ولا تحالف في الأجلِ، وشرطِ الخيار، وقبضِ بعضِ الثَّمن، وحلفَ المنكر، ولا بعدها هلاكِ المبيع، وحلفَ المشتري، ولا بعد هلاكِ بعضِهِ إلاَّ أن يرضى البائعُ بترك حصَّةِ الهالك
(ولا تحالف في الأجلِ، وشرطِ الخيار، وقبضِ بعضِ الثَّمن، وحلفَ المنكر)، سواءٌ اختلفا في أصلِ الأجل، أو في قَدْرِه، فقال المشتري: الثَّمنُ مؤجَّل، وأنكرَ البائع، أو قال المشتري: الثَّمنُ مؤجَّل إلى سنة، وقال البائع: بل نصفِ سنة، حلفَ منكرُ الزِّيادة، أو قال أحدُهما: البيعُ بشرطِ الخيار، وأنكرَ الآخر، وقال أحدُهما: لي الخيار إلى ثلاثة أيَّام، وقال الآخرُ: بل إلى يومين، أو قال المشتري: أديتُ بعضَ الثَّمن، وأنكرَ البائع.
(ولا بعدها هلاكِ المبيع (١)، وحلفَ المشتري): أي إن هلكَ المبيع، ثُمَّ اختلفا في قَدْرِ الثَّمَن، فلا تحالفَ عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁، والقولُ للمشتري، وعند محمَّدٍ ﵁ يتحالفان، وينفسخُ البيعُ على قيمةِ الهالك؛ لأنَّ كلاً منهما يدَّعي عقداً ويُنْكِرُهُ الآخر، فيتحالفان، ولهما: أنَّ التَّحالفَ بعد قبضِ البيعِ على خلافِ القياس؛ فلا يَتَعَدَّى إلى حال هلاكِ السِّلعة.
(ولا بعد هلاكِ بعضِهِ إلاَّ أن يرضى البائعُ بترك حصَّةِ الهالك): أي لا يأخذَ من ثمنِ الهالكِ شيئاً أصلاً، ويجعلَ الهالكَ كأن لم يكنْ وكأنَّ العقدَ لم يكن إلاَّ على القائم فيتحالفان، هذا تخريجُ بعض المشايخ ﵃، وينصرفُ الاستثناءُ عندهم إلى التَّحالف، وقالوا: إن المرادَ بقوله في «الجامع الصغير»: يأخذ الحيَّ ولا شيءَ له (٢): أي لا يأخذَ من ثمنِ الهالك شيئاً أصلاً.
وقال بعضُ المشايخ ﵃: يأخذُ من ثمنِ الهالكِ بقدرِ ما أقرَّ به المشتري، ولا يأخذ الزِّيادة، فالاستثناءُ يَنْصَرِفُ إلى يمينِ المشتري لا إلى التَّحالف، يعني أنَّهما لا يتحالفان، ويكون القولُ قولَ المشتري مع يمينِهِ إلاَّ أن يرضى البائعُ أن يأخذَ الحيّ، ولا يخاصمُهُ في
стр. 877
ولا في بدلِ الكتابة، ولا في رأسِ المالِ بعد إقالتِه، وصُدِّقَ المسلَّمُ إليه إن حَلَفَ، ولا يعودُ السَّلم، ولو اختلفا في قدر الثَّمنِ بعد إقالةِ البيعِ تحالفا، وعادَ البيع، ولو اختلفا في بدلِ الإجارة، أو المنفعة قبل قبضِها تحالفا وترادَّا، وحلفَ المستأجِرُ أوَّلاً إن اختلفا في الأجرة، والمؤجِّرُ إن اختلفا في المنفعة، وأيٌّ نكلَ ثَبَتَ قولُ صاحبه، وأيٌّ بَرْهَنَ قُبِل، وإن بَرْهَنا فحجَّةُ المؤجِّر أَوْلى إن اختلفا في الأجرة، وحجَّةُ المستأجرِ إن اختلفا في المنفعة
الهالك، فحينئذٍ لا يحلفُ المشتري؛ لأنَّه إنَّما يحلفُ إذا كان منكراً ما يدَّعيه البائع، فإذا أخذَ البائعُ الحيَّ صُلْحاً عن جميعِ ما ادَّعاهُ على المشتري، فلا حاجةَ إلى تحليف المشتري.
