← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1125

شرح الوقاية - ت أبو الحاج

المحبوبي صدر الشريعة الأصغر

Полный текст (1 235 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فإن رُفِعَ إلى قاضٍ آخرَ إن وافقَ مذهبَهُ أمضاهُ، وإلاَّ أبطلَهُ. مسائل شتى وليس لصاحبِ سُفْلٍ عليه علوٌ لآخرَ أن يَتِدَ فى سفلِه، أو ينقب فيه كُوةً بلا رضا الآخرِ. ولا لأهلِ زائغةٍ مستطيلةٍ تنشعبُ منها مستطيلةٌ غيرُ نافذةٍ فتحُ بابٍ في القصوى، وفي مستديرةٍ لَزِقَ طرفاها بالمستطيلة لهم ذلك في القصوى من العاقلةِ، وحبسُهم إن امتنعوا، (فإن رُفِعَ إلى قاضٍ آخرَ إن وافقَ مذهبَهُ أمضاهُ، وإلاَّ أبطلَهُ): أي ليس حُكْمُ المُحَكَّمِ مثلَ حُكْمِ المولى في أن المختلفَ فيه يصيرُ مجمعاً عليه. مسائل شتى (وليس لصاحبِ سُفْلٍ عليه علوٌ لآخرَ أن يَتِدَ (١) فى سفلِه، أو ينقب فيه (٢) كُوةً (٣) بلا رضا الآخرِ. ولا لأهلِ زائغةٍ مستطيلةٍ (٤) تنشعبُ منها مستطيلةٌ غيرُ نافذةٍ فتحُ بابٍ في القصوى، وفي مستديرةٍ لَزِقَ طرفاها بالمستطيلة (٥) لهم ذلك في القصوى) (٦) : أي في المنشعبةِ من الأولى.

стр. 807

ومَن ادَّعى هبةً في وقتٍ فسُئِلَ بيِّنةً، فقال: قد جَحَدَنِيها فاشتريتُها منه، أو لم يقلْ ذلك، فأقامَ بيِّنةً على الشِّراءِ بعد وقتِ الهبةِ تُقْبَل، وقَبْلَهُ لا وقولُهُ: لَزِقَ طرفاها: أي اتّصلَ طرفاها بالمستطيلةِ، والمرادُ بطرفيها نهايةُ سعتِها، وهذا إذا كانت مثل نصفِ دائرةٍ أو أقلّ، حتَّى لو كانت أكثرَ من ذلك لا يَفْتَح فيها الباب، فلنصوِّرْ صورتين: في الأُوْلَى يكون له فتح البابِ دون الثَّانيةِ، والفرقُ أنَّ الأُولَى تصيرُ ساحةً مشتركةً بخلافِ الثَّانيةِ، فإنَّهُ إذا كان داخلُها أوسعَ من مدخلِها يصيرُ موضعاً آخرَ غيرَ تابعٍ للأُولَى. (ومَن ادَّعى هبةً في وقتٍ فسُئِلَ بيِّنةً، فقال: قد جَحَدَنِيها فاشتريتُها منه، أو لم يقلْ ذلك، فأقامَ بيِّنةً على الشِّراءِ بعد وقتِ الهبةِ تُقْبَل، وقَبْلَهُ لا).

стр. 808

ومَن ادِّعى أن زيداً اشترى جاريتَه، فأنكرَ، وتركَ المدَّعي خصومتَهُ حلَّ له وطؤها، وصُدِّقَ المقرُّ بقبضِ عشرةٍ، إن ادَّعى أنَّها زيوفٌ أو نَبَهْرَجَةٌ، لا مَن ادِّعى أنها سَتُّوقةٌ، ولا مَن أقرَّ بقبضِ الجيادِ، أو حقِّه، أو الثَّمنِ أو الاستيفاءِ، الزَّيفُ ردٌّ لبيتِ المالِ كالنَّبَهْرَجَةِ للتُّجار، والسَتُّوقةُ ما غَلَبَ عليه غشُّهُ قولُهُ: فأقام بيِّنةً على الشَّراءِ بعدَ وقتِ الهبةِ تقبل، وقبلَهُ لا؛ يرجعُ إلى الصورتين: أي ما إذا قال: قد جحدنيها، وما إذا لم يقلْ ذلك، فإنّ دعوى الهبةِ إقرارٌ بأن الموهوبَ ملكُ الواهبِ قبل الهبة، فلا تقبلُ دعوى الشِّراءِ قبل وقتِ الهبة. وأمَّا دعوى الشِّراء بعد وقتِ الهبةِ فلا تناقضَ فيها؛ لأَنَّها تقرِّر ملكَهُ بعد الهبة. (ومَن ادِّعى أن زيداً اشترى جاريتَه، فأنكرَ، وتركَ المدَّعي خصومتَهُ حلَّ له وطؤها)؛ لأنَّه إذا تعذَّرَ للبائعِ حصولُ الثَّمنِ من المشتري فات رضاء البائع، فيستبدّ بفسخِه لا سيما إذا جَحَدَ المشتري، فإنَّ جحودَهُ فسخٌ من جهتِه. (وصُدِّقَ المقرُّ بقبضِ عشرةٍ): أي إذا قال: قبضتُ من فلانٍ عشرةَ دراهمٍ، (إن ادَّعى أنَّها زيوفٌ أو نَبَهْرَجَةٌ، لا مَن ادِّعى أنها سَتُّوقةٌ، ولا مَن أقرَّ بقبضِ الجيادِ، أو حقِّه، أو الثَّمنِ أو الاستيفاءِ) (١): أي إذا قال استوفيتُ منه عشرةَ دراهمٍ؛ لأنَّ الاستيفاءَ يدلُّ على الكمال. (الزَّيفُ ردٌّ لبيتِ المالِ كالنَّبَهْرَجَةِ للتُّجار، والسَتُّوقةُ ما غَلَبَ عليه (٢) غشُّهُ): الزَّيفُ والنَّبَهْرَجَةُ من جنسِ الدَّراهمِ التي الفضةُ غالبةٌ على الغشِّ إلاَّ أنَّها بالنسبةِ إلى الجيدِ يكونُ فضّتُهما أقلّ، إلاَّ أنَّ رداءةَ الزَّيفِ دونَ رداءةِ النَّبَهْرَجَة، فالزيفُ لا يَرُدُّهُ التُجّار، ويجري فيه المعاملةُ إلاَّ أن بيتَ المالِ لا يقبلُه، فإنَّ بيتَ المالِ لا يقبلُ إلاَّ ما هو جيدٌ غايةَ الجودة. والنَّبَهْرَجةُ يردُّهُ التُجّارُ، والنَّبَهْرَجُ الباطلُ والرَّدِئ من الشَّيء، والدّرهم النَّبَهْرَجُ: قيل: ما بطل سِكَّته، وقيل: الذي فضتُهُ رديئةٌ، وقيل: الغالبُ الفضّةُ، وهو مُعَرَّبٌ نبهره.

стр. 809

وقولُهُ: ليس لي عليك شيءٌ للمقرِّ بألفٍ يُبْطِلُ إقرارَهُ، وبل لي عليك ألفٌ بعدَهُ بلا حجَّةٍ لغو. فإن قالَ المدَّعى عليه عقيبَ دعوى مالٍ: ما كان لك عليّ شيءٍ قطّ، فأقامَ المدَّعي بيِّنةً على ألف، وهو على القضاء، أو الإبراء، قُبِلَتْ هذه، وإن زاد على إنكارِه، ولا أعرفُك، رُدَّت وفي «المغرب»: لم أجدْهُ بالنُّون (١). والسَتُّوقة: تعريب ستوية: أي داخله نحاس مطليّ بالفضّةِ. … (٢) (وقولُهُ: ليس لي عليك شيءٌ للمقرِّ بألفٍ يُبْطِلُ إقرارَهُ (٣)، وبل لي عليك ألفٌ بعدَهُ بلا حجَّةٍ لغو. فإن (٤) قالَ المدَّعى عليه عقيبَ دعوى مالٍ: ما كان لك عليّ شيءٍ قطّ، فأقامَ المدَّعي بيِّنةً على ألف، وهو (٥) على القضاء، أو الإبراء، قُبِلَتْ هذه)، خلافاً لزُفَر ﵁؛ لأنَّ القضاءَ يقتضي سبقَ حقٍّ، وكذا الإبراءُ، وقد قال: ما كان لك عليّ شيءٌ فلا يُصَدَّقُ في دعوى القضاء والإبراء. قلنا: القضاءُ قد يكونُ بلا حقّ، وكذا الإبراء، فإنّ المدَّعي قد يَبْرأُ عن حقٍّ ثابتٍ في زعمِه، وإن لم يكنْ ثابتاً في الحقيقة. (وإن زاد على إنكارِه، ولا أعرفُك، رُدَّت): أي قالَ: ما كان لك عليَّ شيءٌ قطّ،

стр. 810

................................................................................................................... ولا أعرفكَ، ثُمَّ أقامَ بيِّنةً على القضاء أو الإبراء، لا تقبلُ لتعذُّرِ التَّوفيق؛ لأنَّهُ لا يكونُ بين اثنينِ أخذٌ وإعطاء، ومعاملةٌ وإبراءٌ بدون المعرفة، وذَكَرَ القُدُورِيُّ ﵁: أنَّه تُقْبَلُ أيضاً؛ لأنَّ المحتجبَ، أو المخدرةَ قد يأمرُ بعضَ وكلائِه، بإرضائِهِ، ولا يَعْرِفُه، ثُمَّ يَعْرِفُهُ بعد ذلك، فأمكنَ التَّوفيق. واعلم أن إمكانَ التَّوفيقِ هل يكفي في دَفْعِ التَّناقُض، أو لا بُدَّ من أن يُصَرِّحَ بالتَّوفيق، اختلفَ فيه المشايخُ ﵁: وَجْهُ الأَوَّل: أنَّ مع إمكانِ التَّوفيقِ لا يتحقَّقُ التَّناقضُ، فيحملُ عليه صيانةً لدعواهُ عن البطلان. وَجْهُ الثَّانِي: أنَّه لا بُدَّ للدَّعوى من الصِّحَّةِ يقيناً، فإمكانُ الصِّحَّةِ لا يُبْطِلُ حقَّ المدَّعى عليه. إذا عَرَفْتَ هذا، فأقول: في كلِّ صورةٍ يَقَعُ الشَّكُّ في صحَّةِ الدَّعوى: لا نقولُ إنّ إمكانَ الصِّحَّةِ كافٍ، كما إذا ادَّعى الهبةَ فَسُئِلَ بينةً، فلم يقدرْ، فادَّعى الشِّراء، فأقامَ بيِّنةً على الشِّراءِ من غيرِ أن يُبَيِّنَ أن الشِّراءَ قبل وقتِ الهبة، أو بعده لا تقبل؛ لأنَّه يُحْتَملُ أن يكونَ الشِّراءُ قبل وقتِ الهبة، وعلى هذا التَّقديرِ لا يَصِحُّ دعوى الشِّراء على ما مرّ، ويُحْتَمَلُ أن يكونَ الشِّراءُ بعد وقتِ الهبة، وعلى هذا التقدير يصحُّ دعوى الشِّراء كما مرّ. فإذا وَقَعَ الشَّكُّ في صحَّةِ الدَّعوى لا نصحِّحُهُ بالشَّكّ؛ لأنَّ غايةَ ما في البابِ أن شراءهُ إن (١) كان متحقِّقاً قبلَ وقتِ الهبة، فيكونُ معنى دعوى الهبة: إنِّي كنتُ اشتريتُها منه، لكن ارتفعَ ذلك العقد، ثُمَّ صارَ ملكاً له، ثُمَّ وَهَبَ منِّي فلا بُدَّ من إقامةِ البيِّنةِ على الهبة، فإذا لم يكن له بيِّنةٌ على الهبة، لا يصحُّ دعواهُ، ولا يَبْطُلُ حقُّ المدَّعى عليه بالشَّكّ. وفي كلِّ صورةٍ لا يكونُ الشَّكُّ في صحَّةِ دعواه، حتَّى يلزمَ إبطالُ حقِّ المُدَّعي عليه بالشَّكّ. فنقول: إمكانُ التَّوفيقُ كافٍ كما إذا أقامَ البيِّنةَ على القضاءِ أو الإبراءِ بعد إنكارِهِ المدَّعى به، وإقامة المدَّعي البيِّنةَ عليه، أو أقامَ المدَّعي البيِّنةَ على الشِّراءِ بعد وقتِ الهبةِ تقبل، فاحفظ هذا الضابط، فإنَّه كثيرُ النفعِ.

