← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1125

شرح الوقاية - ت أبو الحاج

المحبوبي صدر الشريعة الأصغر

Полный текст (1 235 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وفي طلاقٍ إلاَّ نصفَ مهرِها قبل الوطء، وضَمِنَ في العتقِ القيمةَ، وفي القصاصِ الدِّيةَ فحسب، وضَمِنَ الفرعُ بالرجوع. لا أصلُهُ بقوله: ما أشهدتُهُ على شهادتي و أشهدته وغلطت، ولو رَجَعَ الأصلُ والفرعُ غُرِّمَ الفرعُ، وقولُ الفرعِ: كذبَ أصلي أو غَلِطَ فيها ليس بشيء اشترى العبدَ بكذا، (وعليه الثَّمن) (١)، فالعبارة الصَّحيحةُ حينئذٍ أن يقال: شهدا على الشِّراء، فَعُلِمَ أن صورةَ مسألةِ «الهداية» في دعوى المشترى، وهذا دقيقٌ تفرَّدَ به خاطري (٢). (وفي طلاقٍ إلاَّ نصفَ مهرِها قبل الوطء): أي إذا شهدا بالطَّلاقِ قبل الوطء، ثُمَّ رَجَعا ضَمِنا نصفَ المهر، أمَّا بعد الدُّخولِ فلا؛ لأنَّ المهرَ تأكَّدَ بالدُّخولِ فلا إتلاف. (وضَمِنَ في العتقِ القيمةَ، وفي القصاصِ الدِّيةَ فحسب): أي إذا شهدا أن زيداً قتلَ عمراً، فاقتص زيدٌ، ثُمَّ رَجَعا يجب الدِّيةُ عندنا، وعند الشافعي (٣) ﵁ يُقْتَصُّ. (وضَمِنَ الفرعُ بالرجوع. لا أصلُهُ بقوله: ما أشهدتُهُ على شهادتي و أشهدته وغلطت): قولُهُ: لا أصلُهُ؛ مسألةٌ مبتدأة لا تعلُّقَ لها برجوعِ الفرع، فإذا قال الأصل: ما أشهدتُ الفرعَ على شهادتي لا يلتفتُ إلى قوله، ولا يضمنُ، وإن قالَ: أشهدتُهُ وغلطت، فلا ضَمان عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁، ويَضْمَنُ عند محمَّدٍ ﵁. (ولو رَجَعَ الأصلُ والفرعُ غُرِّمَ الفرعُ)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسف ﵁؛ لأنَّ القضاءَ وقعَ بشهادةِ الفرعِ في علَّةٍ قريبة، فيضافُ الحكمُ إليه، وعند محمَّد ﵁ إن شاءَ ضُمِّنَ الأصلُ وإن شاءَ ضُمِّنَ الفرع (٤). (وقولُ الفرعِ: كذبَ أصلي أو غَلِطَ فيها ليس بشيء) (٥)؛ لأنَّ كذبَ الأصلِ لا

стр. 842

وضَمِنَ المزكِّي بالرُّجوع، لا شاهدَ الإحصان، كما ضَمِنَ شاهدُ اليمينِ لا الشَّرطِ إذا رجعوا يثبتُ بقولِ الفرع، والفرعُ لم يرجعْ عن شهادتِه، فلا يلتفتُ إلى قوله. (وضَمِنَ المزكِّي بالرُّجوع): (عن التزكية) (١) هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ خلافاً لهما؛ لأنَّ التَّزكيةَ جعلتِ الشَّهادةَ شهادةً. (لا شاهدَ الإحصان): أي إذا شهدوا على الزِّنا، وشَهِدَ الشُّهودُ على إحصانِ الزَّاني، فَرُجِم، ثُمَّ رجعَ شهودُ الإحصان لم يضمنوا؛ لأن الإحصانَ شرطٌ محضٌ لا يضافُ الحكم إليه بخلافِ التَّزكية، وهما قاسا المزكِّي على شاهدِ الإحصان. (كما ضَمِنَ شاهدُ اليمينِ لا الشَّرطِ إذا رجعوا): أي إذا شَهِدَ شاهدانِ أنُّه عَلَّقَ عتقَ عبدِه بشرطٍ، وشَهَدَ آخران على وجودِ الشَّرط، فحُكِمَ بالعتق، ثمَّ رجعَ الكلُّ ضَمِنَ شاهدا اليمين؛ لأنَّهما صاحبا العلَّة. (والله أعلم بالصواب) (٢). * * *

стр. 843

كتاب الوكالة جازَ التَّوكيل: وهو تفويضُ التَّصرُّفِ إلى غيرِه، وشرطُهُ أن يملكَهُ الموكِّلُ، ويعقلَهُ الوكيلُ ويقصدَه، فصحَّ توكيلُ الحرِّ البالغِ أو المأذونِ مثلَهما، وصبيّاً يعقلُ، وعبداً محجورينِ في التصرُّف، ويرجعُ حقوق العقد إلى موكِّلهما دونَهما كتاب الوكالة (جازَ التَّوكيل: وهو تفويضُ التَّصرُّفِ إلى غيرِه، وشرطُهُ أن يملكَهُ الموكِّلُ)، الضَّميرُ المنصوبُ يرجعُ إلى التَّصرُّف، والظَّاهرُ أنَّ المرادَ مطلقُ التَّصرُّف، فإن عبارةَ «الهداية» هكذا: ومن شرطِ الوكالةِ أن يكونَ الموكِّلُ ممَّن يملِكُ التَّصْرُّفَ بأن يكونَ حُرّاً بالغاً، أو مأذوناً (١). وإن أُريد بالتَّصرُّف التَّصرُّفُ الذي وُكِّلَ به لا مطلقُ التَّصرُّف يكونُ قولُهما لا قول أبي حنيفةَ ﵁، فإنَّ المسلمَ إذا وَكَّلَ الذَّمي ببيعِ الخمرِ، يجوزُ عنده لا عندهما، (ويعقلَهُ الوكيلُ ويقصدَه): أي يعقلُ أن البيعَ سالبٌ للملك، والشَّراءَ جالبٌ له، ويعرفُ الغُبْنَ اليسيرَ من الفاحش، ويقصدُ (٢) العقدَ حتَّى لو تصرَّف هازلاً، لا يقع عن الأمرِ. (فصحَّ توكيلُ الحرِّ البالغِ أو المأذونِ مثلَهما)، ولو قال كلاً منهما، لكان أشمل لتناولِهِ توكيلَ الحرِّ البالغِ مثله والمأذون، وتوكيلُ المأذونِ مثلَهُ والحرَّ البالغِ، والمرادُ بالمأذونِ الصَّبي العاقلُ الذي أذنَهُ الوليُّ، والعبدُ الذي أذنَهُ المولى، (وصبيّاً يعقلُ، وعبداً محجورينِ (في التصرُّف) (٣)، ويرجعُ حقوق العقد إلى موكِّلهما دونَهما): أي إذا وَكَّلَ الحرُّ البالغُ، أو المأذونُ صبيّاً محجوراً، أو عبداً محجوراً يرجعُ حقوقُ العقدِ إلى مؤكِّلهما، ولا يرجع إليهما (٤).

стр. 844

بكلِّ ما يعقدُهُ بنفسِه وبالخصمومةِ في كلِّ حقٍّ، ولا يلزمُ بلا رضا خصمِه، إلاَّ بموكِّلِ مريضٍ لا يُمْكِنُهُ حضورَ مجلسِ الحاكم، أو غائبٍ مسيرةَ سفر، أو مريدٍ للسَّفر، أو مخدرةٍ لا تعتادُ الخروجَ. وبإيفائِه، واستيفائِهِ إلاَّ في استيفاءِ حدٍّ وقَوَدٍ بغيبةِ مؤكِّلِه، وحقوقُ عقدٍ يضيفهُ الوكيلُ إلى نفسِه كبيع، وإجارة (بكلِّ ما يعقدُهُ بنفسِه)، يتعلَّق بقولِهِ فصحَّ توكيلُ الحرِّ إلى آخره، (وبالخصمومةِ (١) في كلِّ حقٍّ، ولا يلزمُ بلا رضا خصمِه): قال بعضُ المشايخ ﵃: التَّوكيلُ بالخصومةِ بلا رضا الخصمِ باطلٌ عند أبي حنيفةَ ﵁، صحيحٌ عندهما، وقال البعضُ: الاختلافُ في اللزوم لا في الصِّحَّة، وفي «الهداية» (٢) اختار هذا، (إلاَّ بموكِّلِ مريضٍ لا يُمْكِنُهُ حضورَ مجلسِ الحاكم، أو غائبٍ مسيرةَ سفر، أو مريدٍ للسَّفر)، وهو أن يكونَ مشتغلاً بإعدادِ عُدَّةِ السَّفر (٣)، (أو مخدرةٍ (٤) لا تعتادُ الخروجَ. وبإيفائِه، واستيفائِهِ إلاَّ في استيفاءِ حدٍّ وقَوَدٍ بغيبةِ مؤكِّلِه): أي صحَّ التَّوكيلُ بإعطاءِ كلِّ حقّ، وكذا بقبض كلِّ حقٍّ إلا أنَّه لا يصحُّ في استيفاءِ حدٍّ وَقَوَد بغيبة الموكِّلِ لشبهةِ العفو في القصاص، وشبهةِ أن يصدَّقَ القاذفُ في حدِّ القذف، وشبهةُ أن يدَّعي المالَ ولا يدَّعي السَّرقة. (وحقوقُ (٥) عقدٍ يضيفهُ الوكيلُ إلى نفسِه): أي لا يحتاجُ فيه إلى ذِكْرِ الموكِّل، فإنَّ في البيعِ والشَّراءِ عن الموكِّلِ يكفي أن يقولَ الوكيلُ: بعت، أو اشتريت، (كبيع، وإجارة،

стр. 845

وصلحٍ عن إقرارٍ يتعلَّق به فيسلِّمُ المبيعَ ويقبضَهُ وثمنَ مبيعِه. ويطالبُ بثمنِ مشريّه، ويخاصمُ في عيبِه، وشفعةِ ما باع، وهو في يدِه، فإن سلَّمَهُ إلى آمرِهِ فلا يُرَدُّ بالعيبِ، إلاَّ بإذنِه، ويرجعُ بثمنِ مشريهِ مستحقَّاً، ويثبتُ الملكُ للموكِّلِ ابتداءً، فلا يُعْتَقُ قريبُ وكيلٍ شراه وصلحٍ عن إقرارٍ يتعلَّق به فيسلِّمُ المبيعَ): أي في الوكالةِ بالبيعِ، (ويقبضَهُ): أي في الوكالةِ بالشَّراء، (وثمنَ مبيعِه. ويطالبُ بثمنِ مشريّه، ويخاصمُ في عيبِه، وشفعةِ ما باع، وهو في يدِه، فإن سلَّمَهُ إلى آمرِهِ فلا يُرَدُّ بالعيبِ، إلاَّ بإذنِه، ويرجعُ بثمنِ مشريهِ مستحقَّاً): هذا كلُّهُ عندنا، وعند الشَّافِعِيِّ (١) ﵁ يرجعُ الحقوقُ إلى الموكِّل، لكن يَجِبُ أن يعلمَ أن الحقوقَ نوعان: حقٌّ يكونُ للوكيل. وحقٌّ يكونُ على الوكيلِ. فالأَوَّلُ: كقبضِ المبيع، والمطالبةِ بثمنِ المشتري، والمخاصمةِ في العيب، والرُّجوعِ بثمنِ المستحقّ، ففي هذا النَّوعِ للوكيلِ ولايةُ هذه الأمورِ، لكن لا يَجِبُ عليه، فإن امتنعَ لا يُجْبِرُهُ الموكِّلُ على هذه الأفعال؛ لأنَّه متبرِّعٌ في العمل، بل يوكِّلُ الموكِّلُ لهذه الأفعال، وسيأتي في «كتاب المضاربة» (٢) بعض هذا، وهو قولُهُ: وكذا سائرُ الوكلاء. وإن ماتَ الوكيلُ فولايةُ هذه الأفعالِ لورثتِه، فإن امتنعوا، وَكَّلُوا موكِّلَ مورِّثِهم، وعند الشَّافِعِيِّ ﵁ للموكِّل ولايةُ هذه الأفعالَ بلا توكيل من الوكيل، أو وارثِه. وفي النَّوعِ الآخرِ: الوكيلُ مدَّعىً عليه، فللمدَّعي أن يُجْبِرَ الوكيلَ على تسليمِ المبيع، وتسليمِ الثَّمن وأخواتِهما. (ويثبتُ الملكُ للموكِّلِ ابتداءً، فلا يُعْتَقُ قريبُ وكيلٍ شراه): أي إذا اشترى الوكيل، فالأصحُّ (٣) أن يثبتَ الملكُ للموكِّلِ ابتداءً، وعند بعضِ المشايخِ ﵁ يَثْبُتُ الملكُ

