← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1125

شرح الوقاية - ت أبو الحاج

المحبوبي صدر الشريعة الأصغر

Полный текст (1 235 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وإن لم يأمرْهُ لم يرجعْ. فإن لوزمَ الكفيلُ بالمالِ فله ملازمةُ أصيلِه، وإن حُبِسَ فله حبسُهُ، وإن أُبْرئ الأصيلُ أو أوفى المالَ بَرِئ الكفيلُ، وإن أُبرئ هو لا يَبْرَأُ الأصيلُ، وإن أخَّرَ عن الأصيلِ تأخَّرَ عنه بخلافِ عكسِه، فإن صالحَ الكفيلُ الطالبَ عن ألفٍ على مئةٍ بَرِئَ الكفيلُ والأصيل، ورَجَعَ على الأصيلِ بها إن كَفِلَ بأمرِه، وإن صالحَ على جنسٍ آخرَ رَجَعَ بالألفِ من موكِّلِهِ قبلَ أدائِهِ إلى البائِعِ؛ لأنَّهُ انعقدَ بين الوكيلِ والموكِّلِ مبادلةٌ حكمية، (وإن لم يأمرْهُ لم يرجعْ. فإن لوزمَ الكفيلُ بالمالِ فله ملازمةُ أصيلِه، وإن حُبِسَ فله حبسُهُ) (١): لأنَّهُ لحقَهُ هذا الضَّررُ بأمرِهِ فيعاملُهُ بمثلِه. (وإن أُبْرئ الأصيلُ أو أوفى المالَ بَرِئ الكفيلُ، وإن أُبرئ هو لا يَبْرَأُ الأصيلُ)؛ لأنَّ الدَّينَ على الأصيلِ، فالبراءةُ عنه تُوجِبُ البراءةَ عن المطالبةِ بخلافِ العكس، (وإن أخَّرَ عن الأصيلِ تأخَّرَ عنه بخلافِ عكسِه)، اعتباراً للإبراءِ المؤقَّتِ بالمؤبَّدِ. (فإن صالحَ الكفيلُ الطالبَ عن ألفٍ على مئةٍ بَرِئَ الكفيلُ والأصيل، ورَجَعَ على الأصيلِ بها إن كَفِلَ بأمرِه)؛ لأنَّهُ أضافَ الصُّلْحَ إلى الألفِ الذي هو الدَّين، وهو على الأصيل، فيبرأُ عن تسعِمئةٍ، وبراءتُهُ توجِبُ براءةَ الكفيل، فإن كانت الكفالةُ بأمرِه، رجعَ الكفيلُ بما أدَّى، وهو المئة. (وإن صالحَ على جنسٍ آخرَ رَجَعَ بالألفِ) (٢)؛ لأنَّهُ مبادلةٌ (٣) فيملِكُهُ الكفيلُ، فيرجعُ بجميعِ الألف. فإنّ قلتَ: إن الدَّينَ على الأصيلِ، فكيف يملِّكُهُ الكفيل؛ لأنَّ تمليكَ الدَّينِ من غيرِ مَن عليه الدَّينُ لا يصحُّ.

стр. 772

وإن صالحَ عن مُوجَبِ الكفالةِ لم يَبْرأْ الأصيل، وإن قالَ الطالبُ للكفيلِ: بَرِئتَ إليَّ من المالِ، رجعَ إلى أصيله، وكذا في بَرِئْتَ عند أبي يوسفَ ﵁ خلافاً لمحمدٍ ﵁، وفي أبرأتُكَ لا يرجعُ، ولا يصحُّ تعليقُ البراءةِ عن الكفالةِ بشرطِ كسائرِ البراءات، كما إذا قال: إن قدمَ فلانٌ من السفرِ أبرأتك من الدَّينِ لا يصحُّ البراءةُ منه. قلت: أمَّا عند مَن جَعَلَ الكفالةَ ضمُّ الذمّةِ إلى الذمّةِ في الدَّينِ فظاهرٌ، وأمَّا عند الآخرينَ، فإنَّ المكفولَ له إذا مَلَكَ الدَّين من الكفيلِ إما بالهبةِ، أو بالمعاوضةِ، فالدَّينُ يُجْعَلُ ثابتاً في ذمَّةِ الكفيلِ ضرورةَ صحَّةَ التَّمليك. كذا قالوا. (وإن صالحَ عن مُوجَبِ الكفالةِ لم يَبْرأْ الأصيل)؛ لأن هذا الصَّلحَ إبراءُ الكفيلِ عن المطالبة، فلا (١) يوجبُ براءةَ الأصيل. (وإن قالَ الطالبُ للكفيلِ: بَرِئتَ إليَّ من المالِ، رجعَ إلى أصيله): لأنَّ البراءةَ التي ابتداؤها من الكفيلِ وانتهاؤها إلى الطَّالبِ لا تكونُ إلا بالإيفاءِ كأنَّه قال: بَرِئتَ بالأداءِ إليَّ، فيرجعُ بالمالِ على الأصيلِ إن كانت الكفالةُ بأمرِه. (وكذا في بَرِئْتَ عند أبي يوسفَ ﵁ خلافاً لمحمدٍ ﵁)، له: إن البراءةَ تكون بالأداءِ، أو الإبراء، فيثبتُ بالأدنى. ولأبي يوسف ﵁: إنَّه إن أقرَّ بالبراءةِ التي ابتداؤها من المطلوبِ، وهي بالأداءِ فيرجع. (وفي أبرأتُكَ لا يرجعُ)، قيل في جميعِ ذلك إن كان الطالبُ حاضراً يرجعُ إليه في البيان. (ولا يصحُّ (٢) تعليقُ البراءةِ عن الكفالةِ بشرطِ (٣) كسائرِ البراءات، كما إذا قال: إن قدمَ فلانٌ من السفرِ أبرأتك من الدَّينِ لا يصحُّ البراءةُ منه.

стр. 773

ولا الكفالةُ بما تعذَّرَ استيفاؤهُ من الكفيلِ، كالحدودِ والقصاصِ، وبالمبيع بخلافِ الثَّمنِ، وبالمرهونِ، وبالأمانةِ: كالوديعةِ، والمستعارِ، والمستأجَرِ، ومالِ المضاربةِ، والشَّركةِ، وبالحملِ على دابّةٍ مستأجَرةٍ معيَّنةٍ بخلافِ غير المعيَّنةِ ولا الكفالةُ بما تعذَّرَ استيفاؤهُ من الكفيلِ، كالحدودِ والقصاصِ، وبالمبيع بخلافِ الثَّمنِ). اعلم أن الكفالةَ بتسليمِ المبيعِ تصحُّ، لكن لو هلكَ لا يَجِبُ على الكفيلِ شيءٌ، فمرادُ «المتن» الكفالةُ بماليّةِ المبيعِ؛ وذلك لأنَّ ماليّتَهُ (١) غيرُ مضمونةٍ على الأصيلِ، فإنَّه لو هَلَكَ ينفسخُ البيعُ، ويَجِبُ ردُّ الثَّمَنِ بخلاف الثمن. (وبالمرهونِ): أي بماليتِهِ لكن يصحُّ بتسليمِ المرهونِ، فلو هلكَ لا يَجِبُ عليه شيءٌ، فالحاصلُ أن الكفالةَ بماليَّةِ الأعيانِ المضمونةِ بالغيرِ لا تصحُّ، فأمَّا بالأعيان المضمونةِ بنفسِها تصحُّ عندنا خلافاً للشَّافِعِيِّ (٢) ﵁، وذلك مثل: المبيع بيعاً فاسداً، والمغصوب، والمقبوض على سومِ الشَّراءِ، فإنَّه مضمونٌ بالقيمةِ. (وبالأمانةِ: كالوديعةِ، والمستعارِ، والمستأجَرِ، ومالِ المضاربةِ، والشَّركةِ)، … قالوا الكفالةُ بماليَّةِ الوديعةِ والعاريةِ لا تصحُّ، أمَّا بتمكينِ المالك من أخذِ الوديعةِ يصحُّ، وكذا بتسليمِ العاريةِ. (وبالحملِ على دابّةٍ مستأجَرةٍ معيَّنةٍ) (٣)، إذ لا قُدْرَةَ له على تسليمِ دابّةِ المكفولِ عنه، (بخلافِ غير المعيَّنةِ): فإن المستحقَّ هاهنا الحملُ على أي دابّةٍ كانت، فالقدرةُ ثابتةٌ هاهنا.

стр. 774

وبخدمةِ عبدٍ مستأجرٍ لها معينٌ، وعن ميْتٍ مُفلِس، وبلا قَبولِ الطَّالبِ في المجلس، إلاَّ إذا كَفِلَ عن مورِّثِهِ في مرضِهِ مع غيبةِ غرمائِه، وبمالِ الكتابةِ حرُّ تكفَّلَ به أو عبدٌ (وبخدمةِ عبدٍ مستأجرٍ لها معينٌ): لما ذَكَرَ في الدَّابة. (وعن ميْتٍ مُفلِس (١)) (٢)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ بناءً على أن ذمَّةَ الميْتِ قد ضَعُفَتْ، فلا يجبُ عليها إلاَّ بأن يَتَقَوَّى بأحدِ الأمرينِ: إمَّا بأن يبقى منه مالٌ. أو يبقى كفيلٌ كَفِلَ عنه في أيَّام حياتِه، فيكون الدين حينئذٍ ديناً صحيحاً، فيصحُّ الكفالة. وعندهما: إذا ثَبَتَ الدَّينُ ولم يوجدْ مسقطٌ يكونُ ديناً صحيحاً فيصحُّ الكفالةَ. (وبلا قَبولِ الطَّالبِ في المجلس)، وعند أبي يوسفَ (٣) ﵁ إذا بلغَهُ الخبر، وأجازَ جاز، وهذا الخلافُ في الكفالةِ بالنَّفسِ والمالِ معاً، (إلاَّ إذا كَفِلَ عن مورِّثِهِ في مرضِهِ مع غيبةِ غرمائِه)، صورتُهُ: أن يقولَ المريضُ لوارثِهِ في غيبةِ الغرماء: تكفَّلُ عنِّي بما عليَّ من الدينِ، فكَفِلَ جازَتْ، وإنِّما يصحُّ (٤)؛ لأن ذلك في الحقيقةِ وصيّةٌ؛ ولهذا لا يشترطُ تسميةُ المكفولِ له. (وبمالِ الكتابةِ حرُّ تكفَّلَ به أو عبدٌ)؛ لأنَّه دينٌ يَثْبُتُ مع المنافي، وإنِّما قال: حُرُّ