(ولا في بدلِ الكتابة (١)، ولا في رأسِ المالِ بعد إقالتِه (٢)، وصُدِّقَ المسلَّمُ إليه إن حَلَفَ، ولا يعودُ السَّلم): أي أقالا عقد السَّلَم، فوقعَ الاختلاف في رأسِ المال، فالقولُ قولُ المسلَّم إليه، ولا تحالف؛ لأنَّه إن تحالفا ينفسخُ الإقالةَ ويعودُ السَّلَم، وذا لا يجوز؛ لأنَّ إقالةَ السَّلمِ إسقاطُ الدَّين، والسَّاقطُ لا يعود.
(ولو اختلفا في قدر الثَّمنِ بعد إقالةِ البيعِ تحالفا، وعادَ البيع)، فإنَّهما إذا تحالفا تنفسخُ الإقالة، ويعودُ البيع، وذا غير ممتنع.
(ولو اختلفا في بدلِ الإجارة، أو المنفعة قبل قبضِها تحالفا وترادَّا، وحلفَ المستأجِرُ أوَّلاً إن اختلفا في الأجرة، والمؤجِّرُ إن اختلفا في المنفعة، وأيٌّ نكلَ ثَبَتَ قولُ صاحبه، وأيٌّ بَرْهَنَ قُبِل، وإن بَرْهَنا فحجَّةُ المؤجِّر أَوْلى إن اختلفا في الأجرة، وحجَّةُ المستأجرِ إن اختلفا في المنفعة)؛ لأنَّ حجَّةَ المؤجِّرِ تُثْبِتُ زيادةَ الأجرة، وحجُّةُ المستأجِرِ تُثْبِتُ المنفعة، والحجَجُ للإثبات.
стр. 878
وحجَّةُ كلٍّ في فضلٍ يدَّعيه أَوْلى إن اختلفا فيهما، ولا تَحالُفَ إن اختلفا بعد قبضِ المنفعة، والقولُ للمستأجِر، وبعد قبضِ بعضِها تحالفا، وفُسِخَتْ فيما بقي، والقولُ للمستأجِرِ فيما مَضَى، وإن اختلفَ الزَّوجان في متاعِ البيت، فلَها ما صلحَ لها، وله ما صلحَ له أو لهما
(وحجَّةُ كلٍّ في فضلٍ يدَّعيه أَوْلى (١) إن اختلفا فيهما)، كما إذا قال المؤجِّرُ: أجَّرتُ إلى سنةٍ بمئتين، وقال المستأجِرُ: لا بل أجَّرتَ إلى سنتين بمئة، وأقاما البيِّنة تَثْبُتُ في سنتينِ بمِئتين.
(ولا تَحالُفَ إن اختلفا بعد قبضِ المنفعة، والقولُ للمستأجِر): أي إن (٢) اختلفا في قَدْرِ الأجرةِ بعد قبضِ المنفعة، فلا تَحالُفَ عليهما، والقولُ للمستأجِّر؛ لأنَّهُ منكرٌ للزِّيادة، وهذا ظاهرٌ عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁؛ لأنَّ التَّحالُفَ بعد قبضِ المبيعِ على خلافِ القياس؛ فلا يقاسُ الإجارةُ على البيع، فإنّ التَّحالفَ في الإجارةِ يثبت قياساً على البيع، وأمَّا عند محمَّدٍ ﵁ فإن البيعَ ينفسخُ بقيمةِ الهالك، وهاهنا ليس للمنَافعِ قيمة.
(وبعد قبضِ بعضِها تحالفا، وفُسِخَتْ فيما بقي، والقولُ للمستأجِرِ فيما مَضَى)، فإن الإجارةَ تَنْعَقِدُ ساعةً فساعة، فكأنَّها تنعقدُ بعقودٍ مختلفة، ففيما بقي يتحالفان قياساً على البيع، وفيما مَضَى لا، بل القولُ فيه للمنكر، وهو المستأجِر (٣).
(وإن اختلفَ الزَّوجان في متاعِ البيت، فلَها ما صلحَ لها، وله ما صلحَ له أو لهما): أي إن اختلفا ولا بيِّنةً لأحدِهما، فما صلحَ للنِّساء يكون للمرأة مع يمينِها، وما صلحَ للرِّجال أو للرِّجالِ والنِّساءِ يكونُ للرَّجل مع يمينِه.