стр. 811

ومَن أقام بيِّنةَ على شراءٍ، وأرادَ الرَّدَّ بعيبٍ رُدَّتْ بيِّنةُ بائعِهِ على براءتِهِ من كلِّ عيبٍ بعد إنكارِ بيعه، وذكرُ إن شاء الله تعالى في آخر صكٍّ يبطل كلَّهُ، وعندهما آخرَهُ وهو استحسانٌ ثم اعلم أنّ هذا (١) التَّناقضَ إنِّما يمنعُ صحَّةَ الدَّعوى إذا كان الكلامُ الأَوَّلُ قد أُثْبِتَ لشخصٍ معيَّنٍ حقَّاً حتَّى إذا لم يكنْ كذلك لا يَمْنَعُ صحَّةَ الدَّعوى كما إذا قال لا حقَّ لي على أحدٍ من أهلِ سَمَرْقَنْدِ، ثم ادَّعى شيئاً على واحدٍ من أهلِ سَمَرْقَنْدَ يصحُّ دعواهُ. (ومَن أقام بيِّنةَ على شراءٍ، وأرادَ الرَّدَّ بعيبٍ رُدَّتْ بيِّنةُ بائعِهِ على براءتِهِ من كلِّ عيبٍ بعد إنكارِ بيعه)، ادَّعى رجلٌ على آخرَ: أنِّي اشتريتُ منك هذا العبدَ بألف، وسلمتُ إليك الألف، فَظَهَرَ فيه عيبٌ فأردُّه بالعيب، فعليك أن تَرُدَّ الثَّمنَ إليَّ، فأنكرَ الخصمُ البيعَ فأقامَ المدَّعي بيِّنةً على البيعِ، فادَّعى الخصمُ براءةَ المدَّعَي من كلِّ عيب، وأقامَ بيِّنةً على ذلك، لا تُسْمَعُ لتناقض، وعند أبي يوسفَ ﵁: تُسْمَعُ قياساً على المسألةِ المذكورةِ: وهي ما كان لك عليّ شيءٌ قطّ، والفرقُ لأبي حنيفةَ ﵁، ومحمَّدٍ ﵁: أن في مسألةِ الدَّينِ: إن الدَّينَ قد يُقْضَى وإن كان باطلاً وهاهنا دعوى البراءة من العيبِ تستدعي قيامَ البيع، وقد أنكرَه. (وذكرُ إن شاء الله تعالى في آخر صكٍّ يبطل كلَّهُ، وعندهما آخرَهُ وهو استحسانٌ) (٢): أي إذا كتبَ صكَّ إقرار، ثمَّ كتبَ في آخره كلُّ مَن أخرجَ هذا الصَّكَّ، وطلبَ (ما فيه) (٣) من الحقِّ، ادفعْ إليه إن شاءَ الله تعالى. فقولُهُ: إن شاء الله تعالى يَنْصَرِفُ إلى الكلِّ عند أبي حنيفةَ ﵁ حتَّى يَبْطُلَ جميعُ الصَّكّ، وهو القياس، كما في قوله: عبدُهُ حُرٌّ وامرأتُهُ طالقٌ إن شاء الله تعالى، وعندهما

стр. 812

[فصل في القضاء بالمواريث] نصرانيٌّ مات، فقالت عرسُه: أسلمتُ بعد موتِه، وقال ورثتُه: لا بل قبلَه، صُدِّقوا، كما في مسلم ماتَ، فقالت عرسُه: أسلمتُ قبلَ موتِه، وقالوا: بل بعد موته، ومَن قال: هذا ابنُ مودعي الميِّتِ لا وارثَ له غيرُهُ دَفَعَها إليه، ولو أقرَّ بابنٍ آخر لمودعِه، وجحدَ الأوَّلَ، فهي له، ولا يُكْفَلُ غريمٌ أو وارثٌ في تركةٍ قُسِّمَتْ بين الغرماء أو الورثةِ بشهودٍ لم يقولوا: لا نعلمُ له غريماً آخر، أو لا وارثاً آخر، وهو احتياطُ ظلمٍ يَنْصَرِفُ إلى الآخرِ، وهو الاستحسان؛ لأنَّ الصَّكَّ للاستيثاقِ، فالاستثناءُ يَنْصَرِفُ إلى ما يليه. [فصل في القضاء بالمواريث] (نصرانيٌّ مات، فقالت عرسُه: أسلمتُ بعد موتِه، وقال ورثتُه: لا بل قبلَه، صُدِّقوا، كما في مسلم ماتَ، فقالت عرسُه: أسلمتُ قبلَ موتِه، وقالوا: بل بعد موته (١))، هذا عندنا، وعند زفرَ ﵁ في المسألةِ الأَولى القولُ قولها؛ لأنَّ الإسلامَ حادثٌ فيضافُ إلى أقربِ الأوقات، ولنا: أن سببَ الحرمانِ ثابتٌ في الحال، فيثبتُ فيما مضى تحكيماً للحالِ، وهي تَصْلُحُ حجَّةً للدفع (٢). (ومَن قال: هذا ابنُ مودعي الميِّتِ لا وارثَ له غيرُهُ دَفَعَها إليه): أي دفعَ الوديعةَ إليه، (ولو أقرَّ بابنٍ آخر لمودعِه، وجحدَ الأوَّلَ، فهي له): أي للمُقَرِّ له الأَوَّل؛ لأنَّ الأقرارَ الأوَّلَ لم يكنْ له مكذِّبٌ فصحَّ، فلا يصحُّ الثَّاني؛ لأنَّ الأوَّلَ مكذِّبٌ له. (ولا يُكْفَلُ غريمٌ أو وارثٌ في تركةٍ قُسِّمَتْ بين الغرماء أو الورثةِ بشهودٍ لم يقولوا: لا نعلمُ له غريماً آخر (٣)، أو لا وارثاً آخر، وهو احتياطُ ظلمٍ) (٤): أي إذا شَهِدَ

стр. 813

وعقارٌ أقامَ زيدٌ حجَّةً أنَّه له ولأخيهِ إرثاً من أبيهما قَضَى له بنصفِه، وتركَ باقيه مع ذي اليدِ بلا تكفيلِه جَحَدَ دعواهُ أو لا، والمنقولُ مثلُهُ، وقيل: يؤخذُ هو منه بالاتفاق، ووصّيتُهُ بثُلُثِ مالِهِ على كلِّ شيءٍ، ومالي أو ما أملك صدقةٌ على مالِ الزَّكاةِ الشُّهودُ للغرماءِ أو الورثة، ولم يقولوا: لا نعلمُ للميِّتِ غريماً أو وارثاً آخر، قُسِّمَتْ التَّركةُ بينهم، ولا يؤخذُ منهم كفيلٌ، وقد احتاطَ بعضُ القضاة، فأخذوا منهم كفيلاً، وهذا الاحتياطُ ظلم؛ لأنَّه ثبتَ حقُّهم، ولم يُعْلَمْ حقٌّ لغيرِهم؛ ولأنَّه لم يوجدْ المكفولُ له، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما: يأخذُ القاضي كفيلاً منهم. (وعقارٌ أقامَ زيدٌ حجَّةً (١) أنَّه له ولأخيهِ إرثاً من أبيهما قَضَى له بنصفِه، وتركَ باقيه مع ذي اليدِ بلا تكفيلِه جَحَدَ دعواهُ أو لا)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁؛ لأنَّ ذا اليدِ قد اختارَهُ الميْتُ، فلا يقصرُ يدَهُ عمَّا ليس مدَّعيه حاضراً، وعندهما إن جحدَ ذو اليدِ لا يتركُ الباقي في يدِه؛ لأنَّ الجاحدَ خائنٌ فيؤخذُ منه، ويُجْعَلُ في يدِ أمين، وإن لم يَجْحَدْ تركَ القاضي (٢) في يدِهِ للابن الغائب، وإذا تُرِكَ في يدِهِ لا يؤخذُ منه كفيل. (والمنقولُ مثلُهُ، وقيل: يؤخذُ هو منه بالاتفاق): أي إذا كانت المسألةُ في المنقول: قيل: هو على هذا الخلافِ، فإنَّهُ إذا تَرَكَ الباقي في يدِه إذا لم يَجْحَدْ، ففي صورةِ الجحودِ أَوْلَى؛ لأنَّهُ مضمونٌ في يدِه، ولو وُضِعَ في يدِ آخرَ كان أمانةً، فالأَوَّلُ أَوْلَى. وقيل: يؤخذُ منه عند الجحودِ اتِّفاقاً. (ووصّيتُهُ بثُلُثِ مالِهِ على كلِّ شيءٍ، ومالي أو ما أملك صدقةٌ على مالِ الزَّكاةِ)، هذا عندنا، وعند زفرَ ﵁ يَقَعُ على كلِّ شيءٍ (كما في الوصية) (٣) قضية لإطلاقِ اللفظ، ونحن اعتبرنا إيجابَ العبدِ بإيجابِ الله تعالى.

стр. 814

فإن لم يجدْ إلاَّ ذلك أمسكَ منه قوتَه، فإذا ملكَ تصدَّقَ بما أخذَ، ولم يقدر بشيءٍ لاختلاف أحوال الناس، وصحَّ الإيصاءُ بلا علم الوصيِّ به لا التَّوكيل، وشُرِطَ خَبَرُ عدلٍ، أو مستورينِ؛ لعزلِ الوكيلِ، ولعلمِ السَّيدِ بجناية عبده، وللشفيع بالبيعِ، والبكرِ بالنِّكاحِ، ومسلمٍ لم يهاجرْ بالشَّرائعِ لا لصحةِ التَّوكيلِ (فإن لم يجدْ إلاَّ ذلك أمسكَ منه قوتَه، فإذا ملكَ تصدَّقَ بما أخذَ، (ولم يقدر بشيءٍ لاختلاف أحوال الناس) (١))، قيل: المحترفُ يمسكُ لنفسِهِ وعيالِهِ قوتَ يوم، وصاحبُ المستغل (٢) ما يُحتاجُ إليه إلى وصول غلَّته، وأكثرُ ذلك شهر، وصاحبُ الضياعِ إلى وصولِ ارتفاعِه، وأكثرُ ذلك سنة، وصاحبُ التِّجارةِ إلى وصولِ مالِ تجارتِه. (وصحَّ الإيصاءُ بلا علم الوصيِّ به لا التَّوكيل): أي إن جَعَلَ شخصاً وصيَّاً بعد موتِه، ولم يعلمِ الوصيُّ بذلك، فباعَ شيئاً من تركتِه يجوزُ بيعُه، بخلافِ ما إذا وَكَّلَ رَجلاً بالبيعِ، ولم يعلَمِ الوكيلُ بذلك فباعَ شيئاً (من التَّركةِ) (٣) لا يجوزُ بيعُه (٤)، وعند أبي يوسفَ ﵁ لا يجوزُ بيعُ الوصيِّ أيضاً. (وشُرِطَ خَبَرُ عدلٍ، أو مستورينِ (٥)؛ لعزلِ الوكيلِ، ولعلمِ السَّيدِ بجناية عبده، وللشفيع (٦) بالبيعِ، والبكرِ بالنِّكاحِ، ومسلمٍ لم يهاجرْ (٧) بالشَّرائعِ لا لصحةِ التَّوكيلِ):

стр. 815

ولا يضمنُ قاضٍ أو أمينُهُ إن باعَ عبداً للغرماء، وأخذَ ثمنَهُ فضاعَ واستحقَّ العبدُ أو ماتَ قبل القبضِ، فيرجع المشتري على الغرماءِ، وإن باعَ الوصيُّ لهم بأمرِ قاضٍ، فاستحقَّ العبدُ أو ماتَ قبلَ قبضِه فضاعَ ثمنُهُ رَجَعُ المشتري على الوصيِّ، وهو عليهم أي إذا عزلَ الموكِّلُ الوكيل، فأخبرَهُ بذلك عدلٌ أو مستورانِ لا يصحُّ تصرفُهُ بعد ذلك، ولو أخبرُهُ فاسقٌ أو مستورُ الحالِ لا اعتبارَ لإخبارِهِ حتَّى يجوزَ تصرُّفُه، وكذا إذا جَنَى عبدٌ خطأً فَعَلِمَ السَّيِّدُ بجنايتِهِ بإخبارِ عدلٍ أو مستورينِ، فباعَ السَيِّدُ عبدَهُ يكونُ مختاراً للفداء، وكذا إذا عَلِمَ الشَّفيعُ بيعَ الدَّارَ فسكتَ إن أخبرَهُ عدلٌ أو مستوران، يكونُ سكوتُهُ تسليماً، وكذا في علم البكرِ بإنكاحِها إذا سكتتْ، والمسلمُ الذي لم يهاجرْ إذا أخبرَهُ عدلٌ أو مستورانِ يَجِبُ عليه الشَّرائع. أمَّا صحَّةُ التَّوكيلِ فلا يشترطُ لها ذلك حتَّى إذا أخبرَه فاسقٌ بأن فلاناً وكَّلَهُ بالبيع، فباعَ، يجوزُ بيعُهُ؛ وذلك لأنَّه إنِّما يشترطُ العددُ والعدالةُ في الشَّهادة؛ لأنَّها إلزامٌ محضٌ فلا بُدَّ من التأكيد، أمَّا التَّوكيلُ فليس فيه معنى الإلزام أصلاً، فلا يشترطُ فيه شيءٌ من وصفي الشَّهادةِ: أي العددُ والعدالة. وأمَّا عزلُ الوكيلِ ونحوِه فإلزامٌ من وجهٍ دونَ وجه، فمن حيث إنَّه لا يَبْقَى له ولايةُ التَّصرفِ يكونُ إلزامَ ضرر، ومن حيث أنَّ الموكِّلَ يتصرَّفُ في حقِّ نفسِهِ بالعزلِ ليس بإلزامٍ، فيشترطَ له أحدُ وصفي الشَّهادة. (ولا يضمنُ قاضٍ أو أمينُهُ إن باعَ عبداً للغرماء): أي باعَ عبداً للمديونِ لأجلِ الدَّائنين، (وأخذَ ثمنَهُ فضاعَ واستحقَّ العبدُ (أو ماتَ قبل القبضِ) (١)، فيرجع المشتري على الغرماءِ)؛ لأنَّهُ تعذَّرَ الرُّجوعُ على القاضي فيضمنُ الغرماء؛ لأنَّ القاضي قد عَمِلَ لهم، وأمينُ القاضي كالقاضي. (وإن باعَ الوصيُّ لهم بأمرِ قاضٍ (٢)، فاستحقَّ العبدُ أو ماتَ قبلَ قبضِه فضاعَ ثمنُهُ رَجَعُ المشتري على الوصيِّ، وهو عليهم)؛ لأنَّ العاقدَ هو الوصيُّ فعليه الرُّجوع، والوصيُّ يَرْجِعُ عليهم؛ لأنَّه عَمِلَ لأجلهم.