стр. 775

ولا يرجعُ أصيلٌ بألفٍ أدَّى إلى كفيلِه، وإن لم يعطِها طالبَه، وما رَبِحَ فيها الكفيلُ، فهو له، ولا يتصدَّقُ به، وربحُ كُرٍّ كفلَ به وقبضَهُ له، ورَدَّهُ إلى قاضيه أحبُّ تكفَّلَ به أو عبدٌ؛ لرفعِ توهُّمِ أن كفالةَ العبدِ به ينبغي أن تصحَّ؛ لأنَّه لا يجوزُ ثبوتُ مثل هذا الدَّينَ عليه؛ لأنَّ العبدَ محلُّ الكتابةِ فخصَّهُ دفعاً لهذا الوهم. (ولا يرجعُ أصيلٌ بألفٍ أدَّى إلى كفيلِه، وإن لم يعطِها طالبَه): أي إذا عجَّلَ الأصيلُ، فأدَّى المالَ (١) إلى الكفيلِ الذي كَفِلَ بأمرِهِ ليس له أن يستردَّها مع أن الكفيلَ لم يعطِها للطَّالبِ، كما إذا عجَّلَ أداء الزَّكاةِ للسَّاعي؛ لأنَّ الكفالةَ بأمرِ المكفولِ عنه انعقدت سبباً للدَّينينِ: دينِ الطَّالبِ على الكفيلِ، ودينِ الكفيلِ على المكفولِ عنه مؤجَّلاً إلى وقتِ أدائِه، فإذا وُجِدَ السَّببُ وعجَّلَ صحَّ الأداءُ، وملكَهُ الكفيلُ، فلا يستردُّهُ المكفولُ عنه، وهذا بخلافِ ما إذا أدَّاه على وجه الرِّسالة؛ لأنّه حينئذٍ تمحّضَ أمانةً في يدِه. (وما رَبِحَ فيها الكفيلُ، فهو له، ولا يتصدَّقُ به): أي إذا عامل الكفيلُ في الألفِ التي أدَّى الأصيلُ إليه ورَبِحَ فيها، فالرِّبْحُ له حلالاً طيباً، لا يَجِبُ تَصَدُّقُه لِمَّا أنَّه ملكَهُ. (وربحُ كُرٍّ كفلَ به وقبضَهُ له، ورَدَّهُ إلى قاضيه أحبُّ). قولُهُ: وربحُ كُرٍّ مبتدأٌ. وله: خبرُهُ. أي إن كانت الكفالةُ له بكُرِّ حنطةٍ، فأدَّاهُ الأصيلُ إلى الكفيلِ، فباعَهُ الكفيل، ورَبِحَ فيه، فالرِّبحُ له، لكن ردّه إلى قاضيه، وهو الأصيلُ أحبُّ، لكنَّه تمكن فيه خبثٌ بسبِب أن للأصيلِ حقُّ استردادِه، على تقدير أن يقضي الأصيلُ الدَّينَ بنفسِه، فيكون حقُّ الأصيلِ متعلِّقاً به، فهذا الخبثُ يعملُ فيما يتعيَّن بالتَّعيينِ: كالكُرِّ بخلاف ما لا يتعيَّنُ بالتَّعيينِ:

стр. 776

كفيلٌ أمرَهُ أصيلُهُ بأن يتعيَّنَ عليه ثوباً ففعلَ، فهو له، وما ربح بائعُهُ فعليه، ولو كَفِلَ بما ذابَ له، أو بما قَضَى له عليه، وغابَ أصيلُهُ، فأقام مُدَّعيه بيِّنةً على كفيلِهِ أن له على أصيلِهِ كذا ردَّتْ كالدَّراهمِ والدَّنانير، كما في المسألةِ السَّابقة، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وأمَّا عندهما: لا يكون الرَّدُّ إلى قاضيه أحبُّ إذ لا خبثَ فيه أصلاً. (كفيلٌ أمرَهُ أصيلُهُ بأن يتعيَّنَ عليه ثوباً ففعلَ، فهو له): أي أمر الأصيلُ الكفيلَ بأن يشتري ثوباً بطريقِ العِينةِ، وبيعُ العِينةِ: أن يستقرضَ رجلٌ من تاجرٍ شيئاً، ولا يقرضُهُ قرضاً حسناً، بل يعطيه عيناً، ويبعها من المستقرضِ بأكثر من القيمة (١)، فالعينةُ مشتقةٌ من العينِ سمِّي بها؛ لأَنَّه إعراضٌ عن الدَّينِ إلى العينِ، فالأصيلُ أمر كفيلَهُ بأن يشتري ثوباً بأكثرَ من القيمةِ ليقضي به دينَهُ ففعل، فالثَّوبُ للكفيلِ؛ لأن هذه وكالةً فاسدةً (٢) لعدمِ تعيُّن الثُّوبِ والثَّمن. (وما ربح بائعُهُ فعليه): أي إذا اشترى الثَّوبَ بخمسةَ عشر، وهو يساوي عشرةَ، فباعَهُ بالعشرةِ، فالرِّبْحُ الذي حصلَ للبائعِ، وهو الخمسةُ التي صارتْ خسراناً على الكفيلِ، فعلى الكفيل؛ لأنَّ الوكالةَ لمَّا لم تصحَّ صارَ كأنَّه قال له: إن اشتريتَ ثوباً بشيءٍ، ثُمَّ بعتَهُ بأقلَّ من ذلك فأنا ضامنٌ لذلك الخسرانِ، فهذا الضَّمانُ ليس بشيءٍ. (ولو كَفِلَ بما ذابَ له، أو بما قَضَى له عليه، وغابَ أصيلُهُ، فأقام مُدَّعيه بيِّنةً على كفيلِهِ أن له على أصيلِهِ كذا ردَّتْ)؛ لأنَّهُ إذا أقامَ البيِّنةَ أن له على أصيلِه، ولم

стр. 777

وإن أقامَ بيَّنةً على أن له على زيدٍ كذا، وهذا كفيلُهُ بأمرِهِ قضى به عليهما، وفي الكفالةِ بلا أمرِهِ قضى على الكفيلِ فقط، ولو ضَمِنَ الدَّرَك بطلَ دعواهُ بعدَهُ يتعرَّضْ لقضاءِ القاضي به لا يجبُ على الكفيل؛ لأنَّه كَفِلَ بما قضى القاضي به، ولم يوجدْ هذا في الكفالةِ بما قضى له عليه ظاهر، وكذا بما ذابَ له عليه؛ لأن معناه تقرَّرَ، وهو بالقضاء. (وإن أقامَ بيَّنةً على أن له على زيدٍ كذا، وهذا كفيلُهُ بأمرِهِ قضى به عليهما)، هذا ابتداءُ مسألةٍ لا تعلُّقَ له بما سَبَقَ، وهو الكفالةُ بما ذابَ له، أو بما قضى له عليه، صورةُ المسألةِ أقامَ رجلٌ بيَّنةً أن له على زيدٍ ألفاً، وهذا كفيلُهُ بهذا المالِ بأمرِهِ قضى عليهما، ففي هذه الصورةِ (١) قد كَفِلَ بهذا المالِ من غيرِ التَّعرُّضِ لقضاءِ القاضي بخلافِ المسألةِ المتقدِّمةِ، فإذا قضى عليهما يكونُ للكفيلِ حقُّ الرُّجوعِ على الأصيلِ، وهذا عندنا، وعند زُفَرَ ﵁ لا يَرْجِعُ عليه؛ لأنَّه لمَّا أنكرَ كان زعمُهُ أن هذا الحقَّ غيرُ ثابتٍ بل المدَّعي ظلمَهُ، فلا يكونَ له أن يظلمَ غيرَهُ. قلنا: الشَّرعُ كذَّبَهُ (٢) فارتفعَ إنكارِهِ. (وفي الكفالةِ بلا أمرِهِ قضى على الكفيلِ فقط): أي أقامَ البيِّنةَ على أنَّه كفيلُهُ بلا أمرِهِ يقضي القاضي بالمالِ على الكفيلِ فقط. (ولو ضَمِنَ الدَّرَك بطلَ دعواهُ بعدَهُ) (٣): لأنَّه ترغيبٌ للمشتري في الشَّراءِ، فيكونُ بمَنْزلةِ الإقرارِ بملكِ البائع، فلا يصحُّ دعوى ملكيَّته.

стр. 778

ولو شَهِدَ وخَتَمَ لا، قالوا: إن كُتِبَ في الصَّكِ باعَ مِلكَهُ أو بيعاً باتاً نافذاً، وهو كتبَ شَهِدَ بذلك بطلَتْ، ولو كتبَ شهادتَهُ على إقرارِ العاقدينِ لا. [فصل في الضمان] ولو ضَمِنَ العُهدةَ، أو الخلاصُ (ولو شَهِدَ وخَتَمَ لا): وإنِّما قال: وختم لأنَّ المعهودَ في الزَّمانِ السَّابقِ كان الختمُ في الشَّهاداتِ صيانةً عن التَّغييرِ والتَّبديل. (قالوا: إن كُتِبَ في الصَّكِ باعَ مِلكَهُ أو بيعاً باتاً نافذاً، وهو كتبَ شَهِدَ بذلك بطلَتْ): أي بطلَتْ دعواهُ بعد هذه الشَّهادةِ؛ لأنَّ شهادتَهُ يكونُ إقراراً بأنَّ البائعَ قد باعَ مِلكَهُ، أو باعَ بيعاً باتّاً نافذاً، فإذا ادَّعى الملكُ لنفسِهِ يكونُ مناقضاً (١) (ولو كتبَ شهادتَهُ على إقرارِ العاقدينِ لا) (٢): أي لا يبطلُ دعواهُ بعد هذه الكتابةِ؛ لعدمِ التَّناقضِ. [فصل في الضمان] (ولو ضَمِنَ العُهدةَ): أي اشترى رجلٌ ثوباً، فَضَمِنَ آخرُ بالعُهدة، فالضَّمانُ باطلٌ؛ لأنَّ العهدةَ قد جاءتْ لمعانٍ: للصَّكِ القديمِ. وللعقدِ وحقوقِه. وللدَّرك. فلا يثبتُ أحدُ المعاني بالشَّكِ. (أو الخلاصُ): أي إذا ضَمِنَ الخلاصَ فلا يصحُّ عند أبي حنيفةَ ﵁، وهو أن يشترطَ أن المبيعَ إن استحقَّ يخلِّصَهُ ويسلِّم عينَهُ إليه بأيِّ طريقٍ كان، وهذا باطلٌ إذا لا قدرةَ له على هذا (٣).

стр. 779

أو المضاربُ الثَّمنَ لربِّ المالِ، أو الوكيلُ بالبيعِ لموكِّلِه، أو أحدُ البائعينِ حصّةَ صاحبِهِ من ثَمنِ عبدٍ باعاهُ بصفقةٍ بطل، وبصفقتينِ صحَّ، كضمانِ الخراج والنَّوائبِ والقسمةِ وعندهما يصحُّ، وهو محمولٌ على ضمانِ الدَّرَك (١). (أو المضاربُ الثَّمنَ لربِّ المالِ): أي باعَ المضاربُ، وضَمِنَ الثَّمنَ لربِّ المال. (أو الوكيلُ بالبيعِ لموكِّلِه): أي باعَ الوكيلُ وضَمِنَ للموكِّلِ الثَّمنَ، وإنِّما لا يجوزُ: لأنَّ الثَّمنَ أمانةٌ عند المضاربِ والوكيل، فالضَّمانُ تغييرُ حكمِ الشَّرعِ. ولأنَّ حقَّ المطالبةِ للمضارب والوكيل، فيصيرانِ ضامنينِ لنفسهما (٢). (أو أحدُ البائعينِ حصّةَ صاحبِهِ من ثَمنِ عبدٍ باعاهُ بصفقةٍ بطل، وبصفقتينِ صحَّ): أي باعا عبداً صفقةً واحدةً، وضَمِنَ أحدُهما لصاحبِهِ حصّتَه من الثَّمنِ لا يصحَّ؛ لأنَّهُ لو صحَّ الضَّمانُ مع الشّركةِ يصيرُ ضامناً لنفسِه، ولو صحَّ في نصيبِ صاحبِهِ يؤدِّي إلى قسمةِ الدَّين قبل قبضِه، وذا لايجوزُ (٣) بخلافِ ما لو باعاهُ بصفقتينِ، فإنَّه يصحُّ الضَّمانُ؛ لأنَّه لا شركة. (كضمانِ الخراج (٤) والنَّوائبِ (٥) والقسمةِ): أي صحَّ ضمانُ هذه الأشياءُ. أمَّا الخراجُ فقد مرَّ (٦).