стр. 879
وإن ماتَ أحدُهما، فالمشكلُ للحيّ، وإن كان أحدُهما عبداً، فالكلُّ للحرّ في الحياة، وللحيِّ بعد الموت.
فصل [فيمن لا يكون خصماً]
ولو قال ذو اليد: هذا الشَّيء أودعنيه، أو أعارنيه، أو آجرنيه، أو رهنيه زيد، أو غصبتُهُ منه، وبرهنَ عليه، سقطت خصومةُ المدَّعي، وإن قال: اشتريتُهُ من الغائب، وقال المدَّعي: غصبتُه، أو سرقتُه، أو سُرِقَ منِّي لا، وإن بَرْهَنَ ذو اليد على إيداع زيد
(وإن ماتَ أحدُهما، فالمشكلُ للحيّ)، المرادُ بالمشكلِ ما يصلحُ للرِّجالِ والنِّساء، فهو للحيِّ مع يمينِه هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وقال أبو يوسف ﵁: يدفعُ إلى المرأةِ ما يُجَهَّزُ به مثلُها، والباقي للزَّوج مع يمينِه، والحياةُ والموتُ سواءٌ لقيامِ الورثة مقامَ المورِّث، وعند محمَّدٍ ﵁: إن كانا حيَّيْنِ فكما قال أبو حنيفةَ ﵁، وبعد الموتِ ما يصلحُ لهما لورثةِ الزَّوج.
(وإن كان أحدُهما عبداً، فالكلُّ للحرّ في الحياة، وللحيِّ بعد الموت)، وعندهما: العبدُ المأذونُ والمكاتَبُ كالحرّ.
فصل [فيمن لا يكون خصماً]
(ولو قال ذو اليد: هذا الشَّيء (١) أودعنيه، أو أعارنيه، أو آجرنيه، أو رهنيه زيد، أو غصبتُهُ منه، وبرهنَ عليه، سقطت خصومةُ المدَّعي)؛ لأَنَّ يدَ هؤلاء ليستْ يدَ خصومة.
(وإن قال: اشتريتُهُ من الغائب، وقال المدَّعي: غصبتُه، أو سرقتُه، أو سُرِقَ منِّي لا، وإن بَرْهَنَ ذو اليد على إيداع زيد)؛ لأنَّ ذا اليدِ إذا قال: اشتريتُهُ من الغائب، فقد أقرَّ أن يدَهُ يدَ خصومة، فلا يسقطُ عنه الخصومة، كذا إذا ادَّعى المدَّعي الفعل على ذي اليد كما إذا قال: غصبتُهُ منِّي، أو سرقتُهُ منِّي لا يسقطُ عنه الخصومة، وكذا إذا قال: سَرَقَ منِّي، وقال ذو اليد: أودعنيه فلانٌ لا يسقط عنه (٢) الخصومةُ عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁، وعند محمَّد ﵁ يسقطُ.
стр. 880
كما لو قال الشُّهودُ: أودعَهُ مَن لا نعرفه بخلافِ قولهم نعرفُهُ بوجهِهِ لا باسمِهِ ونسبِه، ولو قال: ابتعته من زيدٍ، وقال ذو اليد: أودعنيه هو، سقطت بلا حجَّةٍ إلا إذا بَرْهَنَ المدَّعي أن زيداً وكَّلَهُ بقبضه
(كما لو قال الشُّهودُ: أودعَهُ مَن لا نعرفه)، فإنَّه لا تندفعُ الخصومةُ؛ لاحتمال أن يكونَ المدَّعي هو الذي أودعَه عنده، (بخلافِ قولهم نعرفُهُ بوجهِهِ لا باسمِهِ ونسبِه)، تسقط الخصومةُ عند أبي حنيفةَ ﵁، فإنَّ الشَّهودَ عالمونَ بأنَّ المودعَ ليس هو الذي (١) يدَّعي، وعند محمَّد ﵁: لا يسقطُ الخصومة حيث لم يذكروا شخصاً معيَّناً أودعه عنده.
(ولو قال: ابتعته من زيدٍ): أي قال المدَّعي: اشتريتُهُ من زيد، (وقال ذو اليد: أودعنيه هو، سقطت بلا حجَّةٍ إلا إذا بَرْهَنَ المدَّعي أن زيداً وكَّلَهُ بقبضه)، فإن المدَّعي إذا قال: إنَّه اشتراهُ من زيد، فقد أقرَّ أنَّه وَصَلَ إلى ذي اليد من جهتِه، فلا يكون يدُهُ خصومة، إلاَّ إذا أثبت الوكالةَ بقبضِه.
