← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1125

شرح الوقاية - ت أبو الحاج

المحبوبي صدر الشريعة الأصغر

Полный текст (1 235 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

صامَ ثلاثةَ أيَّام ولاء، ولم يجزْ بلا حنث، ومَن حلفَ على معصيةٍ كعدمِ الكلامِ مع أبويهِ حنثَ وكفَّر. ولا كفّارةَ في حلفِ كافر، وإن حنثَ مسلماً. عن الأشياءِ الثَّلاثة وقت إرادة الأداء (صامَ ثلاثةَ أيَّام ولاء، ولم يجزْ بلا حنث)، التَّكفير قبل الحنثِ لا يجوزُ عندنا حتّى لو كَفَّرَ قبل الحنث، ثُمَّ حنثَ تَجِبَ الكفارةُ خلافاً للشَّافِعِيِّ (١) ﵁، فعنده اليمينُ سببُ الكفارة، والحنثُ شرطُ وجوبِ الأداء، فيجوزُ التَّقديمُ عليه. وعندنا: الحنثُ سببٌ؛ لأنَّ اليمينَ انعقدَتْ للبرّ، والكفارةُ على تقديرِ الحنثِ فلا يكونُ اليمينُ سبباً لها، فالحنثُ سبب، واليمينُ شرط، فلا يتقدَّم على الحنث، وخلافُ الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁ في الكفارةِ الماليَّة، فإنَّهُ يمكنُ أن يثبتَ نفسُ الوجوبِ لا وجوب الأداء كما في الثَّمن، فنفسُ وجوبِهِ يتعلَّقُ بالمال ووجوبُ الأداءِ بالفعل (٣). قلنا: المالُ غيرُ مقصودٍ في حقوقِ اللهِ تعالى، فالكفارةُ الماليَّة وغيرُ الماليَّة على السَّواء، على أنّ نفسَ الوجوبِ ينفكُّ عن وجوبِ الأداء في العباداتِ البدنيَّة، فنفسُ الوجوبُ يتعلَّقُ بالهيئةِ الحاصلةِ للعبادات، ووجوب الأداءِ يتعلَّقُ بإيقاعِ تلك الهيئة على ما حقَّقناهُ في «شرح التَّنقيح» (٤). (ومَن حلفَ على معصيةٍ كعدمِ الكلامِ مع أبويهِ حنثَ وكفَّر. ولا كفّارةَ في حلفِ كافر، وإن حنثَ مسلماً.

стр. 562

ومَن حرَّمَ ملكَه لا يحرم وإن استباحه كَفَّر. وكلُّ حلٍّ عليَّ حرام فهو على الطَّعام والشَّراب، وقالوا: تطلق عرسُه، وبه يفتى، كحلالٍ بروي حرام، وهَرْجِهْ بَدَسْت رَاسْت كِيْرم بروي حرام للعرف ومَن حرَّمَ ملكَه لا يحرم وإن استباحه كَفَّر (١). (١٠ (وكلُّ حلٍّ عليَّ حرام فهو على الطَّعام والشَّراب، وقالوا: تطلق عرسُه، وبه يفتى) (٢) (٣)، كحلالٍ بروي حرام (٤)، وهَرْجِهْ (٥) بَدَسْت (٦) رَاسْت (٧) كِيْرم (٨) بروي حرام للعرف (٩) (١٠)) (١١) : أي وإن عاملَ به معاملةَ المباحِ كفَّر؛ لأنَّ تحريمَ الحلال يمين؛ لقولِهِ تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١٢)، على أنّ اليمينَ إن

стр. 563

ومَن نذرَ مطلقاً، أو معلَّقاً بشرطٍ يريدُهُ كإن قَدِمَ غائبي، فوُجِدَ وَفَّى، وبما لم يردْهُ كإن زنيت وَفَّى أو كَفَّرَ، هو الصَّحيح، ومَن وصلَ إن شاءَ الله تعالى بحلفِهِ بطل فهو إيجابُ المباح، وإن كان على عدميّ، فهو تحريمُ الحلال (١). (ومَن نذرَ مطلقاً): أي غيرُ معلَّقٍ بشرطٍ، نحو: للهِ عليَّ صومُ هذا اليوم، (أو معلَّقاً بشرطٍ يريدُهُ كإن قَدِمَ غائبي، فوُجِدَ وَفَّى، وبما لم يردْهُ كإن زنيت (٢) وَفَّى أو كَفَّرَ، هو الصَّحيح) (٣) إنِّما قال هذا؛ احتزازاً عن القولِ الآخر، وهو وجوبُ الوفاءِ سواءٌ علَّقَهُ بشرطٍ يريدُه أو لا يريدُه، وإنِّما كان هذا صحيحاً؛ لأنَّه إذا علَّقه بشرطٍ لا يريدُه، ففيه معنى اليمين، وهو المنع، لكنَّه بظاهره نذر، فيتخيَّر (٤). أقول: إن كان الشَّرطُ أمراً حراماً كإن زنيت مثلاً، ينبغي أن لا يتخيَّر؛ لأنَّ التَّخييرَ تخفيف، والحرامُ لا يوجبُ التَّخفيف (٥). (ومَن وصلَ إن شاءَ الله تعالى بحلفِهِ بطل) (٦). (والله تعالى أعلم بالصواب) (٧).

стр. 564

باب الحلف بالفعل [فصل اليمين في الدخول والسكنى] مَن حلفَ لا يدخلُ بيتاً يحنثُ بدخولِ صُفّةٍ لا الكعبة، أو مسجد، أو بيعة، أو كنيسة، أو دِهليز، أو ظلّةِ باب دار، كما في لا يدخلُ داراً، فدخل داراً خربة، وفي هذه الدَّارِ يحنثُ إن دخلَها منهدمةً صحراء، أو بعدما بُنِيت أخرى، أو باب الحلف بالفعل [فصل اليمين في الدخول والسكنى] (مَن حلفَ لا يدخلُ بيتاً يحنثُ بدخولِ صُفّةٍ (١) لا الكعبة، أو مسجد، أو بيعة (٢)، أو كنيسة، أو دِهليز (٣)، أو ظلّةِ باب دار (٤))؛ لأنَّ البيتَ موضعٌ أُعِدَّ للبيتوتة، فالصُّفَّةُ بيتٌ لا هذه المواضع. (كما في لا يدخلُ داراً، فدخل داراً خربة)، حيث لا يحنث. (وفي هذه الدَّارِ يحنثُ إن دخلَها منهدمةً صحراء، أو بعدما بُنِيت أخرى (٥)، أو

стр. 565

وَقَفَ على سطحِها، وقيل: في عرفنا لا يحنث به كما لو جعلَتْ مسجداً، أو حماماً، أو بستاناً، أو بيتاً، أو دخلها بعد هدمِ الحمام، وكهذا البيت، ودخله منهدماً صحراءً، أو بعدما بُنِي بيتاً آخر وَقَفَ على سطحِها، وقيل: في عرفنا لا يحنث به): أي بالوقوف على السَّطح (١)، (كما لو جعلَتْ مسجداً، أو حماماً، أو بستاناً، أو بيتاً (٢)، أو دخلها بعد هدمِ الحمام)، حيث لا يحنث؛ لأنَّها لم تبقَ داراً أصلاً. (وكهذا البيت، ودخله منهدماً صحراءً، أو بعدما بُنِي بيتاً آخر)؛ فإنَّه لا يحنثُ لزوالِ اسمِ البيت. واعلم أنَّهم قالوا في لا يدخل هذه الدَّار فدخلَها منهدمة: إنَّه يحنث؛ لأنَّ اسمَ الدار يطلقُ على الخَرِبة، فهذه العلَّةُ توجبُ الحنث في لا يدخلُ داراً، فدخلَ داراً خَرِبةً، ثُمَّ فرقُهم بأن الوصفَ في الحاضر لغو فرقٌ واهٍ؛ لأنَّ معناهُ أنَّه إذا وُصِفَ المشارُ إليه بصفةٍ نحو: لا يكلِّمُ هذا الشَّاب، فكلَّمَهُ شيخاً يحنث؛ لأنَّ الوصفَ بالشَّباب صارَ لغواً. وفي قولِنا: لا يدخلُ هذه الدَّار، أو لا يدخلُ داراً، أين الوصفُ حتَّى يكون لغواً في أحدهما غيرَ لغوٍ في الآخر. ثُمَّ هذا المعنى يوجبُ الحنثَ في لا يدخلُ هذا البيت، وعدمَهُ في لا يدخلُ بيتاً إن دخلَهُ منهدماً صحراء؛ لأنَّ البيتوتةَ وصفٌ فيلغو في المشارِ إليه، فزوالُ اسم البيت ينبغي أن لا يعتبرَ في المشارِ إليه. ثُمَّ قالوا في: لا يدخلُ هذه الدَّار، فدخلَها بعدما بُنِيتْ حماماً أنَّه لا يحنثُ لأنَّه لم يبقَ داراً. أقول: لفظُ الدَّار في الدَّارِ المعمورةِ غالبُ الاستعمال، وقد يطلقُ أيضاً على المنهدمة، فإذا قيل: لا أدخلُ داراً، فالأولَى أن يرادَ الدارُ المعمورة، وأيضاً وجوبُ صرفِ المطلقِ إلى الكامل، أوجَبَ إرادة المعمورة.

стр. 566

أو هذه الدَّار، فوقفَ في طاقِ بابٍ لو أُغْلِقَ كان خارجاً. أو لا يسكنُها، وهو ساكِنُها، أو لا يلبسُه، وهو لابسُه، أو لا يركبُه، وهو راكبُه، فأخذَ في النُّقْلَة، ونَزع ونزل بلا مكث وإذا قيل: لا يدخلُ هذه الدَّار، فانهدمَ بناؤُها، فصحَّةُ إطلاقِها على المنهدمةِ ترجَّحت بالإشارة، فيحنثُ إن دخلَها منهدمة. وإن بنيتَ داراً أُخرى يحنثُ بدخولِها. أمَّا لو جُعِلَتْ حماماً، أو بستاناً، فلا يحنث؛ لأنَّه زالَ عنها اسمُ الدَّار بالكليَّة. وأمَّا البيتُ فلا يطلقُ إلاَّ على موضعٍ أُعِدَّ للبيتوتة، فإذا خَرِبَت، لم يصحَّ إطلاقُ البيتِ عليه أصلاً، ولا يقال: إنَّ البيتوتةَ وصف، والوصفُ في المشارِ إليه لغو؛ لأنَّ البيتَ اسمُ جنسٍ مع أنَّه مشتقٌ من البيتوتة، وليس اسمَ صفةٍ كالشَّابِّ ونحوه، فاسمُ الإشارة إذا دَخَلَ في الصَّفات يكونُ الوصفُ لغواً، نحو: لا يكلِّم هذا الشَّابّ، فكلَّمَهُ شيخاً يحنث. أمَّا إن دخلَ في أسماء الأجناس، وإن كانت مشتقَّة، نحو: واللهِ لا يشربُ هذا الخمر، فلا بُدَّ من بقاءِ حقيقتِها، حتَّى لو تخللَّ فشربَ لا يحنث، ولو حلفَ لا يشربُ هذا الخمرَ الحلو، فشربَ بعدما صارَ مُرَّاً يحنث، فاحفظ هذا البحث، فإنَّه مزلَّة الأقدام (١). (أو هذه الدَّار، فوقفَ في طاقِ بابٍ لو أُغْلِقَ كان خارجاً (٢). أو لا يسكنُها، وهو ساكِنُها، أو لا يلبسُه، وهو لابسُه، أو لا يركبُه، وهو راكبُه، فأخذَ في النُّقْلَة، ونَزع ونزل بلا مكث): أي إذا حلفَ لا يسكنُ هذه الدَّار، وهو ساكنُها، فلا بُدَّ من أن يأخذَ في النَّقلِ بلا مكث (٣)، حتَّى لو مكثَ ساعة يحنث، وهذا عندنا، وأمَّا عند زُفَرَ ﵁ يحنث؛ لوجودِ السُّكْنى، وإن قلّ. قلنا: اليمينُ شُرِعَتْ للبرّ، فزمانُ تحصيلِ البرّ يكونُ مستثنىً، وكذا في لا يلبسُه، وهو لابسُه، ولا يركبُهُ وهو راكبُه.