стр. 846

وحقوقُ عقدٍ يضيفُهُ إلى موكِّلِه: كنكاح، وخلع، وصلحٍ عن إنكار، أو دَمِّ عَمْد، وعتقٍ على مال، وكتابة، وهبة، وتصدّق، وإعارة، وإيداع، ورهن، وإقراض يتعلّقُ بالموكِّل لا به، فلا يطالبُ وكيلُ زوج بالمهر، ولا وكيلُ عرسٍ بتسليمها، وببدل الخلع. وللمشتري منعُ الثَّمنِ من موكِّلِ بائعِه، فإذا دفعَ إليه صحَّ، ولم يطالبْهُ بائعُهُ ثانياً أوَّلاً للوكيلِ، ثم يَنْتَقِلُ منه إلى موكِّلِه بسببِ عقدٍ يجري بينهما، وإن لم يكن ملفوظاً، بل مقتضي للتَّوكيلِ السَّابق، فعلى التَّخريجِ الأوَّلِ: إذا وَكَّلَ أحداً أن يشتري قريبَهُ من مالكِه، فاشتراه لا يعتقُ على الوكيل؛ لأنَّه لا يملكهُ، وعلى التَّخريجِ الثَّاني: لا يعتقُ أيضاً؛ لأنَّهُ يَثْبُتُ للوكيلِ ملكٌ غيرُ متقرِّرِ فلا يعتق. (وحقوقُ عقدٍ يضيفُهُ إلى موكِّلِه (١): كنكاح، وخلع، وصلحٍ عن إنكار، أو دَمِّ عَمْد، وعتقٍ على مال، وكتابة، وهبة، وتصدّق، وإعارة، وإيداع، ورهن، وإقراض يتعلّقُ بالموكِّل لا به (٢)، فلا يطالبُ وكيلُ زوج بالمهر، ولا وكيلُ عرسٍ بتسليمها، وببدل الخلع. وللمشتري منعُ الثَّمنِ من موكِّلِ بائعِه (٣)، فإذا دفعَ إليه صحَّ، ولم يطالبْهُ بائعُهُ ثانياً). اعلم أنّ في بعض هذه الأمثلة نظراً في أنَّها تضافُ إلى الوكيل أو الموكِّل. أمَّا البيعُ والإجارةُ فلا شَكَّ أنَّهما مستغنيانِ عن ذِكْرِ الموكِّل، فهما من القسمِ الأَوَّل، والنِّكاحُ والخلعُ لا يستغنيانِ عنه، فهما من القسمِ الثَّاني. وأمَّا الصَّلحُ فلا فَرْقَ فيه بين أن يكونَ عن إقرار أو إنكار في الإضافة، فإنَّ زيداً إذا ادَّعى داراً على عمرو، فوكَّلَ عمروٌ وكيلاً على أن يصالحَ بالمئة، فيقولُ زيدٌ: صالحتُ عن دعوى الدَّار على عمرو بالمئة، ويقبلُ الوكيلُ هذا الصَّلْح، يَتِمُّ الصُّلْحُ سواء كان عن إقرار أو عن إنكار، إلاَّ أنَّه إذا كان عن إقرارٍ يكونُ كالبيع، فيرجعُ

стр. 847

باب الوكالة بالبيع والشراء [فصل في الشراء] الأمرُ بشراءِ الطَّعامِ على البُرِّ في دراهمَ كثيرة، وعلى الخبزِ في قليلة، وعلى الدَّقيقِ في متوسِّطة، وفي متخذِّ الوليمةِ على الخبزِ بكلِّ حال، ولا يصحُّ بشراءِ شيءٍ فَحُشَ جَهْلُ جنسه كالرَّقيقِ، والثَّوب، والدَّابّةَ، وإن بيَّن ثمنَه الحقوقَ إلى الوكيل كما في البيع، فتسليمُ بدل الصُّلحِ على الوكيلِ، وإذا كان عن إنكار، فهو فداءُ يمينٍ في حقٍّ المدَّعى عليه، فالوكيلُ سفيرٌ محضٌ فلا يرجعُ إليه الحقوق. باب الوكالة بالبيع والشراء [فصل في الشراء] (الأمرُ بشراءِ الطَّعامِ على البُرِّ في دراهمَ كثيرة، وعلى الخبزِ في قليلة، وعلى الدَّقيقِ في متوسِّطة، وفي متخذِّ الوليمةِ على الخبزِ بكلِّ حال)، هذه الوكالةُ ينبغي أن تكونَ باطلةً؛ لأنَّ الطَّعامَ يقعُ على كلِّ ما يُطْعَم، فيكونُ جهالةُ جنسِهِ فاحشةً، لكن المتعارفَ في قوله: اشتر لي طعاماً: أن يرادَ به الحنطة، أو الدَّقيق، أو الخبز (١). (ولا يصحُّ بشراءِ شيءٍ فَحُشَ جَهْلُ (٢) جنسه كالرَّقيقِ، والثَّوب، والدَّابّةَ، وإن بيَّن ثمنَه)، اعلم أن كلَّ شيئينِ يتحدُّ حقيقتُهما ومقاصدُهما، فهما من جنسٍ

стр. 848

إلاَّ إذا ذَكَرَ نوعَ الدَّابّةِ كالحمارِ، أو ثمنُ الدَّارِ والمحلّة، وصحَّ بشراءٍ عُلِمَ جنسُهُ لا صفتُهُ كالشَّاةِ والبقر، وتصحُّ بشراءِ شيءٍ جُهِلَ جِنْسُهُ من وجهٍ كالعبد، وذُكِرَ نوعُهُ كالتُّركي، أو ثَمَنٌ عيّنَ نوعاً واحد، وإن اختلفتِ الحقيقةُ أو المقاصدُ فهما من جنسين، فإن فَحُشَ جهالةُ الجنسِ بأن قد ذَكَرَ جنساً تحتَهُ أجناس كالرَّقيق فإنَّهُ ينقسمُ إلى ذكرٍ وأُنثى، وهما في بني آدم جنسان؛ لاختلاف المقاصد، ثُمَّ كلٌّ منهما قد يقصدُ منه الجمالِ كما في التُّرْكِي، وقد يقصدُ منه الخدمةُ كما في الهندي، وكذا الثَّوب والدَّابةِ فلا يصحُّ الوكالةُ بشراءِ هذه الأشياءِ وإن بيَّنَ الثَّمن. (إلاَّ إذا ذَكَرَ نوعَ الدَّابّةِ كالحمارِ): المراد بالنَّوع هاهنا الجنسُ الأسفلُ في اصطلاح الفقهاء: أطلقَ عليه النَّوع؛ لأنَّه نوعٌ بالنِّسبةِ إلى الأعلى، ويسمَّى في المنطق نوعاً إضافياً، (أو ثمنُ الدَّارِ والمحلّة) (١)، الدارُ ممَّا فحشَ جهالةُ جنسِهِ فلا بُدَّ من أن يبيِّن ثمنَها ومحلَّتَها. (وصحَّ بشراءٍ عُلِمَ جنسُهُ لا صفتُهُ كالشَّاةِ والبقر)، فإنِّهما جنسٌ واحدٌ لاتّحادِ المقصودِ والمنفعة، فلا احتياجِ إلى بيانِ الصَّفةِ كالسُّمْنِ والهزال، (وتصحُّ بشراءِ شيءٍ جُهِلَ جِنْسُهُ من وجهٍ كالعبد، وذُكِرَ نوعُهُ كالتُّركي، أو ثَمَنٌ عيّنَ نوعاً)، العبدُ

стр. 849

وبشراءِ عينٍ بدينٍ له على وكيلِه، وفي غير عينٍ إن هلكَ في يدِ الوكيلِ هلكَ عليه، فإن قبضَهُ آمرُهُ فهو له، وبشراءِ نفسِ المأمورِ من سيِّدِهِ إن قال: بعني نفسي لفلان، فباع يقع عن الآمر، فإن لم يقل: لفلان عُتِقَ على المولى معلومُ الجنسِ من وجهٍ لكن من حيث المنفعةِ والجمال، كأنَّه أجناسٌ مختلفة، فإن بيَّنَ نوعَهُ كالتُّركي تصحُّ الوكالةُ، وكذا إذ بيَّن ثمناً، ويكونُ الثَّمنُ بحيث يعلمُ منه النَّوع. (وبشراءِ عينٍ بدينٍ له على وكيلِه) (١)، المرادُ بالعينِ الشَّيءُ المعيَّن، (وفي غير عينٍ إن هلكَ في يدِ الوكيلِ هلكَ عليه، فإن قبضَهُ آمرُهُ فهو له): أي أمرَه أن يشتري بالألفِ الذي له على المأمور عبداً، ولم يعيِّنِ العبدَ، فاشتراهُ فماتَ في يدِ المأمورِ فهلاكُهُ عليه، ولا يصيرُ للآمر إلاَّ أن يقبضَه، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁ بناءً على أن الوكالةَ لم تصحَّ؛ لأنَّ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ تتعيَّنُ في الوكالات، فيكونُ الشِّراءُ مقيَّداً بذلك الدين، فيصيرُ تمليكُ الدَّينِ من غيرِ مَن عليه الدَّين بلا توكيلِ ذلك الغير، وهذا لا يصحُّ بخلاف ما إذا كان العبدُ متعيِّناً، فإنَّ البائعَ يصير حينئذٍ وكيلاً بقبضِ الدَّينِ فيصحُّ تمليكُ الدَّين. وعندهما: إذا قَبَضَ المأمورُ يصيرُ ملكاً للآمر؛ لأنَّ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ لم تتعيَّن فلم يتقيَّدِ التوكيلُ بالدَّين، فصحَّتْ الوكالةُ، فيكون للآمر. وجوابُهُ: ما مرَّ أنّها تتعيَّن في الوكالات، فإنَّه إذا قيَّدَ الوكالةَ بها عيناً كانت أو ديناً، فهلكت أو سقطَ الدَّينُ تبطلُ الوكالة. (وبشراءِ نفسِ المأمورِ من سيِّدِهِ إن قال: بعني نفسي لفلان، فباع (يقع عن الآمر) (٢)، فإن لم يقل: لفلان (عُتِقَ على المولى) (٣)): أي إذا قال رجلٌ لعبدٍ: اشترِ لي نفسَك من مولاك، فالعبد إن قال: بعني نفسي لفلان، فباعَ يقعُ عن الآمر، وإن لم يقل:

стр. 850

وفي شراءِ نفس الآمر من سيِّدِهِ بألفٍ دَفَعَ إن قال لسيِّده: اشتريتُهُ لنفسِه، فباعَهُ عُتِقَ عليه، فإن لم يَقُلْ لنفسِهِ كان لوكيلِه، وعليه ثمنُه، والألفُ لسيِّده، فإن قال: اشتريتُ عبداً للآمرِ، فمات، وقال الآمر: بل لنفسك صُدِّقَ الوكيلُ إن كان دَفَعَ الآمرُ الثَّمن، وإلاَّ فالآمر لفلان عُتِقَ على المولى (١). فإن قيل: الوكيلُ بشراءِ شيءٍ معيَّنٍ إذا اشتراهُ من غيرِ أن يضيفَ إلى الآمرِ يَقَعُ عن الآمر. قلنا: الوكيلُ قد أتى بتصرُّفٍ من جنسٍ آخر، وهو العتقُ على مال، وفي مثل هذا يقعُ عن الوكيل (٢). (وفي شراءِ نفس الآمر من سيِّدِهِ بألفٍ دَفَعَ إن قال لسيِّده: اشتريتُهُ لنفسِه، فباعَهُ عُتِقَ عليه، فإن لم يَقُلْ لنفسِهِ كان لوكيلِه، وعليه ثمنُه، والألفُ لسيِّده): أي قال عبدٌ لرجلٍ اشترِ لي نفسي من مولاي بألف، ودَفَعَها إليه، فقال: الوكيلُ اشتريتُهُ لنفسِه، فباعَه، يكونُ إعتاقاً على مال (٣)، وإن لم يقلْ لنفسِهِ كان الشِّراءُ واقعاً من الوكيل، فيكونُ الثَّمنُ على المشتري، وهذا الألفُ للمولى؛ لأنَّه كسبُ عبده. (إن قال: اشتريتُ عبداً للآمرِ، فمات، وقال الآمر: بل لنفسك صُدِّقَ الوكيلُ إن كان دَفَعَ الآمرُ الثَّمن، إلاَّ فالآمر (٤)) (٥): أي أمرَ رجلاً بشراءِ عبدٍ بألف، فقال

стр. 851

وله الرُّجوعُ بالثَّمنِ على الآمرِ دَفَعَهُ إلى بائعِهِ أو لا، الوكيل: قد فعلت، وماتَ العبدُ عندي، وقال الآمر: اشتريتَ لنفسك، فإن دَفَعَ الآمرُ الثَّمَنَ فالقولُ للوكيل، وإن لم يدفعْ، فالقولُ للآمر، وعللَّ في «الهداية» فيما إذا لم يدفعِ الآمرُ الثَّمنَ: بأن الوكيلَ أَخبرَ بأمرٍ لا يملك استئنافَه، وفيما إذا دفعَ الثَّمن بأن الوكيلَ أمينٌ يريدُ الخروجَ عن عهدةِ الأمانة (١). أقولُ: كلُّ واحد من التَّعليلينِ شاملٌ للصورتين (٢)، فلا يتمُّ به الفرق، بل لا بُدَّ من انضمامِ أمرٍ آخر، وهو أن (يكون الوكيل) (٣) فيما إذا لم يدفعِ الثَّمنَ يدَّعي الثَّمنَ على الآمر، وهو ينكره، فالقولُ للمنكر، وفيما إذا دَفَعَ الثَّمَنَ يدَّعي الآمرُ الثَّمَنَ على المأمورِ وهو يُنْكِرُه، فالقولُ للمنكر. (وله الرُّجوعُ بالثَّمنِ على الآمرِ دَفَعَهُ إلى بائعِهِ أو لا): أي للوكيلِ بالشَّراءِ الرُّجوعُ بالثَّمنِ على الآمرِ إذا فعلَ ما أمره به سواءٌ دفعَ الوكيلُ الثَّمنَ إلى بائعِه، أو لم يدفعْهُ، جعلوا هذه المسألةَ مبنيَّةٌ على أنه يجري بين الوكيلِ والموكِّلِ مبادلةٌ حكميّة، فيصيرُ الوكيلُ بائعاً من موكِّلِه، فله مطالبةُ الثَّمن، وإن لم يَدْفَعْ إلى بائعِه.