стр. 816

ولو أمركَ قاضٍ عالمٌ عدلٌ بفعلٍ قَضَى به على هذا من رجم، أو قطع، أو ضربٍ وَسِعَكَ فعلُه، وصُدِّقَ عدلٌ جاهلٌ سُئِلَ فأحسنَ تفسيرَهُ، ولم يُقْبَلْ قول غيرهما، وصُدِّقَ قاضٍ عُزِلَ، وقالَ لزيدٍ: أخذتُ منكَ ألفاً قضيتُ به لعمرو، ودفعتُهُ إليه، أو قال له: قضيتُ بقطعِ يدكَ في حقٍّ، وادَّعى زيدٌ أخذَهُ وقطعَهُ ظلماً، وأقرَّ بكونِهما في قضائِهِ (ولو أمركَ قاضٍ عالمٌ عدلٌ بفعلٍ قَضَى به على هذا من رجم، أو قطع، أو ضربٍ وَسِعَكَ فعلُه، وصُدِّقَ عدلٌ جاهلٌ سُئِلَ فأحسنَ تفسيرَهُ، ولم يُقْبَلْ قول غيرهما): القاضي: إمَّا عالمٌ عادل. أو جاهلٌ عادل. أو عالم غير عادل. أو جاهل غير عادل. فالأَوَّلُ إن قال لك: قضيتُ لك بقطعِ يدِ زيدٍ فاقطعْ يدَهُ جاز لك قطعُ يدِه. والقاضي الثَّاني: إن قالَ هذا فلا بُدَّ من أن تسألَهُ عن سببِه، فإن أحسنَ تفسيرَهُ وجبَ تصديقُه، فيجوزُ لك قطعُ يدِه. وأمَّا الأخيران فلا يُقْبَلُ قولُهما. (وصُدِّقَ قاضٍ عُزِلَ، وقالَ لزيدٍ: أخذتُ منكَ ألفاً قضيتُ به لعمرو، ودفعتُهُ إليه، أو قال له: قضيتُ بقطعِ يدكَ ف ي حقٍّ، وادَّعى زيدٌ أخذَهُ وقطعَهُ ظلماً، وأقرَّ بكونِهما في قضائِهِ): لأنَّ زيداً لمَّا أقرَّ يكونُ الأخذُ والقضاءُ بقطعِ اليدِ في زمانِ قضائِه، فالظَّاهرُ أنَّ القاضي لا يظلمُ، فالقولُ للقاضي، أمَّا إذا لم يُقِرَّ بكونِهما في زمانِ قضائِه، بل قال: إنِّما فعلتُ هذا قبل التَّقليد، أو بعدَ العزل، فإن أقامَ بيِّنةً على هذا فالقاضي يكونُ مبطلاً في هذا الفعل، وإن لم يكنْ له بيِّنةٌ، فالقولُ للقاضي، (والله أعلم) (١). * * *

стр. 817

كتاب الشهادة والرجوع عنها هي إخبارٌ بحقِّ للغيرِ على آخرَ، وتَجِبُ بطلبِ المدَّعي، وسَتْرُها في الحدودِ أحبُّ، ويقولُ في السِّرقة: أخذَ، لا سَرَق. ونصابُها: للزِّنا: أربعةُ رجال. وللقَوَدِ وباقي الحدودِ: رجلان. كتاب الشهادة والرجوع عنها (هي إخبارٌ بحقِّ للغيرِ على آخرَ)، الإخباراتُ ثلاثةٌ: إمِّا بحقٍّ للغيرِ على آخر، وهو الشَّهادة. أو بحقٍّ للمخبرِ على آخر، وهو الدَّعوى. أو بالعكس، وهو الإقرار. (وتَجِبُ (١) بطلبِ المدَّعي (٢)، وسَتْرُها في الحدودِ أحبُّ): أي أفضلُ، (ويقولُ في السِّرقة: أخذَ، لا سَرَق): إنِّما يقول: أخذَ؛ لئلا يضيعَ حقُّ المالك (٣)، ولا يقولُ: سَرَق؛ لئلا يَجِبُ الحَدّ. (ونصابُها: للزِّنا: أربعةُ رجال. وللقَوَدِ وباقي الحدودِ: رجلان.

стр. 818

وللبكارةِ، والولادةِ، وعيوبِ النِّساءِ فيما لا يطَّلِعُ عليه الرِّجالُ: امرأة، (ولغيرها: مالاً أو غير مال: كنكاحٍ، ورضاع، وطلاق، ووكالة، ووصية، رجلان أو رجلٌ وامرأتان، (وشُرِطَ للكلِّ العدالةُ، ولفظُ الشَّهادة، فلم يُقْبَلْ إن قال: أعلم، أو أتيقنّ، ولا يسألُ قاضٍ عن شاهدٍ بلا طعنِ الخصمِ إلاَّ في حدٍّ وقَوَد، وقالا: يسألُ في الكلِّ سِرّاً وعلانيةً، وبه يُفْتَى في زماننا، ويكفي سِراً وللبكارةِ، والولادةِ، وعيوبِ النِّساءِ فيما لا يطَّلِعُ عليه الرِّجالُ: امرأة)، إنِّما قالَ هذا؛ لأنَّ عيوبَ النِّساءِ إذا كانت ممَّا يطَّلعُ عليه الرِّجالِ: كالإصبعِ الزَّائدةِ مثلاً لا يكفي شهادةُ امرأة. (ولغيرها: مالاً أو غير مال: كنكاحٍ، ورضاع، وطلاق، ووكالة، ووصية، رجلان أو رجلٌ وامرأتان): إنِّما قال: مالاً أو غيرَ مال؛ لأنَّ فيه خلافَ الشَّافِعِيِّ (١) ﵁، فإنَّ غيرَ المالِ لا يُقْبَلُ فيه شهادةُ رجلٌ وامرأتينِ عنده، بل هذا مخصوصٌ بالمال. (وشُرِطَ للكلِّ العدالةُ (٢)، ولفظُ الشَّهادة)، اعلم (٣) أنَّ العدالةَ شَرْطٌ عندنا لوجوبِ القَبُولِ لا لصحَّةِ القَبُول، فغيرُ العدلِ لا يَجِبُ على القاضي أن يقبلَ شهادتَهُ، أمَّا إن قَبِلَ، وحكمَ به صحَّ حُكْمُه. (فلم يُقْبَلْ إن قال: أعلم، أو أتيقنّ، ولا يسألُ قاضٍ عن شاهدٍ بلا طعنِ الخصمِ): أي لا يسألُ القاضي ولا يتفحَّصُ أنَّ الشَّاهدَ عدلٌ أو غيرُ عدلٍ إذا لم يطعنِ الخصمُ فيه (إلاَّ في حدٍّ وقَوَد، وقالا: يسألُ في الكلِّ سِرّاً وعلانيةً، وبه يُفْتَى في زماننا، ويكفي سِراً)، فإنَّهُ قد قيل: تزكيةُ العلانيةِ بلاءٌ وفتنةٌ، فإنّ المزكِّيَ إن أعلنَ بمساوئِ الشَّاهدِ يُهَيِّجُ بينهما عداوةً وبغضاءً، وربُّما يمنعُهُ الخوفُ أو الحياء أو غيرهما عن أن يقولَ في الشَّاهدِ ما هو حقّ.

стр. 819

وكفى للتَّزكية: هو عدلٌ في الأصحّ، ولا يصحُّ تعديلُ الخصمِ؛ بقوله: هو عدلٌ أخطأَ أو نسيَ، فإن قال: عَدْلٌ صَدَق، ويَثْبُتُ الحقّ. وكَفَى واحدٌ للتَّزكية وترجمةِ الشَّاهدِ والرِّسالةِ إلى المُزَكِّي، والاثنان أحوط. [فصل في بيان أنواع ما يتحمله الشاهد] ولِمَن سمعَ بيعاً، أو إقراراً، أو حكم قاض، أو رأى غصباً، أو قتلاً أن يشهدَ به (وكفى للتَّزكية: هو عدلٌ في الأصحّ)، فإنَّهُ قد قيل: لا بُدَّ أن يقولَ: هو عدلٌ جائزُ الشَّهادة، لكنَّ الأصحَّ هو الأَوَّل؛ لأنَّ الحريّةَ تَثْبُتُ بدارِ الإسلام، فإذا قال: هو عدل، يكونُ جائزُ الشَّهادة، (ولا يصحُّ (١) تعديلُ الخصمِ (٢)؛ بقوله: هو عدلٌ أخطأَ أو نسيَ (٣)، فإن قال: عَدْلٌ صَدَق، ويَثْبُتُ الحقّ (٤). وكَفَى واحدٌ للتَّزكية وترجمةِ الشَّاهدِ والرِّسالةِ إلى المُزَكِّي، والاثنان أحوط) (٥)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁، وأمَّا عند محمَّدٍ ﵁ يَجِبُ الاثنان، وهذا في تزكيةِ السِّرّ، أمَّا في تزكيةِ العلانية، فقد قال الخَصَّافُ ﵁: يَجِبُ الاثنانِ إجماعاً؛ لأنَّها في معنى الشَّهادة، حتَّى لا يصحَّ تزكيةُ العلانيةِ من العبد، ولا بُدَّ أن يكونَ المزكِّي عدلاً، فلا تُقْبَلُ تزكيةُ الفاسقِ ومستورِ الحال. [فصل في بيان أنواع ما يتحمله الشاهد] (ولِمَن سمعَ بيعاً، أو إقراراً، أو حكم قاض، أو رأى غصباً، أو قتلاً أن يشهدَ به،

стр. 820

وإن لم يُشَهَّدْ عليه، ويقولُ: أشهدُ لا أشهدني، ولا يَشْهَدُ على الشَّهادةِ ما لم يُشَهِّدْ عليها، فلا يَشْهَدُ عليها مَن سَمِعَ شهادةَ شاهدٍ، أو الإشهادَ على الشَّهادة، ولا يَشْهَدُ مَن رأى خَطَّه، ولم يَذْكُرْ شهادتَه، ولا بالتَّسامعِ بلا عيانٍ إلاَّ في النَّسب، والموت، والنِّكاح، والدُّخول، وولاية القضاء القاضي، وأصلِ الوقفِ إذا أخبرَه به عدلان أو رجلٌ وامرأتان وإن لم يُشَهَّدْ عليه): فقولُهُ: أن يشهدَ به مبتدأٌ، ولِمَن سمعَ خَبَرُهُ مقدَّماً عليه، وسماعُ البيعِ أنَّهُ قد سَمِعَ قولَ البائعُ: بعت، وقول المشتري: اشتريت، (ويقولُ: أشهدُ لا أشهدني): أي في صورة: لم يشهد المشهودُ عليه. (ولا يَشْهَدُ على الشَّهادةِ ما لم يُشَهِّدْ عليها، فلا يَشْهَدُ عليها مَن سَمِعَ شهادةَ شاهدٍ، أو الإشهادَ على الشَّهادة): أي سَمِعَ رجلٌ أداءَ الشَّهادةِ عند القاضي لا يَسَعُ له أن يَشهدَ على شهادتِه، وكذا إن سَمِعَ إشهاد الشَّاهدِ رجلاً آخرَ على شهادتِهِ لا يَسَعُ له أن يَشهدَ على شهادتِه؛ لأنَّه ما حمَّلَهُ، وإنِّما حمَّل غيرَه. (ولا يَشْهَدُ مَن رأى خَطَّه، ولم يَذْكُرْ شهادتَه) (١)، هذا عند أبي حنيفة ﵁؛ لأنَّ الخطَّ يُشْبِهُ الخطَّ، وعندهما: يحلّ إذا عَلِمَ أن هذا خطُّه؛ لأنَّ التَّغييرَ فيه نادرٌ. وقيل: ما ذُكِرَ أنَّه لا يَشْهَدُ لا خلافَ فيه، وإنِّما الخلافُ فيما إذا وَجَدَ القاضي شهادتَهُ في ديوانِه؛ لأنَّ ما يكونُ تحت ختمِهِ يؤمنُ عليه التَّغييرُ بخلافِ الصَّكِّ فإنَّه في يدِ الخصم. (ولا بالتَّسامعِ بلا عيانٍ إلاَّ في النَّسب، والموت، والنِّكاح، والدُّخول، وولاية القضاء (٢) القاضي، وأصلِ الوقفِ إذا أخبرَه به عدلان أو رجلٌ وامرأتان): أي إذا كانوا عدولاً، والمرادُ بأصلِ الوقفِ أن هذه الضيعةَ وَقْفٌ على كذا، فبيانُ المصرفِ داخلٌ في أصلِ الوقف، وأمَّا الشُّروطُ فلا يحلُّ فيها الشَّهادة بالتَّسامع.

