَّهُ إذا فَصَد وخَرَجَ دمٌ كثيرٌ وسال بحيثُ لم يتلطَّخْ رأسُ الجرح، فإنَّهُ لا شكَّ في الانتقاضِ عندنا مع أنَّهُ لم يسلْ إلى موضعٍ يلحقُهُ حكمُ التَّطهير، بل خرجَ إلى موضعٍ يلحقُهُ حكمُ التَّطهير، ثمَّ سال، فالعبارةُ الحسنةُ (١) أن يقال: ما خرجَ من السَّبيلَيْن أو غيرِهِ إلى ما يطهرُ إن كان نجساً سال. (والقيء) عطفٌ على قولِه: ما خرج، فأرادَ أن يفصِّلَ أنواعَهُ لأنَّ الحكمَ مُخْتَلِفٌ فيها، فقال: (دماً رقيقاً إن ساوى البُزاق) حتى إن كان البُزاقُ أكثرَ لا ينقض، ولمَّا ذكرَ حكمَ المساواة، عُلِمَ حكمُ الغلبةِ بالطَّريقِ الأَوْلى، إذا اصفرَّ البزاقُ من الدَّمِ فلا يجب الوضوء، وإن احمرَّ يجب. ثمَّ عطفَ على قولِه: دَمَاً، قولُه: (أو مِرَّةً (٢)، أو طعاماً، أو ماءً (٣)، أو عَلَقاً (٤) إن

стр. 130

كان ملأَ الفم، لا بَلْغَماً أصلاً. وينقضُ صاعدُ ملأَ الفمِ عند أبي يوسف ﵁، وهو يعتبرُ الاتِّحادَ في المجلس، وعند محمَّدٍ ﵁: في السَّببِ بجمعِ ما قاءَ قليلاً قليلاً كان ملأَ الفم (١)، لا بَلْغَماً أصلاً) سواءٌ كان نازلاً من الرَّأس، أو صاعداً من الجوف، وسواءٌ كان قليلاً أو كثيراً؛ لأنَّهُ (٢) للزوجتِهِ لا يتداخلُهُ النَّجاسة. (وينقضُ صاعدُ (٣) ملأَ الفمِ عند أبي يوسف ﵁) لكنَّ النَّازلَ من الرَّأسِ لا ينقضُ عنده أيضاً (٤). (وهو يعتبرُ الاتِّحادَ في المجلس، وعند محمَّدٍ (٥) ﵁: في السَّببِ بجمعِ ما قاءَ قليلاً قليلاً)، فقولُه: وهو يعتبرُ الضَّميرَ يرجعُ إلى أبي يوسفَ ﵁، وهذا ابتداءُ مسألةٍ صورتُها: إذا قاءَ قليلاً قليلاً بحيثُ لو جُمِعَ يبلغُ ملأَ الفم، فأبو يوسفَ ﵁ يعتبرُ اتِّحادَ المجلس، أي إذا كان في مجلسٍ واحدٍ يُجْمَع، فيكونُ ناقضاً. ومحمَّدٌ ﵁: يعتبرُ اتِّحادَ السَّببِ وهو الغَثَيان (٦)، فإن كانَ بغثيانٍ واحدٍ يُجْمَعُ (فيكون ناقضاً) (٧)، فحصلَ أربعُ صور: اتِّحادُ المجلسِ والغثيان، فيجمعُ اتِّفاقاً. واختلافُهما فلا يجمعُ اتِّفاقاً. واتِّحادُ المجلسِ مع اختلافِ الغثيانِ فيجمع، عندَ أبي يوسفَ ﵁ خلافاً لمحمَّد ﵁.