стр. 852

وله حبسُ المبيعِ من آمرِهِ لقبض ثمنِه، وإن لم يدفعْ فإن هَلَكَ في يدِهِ قبلَ حبسِهِ منه هَلَكَ على الآمر ولم يسقطْ ثمنُه، وبعد حَبْسِهِ منه سَقَط، وليس للوكيلِ بشراءِ عينٍ شراؤُهُ لنفسِه، فلو شَرَى بخلافِ جنسِ ثَمَنٍ سُمِّي، أو بغيرِ النُّقُود، أو غيرِهِ بأمرِهِ بغيبتِهِ وقعَ له، وبحضرتِهِ لآمره وله حبسُ المبيعِ من آمرِهِ لقبض ثمنِه، وإن لم يدفعْ): بناءً على ما ذَكَرْنا من المبادلةِ الحكميّة، (فإن هَلَكَ في يدِهِ قبلَ حبسِهِ منه هَلَكَ على الآمر ولم يسقطْ ثمنُه، وبعد حَبْسِهِ منه (١) سَقَط)، فإنَّهُ إذا حبسَهُ عن الآمرِ لقبضِ الثَّمن، فهلكَ في يدِ الوكيلِ يكونُ مضموناً على الوكيل، ثم اختلف فيه (٢): فعند أبي يوسفَ ﵁ يَضْمَنُ ضمانَ الرَّهن، وعند محمَّدٍ ﵁ وهو قولُ أبي حنيفةَ ﵁ يَضْمَنُ ضمانَ المبيع، فما ذُكِرَ في «المتن» من سقوطِ الثَّمنِ إشارةٌ إلى هذا المذهب، وعند زُفَرَ ﵁ يَضْمَنُ ضمانَ الغصبِ إذ عنده ليس له حقُّ الحبس. فإن كان الثَّمنُ مساوياً للقيمة فلا اختلاف، وإن كان الثَّمنُ عشرة، والقيمةُ خمسةَ عشر، فعند زُفَرَ ﵁ يَضْمَنُ خمسةَ عشر، وعند الباقينَ يَضْمَنُ عشرة، وإن كان بالعكسِ فعند زُفَرَ ﵁ يَضْمَنُ عشرة، فيطالبُ الخمسة من الموكِّل، وكذا عند أبي يوسف ﵁؛ لأنَّ الرَّهنَ يُضْمَنُ بأقلِّ من قيمتِهِ ومن الدَّين، وعند محمَّدٍ ﵁ يكونُ مضموناً بالثَّمن، وهو خمسةَ عشر. (وليس للوكيلِ بشراءِ عينٍ شراؤُهُ لنفسِه، فلو شَرَى بخلافِ جنسِ ثَمَنٍ سُمِّي، أو بغيرِ النُّقُود، أو غيرِهِ بأمرِهِ بغيبتِهِ وقعَ له، وبحضرتِهِ لآمره) (٣): أي إن وُكِّلَ بشراءِ شيءٍ معيِّن، فالوكيلُ إن لم يخالفْ أمرَ الموكِّل، فالمشترى للموكِّل وإن خالفَ فللوكيل، فالموكِّلُ إن سمَّى الثَّمن، فالوكيلُ إن اشترى بخلافِ ذلك الجنس كان مخالفةً، وإن لم يسمِّ الثَّمن، فإن اشترى بغيرِ النُّقود، كان مخالفةً؛ لأنَّ المتعارفَ

стр. 853

وفي غيرِ عين هو للوكيل، إلاَّ إذا أضافَ العقدَ إلى مالِ آمرِه، أو أطلقَ ونوى له، ويبطلُ الصَّرْفُ والسَّلَمُ بمفارقةِ الوكيلِ دون آمرِه، فإن قال: بعني هذا لزيد، فباعَه، ثُمَّ أنكرَ الأمرَ أخذَهُ زيدٌ، فإن صَدَّقَهُ لا يأخذُهُ جبراً، ومَن وُكِّلَ بشراءِ مَنِّ لحمٍ بدرهم، فشرى مَنَوين بدرهمٍ ممَّا يُباعُ مَنٌّ بدرهمٍ لَزِمَ موكِّلُهُ مَنٌّ بنصف دِرْهَم هو (١) الشِّراءُ بالنُّقود، والمعروفُ عرفاً كالمشروطِ شرطاً، وإن اشترى غيرُ الوكيلِ بأمرِه، لكن بغيبتِهِ يكونُ مخالفةً، وإن كان بحضرتِهِ لا يكونُ مخالفةً؛ لأنَّهُ حضر رأيه. (وفي غيرِ عين هو للوكيل، إلاَّ إذا أضافَ العقدَ إلى مالِ آمرِه، أو أطلقَ ونوى له): أي قال الوكيلُ: اشتريتُ بهذا الألف، والألفُ ملكُ الموكِّل، أو أطلق: أي قال: اشترى بألفٍ مطلقٍ من غيرِ أن يقيِّدَ بألف هو ملك الموكِّلِ لكن نَوَى الشَّراء للآمر يكونُ للآمر. (ويبطلُ الصَّرْفُ والسَّلَمُ بمفارقةِ الوكيلِ دون آمرِه)، صورةُ السَّلَم: أن يوكِّلَ رجلاً بأن يشتري له كُرَّ بُرٍّ بعقدِ السَّلَم، وليس المرادُ التَّوكيلَ ببيعِ الكُرِّ بعقدِ السَّلَم؛ لأنَّ هذا لا يجوزُ إذ الوكيلُ يبيعُ طعاماً في ذمّتِهِ على أن يكونَ الثَّمَنُ لغيرِه، ولا نظيرَ له في الشَّرع، وإنِّما يعتبرُ مفارقةُ الوكيل؛ لأنَّ العاقدَ هو الوكيل (٢). (فإن قال: بعني هذا لزيد، فباعَه، ثُمَّ أنكرَ الأمرَ): أي أنكرَ المشتري أن زيداً أمره بالشِّراء، (أخذَهُ زيدٌ)؛ لأنَّ قولَهُ: بعني لزيد إقرارٌ بتوكيلِه؛ لأنَّ هذا البيعَ إنِّما يكونُ لزيدٍ إذا أمر زيدٌ به، فلا يُصَدَّقُ في إنكاره أمرَه، (فإن صَدَّقَهُ لا يأخذُهُ جبراً): أي إن صَدَّقَ زيدٌ المشترى أنَّه لم يأمرْهُ لا يأخذُهُ جبراً؛ لأنَّ إقرارَ المشتري ارتدَّ بردِّه، وإنِّما قال جبراً؛ لأن المشتري إن سلَّمَهُ إلى زيدٍ يكون بيعاً بالتَّعاطي، فالتَّسليمُ على وجهِ البيعِ يكفي للتَّعاطي، وإن لم يوجدْ نقداً لثمن. (ومَن وُكِّلَ بشراءِ مَنِّ لحمٍ بدرهم، فشرى مَنَوين بدرهمٍ ممَّا يُباعُ مَنٌّ بدرهمٍ لَزِمَ موكِّلُهُ مَنٌّ بنصف دِرْهَم)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما: يلزمُهُ مَنَوان بدرهم؛ لأنَّ الموكِّلَ أمرَهُ بصرفِ الدِّرهمِ إلى اللحم، فصرفَ وزادَه خيراً، وله: أنّه

стр. 854

فإن أمرَه بشراءِ عبدينِ عُيّنَيْنِ بلا ذِكْرِ ثَمَن، فشرى أحدَهما، أو بشرائهما بألفٍ وقيمتُهُما سواء، فشرى أحدَهما بنصفِه، أو بأقلَّ صحَّ وبالأكثرِ لا، إلاَّ إذا شرى الآخرَ بباقي الثَّمن قبل الخصومةِ، فإن قال: اشتريتُه بألفٍ، وقال آمره بنصفِه، فإن كان ألف الآمر صُدِّقَ الآخرُ إن ساواه وإلاَّ فالآمر، وإن لم يكنْ ألفُهُ وساوى نصفَهُ صُدِّقَ الآمر، وإن ساواه تحالفا أمرَهُ بشراءِ مَنٍّ لا بشراءِ الزِّيادة (١)، وإنِّما قال: ممِّا يباعُ مَنَّ بدرهم؛ حتَّى لو اشترى لحماً لا يباعُ مَنٌّ بدرهم، بل بأقلَّ يكونُ الشِّراءُ واقعاً للوكيل؛ لأنَّ الآمرَ أمرَهُ بشراءِ لحمٍ يساوي مَنَّ منه بدرهمٍ لا بأقلّ. (فإن أمرَه بشراءِ عبدينِ عُيّنَيْنِ بلا ذِكْرِ ثَمَن، فشرى أحدَهما، أو بشرائهما بألفٍ وقيمتُهُما سواء، فشرى أحدَهما بنصفِه، أو بأقلَّ صحَّ وبالأكثرِ لا، إلاَّ إذا شرى الآخرَ بباقي الثَّمن قبل الخصومةِ): أي إذا أُمِرَ بشراء عبدينِ معيَّنينِ فإن لم يذكرِ الثَّمنَ فشرى أحدَهما يَقَعُ عن الآمر؛ لأنَّ التَّوكيلَ مطلقٌ، وقد لا يتَّفِقُ الجمعُ بينهما، وإن سمَّى ثمنَهما بأن قال: اشترِ لي عبدينِ بألف، وقيمتُهما سواء، فشرى أحدَهما بالنِّصف أو بأقلَّ صحَّ عن الآمرِ، وإن اشترى بأكثر من النِّصفِ لا يقعُ عن الآمرِ، بل يقعُ عن الوكيل، إلاَّ إذا اشترى الآخرُ باقي الثَّمنَ قبل الخصومة؛ لأنَّ المقصودَ حصولُ العبدينِ بألف، وعندهما: إن اشترى أحدَهما بأكثر من النِّصفِ ممِّا يتغابنُ النَّاسُ فيه، وقد بقيَ من الثَّمن ما يشتري به الباقي يصحُّ عن الآمر. (فإن قال: اشتريتُه بألفٍ، وقال آمره بنصفِه، فإن كان ألف الآمر صُدِّقَ الآخرُ إن ساواه وإلاَّ فالآمر): أي إن أعطاهُ الآمرُ الألفَ، وقال: اشترِ به لي جاريةً فشرى، وقال اشتريتُها بألف، وقال الآمرُ: اشتريتُها بخمسمئةٍ صُدِّقَ الوكيلُ إن ساوى المبيعُ الألف، وإن لم يساوه صُدِّقَ الآمرُ؛ لأنَّه أمره بشراءِ جاريةٍ بألف، والوكيلُ لا يملكُ الشَّراءَ بالغبن الفاحش، فلا يَقَعُ عن الآمر، بل يقعُ عن الوكيل. (وإن لم يكنْ ألفُهُ وساوى نصفَهُ صُدِّقَ الآمر، وإن ساواه تحالفا): أي قال: اشتر

стр. 855

وكذا في معيَّنٍ لم يسمِّ له ثمناً، فشراه واختلفا في ثمنِه، وإن صَدَّقَ البائعُ المأمورَ في الأظهرِ تحالفا. فصل [في البيع] لا يَصِحُّ بيعُ الوكيلِ وشراؤُهُ ممَّن تردُّ شهادته له لي جاريةً بألف، ولم يعطْهِ الألف، وقال: المأمورُ اشتريتُها بالألف، وقال الآمر: بل بنصفِهِ، فإن كانت قيمتُها خمسمئةٍ صُدِّقَ الآمر، وكذا إن كانت أكثرُ من خمسمئة، وأقلُّ من ألف؛ لظهور المخالفة؛ لأن الآمرَ وقعَ بشراءِ جاريةٍ تساوي ألفا بألف، وإن كانت قيمتُها ألفاً تحالفا؛ لأنَّ الوكيلَ والموكِّلَ بمنْزلةِ البائعِ والمشتري، فإن تحالفا ينفسخُ البيعُ بينهما، وبقي المبيعُ للوكيل (١). واعلم أن المراد بقوله: صُدِّقَ في جميع ما ذَكَرَ التَّصديقُ بغيرِ الحلف (٢). (وكذا في معيَّنٍ لم يسمِّ له ثمناً، فشراه واختلفا في ثمنِه، وإن صَدَّقَ البائعُ المأمورَ في الأظهرِ تحالفا (٣)): أي إن (٤) أمرَ أن يشتري له هذا العبد، ولم يسمِّ له ثَمَناً فاشتراه، فقال اشتريته: بألف، وقال الآمر: بل بنصفه تحالفا وإن صَدَّقَ البائعُ المأمور، وإنِّما قال هذا: لأنَّ في صورةِ تصديقِ البائعِ المأمور قد قيل: لا تحالف، بل القولُ للمأمورِ مع اليمين؛ لأنَّ الخلافَ يَرْتَفِعُ بتصديقِ البائعِ، فلا يجري التَّحالف، لكن الأظهرَ أن يتحالفا، وهذا قول أبي منصور ﵁؛ لأنَّ البائعَ بعد استيفاءِ الثَّمَنِ أجنبيٌّ عنهما، وأيضاً هو أجنبيٌّ عن الموكِّلِ فلا يصدَّقُ عليه. فصل [في البيع] (لا يَصِحُّ بيعُ الوكيلِ وشراؤُهُ ممَّن تردُّ شهادته له)، هذا عند أبي حنيفة ﵁،