стр. 821

ويشهد رأى جالسٌ مجلسَ القضاء يَدْخُلُ عليه الخصومُ أنه قاض، ورجل وامرأة يسكنان بيتاً، وبينهما انبساطُ الأزواج أنَّها عرسُهُ، وشيءٌ سوى الرَّقيقِ في يدِ متصرِّفٍ كالملاكِ أنَّه له، فإن فسَّرَ للقاضي شهادتَهُ بالتَّسامع، أو بحكمِ اليدِ بطلت ومَن شَهِدَ أنَّهُ شَهِدَ دَفْنَ زيد، أو صلَّى عليه، قُبِلَتْ، وإن فسَّرَ وهو عيان (ويشهد رأى جالسٌ مجلسَ القضاء يَدْخُلُ عليه الخصومُ أنه قاض، ورجل وامرأة يسكنان بيتاً، وبينهما انبساطُ الأزواج أنَّها عرسُهُ، وشيءٌ سوى الرَّقيقِ في يدِ متصرِّفٍ كالملاكِ أنَّه له) (١). فقوله: ورجلٌ وامرأةٌ عطفٌ على قولِهِ جالس. وقوله: أنَّها عرسُهُ عطفٌ على قولِهِ أنَّه قاض، فهذا من بابِ العطفِ على معمولي عاملين مختلفين، والمجرورُ مقدَّم، فإنَّ جالسَ معمولُ رأى، وإنَّه قاضٍ معمولُ يَشْهَد. وإنِّما قال سوى الرَّقيق؛ لأنَّ الآدمي له يدٌ على نفسِهِ فيدفعُ يدَ الغيرِ عن نفسِه، والمرادُ إنسانٌ يُعَبِّرُ عن نفسِهِ حتَّى لو لم يُعَبِّرْ عن نفسِهِ كالصَّغير والصَّغيرة، فإنَّهما لا يدَ لهما فيعتبرُ يدُ الغير. (فإن فسَّرَ للقاضي شهادتَهُ بالتَّسامع، أو بحكمِ اليدِ بطلت) (٢)، أقول: هذا يؤكِّدُ قولَ أبي يوسفَ ﵁: أن بمجرَّدِ اليدِ لا تَحِلُّ الشَّهادة، بل يُشْتَرَطُ أن يقع في قلبِهِ أنَّه ملكُه، فإنَّه قد قيل: إنَّ قولَ أبي يوسفَ ﵁ تفسيرُ لإطلاقِ قول محمد ﵁ في روايةٍ؛ وذلك لأنَّ مجرَّدَ اليدِ لو كان سبباً لَمَا أبطلَ إظهارَ السبب الشَّهادة، فإذا بيَّن أنَّه يشهدُ بمجردِّ اليدِ بطلتْ شهادتُه. (ومَن شَهِدَ أنَّهُ شَهِدَ دَفْنَ زيد، أو صلَّى عليه، قُبِلَتْ، (وإن فسَّرَ) (٣) وهو عيان)؛ لأنّ معاينةَ الموتِ لا يكونُ إلاَّ من واحد، أو اثنين، فحضورُ الدَّفن، أو الصَّلاةِ بمَنْزلةِ المعاينة، ولا يجري في مثل ذلك التَّلبيس عادة. (والله أعلم) (٤).

стр. 822

باب القبول وعدمه وتقبلُ الشهادةُ من أهل الأهواءِ إلا الخطابيّة باب القبول وعدمه (وتقبلُ الشهادةُ من أهل الأهواءِ إلا الخطابيّة (١))، أهل الأهواء: أهلُ القبلةِ (٢) الذين لا يكونُ معتقدُهم معتقدُ أهل السُنَّةِ، وهم الجبرية (٣)، والقدرية (٤)، والرَّوافض (٥)،

стр. 823

والذِّميُّ على مثلِه وإن خالفا ملَّة، وعلى المستأمن، والمستأمنُ على مثلِه إن كانا من دارٍ واحدة، وعدوٍ بسببِ الدَّين، ومَن اجتنبَ الكبائر، ولم يُصِرَّ على الصَّغائر، وغَلَبَ صوابُه والخوارج، والمعطِّلة (١)، والمُشَبِّهة، وكلٌّ منهم اثنا عشرَ فرقة، فصاروا اثنين وسبعين (٢). والبعضُ فرَّقوا بين الهوى الذي هو كُفْرٌ كالقولِ: بأنَّه تعالى جسم، والهوى الذي ليس بكفر، وعند الشَّافِعِيِّ (٣) ﵁ لا تقبل شهادتُهم لفسقِهم. قلنا: لا يقع في الاعتقاد الباطلِ إلا ديانة، والكذبُ عند الجميعِ حرام. وأمَّا الخطابيّة: فهم من غلاةِ الرَّوافضِ يعتقدونَ الشَّهادةَ لكلِّ مَن حلف عندهم. وقيل: يرونَ الشَّهادة لشيعتِهم واجبة. (والذِّميُّ على مثلِه وإن خالفا ملَّة، وعلى المستأمن، والمستأمنُ على مثلِه إن كانا من دارٍ واحدة)، شهادةُ الذِّمي تقبلُ عندنا، وعند مالك (٤) ﵁ والشافعي (٥) ﵁ لا تقبلُ، ثُمَّ عندنا إنِّما تُقبل على الذِّميّ والمستأمن، وإن خالفا ملَّةً كالنَّصارى والمجوس، فإن الكفرَ كلُّه ملَّةٌ واحدةً، ولا تقبلُ على المسلم، وشهادةُ المستأمنِ تقبلُ على المستأمنِ إن كانا من دارٍ واحدة، وإن كانا من دارينِ كالتُّركِ والرُّوم، فلا تقبل، ولا تقبلُ أيضاً على المسلمِ، ولا أيضاً على الذَّميّ. (وعدوٍ (٦) بسببِ الدَّين، ومَن اجتنبَ الكبائر، ولم يُصِرَّ على الصَّغائر، وغَلَبَ صوابُه)، اختلفوا في تفسيرِ الكبائر: قيل: هي سبع:

стр. 824

.................................................................................................................... الأشراكُ باللهِ تعالى. والفرارُ من الزَّحْف. وعقوقُ الوالدين. وقتلُ النَّفس بغير حق. وبُهْتُ المؤمن. والزِّنا. وشُرْبَ الخمر. وزادَ البعضُ: أكلُ مالِ اليتيمِ بغيرِ حقّ، وأكلُ الرِّبا، وقد وردَّ في الحديث: «اجتنبوا السبعَ الموبقات: الشِّركُ بالله، والسِّحر، وقتلُ النَّفْس التي حرَّم اللهُ إلاَّ بالحقّ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالَ اليتيم، والتَّولي يومَ الزَّحف، وقذفُ المحصَناتِ المؤمناتِ الغافلات» (١)، وقد قال ﷺ : «الكبائرُ: الإشراكُ باللهِ، وعقوقُ الوالدين، وقتلُ النَّفس، واليمينُ الغموس» (٢)، فالصَّحيحُ أن هذه الأحاديثَ ليست لبيانِ الحصر، فالكبيرةُ كلُّ ما سُمِّي فاحشةً كاللُّواطة، ونكاحِ منكوحةِ الأب، أو ثَبَتَ لها بِنَصٍّ قاطعٍ عقوبةٌ في الدُّنيا أو في الآخرة، وقال الإمامُ الحَلْوَانيُّ ﵁: ما كان شنيعاً بين المسلمين، وفيه هَتْكُ حرمةِ الله تعالى والدَّين، فهي كبيرة. ثُمَّ بعد الاجتنابِ عن الكبائرِ كلِّها لا بُدَّ من عدمِ الإصرارِ على الصَّغيرةِ، فإن الإصرارِ على الصَّغيرةِ كبيرة. وقوله: وغَلَبَ صوابُهُ: أي حسناتُهُ أغلبُ من سيئاتِه، فإن الإلمامَ بالصَّغيرة لا يُسْقِطُ العدالة. فقوله: ومَن اجتنبَ الكبائرَ إلى قولِهِ: وغَلَبَ صوابُهُ تفسيرُ العدلِ. أقولُ: ولا بُدَّ فيه (٣) من قيدٍ آخر، وهو أن يجتنبَ الأفعالَ الخسيسةَ الدَّالةِ على الدَّناءة: أي عدم المروءة: كالأكلِ في الطَّريق، والبولِ على الطَّريق.

стр. 825

والأقلفِ، والخَصيِّ، وولدِ الزِّنا، والعُمَّال، ولأخيهِ وعمِّهِ، ومَن حُرِّمَ رضاعاً أو مصاهرةً. لا من أعمى، ومملوك، ومحدودٍ في قذف وإن تاب، إلا مَن حُدَّ في كفرِهِ فأسلم. (والأقلفِ) (١) إلاَّ إذا تركَ الاختنان استخفافاً بالدَّين، (والخَصيِّ (٢)، وولدِ الزِّنا، والعُمَّال) … (٣)، وعند مالك (٤) ﵁ لا تقبل شهادة ولدِ الزِّنا على الزِّنا؛ لأنَّهُ يُحِبُّ أن يكونَ غيرُهُ كنفسِه. وأمَّا العمُّالُ: فإن نفسَ العملِ ليس بفسقٍ إلاَّ إذا كانوا أعواناً على الظُّلم، وقيل: العاملُ إذا كان وجيهاً ذا مروءة لا يجازفُ في كلامِه تُقْبَلُ شهادتُه، وإن كانَ فاسقاً، فقد رُوِي عن أبي يوسفَ ﵁: إن الفاسقَ إذا كان وَجيهاً لوجاهتِهِ لا يَقدمُ على الكذبِ تقبلُ شهادتِه. (ولأخيهِ وعمِّهِ، ومَن حُرِّمَ رضاعاً أو مصاهرةً (٥). لا من أعمى)، وفي روايةٍ عن أبي حنيفةَ ﵁ تقبلُ فيما يجرى فيه التَّسامعُ، وهو قولُ زُفَرَ ﵁، وعند أبي يوسفَ ﵁ والشَّافِعِيِّ (٦) ﵁ تقبلُ إذا كان بصيراً عند التَّحمُّل، وإن عمي بعد الأداءِ قبلَ القضاءِ فلا يقضي القاضي عند أبي حنيفةَ ﵁ ومحمَّدٍ ﵁ خلافاً لأبي يوسفَ ﵁، وقولُهُ أظهر (٧). (ومملوك، ومحدودٍ في قذف وإن تاب)، إنِّما قال هذا؛ لأنَّه تقبل عند الشَّافِعِي ﵁ (٨) إذا تابَ، (إلا مَن حُدَّ في كفرِهِ فأسلم.