стр. 131

وما ليسَ بحَدَثٍ ليس بنجِس واختلافُ المجلسِ مع اتِّحادِ الغثيانِ فيجمعُ عندَ محمَّدٍ خلافاً لأبي يوسف ﵃. (وما ليسَ بحَدَثٍ ليس بنجِس (١)) أي بكسرِ الجيم (٢)، فيلزمُ من انتفاءِ كونِهِ حَدَثاً انتفاءُ كونِهِ نَجِساً، فالدَّمُ إذا لم يسلْ عن رأسِ الجُرحِ طاهر، وكذا القيءُ القليل، وعن محمَّد ﵁ في غيرِ روايةِ الأصول (٣): إنّه نجس؛ لأنه لا أثرَ للسَّيلانِ في النَّجاسة، فإذا كان السَّائل نجساً، فغيرُ السَّائلِ يكونُ كذلك. ولنا: قولُهُ تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾، إلى قولِه: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحاً﴾ (٤)، فغيرُ المسفوحِ لا يكونُ محرَّماً، فلا يكون نجساً، والدَّمِ الذي لم يسلْ عن رأِس الجرحِ دمٌ غيرُ مسفوح، فلا يكونُ نجساً. فإن قيل: هذا فيما يؤكلُ لحمُه، وأمَّا فيما لا يؤكلُ لحمُهُ كالآدميِّ فغيرُ المسفوحِ حرامٌ أيضاً، فلا يمكنُ الاستدلالُ بحلِّهِ على طهارتِه. قلت: لمَّا حكمَ بحرمةِ المسفوحِ بقي غيرُ المسفوحِ على أصلِه، وهو الحلّ، ويلزمُ منه الطَّهارة، سواءٌ كان فيما يؤكلُ لحمُه، أو لا؛ لإطلاقِ النَّصّ. ثمَّ حرمةُ غيرِ المسفوحِ في الآدميِّ بناءً على حرمةِ لحمِه، لا توجبُ نجاستَهُ إذ هذه الحرمة؛ للكرامةِ لا للنَّجاسة، فغيرُ المسفوحِ في الآدميِّ يكونُ على طهارتِهِ الأصليَّةِ مع كونِهِ محرَّماً.

стр. 132

ونومُ مضطجع، ومتكئ، ومستندٍ إلى ما لو أزيلَ لسقطَ لا غير والفرقُ بين المسفوح، (وغيرِ المسفوحِ) (١) مبنيٌّ على حكمةٍ غامضة، وهي: أنَّ غيرَ المسفوحِ دمٌ انتقلَ عن العروق، وانفصلَ عن النَّجاسات، وحصلَ لهُ هضمٌ آخرَ في الأعضاء فصارَ مستعدِّاً لأن يصيرَ عضواً، فأخذَ طبيعةَ العضو، فأعطاهُ الشَّرعُ حكمَهُ بخلافِ دمِ العروق، فإذا سالَ عن رأسِ الجرحِ علمَ أنَّهُ دمٌ انتقلَ من العروقِ في هذهِ السَّاعة، وهو الدَّمُ النَّجس، أمَّا إذا لم يسلْ عُلِمَ أنَّهُ دمُ العضو، هذا في الدَّم. أمَّا في القيء، فالقليلُ هو الماءِ الذي كان في أعلى المعدة، وهي ليستْ محلّ) النَّجاسة، فحكمُهُ حكمُ الرِّيق. (ونومُ مضطجع (٢)، ومتكئ، ومستندٍ إلى ما لو أزيلَ لسقطَ (٣) لا غير): أي لا ينقضُ الوضوءَ نومٌ غيرِ ما ذكر، وهو النَّومُ قائماً، أو قاعداً، أو راكعاً، أو ساجداً في الصَّلاةِ وغيرها (٤)

стр. 133

والإغماء، والجنونُ، وقهقهةُ مصلٍّ بالغٍ يركعُ ويسجد (والإغماء (١)، والجنونُ) على أيِّ هيئةٍ كانا، ويدخلُ في الإغماءِ السُّكر، وحدُّهُ هنا: أن يدخلَ في مشيتِهِ تحرُّكٌ هو الصَّحيح (٢)، وكذا في اليمين، حتى لو حلفَ أنَّهُ سكران، يعتبرُ هذا الحدّ. (وقهقهةُ مصلٍّ بالغٍ يركعُ ويسجد) حتى لا ينقضَ الوضوءَ قهقهةُ الصَّبيّ (٣). وشرطُهُ: أن يكونَ في صلاةٍ ذات ركوعٍ وسجود، حتى لو قهقه في صلاةِ الجنازة، أو سجدةِ التَّلاوةِ لا تنقضُ الوضوء، بل يبطلُ ما قهقه فيه، وإنَّما شَرَطَ ما ذُكِر؛ لأنَّ انتقاضَ الوضوءِ بها ثبتَ بالحديثِ (٤) على خلافِ القياس (٥)، فيقتصرُ على موردِه. ثمَّ القهقهة إنَّما تنقضُ الوضوء إذا كان يقظاناً حتى لو نامَ في الصَّلاةِ على أيِّ هيئةٍ فقهقَهَ لا ينقضُ الوضوء (٦). وعند الشَّافعيّ (٧) ﵁: لا ينقضُ الوضوءُ بالقهقهة.