стр. 856

وصحَّ بيعُ الوكيلِ بما قلّ أو كَثُر، والعرض، والنَّسيئة، وبيعُ نصفِ ما وُكِّلَ ببيعِه، وأخذه رهناً، أو كفيلاً بالثَّمن، فلا يضمنُ إن ضاعَ في يدِه، أو تَوَى ما على الكفيل، ويقيَّدُ شراءُ الوكيلِ به بمثل القيمة، وبزيادةٍ يتغابنُ النَّاس فيها: وهي ما يقومُ به مقوَّم، وتَوَقَّفَ شراءُ نصفُ ما وُكِّلَ بشرائِهِ على شراءِ الباقي، ولو رُدَّ مبيعٌ على وكيل بعيبٍ يَحْدُثُ مثلُهُ أو لا يحدثُ مثلُه ببيِّنة، أو وعندهما: يجوزُ إن كان بمثل القيمةِ إلا من عبدِه أو مكاتبِه. (وصحَّ بيعُ الوكيلِ بما قلّ أو كَثُر، والعرض، والنَّسيئة)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما: لا يصحُّ إلاَّ بما يتغابنُ النَّاسُ فيه، فلا يصحُّ إلاَّ بالدَّراهمِ والدَّنانير؛ لأنَّ المطلقَ ينصرف إلى المتعارف، والمرادُ بالنسيئة: البيعُ بالثَّمنِ المؤجَّل، وعندهما يتقيَّدُ بأجل متعارف. (وبيعُ نصفِ ما وُكِّلَ ببيعِه)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما: لا يجوزُ إلا أن يبيعَ الباقي قبل أن يختصما؛ لئلا يلزمَ ضرَّرُ الشِّركة. (وأخذه رهناً، أو كفيلاً بالثَّمن، فلا يضمنُ إن ضاعَ في يدِه، أو تَوَى ما على الكفيل): الضَّميرُ في ضاعَ يرجعُ إلى الرَّهن. وصورةُ التَّوَى: أن يَرْفَعَ الحادثةَ إلى قاضٍ يرى براءةَ الأصيلِ بنفس الكفالة كما هو مذهب مالك ﵁، فحكمَ ببراءةِ الأصيل بنفسه (١)، ثُمَّ مات الكفيل مفلساً. (ويقيَّدُ شراءُ الوكيلِ به (٢) بمثل القيمة، وبزيادةٍ يتغابنُ النَّاس (٣) فيها: وهي ما يقومُ به مقوَّم، وتَوَقَّفَ شراءُ نصفُ ما وُكِّلَ بشرائِهِ على شراءِ الباقي)، هذا بالاتفاق، والفرقُ لأبي حنيفةَ ﵁ بينِ البيعِ والشِّراءِ أن في الشراء تهمة، وهي أنَّه اشترى لنفسِه، ثُمَّ نَدِمَ فيلقيهِ على الموكِّل، ولا تهمةَ في البيع فيجوز؛ لأنَّ الأمرَ ببيعِ الكُلِّ يتضمنُ بيعَ النِّصف؛ لأنَّه ربَّما لا يتيسَّرُ بيعُ الكلِّ دفعة. (ولو رُدَّ مبيعٌ على وكيل بعيبٍ يَحْدُثُ مثلُهُ أو لا يحدثُ (٤) مثلُه (٥) ببيِّنة، أو

стр. 857

نكول، أو إقرار رَدَّه على آمره إلاَّ وكيلٌ أقرَّ بعيبٍ يحدثُ مثلُه، ولزمه ذلك، فإن باعَ نساءً؛ فقال آمرُه: أمرتُكَ بنقد، وقال الوكيل: أطلقت، صُدِّقَ الآمر، وفي المضاربةِ المضارب، ولا يصحُّ تصرُّفُ أحدِ الوكيلين وحدَهُ فيما وُكِّلا به، إلاَّ في خصومةِ وردِّ وديعة، وقضاءِ دين، وطلاقٍ وعتق لم يعوَّضا، ولا توكيلَ الوكيلِ إلاَّ بإذن آمرِهِ أو بقولِهِ له: اعملْ برأيك، فإن وكَّلَ بإذنِهِ نكول، أو إقرار رَدَّه على آمره إلاَّ وكيلٌ أقرَّ بعيبٍ يحدثُ مثلُه، ولزمه ذلك): أي باعَ الوكيلُ بالبيع، ثمَّ رُدَّ عليه بالعيب؛ فإن كانَ العيبُ ممَّا لا يحدثُ مثلُه؛ كالإصبعِ الزَّائدةِ، أو لا يحدثُ مثلُهُ في هذهِ المدَّةِ يردُّ على الآمرِ سواءٌ كانَ الردُّ على الوكيلِ بالبيِّنةِ أو بالنُّكولِ أو بالإقرارِ، وإن كانَ العيبُ ممَّا يحدثُ مثلُه؛ فإن كانَ الردُّ عليه بالبيِّنةِ أو النُّكولِ ردَّهُ على الآمرِ، وإن كانَ بالإقرارِ لا يردُّهُ على الآمر. وتأويلُ اشتراطِ البيِّنةِ أو النُّكولِ أو الإقرارِ في العيبِ الذي لا يحدثُ مثلُه، أنَّ القاضي رُبَّما يعلمُ أنَّ هذا العيبَ لا يحدثُ مثلُهُ في مدَّةِ شهر، لكن يشتبه عليه تاريخُ البيعِ فيحتاجُ إلى إحدى هذه الحجج، أو كانَ العيبُ لا يعرفُهُ إلا النِّساءُ أو الأطبَّاء، وقولُ المرأةِ والطَّبيبِ حجَّةٌ في توجُّهِ الخصومةِ لا في الرَّد؛ فيفتقرُ إلى هذه الحججِ للردِّ، حتى لو عاينَ القاضي البيعَ والعيبَ ظاهراً لا يحتاجُ إلى شيءٍ منها. (فإن باعَ نساءً؛ فقال آمرُه: أمرتُكَ بنقد، وقال الوكيل: أطلقت، صُدِّقَ الآمر، وفي المضاربةِ المضارب)؛ لأنَّ الأمرَ يستفادُ من الآمر، فالقولُ له، أمَّا المضاربةُ فالظَّاهر فيها الإطلاق، فالقولُ للمضارب. (ولا يصحُّ تصرُّفُ أحدِ الوكيلين وحدَهُ فيما وُكِّلا به، إلاَّ في خصومةِ وردِّ وديعة، وقضاءِ دين، وطلاقٍ وعتق لم يعوَّضا (١))، أمَّا في الخصومة؛ فلأنَّ الاجتماعَ فيها يفضي إلى الشَّغب (٢)، وفي الأمورِ الأخرِ لا يحتاجُ إلى الرَّأي. «ولا توكيلَ الوكيلِ إلاَّ بإذن آمرِهِ أو بقولِهِ له: اعملْ برأيك، فإن وكَّلَ بإذنِهِ

стр. 858

كان الثَّاني وكيلَ الموكِّلِ الأوَّلِ لا الثَّاني، فلا ينعزلُ بعزلِهِ أو بموتِه، وينعزلانِ بموتِ الأوَّل، وإن وكَّل بلا إذنِهِ فعقدُ الثَّاني عندَ الأوَّل، أو بغيبتِهِ وأجازَ هو، أو كانَ قدَّرَ الثَّمن. ولا يصحُّ بيعُ عبدٍ أو مكاتبٍ أو ذميِّ في مالَ صغيرِهِ المسلمِ وشراؤه. باب الوكالة بالخصومة والقبض للوكيلِ بالخصومةِ القبضُ عندَ الثَّلاثةِ: كالوكيلِ بالتَّقاضي في ظاهرِ الرواية ويفتى بعدمِ قبضهما الآن، وللوكيلِ بقبضِ الدَّينِ الخصومةُ كان الثَّاني وكيلَ الموكِّلِ الأوَّلِ لا الثَّاني، فلا ينعزلُ بعزلِهِ أو بموتِه، وينعزلانِ بموتِ الأوَّل، وإن وكَّل بلا إذنِهِ فعقدُ الثَّاني عندَ الأوَّل، أو بغيبتِهِ وأجازَ هو، أو كانَ قدَّرَ الثَّمن) (١) (٢). ولا يصحُّ بيعُ عبدٍ أو مكاتبٍ أو ذميِّ في (٣) مالَ صغيرِهِ المسلمِ وشراؤه): أي الشِّراءُ بمالِه، فالحاصلُ أنَّ العبدَ والمكاتبَ لا ولايةَ لهما في مالِ ولدِهِ الصَّغير، والكافرَ لا ولايةَ لهُ في مالِ صغيرِهِ المسلم. (والله أعلم بالصواب) (٤). باب الوكالة بالخصومة والقبض (للوكيلِ بالخصومةِ القبضُ عندَ الثَّلاثةِ): أي عندَ أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمَّد ﵃، خلافاً لزفرَ ﵁، (كالوكيلِ بالتَّقاضي في ظاهرِ الرواية ويفتى بعدمِ قبضهما الآن)، فإنَّ الوكيلَ بالتَّقاضي يملكُ القبضَ في ظاهرِ المذهب، لكنَّ الفتوى في هذا الزَّمانِ على أنَّ الوكيلَ بالخصومة والوكيلَ بالتَّقاضي لا يملكانِ القبض؛ لظهورِ الخيانةِ في الوكلاء. (وللوكيلِ بقبضِ الدَّينِ الخصومةُ)، هذا عندَ أبي حنيفة ﵁، وأمَّا (٥) عندهما: لا

стр. 859

لا للذي يقبضُ العين، فلو قامَ حجَّةُ ذي اليدِ على الوكيل بقبضِ عبدٍ أنَّ موكِّلَهُ باعَهُ منه، يُقْصَرُ يده، ولا يثبتُ البيع، فتقامُ ثانياً على البيعِ إذا حضرَ الغائب، كما يقصرُ يدُ الوكيلِ بنقلِ المرأةِ والعبدِ بلا طلاقٍ وعتق، لو قامتْ حجَّتُهما عليه حتى يحضرَ الغائب، وصحَّ إقرارُ الوكيلِ بالخصومة عند القاضي، وعند غيرِه لا يملكُ الخصومة، (لا للذي يقبضُ العين (١)، فلو قامَ حجَّةُ ذي اليدِ على الوكيل (٢) بقبضِ عبدٍ أنَّ موكِّلَهُ باعَهُ منه، يُقْصَرُ يده، ولا يثبتُ البيع، فتقامُ ثانياً على البيعِ إذا حضرَ الغائب)، أدخلَ فاءَ التَّعقيبِ في قولِه: فلو قام؛ لأنَّ هذهِ المسألةَ من فروعِ أنَّ الوكيلَ بقبضِ العينِ هل هو وكيلٌ بالخصومةِ أم لا؟ ففي هذهِ المسألةِ قياسٌ واستحسان؛ فالقياس: إنَّ العبدَ يدفعُ إلى الوكيِل، ولا يقبلُ ببيِّنةِ أنَّ الموكِّلَ باعَ من صاحبِ اليد؛ لأنَّ البيِّنةَ قامتْ على غيرِ خصم، وفي الاستحسان: يقصرُ يدُ الوكيلِ من غيرِ أن يثبتَ البيعَ في حقِّ الموكِّل؛ لأنَّهُ خصمٌ في قصرِ اليد، وإن لم يكنْ خصماً في إثباتِ البيعِ على الموكِّل. (كما يقصرُ يدُ الوكيلِ بنقلِ المرأةِ والعبدِ بلا طلاقٍ وعتق، لو قامتْ حجَّتُهما عليه حتى يحضرَ الغائب): أي إذا جاءَ رجلٌ وقال: أنا وكيلُ زيدٍ الغائب، بنقلِ امرأتِهِ وعبدِهِ إلى موضعِ كذا، فأقامتْ المرأةُ البيِّنةَ على أنَّ موكِّلَهُ طلَّقها، والعبدُ على أنَّهُ أعتقَه، يقصرُ يدُ الوكيلِ من غيرِ أن يثبتَ الطَّلاقُ والعتق، بل إذا حضرَ الغائبُ يجبُ إعادةُ إقامةِ البيِّنة، فقولُهُ: حتى يحضرَ الغائب، يتعلَّقُ بقولِهِ بلا طلاقٍ وعتقٍ: أي لا يقعُ الطَّلاقُ والعتقُ حتى يحضرَ الغائب؛ فإنَّهُ إذا حضرَ يقعُ إن أعيدتْ البيِّنة، فإعادةُ البيِّنةِ قد سبقتْ في المسألةِ الأولى، وقد جعلَ حكمُ هذه المسألةِ كالحكمِ (في المسألةِ) (٣) الأوَّلى فيفهمُ إعادةُ البيِّنة. (وصحَّ إقرارُ الوكيلِ بالخصومة (٤) عند القاضي، وعند غيرِه لا)، هذا عند أبي