стр. 567

أو لا يدخلُ فقعدَ فيها إلاَّ أن يخرجَ ثُمَّ يدخل وفي لا يسكنُ هذه الدَّار، لا بُدَّ من خروجِهِ بأهلِه ومتاعِه أجمع حتَّى يحنث بوتدٍ بقي (أو لا يدخلُ فقعدَ فيها)؛ فإنَّه لا يحنثُ به، فإنَّ الدُّخولَ هو الانتقالُ من الخارجِ إلى الدَّاخل، فلا يحنثُ بالمكث، بخلافِ السُّكْنَى واللُّبْس والرُّكُوب، فإنَّه في حالِ المكثُ ساكن ولابسٌ وراكب، فمن قولنا (١): وقيل: في عرفنا لا يحنثُ … إلى هاهنا الحكمُ عدمُ الحنث. (إلاَّ أن يخرجَ ثُمَّ يدخل) هذا استثناءٌ مفرَّغٌ (٢) من قبيل الظَّرف، فإنَّ قولَهُ: إلاَّ أن يخرج، معناهُ إلاَّ الخروج، ثُمَّ المصدرُ يقعُ حيناً، نحو: آتيتك خُفوقَ النَّجم (٣): أي وقتَ خُفوقِه، فتقديرُ الكلامِ في قولِهِ: لا يدخلُ فقعد؛ لا يحنثُ في وقتٍ إلاَّ وقتَ خروجِه، ثُمَّ دخولِه. (وفي لا يسكنُ هذه الدَّار، لا بُدَّ من خروجِهِ بأهلِه ومتاعِه أجمع حتَّى يحنث بوتدٍ بقي): هذا عند أبي حنيفةَ ﵁. وأمَّا عند أبي يوسف ﵁، فيعتبرُ نقلُ الأكثر. وأمَّا عند محمَّد ﵁ فيعتبرُ ما يقومُ به، كَدْخُدَائِيَّتِه (٤)، قالوا: هذا أحسن، وأرفقُ بالنَّاس (٥)

стр. 568

بخلافِ المصرِ والقرية. [فصل اليمين في الخروج والاتيان والركوب وغير ذلك] وحنثَ في لا يخرجُ لو حُمِل وأُخرج بأمره، لا إن أُخْرِجَ بلا أمرِه مكرهاً أو راضياً، ومثله لا يدخلُ أقساماً وحكماً، ولا في: لا يخرجُ إلاَّ إلى جنازةٍ إن خرجَ إليها، ثُمَّ إلى أمرٍ آخر، وحنثَ في لا يخرجُ إلى مكَّة، فخرجَ يريدُها ورجع، لا في لا يأتيها حتَّى يدخلَها، وذهابُهُ كخروجِهِ في الأصحّ (بخلافِ المصرِ والقرية) (١): فإنَّه لا يشترطُ نقلُ الأهل والمتاع. [فصل اليمين في الخروج والاتيان والركوب وغير ذلك] (وحنثَ في لا يخرجُ لو حُمِل وأُخرج بأمره، لا إن أُخْرِجَ بلا أمرِه مكرهاً أو راضياً (٢)، ومثله لا يدخلُ أقساماً وحكماً)، فالأقسامُ: أن يخرجَ بأمرِه. وأن يخرجَ بلا أمرِه إمَّا مكرهاً أو راضياً. والحكمُ الحنثُ في الأوَّل، وعدمُهُ في الأخرين. (ولا في: لا يخرجُ إلاَّ إلى جنازةٍ إن خرجَ إليها، ثُمَّ إلى أمرٍ آخر): فإنَّه لا يحنث؛ لأنَّ خروجَهُ لم يكن إلاَّ إلى الجنازة (٣). (وحنثَ في لا يخرجُ إلى مكَّة، فخرجَ يريدُها ورجع)؛ لأنَّ الخروجَ إلى مكَّةَ قد تحقَّق (٤)، (لا في لا يأتيها حتَّى يدخلَها): أي لو حَلَفَ أن لا يأتي مكَّةَ لا يحنثُ حتَّى يدخلَها، (وذهابُهُ كخروجِهِ في الأصحّ): أي لو حلفَ لا يذهبُ إلى مكَّة، فالأصحُّ

стр. 569

وفي: ليأتيَّن مكَّة ولم يأتِها لا يحنثُ إلاَّ في آخرِ حياتِه، وحنثَ في ليأتينَّهُ غداً إن استطاعَ إن لم يأتِه بلا مانعٍ كمرض أو سلطان، ودُيِّنَ بنيَّةِ الحقيقية، وشُرِطَ للبرّ في لا يخرجُ إلاَّ بإذنِه لكلِّ خروجٍ إذن، لا في إلاَّ إن أَذِن مثلُ لا يخرجُ إلى مكَّة، وعند البعض: هو مثلُ لا يأتي (١)، والأوَّلُ أصحّ (٢)؛ لقولِهِ تعالى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ (٣)، أي متوَّجِّهٌ إليه، وأمَّا الوصولُ فليس في وسعِه. (وفي: ليأتيَّن مكَّة ولم يأتِها لا يحنثُ إلاَّ في آخرِ حياتِه)؛ لأنَّه حينئذٍ يتحقَّقُ عدمُ الإتيان (٤). (وحنثَ في ليأتينَّهُ غداً إن استطاعَ إن لم يأتِه بلا مانعٍ كمرض أو سلطان، ودُيِّنَ بنيَّةِ الحقيقية): أي إن قال: عنيت الاستطاعةَ الحقيقيَّة (٥): وهي القدرةُ التَّامة التَّي يجبُ عندها صدورُ الفعل، فهي لا تكون إلاَّ مقارنةً للفعلِ يصدَّقُ ديانةً لا قضاء؛ لأنَّها تطلقُ في العرفِ على سلامةِ الأسبابِ والآلات، فالمعنى الآخرُ خلافُ الظَّاهر، فلا يصدَّقُ قضاء. (وشُرِطَ للبرّ في لا يخرجُ إلاَّ بإذنِه لكلِّ خروجٍ إذن)؛ لأنَّ تقديرَه: لا يخرج إلاَّ خروجاً ملصقاً بإذنِه، فالمستثنى هو الخروجُ الملصق بالإذن (٦)، فما سواهُ بقي في صدرِ الكلام. (لا في إلاَّ إن أَذِن): أي إن قال: لا يخرجُ إلاَّ أن يأَذن، لا يشترطُ لكلِّ خروجٍ

стр. 570

وللحنث في إن خرجت، وإن ضربت فأنت طالق لمريدةِ خروج، أو ضربِ عبدٍ فعلهما فوراً. وفي: إن تغديتُ بعد أن يقال: تعال تغدَّ معي، تغديه معه، وكفى مطلقُ التَّغدي إن ضُمَّ اليوم، ومركبُ المأذونِ ليس لمولاهُ في حقِّ الحلف إلاَّ إذا لم يكنْ عليه دينٌ مستغرقٌ ونواه إذن؛ لأنَّ إلاَّ أن للغاية، مثل: إلى أن، فإذا أذن مرَّةً انتهى الحرمة، ويمكنُ أن يرادَ إلاَّ وقت إذني بأن يجعلَ المصدرَ حيناً، فيجبُ لكلِّ خروجٍ إِذْن. والجوابُ: إنَّه أَذِنَ مرَّة، فخرَج، ثُمَّ خرجَ مرَّةً أُخرى بلا إذن، فعلى التَّأويل الأوَّل لا يحنث، وعلى الثَّاني يحنث، فلا يحنثُ بالشَّكّ. (وللحنث في إن خرجت، وإن ضربت (فأنت طالق) (١) لمريدةِ خروج، أو ضربِ عبدٍ فعلهما فوراً) (٢): أي شُرِطَ للحنثِ في إن خرجت، وإن ضربتِ فعلهما فوراً. (وفي: إن تغديتُ بعد أن يقال: تعال تغدَّ معي، تغديه معه): أي شُرِطَ للحنثِ في إن تغديتُ تغديهِ معه (٣). (وكفى مطلقُ التَّغدي إن ضُمَّ اليوم): أي كفى للحنثِ مطلقُ التَّغدِّي إن قال: إن تغديتُ اليوم، فإنَّه لو كان جواباً يكفي قولُهُ: إن تغديت، فلمَّا زادَ اليوم، عُلِمَ أنَّه كلامٌ مبتدأ، فيحنثُ بمطلقِ التَّغدي في هذا اليوم، ولا يُشْتَرُطُ للحنثِ التَّغدِّي معه. (ومركبُ المأذونِ ليس لمولاهُ في حقِّ الحلف إلاَّ إذا لم يكنْ عليه دينٌ مستغرقٌ ونواه) (٤): أي إن حلفَ لا يركبُ دابةَ زيد، فركِبَ دابةَ عبدِه المأذون، فإن كان عليه

стр. 571

[فصل اليمين في الأكل والشرب] ويتقيَّدُ الأكلُ من هذه النَّخلةِ بثمرِها، وهذا البُرُّ بأكلِهِ قضماً، وهذا الدَّقيقُ بأكلِ خبزِه، فلا يحنثُ لو استفَّهُ كما هو، وأكلُ الشِّواء باللَّحم لا الباذنجان، والجزر، والطَّبيخِ بما طُبِخَ من اللَّحم، والرَّأسِ برأسٍ يُكْبَسُ في التَّنانير ويباعُ في مصره، دينٌ مستغرقٌ لرقبتِهِ وكسبِهِ لا يحنث؛ لأنَّ هذه الدَّابةَ ليست لزيد، وإن لم يكنْ عليه دينٌ مستغرق، فإن نوى بدابّةِ زيدٍ دابّتَهُ الخاصّة لا يحنث، وإن نَوَى دابّة هي ملكُ زيدٍ أعمُّ من أن تكونَ خاصّةً له، أو تكونَ دابّةُ عبدِه المأذون فحينئذٍ يحنث. وقال: أبو يوسف ﵁ يحنثُ في الوجوهِ كلِّها إذا نواه. وقال محمَّد ﵁: يحنثُ وإن لم ينو. [فصل اليمين في الأكل والشرب] (ويتقيَّدُ (١) الأكلُ من هذه النَّخلةِ بثمرِها) (٢)؛ لأنَّ المعنىَ الحقيقيّ مهجور حسَّاً، (وهذا البُرُّ بأكلِهِ قضماً)، هذا عند أبي حنيفة (٣) ﵁ خلافاً لهما، بناءً على أن اللَّفْظَ إن كان له معنىً حقيقيٌّ مستعمل، ومعنىً مجازيٌّ متعارف، فأبو حنيفةَ ﵁ يرجِّحُ المعنى الحقيقي، وهما يرجِّحان المعنى المجازي، فالمرادُ عندهما أكلُ باطنِه مجازاً، فيحنثُ بأكلِهِ سواءٌ كان بالقضم، أو غيرِه، فيعملانِ بعمومِ المجاز. (وهذا الدَّقيقُ بأكلِ خبزِه، فلا يحنثُ لو استفَّهُ كما هو): أي يحنثُ بأكلِ ما يُتَّخذُ منه كالخبزِ ونحوِه؛ لأنَّ المعنى الحقيقيّ مهجور، فيرادُ المجازي. (وأكلُ الشِّواء باللَّحم لا الباذنجان، والجزر، والطَّبيخِ بما طُبِخَ من اللَّحم، والرَّأسِ برأسٍ يُكْبَسُ في التَّنانير ويباعُ في مصره) (٤)، عملاً بالعرف، فإنَّ الأيمانَ مبنيَّةٌ