стр. 826

وعدوٍ بسببِ الدُّنيا، ولا لأصلِه، وفرعِه، وزوجِه، وعرسِه، وسيِّدٍ لعبدِه، ومكاتَبِه، وشريكِه فيما يشتركانِه، ومخنَّثٍ يفعلُ الرّديء، ونائحة، ومغنيّة. ومدمنِ الشُّرب على اللهو وعدوٍ بسببِ الدُّنيا، ولا لأصلِه، وفرعِه، وزوجِه، وعرسِه): في العدو لا تقبلُ شهادتُه على مَن يعاديه، وتقبلُ له، وفي الأصلِ إلى آخرِهِ على العكس، وفي الزَّوجِ والعرسِ خلافُ الشَّافِعِيِّ ﵁ (١). (وسيِّدٍ لعبدِه، ومكاتَبِه، وشريكِه فيما يشتركانِه)، إنِّما قال هذا؛ لأنَّه تقبلُ للشَّريكِ في غيرِ مالِ الشِّرْكة، وكذا لا تقبلُ شهادةُ الأجيرِ، وقيل: يرادُ به التِّلميذُ الخاصُّ الذي يَعُدُّ ضررَ أستاذِهِ ضررَ نفسِه، ونفعَهُ نفَعَ نفسِه. وقيل: يرادُ به الأجيرُ مسانهة (٢)، أو مشاهرة. (ومخنَّثٍ (٣) يفعلُ الرّديء): فإنَّه إذا لم يفعلْ الرَّديء تقبلُ شهادتُه، فإن عدمَ القدرةِ على الجماع، أو لينِ الكلام، وتكسُّرِ الأعضاءِ غيرِ مانعٍ للقَبول، (ونائحة (٤)، ومغنيّة. ومدمنِ الشُّرب على اللهو) (٥): أي شُرْبُ الأشربةِ المحرمة، فإنَّ الأشربةَ التي لا تحرم إدمانُها لا يسقطُ الشَّهادة ما لم تسكر، بل إدمانُ السُّكرِ يسقطُ الشَّهادة، وقد ذكرَ أنَّ المرادَ (من الإدمان) (٦) الإدمانُ في النِيَّةِ (٧): وهو أن يَشْرَبَ، ويكونُ في عزمِه أن يشربَ كلمَّا وَجَدَ، قال الإمامُ السَّرَخْسِيُّ ﵁: شُرِطَ مع ذلك أن يُظْهِرَ ذلك للنَّاس، أو يخرجَ سكرانُ فيسخرُ منه الصِّبيان (٨)، حتَّى إن شربَ الخمرَ في السِّرِّ لا يُسْقِطُ عدالتَه، وقد ذكرَ

стр. 827

ومَن يَلْعَبُ بالطُّيور، أو الطَّنبور، أو يُغَني للنَّاس، أو يَرْتَكِبُ ما يُحَدُّ به، أو يدخلُ الحمامَ بلا إزارٍ، أو يأكلَ الرِّبا، أو يُقامِرَ بالنَّرْد، أو الشَّطَرَنج، أو تفوتَهُ الصَّلاةُ بهما، أو يبولُ على الطَّريق، أو يأكلَ فيه، أو يظهرَ سبَّ السَّلف في «الحواشي» (١): إنَّ هذا في غيرِ الخمرِ، أمَّا في الخمرِ فلا يحتاجُ إلى قيدِ اللَّهْو. أقولُ: لا بُدَّ في الخمرِ من قيدِ (٢) الشُّرْبِ بطريق اللَّهُو أيضاً، فإن شربَها للتَّداوي بأن قال له الأطباء: لا علاجَ لمرضِك إلا الخمر، فحرمتُها مختلفٌ فيها، فلا تسقطُ الشَّهادةُ. (ومَن يَلْعَبُ بالطُّيور، أو الطَّنبور (٣)، أو يُغَني للنَّاس): إنِّما قال للنَّاس: لأنَّ مَن يُغَنِي لدفعِ الوحشةِ عن نفسِهِ لا يُسقطُ العدالة، (أو يَرْتَكِبُ ما يُحَدُّ به، أو يدخلُ الحمامَ بلا إزارٍ، أو يأكلَ الرِّبا): شرطَ في «المبسوطِ» أن يكونَ مشهوراً بأكلِ الرِّبا؛ لأنَّ الإنسانَ قَلَّما يَنْجو عن البيوعِ الفاسدة، وكلُّ ذلك ربا. (أو يُقامِرَ بالنَّرْد (٤)، أو الشَّطَرَنج، أو تفوتَهُ الصَّلاةُ بهما)، قال في «الهداية»: أو يقامرَ بالنَّرد، أو الشَّطرنج. ثم قال: أمَّا مجرَّدُ اللَّعبِ بالشَّطرنج فليس بفسق (مانع من قبولِ الشَّهادة) (٥)؛ لأنَّ للاجتهادِ فيه مساغاً (٦). فُهِمَ من هذا أن في النَّردِ لا يشترطُ المقامرة، أو فوتَ الصلاةِ، فقيدُ المقامرةِ (وفوت الصَّلاة) (٧) في النَّرد وَقَعَ اتفاقاً، وفي «الذَّخيرة»: مَن يلعب بالنَّرد، فهو مردودُ الشَّهادةِ على كلِّ حال. (أو يبولُ على الطَّريق، أو يأكلَ فيه، أو يظهرَ سبَّ السَّلف) (٨): أي الصَّحابة،

стр. 828

ولو شَهِدَ ابنانِ أن الأبَ أوصى إلى زيد، وهو يدعيه صحَّت، وإن أنكرَ لا كشهادةِ دائني الميِّت، ومديونيه، والموصى لهما، ووصيُّه على الإيصاء، وإن شهدا أنّ أباهما الغائبَ وَكَّلَهُ بقبضِ دينِه، وادَّعى الوكيل، أو جَحَدَ ردَّت، كالشَّهادةِ على جرحٍ مجرَّد، وهو ما يُفسَّقُ الشاهدَ ولم يوجب حقَّاً للشَّرع أو العبد، مثل: هو فاسق، أو آكلُ الرِّبا، أو أنّه استأجرَهم والعلماءِ المجتهدين الماضين رضوان الله عليهم أجمعين. (ولو شَهِدَ ابنانِ أن الأبَ أوصى إلى زيد، وهو يدعيه صحَّت، وإن أنكرَ لا): أي شهدا أن الأبَ جعلَ زيداً وصيَّاً في التَّركة، وهو يدعي أنَّه وَصَيٌّ صحَّتْ شهادتُهما، وإنِّما قال: وهو يدَّعيه؛ لأنَّه لو أنكرَ لا تقبلُ الشهادة، (كشهادةِ دائني الميِّت، ومديونيه، والموصى لهما، ووصيُّه على الإيصاء) (١): أي صحَّ شهادةُ هؤلاء إذا ادَّعى زيدٌ أنَّه وصيّ. (وإن شهدا أنّ أباهما الغائبَ وَكَّلَهُ بقبضِ دينِه، وادَّعى الوكيل، أو جَحَدَ ردَّت)؛ لأنَّ القاضي لا يَمْلِكُ نصبَ الوكيلِ عن الغائب، فلو ثَبَتَ الوكالة (٢)، يَثَبَتَ بشهادتِهما، فلا يمكن ثبوتُها بها لمكان التُّهمةِ بخلافِ الإيصاء؛ لأنَّ الوصيَّ إذا ادَّعى يكونُ قبولُ الشهادةِ كتعيينِ الوصيِّ، والقاضي يَمْلكُ ذلك. (كالشَّهادةِ على جرحٍ مجرَّد، وهو ما يُفسَّقُ الشاهدَ ولم يوجب حقَّاً للشَّرع أو العبد، مثل: هو فاسق، أو آكلُ الرِّبا، أو أنّه استأجرَهم): صورةُ المسألة: (ن المدَّعي) (٣) إذا أقام البيِّنةَ على العدالة، فأقامَ الخصمُ البيِّنةَ على الجرحِ إن كان الجرحُ جرحاً مجرَّداً لا يعتبرُ بيِّنةُ الجرح، وإنِّما قلتُ: إن صورةَ المسألةِ هذه؛ لأنَّه لو لم يقمْ البيِّنةَ على العدالة، فأخبرَ مخبران أن الشُّهودَ فسَّاق، أو آكلوا الرِّبا، فإن الحكمَ لا يجوزُ قبل ثبوتِ العدالةِ لا سيما إذا أخبرَ مخبران أن الشَّهودَ فسَّاق.

стр. 829

وتقبل على إقرارِ المدَّعي بفسقِهم أو على أنَّهم عبيد، أو محدودونَ في قذف، أو شاربو خمر، أو قَذَفَة، أو شركاء المدَّعي، أو أنَّه أستأجرهم بكذا لها، وأعطاهم ذلك ممَّا كان لي عنده، أو إنِّي صالحتُهم على كذا، ودفعتُهُ إليهم على أن لا يشهدوا عليَّ وشهدوا، ولو شَهِدَ عدلٌ ولم يبرحْ مكانه حتَّى قال: أوهمت بعضَ شهادتي قُبِل (وتقبل على إقرارِ المدَّعي بفسقِهم)؛ لأنَّ الإقرارَ ممَّا يدخلُ تحت الحكم، (أو على أنَّهم عبيد، أو محدودونَ في قذف، أو شاربو خمر، أو قَذَفَة، أو شركاء المدَّعي، أو أنَّه أستأجرهم بكذا لها، وأعطاهم ذلك ممَّا كان لي عنده، أو إنِّي صالحتُهم على كذا، ودفعتُهُ إليهم على أن لا يشهدوا عليَّ وشهدوا): أي على أن لا يشهدوا عليَّ شهادةَ الزُّور، ومع ذلك شهدوا شهادةَ الزُّور، فيجبُ عليهم أداء ما أعطيتُهم، فإنّ في هذه الصُّورِ يوجبُ الجرحُ حقَّاً للشَّرعِ أو العبدِ على الشَّهود، فيدخلُ تحت حكمِ القاضي فيقبل. (ولو شَهِدَ عدلٌ ولم يبرحْ مكانه (١) حتَّى قال: أوهمت بعضَ شهادتي قُبِل): أي أخطأتُ بنسيانِ ما يَجِبُ ذِكْرُهُ كما إذا ادَّعى المدَّعي عشرةَ دراهم، فشهدَ على الخمسة، ثُمَّ قال: نسيتُ البعضَ، بل الواجبُ عشرةَ، أو قال: أخطأتُ بزيادةٍ باطلة، كما إذا ادَّعى المدَّعي خمسةَ دراهم، فشهدَ على عشرة ثُمَّ قال: أخطأت، وقلتُ: العشرةُ مقامَ الخمسة، فإن كان في المجلسِ قبلتْ الشهادةُ. قوله: أخطأت؛ في المجلسِ يقبلُ من العدل، وإن كان الموضعُ موضعَ شبهة، لأنَّ المدَّعي إذا ادَّعى الخمسةَ لا تقبلُ الشَّهادةُ على العشرة، لأنَّ المدَّعي يصيرُ مكذِّباً للشَّاهد، وفي غيرِ هذا المجلسِ إن كان الموضعُ (٢) موضعَ شبهةٍ لا يُقْبَلْ؛ لأنَّه يوهمُ التَّلبيسَ من المدَّعي، وإن لم يكنْ الموضعُ موضعَ شُبْهة كما إذا لم يَذْكُرْ لفظةَ الشَّهادة، ثُمَّ يزيدُ في مجلسٍ آخرَ لفظَة الشَّهادة، تقبلُ من العدلِ مع أن المجلسَ مختلف.

стр. 830

[باب الاختلاف في الشهادة] وشرطُ موافقة الشَّهادة للدعوى كاتّفاق الشاهدينِ لفظاً ومعنىً عند أبي حنيفة ﵁، فتردُّ إن شَهِدَ أحدُهما بألفٍ، والآخرُ بألفين، أو بمئة ومئتين، أو طلقةً وطلقتين أو ثلاث [باب الاختلاف في الشهادة] (وشرطُ موافقة الشَّهادة للدعوى (١) كاتّفاق الشاهدينِ لفظاً (٢) ومعنىً عند أبي حنيفة ﵁)، فإنّ عندهما لا يشترط اتفاقهما لفظاً ومعنىً، بل يكفي اتفاقهما معنىً، (فتردُّ إن شَهِدَ أحدُهما بألفٍ، والآخرُ بألفين، أو بمئة ومئتين، أو طلقةً وطلقتين أو ثلاث): أي شَهِدَ أحدُهما بمئةٍ والآخرُ بمئتين، أو شَهِدَ أحدُهما بطلقةٍ