стр. 860

كتوكيلِ ربِّ المالِ كفيلَهُ بقبضِ ماله عن المكفولِ عنه، ومصدَّقٌ الوكيلَ بقبضِ دينِهِ إن كان غريماً أُمِرَ بدفعِ دينِهِ إلى الوكيل، ثمَّ إن كذَّبَهُ الغائبُ دفعَ الغريمُ إليه ثانياً، ورجعَ به على الوكيلِ فيما بقي، وفيما ضاعَ لا حنيفةَ ﵁ ومحمَّدٍ ﵁، وعند أبي يوسفَ ﵁ يجوز وإن كانَ عند غيرِ القاضي، وعند زفرَ ﵁ وهكذا عندَ الشَّافعيِّ (١) ﵁ لا يجوزُ أصلاً؛ لأنَّهُ مأمورٌ بالخصومة، لا بالإقرار، ولنا: أنّ الخصومةَ يرادُ بها الجوابُ، فيتضمَّنُ الإقرار (٢). (كتوكيلِ ربِّ المالِ كفيلَهُ بقبضِ ماله عن المكفولِ عنه): أي كما لا يصحُّ توكيلُ ربِّ المالِ الكفيلَ بقبضِ المكفولِ به، عن المكفولِ عنه؛ لأنَّ الوكيلَ مَن يعملُ لغيرِهِ وهنا يعملُ لنفسِه (٣). (ومصدَّقٌ الوكيلَ بقبضِ دينِهِ إن كان غريماً أُمِرَ بدفعِ دينِهِ إلى الوكيل): أي ادَّعى رجلٌ أنَّه وكيلُ الغائبِ بقبضِ دينِهِ من الغريم؛ فصدَّقَهُ الغريم، أُمِرَ بتسليمِ الدَّينِ إلى الوكيل، (ثمَّ إن كذَّبَهُ الغائبُ دفعَ الغريمُ إليه ثانياً، ورجعَ به على الوكيلِ فيما بقي، وفيما ضاعَ لا)؛ لأنَّ غرضَهُ من دفعِهِ براءةُ ذمَّتِه، فإذا لم يحصلْ غرضُهُ؛ ينقضُ الدَّفع، أمَّا إذا ضاعَ لا يضمنُه؛ لأنَّهُ اعترفَ أنَّهُ محقٌّ في القبض، والاستردادُ أسهلُ من التَّضمين، فلهُ ولايةُ ذلك، لا ولايةُ هذا.

стр. 861

إلاَّ إذا كان ضَمِنَهُ عند دفعِه، أو دفعَ إليه على ادِّعائهِ غيرَ مصدِّقٍ وكالَتَه، وإن كان مودِعاً لم يؤمرْ بدفعِها إليه، ولو قال: تركها المودعُ ميراثاً لي، وصدَّقه المودع، أُمِرَ بالدَّفعِ إليه، ولو ادَّعى الشِّراءَ منه لم يؤمر، ومَن وُكِّلَ بقبضِ مال، وادَّعى الغريمُ قبضَ دائنِه، دفعَ إليه، واستحلفَ دائنَهُ على قبضِهِ لا الوكيلَ على العلمِ بقبضِ الموكِّلِ الدَّين (إلاَّ إذا كان ضَمِنَهُ (١) عند دفعِه، أو دفعَ إليه على ادِّعائهِ غيرَ مصدِّقٍ وكالَتَه)، بأن قال الوكيل: إذا حضرَ الغائب، وأنكرَ التَّوكيلَ، فإنِّي ضامنٌ لهذا المالِ أو الغريمِ دفعَهُ بناءً على دعوى الوكيلِ من غيرِ أن يصدِّقَ وكالتَهُ، ففي هاتيْن الصُّورتينِ إن أنكرَ الغائبُ فالغريمُ يضمنُ الوكيلَ إن ضاعَ المال. (وإن كان مودِعاً لم يؤمرْ بدفعِها إليه): أي إن كان مصدِّقُ الوكيل مودعاً لم يؤمرْ بدفعِ الوديعةِ إلى مدَّعي الوكالة؛ لأنَّ تصديقَهُ إقرارٌ على الغير، بخلافِ الدَّينِ فإنَّ الدُّيونَ تقضى بأمثالها، والمثلُ ملكُ المديون. (ولو قال: تركها المودعُ ميراثاً لي، وصدَّقه المودع (٢)، أُمِرَ بالدَّفعِ إليه (٣)): أي إن (٤) ادَّعى أنَّ المودعَ مات، وتركَ الوديعةَ ميراثاً لي (٥) وصدَّقَهُ المودع، أُمِرَ بالدَّفعِ إليه. (ولو ادَّعى الشِّراءَ منه لم يؤمر): أي ادَّعى أنَّهُ اشترى من المودعِ، وصدَّقهُ المودع، لم يؤمرْ بدفعِ الوديعةِ إلى المدِّعي؛ لأنَّ المدِّعي أقرَّ بملكِ الغير، والغيرُ أهلٌ للملكِ؛ لأنَّهُ حيٌّ فلا يصدَّقُ في دعوى البيعِ على ذلك الحيِّ، بخلافِ مسألةِ الإرث؛ لأنَّهما اتَّفقا على موتِ المودع، فكانَ هذا اتِّفاقاً على أنَّهُ ملكُ الوارث. (ومَن وُكِّلَ بقبضِ مال، وادَّعى الغريمُ قبضَ دائنِه، دفعَ إليه، واستحلفَ دائنَهُ على قبضِهِ لا الوكيلَ على العلمِ بقبضِ الموكِّلِ الدَّين (٦)) (٧): أي جاءَ الوكيلُ بقبضِ

стр. 862

ولا يردُّ الوكيلُ بعيبٍ قبلَ حلفِ المشتري، لو قال البائعُ: رضيَ هو به، ومن دفعَ إلى آخرَ عشرةَ ينفقَها على أهلِه، فأنفقَ عليهم عشرةً له، فهيَ بها الدَّينِ من المديون، فادَّعى المديونُ أنَّ الدَّائنَ قد قبضَ دينَه، ولا بيِّنةَ له، يؤمرُ بالدَّفعِ إلى الوكيل، فإذا حضرَ الدَّائن، وأنكرَ القبضَ يستحلفُ، ولا يستحلفُ الوكيلُ بأنَّكَ لا تعلمُ أنَّ الموكِّل قد قبضَ الدِّين؛ لأنَّ الوكيلَ نائبٌ له. أقول: إن ادَّعى المديونُ أنَّكَ تعلمُ أنَّ الموكِّلَ قد قبضَ الدَّين، وأنكرَ الوكيلُ العلمَ ينبغي أن يستحلفَ لأنَّهُ ادَّعى أمراً لو أقرَّ بهِ الوكيلُ يلزمُهُ، ولم يبقَ لهُ طلبُ الدَّين، فإذا أنكرَهُ يستحلف. (ولا يردُّ الوكيلُ بعيبٍ قبلَ حلفِ المشتري، لو قال البائعُ: رضيَ هو به)، وكَّلَ المشتري رجلاً بردِّ المبيعِ بالعيبِ، وغابَ المشتري، فأرادَ الوكيلُ الرَّدّ، فقال البائع: رضيَ المشتري بالعيب، فالوكيلُ لا يردُّ بالعيبِ حتى يحلفَ المشتري أنَّه لم يرضَ بالعيب. والفرقُ بين هذه المسألة ومسألةِ الدَّين: أنّ التَّداركَ ممكنٌ في مسألةِ الدَّينِ باستردادِ ما قبضَهُ الوكيلُ إذا ظهرَ الخطأُ عند نكولِ ربِّ الدَّين، وهاهنا غيرُ ممكن؛ لأنَّ القضاءَ بفسخِ البيعِ يصحُّ وإن ظهرَ الخطأ عند أبي حنيفةَ ﵁؛ لأن القضاءَ ينفذُ ظاهراً وباطناً عنده، فلا يستحلفُ المشتري بعد ذلك، وأمَّا عندهما: فقد قالوا: يجبُ أن يردَّ بالعيبِ كما في مسألةِ الدَّين؛ لأنَّ التَّداركَ ممكنٌ عندهما لبطلانِ القضاءِ، وقيل: الأصحُّ (١) عند أبي يوسفَ ﵁ أن يؤخِّرَ الرَّدَّ في الفصلين إلى أن يستحلف. (ومن دفعَ إلى آخرَ عشرةَ ينفقَها على أهلِه، فأنفقَ عليهم عشرةً له، فهيَ بها)، قيل: هذا استحسان، وفي القياسِ يصيرُ متبرِّعاً بإنفاق ما هو ملكُه، وجهُ الاستحسان: أنَّ الوكيلَ بالإنفاق، وكيلٌ بالشِّراء (٢)، والحكمُ فيه ما ذكرنا.

стр. 863

باب عزل الوكيل للموكِّلِ عزلُ وكيلِه، ووُقِفَ على علمِه. وتبطلُ الوكالةُ بموتِ أحدِهما، وجنونِهِ مطبقاً، ولحاقُهُ بدارِ الحربِ مرتدَّاً، وكذا بعجزِ موكِّلِهِ مكاتباً، وحجرِهِ مأذوناً، وافتراقِ الشَّريكين، وإن لم يعلمْ به وكيلُهُم، وبتصرُّفِ موكِّلِ فيما وكِّلَ بهِ. باب عزل الوكيل (للموكِّلِ عزلُ وكيلِه، ووُقِفَ على علمِه (١). وتبطلُ الوكالةُ بموتِ أحدِهما، وجنونِهِ مطبقاً)؛ الجنونُ المطبقُ شهرٌ عند أبي يوسفَ ﵁، وعنه: إنَّه أكثرُ من يومٍ وليلةٍ، وعندَ محمَّدٍ ﵁ حول، فقدَّرَ به احتياطاً (٢)، (ولحاقُهُ بدارِ الحربِ مرتدَّاً، وكذا بعجزِ موكِّلِهِ مكاتباً، وحجرِهِ مأذوناً، وافتراقِ الشَّريكين): أي أحدُ الشَّريكين وكَّلَ ثالثاً بالتَّصرُّفِ في مال الشَّركةِ فافترقا، يبطلُ الوكالة، (وإن لم يعلمْ به وكيلُهُم) (٣): أي وكيلُ المكاتبِ والمأذونِ وأحدُ الشَّريكين. (وبتصرُّفِ موكِّلِ فيما وكِّلَ بهِ): أي (٤) سواءٌ لم يبق محلاًّ للتَّصرُّف، كما إذا وكِّلَه بالإعتاقِ فأعتقه أو بقيَ محلاً، كما لو وكَّلَهُ بنكاحِ امرأةٍ، فنكحَها الموكِّلُ ثمَّ أبانَها لم يكنْ للوكيلِ أن يزوِّجَها للموكِّل. * * *

стр. 864

كتاب الدعوى هي إخبارٌ بحقٍّ له على غيرِه، والمدَّعي: مَن لا يُجْبَرُ على الخصومة، والمدَّعى عليه: مَن يجبر، وهي إنَّما تصحُّ بذكرِ شيءٍ عُلِمَ جنسُهُ وقدرُه، وإنَّهُ في يدِ المدَّعى عليه، وفي المنقولِ يزيدُ بغيرِ حقٍّ كتاب الدعوى (هي إخبارٌ بحقٍّ له على غيرِه، والمدَّعي: مَن لا يُجْبَرُ على الخصومة، والمدَّعى عليه: مَن يجبر)، لَمَّا فسَّرَ الدَّعوى، كان (المدَّعي على هذا التَّفسير هو المخبرُ بحقٍّ له على غيرِه) (١). فقولُهُ: المدَّعي مَن لا يجبرُ على الخصومة؛ تفسيرٌ آخرُ ذكرَهُ بعضُ المشايخِ ﵃، وقد قيل: المدَّعي: مَن يلتمسُ خلافَ الظَّاهر، وهو الأمرُ الحادث، والمدَّعى عليه: مَن يتمسَّكُ بالظَّاهر، كالعدمِ الأصليّ، لكنَّ الاعتبارَ في هذا للمعنى حتى أنَّ المودَعَ إذا ادَّعى ردَّ الوديعة، فهو مدَّعٍ في الظَّاهر، لكنَّهُ في المعنى منكرٌ للضَّمان (٢). (وهي إنَّما تصحُّ بذكرِ شيءٍ عُلِمَ جنسُهُ وقدرُه)، هذا في دعوى الدَّينِ لا في دعوى العين؛ فإنَّ العينَ إن كانت حاضرةً تكفي الإشارةُ بأنَّ هذا ملكٌ لي، وإن كانت غائبةً يجبُ أن يصفَها ويذكرَ قيمتَها، (وإنَّهُ في يدِ المدَّعى عليه)، هذا يختصُ بدعوى الأعيانِ، (وفي المنقولِ يزيدُ بغيرِ حقٍّ)، فإنَّ الشَّيءَ قد يكونُ في يدِ غيرِ المالكِ بحقٍّ كالرَّهنِ في يدِ المُرْتَهِن، والمبيعِ في يدِ البائع لأجلِ الثِّمن.