стр. 134

والمباشرةُ الفاحشةُ إلا عندَ محمَّدٍ ﵁، ودودةٌ خرجتْ من دُبُرٍ لا التي خرجتْ من جُرح وحدُّها: أن تكونَ مسموعةً لهُ ولجيرانِه (١). والضَّحك: أن يكونَ مسموعاً لهُ لا لجيرانِه، وهو يبطلُ الصَّلاةَ لا الوضوء (٢). والتَّبسُّم: أن لا يكونَ مسموعاً أصلاً، وهو لا يبطلُ شيئاً (٣). (والمباشرةُ (٤) الفاحشةُ (٥) إلا عندَ محمَّدٍ (٦) ﵁): وهي أن يماسَّ بدنُهُ بدنَ المرأةِ مجرَّديْن، وانتشرَ آلتُه (٧)، وتماسَّ الفرجان. (ودودةٌ (٨) خرجتْ من دُبُرٍ لا التي خرجتْ من جُرح)؛ لأنَّها طاهرة، وما عليها من النَّجاسةِ قليلة، وأمَّا الخارجةُ من الدُّبرِ فتنقض؛ لأنَّ خروجَ القليلِ منهُ ناقض، ومن الإحليلِ لا؛ لأنَّها خارجةٌ من جرح؛ (لأنَّ الإحليلَ ليسَ محلاً لدودة،

стр. 135

ولحمٌ سقطَ منه، ومسُّ المرأةِ والذَّكَرِ. وفرضُ الغُسْل: المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشَاق فإذا خرجتْ منهُ عُلِمَ أنَّ فيه جراحة، وخرجت منها) (١)، ومن قُبُلِ المرأةِ فيهِ اختلافُ المشايخ (٢). (ولحمٌ (٣) سقطَ منه (٤)): أي من جرح. (ومسُّ (٥) المرأةِ (٦) والذَّكَرِ) (٧) خلافاً للشَّافِعِيِّ (٨) ﵁. (وفرضُ الغُسْل: المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشَاق)، وهما سنَّتانِ عند الشَّافعيِّ (٩) ﵁. ولنا: أنَّ الفمَ داخلٌ من وجه، خارجٌ (١٠) من وجهٍ حسَّاً عند انطباقِ الفمِ وانفتاحِه، وحكماً في ابتلاعِ الصَّائم الرِّيق (١١)، ودخولِ شيءٍ في فمِه (١٢)، فجعلَ

стр. 136

وغسلُ سائر البدن داخلاً في الوضوءِ خارجاً في الغُسْل؛ لأنَّ الواردَ فيه صيغةُ المبالغة (١)، وهي (قوله تعالى) (٢): ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ (٣)، وفي الوضوءِ غَسلُ الوجه، وكذلكَ الأنف (٤)، وإذا تمضمضَ وقد بقيَ في أسنانِهِ طعامٌ فلا بأسَ به. (وغسلُ سائر (٥) البدن (٦)): أي جميعُ ظاهرِ البدن، حتى لو بقيَ العجينُ في الظُّفرِ فاغتسلَ لا يجزئ، وفي الدَّرنِ (٧) يجزئ؛ إذ هو متولِّدٌ من هنالك، وكذا الطِّين؛ لأنَّ الماءَ ينفذُ فيه، وكذا الصَّبغُ والحِنَّاء، فالحاصلُ أنَّ المعتبرَ في هذا الحَرَج (٨).