стр. 780

وإن قال: ضمنتُهُ إلى شهرٍ صُدَّقَ هو، وإن ادَّعى الطَّالبُ أنَّه حالٌّ وأمَّا النَّوائبُ: فهي إمَّا بحقٍّ ككري النَّهْرِ، وأجرِ الحارس، وما يُوظَّفُ لتجهيزِ الجيشِ، وغيرُ ذلك، وأما بغير حقٍّ: كالجباياتِ في زماننا، والكفالةُ بالأولى صحيحةٌ اتِّفاقاً، وفي الثَّانيةِ خلافٌ (١)، والفتوى على الصِّحَّةِ (٢)، فإنَّها صارتْ كالدِّيونِ الصَّحيحةِ حتَّى لو أخذتْ من الأكَّارِ (٣) فله الرُّجوعُ على مالكِ الأرض. وأمَّا القسمةُ فقد قيلَ: هي النَّوائبُ بعينها، أو الحصّةُ منها، وقيل: هي النائبةُ الموظَّفةُ الرَّاتبةُ، والنَّوائبُ هي غيرُ الموظَّفةِ، وأيَّا ما كان، فالكفالةُ بها صحيحة. (وإن قال: ضمنتُهُ إلى شهرٍ صُدَّقَ هو، وإن ادَّعى الطَّالبُ أنَّه حالٌّ): أي قال الكفيلُ: كفلتُ بهذا المالِ لكن المطالبةَ بعد شهرٍ، وقال الطَّالب: لا بل على صفةِ الحلولِ، فالقولُ قولُ الكفيلِ مع الحلفِ، وهذا بخلافِ ما إذا أقرَّ بدينٍ مؤجَّلٍ، وقال

стр. 781

ولا يؤخذُ ضامنُ الدَّرَكِ إن استحقَّ المبيعَ ما لم يقضِ بثمنِهِ على بائعِهِ. [فصل في كفالة الرجلين] دينٌ على اثنينِ كَفِلَ كلٌّ عن الآخرِ، لم يرجعْ على شريكِهِ إلاَّ بما أدَّى زائداً على النَّصف المقرُّ له: لا بل هو حالٌ، فالقولُ للمقرِّ له. والفرقُ: أنَّه إذا أقرَّ بالدَّينِ، ثم ادَّعى حقَّاً له، وهو تأخيرُ المطالبة، والمقرُّ له منكرٌ، فالقولُ قولُه بخلافِ الكفالة، فإنَّه لا دينَ فيها، فالطَّالبُ يدَّعي أنَّه مطالبٌ في الحال، والكفيلُ يُنْكِرُه (١). (ولا يؤخذُ ضامنُ الدَّرَكِ إن استحقَّ المبيعَ ما لم يقضِ بثمنِهِ على بائعِهِ)، إذ بمجرَّدِ الاستحقاقِ لا ينتقضُ البيعُ في ظاهرِ الروايةِ ما لم يقضِ بالثَّمنِ على البائع، فلم يجبْ على الأصيلِ ردُّ الثَّمن فلا يجبُ على الكفيل. [فصل في كفالة الرجلين] (دينٌ على اثنينِ (٢) كَفِلَ كلٌّ عن الآخرِ، لم يرجعْ على شريكِهِ إلاَّ بما أدَّى زائداً على النَّصف)، اشتريا عبداً بألفٍ وكفلَ كلٌّ منهما عن صاحبِهِ بأمرِهِ للبائع، فكلُّ ما أدَّاه أحدُهما لا يرجعُ به على صاحبِهِ إلاَّ أن يكونَ زائداً على النِّصف؛ لأن

стр. 782

ولو كفلا بشيءٍ عن رجلٍ، وكفلَ كلٌّ به عن صاحبِهِ رَجَعَ عليه بنصف ما أدَّى وإن قلَّ، وإن أبرأَ الطَّالبُ أحدَهما أخذَ الآخرَ بكلِّه وقوعَ المؤدَّى عمَّا عليه أصالةً أولى من وقوعِهِ عمَّا عليه كفالة. (ولو كفلا بشيءٍ عن رجلٍ، وكفلَ كلٌّ به عن صاحبِهِ رَجَعَ عليه بنصف ما أدَّى وإن قلَّ)، على رجلٍ ألفٌ فكَفِلَ كلُّ واحدٍ من شخصينِ آخرين عن الأصيلِ بهذا الألف، ثم كَفِلَ كلُّ واحدٍ من الكفيلينِ عن صاحبِهِ بأمره بهذا الألف، فكلُّ ما أدَّاه أحدُهما وإن قلَّ رجعَ على الآخرِ بنصفِهِ بخلافِ الصَّورةِ الأُولَى، فإن الأصالةَ تُرَجَّح على الكفالة، أمَّا هاهنا فالكلُّ كفالةٌ فلا رُجْحانِ. وقال في «الهداية» (١): الصَّحيحُ أنَّ صورةَ المسألةِ على هذا الوجه احترازٌ عمَّا إذا كفلا بألفٍ حتَّى كان الألفُ منقسماً عليهما نصفينِ، ثُمَّ كَفِلَ كُلُّ واحدٍ منهما عن صاحبِهِ بأمرِهِ، ففي هذه الصورةِ لا يرجعُ على شريكِهِ إلا بما زادَ على النَّصف. أقولُ: في هذه الصَّورةِ كلُّ ما أدَّاه ينبغي أن يرجعَ بنصفِهِ على شريكِهِ؛ لأنَّهُ لمَّا لم يكنْ لإحدى الكفالتينِ رُجْحانٌ على الأخرى، فكلُّ ما أدَّاه يكونُ منهما، فيجبُ أن يرجعَ بنصفِ ما أدَّى، فلا فرقَ بينَ هذه الصُّورةِ والصُّورةِ التي خصَّها بالصِّحَّة (٢). (وإن أبرأَ الطَّالبُ أحدَهما أخذَ الآخرَ بكلِّه)؛ لأنَّ وضعَ المسألةِ فيما إذا كَفِلَ كلٌّ منهما بالألفِ عن الأصيلِ، ثم كَفِلَ كُلٌّ منهما بالألفِ عن صاحبه، فإذا أبرأَ أحدَهما بقي كفالةُ الآخرِ بكلِّ الألفِ، وفي الصُّورةِ التي احترزَ بالصِّحَّةِ عنها إذا أبرأَ أحدَهما يبقى الكفالةُ للآخر بخمسمئةٍ.

стр. 783

ولو فسختِ المفاوضةُ أخذَ ربُّ الدَّينِ أيّاً شاءَ من شريكيها بكلِّ دينِهِ، ولم يرجعْ أحدُهما على صاحبِهِ إلاَّ بما أدَّى زائداً على النِّصفِ (ولو فسختِ المفاوضةُ أخذَ ربُّ الدَّينِ أيّاً شاءَ من شريكيها بكلِّ دينِهِ)؛ لما عُرِفَ أن شركةَ المفاوضةِ يتضمّنُ الكفالةَ، (ولم يرجعْ أحدُهما على صاحبِهِ إلاَّ بما أدَّى زائداً على النِّصفِ)؛ لِمَا عرفتَ أن جهةَ الأصالةِ راجحةٌ على جهةِ الكفالة. أقولُ (١) : في هذه المسألةِ إشكالٌ وهو أن أحدَ المفاوضينَ إذ اشترى شيئاً، ثمَّ فسخا المفاوضةَ، فالبائعُ إن طَلَبَ الثَّمنَ من مشتريِه، فلا تعلُّقَ لهذه المسألةِ بمسألةِ الكفالة، بل المشتري في النِّصفِ أصيلٌ، وفي النِّصف … (٢) وكيل، فكلُّ ما أدَّى ينبغي أن يرجعَ بنصفِهِ على الشَّريكِ؛ لأنَّه اشترى العبدَ صفقةً واحدةً، فصارَ الثَّمنُ ديناً عليه، ولا يُمْكِنُ قسمتُهُ، فكلُّ ما يؤدِّيه الأصيلُ، يؤدِّيه منه ومن شريكِه، فيرجعُ عليه بالنِّصف. وإن طَلَبَ البائعُ الثَّمنَ من شريكِهِ يكونُ ذلك بسببِ أن المفاوضةَ تضمَّنَتِ الكفالة، فيكون كفيلاً في الكلِّ إلا أن كفالتَهُ في النِّصفِ الذي هو ملكُ العاقدِ تمحَّضَتْ كفالةً، وفي النصفِ الذي هو ملكُهُ أصيلٌ من وجهٍ وكفيلٌ من وجهٍ، فبالنَّظرِ إلى أن حقوقَ العقدِ راجعةٌ إلى الوكيل، يكونُ الشَّريكُ كفيلاً للثَّمن، فمطالبةُ الثَّمنِ يَتَوجَّه إليه بحكمِ الكفالة، وبالنَّظرِ إلى أن المِلكَ في هذا النَّصفِ وَقَعَ له، فيكونُ في أداءِ نصفِ الثَّمنِ

стр. 784

عبدانِ كوتبا بعقدٍ واحدٍ، وكَفِلَ كلٌّ عن صاحبِهِ، رجعَ كلٌّ على الآخرِ بنصفِ ما أدَّاهُ. [فصل في كفالة العبد وعنه] فإن أَعتقَ السَّيدُ أحدَهما قبل الأداءِ صحَّ، وله أن يأخذَ حصَّةَ مَن لم يعتقْهُ منه أصالةً ومن الآخرِ ضماناً، ورجعَ المعتَقُ على صاحبِهِ بما أَدَّى عنه لا صاحبَهُ عليه بما أدَّى عن نفسِهِ، ومالٌ لا يَجِبُ على عبدٍ حتَّى يُعْتِقَ حالٌّ على مَن كَفِلَ به مطلقةً أصيلاً، فما أدَّاه يكونُ راجعاً إلى هذا النِّصفِ فلا يرجعُ إلى العاقد، وفيما زادَ على النِّصفِ يرجع. (عبدانِ كوتبا بعقدٍ واحدٍ، وكَفِلَ كلٌّ عن صاحبِهِ … (١)، رجعَ كلٌّ على الآخرِ بنصفِ ما أدَّاهُ): أي عبدانِ قال لهما المولى: كاتبتُكما بالألفِ إلى سنةٍ، وقبلا، وكَفِلَ كُلٌّ عن صاحبِهِ، فكلُّ ما أدَّاهُ أحدُهما رجعَ على الآخرِ بنصفِ ما أدَّى. وإنِّما قيَّدَ بعقدٍ واحدٍ؛ حتَّى لو كاتبَهما بعقدينِ فالكفالة لا تصحُّ أصلاً، أمَّا إذا كانت بعقدٍ واحدٍ لا تصحُّ قياساً؛ لأنَّه كفالةٌ ببدلِ الكتابة، وتصحُّ استحساناً بأن يُجْعَلَ كلٌّ منهما أصيلاً في حقِّ وجوبِ الألفِ عليه، ويكونُ عتقهما معلَّقاً بأدائِه، ويُجْعَلُ كفيلاً بالألفِ في حقِّ صاحبِه، فما أدَّاهُ أحدُهما يَرْجِعُ بنصفِهِ على الآخرِ لاستوائِهما. [فصل في كفالة العبد وعنه] (فإن أَعتقَ السَّيدُ أحدَهما قبل الأداءِ صحَّ، وله أن يأخذَ حصَّةَ مَن لم يعتقْهُ منه أصالةً ومن الآخرِ ضماناً (٢)، ورجعَ المعتَقُ على صاحبِهِ بما أَدَّى عنه لا صاحبَهُ عليه بما أدَّى عن نفسِهِ) (٣)؛ لأنَّ المالَ في الحقيقةِ مقابلٌ برقبتهما، وإنِّما جُعِلَ على كلٍّ منهما تصحيحاً للكفالة. (ومالٌ لا يَجِبُ على عبدٍ حتَّى يُعْتِقَ (٤) حالٌّ على مَن كَفِلَ به مطلقةً)، أقرَّ عبدٌ