стр. 572

والشَّحمِ بشحمِ البطن، والخبزِ بخبز البُرّ والشَّعيرِ لا خبزُ الأرزِ ببلدةٍ لا يعتادُ فيه، والفاكهةِ بالتُّفاح والمشمش، والبطيخ، لا العنب، والرُّمان، والرُّطب، والقِثاء، والخيار، والشُّربُ من نهرٍ بالكَرْعِ منه، فلا يحنثُ لو شَرِبَ منه بإناء بخلافِ الحلفِ من مائه. وتحليفُ الوالي رجلاً؛ لِيُعْلِمَهُ بكلِّ داعرٍ أتى البلدة بحالِ ولايته، والضَّربُ، والكسوةُ، والكلامُ، والدُّخولُ عليه بالحياة، لا الغسل عليه، (والشَّحمِ بشحمِ البطن (١))، هذا عند أبي حنيفة ﵁، وأمَّا عندهما يتناولُ شحمَ الظَّهر، (والخبزِ بخبز البُرّ والشَّعيرِ لا خبزُ الأرزِ ببلدةٍ لا يعتادُ فيه، والفاكهةِ بالتُّفاح والمشمش، والبطيخ، لا العنب، والرُّمان، والرُّطب، والقِثاء، والخيار): هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما العنب، والرُّمان، والرُّطب فاكهة. (والشُّربُ من نهرٍ بالكَرْعِ (٢) منه، فلا يحنثُ لو شَرِبَ منه بإناء): هذا عند أبي حنيفة ﵁، فإن: من؛ عنده لابتداءِ الغاية، وعندهما للتَّبعض: أي لا يشربُ من مائه (٣)، (بخلافِ الحلفِ من مائه (٤). وتحليفُ الوالي رجلاً؛ لِيُعْلِمَهُ بكلِّ داعرٍ أتى البلدة (٥) بحالِ ولايته): أي يقيِّدُ تحليفَ الوالي رجلاً؛ ليُعْلِمَهُ بكل مفسدٍ أتى البلد بحالِ ولايتِه (٦). (والضَّربُ، والكسوةُ، والكلامُ، والدُّخولُ عليه بالحياة، لا الغسل): أي

стр. 573

والقريبُ بما دونَ الشَّهْر في ليقضينَّ دينَهُ إلى قريب، والشَّهْر بعيد. وما اصْطُبِغَ به فإدام وكذا الملحُ لا الشِّواء، ولا يحنثُ في لا يأكلُ من هذا البُسْر فأكلَ رطبة، أو من هذا الرُّطب أو اللَّبن فأكل تمراً أو شِيْرازاً، أو بُسْراً فأكلَ رطباً حلفَ ليضربنَّ زيداً يُقيَّدَ بحالِ حياتِه، ولو حلفَ لأغسلنَّ زيداً لا يتقيَّدُ بحالِ حياتِه. (والقريبُ بما دونَ الشَّهْر): أي يقيِّدُ القريبَ بما دونَ الشَّهر (في ليقضينَّ دينَهُ إلى قريب، والشَّهْر بعيد (١). وما اصْطُبِغَ به فإدام وكذا الملحُ لا الشِّواء) (٢): في «المغرب»: قال ابنُ الأَنْبَارِيِّ (٣) ﵁: الإدامُ ما يطيِّبُ الخبز ويصلحُه ويتلذَّذُ به الأكل، وهو يعمُّ المائع وغيرَ المائع، وأمَّا الصِّبغ فمختصُّ بالمائع (٤)، وهو ما يُغْمَسُ فيه الخبز، ويلون به. (ولا يحنثُ في لا يأكلُ من هذا البُسْر (٥) فأكلَ رطبة، أو من هذا الرُّطب أو اللَّبن فأكل تمراً أو شِيْرازاً (٦)، أو بُسْراً فأكلَ رطباً): أي لا يحنثُ في لا يأكلُ بسراً فأكلَ رطباً، واعلم أنَّه لا فرقَ بين قولِنا: لا يأكلُ من هذا البُسْر فأكلَهُ رطباً، وبين قولنا: لا يأكلُ بُسْراً فأكلَ رطباً، بناءً على أن البُسْرَ والرُّطبَ من أسماءِ الأجناس، فإذا

стр. 574

أو لحماً فأكلَ سمكاً، أو لحماً أو شحماً فأكلَ أليةً، ولا في لا يشتري رُطباً فاشترى كِباسةَ بُسْرٍ فيها رُطب. وحنثَ لو حلفَ لا يأكلُ رطباً أو بُسْراً أو ولا بُسْراً فأكل مُذنِّباً صارَ ماهيةً أُخرى كما بيَّنا (١) في لا يدخل بيتاً (٢). (٣) (أو لحماً فأكلَ سمكاً) (٤): أي لا يحنثُ في لا يأكلُ لحماً فأكل سمكاً، (أو لحماً أو شحماً فأكلَ أليةً، ولا في لا يشتري رُطباً فاشترى كِباسةَ (٥) بُسْرٍ فيها رُطب (٦). وحنثَ لو حلفَ لا يأكلُ رطباً أو بُسْراً أو ولا بُسْراً فأكل مُذنِّباً): أي حلفَ لا يأكلُ رطباً فأكل مُذنِّباً، أو حَلَفَ لا يأكلُ بُسْراً فأكل مُذنِّباً، أو حلفَ لا يأكلُ رطباً ولا بسراً فأكلَ مُذنِّباً حنثَ هذا عند أبي حنيفةَ ﵁؛ لأنَّ المُذَنِّبَ بعضُهُ رطب وبعضُه بُسْر، فمَن أكلَهُ أكل الرّطب والبُسْر. وقال في «الهداية»: إن عندهما إذا حلفَ لا يأكلُ رطباً لا يحنث بالبُسْر المُذنِّب، وإذا حلفَ لا يأكلُ بسراً لا يحنثُ بالرَّطب المُذنِّب (٧).

стр. 575

أو لا يأكلُ لحماً فأكلَ كبداً أو كرشاً أو لحمَ خنْزيرٍ أو إنسان، والغداءُ الأكلُ من طلوعِ الفجرِ إلى الظُّهر، والعشاءُ منه إلى نصفِ اللَّيل وقد قال في «المغرب»: البُسْر المُذنِّب: وقد ذَنَّبَ إذا بدأ له الإرطابُ من قبلِ ذَنَبِه، وهو ما سَفِلَ من جانبِ المِقْمَعِ (١) والعِلَاقة (٢). ولا شكَّ أنَّ الإرطابَ ليس إلاَّ من جانبٍ واحد، وهو الذي ليس عليه القِمَع والعِلاقة، فهذا الجانبُ هو الذَّنب، إذا عرفتَ هذا فكيفَ يصحُّ ما قال في «الهداية»: إنَّ الرُّطبَ المُذنِّب ما يكون في ذنبِهِ قليلُ بسر، والبسرُ المُذنِّبُ على العكس (٣): أي ما في ذنبِهِ قليلُ رطب. فأقول: أصنافُ التَّمر التي رأيناها من تمرِ بغدادَ وفارسَ وكَرمانَ (٤) يبدأُ إرطابُها من الجانبِ الذي ليس عليه القِمَع، ففي غيرِ هذه البلادِ إن كان ابتداءُ الإرطاب من طرفِ القِمَع، فما قال صاحب «الهداية» يكون صحيحاً. وإن لم يكنْ الإرطاب من جانبِ القمع، فوجْهُ صحَّتِهِ أنَّ الرُّطبَ المُذنِّبَ ما يكون أكثرُهُ رطباً، والبُسْرُ المُذَنِّبُ ما يكون أكثرُهُ بُسْراً، ثُمَّ لمَّا كان البُسْرُ من طرفِ القِمَعِ فرأسُ البُسْرِ ما يلي القِمَع، وذنبُهُ الطَّرفُ الآخر، ولمَّا كان الرُّطَبُ هو الطَّرف الآخر، فرأسُ الرَّطبِ طرفُهُ الجار، وذنبُهُ طرفُ القِمَع، فهذا وجهُ صحَّتِه. (أو لا يأكلُ لحماً فأكلَ كبداً أو كرشاً أو لحمَ خنْزيرٍ أو إنسان): قيل: لا يحنثُ بأكلِ الكبدِ والكرشِ في عرفِنا (٥)؛ لأنَّهما في عرفِنا لم يعدَّا لحماً، وأمَّا لحمُ الخنْزير والإنسانِ فهما لحمٌ حقيقةً فيحنثُ بهما. (والغداءُ الأكلُ من طلوعِ الفجرِ إلى الظُّهر، والعشاءُ منه إلى نصفِ اللَّيل (٦)،

стр. 576

والسَّحور منه إلى الفجر. وفي إن لبست، أو أكلت، أو شربت، ونوى عيناً لم يُصَدَّقْ أصلاً، ولو ضمَّ ثوباً، أو طعاماً، أو شراباً دِين، وتصوَّرُ البِرِّ شرطُ صحَّةِ الحلفِ خلافاً لأبي يوسف ﵁، فمَن حلفَ لأشربنَّ ماءَ هذا الكوزِ اليوم، ولا ماءَ فيه، أو كان فصبَّ في يومِهِ لا يحنث، وإن أطلقَ فكذا في الأوَّلِ دون الثَّاني والسَّحور منه إلى الفجر (١). وفي إن لبست، أو أكلت، أو شربت، ونوى عيناً لم يُصَدَّقْ أصلاً) (٢): أي إن نَوَى ثوباً معيَّناً، أو طعاماً معيَّناً، أو شراباً معيَّناً لم يُصدَّقْ قضاءً، ولا ديانة؛ لأنَّ المنفي ماهيةُ اللُّبْس، ولا دلالةَ له على الثَّوب إلاَّ اقتضاءً، والمقتضَى لا عمومَ له، فلا يصحُّ فيه نيَّةُ التَّخصيص. (ولو ضمَّ ثوباً (٣)، أو طعاماً، أو شراباً دِين): أي صُدِّقَ دِيانةً لا قضاءً؛ لأنَّ اللَّفظَ عامّ، فنيَّةُ التَّخصيصِ خلافُ الظَّاهر، فلا يُصَدَّقُ في القضاء. (وتصوَّرُ البِرِّ شرطُ صحَّةِ الحلفِ خلافاً لأبي يوسف ﵁، فمَن حلفَ لأشربنَّ ماءَ هذا الكوزِ اليوم، ولا ماءَ فيه، أو كان فصبَّ في يومِهِ لا يحنث) (٤)، اعلم أنّ إمكانَ البِرِّ شرطُ صحَّةِ الحلفِ عند أبي حنيفةَ ومحمَّد ﵃ سواءٌ كان باللهِ تعالى، أو بالطَّلاق، أو بالعتاق، وعند أبي يوسفَ ﵁ ليس بشرط، فإن حَلَفَ: واللهِ لأشربنَّ الماءَ الذي في هذا الكوزِ اليوم، ولا ماءَ فيه، أو حلفَ إن لم أشربْ الماءَ الذي في هذا الكوزِ اليوم فامرأتُهُ طالق، ولا ماءَ لا يحنثُ عندهما، وعند أبي يوسف ﵁ يحنث، وإن حلفَ وكان فيه ماءٌ فأريقَ في اليوم، فالحكمُ ما ذُكِرَ. (وإن أطلقَ فكذا في الأوَّلِ دون الثَّاني): أي إن لم يقلْ اليوم لا يحنثُ فيما لم