стр. 137

................................................................................................................. وإذا ادَّهنَ (١) فأمرَّ الماءَ عليه (٢) فلم يصل (٣) يجزئ. وأمَّا ثُقْبُ القُرْط (٤): فإن كان القُرْطُ فيها، فإن غلبَ على ظنِّه أنَّ الماءَ لا يصلُ من غيرِ تحريك، فلا بدَّ منه. فإن لم يكنْ القُرْطُ فيها، فإن غلبَ على ظنِّهِ أنَّ الماءَ يصلُ من غيرِ تكلُّفٍ لا يتكلَّف، وإن غلبَ على ظنِّه أنَّهُ لا يصلُ إلا بتكلُّفٍ يتكلَّف. وإن انضمَّ الثُّقْبُ بعدَ نزعِه، وصارَ بحالٍ إن أمرَّ الماءَ عليها يدخلها، وإن غفلَ لا يدخلها أمرَّ الماء، ولا يتكلَّفُ في إدخالِ شيءٍ سوى الماءِ من خشبٍ أو نحوه (٥). وإن كان في أُصْبَعِهِ خاتمٌ ضيقٌ يجبُ تحريكُه؛ ليصلَ الماءُ تحتَه. ويجبُ على الأَقْلَفِ (٦) إدخالُ الماءِ داخلَ القُلْفَة (٧)، وإن نزلَ البولُ إليها، ولم يخرجْ عنها نقضَ الوضوء، هذا عند بعضِ المشايخ (٨) ﵃، فلها حكمُ الظَّاهرِ من كلِّ وجه.

стр. 138

لا دلكُه. وسُنَّتُهُ: أن يغسلَ يديهِ إلى رسغيه، وفرجَه، ويزيلُ نجساً إن كان على بدنه، ثم يتوضأ إلاّ رجليه، ثُمَّ يفيضُ الماءَ على كلِّ بدنِهِ ثلاثاً، ثمَّ يغسلُ رجليهِ لا في مكانِه وعند البعض: لا يجبُ إيصالُ الماءِ إليها في الغُسْل، مع أنَّهُ ينقضُ الوضوءَ إذا نزلَ البولُ إليها، فلها حكمُ الباطنِ في الغُسل، وحكمُ الظَّاهرِ في انتقاضِ الوضوء. (لا دلكُه (١). وسُنَّتُهُ: أن يغسلَ يديهِ (إلى رسغيه) (٢)، وفرجَه، ويزيلُ نجساً إن كان): أي إن كانت النَّجاسة (على بدنِه (٣)، ثمَّ يتوضَّأُ إلا رجليه)، استثناءٌ متَّصل، أي يغسلُ أعضاءَ الوضوء (٤) إلا رجليه، (ثُمَّ يفيضُ (٥) الماءَ على كلِّ بدنِهِ ثلاثاً، ثمَّ يغسلُ رجليهِ لا في مكانِه): أي إذا كان مكانُ الغُسْلِ مجتمع الماءِ المستعمل، حتى إذا اغتسلَ على

стр. 139

وليس على المرأةِ نقضُ ضفيرتِها، ولا بلُّها إذا ابتلَّ أصلُها لوحٍ أو حجرٍ يغسلُ الرِّجلينِ هناك (١). (وليس على المرأةِ نقضُ ضفيرتِها (٢)، ولا بلُّها إذا ابتلَّ أصلُها): خصَّ المرأةَ بالذِّكرِ (٣) لقولِهِ ﷺ لأمِّ سلمةَ ﵂: «يكفيكِ إذا بلغَ الماءُ أصولَ شعرِك» (٤). ويجبُ على الرَّجلِ نقضُها (٥)، وقيل: إذا كان الرَّجلُ مضفَّرَ الشَّعرِ كالعلويَّةِ (٦) والأتراكِ لا يجب، والأحوطُ أن يجب.

стр. 140

موجِبُهُ: إنزالُ منيٍّ ذي دفقٍ وشهوةٍ عند الانفصال وقولُه: ولا بلُّها، قال بعضُ مشايخنا ﵃: تبلُّ ذوائبَها وتعصرُها (١)، لكنَّ الأصحَّ عدمُ وجوبِه، وهذا إذا كانت مفتولة، أمَّا إذا كانتْ منقوضةً يجبُ إيصال الماءِ إلى أثناءِ الشَّعرِ كما في اللِّحية؛ لعدمِ الحرج. (وموجِبُهُ: إنزالُ منيٍّ (٢) ذي دفقٍ (٣) وشهوةٍ (٤) عند الانفصال (٥)) حتى لو أنزلَ بلا شهوةٍ لا يجبُ الغسلُ عندنا، خلافاً للشَّافعيِّ ﵁ - (٦).