стр. 785

ولو أدَّى رجعَ عليه بعد عتقِه، ولو ماتَ عبدٌ مكفولٌ برقبتِه، وأقيمَ بيِّنةٌ أنَّه لمدَّعيهِ ضَمِنَ كفيلُهُ قيمتَه، فإن كَفِلَ سيِّدٌ عن عبدِه، أو هو غيرُ مديونٍ عن سيِّدِه، فعتُقَ فما أدَّى كلٌّ لا يرجعُ على صاحبِه محجورٌ بمال، فالمالُ لا يَجِبُ عليه إلاَّ بعد العتقِ، وإن كَفِلَ به حُرٌّ كفالةً مطلقةً: أي لم يتعرَّضْ للحلولِ والتَّأجيلِ يَجِبُ عليه حالاً؛ لأنَّ المانعَ من الحلولِ في ذمّةِ العبد أنَّه معسرٌ؛ لأنَّ جميعَ ما في يدِهِ لمولاه، ولا مانعَ في الكفيل، (ولو أدَّى رجعَ عليه بعد عتقِه): أي إن أدَّى الكفيلُ، وكانت الكفالةُ بأمرِ العبدِ رجعَ عليه بعد عتقِهِ. (ولو ماتَ عبدٌ مكفولٌ برقبتِه، وأقيمَ بيِّنةٌ أنَّه لمدَّعيهِ ضَمِنَ كفيلُهُ قيمتَه)، رجلٌ ادَّعى رقبةَ عبدٍ، فكَفِلَ آخرُ برقبتِه، فماتَ العبدُ، فأقام المدَّعي بيِّنةً أنَّه له ضَمِنَ الكفيلُ قيمتَهُ؛ لأنَّ الواجبَ على ذي اليد ردُّهُ على وجهٍ تخلفه قيمتُه، فالكفيلُ إذا كَفِلَ فالواجبُ عليه ذلك بخلافِ ما إذا ادَّعى مالاً على العبدِ فكفلَ آخرٌ برقبةِ العبدِ فماتَ العبدُ فلا شيءَ على الكفيل (١). (فإن كَفِلَ سيِّدٌ عن عبدِه، أو هو غيرُ مديونٍ عن سيِّدِه، فعتُقَ فما أدَّى كلٌّ لا يرجعُ على صاحبِه)؛ لأنَّ الكفالةَ وقعتْ غيرُ موجبةٍ للرجوعِ (٢)؛ لأنَّ أحدَهما لا يستوجبُ ديناً على الآخر، وعند زفرٍ ﵁ إن كانتْ الكفالةُ بالأمرِ يثبتُ الرُّجوعُ؛ لأن المانعَ قد زالَ، وهو الرِّقُّ، وإنِّما قال غيرُ مديونٍ: ليصحَّ كفالتُه، فإنَّ المولى إن أمرَ العبدَ المديونِ بالكفالةِ عنه لا يصحُّ الكفالة.

стр. 786

كتاب الحوالة هي تصحُّ بالدَّينِ برضاءِ المحيل، والمحتال، والمحتالِ عليه، وإذا تَمَّتْ برئَ المحيلُ من الدَّينِ بالقبول، ولم يَرْجِعْ عليه المحتالُ، إلاَّ إذا تَوَى حقُّهُ بموتِ المحتالِ عليه مُفْلِساً، أو كتاب الحوالة (هي تصحُّ بالدَّينِ برضاءِ المحيل، والمحتال، والمحتالِ عليه)، الحوالةُ: نقلُ الدَّينِ من ذمَّةٍ إلى ذمَّة. قولُهُ بالدين: أي دينُ المحتالِ على المحيل. هذا الذي ذَكَرَهُ روايةُ «القُدُورِيّ» (١)، وفي روايةِ «الزِّياداتِ»: تصحُّ بلا رضى المحيل (٢). وصورتُهُ: أن يقولَ رجلٌ للطالبِ إن لكَ على فلانٍ كذا، فاحتَلْهُ عليَّ، فرضيَ بذلك الطَّالبُ، صحَّتِ الحوالةُ، وبرئَ الأصيل. وصورةٌ أُخْرَى: كَفِلَ رجلٌ عن آخر بغيرِ أمرِهِ بشرطِ براءةِ الأصيلِ، أو قَبِلَ المكفولُ ذلك صحَّتِ الكفالةُ، ويكون هذه الكفالةُ حوالةً، كما أن الحوالةَ بشرطِ أن لا يَبْرَأ الأصيلُ كفالةً. (وإذا تَمَّتْ برئَ المحيلُ من الدَّينِ بالقبول، ولم يَرْجِعْ عليه المحتالُ): أي لم يَرْجِعْ المحتالُ بدينِهِ على المحيلِ، (إلاَّ إذا تَوَى (٣) حقُّهُ بموتِ المحتالِ عليه مُفْلِساً، أو

стр. 787

حَلْفُهُ مُنْكِراً حوالةً لا بيِّنة عليها، وقالا: أو بانَ فَلَسَهُ القاضي، وتصحُّ: بدراهمِ الوديعةِ، ويبرأُ بهلاكِها حَلْفُهُ مُنْكِراً حوالةً لا بيِّنة عليها، وقالا: أو بانَ فَلَسَهُ القاضي) (١)، فإنَّ تفليسَ القاضي معتبرٌ عندهما وعند الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁، وعند أبي حنيفةَ ﵁ لا، إذ لا وقوفَ لأحدٍ على ذلك إلا بالشهادة، فالشَّهادةُ على أن لا مال له شهادةٌ على النَّفي (٣). (وتصحُّ: بدراهمِ الوديعةِ (٤)، ويبرأُ بهلاكِها): أي يَبْرأُ المؤدِّي، وهو المحتالُ عليه من الحوالةِ بهلاكِ الوديعةِ في يدِه.

стр. 788

وبالمغصوبةِ ولم يبرأْ بهلاكِها، وبالدَّين، فلا يطالبُ المحيلُ المحتالَ عليه مع أنَّ المحتالَ أسوةٌ لغرماءِ المحيلِ بعد موتِهِ، وفي المطلقةِ له الطَّلبُ من المحتالِ عليه، ولم تبطلْ بأخذِ ما عليه أو عنده (وبالمغصوبةِ ولم يبرأْ بهلاكِها) (١): أي لم يبرأْ الغاصبُ بهلاكِ الدَّراهمِ المغصوبة؛ لأنَّ القيمةَ تخلِفُها. (وبالدَّين): أي بدينِ المحيلِ على المحتالِ عليه. (فلا يطالبُ المحيلُ المحتالَ عليه) (٢)؛ لأنَّه تعلَّق به حقُّ المحتال، (مع أنَّ المحتالَ أسوةٌ لغرماءِ المحيلِ بعد موتِهِ)، إنِّما قال هذا؛ لدفعِ تَوَهُّمِ أن المحتالَ لَمَّا كان أسوةً لغرماءِ المحيلِ بعد موتِهِ يكونُ حقُّ المحيلِ متعلِّقاً بذلك الدَّين، فينبغي أن يكونَ للمحيلِ حقُّ الطَّلبِ من المحتالِ عليه. فالحاصلُ أنَّ الحوالةَ بالدَّينِ وإن كانت موجبةً لتعلُّقِ حقِّ المحتالِ بذلك الدَّين، لكنَّها أدنى مرتبةً من الرَّهنِ، حتَّى لا يكونَ المحتالُ أحقَّ به بعد موتِ المحيل. (وفي المطلقةِ (٣) له الطَّلبُ من المحتالِ عليه): أي إذا كانت الحوالةُ مطلقةً غيرَ مقيَّدةً بالوديعةِ، أو المغصوبِ، أو الدَّين، فللمحيلِ طلبُ الوديعةِ، والمغصوبِ، والدَّينِ من المحتالِ عليه. (ولم تبطلْ بأخذِ ما عليه أو عنده): أي لم تبطل الحوالةُ بأخذِ المحيلِ ما على

стр. 789

ولا يقبلُ قولُ المحيلِ للمحتالِ عليه عند طلبِهِ مثل ما أحال: أحلت بدينٍ كان لي عليكَ ولا قولَ المحتالَ للمحيلِ عند طلبِهِ ذلك أحلتني بدينٍ لي عليكَ، ويكرَهُ السُّفتَجة: وهي إقراضٌ لسقوطِ خطرِ الطَّريق المحتالِ عليه، أو عندَهُ، وهو الدَّينُ، والمغصوبُ والوديعةُ سواءٌ كانتْ الحوالةُ مطلقةً أو مقيَّدةً، ففي المطلقةِ ظاهر، وأمَّا في المقيَّدة؛ فلأنَّ المحيلَ ليس له حقُّ الأخذِ من المحتالِ عليه، فإن دفعَ إليه المحتالُ عليه، فقد وقع ما تعلَّق به حقُّ المحتال، فيضمنُ المحتال عليه. (ولا يقبلُ قولُ المحيلِ للمحتالِ عليه عند طلبِهِ مثل ما أحال: أحلت بدينٍ كان لي عليكَ): أي أحالَ رجلٌ رجلاً على آخرِ بمئة، فدفعَ المحتالُ عليه إلى المحتالِ، ثُمَّ طلبَ المحتالُ عليه تلك المئةِ من المحيلِ، فقال المحيلُ: إنِّما أحلتُ بمئة لي عليك، والمحتالُ عليه يُنْكِرُ أن عليه شيئاً يكونُ القولُ قوله لا للمحيل، ولا يكونُ قبولُ الحوالةِ إقراراً من المحتالِ عليه بمئةٍ؛ لأنَّ الحوالةَ تصحُّ من غيرِ أن يكونَ للمحيلِ على المحتالِ عليه شيءٌ. (ولا قولَ المحتالَ للمحيلِ عند طلبِهِ ذلك أحلتني بدينٍ لي عليكَ): أي أحالَ فأخذَ المحتالُ المالَ من المحتالِ عليه، فطلبَ المحيلُ ذلك المالَ من المحتال، فقال المحتالُ للمحيل: قد أحلتَنِي بالدَّينِ الذي لي عليك، والمحيلُ يُنْكِرُ أن له عليه شيئاً، فالقولُ له لا للمحتال، ولا يكونُ الحوالةُ إقراراً من المحيلِ بالدَّينِ للمحتالِ على المحيلِ، فإنَّ الحوالةَ مستعملةٌ في الوكالةِ. (ويكرَهُ السُّفتَجة: وهي إقراضٌ لسقوطِ خطرِ الطَّريق) (١): في «المغربِ» (٢): السُّفتَجةُ: بضمِّ السَّينِ، وفتح التَّاءِ: أن يدفعَ إلى تاجرٍ مالاً بطريقِ الإقراضِ ليدفعَهُ إلى صديقِهِ في بلدٍ آخرَ، وإنِّما يقرضُهُ لسقوطِ خَطَرِ الطَّريقِ، وهي تعريبُ سفتة. وإنِّما سمِّي الإقراضُ المذكورُ بهذا الاسم تشبيهاً بموضعِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ في السَّفاتج: أي في الأشياءِ المجوفةِ، كما يجعلُ العصا مجوفاً ويخبأُ فيه المالَ وإنِّما شُبِّه به؛ لأَنَّ كلاً منهما احتيالٌ لسقوطِ خطرٍ الطَّريقِ، أو لأنَّ أصلَها أن الإنسانَ إذا أرادَ السَّفرَ وله نقدٌ، أو أرادَ إرسالَهُ إلى صديقِهِ، فوضعَهُ في سفتجةٍ ثمَّ مع ذلك خافَ الطَّريقَ فأقرضَ ما في السُّفتَجةِ إنساناً آخرَ، فأطلقَ السُّفتَجة على إقراضِ ما في السُّفتَجة، ثُمَّ شاعَ في الإقراضِ لسقوطِ خطرِ الطَّريقِ.