стр. 577

وفي ليصعدَنَّ السَّماء، أو ليقلبنَّ هذا الحجرَّ ذهباً، أو ليقتلنَّ فلاناً عالماً بموتِهِ انعقدَ اليمينُ لتصوَّرِ البِرّ، وحنثَ للعجز، وإن لم يعلمْهُ فلا، ومدُّ شعرِها، وخنقُها، وعضُها، كضربِها في الكوزِ ماءٌ عندهما خلافاً لأبى يوسف ﵁، وإن كان فصُبَّ يحنثُ إجماعاً؛ وذلك لأنَّه إذا لم يكن في الكوزِ ماء، فالبِرُّ غيرُ ممكنٍ سواءٌ ذكرَ اليوم أو لا، وإن كان فيه ماءٌ فإن ذكرَ اليوم فالبِرُّ إنِّما يجبُ عليه في الجزءِ الأخير من اليوم، فإذا صُبَّ لم يكن البِرُّ متصوَّراً. وإن لم يذكرْ اليوم فالبِرُّ إنِّما يجبُ عليه إذا فرغَ من التَّكلُّم، لكن موسعاً بشرطِ أن لا يفوتَهُ في مدَّةِ عُمْرِه، والبِرُّ متصوَّرٌ عند الفراغِ من التَّكلُّم فانعقد اليمين، وعند أبي يوسفَ ﵁ يحنثُ في الكلّ، ففي المؤقّتِ بعد مضيِّ الوقت، وفي غيرِ المؤقّتِ يحنثُ في الحال. (وفي ليصعدَنَّ السَّماء، أو ليقلبنَّ هذا الحجرَّ ذهباً، أو ليقتلنَّ فلاناً عالماً بموتِهِ انعقدَ اليمينُ (١) لتصوَّرِ البِرّ، وحنثَ للعجز، وإن لم يعلمْهُ فلا) (٢)، وفيه خلافِ زُفر ﵁، فعنده لا ينعقدُ اليمين؛ لكون البِرِّ مستحيلاًعادة. قلنا: هذه الأمورُ ممكنةٌ في ذاتِها، فيكفي هذا لإنعقادِ اليمين، ويحنثُ في الحالِ بلا توقُّفٍ إلى زمانِ الموتِ للعجزِ عادة. وإنِّما قلنا عالماً بموتِه؛ لأنَّه حينئذٍ يرادُ قتلُهُ بعد إحياءِ اللهِ تعالى، وهو ممكنٌ غيرُ واقع، فينعقدُ اليمين، ويحنثُ في الحال. أمّا إذا لم يكنْ عالماً بموتِه، فالمرادُ القتلُ المتعارف، ولمَّا كان ميْتاً كان القتلُ المتعارفُ ممتنعاً، فصارَ كمسألةِ الكوز. (ومدُّ شعرِها، وخنقُها، وعضُها، كضربِها (٣).

стр. 578

[فصل اليمين في لبس الثياب وغير ذلك] وقطنٌ ملَكَهُ بعد إن لَبِسْتُ من غزلِك فهدي، فغزلَتْهُ ونُسِجَ ولَبِسَ هديّ، وخاتمُ ذهبٍ حليٌّ لا خاتمُ فضَّة، وعندهما: عقدٌ لؤلؤٍ لم يرصَّعْ حليّ، وبه يُفْتَى. ومَن حلفَ لا ينامُ على هذا الفراش، فنامَ على قِرامٍ فوقَهُ حنث، لا مَن جعلَ فوقَه فراشاً آخر، أو حلفَ لا يجلسُ على الأرض، فجلسَ على بساط، أو حصيرٍ فوقَه، بخلاف جلوسِهِ على سريرٍ آخر فوقَه، فإنَّ الجلوسَ على [فصل اليمين في لبس الثياب وغير ذلك] وقطنٌ ملَكَهُ (١) بعد إن لَبِسْتُ من غزلِك فهدي، فغزلَتْهُ ونُسِجَ ولَبِسَ هديّ: قطنٌ: مبتدأ، وهديٌ: خبرُه، ومعنى الهديُ ما يُهْدَى إلى مكَّة للتَّصدُّق، وعندهما إن كان القطنُ ملكَهُ يوم الحلف، فغزلَتْهُ ونُسِجَ ولَبِسَ يجبُ أن يُهْدَى إلى مكَّة، وإن لم يكنْ القطنُ ملكه يومَ الحلفِ لا. (وخاتمُ ذهبٍ حليٌّ لا خاتمُ فضَّة (٢)، وعندهما: عقدٌ لؤلؤٍ لم يرصَّعْ حليّ، وبه يُفْتَى (٣). ومَن حلفَ لا ينامُ على هذا الفراش، فنامَ على قِرامٍ (٤) فوقَهُ حنث، لا مَن جعلَ فوقَه فراشاً آخر)؛ لأنَّ القِرامَ تبعٌ للفراشِ لا الفراشُ الآخر. (أو حلفَ لا يجلسُ على الأرض، فجلسَ على بساط، أو حصيرٍ فوقَه)، حيث لا يحنث؛ لأنَّه لم يجلسْ على الأرض، (ولو حالَ بينَه وبينَها لباسُهُ حنث)؛ لأنَّه جلسَ على الأرضِ ولباسَه تبعٌ له، (كمَن حلفَ لا يجلسُ على هذا السَّرير، فجلسَ على بساطٍ فوقَه)؛ لأنَّ الجلوسَ على هذا السَّريرِ لا يعتادُ بدون أن يُجْعَلَ عليه بساط، فالجلوسُ على البساطِ جلوسٌ على السَّرير. (بخلاف جلوسِهِ على سريرٍ آخر

стр. 579

فوقَه، فإنَّ الجلوسَ على السَّرير الآخرِ لا يكونُ جلوساً على ذلك السَّرير. ولا يفعلَهُ يقعُ على الأبد، ويفعلُهُ على مرَّة. [فصل اليمين في الحجّ والصلاة والصوم] وبعَلَيَّ المَشْيُ إلى بيتِ اللهِ تعالى، أو إلى الكعبة، يجبُ حجّ أو عمرةٌ مشياً، ودمٌ إن ركب، ولا شيءَ بعَلَيَّ الخروج، أو الذَّهاب إلى بيت الله تعالى، أو المشيُ إلى الحرم، أو المسجدِ الحرام، أو الصَّفا والمروة. ولا يُعْتَقُ عبدٌ قيل له: إن لم أحجَّ العامَ فأنت حرّ، فشهدا بنحرِه بكوفة السَّرير الآخرِ لا يكونُ جلوساً على ذلك السَّرير. ولا يفعلَهُ يقعُ على الأبد، ويفعلُهُ على مرَّة) (٥)، اعلم أنَّ قولَهُ: لا يفعلَ هذا في العرفِ سلبٌ لقولِهِ: يفعلُهُ، وقولُهُ: يفعلُهُ واقعٌ على مرَّة، فقولُهُ: لا يفعلَهُ يكونُ للأبد. [فصل اليمين في الحجّ والصلاة والصوم] (وبعَلَيَّ المَشْيُ إلى بيتِ اللهِ تعالى، أو إلى الكعبة، يجبُ حجّ أو عمرةٌ مشياً، ودمٌ إن ركب، ولا شيءَ بعَلَيَّ الخروج، أو الذَّهاب إلى بيت الله تعالى، أو المشيُ إلى الحرم)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وأمَّا عند أبي يوسفَ ﵁ ومحمَّد ﵁ فيلزمه حجّ، أو عُمْرةٌ مشياً، (أو المسجدِ الحرام، أو الصَّفا والمروة (٦). ولا يُعْتَقُ عبدٌ قيل له: إن لم أحجَّ العامَ فأنت حرّ، فشهدا بنحرِه بكوفة)، هذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵃، وأمَّا عند محمَّد ﵁ يعتق؛ لأنَّه قامَتْ شهادتُهما على أمرٍ معلوم، وهو التَّضحيةُ بكوفة، ومن ضرورتِه عدمُ الحجّ، وهو شرطُ العتق. وقالا: هذا شهادةٌ على النَّفيّ، (والشَّهادةُ على النَّفي غيرُ مقبولة) (٧). فنقول: النَّفيُّ الذي يحيطُ به علمُ الشَّاهد، هو مثلُ الإثبات على ما بُيِّنَ في أصولِ

стр. 580

وحنثَ بصومِ ساعةٍ بنيَّةٍ في لا يصوم، لا لو ضمّ يوماً، أو صوماً حتَّى يتمَّ يوماً، وبركعةٍ في لا يصلِّي لا بما دونَها، ولم ضَمَّ صلاة فبشفعٍ لا بأقلّ. وبولدٍ ميْتٍ في: إن وَلَدْتِ فأنتِ كذا. وعُتِقَ الحيُّ في: إن ولدت فهو حرّ، إن ولدتِ ميِّتاً ثُمَّ حيَّاً، وفي: ليقضينَّ دينَهُ اليوم، وقضاهُ زيوفاً، أو نبهرجة، أو مستَحَقَّة، أو باعَه به الفقة (١) في التَّرجيح (٢). (وحنثَ بصومِ ساعةٍ بنيَّةٍ في لا يصوم، لا لو ضمّ يوماً، أو صوماً حتَّى يتمَّ يوماً) (٣)؛ فإن قلتَ الصَّومُ الشَّرعيّ، هو صومُ اليوم، واللَّفظُ إذا كان له معنى لغويّ، ومعنى شرعيٌّ يحملُ على المعنى الشَّرعيّ. قلت: الشَّرعُ قد أطلقَهُ على ما دونَ اليوم في قولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامِ إِلَى اللَّيْل﴾ (٤)، فالصَّومُ التَّام صومُ يوم، فإذا قال: لا أصومُ يوماً، أو لا أصومُ صوماً، يرادُ به الصَّومُ التَّام. (وبركعةٍ في لا يصلِّي لا بما دونَها، ولم ضَمَّ صلاة فبشفعٍ لا بأقلّ. وبولدٍ ميْتٍ في: إن وَلَدْتِ فأنتِ كذا. وعُتِقَ الحيُّ في: إن ولدت فهو حرّ، إن ولدتِ ميِّتاً ثُمَّ حيَّاً)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وأمَّا عندهما فلا يعتق؛ لأنَّ اليمينَ انحلَّت بولادةِ الميِّت. قلنا: لم تنحلّ؛ لأنَّ قولَهُ: إن ولدت؛ المرادُ به الحيُّ بقرينةِ قولِهِ: فهو حرّ؛ لأنَّ الميِّت لا يمكنُ حريَّتُه. (وفي: ليقضينَّ دينَهُ اليوم، وقضاهُ زيوفاً، أو نبهرجة، أو مستَحَقَّة (٥)، أو باعَه به

стр. 581

شيئاً وقبضَه بَرّ، ولو كان سَتُّوقة، أو رصاصاً، أو وهبه له لا، وفي: لا يقبضُ دينه درهماً دون درهمٍ حنث بقبضِ كلِّه متفرِّقاً، لا ببعضِه دون باقيه، أو كلِّه بوزنينِ لم يتخلّلهما إلاَّ عمل الوزن. ولا في: إن كان لي إلاَّ مئة فكذا، ولا يملكُ إلاَّ خمسين شيئاً وقبضَه بَرّ، ولو كان سَتُّوقة، أو رصاصاً، أو وهبه له لا) (١)، سيجيءُ في مسائلَ شتّى من (كتاب القضاء) (٢): إن الزَّيف ما يردُّهُ بيتُ المال، والنَّبهرجةُ ما يردُّه التُّجار، والسَّتُّوقة ما غلبَ غُشُّه، فالزَّيفُ والنَّبهرجةُ ما يكون الفضّةُ غالبةً على الغشِّ حتى يكون من جنسِ الدَّراهم، لكن يُرَدُّ للغشّ. وفي «المغرب» قيل: الزَّيفُ دون النَّبهرجة (٣) في الرَّداءة؛ لأنَّه يردُّهُ بيتُ المال، والنَّبهرجة (٤) ما يردُّهُ التُّجار (٥). (وفي: لا يقبضُ دينه درهماً دون درهمٍ حنث بقبضِ كلِّه متفرِّقاً، لا ببعضِه دون باقيه (٦)، أو كلِّه بوزنينِ لم يتخلّلهما إلاَّ عمل الوزن (٧). ولا في: إن كان لي إلاَّ مئة فكذا، ولا يملكُ إلاَّ خمسين)، هذا بناءً على أن الاستثناءَ عندنا تكلَّم بالباقي بعد الثُّنيا (٨)، وليس الاستثناء من النَّفي إثباتاً، فإن قولَهُ: إن كان لي إلاَّ مئة فكذا معناهُ ليس لي إلاَّ مئة، فهو لنفي ما فوق المئة (٩)، وأمَّا إثباتُ المئةِ فغيرُ لازمٍ عندنا.