هذه المسائلُ تسمَّى مخمسةُ كتاب الدَّعوى؛ لأنَّها خمسُ صور، فهي: الإيداع، والإعارة، والإجارة، والرَّهن، والغصب، وأيضاً فيها خمسةُ أقوال:
فعند ابن شُبْرُمة (٢): لا تندفعُ الخصومة (٣).
وعند ابن أبي ليلى: يندفع بلا بيِّنة (٤).
وعند أبي يوسفَ ﵁: إن كان ذو اليد رجلاً صالحاً يندفع الخصومة لا إن كان معروفاً بالحيل؛ لإمكان أن يدفعَ ما في يده إلى مَن يغيبُ عن البلد، ويقولُ له: أودعْهُ عندي بحضرة الشهود كيلا يمكنَ لأحدٍ الدَّعوى عليَّ.
стр. 881
باب دعوى الرجلين
حجَّةُ الخارجِ في الملكِ المطلقِ أحقُّ من حجَّة ذي اليد، وإن وقَّتَ أحدُهما فقط، ولو بَرْهَنَ خارجان على شيءٍ قُضِي به لهما، فإن بَرْهَنا في نكاحٍ سقط
وعند محمَّد ﵁: لا يندفعُ إذا قالوا: نعرفُهُ بوجهِه لا باسمِهِ ونسبِه.
وعند أبي حنيفةَ ﵁ يندفعُ الخصومةُ بالبيِّنة كما ذَكَرْنا.
باب دعوى الرجلين
(حجَّةُ الخارجِ في الملكِ المطلقِ أحقُّ من حجَّة ذي اليد، وإن وقَّتَ أحدُهما فقط (١))، اعلم أن حجَّةَ الخارجِ عندنا أحقُّ من حجَّة ذي اليد، وعند الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁ حجَّةُ ذي اليدِ أحقّ، ثُمَّ إن وقَّت أحدُهما فقط، فعند أبي حنيفةَ ﵁ ومحمَّد ﵁ الخارجُ أحقُّ، وعند أبي يوسفَ ﵁ صاحبُ الوقتِ أحقّ (٣).
(ولو بَرْهَنَ خارجان على شيءٍ قُضِي به لهما)، هذا عندنا، وعند الشَّافِعِيِّ (٤) ﵁ تهاترت (٥) البيِّنتان.
(فإن بَرْهَنا في نكاحٍ سقط)؛ لامتناعِ الجمعِ بينهما بخلاف الملك، فإن الشَّركةَ فيه ممكن.
стр. 882
هي لمن صدّقتُهُ وإن أرَّخا فالسَّابقُ أحقّ، فإن أقرَّت لمَن لا حجَّةَ له فهي له، فإن بَرْهَنَ الآخرُ قُضِي له، ولو بَرْهَنَ أحدُهما وقُضِي له، ثُمَّ بَرْهَنَ الآخرُ لم يقضَ له إلا إذا ثَبَتَ سبقُه، كما لم يقضْ بحجَّةِ الخارجِ على ذي يدِ ظَهَرَ نكاحُهُ إلاَّ إذا أثبتَ سبقَه، فإن بَرْهَنا على شراءِ شيءٍ من ذي يد، فلكلٍّ نصفُهُ بنصفِ الثَّمنِ، أو تَرْكُه، وبترك أحدِهما بعدما قَضَى لهما لم يأخذ الآخرُ كلَّه. وهو للسابق إن أرَّخا، ولذي يدٍ إن لم يؤرِّخا، أو أرَّخ أحدُهما، ولذى وقت إن وقَّتَ أحدُهما فقط ولا يدَ لهما
(وهي (١) لمن صدّقتُهُ وإن أرَّخا فالسَّابقُ أحقّ، فإن أقرَّت لمَن لا حجَّةَ له فهي له، فإن بَرْهَنَ الآخرُ قُضِي له، ولو بَرْهَنَ أحدُهما وقُضِي له، ثُمَّ بَرْهَنَ الآخرُ لم يقضَ له إلا إذا ثَبَتَ سبقُه، كما لم يقضْ بحجَّةِ الخارجِ على ذي يدِ ظَهَرَ نكاحُهُ إلاَّ إذا أثبتَ سبقَه): أي إذا كانت امرأةٌ في يدِ رجلٍ ونكاحُهُ ظاهر، وادَّعى الخارجُ أنَّها زوجتُه، وأقامَ البيِّنةَ لم يقضَ له إلاَّ إذا أثبتَ أن نكاحَهُ سابق.