стр. 790

كتاب القضاء الأهلُ للشَّهادةِ أهلٌ للقضاءِ، وشرطُ أهليَّتِها شرط أهليَّته، والفاسقُ أهلٌ له، يصحُّ تقليدُهُ، ولا يقلَّد، كما صحَّ قبولُ شهادتِهِ، ولا تُقْبَلُ، ولو فَسَقَ العدلُ استحقَّ العزلَ في ظاهرِ المذهبِ، وعليه مشايخنا ﵃، والاجتهادُ شرطٌ للأولوية، فلو قُلِّدَ جاهلٌ صحَّ، ويُختارُ الأقدرَ كتاب القضاء (الأهلُ للشَّهادةِ أهلٌ للقضاءِ، وشرطُ أهليَّتِها شرط أهليَّته، والفاسقُ أهلٌ له، يصحُّ تقليدُهُ، ولا يقلَّد) (١): أي يَجِبُ أن لا يقلَّد حتَّى لو قُلِّد يأثمُ، (كما صحَّ قبولُ شهادتِهِ، ولا تُقْبَلُ)، بالمعنى المذكورِ. (ولو فَسَقَ العدلُ استحقَّ العزلَ في ظاهرِ المذهبِ، وعليه مشايخنا ﵃) (٢)، وعند بعضِ المشايخ ﵃ يَنْعَزِل (٣). (والاجتهادُ (٤) شرطٌ للأولوية، فلو قُلِّدَ جاهلٌ (٥) صحَّ، ويُختارُ الأقدرَ

стр. 791

والأَوْلَى ولا يطلبُ القضاء، وصحُّ الدخولُ فيه لمن يَثِقُ عدلَهُ، وكُرِهَ لمن خافَ عجزه وحيفه. ومن قُلِّدَ سألَ ديوانَ قاضٍ قَبْلَهُ، وألزمَ محبوساً أقرَّ بحقٍّ لا مَن أنكرَ إلا ببيِّنةٍ وإن أخبرَ به المعزولُ، وإلا ينادي عليه، ثُمَّ يخلِّيه والأَوْلَى) وعند الشَّافِعِيِّ (١) ﵁ لا يصحُّ تقليدُ الفاسقِ والجاهل. واعلم أنَّه قد كان الاحتياطُ فيما قال الشَّافِعِيُّ ﵁ لكن بحسب الزَّمانِ، لو شُرِطَ العلمُ والعدالةُ لارتفعَ أمرُ القضاءِ بالكليَّةِ، ووقعُ الشَّرِّ والفسادِ أعظمُ ممَّا احترزَ عنه. (ولا يطلبُ القضاء (٢)، وصحُّ الدخولُ فيه لمن يَثِقُ عدلَهُ، وكُرِهَ لمن خافَ عجزه وحيفه. ومن قُلِّدَ سألَ ديوانَ قاضٍ قَبْلَهُ): وهي الخرائطُ التي فيها الصُّكوكُ، والسِّجلاتُ (٣)، (وألزمَ محبوساً أقرَّ بحقٍّ لا مَن أنكرَ إلا ببيِّنةٍ وإن أخبرَ به المعزولُ) (٤)؛ لأنَّه بالعزلِ التحقَ بواحدٍ من الرَّعايا، وشهادةُ الواحدِ لا تقبل، (وإلا ينادي عليه، ثُمَّ يخلِّيه): أي إن لم يقمْ البيِّنةَ على المحبوسِ المنكرِ يُنادى: إن كلَّ مَن له حقٌّ على فلانٍ ابن فلانٍ المحبوسِ فليحضرْ مجلسَ القاضي، فإن لم يحضرْ أحدٌ يخلِّيه، (وأخذ منه كفيلاً بنفسه فلعلَّه محبوسٌ بحقِّ غائبٍ) (٥).

стр. 792

وعملَ في الودائعِ وغلَّةِ الوقوفِ بالبيِّنةِ، أو بإقرارِ ذي اليدِ لا بقولِ المعزول إلاَّ إذا أقرَّ ذو اليدِ بالتسليم منه، ويجلسُ للحكمِ ظاهراً في المسجدِ والجامعُ أولى، ولو جلسَ في دارِهِ وأَذِنَ بالدُّخولِ جاز. ولا يقبلُ هديةً إلاَّ من ذي رحمٍ مُحَرَّمٍ منه، أو ممَّن اعتادَ مهاداتَهُ قَدْرَاً عُهِدَ إذا لم يكنْ لهما خصومة، ولا يَحْضُرُ دعوةً إلاَّ عامّةً (وعملَ في الودائعِ وغلَّةِ الوقوفِ بالبيِّنةِ، أو بإقرارِ ذي اليدِ لا بقولِ المعزول): أي لا يقبلُ قولُ المعزولِ إن قالَ: هذا وديعةُ فلانٍ دفعتُها إلى هذا الرَّجلِ، وهو منكرٌ، (إلاَّ إذا أقرَّ ذو اليدِ بالتسليم منه) (١): أي من القاضي المعزول. (ويجلسُ للحكمِ ظاهراً في المسجدِ والجامعُ أولى): أي جلوساً ظاهراً، وهو الجلوسُ المشهورُ الذي يأتي النَّاسُ لقطعِ الخصوماتِ من غيرِ اختصاصِ بعضِ النَّاسِ بذلك المجلس، وعند الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁ يُكْرَهُ الجلوسُ به (٣) في المسجد؛ لأنَّهُ قد يَحْضُرُ المشركُ والحائض، ولنا: جلوسُ النَّبيِّ ﷺ (في المسجد) (٤)، وأيضاً القضاءُ عبادةٌ ونجاسةُ المشركِ من حيث الاعتقاد، والحائضُ لا تدخلُ بل يفضَّلُ خصومتُها على بابِ المسجد (٥)، (ولو جلسَ في دارِهِ وأَذِنَ بالدُّخولِ جاز. ولا يقبلُ هديةً (٦) إلاَّ من ذي رحمٍ مُحَرَّمٍ منه، أو ممَّن اعتادَ مهاداتَهُ قَدْرَاً عُهِدَ (٧) إذا لم يكنْ لهما خصومة، ولا يَحْضُرُ دعوةً إلاَّ عامّةً): العامّةُ: هي

стр. 793

ويشهدُ الجنازة، ويعودُ المريض، ويسوِّي بين الخصمين جلوساً وإقبالاً، ولا يسارّ أحدهما، ولا يضيِّفُهُ، ولا يضحكُ، ولا يمزحُ معه، ولا يشيرُ إليه، ولا يُلَقِّنُهُ حجَّةً، وكُرِهَ تلقينُ الشَّاهدِ بقولِهِ أتشهد بكذا وكذا، واستحسنَهُ أبو يوسفَ ﵁ فيما لا تهمةَ فيه. [فصل في الحبس] ويُحْبَسُ الخصمُ مدَّةً رآها مصلحةً في الصَّحيح التي يتَّخذها النَّاس (١) وان لم يحضرْ القاضي، وعند محمَّدٍ ﵁ الخاصةُ إن كانت من قريبِهِ يجيبُهُ كالهدية. (ويشهدُ الجنازة، ويعودُ المريض، ويسوِّي بين الخصمين جلوساً وإقبالاً، ولا يسارّ أحدهما، ولا يضيِّفُهُ، ولا يضحكُ، ولا يمزحُ معه، ولا يشيرُ إليه، ولا يُلَقِّنُهُ حجَّةً، وكُرِهَ تلقينُ الشَّاهدِ بقولِهِ أتشهد بكذا وكذا، واستحسنَهُ أبو يوسفَ ﵁ فيما لا تهمةَ فيه (٢) (٣)) (٤)؛ وذلك فيما لا يستفيدُ بتلقينِهِ زيادة علم. [فصل في الحبس] (ويُحْبَسُ الخصمُ (٥) مدَّةً رآها مصلحةً في الصَّحيح): إنِّما قالَ هذا لاختلافِ

стр. 794

بطلبِ وليِّ الحقِّ ذلك إن أمرَ القاضي المقرَّ بالايفاء فامتنعَ أو ثَبَتَ الحقُّ ببيِّنةٍ، فيما لزمَهُ بعقدٍ كمهرٍ، وكفالةٍ وبدلاً عن مالٍ حصلَ له كثمَن مبيع، وفي نفقةِ عرسِهِ وولدِه لا في دينِهِ الرِّواياتِ (١) في تعيينِ مدَّةِ الحبس، والأصحُّ أن التقديرَ مفوَّضٌ إلى رأي القاضي؛ لتفاوتِ أحوالِ الأشخاصِ في ذلك، (بطلبِ وليِّ الحقِّ ذلك (٢) إن أمرَ القاضي المقرَّ بالايفاء فامتنعَ أو ثَبَتَ الحقُّ ببيِّنةٍ): أي إن ثَبَتَ الحقُّ ببيِّنةٍ، وطلب وليِّ الحقِّ الحبسَ، يحبسُهُ القاضي من غيرِ احتياجٍ إلى أن يأمرَ القاضي بإيفاء الحقِّ فيمتنعُ، وإن ثَبَتَ بالإقرارِ لا بُدَّ أن يأمرَهُ فيمتنع، إذ في صورةِ البيِّنةِ ظَهَرَ مُطْلُهُ بإنكارِهِ، وفي الإقرارِ إنِّما يَظْهَرُ المطلُ بأن يمتنعَ من الإيفاءِ بعد الأمر، فإنّ الحبسَ جزاءُ المماطلة. (فيما لزمَهُ بعقدٍ كمهرٍ، وكفالةٍ): المراد المهر المعجَّل، (وبدلاً عن مالٍ حصلَ له كثمَن مبيع، وفي نفقةِ عرسِهِ وولدِه لا في دينِهِ): أي لا يحبس في دينِ الولد (٣)،

стр. 795

وفي غيرِها لا إن ادَّعى فَقْرَهُ إلاَّ إذا قامتْ بيِّنةٌ بضدِّه. [فصل في كتاب القاضي إلى القاضي] فإن شَهدوا على خصمٍ حاضرٍ حكمَ بها، وكتبَ به، وهو السجل، وإن شهدوا على غائبٍ لم يحكمْ، وكتبَ بالشَّهادةِ ليحكُمَ المكتوبُ إليه بها، وهو الكتابُ الحُكْمِيّ، وكتابُ القاضي إلى القاضي، وهو نقلُ الشَّهادةِ (وفي غيرِها لا) (١)، نحو: الدِّياتِ وأرشِ الجنايات، (إن ادَّعى فَقْرَهُ إلاَّ إذا قامتْ بيِّنةٌ بضدِّه) (٢). [فصل في كتاب القاضي إلى القاضي] ثُمَّ شَرَعَ بعد ذلك فيما يفعلُهُ القاضي إذا كان الخصمُ حاضراً، أو لم يكنْ، فقال: (فإن شَهدوا على خصمٍ حاضرٍ حكمَ بها، وكتبَ به، وهو السجل): أي حكمَ بالشَّهادة، وكتبَ بالحكم، وهذا المكتوبُ هو السِّجِل، فيكتبُ حكمتُ بذلك، أو ثَبَتَ عندي، فإن هذا حكمٌ. (وإن شهدوا على غائبٍ لم يحكمْ (٣)، وكتبَ بالشَّهادةِ ليحكُمَ المكتوبُ إليه بها (٤)، وهو الكتابُ الحُكْمِيّ، وكتابُ القاضي إلى القاضي، وهو نقلُ الشَّهادةِ