стр. 141

ولو في نوم، وغيبةُ حَشَفةٍ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ على الفاعلِ والمفعولِ به، ورؤيةُ المستيقظِ المَنِيّ، أو المَذْي وإن لم يحتلم، وانقطاعُ الحيضِ والنِّفاس ثمَّ الشَّهوةُ شرطٌ وقتَ الانفصالِ عند أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ ﵃، ووقت الخروجِ عند أبي يوسفَ ﵁ حتى لو انفصلَ عن مكانِهِ بشهوة، وأخذَ رأسَ العضوِ حتى سكنتْ شهوتُهُ فخرجَ بلا شهوةٍ يجبُ الغسلُ عندهما لا عنده، وإن اغتسلَ قبلَ أن يبول، ثمَّ خرجَ منهُ (١) بقيَّةُ المنيِّ يجبُ غسلٌ ثانٍ عندهما، لا عنده. (ولو في نوم)، ولا فرقَ في هذا بين الرَّجلِ والمرأة (٢)، ورُوِي عن محمَّدٍ ﵁ في غيرِ روايةِ الأصول: إذا تذكَّرتِ الاحتلامَ والإنزالَ والتَّلذُّذ، ولم ترَ بللاً كان عليها الغُسْل، قال شمسُ الأئمَّةِ الحَلْوانِيّ ﵁: لا يؤخذُ بهذهِ الرِّواية (٣). (وغيبةُ حَشَفةٍ (٤) في قُبُلٍ أو دُبُرٍ على الفاعلِ والمفعولِ به، ورؤيةُ المستيقظِ المَنِيّ، أو المَذْي (٥) وإن لم يحتلم)، (أمَّا في المَنِيِّ فظاهر، و) (٦) أمَّا في المَذْي؛ فلاحتمالِ كونِهِ مَنِيَّاً رَقَّ بحرارةِ البدن، وفيه خلافٌ لأبي يوسفَ (٧) ﵁. (وانقطاعُ الحيضِ والنِّفاس)؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطَّهرْنَ﴾ (٨)، على قراءةِ التَّشديد (٩)، ولمَّا كان الانقطاعُ سبباً للغُسْل، فإذا انقطع، ثمَّ أسلمتْ لا يلزمُها

стр. 142

لا وطئُ بهيمةٍ بلا إنزال. وسُنَّ للجمعةِ والعيدَيْن والإحرامِ وعرفة. ويجوزُ الوضوءُ: بماءِ السَّماءِ والأرض كالمطرِ والعين وإن تغيَّرَ بطولِ المُكْث، أو غُيِّرَ أحدُ أوصافِه الاغتسال؛ إذ وقتُ الانقطاعِ كانت كافرة، وهي غيرُ مأمورةٍ بالشَّرائعِ عندنا، ومتى أسلمت لم يوجدْ السَّبب، وهو الانقطاع، بخلافِ ما إذا أجنبتْ الكافرة، ثُمَّ أسلمت، حيث يجبُ عليها غُسْلُ الجنابة؛ لأنَّ الجنابةَ أمرٌ مستمرّ، فتكون جُنُباً بعد الإسلام، والانقطاعُ غير مستمِّرٍ فافترقا. «لا وطئُ بهيمةٍ بلا إنزال) (١) (٢). وسُنَّ للجمعةِ والعيدَيْن والإحرامِ وعرفة (٣))، فغُسْلُ الجُمُعةِ سُنَّ لصلاةِ الجُمُعة، وهو الصَّحيح (٤). (ويجوزُ الوضوءُ: بماءِ السَّماءِ والأرض كالمطرِ والعين)، وأمَّا ماءُ الثَّلجِ فإن كان ذائباً بحيثُ يتقاطرُ يجوز، وإلا فلا، (وإن تغيَّرَ بطولِ المُكْث، أو غُيِّرَ أحدُ (٥) أوصافِه): أي الطَّعم، أو اللَّون