стр. 582

ولا في: لا يشمُّ ريحاناً إن شمَّ ورداً، أو ياسميناً، والبنفسجُ والوردُ على الورق. باب الحلف بالقول [فصل اليمين في الكلام والبيع والشراء والتزوج وغير ذلك] وحنثَ في: حلفَ لا يكلِّمُهُ إن كلَّمَه نائماً بشرطِ إيقاظِه. وفي: إلاَّ بإذنه إن أذنَ ولم يعلمْ به فكلَّمه. وفي: لا يكلِّم صاحبَ هذا الثَّوب فباعَه فكلَّمَه. وفي: لا يكلِّمُ هذا الشَّابَّ فكلَّمَه شيخاً. وفي: هذا حرٌّ إن بعتُه أو اشتريتُه إن عقدَ بالخيار (ولا في: لا يشمُّ ريحاناً إن شمَّ ورداً، أو ياسميناً)؛ لأنَّ الرَّيحانَ ما لا ساقَ له، والوردُ والياسمين لهما ساق، (والبنفسجُ والوردُ على الورق) (١): أي ورقُ الوردِ دون أعجاز الوردِ التي عليها الورق. باب الحلف بالقول [فصل اليمين في الكلام والبيع والشراء والتزوج وغير ذلك] (وحنثَ في: حلفَ لا يكلِّمُهُ إن كلَّمَه نائماً بشرطِ إيقاظِه. وفي: إلاَّ بإذنه): أي وحنثَ في: حلفَ لا يكلِّمُهُ إلاَّ بإذنه، (إن أذنَ ولم يعلمْ به فكلَّمه)؛ لأنَّ الإذنَ إعلام، فإن أذنَ ولم يعلمْ، فهذا لا يكون إذناً، وعند أبي يوسف ﵁ لا يحنثُ؛ لأنَّ الإذنَ هو الإطلاق (٢). (وفي: لا يكلِّم صاحبَ هذا الثَّوب فباعَه فكلَّمَه. وفي: لا يكلِّمُ هذا الشَّابَّ فكلَّمَه شيخاً)؛ لأنَّ الوصفَ المذكورَ لا يصلحُ مانعاً من التَّكلُّم فيرادُ الذَّات. (وفي: هذا حرٌّ إن بعتُه أو اشتريتُه إن عقدَ بالخيار): أي إذا قال: إن بعتَهُ فهو حرّ، فباعَهُ على أنَّه بالخيار يعتق؛ لأنَّه لم يخرجْ عن ملكِه، وقد وُجِدَ الشَّرط، وهو البيع (٣)، ولو قال: إن اشتريتُه، فهو حرٌّ فشراهُ على أنّه بالخيار عُتِق.

стр. 583

وفي: إن لم أبعْه فكذا، فأعتق أو دَبَّر، وبفعلِ وكيلِه في حلفِ النِّكاح، والطَّلاق، والخلع، والعتق، والكتابة، والصُّلْحِ عن دمٍ عمد، والهبة، والصَّدقة، والقرض، والاستقراض، والإيداع، والاستيداع، والإعارة، والاستعارة، والذَّبح، وضربِ العبد، وقضاءِ الدَّين، وقبضِه، والبناء، والخياطة، والكسوة، والحمل، لا في حلفِ البيع، والشِّراء، والإجارة، والاستئجار، والصُّلحِ عن مال، والخصومة، والقسمة، وضربِ الولد أمَّا على أصلِهما؛ فلأنَّه دخلَ في ملكِ المشتري. وأمَّا على أصلِ أبي حنيفةَ ﵁؛ فلأنَّه علَّقَ العتقَ بالشِّراء، فكأنَّه قال بعد الشِّراء بالخيار، فهو حرٌّ فيعتق. (وفي: إن لم أبعْه فكذا، فأعتق أو دَبَّر): أي قال: إن لم أبعْهُ فكذا: أي امرأتُهُ طالق، فأعتقَه أو دَبَّرَه طَلُقَتْ امرأتُه؛ لأنَّ الشَّرطَ وهو عدمُ البيعِ قد تحقَّق. (وبفعلِ وكيلِه في حلفِ النِّكاح، والطَّلاق، والخلع، والعتق، والكتابة، والصُّلْحِ عن دمٍ عمد، والهبة، والصَّدقة، والقرض، والاستقراض (١)، والإيداع، والاستيداع، والإعارة، والاستعارة، والذَّبح، وضربِ العبد، وقضاءِ الدَّين، وقبضِه، والبناء، والخياطة، والكسوة، والحمل) (٢)؛ فإنَّ الوكيلَ في هذه العقودِ سفيرٌ محضٌ حتى أن الحقوقَ ترجعُ إلى الآمر، فكأنَّ الآمر فعلَ بنفسِه. (لا في حلفِ البيع، والشِّراء، والإجارة، والاستئجار، والصُّلحِ عن مال، والخصومة، والقسمة، وضربِ الولد)؛ لأنَّ العقدَ صدرَ من الوكيلِ حتَّى أنَّ الحقوقَ ترجعُ إليه، ولم يصدرْ من الموكِّل فلا يحنث، والفرقُ بين ضربِ العبدِ وضربِ الولد: أن الضَّرب فعلٌ حسيٌّ لا ينتقلُ من أحدٍ إلى آخر، إلاَّ إذا صحَّ التَّوكيل، وصحَّةُ التَّوكيلِ يكون في الأموال، فيصحُّ في العبدِ دون الولد.

стр. 584

ولا في: لا يتكلَّمُ فقرأ القرآن، أو سبَّح، أو هلَّل، أو كبَّر في الصَّلاة، أو خارجها، ويوم أكلِّمُه على الملوين، وصحَّ نيَّةُ النَّهار، وليلةَ أكلِّمُه على اللَّيل. وإلاَّ أن للغاية كحتَّى، ففي: إن كلَّمْتُه إلاَّ أن يقدمَ زيد أو حتَّى، حنثَ إن كلَّمَه قبلَ قدومِه، لا إن كلَّمَه بعدَه. وفي: لا يكلِّمُ عبدَه، أو امرأته، أو صديقَه، أو لا يدخلَ دارَه إن زالَتْ إضافتُه وكلَّمَه لا يحنثُ في العبد، أشارَ إليه بهذا أو لا، وفي غيرِه إن أشارَ بهذا حنثَ وإلاَّ فلا (ولا في: لا يتكلَّمُ فقرأ القرآن، أو سبَّح، أو هلَّل، أو كبَّر في الصَّلاة، أو خارجها): هذا عندنا فإنَّه لا يسمَّى متكلِّماً عرفاً وشرعاً، وعند الشَّافِعِيِّ (١) ﵁ يحنث، وهو القياس؛ لأنَّه كلامٌ حقيقة. (ويوم أكلِّمُه على الملوين): قال لامرأته: أنت طالق يوم أكلِّم فلاناً، فهو على اللَّيل والنَّهار، لما مرَّ في (باب إيقاع الطلاق): إن اليوم إذا قُرِنَ بفعلٍ غيرُ ممتد يرادُ به مطلقُ الوقت، (وصحَّ نيَّةُ النَّهار)؛ لأنَّهُ مستعملٌ فيه أيضاً، وعند أبي يوسف ﵁ يصدقُ ديانةً لا قضاء؛ لأنَّه خلافُ المتعارف. (وليلةَ أكلِّمُه على اللَّيل. وإلاَّ أن للغاية كحتَّى، ففي: إن كلَّمْتُه إلاَّ أن يقدمَ زيد أو حتَّى، حنثَ إن كلَّمَه قبلَ قدومِه، (لا إن كلَّمَه بعدَه) (٢). وفي: لا يكلِّمُ عبدَه (٣)، أو امرأته، أو صديقَه، أو لا يدخلَ دارَه إن زالَتْ إضافتُه وكلَّمَه لا يحنثُ في العبد، أشارَ إليه بهذا أو لا، وفي غيرِه إن أشارَ بهذا حنثَ وإلاَّ فلا): حلفَ لا يكلِّمُ عبدَ فلان، أو حلفَ لا يكلِّم عبدَ فلانٍ هذا، فزالت إضافتُه: أي لم يبقَ عبداً له، فكلَّمَهُ لا يحنث. أمَّا إذا لم يشرْ فظاهر، وإن أشارَ فلأنّ العبدَ لسقوطِ مَنْزلتِه لا يعادى لذاتِه، بل لمعنى في المضافِ إليه، فالإضافةُ تكونُ معتبرة، فإذا زالَتْ لا يحنث. وإن حلفَ لا يكلِّمُ صديقَ فلان، أو قال صديقَ فلانٍ هذا، أو حلفَ لا يدخلَ دارَ فلان، أو قال: دارَ فلانٍ هذه، فلم يبقَ الصَّداقة وباعَ الدَّار، فكلَّمَه ودخلَ الدَّار.

стр. 585

وحين وزمان بلا نيةٍ نصفُ سنةٍ نُكِّر، أو عُرِّف، ومعها ما نوى. والدَّهر لم يدرِ مُنَكَّرا، وللأبدِ معرفاً. وأيَّام منكَّرةً ثلاثة، وأيَّامٌ كثيرةٌ، والأيَّامُ، والشُّهورُ، والسُّنونُ عشرةٌ. [فصل في اليمين في العتق والطلاق] وفي أوَّلِ عبدٍ اشتريتُهُ حرٌّ إن اشترى عبداً عُتِق، وإن اشترى عبدين، ثُمَّ آخر، فلا أصلاً، فإن ضَمَّ: وحدَهُ؛ عُتِقَ الثَّالث ففي صورةِ عدمِ الإشارة لا يحنث؛ لأنَّ الإضافةَ معتبرة. وفي صورةِ الإشارة يحنث؛ لأنَّ هذه الأشياءَ يمكن أن تهجرَ لذاتِها، فإذا كانت الذَّات معتبرة، كان الوصف وهو كونُهُ مضافاً إلى فلانٍ في الحاضرِ لغواً. (وحين وزمان بلا نيةٍ نصفُ سنةٍ نُكِّر، أو عُرِّف) (١): لقولِهِ تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (٢)، (ومعها ما نوى. والدَّهر لم يدرِ مُنَكَّراً) (٣) قال أبو حنيفةَ ﵁: لا أدري ما الدّهر، وعندهما: نصف سنة، مثل: لا أكلِّمُه حيناً، (وللأبدِ معرفاً. وأيَّام منكَّرةً ثلاثة، وأيَّامٌ كثيرةٌ، والأيَّامُ، والشُّهورُ، والسُّنونُ عشرةٌ (٤). [فصل في اليمين في العتق والطلاق] وفي أوَّلِ عبدٍ اشتريتُهُ حرٌّ إن اشترى عبداً عُتِق): أي لا يحتاجُ لأوَّلِيَّتِه إلى شراءِ عبدٍ آخر. (وإن اشترى عبدين، ثُمَّ آخر، فلا أصلاً)؛ لأنَّ الأوَّلَ فردٌ لا يكونُ غيرُهُ من جنسِهِ سابقاً عليه، ولا مقارناً له، ولم يوجد. (فإن ضَمَّ: وحدَهُ؛ عُتِقَ الثَّالث): أي قال: أوَّلُ عبدٍ اشتريتُهُ وحدَهُ حرّ، فاشترى عبدين، ثُمَّ آخر عُتِقَ الثَّالث؛ لأنَّه أوَّلَ عبدٍ شراهُ وحدَه.