стр. 796

حقيقةً، ويقبلُ فيما لا يسقطُ بشبهة إذا شُهِدَ به عنده كالدَّين، والعقار، والنِّكاح، والنَّسب، والمغصوب، والأمانة والمضاربةِ المجحودتين حقيقةً (١)، ويقبلُ فيما لا يسقطُ بشبهة): أي فيما سوى الحدودِ والقصاص، (إذا شُهِدَ به عنده كالدَّين، والعقار، والنِّكاح، والنَّسب، والمغصوب، والأمانة والمضاربةِ المجحودتين)، فإنَّ الأمانةَ، ومالَ المضاربةِ إذا لم يُجحدا لا يُحتاجُ إلى كتابِ القاضي، وإذا جُحِدا صارا مغصوبين، وفي المغصوبِ تجب القيمةُ، وهي دينٌ، فيجري فيه الكتابُ الحكمي، إذ لا احتياجَ إلى الإشارةِ، بل يعرفُ بالصّفةِ بخلافِ العينِ المنقولة، فإنَّهُ يَحْتاجُ فيها إلى الإشارة، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وكذا عند أبي يوسفَ ﵁ إلاَّ في العبدِ الآبقِ فيقبلُ فيه. وقد ذَكَرَ في كيفيّتِهِ هكذا: يكتبُ قاضي بُخارَا إلى قاضي سَمَرْقَنْدَ: إنّ فلاناً وفلاناً شهدا عندي أن عبدَ فلانٍ المسمَّى بالمباركِ الذي حليتُهُ كذا وكذا، أَبِقَ من مالكِهِ ووقعَ بسَمَرْقَنْدَ في يدِ فلانٍ إلى آخرِ الكتاب، ويختمُه، فإذا وصلَ إلى قاضي سَمَرْقَنْدَ يُحْضِرُ الخصمَ مع العبد، ويفتَحُهُ بشرائطِه، فإن لم يكنْ حليتُهُ كما كَتَبَ يَتْرُكُهُ، وإن كانَ فالخصمُ إن ذَهَبَ (مع العبدِ) (٢) إلى بُخارا فبها، وإلا فيُسَلِّمُ العبدَ إلى المدَّعي لا على وجهِ القضاء، ويأخذُ منه كفيلاً بنفسِ العبد، ويَجْعَلُ في عنقِهِ شيئاً، ويختِمُهُ صيانةً عن التَّبديلِ عند شهادةِ الشُّهود، ويكتبُ إلى قاضي بُخارا جوابَ كتابِهِ، وأنَّه أرسلَ إليه العبد. فإذا وصلَ إليه الكتابُ يُحْضِرُ الشُّهودَ الذين شهدوا في غيبةِ العبد؛ ليشهدوا في حضورِه، ويشيروا إليه أنَّهُ ملكُ المدَّعي، لكن لا يحكم؛ لأنَّ الخصمَ غائب، ثُمَّ يَكْتُبُ إلى قاضي سَمَرْقَنْدَ أن الشُّهُودَ شهدوا بحضورِه؛ ليحكمَ قاضي سَمَرْقَنْدَ على الخصم، ويبرأُ الكفيلُ عن كفالتِه.

стр. 797

وعن محمدٍ ﵁ قبولُهُ فيما يُنْقَلُ وعليه المتأخِّرونَ لا في حدٍّ وقَوَدٍ. ويَجِبُ أن يقرأَ على مَن يُشْهِدُهم، ويختمُ عندهم، ويُسَلِّمَ إليهم، وأبو يوسف ﵁ لم يشترطْ شيئاً من ذلك، واختارَ الإمامُ السَّرَخْسِيُّ ﵁ قولَهُ، وإذا سَلَّمَ إلى المكتوبِ إليه لم يقبلْهُ إلاَّ بحضرةِ خصمِهِ وبشهادةِ الرَّجلين، أو رجلٍ وامرأتين، فإذا شهدوا أنَّه كتابُ قاضي فلانٍ، قرأَهُ علينا في محكمتِهِ وختمَهُ وسلمَّهُ إلينا، فتح القاضي وقرأَ على الخصمِ وألزمَهُ ما فيه إن بقي كاتبُهُ قاضياً، فيبطلُ بموتِهِ وعزلِهِ قبل وصولِهِ، وكذا بموتِ المكتوبِ إليه إلاَّ إذا كتبَ بعد اسمِهِ: وإلى كلِّ مَن يصلُّ إليه من قضاةِ المسلمين (وعن محمدٍ ﵁ قبولُهُ فيما يُنْقَلُ وعليه المتأخِّرونَ لا في حدٍّ وقَوَدٍ (١). ويَجِبُ أن يقرأَ على مَن يُشْهِدُهم، ويختمُ عندهم، ويُسَلِّمَ إليهم، وأبو يوسف ﵁ لم يشترطْ شيئاً من ذلك، واختارَ الإمامُ السَّرَخْسِيُّ (٢) ﵁ قولَهُ) (٣)، فعند أبي يوسفَ ﵁ يُشْهِدُهم أن هذا كتابُهُ وختمُهُ … ، وعن أبي يوسفَ ﵁ الختمُ ليس بشرطٍ. أقولُ: إذا كان الكتابُ في يدِ المدَّعي يُفْتَى بأنَّ الختمَ شرطٌ، وإن كانَ في يدِ الشُّهودِ يُفْتَى بأنَّه ليس بشرطٍ. (وإذا سَلَّمَ إلى المكتوبِ إليه لم يقبلْهُ إلاَّ بحضرةِ خصمِهِ وبشهادةِ الرَّجلين، أو رجلٍ وامرأتين، فإذا شهدوا أنَّه كتابُ قاضي فلانٍ، قرأَهُ علينا في محكمتِهِ وختمَهُ وسلمَّهُ إلينا، فتح القاضي وقرأَ على الخصمِ وألزمَهُ ما فيه إن بقي كاتبُهُ قاضياً، فيبطلُ بموتِهِ وعزلِهِ قبل وصولِهِ، وكذا بموتِ المكتوبِ إليه إلاَّ إذا كتبَ بعد اسمِهِ: وإلى كلِّ مَن يصلُّ إليه من قضاةِ المسلمينَ)، وعند أبي يوسف ﵁: لا يُشْتَرطُ أن

стр. 798

وان ماتَ الخصمُ ينفذُ على وارثِه. [فصل] وصحَّ قضاءُ المرأةِ إلاَّ في حدٍّ وقَوَدٍ، ولا يستخلفُ قاضٍ، ولا يوكِّلُ وكيلٌ إلاَّ مَن فُوِّضَ إليه ذلك، ففي المفوَّضِ نائبُهُ لا ينعزلُ بعزلِهِ وبموتِهِ موكَّلاً، بل هو نائبُ الأصيل، وفي غيرِهِ إن فعلَ نائبُهُ عنده أو أجاز هو، أو كان قَدَّرَ الثَّمَنَ في الوكالةِ صحَّ يكتبَ (بعد اسمه) (١) إلى قاض معين، بل يكفي أن يكتبَ ابتداءً: إلى كلِّ مَن يصلُّ إليه من قضاةِ المسلمين؛ لأنَّ تعيينَ المكتوبِ إليه تضييقٌ لا فائدةَ فيه (٢)، (وان ماتَ الخصمُ ينفذُ على وارثِه. [فصل] (وصحَّ قضاءُ المرأةِ إلاَّ في حدٍّ وقَوَدٍ)؛ لأنَّ شهادتَها لا تُقْبَلُ فيهما، (ولا يستخلفُ قاضٍ، ولا يوكِّلُ وكيلٌ إلاَّ مَن فُوِّضَ إليه ذلك (٣)، ففي المفوَّضِ (٤) نائبُهُ لا ينعزلُ بعزلِهِ وبموتِهِ موكَّلاً، بل هو نائبُ الأصيل)، إنِّما قالَ موكَّلاً؛ لأنَّ في الوكالةِ يَنْعزِلُ الوكيلُ بموتِ موكِّلِه، فأرادَ أن يُصَرِّحَ أن الوكيلَ هاهنا لا ينعزلُ بموتِ موكِّلِهِ؛ لأنَّهُ في الحقيقةِ ليس نائبُه، بل هو نائبُ الأصيل، وأمَّا في القضاءِ فإنَّ النَّائبَ لا يَنْعزِلُ بموتِ المنوبِ عنه، فخصَّ الموكِّلَ بالذِّكرِ؛ لأن الاشتباه فيه ولا شُبْهةَ في باب القضاء، فلم يذكر، ثم قال: بل هو نائبُ الأصيل؛ ففي التَّوكيل ينعزلُ بموتِ الأصيل، وفي القضاءِ لا يَنْعزِل. (وفي غيرِهِ إن فعلَ نائبُهُ عنده أو أجاز هو، أو كان قَدَّرَ الثَّمَنَ في الوكالةِ صحَّ): أي في غيرِ المفوَّض، يعني إذا لم يفوِّضْ إلى القاضي والوكيلِ أن يستخلف الغير فاستخلفا، ففعلَ النَّائبُ بحضورِ المنوبِ عنه صحَّ؛ لأنَّهُ إذا فعلَ بحضورِه، ففعلُهُ ينتقلُ إليه، وكذا إن فعلَ بغيبتِهِ فوصلَ الخبرُ إلى المنوبِ عنه فأجاز؛ لأنَّهُ إذا انضمَّ رأيُهُ إلى ذلك الفعلِ صارَ كأنَّه فَعَلَ، وكذا إن قَدَّرَ الوكيلُ الأَوَّلُ الثَّمنَ فباشرَ وكيلُه؛ إذ بتقديرِ الثَّمنِ حصلَ رأيُه.

стр. 799

وبِاِعْمَلْ برأيكَ يُوكِّل غيرَهُ، ويُمْضِي حُكْمَ قاضٍ آخرَ في مختلفٍ فيه في الصَّدرِ الأَوَّلِ إلاَّ ما خالفَ الكتابَ، أو السُنّةَ المشهورة، أو الإجماعِ (وبِاِعْمَلْ برأيكَ يُوكِّل غيرَهُ (١)): أي إذا قال الموكِّلُ للوكيل: اعملْ برأيكَ كان للوكيلِ أن يوكِّلَ غيرَهُ. (ويُمْضِي حُكْمَ قاضٍ آخرَ في مختلفٍ فيه في الصَّدرِ الأَوَّلِ (٢) إلاَّ ما خالفَ الكتابَ (٣)، أو السُنّةَ المشهورة، أو الإجماعِ) (٤) : أي إذا قضى القاضي ورَفَعَ حُكْمَهُ إلى

стр. 800

................................................................................................................... قاضٍ آخرَ يَجِبُ عليه إمضاءهُ إلاَّ أن يكونَ: مخالفاً للكتابِ كمتروكِ التسميةِ عامداً، فإنَّهُ مخالفٌ لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمِّا لَمْ يُذْكَرْ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ (١). أو السُّنَّةِ المشهورةِ: كالقضاءِ بحِلِّ المطلقةِ ثلاثاً بنكاحِ الزَّوجِ الثَّاني بلا وطءٍ على مذهبِ سعيد بن المسيب (٢) ﵁، فإنَّه مخالفٌ للسُّنَّةِ المشهورةِ، وهي قولُهُ ﷺ : «لا حتَّى تذوقي من عسليتِهِ (ويذوقَ من عسيلتكِ) (٣)» (٤) الحديث. أو للإجماعِ كالقضاءِ بحلِّ متعةِ النِّساء؛ لأنَّ الصحابةَ أجمعوا على فسادِه. فحاصلُ هذا أنَّ القاضي إذا قَضَى في مُجْتَهَدٍ فيه يصيرُ مُجْمَعَاً عليه، فيَجِبُ على قاضٍ آخرَ تنفيذُه، وهذا حُكْمٌ في وفقِ مذهبِه، أمَّا إذا حَكَمَ على خلافِ مذهبِهِ فسيأتي.

стр. 801

وفيما اجتمعَ عليه الجمهورُ لا يعتبرُ خلافُ البعضِ ويَجِبُ أن يعلمَ القاضي أن المسألةَ مختلفٌ فيها، وأيضاً هذا إذا كان محلُّ القضاءِ مختلفاً فيه، أمَّا إذا كان نفسُ القضاءِ مختلفاً فيه: كالقضاءِ على الغائبِ، فحينئذٍ يصيرُ مُجْمَعاً عليه، فبعد الإمضاءِ إن رَفَعَ إلى قاضٍ آخرَ يَجِبُ عليه تَنْفِيذُه. (وفيما اجتمعَ عليه الجمهورُ لا يعتبرُ خلافُ البعضِ): ذُكِرَ في أصولِ الفقه: إنّ العلماءَ اختلفوا في أنّ الاجماعَ هل ينعقدُ باّتفاقِ أكثرِ المجتهدينَ أو لا بُدَّ من اتّفاقِ الكلّ، ففي «الهداية» (١): اختارَ أن اتّفاقَ الأكثر كافٍ، ففي مقابلةِ اتفاقِ الأكثرِ لا يعتبرُ خلافُ الأقلِّ. وفي كتبِ أصولِ الفقه (٢): رجَّحوا ذلك المذهبِ، وهو أن خلاف الأقلِّ في مقابلةِ الأكثرِ معتبرٌ، فإنَّ واحداً من الصَّحابةِ ﵃ ربُّما خالفَ الجمعَ الكثير، ولم يقولوا نحنُ أكثرَ منكَ، بل اعتبروا مخالفتَهُ (٣). وأيضاً قال في «الهداية»: إنّ المعتبرَ الاختلافُ في الصَّدرِ الأَوَّل (٤): أي الصَّحابةِ ﵃ لكن الأصحَّ أنَّه لا يشترطُ ذلك حتَّى يكونَ اختلافُ الشَّافِعِيِّ ﵁ معتبراً.