стр. 143

شيءٌ طاهرُ كالتُّراب، والأُشْنَان، والصَّابون، والزَّعْفَران، وبماءٍ جارٍ فيه نَجَسٌ لم يُرَ أثرُه: أي طعمُه، أو لونُه، أو ريحُه أو الرِّيح، (شيءٌ طاهرُ كالتُّراب، والأُشْنَان (١)، والصَّابون، والزَّعْفَران (٢))، إنَّما عدَّ هذه الأشياءِ ليعلمَ أنَّ الحكمَ لا يختلفُ: بأن كان المخلوطُ من جنسِ الأرضِ كالتُّراب. أو شيئاً يقصدُ بخَلْطِهِ التَّطهير: كالأُشْنَان والصَّابون. أو شيئاً آخرَ كالزَّعْفَران (عند أبي حنيفة ﵁) (٣). وعند أبي يوسفَ ﵁: إن كان المخلوطُ شيئاً يقصدُ بهِ التَّطهيرُ يجوزُ به (٤) الوضوء، إلا أن يغلبَ على الماءِ حتى يزولَ طبعُه، وهو الرِّقَّةُ والسَّيلان (٥). وإن كان شيئاً لا يقصدُ بهِ التَّطهيرُ: ففي روايةٍ يشترطُ لعدمِ جوازِ التَّوضي بهِ غلبتُهُ على الماء. وفي رواية: لا يشترط. وما ليس من جنسِ الأرضِ فيه خلافُ الشَّافِعِيِّ (٦) ﵁. (وبماءٍ جارٍ فيه نَجَسٌ لم يُرَ أثرُه (٧): أي طعمُه، أو لونُه، أو ريحُه … (٨)). اختلفوا في حدِّ الجاري (٩)، فالحدُّ الذي ليس في دركِهِ حرجٌ ما يذهبُ بتبنةٍ أو

стр. 144

.................................................................................................................... ورقٍ، فإذا سُدَّ النَّهر من فوق، وبقيَّةُ الماءِ تجري مع ضعفٍ يجوزُ بهِ الوضوء، إذ هو ماءٌ جارٍ، وكلُّ ماءٍ ضعيفِ الجريان إذ توضَّأَ بهِ يجبُ أن يجلسَ بحيثُ لا يستعملَ غُسالتَه، أو يمكثَ بين الغرفتَيْن مقدارَ ما يذهبُ غُسالتُه. وإذا كان الحوضُ صغيراً يدخلُ فيه الماءُ من جانب، ويخرجُ من جانبٍ يجوزُ الوضوءُ في جميعِ جوانبِه، وعليهِ الفتوى، من غيرِ تفصيلٍ بين أن يكونَ أربعاً في أربعٍ أو أقلّ، فيجوز، أو أكثرُ فلا يجوز (١) واعلم (٢) أنه إذا أنتنَ (٣) الماءُ فإن علمَ (٤) أن نتنَهُ للنَّجاسةِ لا يجوز، وإلاَّ يجوزُ حملاً على أنَّ نتنَهُ لطولُ المُكْث (٥). وإذا سدَّ (٦) كلبٌ عرضَ النَّهر (٧)، ويجري الماءُ فوقَه، إن كان ما يلاقي الكلبَ أقلُّ

стр. 145

وبماءٍ ماتَ فيه حيوانٌ مائيُّ المولد؛ كالسَّمكِ والضِّفدِع، أو ما ليسَ له دمٌ سائلٌ كالبقِّ والذُّباب ممَّا لا يلاقيهِ يجوزُ الوضوءُ في الأسفل، وإلا لا، قال الفقيهُ أبو جعفرٍ (١) ﵁: على هذا أدركتُ مشايخي ﵃، وعن أبي يوسفَ ﵁: لا بأسَ بالوضوءِ به (٢) إذا لم يتغيَّرْ أحدُ أوصافِه (٣). (وبماءٍ ماتَ فيه حيوانٌ مائيُّ المولد؛ كالسَّمكِ والضِّفدِع): بكسرِ الدَّال (٤)، وإنَّما قال: مائيُّ المولد، حتى لو كان مولدُهُ في غيرِ الماء، وهو يعيشُ في الماء، يفسدُ الماءُ بموتِهِ فيه. (أو ما ليسَ له دمٌ سائلٌ كالبقِّ والذُّباب): لأنَّ النَّجَسَ هو الدَّمُ المسفوحُ كما ذكرنا (٥)، وبحديثِ وقوعِ الذُّبابِ في الطَّعام (٦)، وفيهِ خلافُ الشَّافعيِّ ﵁ (٧).
следующие страницы →