стр. 586

وفي: آخرِ عبدٍ إن اشترى عبداً فمات لم يعتق، فإن اشترى عبداً، ثُمَّ آخر، ثُمَّ ماتَ عُتِقَ الآخرُ يومَ شرى من كلِّ مالِه، وعندهما يوم مات من ثلثِ ماله، ولا يصيرُ الزَّوجُ فاراً لو عَلَّقَ الثَّلاث به خلافاً لهما، وبكلِّ عبدٍ بشَّرني بكذا فهو حرّ، عُتِقَ أوَّلُ ثلاثةٍ بشَّروهُ متفرِّقين، والكلُّ إن بشَّروه معاً. وسقطَ بشراءِ أبيه لكفارته هي (وفي: آخرِ عبدٍ إن اشترى عبداً فمات لم يعتق): قال: آخر عبدٍ اشتريتُهُ حرٌ فاشترى عبداً فماتَ المشتري، لا يعتق هذا، ولا يتوَّهَم أنَّه إذا ماتَ يكون ذلك العبدُ آخر، لأنَّ الآخرَ لا بُدَّ له من أوَّل، ولم يوجد. (فإن اشترى عبداً، ثُمَّ آخر، ثُمَّ ماتَ عُتِقَ الآخرُ يومَ شرى من كلِّ مالِه، وعندهما يوم مات من ثلثِ ماله)؛ لأنَّ الآخريَّةَ تحقَّقت بالموت، فيعتقُ عند الموتِ من ثُلُثِ مالِه، وله: إنَّ بالموتِ تبيَّنَ أنَّه كان آخراً عند الشِّراء، فيعتقُ في ذلك الوقت، (ولا يصيرُ الزَّوجُ فاراً لو عَلَّقَ الثَّلاث به خلافاً لهما) والضَّميرُ في: به؛ يرجعُ إلى الآخر. وصورةُ المسألة: رجلٌ قال: آخرُ امرأةٍ أتزوجُها طالقٌ ثلاثاً، فتزوَّجَ امرأة، ثُمَّ أُخرى، ثُمَّ مات، طُلِّقَت عند أبي حنيفة ﵁ عند التَّزوُّجِ فلا يصيرُ فاراً، فلا ترثُ عنده، وعندهما: تطلَّقُ عند الموت، فيصيرُ فاراً فترث. (وبكلِّ عبدٍ بشَّرني بكذا فهو حرّ، عُتِقَ أوَّلُ ثلاثةٍ بشَّروهُ متفرِّقين، والكلُّ إن بشَّروه معاً (١). وسقطَ بشراءِ أبيه (٢) لكفارته هي): أي الكفارة، هذا عندنا، وأمَّا عند زُفر والشَّافِعِيِّ (٣) ﵃ لا تسقط، فالحاصلُ أنّ النيَّةَ لا بُدَّ أن تكونَ مقارنةً لعلَّةِ العتق، فهما جعلا القرابةَ علَّةَ العتق، والملك شرطاً، ونحن جعلنا على العكس؛ لأنَّ الشَّرعَ جعلَ شراءَ القريب إعتاقاً؛ فإذا اشترى أباهُ بنيَّةِ الكفارة كانت النِيَّةِ مقارنةً لعلَّةِ العتق، وعندهما لا حيث جَعلا القرابةَ علَّة (٤).

стр. 587

لا بشراءِ عبدٍ حلفَ بعتقِه، ومستولدةٍ بنكاحٍ عُلِّقَ عتقُها عن كفّارتِه بشرائِها، (وتعتقُ بإن تسريتُ أمةً فهي حرَّةٌ مَن تسراها وهي ملكُهُ يومَ حلف، لا مَن شراها فتسرَّاها، وبكلِّ مملوكٍ لي حرٌّ أمهاتُ أولادِه، ومدبَّرُوه، وعبيده لا مكاتبوه إلاَّ بنيِّتِهم، وبهذا حرّ أو هذا وهذا لعبيدِه، عُتِقُ ثالِثهم وخُيِّرَ في الأولين كالطَّلاق (لا بشراءِ عبدٍ حلفَ بعتقِه): أي قال: إن اشتريتُ هذا العبدَ فهو حرّ، فشراهُ بنيَّةِ الكفارة لا تسقطُ الكفارة؛ لأنَّ علَّةَ العتق اليمين، والشِّراءُ شرطٌ له، فلا تكون النِيَّةُ مقارنةً للعلَّة. يَرِدُ عليه: أنّه قد ذُكِرَ في أصولِ الفقة أنّ التَّعليقَ عندنا يمنعُ العِلِّيَّة، فإذا وُجِدَ الشَّرطُ يصيرُ المعلَّقُ علَّة حينئذٍ، فتكونُ النِيَّةُ مقارنةً لعلَّة العتق (١). (ومستولدةٍ بنكاحٍ عُلِّقَ عتقُها عن كفّارتِه بشرائِها): قولُهُ: ومستولدةٍ بالجر عطفٌ على عبد: أي ولا بشراءِ مستولدة. وصورتُها: أن يقولَ لأمةٍ استولدَها بالنِّكاح إن اشتريتُك فأنت حرَّةٌ عن كفارةِ يميني، فاشتراها تعتقُ لوجودِ الشَّرط، ولا يجزئُهُ عن الكفّارة؛ لأنَّ حرِّيَّتَها مستحقَّةٌ بالاستيلاد، (ولا يضافُ إلى اليمينِ من كلِّ وجه) (٢). (وتعتقُ بإن تسريتُ أمةً فهي حرَّةٌ مَن تسراها وهي ملكُهُ يومَ حلف، لا مَن شراها فتسرَّاها)؛ لأنَّ هذه الأمةَ لم تكنْ في ملكِهِ زمانَ الحلف، ولم يضفْ عتقَها إلى الملك أو سببِه، وفيه خلافُ زُفر ﵁. (وبكلِّ مملوكٍ لي حرٌّ أمهاتُ أولادِه، ومدبَّرُوه، وعبيده لا مكاتبوه إلاَّ بنيِّتِهم)؛ لأنَّه لا يملكُهم يداً. (وبهذا حرّ أو هذا وهذا لعبيدِه، عُتِقُ ثالِثهم وخُيِّرَ في الأولين كالطَّلاق)، كأنَّه قال: أحدُهما حرٌّ وهذا. فإن قلتَ: بل هو كقوله: هذا حرٌّ أو هذان.

стр. 588

ولامٌ دخلَ على فعل يقعُ من غيرِه: كبيع، وشراء، وإجازة، وخياطة، وصباغة، وبناء، اقتضى أمرَهَ ليَخُصَّه به، فلم يحنثْ في: إن بعتُ لك ثوباً إن باعَه بلا أمرِهِ ملكَهُ أوَّ لا، وإن دخلَ على عينٍ أو فعلٍ لا يقعُ عن غيرِه: كأكل، وشرب، ودخول، وضربِ الولد، اقتضى ملكَه، فحنثَ في: إن بعتُ ثوباً لك إن باعَ ثوبَهُ بلا أمرِه قلتَ: قد أجبتُ عنه في «شرح التنقيح» بجوابين (١)، فإن شئت فطالِعْه. (ولامٌ دخلَ على فعل يقعُ من غيرِه: كبيع، وشراء، وإجازة، وخياطة، وصباغة، وبناء، اقتضى (٢) أمرَهَ ليَخُصَّه به (٣)، فلم يحنثْ في: إن بعتُ لك ثوباً إن باعَه بلا أمرِهِ ملكَهُ أوَّ لا): أرادَ بدخولِهِ على فعل تعلُّقُهُ به، ففي قولِه: إن بعتُ لك ثوباً فعبدُهُ حرّ، فاللامُ متعلِّق بالبيع، فيقتضي اختصاصَ البيعِ بالمخاطب، والفعلُ لا يختصُ بغيرِ الفاعل إلا بالأمر: أي التَّوكيل، ولهذا اقتضى الأمر. (وإن دخلَ على عينٍ أو فعلٍ لا يقعُ عن غيرِه: كأكل، وشرب، ودخول، وضربِ الولد، اقتضى ملكَه، فحنثَ في: إن بعتُ ثوباً لك إن باعَ ثوبَهُ بلا أمرِه): هذا نظيرُ دخولِ اللام على العين، وهو الثَّوب. أمَّا نظيرُ دخولِه: على فعلٍ لا يقعُ عن غيرِه، فقولُهُ: إن أكلتُ لك طعاماً، أو شربتُ لك شراباً، اقتضى أن يكونَ الطَّعامُ أو الشَّرابُ ملكَ المخاطب، كما في قولِهِ: إن أكلتُ طعاماً لك، فإنَّه وإن كان متعلِّقاً بالأكلِ صورة، فهو في المعنى متعلقٌ بالطَّعام.

стр. 589

وفي: كلِّ عرسٍ لي، فكذا بعد قولِ عرسِهِ: نكحْتَ عليّ، طَلُقَتْ هي، وصحَّ نيَّةُ غيرها ديانة وأمَّا ضربُ الولدِ نحو: إن ضربتُ لك الولدَ فعبدُهُ حرّ، فاقتضاءُ الملكِ فيه غيرُ ممكن إلاَّ أن يرادَ بالملكِ الاختصاص. (وفي: كلِّ عرسٍ لي، فكذا بعد قولِ عرسِهِ: نكحْتَ عليّ، طَلُقَتْ هي، وصحَّ نيَّةُ غيرها ديانة) (١) فإنَّه قال هذا الكلام إرضاءً لها، فيكونُ المرادُ غيرُها لا هي، لكنَّ هذا خلافُ الظَّاهر؛ لأنَّ كلاً كلمةُ العموم، فلا يصدَّقُ قضاء. * * *

стр. 590

كتاب الحدود الحدُّ: عقوبةٌ مقدَّرةٌ يجبُ حقَّاً لله تعالى، فلا تعزير، ولا قصاص حد، والزِّنا: وطءٌ في قُبِلٍ خالٍ عن ملكٍ وشبهته، ويثبتُ بشهادةِ أربعةٍ بالزِّنا لا بوطء أو جماع، فيسألُهم الإمامُ عنه، ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنَى؟ ومتى زنَى؟ وبمَن زنَى؟ كتاب الحدود (الحدُّ: عقوبةٌ مقدَّرةٌ يجبُ حقَّاً لله تعالى، فلا تعزير، ولا قصاص حد). أمَّا التَّعزير؛ فلعدمِ التَّقدير. وأمَّا القصاص؛ فلأنَّهُ حقُّ وليِّ القصاص. (والزِّنا: وطءٌ في قُبِلٍ خالٍ عن ملكٍ وشبهته)؛ كمعتدةٍ البائن أو الثَّلاث. (ويثبتُ بشهادةِ أربعةٍ بالزِّنا لا بوطء أو جماع، فيسألُهم الإمامُ عنه، ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنَى؟ ومتى زنَى؟ وبمَن زنَى؟). أمَّا السُّؤالُ عن الماهيَّة (١)؛ فلأنَّ بعضَ النَّاسِ يطلقونَه على كلِّ وطءٍ حرام، وأيضاً: قد أطلقَهُ الشَّارعُ على غيرِ هذا الفعل، نحو: «العينان تزينان» (٢). وأمَّا عن الكيفيَّة؛ فلأنَّه قد يقعُ الوطءُ من غيرِ إلتقاءِ الختانين. وأمَّا عن أين؟؛ فلأنَّ الزِّنا في دارِ الحربِ لا يوجبُ الحدّ. وأمَّا عن متى؛ فلأنَّ التَّقادُمَ لا يوجبُ الحدّ. وأمَّا عن المزنيَّة؛ فلأنَّه قد يكون في وطئها شبهة؟