стр. 802

والقضاءُ بحرمةٍ أو حلٍّ يَنْفُذُ ظاهراً أو باطناً، ولو بشهادةِ زورٍ إذا ادَّعاه بسببٍ معيّنٍ، فلو أقامَ بيِّنةَ زورٍ أنَّه تزوَّجها وحكمَ به حلَّ لها تمكينُهُ، والقضاءُ في مُجْتَهَدٍ فيه بخلافِ رأيه ناسياً مذهبَهُ أو عامداً لا يَنْفُذُ عندهما، وبه يُفْتَى (والقضاءُ بحرمةٍ أو حلٍّ يَنْفُذُ ظاهراً أو باطناً، ولو بشهادةِ زورٍ إذا ادَّعاه بسببٍ معيّنٍ) (١)، حتَّى لو ادَّعى جاريةً ملكاً مطلقاً، وأقامَ على ذلك بيِّنةَ زورٍ وقَضَى القاضي به لا يحلُّ له وطؤها بالإجماع؛ لأنَّ الملكَ لا بُدَّ لهس من سبب، وليس البعضُ أَوْلَى من البعض، فلا يمكنُ إثباتُ سببٍ معيَّنٍ يَثْبُتُ به الحلّ. (فلو أقامَ بيِّنةَ زورٍ أنَّه تزوَّجها وحكمَ به حلَّ لها تمكينُهُ) (٢)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما يَنْفُذُ ظاهراً: أي يُسَلِّمُ القاضي الزَّوجةَ إلى الزَّوجِ، ويأمرها بالتَّمكينِ لا باطناً: أي لا يَثْبُتُ فيما بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى، ومذهبهما ظاهر، وأمَّا مذهبُ أبي حنيفةَ ﵁ فمشكلٌ جداً، فإنَّ الحرامَ المحضَ كيف يكون سبباً للحلِّ فيما بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى. وجوابُهُ: إنَّا لم نجعلِ الحرامَ المحضَ: وهو الشَّهادةُ الكاذبةُ من حيث أنُّه إخبارٌ كاذبٌ سبباً للحلّ، بل حُكْمُ القاضي صارَ كإنشاءِ عقدٍ جديد، وهو ليس حراماً، بل هو واجب؛ لأنَّ القاضي غير عالمٍ بكذبِ الشُّهُود. (والقضاءُ في مُجْتَهَدٍ فيه بخلافِ رأيه (٣) ناسياً مذهبَهُ أو عامداً لا يَنْفُذُ عندهما، وبه يُفْتَى) (٤)، وأمَّا عند أبي حنيفةَ ﵁ إن كان ناسياً مذهبَهُ ينْفُذُ، وإن كان

стр. 803

ولا يُقْضَى على غائبٍ إلاَّ بحضرةِ نائبِهِ حقيقةً: كالوكيل، أو شرعاً كوصيِّ القاضي، أو حُكْماً بأن كان ما يُدُّعى على الغائبِ سبباً لِمَا يَدَّعى على الحاضر، فإن كان شرطاً لا يصحُّ، ويقرضُ مالَ اليتيم، ويكتبُ ذِكْرَ الحقّ عامداً ففيه روايتان، وعندهما لا يَنْفُذُ في الوجهينِ؛ لأنَّه قضى بما هو خطأٌ عنده، والفتوى على قولِهما. (ولا يُقْضَى على غائبٍ إلاَّ بحضرةِ نائبِهِ حقيقةً: كالوكيل، أو شرعاً كوصيِّ القاضي، أو حُكْماً بأن كان ما يُدُّعى على الغائبِ سبباً لِمَا يَدَّعى على الحاضر)، كما إذا ادَّعى داراً على رجلٍ أنَّه اشتراها من فلانٍ الغائبِ، فأقامَ البيِّنةَ على ذي اليد، فإنَّ القاضي يقضي بهذه البيِّنةِ على الحاضرِ والغائبِ جميعاً حتَّى لو حضرَ الغائبُ وأنكرَ لا يلتفتُ إلى إنكارِه. (فإن كان شرطاً لا يصحُّ): أي إن كان ما يدَّعي على الغائبِ شرطاً لِمَا يَدَّعي على الحاضرِ، كما إذا ادَّعى عبدٌ على مولاهُ أنَّه علَّقَ عتقَهُ بتطليقِ زيدٍ زوجتَه، وأقامَ بيِّنةً على التَّطليقِ بغيبةِ زيدٍ، اختلفَ فيه المشايخُ (١) ﵁ والصَّحيحُ أنَّه لا يُقْبَلُ، وإنِّما يقبلُ في السَّببِ دونَ الشَّرطِ؛ لأنَّ السَّببَ أصلٌ بالنسبةِ إلى المسببِ فيكون الحاضرُ نائباً عن صاحبِ السَّبب، وهو الغائبُ كالوكيل، ولا كذلك إذا كان شرطاً، وإنِّما لا يقضي عن الغائبِ في صورةِ الشَّرطِ إذا كان فيه إبطالُ حقِّ الغائبِ، أمَّا إذا لم يكنْ كما إذا علَّق طلاقَ امرأتِهِ بدخولِ زيدٍ في الدَّارِ تُقْبَل. (ويقرضُ مالَ اليتيم، ويكتبُ ذِكْرَ الحقّ)، يجوزُ للقاضي إقراضَ مالِ اليتيم (٢)؛ لأنَّه محافظةٌ، والقاضي قادرٌ على أخذِهِ متى شاء، ولا يجوزُ للوصيّ؛ لعدم قدرتِهِ على الأخذِ، وكذا الأبُ في الأصحّ (٣)، فلو فعل يَضْمَن، وإذا أقرضَ القاضي كتبَ في ذلك وثيقةً.

стр. 804

باب التحكيم وصحَّ تحكيمُ الخصمينِ مَن صلحَ قاضياً ولزمَهما حكمُهُ بالبيِّنة، والنُّكولِ، والإقرارِ، وإخبارُهُ بإقرارِ أحدِ الخصمينِ وبعدالةِ شاهدين حال ولايتِهِ، ولكلٍّ منها أن يرجعَ قبلَ حكمِه، ولا يصحُّ حُكْمُ المُحَكِّمِ والمولَى لأبويه وولدِهِ وعرسِهِ، ولا التَّحكيمُ في حدٍّ وَقَوَدٍ [باب التحكيم] (١) (وصحَّ تحكيمُ الخصمينِ مَن صلحَ قاضياً ولزمَهما حكمُهُ بالبيِّنة، والنُّكولِ، والإقرارِ، وإخبارُهُ (٢) بإقرارِ أحدِ الخصمينِ وبعدالةِ شاهدين حال ولايتِهِ): أي صحَّ إخبارُهُ بإقرار أحدِ الخصمينِ وبعدالةِ الشاهدينِ في زمانِ ولايتِه؛ لأنَّ إخبارَهُ بإقرار (٣) حال ولايتِهِ قائمٌ مقامَ شهادةِ رجلينِ بخلافِ ما إذا أُخْبِرَ بعدَ الولاية؛ لأنَّه التحقَ بواحدٍ من الرَّعايا فلا بُدَّ من الشَّاهدِ الآخر، وبخلاف ما إذا أُخبر بأنَّه قد حَكَمَ؛ لأنَّه إذا حَكَمَ انعزل، فلا يُقْبَلُ إخبارُه. (ولكلٍّ منها أن يرجعَ قبلَ حكمِه، ولا يصحُّ حُكْمُ المُحَكِّمِ والمولَى لأبويه وولدِهِ وعرسِهِ)، كما لا يصحُّ الشَّهادةُ لهؤلاء، (ولا التَّحكيمُ في حدٍّ وَقَوَدٍ)؛ لأنَّهما لا يَمْلِكانِ دَمَهُما؛ ولهذا لا يملكانِ إباحتَه (٤).

стр. 805

قالوا: وصحَّ في سائرِ المجتهداتِ ولا يُفْتَى به دفعاً لتجاسرِ العوامّ، وحُكْمُ المُحَكَّمِ في دمٍ خطأ بالدِّيَةِ على العاقلةِ لا يَنْفُذُ، وكذا إن حَكَمَ بالدِّيَةِ على القاتلِ لا يَنْفُذُ أيضاً، فينقضُهُ القاضي، ويقضي على العاقلةِ (قالوا: وصحَّ في سائرِ المجتهداتِ ولا يُفْتَى به دفعاً لتجاسرِ العوامّ)، قال مشايخنا ﵁: إن تخصيصَ هذه الرِّوايةِ، وهي قولُهُ: ولا يجوزُ التَّحكيمِ في الحدودِ والقصاصِ يدلُّ على جوازِ التَّحكيمِ في جميعِ المجتهداتِ كالكناياتِ، وفَسْخِ اليمينِ، ونحوِهما، وتخصيصُ المجتهداتِ بالذِكْرِ ليس لنفي الحكمِ عمَّا عداه، فإن ما ليس للاجتهادِ فيه مساغٌ: كالثَّابتِ بالكتابِ، أو السنَّةِ المشهورةِ، أو الإجماع لا شكَّ في صحَّةِ التَّحكيمِ في ذلك، وفائدتُهُ إلزامُ الخصمِ، فإنَّ المتبايعينَ إن حَكَّما حَكَماً، فالمُحَكَّمُ يُجْبِرُ المشتري على تسليمِ الثَّمنِ، والبائعَ على تسليمِ المبيعِ، ومَن امتنعَ يحبسُه، فذَكَرَ المجتهداتِ ليدلَّ على غيرِها بالطَّريق الأُولَى. وإذا صحَّ التَّحكيمُ في جميعِ القضايا (١) لا يُفْتَى بذلك؛ لأن العوامَّ يتجاسرونَ على ذلك، فيَقِلُّ الاحتياجُ إلى القاضي، فلا يَبْقَى لحكَّامِ الشَّرع رَوْنَق، ولا للمحكمةِ جمالٌ وزينة. (وحُكْمُ المُحَكَّمِ في دمٍ خطأ بالدِّيَةِ على العاقلةِ لا يَنْفُذُ)؛ لأنَّ العاقلةَ لم يُحَكِّموه، «وكذا إن حَكَمَ بالدِّيَةِ على القاتلِ لا يَنْفُذُ أيضاً، فينقضُهُ القاضي، ويقضي على العاقلةِ) (٢))؛ لأنَّ حُكْمَ المُحَكِّمِ مخالفٌ لمذهبِ القاضي، ومخالفٌ للنَّصّ، وهو قوله ﷺ : «قوموا فَدُوه (٣)» (٤)، ومعنى عدمُ نفاذِهِ على العاقلةِ أن للمُحَكِّمَ لا يكونُ ولايةُ طلبِ الدِّيةِ

стр. 806

فإن رُفِعَ إلى قاضٍ آخرَ إن وافقَ مذهبَهُ أمضاهُ، وإلاَّ أبطلَهُ. مسائل شتى وليس لصاحبِ سُفْلٍ عليه علوٌ لآخرَ أن يَتِدَ فى سفلِه، أو ينقب فيه كُوةً بلا رضا الآخرِ. ولا لأهلِ زائغةٍ مستطيلةٍ تنشعبُ منها مستطيلةٌ غيرُ نافذةٍ فتحُ بابٍ في القصوى، وفي مستديرةٍ لَزِقَ طرفاها بالمستطيلة لهم ذلك في القصوى من العاقلةِ، وحبسُهم إن امتنعوا، (فإن رُفِعَ إلى قاضٍ آخرَ إن وافقَ مذهبَهُ أمضاهُ، وإلاَّ أبطلَهُ): أي ليس حُكْمُ المُحَكَّمِ مثلَ حُكْمِ المولى في أن المختلفَ فيه يصيرُ مجمعاً عليه. مسائل شتى (وليس لصاحبِ سُفْلٍ عليه علوٌ لآخرَ أن يَتِدَ (١) فى سفلِه، أو ينقب فيه (٢) كُوةً (٣) بلا رضا الآخرِ. ولا لأهلِ زائغةٍ مستطيلةٍ (٤) تنشعبُ منها مستطيلةٌ غيرُ نافذةٍ فتحُ بابٍ في القصوى، وفي مستديرةٍ لَزِقَ طرفاها بالمستطيلة (٥) لهم ذلك في القصوى) (٦) : أي في المنشعبةِ من الأولى.