стр. 831

وقبلتْ على ألفٍ في بألف وألفٍ ومئة إن ادَّعى المدَّعي الأكثر، كطلقةٍ وطلقةٍ ونصف، ومئةٍ ومئةٍ وعشرة، ولو شَهِدا بألف، أو بقرضِ ألف وزادَ أحدُهما قَضَى كذا، قُبِلَتْ بألف، وبقرضِ ألف، ورُدَّ قولُهُ قضى كذا إلاَّ إذا شَهِدَ معه آخر، ولا يَشْهَدُ مَن علمَهُ حتَّى يُقِرَّ المدَّعي عند النَّاس بما قَبَض والآخرُ بطلقتينِ أو ثلاث، فإنَّها تُرَدُّ عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما تُقْبَلُ على الأقلِّ إذا ادَّعى المدَّعي الأكثر، حتَّى إذا ادَّعى الأقلَّ يكونُ المدَّعي مكذِّباً لشَّاهدِ الأكثر، فلا تقبل. (وقبلتْ على ألفٍ في بألف وألفٍ ومئة): أي في شهادةِ أحدهما بألفٍ والآخرُ بألف ومئة، (إن ادَّعى المدَّعي الأكثر)، حتى إذا ادّعى الأقلَّ بأن قالَ لم يكنْ إلا الألف، أو سكتَ عن دعوى المئة الزَّائدةِ لم تقبلْ شهادةُ مثبتِ الزِّيادة، وأمَّا إن قال: كان أصلُ حقي ألفاً ومئة، لكني استوفيتُ المئة أو أبرأتُهُ عنها قُبِلَتْ شهادتُهُ للتَّوفيق. (كطلقةٍ وطلقةٍ ونصف، ومئةٍ ومئةٍ وعشرة): أي كشهادة أحدهما بطلقةٍ والآخرِ بطلقةٍ ونصف، وشهادةِ أحدِهما بمئةٍ والآخرِ بمئة وعشرة، فإنّ الشَّهادةَ مقبولةٌ اتّفاقاً للاتّفاقِ على الألفِ، وعلى الطلقه وعلى المئة، ولا شكَّ أنّ قولَهما أظهر (١)، وفرقُ أبي حنيفةَ ﵁ ضعيف، وهو أنَّهما متَّفقانِ على الألفِ في شهادةِ أحدِهما بألف والآخرُ بألفٍ ومئة، غيرُ متَّفقينِ (٢) في شهادةِ أحدهما بألفٍ والآخر بألفين. (ولو شَهِدا بألف، أو بقرضِ ألف وزادَ أحدُهما قَضَى كذا، قُبِلَتْ بألف، وبقرضِ ألف، ورُدَّ قولُهُ قضى كذا)؛ لأنَّ شهادةَ الفردِ غيرُ مقبولة، (إلاَّ إذا شَهِدَ معه آخر، ولا يَشْهَدُ مَن علمَهُ حتَّى يُقِرَّ المدَّعي (عند النَّاس) (٣) بما قَبَض): أي يَجِبُ

стр. 832

ولو شهدا بقتل زيدٍ يوم كذا بمكّة، وآخران بقتلِهِ فيه بكوفةَ ردَّتا، فإن قَضَى بأحدِهما، ثُمَّ قامت الأُخرى ردُّتْ هي، ولو شَهِدَا بسرقةِ بَقَرة، واختلفا في لونِها قُطِع، ولو اختلفا في الذُّكورة لا على الذي يعلمُ قضاءَ البعضِ أن لا يشهدَ حتَّى يُقِرَّ المدَّعي عند النَّاس بما قبضَ؛ لئلا يتضرَّرَ المدَّعي عليه. وذَكَرَ الطَّحَاوِيّ (١) عن أصحابِنا ﵁: أن شهادتَهُ لا تُقْبَل، وهو قولُ زُفَرَ ﵁؛ لأنَّ المدَّعي يكذِّبُ شاهدَ قضاءِ البعض. قلنا: الإكذاب في غيرِ المشهودِ به لا يمنعُ القبول (٢). (ولو شهدا بقتل زيدٍ يوم كذا بمكّة، وآخران بقتلِهِ فيه بكوفةَ ردَّتا): أي شَهِدَ (٣) بقتلِ زيدٍ في ذلك اليومِ بكوفةَ ردِّتْ البيِّنات؛ لأنَّ أحدَهما كاذبةٌ بيقين، وليست إحداهما أولى من الأخرى، (فإن قَضَى بأحدِهما، ثُمَّ قامت الأُخرى ردُّتْ هي)؛ لأنَّ الأُولَى ترجَّحت باتصالِ القضاءِ بها، فلا ينتقضُ بالثَّانية. (ولو شَهِدَا بسرقةِ بَقَرة، واختلفا في لونِها قُطِع، ولو اختلفا في الذُّكورة لا)، وعندهما: لا يقطعُ في الوجهينِ، وقيل: الاختلافُ في لونينِ متشابهين كالسَّوادِ، والحمرةِ لا في السَّوادِ والبياضِ. وقيل: في جميعِ الألوان (٤)، له: أن السَّرقةَ قد (٥) يقع في اللَّيالي، والرَّائي يراهُ من بعيد، فاللونان يتشابهان، والأظهرُ قولُهما (٦).

стр. 833

ولو شَهِدَ بشراءِ عبد، أو كتابتِهِ بألف، والآخرُ بألف ومئة ردُّتْ شهادتُهما، وكذا عتقٌ بمال، وصلحٌ عن قَوَد، ورهن، وخلعٌ، إن ادَّعى العبد، والقاتل، والرَّاهن، والعرس، وإن ادَّعى الآخر، فهو كدعوى الدَّين في وجوهها (ولو شَهِدَ بشراءِ عبد، أو كتابتِهِ بألف، والآخرُ بألف ومئة ردُّتْ شهادتُهما) (١)، سواءٌ ادَّعى البائعُ أو المشتري؛ لأنَّ العقدَ يختلفُ باختلافِ الثَّمن، فيكونُ على كلِّ واحدٍ شهادةُ فردٍ فلا تُقْبَل، (وكذا عتقٌ بمال، وصلحٌ عن قَوَد، ورهن، وخلعٌ، إن ادَّعى العبد، والقاتل، والرَّاهن، والعرس)، فيه لفٌ ونشرٌ، فدعوى العبد يرجعُ إلى العتقِ بمالٍ، وهكذا على التَّرتيب، لأنَّ المقصودَ هنا هذا العقدُ وهو مختلفٌ. (وإن ادَّعى الآخر): أي المولى في العتقِ على المال، وولي المقتولِ في الصَّلح عن القَوَد، والمُرْتَهِنُ في الرَّهْن، والزَّوج في الخلع، (فهو كدعوى الدَّين في وجوهها): أي إن كان الشَّاهدان مختلفينِ لفظاً لا تقبل عند أبي حنيفةَ ﵁ وإن كانا متفقينِ معنىً، فإن ادَّعى المدَّعي الأقلَّ لا تُقْبَلُ شهادةُ الشَّاهدِ بالأكثر، وإن ادَّعى الأكثرَ تقبلُ على الأقلِّ. ولقائل أن يقول: ليس هذا كدعوى الدَّين؛ لأنَّ الدَّينَ يثبت بإقرارِ المديون، فيمكن أن يُقِرَّ عند أحدِ الشَّاهدين بألف، وعند الآخرِ بأكثر، ويمكنُ أيضاً أن يكونَ أصلُ الحقِّ هو الأكثرَ لكنَّه قَضَى الزَّائدَ على الألف، أو أبرأ عنه عند أحد الشاهدينِ دون الآخرِ، فالتَّوفيقُ بينهما ممكنٌ، أمَّا هاهنا فالمالُ يثبتُ بتبعيّةِ العقدِ، والعقدُ بالألفِ غيرُ العقدِ بالأكثر، فبقي على كلِّ واحدٍ شهادةُ فرد، فلا تقبل كما في الطَّرفِ الآخر (٢).

стр. 834

والإجارةُ كالبيعِ في أوَّلِ المدَّة، وكالدَّينِ بعدها، وصحَّ النِّكاحُ بألفٍ استحساناً، وقالا: ردَّتْ فيه أيضاً. [فصل في الشهادة على الإرث] ولَزِمَ الجرُّ لشاهدِ الإرثِ بقولِهِ ماتَ وتركَهُ ميراثاً له، أو ماتَ وذا في ملكِه، أو في يده (والإجارةُ كالبيعِ في أوَّلِ المدَّة، وكالدَّينِ بعدها)، إذ في أوَّلِ المدَّةِ المقصودُ هو العقد، فلا يقبلُ الشَّهادة، وبعد المدَّة يكونُ الدَّعوى من الأجير، وهو يدّعي الأجرةَ فيكونُ كدعوى الدَّين، فيقبَلُ كما تقبلُ في دعوى الدَّين (١). (وصحَّ النِّكاحُ بألفٍ استحساناً، وقالا: ردَّتْ فيه أيضاً)، هذا هو القياسُ؛ لأنَّ المقصودَ هو العقدُ من الجانبين، فصارَ كالبيعِ، وجه الاستحسانِ: أن المالَ في النِّكاحِ تَبَعٌ، ولا اختلافَ فيما هو الأصلُ، وهو العقدُ فيثبت، ثُمَّ وقعَ الاختلافُ في التَّبع فيقضى بالأقلّ، ويستوي دعوى أقلِّ المالين، أو أكثرهما في الصَّحيحِ (٢)، وقد قيل: إن الاختلافَ في دعوى الزَّوجة، وأمَّا في دعوى الزَّوج فلا تقبل اتّفاقاً؛ إذ المقصودُ هو العقدُ دون المال، وفي جانبِ الزَّوجةِ يمكنُ أن يكونَ المقصودُ هو المال، لكن الصَّحيحَ أن الاختلافَ في الفصلين. [فصل في الشهادة على الإرث] (ولَزِمَ الجرُّ لشاهدِ الإرثِ بقولِهِ ماتَ وتركَهُ ميراثاً له، أو ماتَ وذا في (٣) ملكِه، أو في يده): أي (٤) إذا قال الشُّهُود: كان هذا المورِّثُ هذا المدَّعي لا يُقْضَى

стр. 835

فإن قال: كان لأبيه إعارة، أو أودعَهُ أو آجاره مَن في يدِهِ جازَ بلا جرٍّ، ولو شهدا بيدِ حيٍّ منذ كذا ردُّت، وإن أقرَّ المدَّعي عليه بذلك، أو شهدا بأنَّه أقرَّ بيدِ المدَّعي صحَّ. [فصل في الشهادة على الشهادة] وتقبل الشَّهادةُ على الشَّهادةِ إلاَّ في حدٍّ وقَوَد، وشُرِطَ لها تعذُّرُ حضورِ الأصلِ للوارث حتَّى يجروا الميراثَ إلى المدَّعي بقولهم: ماتَ وتركَهُ ميراثاً له … إلى آخره (١)، خلافاً لأبي يوسفَ ﵁ فإنَّهُ لا يشترطُ عنده الجرّ. (فإن قال: كان لأبيه إعارة، أو أودعَهُ (أو آجاره) (٢) مَن في يدِهِ جازَ بلا جرٍّ)؛ لأنَّ يدَ المستعير، والمودع، والمستأجّر قائمةٌ مقامَ يدِه فلا حاجةَ إلى الجرّ (٣). (ولو شهدا بيدِ حيٍّ منذ كذا ردُّت): أي شهدا أنَّه كان في يدِ المدَّعي منذ شهر، والحالُ أنَّهُ ليس في يدِ المدَّعي عند الدَّعوى لا تقبل؛ لأنَّ اليدَ متنوعةٌ إلى يدِ ملكٍ ويدِ أمانةٍ، ويد (٤) ضمان، فتعذَّرَ القضاءُ بإعادةِ المجهول، وعند أبي يوسفَ ﵁ تقبل. (وإن أقرَّ المدَّعي عليه بذلك، أو شهدا بأنَّه أقرَّ بيدِ المدَّعي صحَّ) (٥)؛ لأن جهالةَ المقرِّ به لا تمنعُ صحَّةَ الإقرار. [فصل في الشهادة على الشهادة] (وتقبل الشَّهادةُ على الشَّهادةِ إلاَّ في حدٍّ وقَوَد، وشُرِطَ لها تعذُّرُ حضورِ الأصلِ

стр. 836

بموت، أو مرض، أو سفر، وشهادةُ عددٍ عن كلِّ أصلٍ لا تغايرُ فرعي هذا وذاك، ويقولُ الأصلُ: اشهدْ على شهادتي أنّي أشهد بكذا، والفرعُ [يقولُ: أشهدَ أن فلاناً أشهدني على شهادتِه بكذا، وقال: لي اشهدْ على شهادتي بذلك بموت، أو مرض، أو سفر): وعند أبي يوسفَ ﵁ يكفي مسافة إن غدا لا يبيتُ إلى أهلِه (١). (وشهادةُ عددٍ عن كلِّ أصلٍ لا تغايرُ فرعي هذا وذاك (٢))، خلافاً للشَّافِعِيِّ (٣) ﵁ إذ عنده لا بُدَّ من أربعةِ شهداء (٤)، يشهدُ اثنانِ عن هذا وآخران عن ذلك، وعندنا يكفي اثنان يشهدانِ عن هذا، ويشهدان عن ذلك. (ويقولُ الأصلُ: اشهدْ على شهادتي أنّي أشهد بكذا، والفرعُ يقولُ (٥): أشهدَ أن فلاناً أشهدني على شهادتِه بكذا، وقال: لي اشهدْ على شهادتي بذلك)، بعضُ المشايخ ﵃ طوَّلوا وقالوا: يقولُ الأصلُ: أشهدُ بكذا، وأنا أُشهدُكَ على شهادتي، فاشهدْ على شهادتي وفيه خمس شينات، ويقول الفرع أشهد أن فلاناً شهد عندي بكذا، فأشهدني على شهادتِهِ بكذا، وأمرني أن أشهدَ على شهادتِهِ بذلك (٦)، وأنا أشهد على شهادته بذلك، وفيه ثماني شينات، والأحسنُ الأقصر قول أبي جعفر ﵁ أن يقولَ الأصلُ: اشهدْ على شهادتي بكذا، أو يقولَ الفرعُ: أشهدُ على شهادةِ فلانٍ بكذا من غيرِ احتياجٍ إلى ذِكْرِ زيادة، وعليه فتوى (٧) الإمام السَّرَخْسِيِّ ﵁.