(فإن بَرْهَنا على شراءِ شيءٍ من ذي يد، فلكلٍّ نصفُهُ بنصفِ الثَّمنِ، أو تَرْكُه) (٢): أي لكلٍّ واحدٍ منهما الخيار إن شاء أخذَ نصفَ ذلك الشَّيء بنصفِ الثَّمن، وإن شاءَ تَرَك، (وبترك أحدِهما بعدما قَضَى لهما لم يأخذ الآخرُ كلَّه.
وهو للسابق إن أرَّخا): أي ذَكَرا للشَّراءِ من ذي اليدِ تاريخاً، (ولذي يدٍ إن لم يؤرِّخا، أو أرَّخ أحدُهما (٣)، ولذى وقت إن وقَّتَ أحدُهما فقط ولا يدَ لهما): أي إن أرَّخا فالسَّابقُ أحقُّ، وإن لم يؤرِّخا، أو أرَّخ أحدُهما، فإن كان في يدِ أحدِهما فذو اليدِ
стр. 883
والشِّراءُ أحقُّ من هبةٍ وصدقةٍ مع قبض، والشِّراءُ والمهرُ سواء، ورهنٌ مع قبضٍ أحقُّ من هبةٍ معه. فإن بَرْهَنَ خارجان على ملكٍ مؤرَّخ، أو شراءٍ مؤرَّخ من واحد، أو خارجٌ على ملك مؤرَّخ، وذو يدٍ على ملكٍ أقدم، فالسَّابق أحقّ. وإن بَرْهَنا على شراءِ شيء متَّفقٌ تاريخهما من آخر، أو وقَّتَ أحدُهما فقط استويا، فإن بَرْهَنَ خارجٌ على الملك، وذو اليدِ على الشَّراءِ منه، أو برهَنا على سببِ ملك لا يتكرَّر كالنتاج، وحلبِ لبن، واتخاذِ جُبْن، أو لِبْد أو جزِّ صوف
أوَّلى، وإن لم يكنْ في يدِ أحدِهما، فإن وقَّتَ أحدُهما، فهو أحقّ، وإن لم يوقِّتْ أحدُهما فقد مرَّ أن لكلٍّ نصفَهُ بنصفِ الثَّمن، أو تركَه.
(والشِّراءُ أحقُّ من هبةٍ وصدقةٍ مع قبض): أي قال أحدُهما: اشتريتُهُ من زيد، وقال الآخر: وهبَ لي زيدٌ وقبضتُه، أو تصدَّقَ عليَّ زيد، وقبضتُه، فبرهنا، فمدَّعي الشِّراءُ أحقّ.
(والشِّراءُ والمهرُ سواء، ورهنٌ مع قبضٍ أحقُّ من هبةٍ معه.
فإن بَرْهَنَ خارجان على ملكٍ مؤرَّخ (١)، أو شراءٍ مؤرَّخ من واحد (٢)، أو خارجٌ على ملك مؤرَّخ، وذو يدٍ على ملكٍ أقدم، فالسَّابق أحقّ.
وإن بَرْهَنا على شراءِ شيء (٣) متَّفقٌ تاريخهما من آخر): أي قال أحدُهما: اشتريتُهُ من زيد، وقال الآخرُ: اشتريتُهُ من عمرو، وذكرا تاريخاً، (أو وقَّتَ أحدُهما فقط استويا)، فالحاصلُ: أنَّه إذا وقّتَ أحدُهما فقط، وتلقَّيا من واحد، فصاحبُ الوقتِ أحقّ، وإن تلقيا من اثنتين فهما سواء.
(فإن بَرْهَنَ خارجٌ على الملك، وذو اليدِ على الشَّراءِ منه، أو برهَنا على سببِ ملك لا يتكرَّر كالنتاج، وحلبِ لبن، واتخاذِ جُبْن، أو لِبْد (٤) أو جزِّ صوف،
стр. 884
فذو اليد أحقّ. ولو بَرْهَنَ كلٌّ على الشِّراءِ من الآخرِ بلا وقتٍ سقطا، وتُرِكَ المالُ في يدِ مَن معه
فذو اليد أحقّ (١).