стр. 807

ومَن ادَّعى هبةً في وقتٍ فسُئِلَ بيِّنةً، فقال: قد جَحَدَنِيها فاشتريتُها منه، أو لم يقلْ ذلك، فأقامَ بيِّنةً على الشِّراءِ بعد وقتِ الهبةِ تُقْبَل، وقَبْلَهُ لا وقولُهُ: لَزِقَ طرفاها: أي اتّصلَ طرفاها بالمستطيلةِ، والمرادُ بطرفيها نهايةُ سعتِها، وهذا إذا كانت مثل نصفِ دائرةٍ أو أقلّ، حتَّى لو كانت أكثرَ من ذلك لا يَفْتَح فيها الباب، فلنصوِّرْ صورتين: في الأُوْلَى يكون له فتح البابِ دون الثَّانيةِ، والفرقُ أنَّ الأُولَى تصيرُ ساحةً مشتركةً بخلافِ الثَّانيةِ، فإنَّهُ إذا كان داخلُها أوسعَ من مدخلِها يصيرُ موضعاً آخرَ غيرَ تابعٍ للأُولَى. (ومَن ادَّعى هبةً في وقتٍ فسُئِلَ بيِّنةً، فقال: قد جَحَدَنِيها فاشتريتُها منه، أو لم يقلْ ذلك، فأقامَ بيِّنةً على الشِّراءِ بعد وقتِ الهبةِ تُقْبَل، وقَبْلَهُ لا).

стр. 808

ومَن ادِّعى أن زيداً اشترى جاريتَه، فأنكرَ، وتركَ المدَّعي خصومتَهُ حلَّ له وطؤها، وصُدِّقَ المقرُّ بقبضِ عشرةٍ، إن ادَّعى أنَّها زيوفٌ أو نَبَهْرَجَةٌ، لا مَن ادِّعى أنها سَتُّوقةٌ، ولا مَن أقرَّ بقبضِ الجيادِ، أو حقِّه، أو الثَّمنِ أو الاستيفاءِ، الزَّيفُ ردٌّ لبيتِ المالِ كالنَّبَهْرَجَةِ للتُّجار، والسَتُّوقةُ ما غَلَبَ عليه غشُّهُ قولُهُ: فأقام بيِّنةً على الشَّراءِ بعدَ وقتِ الهبةِ تقبل، وقبلَهُ لا؛ يرجعُ إلى الصورتين: أي ما إذا قال: قد جحدنيها، وما إذا لم يقلْ ذلك، فإنّ دعوى الهبةِ إقرارٌ بأن الموهوبَ ملكُ الواهبِ قبل الهبة، فلا تقبلُ دعوى الشِّراءِ قبل وقتِ الهبة. وأمَّا دعوى الشِّراء بعد وقتِ الهبةِ فلا تناقضَ فيها؛ لأَنَّها تقرِّر ملكَهُ بعد الهبة. (ومَن ادِّعى أن زيداً اشترى جاريتَه، فأنكرَ، وتركَ المدَّعي خصومتَهُ حلَّ له وطؤها)؛ لأنَّه إذا تعذَّرَ للبائعِ حصولُ الثَّمنِ من المشتري فات رضاء البائع، فيستبدّ بفسخِه لا سيما إذا جَحَدَ المشتري، فإنَّ جحودَهُ فسخٌ من جهتِه. (وصُدِّقَ المقرُّ بقبضِ عشرةٍ): أي إذا قال: قبضتُ من فلانٍ عشرةَ دراهمٍ، (إن ادَّعى أنَّها زيوفٌ أو نَبَهْرَجَةٌ، لا مَن ادِّعى أنها سَتُّوقةٌ، ولا مَن أقرَّ بقبضِ الجيادِ، أو حقِّه، أو الثَّمنِ أو الاستيفاءِ) (١): أي إذا قال استوفيتُ منه عشرةَ دراهمٍ؛ لأنَّ الاستيفاءَ يدلُّ على الكمال. (الزَّيفُ ردٌّ لبيتِ المالِ كالنَّبَهْرَجَةِ للتُّجار، والسَتُّوقةُ ما غَلَبَ عليه (٢) غشُّهُ): الزَّيفُ والنَّبَهْرَجَةُ من جنسِ الدَّراهمِ التي الفضةُ غالبةٌ على الغشِّ إلاَّ أنَّها بالنسبةِ إلى الجيدِ يكونُ فضّتُهما أقلّ، إلاَّ أنَّ رداءةَ الزَّيفِ دونَ رداءةِ النَّبَهْرَجَة، فالزيفُ لا يَرُدُّهُ التُجّار، ويجري فيه المعاملةُ إلاَّ أن بيتَ المالِ لا يقبلُه، فإنَّ بيتَ المالِ لا يقبلُ إلاَّ ما هو جيدٌ غايةَ الجودة. والنَّبَهْرَجةُ يردُّهُ التُجّارُ، والنَّبَهْرَجُ الباطلُ والرَّدِئ من الشَّيء، والدّرهم النَّبَهْرَجُ: قيل: ما بطل سِكَّته، وقيل: الذي فضتُهُ رديئةٌ، وقيل: الغالبُ الفضّةُ، وهو مُعَرَّبٌ نبهره.

стр. 809

وقولُهُ: ليس لي عليك شيءٌ للمقرِّ بألفٍ يُبْطِلُ إقرارَهُ، وبل لي عليك ألفٌ بعدَهُ بلا حجَّةٍ لغو. فإن قالَ المدَّعى عليه عقيبَ دعوى مالٍ: ما كان لك عليّ شيءٍ قطّ، فأقامَ المدَّعي بيِّنةً على ألف، وهو على القضاء، أو الإبراء، قُبِلَتْ هذه، وإن زاد على إنكارِه، ولا أعرفُك، رُدَّت وفي «المغرب»: لم أجدْهُ بالنُّون (١). والسَتُّوقة: تعريب ستوية: أي داخله نحاس مطليّ بالفضّةِ. … (٢) (وقولُهُ: ليس لي عليك شيءٌ للمقرِّ بألفٍ يُبْطِلُ إقرارَهُ (٣)، وبل لي عليك ألفٌ بعدَهُ بلا حجَّةٍ لغو. فإن (٤) قالَ المدَّعى عليه عقيبَ دعوى مالٍ: ما كان لك عليّ شيءٍ قطّ، فأقامَ المدَّعي بيِّنةً على ألف، وهو (٥) على القضاء، أو الإبراء، قُبِلَتْ هذه)، خلافاً لزُفَر ﵁؛ لأنَّ القضاءَ يقتضي سبقَ حقٍّ، وكذا الإبراءُ، وقد قال: ما كان لك عليّ شيءٌ فلا يُصَدَّقُ في دعوى القضاء والإبراء. قلنا: القضاءُ قد يكونُ بلا حقّ، وكذا الإبراء، فإنّ المدَّعي قد يَبْرأُ عن حقٍّ ثابتٍ في زعمِه، وإن لم يكنْ ثابتاً في الحقيقة. (وإن زاد على إنكارِه، ولا أعرفُك، رُدَّت): أي قالَ: ما كان لك عليَّ شيءٌ قطّ،

стр. 810

................................................................................................................... ولا أعرفكَ، ثُمَّ أقامَ بيِّنةً على القضاء أو الإبراء، لا تقبلُ لتعذُّرِ التَّوفيق؛ لأنَّهُ لا يكونُ بين اثنينِ أخذٌ وإعطاء، ومعاملةٌ وإبراءٌ بدون المعرفة، وذَكَرَ القُدُورِيُّ ﵁: أنَّه تُقْبَلُ أيضاً؛ لأنَّ المحتجبَ، أو المخدرةَ قد يأمرُ بعضَ وكلائِه، بإرضائِهِ، ولا يَعْرِفُه، ثُمَّ يَعْرِفُهُ بعد ذلك، فأمكنَ التَّوفيق. واعلم أن إمكانَ التَّوفيقِ هل يكفي في دَفْعِ التَّناقُض، أو لا بُدَّ من أن يُصَرِّحَ بالتَّوفيق، اختلفَ فيه المشايخُ ﵁: وَجْهُ الأَوَّل: أنَّ مع إمكانِ التَّوفيقِ لا يتحقَّقُ التَّناقضُ، فيحملُ عليه صيانةً لدعواهُ عن البطلان. وَجْهُ الثَّانِي: أنَّه لا بُدَّ للدَّعوى من الصِّحَّةِ يقيناً، فإمكانُ الصِّحَّةِ لا يُبْطِلُ حقَّ المدَّعى عليه. إذا عَرَفْتَ هذا، فأقول: في كلِّ صورةٍ يَقَعُ الشَّكُّ في صحَّةِ الدَّعوى: لا نقولُ إنّ إمكانَ الصِّحَّةِ كافٍ، كما إذا ادَّعى الهبةَ فَسُئِلَ بينةً، فلم يقدرْ، فادَّعى الشِّراء، فأقامَ بيِّنةً على الشِّراءِ من غيرِ أن يُبَيِّنَ أن الشِّراءَ قبل وقتِ الهبة، أو بعده لا تقبل؛ لأنَّه يُحْتَملُ أن يكونَ الشِّراءُ قبل وقتِ الهبة، وعلى هذا التَّقديرِ لا يَصِحُّ دعوى الشِّراء على ما مرّ، ويُحْتَمَلُ أن يكونَ الشِّراءُ بعد وقتِ الهبة، وعلى هذا التقدير يصحُّ دعوى الشِّراء كما مرّ. فإذا وَقَعَ الشَّكُّ في صحَّةِ الدَّعوى لا نصحِّحُهُ بالشَّكّ؛ لأنَّ غايةَ ما في البابِ أن شراءهُ إن (١) كان متحقِّقاً قبلَ وقتِ الهبة، فيكونُ معنى دعوى الهبة: إنِّي كنتُ اشتريتُها منه، لكن ارتفعَ ذلك العقد، ثُمَّ صارَ ملكاً له، ثُمَّ وَهَبَ منِّي فلا بُدَّ من إقامةِ البيِّنةِ على الهبة، فإذا لم يكن له بيِّنةٌ على الهبة، لا يصحُّ دعواهُ، ولا يَبْطُلُ حقُّ المدَّعى عليه بالشَّكّ. وفي كلِّ صورةٍ لا يكونُ الشَّكُّ في صحَّةِ دعواه، حتَّى يلزمَ إبطالُ حقِّ المُدَّعي عليه بالشَّكّ. فنقول: إمكانُ التَّوفيقُ كافٍ كما إذا أقامَ البيِّنةَ على القضاءِ أو الإبراءِ بعد إنكارِهِ المدَّعى به، وإقامة المدَّعي البيِّنةَ عليه، أو أقامَ المدَّعي البيِّنةَ على الشِّراءِ بعد وقتِ الهبةِ تقبل، فاحفظ هذا الضابط، فإنَّه كثيرُ النفعِ.
следующие страницы →