стр. 837

فإن عدَّلَ الفرعُ أصلَهُ صحَّ كأحدِ الشَّاهدينِ الآخر، وإن سكتَ عنه نظرَ في حالِه، وان أنكرَ الأصلُ شهادتَهُ بطلَ شهادةُ فرعِه، ولو شهدا عن اثنين على عزةَ بنتِ عزِّ المضري، وقالا: أخبرانا بمعرفتِها، وجاءَ المدَّعي بامرأة لم يدريا بأنَّها هي أم لا. قيل له: هات شاهدينِ أنّها عزَّة، وكذا الكتابُ الحكميّ، فإن قالا فيهما: المضرية لم يجز حتى ينسباها إلى فخذها (فإن عدَّلَ الفرعُ (١) أصلَهُ صحَّ كأحدِ الشَّاهدينِ الآخر، وإن سكتَ عنه نظرَ في حالِه): أي ينظر القاضي في حالِ الأصلِ، فإن ثبتَ عدالتُهُ تقبلُ شهادةُ فرعِهِ هذا عند أبي يوسف ﵁، وعند محمَّد ﵁: لا تقبلُ إذ لا شهادةَ إلاَّ بالعدالةِ، فإذا لم يَعْرِفِ الفرعُ عدالةَ الأصل، لم تقبلْ شهادتُهُ فلا يقبل شهادةُ الفرع، قلنا: لا يشترطُ معرفةُ الفرعِ عدالةَ الأصل، بل يشترطُ أن يثبتَ ذلك عند القاضي، فإن ثبتَ عنده يقبلُهُ وإلاَّ لا. (وان أنكرَ الأصلُ شهادتَهُ بطلَ شهادةُ فرعِه، ولو شهدا عن اثنين على عزةَ بنتِ عزِّ المضري، وقالا: أخبرانا بمعرفتِها، وجاءَ المدَّعي بامرأة لم يدريا بأنَّها هي أم لا. قيل له (٢): هات شاهدينِ أنّها عزَّة)، اعلم أن الغرضَ من هذه المسألةِ أنَّه لا يشترطُ أن يعرفَ الفرعُ المشهودَ عليه، بل يقال للمدَّعي: هاتِ شاهدين يشهدان أن الذي أحضرتَهُ هو المشهودُ عليه، وليس الغرضُ أنَّه إذا شهدا على فلانةِ بنتِ فلانٍ المضري يكونُ النسبةُ تامّة، ويكونُ الشَّهادةُ مقبولة؛ لأنَّهُ إذا لم يذكرِ الجدَّ فلا بُدَّ أن ينسبَ إلى السِّكّةِ الصَّغيرةِ، أو إلى الفَخِذِ: أي القبيلةِ الخاصّةِ ليتمَّ النسبةُ، ويقبلُ الشَّهادةُ عند أبي حنيفةَ ﵁ ومحمَّد ﵁ خلافاً لأبي يوسف ﵁، فإنَّ ذِكْرَ الجدِّ لا يشترطُ عنده، فلا يشترطُ ما يقومُ مقامَه من ذِكْرِ السِّكَّةِ أو الفخذ. (وكذا الكتابُ الحكميّ): أي إذا جاء كتابُ القاضي إلى القاضي، ولا يعرف الشُّهود المشهودَ عليه، قيل للمدَّعي: هات شاهدين أن هذا هو المشهودُ عليه. (فإن قالا فيهما: المضرية لم يجز حتى ينسباها إلى فخذها): أي قالا في الشهادة

стр. 838

[فصل في شهادة الزور] ومَن أقرَّ أنَّ هشَهِدَ زوراً شُهِّرَ ولم يعزَّرْ. فصل [الرجوع في الشهادة] لا رجوعَ عنها إلاَّ عند قاضٍ، فإن رَجَعا عنها قبل الحكمِ بها سَقَطَتْ، ولم على الشهادة والكتاب الحكمي: المضرية، لم يجز (حتى ينسباها إلى فخذها) (١)؛ لأنَّ هذه النسبةَ عامّة (٢)، ثُمَّ اعلم أن هذا في العرب، أمَّا في العجمِ فلا يشترطُ ذِكْرُ الفخذ؛ لأنَّهم ضيَّعوا أنسابَهم، بل ذِكْرُ الصِّناعةِ يقومُ مُقَامَ ذِكْرِ الجدِّ. [فصل في شهادة الزور] (ومَن أقرَّ أنَّهشَهِدَ زوراً شُهِّرَ ولم يعزَّرْ)، فإن شريحاً (٣) كان يُشَهِّرُ ولا يعزِّر، فيبعثُهُ إلى سوقِهِ إن كان سوقياً، وإلى قومِهِ إن لم يكن سوقياً عند اجتماعِهِم، فيقول: إنا أخذناه شاهدَ زورٍ فاحذروه، وحذِّروه النَّاسَ، وقالا: يوجعُهُ ضرباً ويحبسُه، وهو قولُ الشَّافِعِيّ (٤) ﵁، فإن عمرَ ﵁ ضَرَبَ شاهدَ الزُّورَ أربعينَ سوطاً، وسَخَّمَ وَجْهَه، قد قيل: إنَّما وضعُ المسألةِ في الإقرار؛ لأنَّ شهادةَ الزُّورِ لا يعلمُ إلاَّ بالإقرارِ؛ ولا يعلمُ بالبيِّنة. أقولُ: قد يعلَمُ بدون الإقرارِ كما إذا شَهِدَ بموت زيد، أو بأن فلاناً قتلَه، ثُمَّ ظَهَرَ زيدٌ حيّاً، وكذا إذا شَهِدَ برؤيةِ الهلالِ فمضى ثلاثونَ يوماً، وليس في السَّماءِ علَّةٌ، ولم يُرَ الهلالُ، ومثل هذا كثير. فصل [الرجوع في الشهادة] (لا رجوعَ عنها إلاَّ عند قاضٍ، فإن رَجَعا عنها قبل الحكمِ بها سَقَطَتْ، ولم

стр. 839

يَضْمَنا، وبعدَهُ لم يفسخْ، وضمَنا ما أتلفاه بها إذا قَبَضَ مدَّعاه ديناً كان أو عيناً، فإن رَجَعَ أحدُهما ضَمِنَ نصفاً، والعبرةُ للباقي لا للرَّاجع، فإن رَجَعَ أحدُ ثلاثةٍ شَهِدوا لم يضمن، وإن رجعَ آخر ضمنا نصفاً، وإن رجعتْ امرأةٌ من رجلٍ وامرأتينِ ضمنتْ ربعاً، وإن رجعَتا ضمنتا نصفاً. وإن رجعَتْ ثمانٍ من رجلٍ وعشرِ نسوة، فلا غُرْم، وإن رجعتْ أخرى ضمنتْ التِّسعُ ربعاً، وإنْ رجعَ الكُلُّ فعلى الرَّجلِ سدسٌ عند أبي حنيفةَ ﵁ ونصفٌ عندهما، وما بَقِيَ عليهنَّ على القولين، وإن رجعنَ فقط فنصفُ إجماعاً يَضْمَنا، وبعدَهُ لم يفسخْ): أي إذا رَجَعا عن الشَّهادة بعد حُكْمِ القاضي لم يُفْسَخِ الحكم، (وضمَنا ما أتلفاه بها إذا قَبَضَ مدَّعاه ديناً كان أو عيناً)، حتَّى إذا قضى القاضي، ولم يَقْبِضِ المدَّعي مدَّعاهُ لا يجبُ الضَّمان، بل يتوقَّفُ الضَّمانُ على القبض، فلمَّا قَبَضَ يضمنُ الشُّهود، وعند الشَّافِعِيّ (١) ﵁ لا ضمانَ على الشُّهودِ إذا رجعوا؛ إذ لا اعتبارَ للتسبيب عند وجودِ المباشرة، وهو حكمُ القاضي، قلنا: إذا تعذَّرَ تضمينُ المباشر، وهو القاضي؛ لأنَّهُ ملجأٌ في القضاء، يعتبرُ التَّسبيب. (فإن رَجَعَ أحدُهما ضَمِنَ نصفاً، والعبرةُ للباقي لا للرَّاجع، فإن رَجَعَ أحدُ ثلاثةٍ شَهِدوا لم يضمن)؛ لبقاءِ نصابِ الشَّهادة، (وإن رجعَ آخر ضمنا نصفاً)؛ لأنَّ نصفَ نصابِ الشَّهادةِ باقٍ. (وإن رجعتْ امرأةٌ من رجلٍ وامرأتينِ ضمنتْ ربعاً، وإن رجعَتا ضمنتا نصفاً. وإن رجعَتْ ثمانٍ من رجلٍ وعشرِ نسوة، فلا غُرْم، وإن رجعتْ أخرى ضمنتْ التِّسعُ ربعاً)؛ لبقاءِ ثلاثةِ أرباع النِّصاب، (وإنْ رجعَ الكُلُّ فعلى الرَّجلِ سدسٌ عند أبي حنيفةَ ﵁ ونصفٌ عندهما، وما بَقِيَ عليهنَّ على القولين)، لهما: أنَّ الرَّجلَ الواحدَ نصفُ النِّصاب، والنساء وإن كثرنَ يَقُمْنَ مقامَ رجلٍ واحدٍ، ولأبي حنيفةَ ﵁ أن كلَّ امرأتينِ مع الرَّجلِ تقوم مقامَ رجلٍ واحد (٢)، (وإن رجعنَ فقط فنصفُ إجماعاً)؛ لبقاء نصفِ النِّصاب، وهو الرَّجل.

стр. 840

وغرمَ رجلانِ شهدا مع امرأة، ثُمَّ رجعوا لا هي، ولا يضمنُ راجعٌ في نكاحٍ بمهرٍ مسمَّى شهدا عليها، أو عليه إلاَّ بما زادَ على مهرِ مثلِها، وفي بيعٍ إلا ما نقص عن قيمةِ مبيعِه (وغرمَ رجلانِ شهدا مع امرأة، ثُمَّ رجعوا لا هي)؛ لأنَّه لم يثبتْ بشهادةِ المرأةِ الواحدةِ شيء. (ولا يضمنُ راجعٌ في نكاحٍ بمهرٍ مسمَّى شهدا عليها، أو عليه إلاَّ بما زادَ على مهرِ مثلِها): أي إن شهدا بالنِّكاحِ بمهرِ مسمَّى مساوٍ لمهرِ المثل، ثُمَّ رجعا، فلا ضمانَ سواءٌ شهدا على المرأة، أو على الرَّجل؛ لأنَّهما لم يتلفا شيئاً. وكذا إن كان المسمَّى أقلَّ من مهرِ المثلِ؛ لأنَّ منافعَ البضعِ غيرُ متقوَّمةٍ عند الإتلاف. أمَّا إذا كان المسمَّى أكثرَ من مهرِ المثلِ ضَمِناً ما زادَ على مهرِ المثل. (وفي بيعٍ إلا ما نقص عن قيمةِ مبيعِه): أي لا يَضْمَنُ الرَّاجعُ في بيعٍ إلاَّ ما نَقَصَ عن قيمةِ المبيعِ. صورةُ المسألة: إذا ادَّعى المشتري أنَّه اشترى العبدَ بألفٍ، وهو يساوي ألفين، فشَهِدَ شاهدان، ثم رجعا، ضَمِناً الألفَ. وإنِّما قلنا: ادَّعى المشتري حتَّى إذا ادَّعى البائعُ الثَّمنَ (١) لم يَضْمَنا؛ لأنَّ البائعَ رضي بالنُّقصان. وإن كانَ الثَّمَنُ مساوياً للقيمة، فلا ضمانَ لعدمِ الإتلاف. وإن كان الثَّمنُ أكثرَ، فإن كان الدَّعوى من المشتري فلا ضَمان؛ لأنَّ المشتري رضي بالزِّيادةِ على القيمة، وإن كان الدَّعوى من البائعِ ضَمِناً للمشتري ما زادَ على القيمة. وهذه المسألةُ غيرُ مذكورةٍ في «المتن»؛ لأنَّ وضعَ مسألةِ «المتن» فيما إذا كان الدَّعوى من المشتري، فإن عبارة «الهداية» هكذا: وإن شهدا ببيع (٢). فإن هذا الكلامَ إنِّما يقالُ: إذا ادَّعى المشتري أنّ البائعَ باعَ فأنكر البائعُ البيعَ، فشهدَ الشُّهودُ على البائع بالبيع، وإن كان الدَّعوى من البائع، فالبائعُ يدَّعي أن المشتري اشترى منِّي هذا العبدَ بكذا، وعليه الثَّمنُ، فأنكرَ المشتري شراءه، فشهدَ الشهودُ أنَّه