стр. 591

فإن بيَّنوه: وقالوا: رأيناهُ وَطِئها في فرجِها، كالميلِ في المُكْحُلة، وعُدِّلوا سرَّاً وعلاناً، حُكِمَ به. وبإقراره أربعاً في أربعةِ مجالس ردَّهُ كلَّ مرَّة، ثُمَّ سأله كما مرّ، فإن بيَّنَ حُبِّبَ تلقينُهُ برجوعِهِ: بلعلَّك لمست، أو قبَّلت، أو وَطِئت بشبهة، فإن رَجَعَ قبل حدِّه، أو في وسطِه خُلِّيَ وإلاَّ حدّ. [فصل في كيفية الحد وإقامته] وهو للمحصَن: أي لحرٍّ مكلَّفٍ مسلمٍ وطئَ بنكاحٍ صحيح، وهما بصفةِ (فإن بيَّنوه: وقالوا: رأيناهُ وَطِئها في فرجِها، كالميلِ في المُكْحُلة، وعُدِّلوا سرَّاً (١) وعلاناً (٢)، حُكِمَ به). ثُمَّ عطفَ على قولِهِ: بشهادةِ أربعة؛ قولَهُ: (وبإقراره أربعاً): أي أربعةَ مرَّات، (في أربعةِ مجالس (٣) ردَّهُ كلَّ مرَّة، ثُمَّ سأله كما مرّ) (٤)، اعلم أنَّ في قولِهِ: ردَّهُ كلَّ مرَّةٍ؛ تسامح؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّ الإمامَ يردُّهُ أربعَ مرَّات، وليس كذلك، بل الإمامُ يردُّه ثلاثُ مرَّات، فإذا أقرَّ مرَّةً رابعةً لا يردُّه، بل يقبلُه، فيسأله كما مرَّ من (٥) قَبْل، إلاَّ في السُّؤال عن متى؛ لأنَّه إنِّما يسألُ عنه احترازاً عن التَّقادُم، وهو يمنعُ الشَّهادة لا الإقرار، وقيل: يسأل عن متى أيضاً؛ لإحتمالِه في زمانِ الصِّبى. فإن بيَّنَ حُبِّبَ تلقينُهُ برجوعِهِ: بلعلَّك لمست، أو قبَّلت، أو وَطِئت بشبهة، فإن رَجَعَ قبل حدِّه، أو في وسطِه خُلِّيَ وإلاَّ حدّ. [فصل في كيفية الحد وإقامته] وهو للمحصَن: أي لحرٍّ مكلَّفٍ مسلمٍ وطئَ بنكاحٍ صحيح، وهما بصفةِ

стр. 592

الإحصان رجمُهُ في فِضاءٍ حتى يموت يبدأُ به شهودُه، فإن أبوا، أو غابوا، أو ماتوا سقط، ثُمَّ الإمام، ثُمَّ النَّاس. وفي المقرِّ يبدأُ الإمام، ثُمَّ النَّاس، وغُسِلَ وكُفِّنَ وصُلِّيَ عليه. ولغيرِ المحصنِ جلدُهُ مئةً وسطاً بسوطٍ لا ثمرةَ له، ويُنْزَعُ ثيابُهُ إلاَّ الإزار، ويُفَرَّقُ على بدنِه إلاَّ رأسَه، ووجهه، وفرجَه قائماً في كلِّ حدٍّ بلا مدّ الإحصان (١)): أي وَطِئَ حال كونِهما (٢) بصفةِ الإحصان: أي الأمورُ التي يثبتُ بها الإحصان ـ ما عدا الوطء ـ كانت حاصلةً قبيل هذا الوطء، فإذا وُجِدَ الوطءُ تَمَّ جميعُ ما يثبتُ بها الإحصان، فقولُهُ: وهو للمحصن: مبتدأ، وخبرُهُ قولُه: (رجمُهُ في فِضاءٍ حتى يموت يبدأُ به شهودُه، فإن أبوا، أو غابوا، أو ماتوا سقط، ثُمَّ الإمام، ثُمَّ النَّاس. وفي المقرِّ يبدأُ الإمام، ثُمَّ النَّاس، وغُسِلَ وكُفِّنَ وصُلِّيَ عليه. ولغيرِ المحصنِ جلدُهُ مئةً وسطاً بسوطٍ لا ثمرةَ له). في «المغرب»: الثَّمرة: العَذَبَةُ وهي ذَنَبُه، وقيل: العُقْدة، قال: والأَوَّلُ أصحّ (٣). وفي «الصِّحاح»: ثمرة السِّياط: عُقَدُ أطرافِها (٤). (ويُنْزَعُ ثيابُهُ إلاَّ الإزار، ويُفَرَّقُ على بدنِه إلاَّ رأسَه، ووجهه، وفرجَه قائماً في كلِّ حدٍّ بلا مدّ): أي من غيرِ أن يلقى على الأرض ويمَدَّ رجلاه. وقيل: أن يمدَّ الضَّارب يدَهُ فوقَ رأسِه. وقيل: أن يمدَّ السَّوط على العضوِ بعد الضَّرب (٥).

стр. 593

وللعبدِ نصفُها، ولا يحدُّهُ سيِّدُه بلا إذنِ الإمام، ولا يُنْزَعُ ثيابُها إلاَّ الفرو والحشو، وتحدُّ جالسة. وجازَ الحفرُ لها لا له. ولا جمعَ بين جلد ورجم، ولا بين جلدٍ ونفي إلاَّ سياسة، ويرجمُ مريضٌ زنى، ولا يجلدُ حتَّى يبرأ. وحاملٌ زَنَت تُرْجَمُ حين وضعَت، وتجلدُ بعد النِّفاس. باب الوطء الذي يوجب الحد أو لا الشُّبهةُ دارئةُ للحدّ (وللعبدِ نصفُها، ولا يحدُّهُ سيِّدُه بلا إذنِ الإمام): هذا عندنا خلافاً للشَّافِعِيِّ (١) ﵁. (ولا يُنْزَعُ ثيابُها إلاَّ الفرو والحشو، وتحدُّ جالسة. وجازَ الحفرُ لها (٢) لا له. ولا جمعَ بين جلد ورجم، ولا بين جلدٍ ونفي إلاَّ سياسة): هذا عندنا، وعند الشَّافِعِيِّ (٣) ﵁ يجمعُ في البكرِ بين الجلدِ والنَّفي، وهو تغريبُ عام. (ويرجمُ مريضٌ زنى، ولا يجلدُ حتَّى يبرأ. وحاملٌ زَنَت تُرْجَمُ حين وضعَت (٤)، وتجلدُ بعد النِّفاس). باب [الوطء الذي يوجب] (٥) الحد أو لا (الشُّبهةُ دارئةُ للحدّ). اعلم أن الشُّبهةَ ضربان: في الفعل. وفي المحل.

стр. 594

وهي في الفعل: تثبتُ بظنِّ غيرِ الدَّليلِ دليلاً، فلا يحدُّ الجاني إن ظنَّ أنَّها تحلُّ له في وطءِ أمةِ أحدِ أبويه، وعرسِه، وسيِّدِه، والمُرْتَهِن المرهونةَ في الأصحّ، والمعتدَّةِ بثلاث، وبطلاقِ على مال، وبإعتاقِ أمِّ ولدِه، وفي المحلّ: بقيامِ دليل نافٍ للحرمةِ ذاتاً، فلم يحدّ وإن أقرَّ بحرمَتِها عليه في: وطءِ أمةِ ابنِه، ومعتدَّةِ الكنايات، والبائعِ المبيعة، والزَّوجِ الممهورة قبل تسليمِها، والمشتركة فشرعَ في الضَّربِ الأَوَّل بقولهِ: (وهي في الفعل: تثبتُ بظنِّ غيرِ الدَّليلِ دليلاً (١)، فلا يحدُّ الجاني إن ظنَّ أنَّها تحلُّ له في وطءِ أمةِ أحدِ أبويه، وعرسِه، وسيِّدِه، والمُرْتَهِن المرهونةَ في الأصحّ، والمعتدَّةِ بثلاث، وبطلاقِ على مال، وبإعتاقِ أمِّ ولدِه). اعلم أنَّ اتصالَ الأملاكِ بين الأصولِ والفروع، قد يوهمُ أنَّ للابنِ ولايةَ وطءِ جاريةِ الأب، كما في العكس. وغنى الزَّوجِ بمالِ الزَّوجةِ المستفادُ من قولِهِ تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَى﴾ (٢): أي بمالِ خديجةَ ﵂، قد يورثُ شبهةَ كونِ مالِ الزَّوجةِ ملكاً للزَّوج. واحتاجُ العبيدِ إلى أموالِ الموالي إذ ليس لهم مال، ينتفعونُ به مع كمالِ الانبساطِ بين مماليكِ مولى واحدٍ مع أنهم معذورون بالجهلِ مظنَّةً لاعتقادِهم حلَّ وطء إماء الموالي. ومالكيَّةُ المُرْتَهنِ للمرهونةِ ملكَ يد، قد توهمُ حلَّ وطءِ المرهونة. وبقاءُ أثرِ النِّكاح، وهو العدَّة، لا يبعدُ أن يصيرَ سبباً؛ لأن يشتبَه عليه حلُّ وطءِ المعتدَّةِ بثلاث، والمعتدَّةِ بطلاقٍ على مال، والمعتدَّةِ بالإعتاق حال كونِها أمّ ولده. ثُمَّ شرعَ في الضَّربِ الثَّاني من الشُّبهةِ بقولِه: (وفي المحلّ: بقيامِ دليل نافٍ للحرمةِ ذاتاً، فلم يحدّ وإن أقرَّ بحرمَتِها عليه في: وطءِ أمةِ ابنِه، ومعتدَّةِ الكنايات، والبائعِ المبيعة، والزَّوجِ الممهورة قبل تسليمِها (٣)، والمشتركة).

стр. 595

فإن ادَّعى النَّسبَ يثبتُ في هذه لا في الأُولَى، وحدَّ بوطء أمةِ أخيه، وعمِّه، وأجنبيةٍ وجدَها على فراشِه، وإن كان هو أعمى، وذميَّةٍ زَنَى بها حربي، وذميُّ زنى بحربية، لا الحربيُّ والحربيَّة الدَّليلُ النَّافي للحرمة قولُهُ ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» (١) وقولُ بعضِ الصَّحابةِ (٢) ﵃: إن الكنايات رواجع. وكونُ المبيعةِ في يدِ البائع بحيث لو هَلَكَت ينتقضُ البيعُ دليلُ الملك. وكونُ المهرِ صلة (٣): أي غيرُ مقابلٍ بمالٍ دليلُ عدمِ زوالِ الملكِ كالهبة. والملكُ في الجاريةِ المشتركةِ دليلُ حلِّ الوطء. فمعنى قولُهُ: نافٍ للحرمةٍ ذاتاً؛ أنَّا لو نظرنا عن المانع يكون منافياً للحرمة (٤). (فإن ادَّعى النَّسبَ يثبتُ في هذه لا في الأُولَى): أي في شبهةِ المحلِّ لا في شبهةِ الفعل. (وحدَّ بوطء أمةِ أخيه، وعمِّه، وأجنبيةٍ وجدَها على فراشِه، وإن كان (٥) هو أعمى (٦)، وذميَّةٍ زَنَى بها حربي، وذميُّ زنى بحربية، لا الحربيُّ والحربيَّة): يعني الدَّاخلين دارنا بأمان؛ وذلك لأنه إن كان هذا في دارِ الحربِ لا يجبُ الحدّ. وعند أبي يوسفَ ﵁ يحدُّون جميعاً. وعند محمَّد ﵁ إن زنى الحربيُّ لا يحدّ. وقولُهُ: وذميَّةٌ عطفٌ على الضَّميرِ المستترِ في حدّ، وهذا جائزٌ لوجودِ الفاصلة.