ولو بَرْهَنَ كلٌّ على الشِّراءِ من الآخرِ بلا وقتٍ سقطا، وتُرِكَ المالُ في يدِ مَن معه): أي بَرْهَنَ كلُّ واحدٍ من ذي اليد، والخارج على الشَّراء من صاحبه، ولم يذكرا تاريخاً، سقطت البيِّنتان، وتُرِكَ المالُ في يدِ صاحبِ اليد، وعند محمَّد ﵁ يقضى للخارج كان ذا اليدِ اشتراه أوَّلاً، ثُمَّ باعَهُ من الخارج، ولا يعكس؛ لأنَّ البيعَ قبلَ القبضِ لا يجوز، وإن كانَ في العقارِ عند محمَّد ﵁، وإنِّما قال: بلا وقتٍ حتَّى لو أرَّخا، ففيه تفصيلٌ مذكورٌ في «الهداية» (٢) فطالعها إن شئت.
واعلم أنَّ صاحبَ «الهداية» (٣) ذَكَرَ هذه المسائل من غير ضبط، وإنِّي جمعتُها من «الذَّخيرة» مضبوطةً موجزة، فأقول:
إن بَرْهَنَ المدَّعيان، فإن كان تاريخُ أحدِهما سابقاً، فهو أحقّ، وإن لم يكن، فإن كان كلُّ منهما ذا يد، فهما متساويان، وكذا إن كان كلّ منهما خارجاً في الملكِ المطلق، وهذا إذا لم يؤرِّخا، أو أرَّخَ أحدُهما، أو أرَّخا ولم يكن أحدُهما سابقاً حتِّى إن كان، فقد مرَّ أن السَّابق أحقُّ، وكذا في الملك بسببٍ إلاَّ إذا تلقَّيا من واحد وأرَّخَ أحدُهما فقط، فإنَّه أحقّ.
وإن كان أحدُهما ذا يدٍ والآخر خارجاً، فالخارجُ أحقُّ في الملكِ المطلقِ شاملاً للصُّورِ المذكورة (٤)، إلا إذا ادَّعيا مع الملكِ المطلق فعلاً كما إذا قال: هو عبدي أعتقتُه، أو دبَّرتُهُ، فذو اليد أحقّ، بخلاف ما إذا قال: كلُّ واحدٍ هو عبدي كاتبته، فهما سواءٌ لأنَّهما خارجان إذ لا يد على المكاتب، ولو قال أحدُهما: هو عبدي كاتبتُه، وقال الآخر: دبَّرتُه، أو اعتقتُه، فهذا أولى.
стр. 885
ولا يرجَّحُ بكثرةِ الشُّهود، ولو ادِّعى أحدُ خارجينِ نصفَ دار، والآخرُ كلَّها، فالرُّبعُ للأَوَّل، وقالا: الثُّلُث، والباقي للثَّاني، وإن كانت معهما، فهي للثَّاني نصفٌ بقضاء، ونصفٌ لا به
فالضابط أنَّ كلَّ بيِّنةٍ تكونَ أكثرَ إثباتاً، فهي أحقّ، هذا في الخارج وذي اليد في الملكِ المطلق، وأمَّا في الملكِ بسبب، فإن ذَكَرَا سبباً واحداً، فإن تلقَّيا من واحدٍ، فذو اليدِ أحقّ، وإن تلقَّيا من اثنين فالخارجُ أحقّ شاملاً للصُّور المذكورة، وإن ذَكَرَا سببينِ كالشَّراء، والهبة، وغير ذلك، يُنْظَرُ إلى قوّةِ السَّببِ كما في «المتن» (١).
(ولا يرجَّحُ بكثرةِ الشُّهود): فإنِّ التَّرجيحَ عندنا بقوّةِ الدَّليل لا بكثرتِه.
(ولو ادِّعى أحدُ خارجينِ نصفَ دار، والآخرُ كلَّها، فالرُّبعُ للأَوَّل، وقالا: الثُّلُث، والباقي للثَّاني)، اعلم أن أبا حنيفةَ ﵁ اعتبرَ في هذه المسألة طريقَ المنازعة، وهو أن النَّصفَ سالمٌ لمدَّعي الكلِّ بلا منازعة، بقي النِّصفُ الآخر، وفيه منازعتُهما على السَّواء، فينصَّف، فلصاحبُ الكلِّ ثلاثةُ أرباع، و لصاحب النِّصف الرُّبع.