стр. 841

وفي طلاقٍ إلاَّ نصفَ مهرِها قبل الوطء، وضَمِنَ في العتقِ القيمةَ، وفي القصاصِ الدِّيةَ فحسب، وضَمِنَ الفرعُ بالرجوع. لا أصلُهُ بقوله: ما أشهدتُهُ على شهادتي و أشهدته وغلطت، ولو رَجَعَ الأصلُ والفرعُ غُرِّمَ الفرعُ، وقولُ الفرعِ: كذبَ أصلي أو غَلِطَ فيها ليس بشيء اشترى العبدَ بكذا، (وعليه الثَّمن) (١)، فالعبارة الصَّحيحةُ حينئذٍ أن يقال: شهدا على الشِّراء، فَعُلِمَ أن صورةَ مسألةِ «الهداية» في دعوى المشترى، وهذا دقيقٌ تفرَّدَ به خاطري (٢). (وفي طلاقٍ إلاَّ نصفَ مهرِها قبل الوطء): أي إذا شهدا بالطَّلاقِ قبل الوطء، ثُمَّ رَجَعا ضَمِنا نصفَ المهر، أمَّا بعد الدُّخولِ فلا؛ لأنَّ المهرَ تأكَّدَ بالدُّخولِ فلا إتلاف. (وضَمِنَ في العتقِ القيمةَ، وفي القصاصِ الدِّيةَ فحسب): أي إذا شهدا أن زيداً قتلَ عمراً، فاقتص زيدٌ، ثُمَّ رَجَعا يجب الدِّيةُ عندنا، وعند الشافعي (٣) ﵁ يُقْتَصُّ. (وضَمِنَ الفرعُ بالرجوع. لا أصلُهُ بقوله: ما أشهدتُهُ على شهادتي و أشهدته وغلطت): قولُهُ: لا أصلُهُ؛ مسألةٌ مبتدأة لا تعلُّقَ لها برجوعِ الفرع، فإذا قال الأصل: ما أشهدتُ الفرعَ على شهادتي لا يلتفتُ إلى قوله، ولا يضمنُ، وإن قالَ: أشهدتُهُ وغلطت، فلا ضَمان عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁، ويَضْمَنُ عند محمَّدٍ ﵁. (ولو رَجَعَ الأصلُ والفرعُ غُرِّمَ الفرعُ)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسف ﵁؛ لأنَّ القضاءَ وقعَ بشهادةِ الفرعِ في علَّةٍ قريبة، فيضافُ الحكمُ إليه، وعند محمَّد ﵁ إن شاءَ ضُمِّنَ الأصلُ وإن شاءَ ضُمِّنَ الفرع (٤). (وقولُ الفرعِ: كذبَ أصلي أو غَلِطَ فيها ليس بشيء) (٥)؛ لأنَّ كذبَ الأصلِ لا

стр. 842

وضَمِنَ المزكِّي بالرُّجوع، لا شاهدَ الإحصان، كما ضَمِنَ شاهدُ اليمينِ لا الشَّرطِ إذا رجعوا يثبتُ بقولِ الفرع، والفرعُ لم يرجعْ عن شهادتِه، فلا يلتفتُ إلى قوله. (وضَمِنَ المزكِّي بالرُّجوع): (عن التزكية) (١) هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ خلافاً لهما؛ لأنَّ التَّزكيةَ جعلتِ الشَّهادةَ شهادةً. (لا شاهدَ الإحصان): أي إذا شهدوا على الزِّنا، وشَهِدَ الشُّهودُ على إحصانِ الزَّاني، فَرُجِم، ثُمَّ رجعَ شهودُ الإحصان لم يضمنوا؛ لأن الإحصانَ شرطٌ محضٌ لا يضافُ الحكم إليه بخلافِ التَّزكية، وهما قاسا المزكِّي على شاهدِ الإحصان. (كما ضَمِنَ شاهدُ اليمينِ لا الشَّرطِ إذا رجعوا): أي إذا شَهِدَ شاهدانِ أنُّه عَلَّقَ عتقَ عبدِه بشرطٍ، وشَهَدَ آخران على وجودِ الشَّرط، فحُكِمَ بالعتق، ثمَّ رجعَ الكلُّ ضَمِنَ شاهدا اليمين؛ لأنَّهما صاحبا العلَّة. (والله أعلم بالصواب) (٢). * * *

стр. 843

كتاب الوكالة جازَ التَّوكيل: وهو تفويضُ التَّصرُّفِ إلى غيرِه، وشرطُهُ أن يملكَهُ الموكِّلُ، ويعقلَهُ الوكيلُ ويقصدَه، فصحَّ توكيلُ الحرِّ البالغِ أو المأذونِ مثلَهما، وصبيّاً يعقلُ، وعبداً محجورينِ في التصرُّف، ويرجعُ حقوق العقد إلى موكِّلهما دونَهما كتاب الوكالة (جازَ التَّوكيل: وهو تفويضُ التَّصرُّفِ إلى غيرِه، وشرطُهُ أن يملكَهُ الموكِّلُ)، الضَّميرُ المنصوبُ يرجعُ إلى التَّصرُّف، والظَّاهرُ أنَّ المرادَ مطلقُ التَّصرُّف، فإن عبارةَ «الهداية» هكذا: ومن شرطِ الوكالةِ أن يكونَ الموكِّلُ ممَّن يملِكُ التَّصْرُّفَ بأن يكونَ حُرّاً بالغاً، أو مأذوناً (١). وإن أُريد بالتَّصرُّف التَّصرُّفُ الذي وُكِّلَ به لا مطلقُ التَّصرُّف يكونُ قولُهما لا قول أبي حنيفةَ ﵁، فإنَّ المسلمَ إذا وَكَّلَ الذَّمي ببيعِ الخمرِ، يجوزُ عنده لا عندهما، (ويعقلَهُ الوكيلُ ويقصدَه): أي يعقلُ أن البيعَ سالبٌ للملك، والشَّراءَ جالبٌ له، ويعرفُ الغُبْنَ اليسيرَ من الفاحش، ويقصدُ (٢) العقدَ حتَّى لو تصرَّف هازلاً، لا يقع عن الأمرِ. (فصحَّ توكيلُ الحرِّ البالغِ أو المأذونِ مثلَهما)، ولو قال كلاً منهما، لكان أشمل لتناولِهِ توكيلَ الحرِّ البالغِ مثله والمأذون، وتوكيلُ المأذونِ مثلَهُ والحرَّ البالغِ، والمرادُ بالمأذونِ الصَّبي العاقلُ الذي أذنَهُ الوليُّ، والعبدُ الذي أذنَهُ المولى، (وصبيّاً يعقلُ، وعبداً محجورينِ (في التصرُّف) (٣)، ويرجعُ حقوق العقد إلى موكِّلهما دونَهما): أي إذا وَكَّلَ الحرُّ البالغُ، أو المأذونُ صبيّاً محجوراً، أو عبداً محجوراً يرجعُ حقوقُ العقدِ إلى مؤكِّلهما، ولا يرجع إليهما (٤).

стр. 844

بكلِّ ما يعقدُهُ بنفسِه وبالخصمومةِ في كلِّ حقٍّ، ولا يلزمُ بلا رضا خصمِه، إلاَّ بموكِّلِ مريضٍ لا يُمْكِنُهُ حضورَ مجلسِ الحاكم، أو غائبٍ مسيرةَ سفر، أو مريدٍ للسَّفر، أو مخدرةٍ لا تعتادُ الخروجَ. وبإيفائِه، واستيفائِهِ إلاَّ في استيفاءِ حدٍّ وقَوَدٍ بغيبةِ مؤكِّلِه، وحقوقُ عقدٍ يضيفهُ الوكيلُ إلى نفسِه كبيع، وإجارة (بكلِّ ما يعقدُهُ بنفسِه)، يتعلَّق بقولِهِ فصحَّ توكيلُ الحرِّ إلى آخره، (وبالخصمومةِ (١) في كلِّ حقٍّ، ولا يلزمُ بلا رضا خصمِه): قال بعضُ المشايخ ﵃: التَّوكيلُ بالخصومةِ بلا رضا الخصمِ باطلٌ عند أبي حنيفةَ ﵁، صحيحٌ عندهما، وقال البعضُ: الاختلافُ في اللزوم لا في الصِّحَّة، وفي «الهداية» (٢) اختار هذا، (إلاَّ بموكِّلِ مريضٍ لا يُمْكِنُهُ حضورَ مجلسِ الحاكم، أو غائبٍ مسيرةَ سفر، أو مريدٍ للسَّفر)، وهو أن يكونَ مشتغلاً بإعدادِ عُدَّةِ السَّفر (٣)، (أو مخدرةٍ (٤) لا تعتادُ الخروجَ. وبإيفائِه، واستيفائِهِ إلاَّ في استيفاءِ حدٍّ وقَوَدٍ بغيبةِ مؤكِّلِه): أي صحَّ التَّوكيلُ بإعطاءِ كلِّ حقّ، وكذا بقبض كلِّ حقٍّ إلا أنَّه لا يصحُّ في استيفاءِ حدٍّ وَقَوَد بغيبة الموكِّلِ لشبهةِ العفو في القصاص، وشبهةِ أن يصدَّقَ القاذفُ في حدِّ القذف، وشبهةُ أن يدَّعي المالَ ولا يدَّعي السَّرقة. (وحقوقُ (٥) عقدٍ يضيفهُ الوكيلُ إلى نفسِه): أي لا يحتاجُ فيه إلى ذِكْرِ الموكِّل، فإنَّ في البيعِ والشَّراءِ عن الموكِّلِ يكفي أن يقولَ الوكيلُ: بعت، أو اشتريت، (كبيع، وإجارة،

стр. 845

وصلحٍ عن إقرارٍ يتعلَّق به فيسلِّمُ المبيعَ ويقبضَهُ وثمنَ مبيعِه. ويطالبُ بثمنِ مشريّه، ويخاصمُ في عيبِه، وشفعةِ ما باع، وهو في يدِه، فإن سلَّمَهُ إلى آمرِهِ فلا يُرَدُّ بالعيبِ، إلاَّ بإذنِه، ويرجعُ بثمنِ مشريهِ مستحقَّاً، ويثبتُ الملكُ للموكِّلِ ابتداءً، فلا يُعْتَقُ قريبُ وكيلٍ شراه وصلحٍ عن إقرارٍ يتعلَّق به فيسلِّمُ المبيعَ): أي في الوكالةِ بالبيعِ، (ويقبضَهُ): أي في الوكالةِ بالشَّراء، (وثمنَ مبيعِه. ويطالبُ بثمنِ مشريّه، ويخاصمُ في عيبِه، وشفعةِ ما باع، وهو في يدِه، فإن سلَّمَهُ إلى آمرِهِ فلا يُرَدُّ بالعيبِ، إلاَّ بإذنِه، ويرجعُ بثمنِ مشريهِ مستحقَّاً): هذا كلُّهُ عندنا، وعند الشَّافِعِيِّ (١) ﵁ يرجعُ الحقوقُ إلى الموكِّل، لكن يَجِبُ أن يعلمَ أن الحقوقَ نوعان: حقٌّ يكونُ للوكيل. وحقٌّ يكونُ على الوكيلِ. فالأَوَّلُ: كقبضِ المبيع، والمطالبةِ بثمنِ المشتري، والمخاصمةِ في العيب، والرُّجوعِ بثمنِ المستحقّ، ففي هذا النَّوعِ للوكيلِ ولايةُ هذه الأمورِ، لكن لا يَجِبُ عليه، فإن امتنعَ لا يُجْبِرُهُ الموكِّلُ على هذه الأفعال؛ لأنَّه متبرِّعٌ في العمل، بل يوكِّلُ الموكِّلُ لهذه الأفعال، وسيأتي في «كتاب المضاربة» (٢) بعض هذا، وهو قولُهُ: وكذا سائرُ الوكلاء. وإن ماتَ الوكيلُ فولايةُ هذه الأفعالِ لورثتِه، فإن امتنعوا، وَكَّلُوا موكِّلَ مورِّثِهم، وعند الشَّافِعِيِّ ﵁ للموكِّل ولايةُ هذه الأفعالَ بلا توكيل من الوكيل، أو وارثِه. وفي النَّوعِ الآخرِ: الوكيلُ مدَّعىً عليه، فللمدَّعي أن يُجْبِرَ الوكيلَ على تسليمِ المبيع، وتسليمِ الثَّمن وأخواتِهما. (ويثبتُ الملكُ للموكِّلِ ابتداءً، فلا يُعْتَقُ قريبُ وكيلٍ شراه): أي إذا اشترى الوكيل، فالأصحُّ (٣) أن يثبتَ الملكُ للموكِّلِ ابتداءً، وعند بعضِ المشايخِ ﵁ يَثْبُتُ الملكُ
следующие страницы →