стр. 596

ولا مَن وَطِئ أجنبيةً زُفَتْ إليه، وقُلْنَ: هي عرسُك، وعليه مهرُها، ومَحْرَمة نكحَها، أو بهيمة، أو أَتَى في دُبُر، أو زنَى في دارٍ الحرب أو بغيٍ، ولا بزنا غيرِ مكلَّفٍ بمكلَّفةٍ أصلاً. وفي عكسِهِ حدَّ هو فقط. ولا إن أقرَّ واحدٌ به، والآخرُ بنكاح. (ولا مَن وَطِئ أجنبيةً زُفَتْ إليه، وقُلْنَ: هي عرسُك، وعليه مهرُها، ومَحْرَمة (١) نكحَها) (٢) عطفٌ على قوله: أجنبية؛ وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁ فإنَّه جعلَ النِّكاحَ شُبْهةً في درءِ الحدّ، (أو بهيمة، أو أَتَى في دُبُر): هذا عند ابي حنيفةَ ﵁. أمَّا عندهما وعند الشَّافِعِيِّ (٣) ﵃ في أحدِ قوليه يحدُّ حدَّ الزِّنا؛ لأنَّه في معنى الزِّنا؛ لأنَّه قضاءُ الشَّهوةِ في محلٍ مشتهىً على سبيلِ الكمالِ على وجهٍ تمحضَ حراماً. وله: أنَّه ليس بزنا، فإنَّ الصَّحابةَ ﵁ عنهم اختلفوا في موجبه (٤): من الإحراق، وهدم الجدار، والتَّنكيس من مكان مرتفعٍ باتّباعِ الأحجار، فعند أبي حنيفةَ ﵁ يعزَّرُ بأمثالِ هذه الأمور. (أو زنَى في دارٍ الحرب أو بغيٍ) (٥)، هذا عندنا خلافاً للشَّافِعِيّ (٦) ﵁. (ولا بزنا غيرِ مكلَّفٍ بمكلَّفةٍ أصلاً): أي لا على هذا، ولا على هذه، وعند زُفر والشَّافِعِيِّ (٧) ﵁ تحدّ هي، (وفي عكسِهِ حدَّ هو فقط. ولا إن أقرَّ واحدٌ به، والآخرُ بنكاح.

стр. 597

وفي قتلِ أمةٍ بزنا يجبُ الحدّ والقيمة. والخلفيةُ لا يحدّ، ويُقْتَصُّ ويؤخذُ بالمال. باب شهادة الزنا والرجوع عنها مَن شَهِدَ بحدٍّ متقادِمٍ قريباً من إمامِهِ لم تقبلْ إلاَّ في حدِّ قذف، وضَمِنَ السَّرقة، وإن أقرَّ به حدّ وفي قتلِ أمةٍ بزنا يجبُ الحدّ والقيمة (١). والخلفيةُ لا يحدّ)؛ لأنَّه صاحبُ الحقِّ نيابةً عن الله تعالى، (ويُقْتَصُّ ويؤخذُ بالمال) (٢)؛ لأنَّ مَن له الحقُّ هو الوارثُ والمالك. (والله أعلم) (٣). باب شهادة الزنا والرجوع عنها (مَن شَهِدَ بحدٍّ متقادِمٍ قريباً من إمامِهِ (٤) لم تقبلْ إلاَّ في حدِّ قذف)؛ فإنَّ حدَّ القذفِ فيه حقُّ العبدِ وهولا يسقطُ بالتَّقادُم. (وضَمِنَ السَّرقة): أي إن شهدوا بالسَّرقة المتقادمة يثبتُ الضَّمان (٥)؛ لأنَّهُ حقُّ العبد، وهو لا يسقطُ بالتَّقادُم، وعند الشَّافِعِيِّ (٦) ﵁ تقبل. (وإن أقرَّ به حدّ): أي إن أقرَّ بالحدِّ المتقادمِ حدّ إلاَّ في الشُّرب على ما يأتي؛ لأنَّ المانعَ من قَبولِ الشَّهادة أنَّه قد هيَّجتُهُ على الشَّهادةِ عداوةٌ حادثة، وهذا المعنى لا يوجدُ في الإقرار.

стр. 598

وتقادمُ الشُّربِ بزوالِ الرِّيح، ولغيرِهِ بمضيِّ شهر، فإن شهدوا بزنا، وهي غائبةٌ حُدَّ، وبسرقةٍ من غائبٍ لا، ولو اختلفَ أربعةٌ في زاويتي بيت، أو أقرَّ بزنا وجَهِلَها حدّ، فإن شهدوا كذلك، أو اختلفوا في طوعِها، أو بلدِ زناه، أو اتَّفق حجَّتاهُ في وقتِه واختلفا في بلدِه، أو شهدوا بزنا وهي بكر، أو هم فسقة، أو هم شهودٌ على شهود لم يحدّ أحد، وإن شَهِدَ الأصولُ أيضا بعدهم (وتقادمُ الشُّربِ بزوالِ الرِّيح، ولغيرِهِ بمضيِّ شهر (١)، فإن شهدوا بزنا، وهي غائبةٌ حُدَّ، وبسرقةٍ من غائبٍ لا)؛ لشرطيَّة الدَّعوى في السَّرقةِ دون الزِّنا على ما يأتي الفرقُ في (كتابِ السَّرقة) (٢) إن شاء الله تعالى. (ولو اختلفَ أربعةٌ في زاويتي بيت، أو أقرَّ بزنا وجَهِلَها حدّ)، إذ التَّوفيق ممكنٌ بأن يكونَ ابتداءُ الفعلِ في زاويةٍ وانتهاؤهُ في أُخرى، وجَهْلُ المُقِرُّ لا يضرُّهُ إذ لو كانت امرأتُهُ أو أمُّ ولدِهِ لا يخفى عليه. (فإن شهدوا كذلك، أو اختلفوا في طوعِها، أو بلدِ زناه، أو اتَّفق حجَّتاهُ في وقتِه واختلفا في بلدِه، أو شهدوا بزنا وهي بكر، أو هم فسقة، أو هم (٣) شهودٌ على شهود لم يحدّ أحد، وإن شَهِدَ الأصولُ أيضا بعدهم). واعلم أن في هذه الصُّور لا يحدُّ أحدٌ لا المشهودُ عليهما بالزِّنا، ولا الشُّهودُ بسببِ القذف. فقولُهُ: وإن شهدوا كذلك؛ أي شهدوا وجَهِلُوا الموطوءةَ لا حدَّ على المشهودِ عليه؛ لاحتمالِ أن تكونَ المرأةُ زوجتَهُ أو أمتَه، ولا على الشُّهود؛ لوجودِ أربعةِ شهداء. وإن شهدَ أربعة، وقال اثنان منها: كانت طائعةً، واثنان منهما: كانت مكرهة، فلا حدَّ عليهما عند أبي حنيفةَ ﵁. وعندهما: يحدُّ الرَّجلُ لاتفاقِ الأربعةِ على زناه لا المرأة؛ للاختلاف في طوعِها. وله: إن الفعلَ المشهودَ به إن كان واحداً فبعضُهم كاذب؛ لأنَّ الفعلَ الواحدَ لا

стр. 599

.................................................................................................................... يكونُ بطوعِها وكرها، وإن لم يكن واحد، فلا نصابَ للشَّهادة على كلِّ منهما، ولا يحدُّ الشُّهُود؛ لوجودِ العدد. وإن شَهِدَ أربعةٌ بزناه، واختلفوا في بلدِ زناه، فلا حدَّ عليهما لما مرّ، ولا على الشُّهُودِ خلافاً لزُفر ﵁؛ لوجودِ العدد. وإن شَهِدَ أربعةٌ بزناهُ في وقتٍ معيَّن (١)، وأربعةٌ أُخرى بزناه في ذلك الوقتِ في بلدٍ آخر، فلا حدَّ عليهما؛ لأنَّ شهادةَ أحدِ الفريقينِ مردودةٌ؛ لتيقُّنِ كذبِه، ولا رجحان لأحدهما فيردُّ الجميع، ولا على الشُّهُود؛ لاحتمالِ صدقِ أحدِ الفريقين. يردُّ عليه: أنّه يحتملُ أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما كاذباً، والظَّاهرُ هذا لما مرَّ من تيقُّنِ كذبِ أحدِهما وعدمِ رجحان أحدِهما، فيكون صدقُ أحدهما محتملاً احتمالاً بعيداً، ثُمَّ على تقديرِ صدقِ أحدِهما يحتملُ أن يكونَ الصَّادقُ هذا الفريقَ المعيَّن أو ذلك الفريق، ففي صدقِ كلِّ واحدٍ احتمال الاحتمال، وهو شبهةُ الشُّبهة، فلا اعتبارَ لها. فأقول: وإنِّما لا يحدُّ الشُّهود؛ لوجودِ أربعةِ شهداء، فشهادةُ كلِّ فريقٍ إن لم توجبْ حدّاً على المشهودِ عليه، فلا أقلَّ من أن توجبَ تهمةً يندرئُ بها الحدُّ عن الفريقِ الآخر. وإن نظرَتِ امراةٌ واحدةٌ، فقالت: هي بكرٌ تثبتُ بشهادتِها البكارة، فيندرئ حدُّ الزِّنا، ولا يثبتُ حدُّ القذفِ (٢) بشرطيَّةِ الرِّجال (٣). وإذا كانوا فسقةً يندرئُ الحدّ، ولا يحدُّ الشُّهود؛ لأنَّ الفسقةَ أهلُ الشَّهادة (٤)، فوجدتْ شهادةُ الأربعة.

стр. 600

وإن شهدوا عمياناً، أو محدودين بقذفٍ أو ثلاثة، أو أحدُهم محدود، أو عبدٌ، أو وُجِدَ كذلك بعد الحدّ حدوا، وأرشُ جرحِ جلدِهِ هَدْر، وديةُ رجمِهِ في بيتِ المال وإن كانوا شهوداً على شهودٍ (١) لم يحدّ؛ لأنَّ في شهادتهم زيادةَ شبهة؛ لأنَّ الكلامَ إذا تداولَتْهُ الألسنةُ يتطرَّق اليه زيادةٌ ونقصان، ثُمَّ إن جاءَ الأصولُ فشهدوا على ذلك الزِّنا بعينِه بعد شهادةِ الفروع، لم يحدَّ أيضاً؛ لأنَّ شهادتَهم قد رُدَّتْ من وجهٍ بردِّ فروعِهم، والشَّهادةُ إذا ردَّتْ مرَّةً في حادثةٍ لا تقبلُ فيها أبداً، وهذا ضعيفٌ (٢)؛ لأنَّ ردَّ شهادتِهم لمعنىً يختصُ بها لا يسري إلى الأصول؛ لعدم ذلك المعنى في شهادتِهم. ويمكن أن يقال: إنِّما تردُّ شهادةُ الأصولِ لأنَّهم سعوا إلى إثباتِ الزِّنا بأمرٍ غير مشروع، فلا تكون شهادتُهم حسبةً لله تعالى، بل سعياً إلى إشاعةِ الفاحشةِ لعداوةٍ أو نحوِها، فتردُّ شهادتُهم؛ لهذه التَّهمة. (وإن شهدوا عمياناً، أو محدودين بقذفٍ أو ثلاثة، أو أحدُهم محدود، أو عبدٌ، أو وُجِدَ كذلك بعد الحدّ (٣) حدوا)؛ لعدم أهليَّةِ الشَّهادة، أو عدمِ النِّصاب، فيجبُ الحدُّ لقولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٤) الآية. (وأرشُ (٥) جرحِ جلدِهِ هَدْر (٦)، وديةُ رجمِهِ في بيتِ المال): أي شهدَ الشُّهودُ بالزِّنا، والزَّاني غيرُ محصن فجلدَ، فجرَحَهُ الجلدُ، ثُمَّ ظهرَ أحدُ الشُّهودِ عبداً، أو محدوداً
следующие страницы →