وهما: اعتبرا طريقَ العَول (٢) والمضاربة (٣)، وإنِّما سمِّي بهذا؛ لأن في المسألةِ كلاً، ونصفاً، فالمسألةُ من اثنين، وتعول إلى ثلاثة، فلصاحبِ الكلِّ سهمان، ولصاحبِ النِّصف سهم، هذا هو العول، وأمَّا المضاربةُ فإن كلَّ واحدٍ يضربُ (٤) بقدرِ حقِّه، فصاحبُ الكُلِّ له الثُلُثان من الثَّلاثة، فيضربُ الثُلُثين في الدَّار، فيحصل له ثلثاً الدَّار، وصاحبُ النِّصفِ له ثُلُثٌ من الثَّلاثة، فيضربُ الثُلُثَ في الدَّار، فيحصلُ له ثُلُثُ الدَّار؛ لأنَّ ضربَ الكسورِ بطريقِ الإضافة، فإنَّه إذا ضَرَبَ الثُلُثَ في السِتَّة، معناه ثُلُثُ السِتَّة، وهو اثنان.
(وإن كانت معهما، فهي للثَّاني نصفٌ بقضاء، ونصفٌ لا به)، فإنَّ الدارَ إذا
стр. 886
وإن بَرْهَنَ خارجان على نتاجِ دابة، وأرَّخا، قَضَى لمن وافقَ تاريخُهُ ووقته سنَّها، وإن أشكلَ فلهما، فإن بَرْهَنَ أحدُ الخارجينِ على غَصْبِ شيءٍ، والآخرُ على وديعتِهِ استويا.
[فصل في التنازع بالأيدي]
واللابسُ أحقُّ من آخذِ الكمّ، والرَّاكبُ من آخذ اللِّجام، ومَن في السَّرجِ من رديفِه، وذو حملها ممَّن علَّق كوزَه منها
كانت في يدهما يكون النِّصفُ في يدِّ كلٍّ منهما، فالنِّصفُ الذي في يدِ مدَّعي الكلِّ لا يدَّعيه أحد، فيتركُ في يدِه، والنِّصفُ الذي في يدِ مدَّعي النِّصفِ يدَّعيه كلُّ (واحد) (١) منهما، فمدَّعي الكلِّ خارج، وبيِّنةُ الخارجِ أَولى.
(وإن بَرْهَنَ خارجان على نتاجِ دابة، وأرَّخا، قَضَى لمن وافقَ تاريخُهُ ووقته سنَّها، وإن أشكلَ فلهما)، أمَّا إذا خالفَ سنَّها التَّاريخين، بطل البيِّنتان، وتركَ الدَّابةَ مع ذي اليد.
(فإن بَرْهَنَ أحدُ الخارجينِ على غَصْبِ شيءٍ، والآخرُ على وديعتِهِ استويا)، ادَّعى أحدُ الخارجين على ذي اليدِ أنَّك غصبتَ هذا الشَّيء منِّي، والآخرُ ادَّعى أنّي أودعتُ هذا الشَّيء عندك، وبَرْهَنا، يُنَصَّفُ بينهما لاستوائهما، فإن المودعَ إذا جحدَ الوديعةَ صارَ غاصباً.
[فصل في التنازع بالأيدي]
(واللابسُ أحقُّ من آخذِ الكمّ، والرَّاكبُ من آخذ اللِّجام، ومَن في السَّرجِ من رديفِه، وذو حملها ممَّن علَّق كوزَه منها) (٢): أي صاحبُ اليدِ في هذه الصُّور، هو الأَوَّل.
стр. 887
وجالسِ البساطِ والمتعلِّقِ به سواء كمَن معه ثوبٌ وطرفُهُ مع آخر. والقولُ لصبيٍّ يُعَبِّرُ في أنا حرّ، وإن قال: أنا عبدُ فلانٍ قُضِي لمَن معه كمَن لا يُعَبِّر، والحائطُ لمَن جذوعُهُ عليه، أو متَّصلٌ ببنائِهِ اتّصالَ تربيعٍ لا لمن له عليه هَرَادِيّ، بل هو بين الجارين
(وجالسِ البساطِ والمتعلِّقِ به سواء كمَن معه ثوبٌ وطرفُهُ مع آخر (١).