стр. 865

وفي العقارِ لا تثبتُ اليدُ إلاَّ بحجَّةٍ أو علمِ القاضي أقول: هذه العلَّةُ تشتملُ العقارَ أيضاً، فلا أدري ما وجهُ تخصيصِ المنقول بهذا الحكم (١). (وفي العقارِ لا تثبتُ اليدُ إلاَّ بحجَّةٍ أو علمِ القاضي)، قالَ في «الهداية»: إنَّهُ لا تثبتُ (٢) اليدُ في العقارِ إلاَّ بالبيِّنة أو علم القاضي، هو الصَّحيحُ؛ نفياً لتهمةِ المواضعة، إذ العقارُ عساهُ في يدِ غيرِهِما، بخلافِ المنقول؛ فإنَّ اليدَ فيه مشاهدة (٣). فتهمةُ المواضعة: أنَّ المدَّعي والمدَّعى عليه تواضعا على أن يقولَ المدَّعى عليه: إنَّ الدَّارَ في يدي، والحالُ أنَّها في يدِ ثالث، فيقيمُ المدَّعي بيِّنة، ويحكمُ القاضي بأنَّها ملكُ المدَّعي. وإنَّما قال في «الهداية»: هو الصَّحيح؛ لأنَّ عندَ بعضِ المشايخ ﵃ يكفي تصديقُ المدَّعى عليه أنَّها في يدِه، ولا يحتاجُ إلى إقامةِ البيِّنة. فإنَّهُ إن كان في يدِه، وأقرَّ بذلك، فالمدَّعي يأخذها منه إن ثبتَ ملكيتُهُ بالبيِّنة أو بإقرار ذي اليد أو نكوله، وإن لم يكنْ في يدِه وأقرَّ بذلك لا يكون للمدَّعي ولايةُ الأخذِ من ذي اليد، وإن أقامَ المدَّعي البيِّنة؛ لأنَّ البيِّنةَ قامتْ على غيرِ خصم، فعُلِمَ أنَّهُ إذا أقرَّ ذو اليدِ باليد؛ فإنَّ الضَّررَ لا يلحقُ إلاَّ بذي اليد، ولا يلحقُ إلى غيرِهِ فتهمةُ المواضعةِ مدفوعةٌ، على أنَّ تهمةَ المواضعةِ إن كانت ثابتةً هاهنا ففي صورةِ إقامةِ البيِّنةِ ثابتةٌ أيضاً، فإنَّ الدَّارَ إذا كانت في يدِ رجلٍ أمانةً فتواضعَ المدَّعي وذو اليدِ على أنَّ ذا اليدِ لا يقولُ أنَّها أمانةٌ في يدِه، حتى يقيمَ المدَّعي بيِّنَةً على أنَّها في يدِ ذي اليد، ثمَّ يقيمُ بيِّنةً على أنَّها ملكُ المدَّعي، فيقضي القاضي ويأخذُ المدَّعي الدَّار.

стр. 866

والمطالبةُ به وإحضارُهُ إن أمكن، وذكرُ قيمتِهِ إن تعذَّر، والحدودِ الأربعة أو الثَّلاثةِ في العقار، وأسماءِ أصحابها ونسبتِهم إلى الجد، وإذا صحَّتْ سألَ القاضي الخصمَ عنها، فإن أقرَّ بها حكمَ أو أنكر، وسألَ فالحاصل: إنَّهُ إذا ظهرَ أنَّهُ في يدِ ثالث، وذو اليدِ أقرَّ أنَّهُ في يدِه، لا يصيرُ الثَّالثُ محكوماً عليه، وكذا إذا ظهرَ أنَّ يدَ ذي اليدِ يدُ أمانةٍ لا يدُ خصومة (١). (والمطالبةُ به): عطفٌ على قوله: وإنَّهُ في يدِ المدَّعى عليه، (وإحضارُهُ إن أمكن)؛ ليشيرَ إليه المدَّعي والشَّاهدُ والحالف. (وذكرُ قيمتِهِ إن تعذَّر، والحدودِ الأربعة أو الثَّلاثةِ في العقار، وأسماءِ أصحابها ونسبتِهم إلى الجد): ذكرُ الحدودِ يشترطُ في دعوى الدَّارِ عند أبي حنيفةَ ﵁ وإن كانتْ مشهورة، وعندهما: لا يشترطُ إذا كانتْ مشهورة، ثمَّ ذكرُ الحدودِ الثَّلاثةِ كافٍ عندنا خلافاً لزفرَ ﵁؛ فإنَّهُ إذا ذكرَ ثلاثةَ حدودٍ كما في هذهِ الصُّورةِ فالحدُّ الرَّابعُ خطٌّ مستقيمٌ آخر (٢)، والنِّسبةُ إلى الجدِّ قولُ أبي حنيفةَ ﵁ وإن كان رجلاً مشهوراً يكتفى بذكرِه، هذا في دعوى الأعيان. أمَّا في دعوى الدَّينِ فلا بُدَّ من ذكرِ الجنسِ والقدر، كما مرّ، وذكرَ في «الذخيرة»: إنَّهُ إذا كان وزنيَّاً كالذَّهبِ والفضّةِ لا بُدَّ أن يذكرَ الصفةَ بأنَّهُ جيِّدٌ أو رديء، وأن يذكرَ نوعَهُ نحو بُخاريَّ (٣) الضَّربِ أو نيسابوريِّ الضَّرب. (وإذا صحَّتْ سألَ القاضي الخصمَ عنها، فإن أقرَّ بها (٤) حكمَ (٥) أو أنكر، وسألَ

стр. 867

المدَّعي البيِّنة فأقامَ قضى عليه، وإن لم يقمْ حلَّفَهُ إن طلبَهُ خصمُهُ فإن نَكَلَ مرَّةً، أو سكتَ بلا آفة، وقضى بالنُّكولِ صحّ، وعرضَ اليمينَ ثلاثاً، ثمَّ القضاءُ أحوط. ولا يردُّ اليمينُ على مدَّعٍ وإن نكلَ خصمُه، ولا يحلفُ في نكاحٍ ورجعةٍ وفيء في إيلاءٍ واستيلادٍ ورقٍّ ونسبٍ وولاءٍ المدَّعي البيِّنة فأقامَ قضى عليه، وإن لم يقمْ حلَّفَهُ إن طلبَهُ خصمُهُ فإن نَكَلَ (١) مرَّةً): أي قال: لا أحلف، (أو سكتَ بلا آفة، وقضى بالنُّكولِ صحّ، وعرضَ اليمينَ ثلاثاً، ثمَّ القضاءُ أحوط (٢). ولا يردُّ اليمينُ على مدَّعٍ وإن نكلَ خصمُه)، فيه خلافُ الشَّافعيِّ (٣) ﵁ فإنَّ عندهُ إذا نكلَ الخصمُ يُرَدُّ اليمينُ على المدَّعي، هذا بدعة، وأوَّلُ مَن قضى به عندنا معاويةُ (٤) ﵁، وهو مخالفٌ للحديثِ المشهور (٥). (ولا يحلفُ في نكاحٍ (٦) ورجعةٍ وفيء في إيلاءٍ واستيلادٍ ورقٍّ ونسبٍ وولاءٍ)، اعلم أنَّ في هذه الصُّورِ لا يستحلفُ عندَ أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما: يستحلف، وصورتُها:

стр. 868

.................................................................................................................... ادَّعى الرَّجلُ النِّكاح، وأنكرتْ المرأةُ أو بالعكس، أو ادَّعى الرَّجلُ بعدَ الطَّلاقِ وانقضاء العدَّةَ الرَّجعةُ في العدَّة، وأنكرتْ المرأةُ أو بالعكس، أو ادَّعى الرَّجلُ بعدَ انقضاءِ مُدَّةِ الإيلاءِ الفيءَ في المدَّة، وأنكرتْ المرأةُ أو بالعكس، وادَّعى الرَّجلُ على مجهولِ النَّسبِ أنَّهُ عبدُهُ أو ابنُه، وأنكرَ المجهولُ أو بالعكس. واختصما في ولاءِ العتاق، أو ولاءِ الموالاةِ على هذا الوجه، أو ادَّعتْ الأمةُ على مولاها أنَّها ولدتْ منهُ ولداً، أو ادَّعاهُ وقد ماتَ الولد، ولا يجري في هذه المسألةِ العكس؛ لأنَّ المولى إذا ادَّعى ذلكَ تصير أمَّ ولد بإقراره لا اعتبار لإنكارِ الأمَّة. وإنِّما يُسْتَحْلَفُ عندهما؛ لأنَّ النُّكولَ إقرارٌ؛ لأنَّ الحلفَ واجبٌ عليه على تقديرِ صدقِهِ في إنكارِه، فإذا امتنعَ عُلِمَ أنَّه غيرُ صادقٍ في الإنكار، إذ لو كان صادقاً لأقدم على أداء الواجب، وهو الحلف، وإذا كان النُّكول إقراراً والإقرارُ يجري في هذه الأمور، فيحلفُ حتَّى إذا نَكَلَ مرَّة (١) يُقْضَى بالنّكول. ولأبي حنيفةَ ﵁: إنَّ المرءَ كثيراً ما يحترز عن اليمينِ الصَّادقة، فيبذلُ (٢) شيئاً ولا يحلف، وإذا أمكن حملُه على البذل لا يثبتُ الإقرارُ بالشَّكِّ فيحملُ على البذل، والبذلُ لا يجري في هذه الأشياء، ويمكن أن يقال: لمَّا لم يجزِ البذلُ في هذه الأشياء، لا يجعلُ النكولُ بذلاً، فيحمل على الإقرار، وفي «فتاوى قاضي خان» (٣) ﵁ أن الفتوى على قولهما في النكاح (٤).

стр. 869

وحدٍّ ولعانٍ، وحلفَ السَّارقُ، وضَمِنَ إن نكَل، ولم يقطع، وكذا الزَّوج إذا ادعت المرأة طلاقاً قبل الدخول، وكذا في النِّكاح إذا ادَّعت هي مهرها، وكذا في النَّسبِ إذا ادَّعى حقَّاً كإرثٍ ونفقة وغيرهما، وكذا منكرُ القَوَد، فإن نكلَ في النَّفس حُبِسَ حتَّى يُقِرَّ أو يحلف، وفيما دونَها يقتصّ (وحدٍّ ولعانٍ): أي كما إذا ادَّعى رجلٌ على آخرَ أنَّك قذفتَني بالزِّنا، وعليك الحدُّ لا يستحلفُ بالإجماع، وكذا إذا ادعت المرأةُ على الزَّوجِ أنَّك قذفتني بالزِّنا وعليك اللِّعان. (وحلفَ السَّارقُ، وضَمِنَ إن نكَل، ولم يقطع)؛ لأنَّ المالَ يلزمُ بالنكول لا القطع، (وكذا الزَّوج إذا ادعت المرأة (١) طلاقاً قبل الدخول) (٢)؛ لأنَّه يَحْلِفُ في الطلاق إجماعاً، فإن نكلَ ضمنَ نصف مهرها. (وكذا في النِّكاح إذا ادَّعت هي مهرها): أي إذا ادَّعت المرأةُ النِّكاح، وطلبتْ المالَ كالمهرِ أو النفقة، فأنكرَ الزوجُ يحلف، فإن نكلَ يلزمُ المال، ولا يثبتُ الحلُّ عند أبي حنيفةَ ﵁؛ لأنَّ المالَ يثبتُ بالبذل لا الحِلّ. (وكذا (٣) في النَّسبِ إذا ادَّعى حقَّاً كإرثٍ ونفقة): أي يحلفُ في دعوى النَّسبِ إذا ادَّعى المدَّعي مالاً، فيثبتُ بالنّكول المالَ لا النَّسبَ عند أبي حنيفةَ ﵁، (وغيرهما): كالحَجْرِ في اللقيط، وامتناع الرُّجوع في الهبة (٤). (وكذا منكرُ القَوَد): أي يحلفُ إجماعاً، (فإن نكلَ في النَّفس حُبِسَ حتَّى يُقِرَّ أو يحلف، وفيما دونَها يقتصّ)، فإن الأطرافَ بمَنْزلةِ الأموال، فيجري فيها البذل بخلاف

стр. 870

فإن قال: لي بيِّنةٌ حاضرةٌ، وطلبَ حلفَ الخصمِ لا يحلفُ ويكفلُ بنفسِهِ ثلاثةَ أيَّام، فإن أبى لازمَه، والغريبُ قَدْرَ مجلسِ الحكمِ، ولا يكفلُ إلاَّ إلى آخر المجلس. [فصل في كيفية اليمين والاستحلاف] والحلفُ باللهِ لا بالطَّلاق والعتاق، فإنَّ ألح الخصمُ، قيل: صحَّ بهما في زماننا النَّفس (١) هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وأمّا (٢) عندهما: يلزمُ الأرشُ في النَّفس وما دونها، فإن النّكولَ إقرارٌ فيه شبهةٌ، فلا يثبتُ به القصاص، بل يلزمُ المال. (فإن قال: لي بيِّنةٌ حاضرةٌ) (٣): أي في المصر، حتَّى لو قال: لا بيِّنةَ لي، أو شهودي غُيَّبٌ، يحلفُ ولا يكفل، (وطلبَ حلفَ الخصمِ لا يحلفُ ويكفلُ بنفسِهِ ثلاثةَ أيَّام، فإن أبى لازمَه): أي إن أبى الخصمُ عن إعطاء الكفيلِ لازمه المدَّعي ثلاثةَ أيَّام، ثُمَّ عطفَ على الضَّميرِ المنصوب في لازمَه قولُه: (والغريبُ قَدْرَ مجلسِ الحكمِ): أي لازمَ المدَّعي الغريبَ مقدارَ ما يكونُ القاضي جالساً في المحكمة (٤)، (ولا يكفلُ إلاَّ إلى آخر المجلس): أي إن أخذَ منه الكفيلَ لا يؤخذُ إلاَّ إلى آخرِ مجلسِ الحكم، فإن أتى بالبيِّنة فيها، وإلاَّ يُحَلِّفَهُ إن شاء أو يدعَه. [فصل في كيفية اليمين والاستحلاف] (والحلفُ باللهِ لا بالطَّلاق والعتاق، فإنَّ ألح الخصمُ، قيل: صحَّ بهما في زماننا) (٥):

стр. 871

ويُغَلِّظُ بصفاتِه، لا بالزَّمان والمكان، وحلفَ اليهوديُّ باللهِ الذي أنزلَ التَّوراة على موسى ﷺ ، والنَّصْرانِيُّ بالله الذي أنزلَ الأنجيلَ على عيسى ﷺ ، والمجوسيُّ بالله الذي خَلَقَ النار، والوثنيُّ بالله تعالى، ولا يَحْلِفونَ في معابدِهم. ويَحْلِفُ على الحاصل في البيع والنِّكاحِ: بالله ما بينكما بيعٌ قائم، أو نكاحٌ قائمٌ في الحال، وفي الطلاق: ما هي بائن منك الآن، وفي الغصب: ما يجبُ عليك ردُّه، لا على السَّببِ باللهِ ما بعتُهُ، ونحوه أي جازَ للقاضي أن يُحَلِّفَهُ بالطَّلاق والعتاق، (ويُغَلِّظُ بصفاتِه)، نحو: بالله الطالبِ الغالب، المدرك المهلك، الحيّ الذي لا يموت أبداً (١)، ونحو ذلك، (لا بالزَّمان والمكان)، هذا عندنا، وعند الشَّافِعِيّ (٢) ﵁ يُغَلِّظ بالزَّمانِ كبعد صلاةِ العصرِ يوم الجُمُعة، وبالمكان كالمسجدِ الجامع عند المنبر. (وحلفَ اليهوديُّ باللهِ الذي أنزلَ التَّوراة على موسى ﷺ ، والنَّصْرانِيُّ بالله الذي أنزلَ الأنجيلَ على عيسى ﷺ ، والمجوسيُّ بالله الذي خَلَقَ النار، والوثنيُّ (٣) بالله تعالى، ولا يَحْلِفونَ في معابدِهم (٤). ويَحْلِفُ على الحاصل (٥) في البيع والنِّكاحِ: بالله ما بينكما بيعٌ قائم، أو نكاحٌ قائمٌ في الحال، وفي الطلاق: ما هي بائن منك الآن، وفي الغصب: ما يجبُ عليك ردُّه، لا على السَّببِ باللهِ ما بعتُهُ، ونحوه)، مثل: بالله ما نكحتُها، وبالله ما طلقتُها، وبالله ما غصبت؛ لأنَّ هذه الأسبابَ ترتفعُ بأن باعَ شيئاً، ثم تقايلا، فإن حلفَ على السَّببِ يتضرَّرُ المدَّعى عليه، هذا عند أبي حنيفة ﵁ ومحمَّد ﵁.

стр. 872

إلاَّ إذا لزم ترك النَّظرَ للمدَّعي، فيحلفُ على السَّببِ كدعوى شفعةٍ بالجوار، ونفقةِ المبتوتة، والخصم لا يراهما وعند أبي يوسف ﵁: يحلفُ على السَّببِ في جميع ذلك إلاَّ عند تعريضِ المدَّعى عليه بأن يقول: أيُّها القاضي لا تُحَلِّفْنِي على السَّبب، فإن الإنسانَ قد يبيع، ثُمَّ يقيل، أو يُطلِّقُ ثُمَّ يتزوجُ. وقيل (١): ينظرُ إلى إنكارِ المدَّعى عليه، فإن أنكرَ السببَ يَحْلِفُ عليه، وإن أنكرَ الحكمَ يحلفُ على الحاصل كدعوى الشفعة، هذا ما قالوا. ولقائل أن يقول (٢): ينبغي أن يحلفَ على السَّببِ دائماً، وإن عَرَضَ المدَّعى عليه، فلا اعتبار لذلك التَّعريض؛ لأنَّ غايةَ ما في الباب أنَّه وَقَعَ البيع، ثم وَقَعَ الإقالة، ففي دعوى الإقالةِ يصيرُ المدَّعى عليه مدَّعياً، فعليه البيِّنةُ على الإقالة، فإن عجزَ فعلى المدَّعي اليمين. (إلاَّ إذا لزم ترك النَّظرَ للمدَّعي، فيحلفُ على السَّببِ كدعوى شفعةٍ بالجوار، ونفقةِ المبتوتة، والخصم لا يراهما): أي يحلفُ على الحاصلِ إلاَّ أن يلزمَ من الحلفِ على الحاصلِ تركُ النَّظرِ للمدعي، فحينئذٍ يحلفُ على السببِ كدعوى الشفعة بالجوار، فإنَّه يمكنُ أن يحلفَ على الحاصل أن لا يجب الشُّفعة بناءً على مذهبِ الشَّافِعِيِّ (٣) ﵁، فإنَّ الشَّفعةَ لا تثبت بالجوار عنده، فيحلفُ المشتري: بالله ما اشتريتُ هذه الدار، وكذا إذا ادعت المرأة (٤) النفقة بالطلاق البائنِ كالخلعِ مثلاً، فإنَّه لا يَجِبُ

стр. 873

وكذا في سببٍ لا يرتفعُ كعبدٍ مسلمٍ يدَّعي عتقَه، وفي الأمةِ والعبدِ الكافر على الحاصل، ويحلفُ على العلمِ من وَرِثَ شيئاً فادَّعاه آخر وعلى البتاتِ إن وُهِبَ له أو اشتراه، وصحَّ فداءُ الحلفِ والصلحِ منه، ولا يحلفُ بعده النَّفقةُ عند الشَّافِعِيِّ (١) ﵁. ويجبُ عندنا، فإن حلفَ بالله ما يَجِبُ عليك النفقة، فربَّما يحلفُ على مذهب الشَّافِعِيِّ ﵁، فيحلفُ على السَّببِ بالله ما طلقتُها طلاقاً بائناً. (وكذا في سببٍ لا يرتفعُ كعبدٍ مسلمٍ يدَّعي عتقَه)، فإنَّ المولى يحلفُ باللهِ ما أعتقتُه، فإنَّه لا ضرورةَ إلى الحلفِ على الحاصل؛ لأنَّ السَّببَ لا يمكن ارتفاعُه، فإن العبدَ المسلمَ إذا أعتقَ لا يُسْتَرَّق، (وفي الأمةِ والعبدِ الكافر على الحاصل)؛ لأنَّ السَّببَ قد يرتفع فيهما، أمَّا في الأمة فالبردَّةِ واللَّحاقِ إلى دارِ الحرب، ثُمَّ السَّبي، وأمَّا في العبدِ الكافرِ فبنقضُ العهدِ واللَّحاق، ثُمَّ السَّبي. (ويحلفُ على العلمِ من وَرِثَ شيئاً فادَّعاه آخر وعلى البتاتِ إن وُهِبَ له أو اشتراه) (٢)، البتات: القطع، فالموهوبُ له والمشتري يحلفان بالله ليس هذا ملكاً لك، فعدمُ الملك مقطوعٌ به بخلافِ الوارث، فإنه يحلف بالله لا أعلم أنَّه ملك لك، فإنَّه ينفي العلم بالملك، وعدمِ الملكِ ليس مقطوعاً به في كلامِه. (وصحَّ فداءُ الحلفِ والصلحِ منه، ولا يحلفُ بعده): أي إذا توجَّه الحلفُ، فقال: أعطيتُ هذه العشرة فداءً عن الحلف على كذا، وقبل الآخر، أو قال المدَّعي: صالحتُ عن دعوى الحلفِ على كذا، وقبلَ الآخرُ صحَّ، وسقطَ حقُّ الحلفِ.

стр. 874

باب التحالف ولو اختلفا في قَدْرِ الثَّمن، أو المبيع حُكِمَ لِمَن بَرْهَنَ، وإن بَرْهَنا حُكِمَ لمثبتِ الزِّيادة، وإن اختلفا فيهما، فحجَّةُ البائعِ في الثَّمن، وحجَّةُ المشتري في المبيعِ أولى، وإن عَجَزَا رضي كلٌّ بزيادةٍ يدعيه الآخر، وإلاَّ تحالفا، وحلفَ المشتري أوَّلاً باب التحالف (ولو اختلفا في قَدْرِ الثَّمن (١)، أو المبيع حُكِمَ لِمَن بَرْهَنَ، وإن بَرْهَنا حُكِمَ لمثبتِ الزِّيادة)، وهو البائعُ إن كان الاختلافُ في قدرِ الثَّمن، والمشتري إن كان الاختلافُ في قدرِ المبيع. (وإن اختلفا فيهما)، كما إذا قال البائعُ: بعتُ هذا (٢) العبد الواحد (٣) بألفين، وقال المشتري: لا؛ بل بعتَ العبدين بألف، (فحجَّةُ البائعِ في الثَّمن، وحجَّةُ المشتري في المبيعِ أولى، وإن عَجَزَا رضي كلٌّ بزيادةٍ يدعيه الآخر، وإلاَّ تحالفا). فقولُهُ: وإن عَجَزَا؛ يَرْجِعُ إلى الصُّورِ الثَّلاث: أي ما إذا كان الاختلافُ في الثَّمن، أو المبيع، أو فيهما، فإن كان الإختلافُ في الثَّمن، فيقال للمشتري: إمّا أن تَرْضَى بالثَّمنِ الذي ادَّعاهُ البائع، وإلاَّ فَسَخْنا البيع، وإن كان الاختلافُ في المبيعِ فيقال للبائع: إما أن تُسَلِّمَ ما ادَّعاهُ المشتري وإلاَّ فَسَخْنا البيع، وإن كان الاختلافُ في كلِّ منهما يقالُ ما ذُكِرَ لكليهما، فإن رَضِي كلٌّ بقولِ الآخرِ، فظاهرٌ، وإلاَّ تحالفا. (وحلفَ المشتري أوَّلاً): في الصورِ الثَّلاث؛ لأنَّه يطالَبُ أَوَّلاً بالثَّمن، فإنكارُه أسبق، وأيضاً: يتعجَّلُ فائدةُ النُّكول، وهو وجوبُ الثَّمن، وفي بيعِ السِّلعةِ بالسَّلعةِ، وفي الصَّرفِ يبدأُ القاضي بأيِّهما شاءَ، ويَحْلِفُ كلُّ على نفي ما يدَّعيه الآخر،

стр. 875

وفسخَ القاضي البيعَ، ومَن نكلَ لَزِمَهُ دعوى الآخر، ولا احتياجَ إلى إثباتِ ما يدَّعيه، هو الصَّحيح (١). (وفسخَ القاضي البيعَ): أي بعد التَّحالف، (ومَن نكلَ لَزِمَهُ دعوى الآخر): أي (٢) إذا عرضَ اليمينُ أَوَّلاً على المشتري، فإن نكلَ لَزِمَهُ دعوى البائع، فإن حَلَفَ يعرضُ اليمينَ على البائع، فإن حَلَفَ يفسخُ البيع، وإن نكلَ لزمَهُ دعوى المشتري. ثُمَّ اعلم أنّ الاختلافَ إذا كان في الثَّمن فالتحالفُ قبل قبضِ المبيع موافقٌ للقياس؛ لأنَّ البائعَ يدَّعي زيادةَ الثَّمن والمشتري يُنْكِرُها، والمشتري يدَّعي وجوبَ تسليمُ المبيعِ بأقلِّ الثَّمنينِ، والبائعُ يُنْكِرُه، فكلٌّ منهما مدَّعٍ ومُنْكِرٌ فيتحالفان، أمَّا بعد قبضِ المبيعِ فمخالفٌ للقياس، فإن المشتري لا يدَّعي شيئاً؛ لأنَّ المبيعَ قد سُلِّم له، والبائعُ يدَّعي زيادةَ الثَّمنِ والمشتري يُنْكِرُه، لكن التَّحالف هاهنا ثبت بقوله ﷺ : «إذا اختلفَ المتبايعانِ والسِّلْعَةُ قائمةٌ تحالفا وترادَّا» (٣).

стр. 876

ولا تحالف في الأجلِ، وشرطِ الخيار، وقبضِ بعضِ الثَّمن، وحلفَ المنكر، ولا بعدها هلاكِ المبيع، وحلفَ المشتري، ولا بعد هلاكِ بعضِهِ إلاَّ أن يرضى البائعُ بترك حصَّةِ الهالك (ولا تحالف في الأجلِ، وشرطِ الخيار، وقبضِ بعضِ الثَّمن، وحلفَ المنكر)، سواءٌ اختلفا في أصلِ الأجل، أو في قَدْرِه، فقال المشتري: الثَّمنُ مؤجَّل، وأنكرَ البائع، أو قال المشتري: الثَّمنُ مؤجَّل إلى سنة، وقال البائع: بل نصفِ سنة، حلفَ منكرُ الزِّيادة، أو قال أحدُهما: البيعُ بشرطِ الخيار، وأنكرَ الآخر، وقال أحدُهما: لي الخيار إلى ثلاثة أيَّام، وقال الآخرُ: بل إلى يومين، أو قال المشتري: أديتُ بعضَ الثَّمن، وأنكرَ البائع. (ولا بعدها هلاكِ المبيع (١)، وحلفَ المشتري): أي إن هلكَ المبيع، ثُمَّ اختلفا في قَدْرِ الثَّمَن، فلا تحالفَ عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁، والقولُ للمشتري، وعند محمَّدٍ ﵁ يتحالفان، وينفسخُ البيعُ على قيمةِ الهالك؛ لأنَّ كلاً منهما يدَّعي عقداً ويُنْكِرُهُ الآخر، فيتحالفان، ولهما: أنَّ التَّحالفَ بعد قبضِ البيعِ على خلافِ القياس؛ فلا يَتَعَدَّى إلى حال هلاكِ السِّلعة. (ولا بعد هلاكِ بعضِهِ إلاَّ أن يرضى البائعُ بترك حصَّةِ الهالك): أي لا يأخذَ من ثمنِ الهالكِ شيئاً أصلاً، ويجعلَ الهالكَ كأن لم يكنْ وكأنَّ العقدَ لم يكن إلاَّ على القائم فيتحالفان، هذا تخريجُ بعض المشايخ ﵃، وينصرفُ الاستثناءُ عندهم إلى التَّحالف، وقالوا: إن المرادَ بقوله في «الجامع الصغير»: يأخذ الحيَّ ولا شيءَ له (٢): أي لا يأخذَ من ثمنِ الهالك شيئاً أصلاً. وقال بعضُ المشايخ ﵃: يأخذُ من ثمنِ الهالكِ بقدرِ ما أقرَّ به المشتري، ولا يأخذ الزِّيادة، فالاستثناءُ يَنْصَرِفُ إلى يمينِ المشتري لا إلى التَّحالف، يعني أنَّهما لا يتحالفان، ويكون القولُ قولَ المشتري مع يمينِهِ إلاَّ أن يرضى البائعُ أن يأخذَ الحيّ، ولا يخاصمُهُ في

стр. 877

ولا في بدلِ الكتابة، ولا في رأسِ المالِ بعد إقالتِه، وصُدِّقَ المسلَّمُ إليه إن حَلَفَ، ولا يعودُ السَّلم، ولو اختلفا في قدر الثَّمنِ بعد إقالةِ البيعِ تحالفا، وعادَ البيع، ولو اختلفا في بدلِ الإجارة، أو المنفعة قبل قبضِها تحالفا وترادَّا، وحلفَ المستأجِرُ أوَّلاً إن اختلفا في الأجرة، والمؤجِّرُ إن اختلفا في المنفعة، وأيٌّ نكلَ ثَبَتَ قولُ صاحبه، وأيٌّ بَرْهَنَ قُبِل، وإن بَرْهَنا فحجَّةُ المؤجِّر أَوْلى إن اختلفا في الأجرة، وحجَّةُ المستأجرِ إن اختلفا في المنفعة الهالك، فحينئذٍ لا يحلفُ المشتري؛ لأنَّه إنَّما يحلفُ إذا كان منكراً ما يدَّعيه البائع، فإذا أخذَ البائعُ الحيَّ صُلْحاً عن جميعِ ما ادَّعاهُ على المشتري، فلا حاجةَ إلى تحليف المشتري. (ولا في بدلِ الكتابة (١)، ولا في رأسِ المالِ بعد إقالتِه (٢)، وصُدِّقَ المسلَّمُ إليه إن حَلَفَ، ولا يعودُ السَّلم): أي أقالا عقد السَّلَم، فوقعَ الاختلاف في رأسِ المال، فالقولُ قولُ المسلَّم إليه، ولا تحالف؛ لأنَّه إن تحالفا ينفسخُ الإقالةَ ويعودُ السَّلَم، وذا لا يجوز؛ لأنَّ إقالةَ السَّلمِ إسقاطُ الدَّين، والسَّاقطُ لا يعود. (ولو اختلفا في قدر الثَّمنِ بعد إقالةِ البيعِ تحالفا، وعادَ البيع)، فإنَّهما إذا تحالفا تنفسخُ الإقالة، ويعودُ البيع، وذا غير ممتنع. (ولو اختلفا في بدلِ الإجارة، أو المنفعة قبل قبضِها تحالفا وترادَّا، وحلفَ المستأجِرُ أوَّلاً إن اختلفا في الأجرة، والمؤجِّرُ إن اختلفا في المنفعة، وأيٌّ نكلَ ثَبَتَ قولُ صاحبه، وأيٌّ بَرْهَنَ قُبِل، وإن بَرْهَنا فحجَّةُ المؤجِّر أَوْلى إن اختلفا في الأجرة، وحجَّةُ المستأجرِ إن اختلفا في المنفعة)؛ لأنَّ حجَّةَ المؤجِّرِ تُثْبِتُ زيادةَ الأجرة، وحجُّةُ المستأجِرِ تُثْبِتُ المنفعة، والحجَجُ للإثبات.

стр. 878

وحجَّةُ كلٍّ في فضلٍ يدَّعيه أَوْلى إن اختلفا فيهما، ولا تَحالُفَ إن اختلفا بعد قبضِ المنفعة، والقولُ للمستأجِر، وبعد قبضِ بعضِها تحالفا، وفُسِخَتْ فيما بقي، والقولُ للمستأجِرِ فيما مَضَى، وإن اختلفَ الزَّوجان في متاعِ البيت، فلَها ما صلحَ لها، وله ما صلحَ له أو لهما (وحجَّةُ كلٍّ في فضلٍ يدَّعيه أَوْلى (١) إن اختلفا فيهما)، كما إذا قال المؤجِّرُ: أجَّرتُ إلى سنةٍ بمئتين، وقال المستأجِرُ: لا بل أجَّرتَ إلى سنتين بمئة، وأقاما البيِّنة تَثْبُتُ في سنتينِ بمِئتين. (ولا تَحالُفَ إن اختلفا بعد قبضِ المنفعة، والقولُ للمستأجِر): أي إن (٢) اختلفا في قَدْرِ الأجرةِ بعد قبضِ المنفعة، فلا تَحالُفَ عليهما، والقولُ للمستأجِّر؛ لأنَّهُ منكرٌ للزِّيادة، وهذا ظاهرٌ عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁؛ لأنَّ التَّحالُفَ بعد قبضِ المبيعِ على خلافِ القياس؛ فلا يقاسُ الإجارةُ على البيع، فإنّ التَّحالفَ في الإجارةِ يثبت قياساً على البيع، وأمَّا عند محمَّدٍ ﵁ فإن البيعَ ينفسخُ بقيمةِ الهالك، وهاهنا ليس للمنَافعِ قيمة. (وبعد قبضِ بعضِها تحالفا، وفُسِخَتْ فيما بقي، والقولُ للمستأجِرِ فيما مَضَى)، فإن الإجارةَ تَنْعَقِدُ ساعةً فساعة، فكأنَّها تنعقدُ بعقودٍ مختلفة، ففيما بقي يتحالفان قياساً على البيع، وفيما مَضَى لا، بل القولُ فيه للمنكر، وهو المستأجِر (٣). (وإن اختلفَ الزَّوجان في متاعِ البيت، فلَها ما صلحَ لها، وله ما صلحَ له أو لهما): أي إن اختلفا ولا بيِّنةً لأحدِهما، فما صلحَ للنِّساء يكون للمرأة مع يمينِها، وما صلحَ للرِّجال أو للرِّجالِ والنِّساءِ يكونُ للرَّجل مع يمينِه.

стр. 879

وإن ماتَ أحدُهما، فالمشكلُ للحيّ، وإن كان أحدُهما عبداً، فالكلُّ للحرّ في الحياة، وللحيِّ بعد الموت. فصل [فيمن لا يكون خصماً] ولو قال ذو اليد: هذا الشَّيء أودعنيه، أو أعارنيه، أو آجرنيه، أو رهنيه زيد، أو غصبتُهُ منه، وبرهنَ عليه، سقطت خصومةُ المدَّعي، وإن قال: اشتريتُهُ من الغائب، وقال المدَّعي: غصبتُه، أو سرقتُه، أو سُرِقَ منِّي لا، وإن بَرْهَنَ ذو اليد على إيداع زيد (وإن ماتَ أحدُهما، فالمشكلُ للحيّ)، المرادُ بالمشكلِ ما يصلحُ للرِّجالِ والنِّساء، فهو للحيِّ مع يمينِه هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وقال أبو يوسف ﵁: يدفعُ إلى المرأةِ ما يُجَهَّزُ به مثلُها، والباقي للزَّوج مع يمينِه، والحياةُ والموتُ سواءٌ لقيامِ الورثة مقامَ المورِّث، وعند محمَّدٍ ﵁: إن كانا حيَّيْنِ فكما قال أبو حنيفةَ ﵁، وبعد الموتِ ما يصلحُ لهما لورثةِ الزَّوج. (وإن كان أحدُهما عبداً، فالكلُّ للحرّ في الحياة، وللحيِّ بعد الموت)، وعندهما: العبدُ المأذونُ والمكاتَبُ كالحرّ. فصل [فيمن لا يكون خصماً] (ولو قال ذو اليد: هذا الشَّيء (١) أودعنيه، أو أعارنيه، أو آجرنيه، أو رهنيه زيد، أو غصبتُهُ منه، وبرهنَ عليه، سقطت خصومةُ المدَّعي)؛ لأَنَّ يدَ هؤلاء ليستْ يدَ خصومة. (وإن قال: اشتريتُهُ من الغائب، وقال المدَّعي: غصبتُه، أو سرقتُه، أو سُرِقَ منِّي لا، وإن بَرْهَنَ ذو اليد على إيداع زيد)؛ لأنَّ ذا اليدِ إذا قال: اشتريتُهُ من الغائب، فقد أقرَّ أن يدَهُ يدَ خصومة، فلا يسقطُ عنه الخصومة، كذا إذا ادَّعى المدَّعي الفعل على ذي اليد كما إذا قال: غصبتُهُ منِّي، أو سرقتُهُ منِّي لا يسقطُ عنه الخصومة، وكذا إذا قال: سَرَقَ منِّي، وقال ذو اليد: أودعنيه فلانٌ لا يسقط عنه (٢) الخصومةُ عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁، وعند محمَّد ﵁ يسقطُ.

стр. 880

كما لو قال الشُّهودُ: أودعَهُ مَن لا نعرفه بخلافِ قولهم نعرفُهُ بوجهِهِ لا باسمِهِ ونسبِه، ولو قال: ابتعته من زيدٍ، وقال ذو اليد: أودعنيه هو، سقطت بلا حجَّةٍ إلا إذا بَرْهَنَ المدَّعي أن زيداً وكَّلَهُ بقبضه (كما لو قال الشُّهودُ: أودعَهُ مَن لا نعرفه)، فإنَّه لا تندفعُ الخصومةُ؛ لاحتمال أن يكونَ المدَّعي هو الذي أودعَه عنده، (بخلافِ قولهم نعرفُهُ بوجهِهِ لا باسمِهِ ونسبِه)، تسقط الخصومةُ عند أبي حنيفةَ ﵁، فإنَّ الشَّهودَ عالمونَ بأنَّ المودعَ ليس هو الذي (١) يدَّعي، وعند محمَّد ﵁: لا يسقطُ الخصومة حيث لم يذكروا شخصاً معيَّناً أودعه عنده. (ولو قال: ابتعته من زيدٍ): أي قال المدَّعي: اشتريتُهُ من زيد، (وقال ذو اليد: أودعنيه هو، سقطت بلا حجَّةٍ إلا إذا بَرْهَنَ المدَّعي أن زيداً وكَّلَهُ بقبضه)، فإن المدَّعي إذا قال: إنَّه اشتراهُ من زيد، فقد أقرَّ أنَّه وَصَلَ إلى ذي اليد من جهتِه، فلا يكون يدُهُ خصومة، إلاَّ إذا أثبت الوكالةَ بقبضِه. هذه المسائلُ تسمَّى مخمسةُ كتاب الدَّعوى؛ لأنَّها خمسُ صور، فهي: الإيداع، والإعارة، والإجارة، والرَّهن، والغصب، وأيضاً فيها خمسةُ أقوال: فعند ابن شُبْرُمة (٢): لا تندفعُ الخصومة (٣). وعند ابن أبي ليلى: يندفع بلا بيِّنة (٤). وعند أبي يوسفَ ﵁: إن كان ذو اليد رجلاً صالحاً يندفع الخصومة لا إن كان معروفاً بالحيل؛ لإمكان أن يدفعَ ما في يده إلى مَن يغيبُ عن البلد، ويقولُ له: أودعْهُ عندي بحضرة الشهود كيلا يمكنَ لأحدٍ الدَّعوى عليَّ.
следующие страницы →