والقولُ لصبيٍّ يُعَبِّرُ في أنا حرّ، وإن قال: أنا عبدُ فلانٍ قُضِي لمَن معه كمَن لا يُعَبِّر)، المرادُ بالتَّعبيرِ أن يتكلَّم، ويعقلَ ما يقول، وإن كان معبِّراً ويقولُ: أنا حرّ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّهُ في يدِ نفسِه، ولو قال: أنا عبدُ زيدٍ وهو في يدِ عمرو كان عبداً لعمرو؛ لأنَّه لَمَّا أقرَّ أنَّه عبدٌ أقرَّ أنَّه ليس في يدِ نفسِه، فيكونُ عبداً لصَّاحب اليد، وإن لم يكن معبِّراً، ويقول: أنا حرّ، لا يكونُ في يدِ نفسِه، فيكونُ عبداً لصاحبِ اليد.
أقول: اليدُ على الإنسانِ ليس دليلاً ظاهراً على الملك، فإن مَن رأى إنساناً في يدِ آخر، يتصرَّفُ فيه تصرُّفَ المُلاّك، لا يجوزُ أن يشهدَ (٢) أنَّه ملكه، فإنَّ الأصلَ في الإنسانِ الحريّة (٣)، فكون الصَّبيِّ الذي لا يُعَبِّرُ عبداً لصاحبِ اليدِ مشكل.
(والحائطُ لمَن جذوعُهُ (٤) عليه، أو متَّصلٌ ببنائِهِ اتّصالَ تربيعٍ)، اتصالُ التربيع: اتصالُ جدارٍ بجدارٍ بحيث يتداخلُ لَبِناتُ هذا الجدارُ في لَبِناتِ ذلك، وإنِّما سمَّى اتّصالَ التَّربيع؛ لأنَّهما إنِّما يُبْنَيان ليحيطا مع جدارين آخرين بمكان مُرَبَّع، (لا لمن له عليه هَرَادِيّ)، المراد بالهَرَاديّ (٥): الخشباتُ التي توضعُ على الجذوع، (بل هو (٦) بين الجارين
стр. 888
لو تنازعا، وذو بيتٍ من دار كذي بيوت منها في حقِّ ساحتِها، أرضٌ ادَّعى رجلٌ أنَّها في يدِه، وآخر كذلك، وبَرْهَنا، قضى بيدهما، فإن بَرْهَنَ أحدُهما أو كان لبن فيها، أو بَنَى، أو حَفَر، قضى بيده.
باب دعوى النسب
مبيعةٌ وَلَدَتْ لأقلَّ من نصفِ حولٍ منذ بيعت، فادَّعى البائعُ الولدَ يثبت نسبُه منه وأُمِّيَتُها، ويفسخُ البيع، ويردُّ الثَّمنُ، وإن ادَّعاه المشتري مع دعوتِه، أو بعدها
لو تنازعا): أي إذا كان لأحدِهما عليه هَراديّ، ولا شيءَ للآخر عليه، فهو بينهما.
(وذو بيتٍ من دار كذي بيوت منها في حقِّ ساحتِها) (١)، بناءً على أن لا يرجِّح بكثرةِ العلَّة.
(أرضٌ ادَّعى رجلٌ أنَّها في يدِه، وآخر كذلك، وبَرْهَنا، قضى بيدهما، فإن بَرْهَنَ أحدُهما (٢) أو كان لبن فيها، أو بَنَى، أو حَفَر، قضى بيده): فإنَّ الاستعمالَ دليلُ اليد.
باب دعوى النسب
(مبيعةٌ وَلَدَتْ لأقلَّ من نصفِ حولٍ منذ بيعت، فادَّعى البائعُ الولدَ يثبت نسبُه منه وأُمِّيَتُها، ويفسخُ البيع، ويردُّ الثَّمنُ، وإن ادَّعاه المشتري مع دعوتِه، أو بعدها)، هذا عندنا، وعند زُفَرَ ﵁ والشَّافِعِيِّ ﵁ دعوتُهُ باطلة؛ لأنَّ البيع اعترافٌ منه بأنَّها أمّة، فبالدَّعوة يصيرُ مناقضاً.
ولنا: إنَّ العلوقَ أمرٌ خفيٌّ فيُعْفَى فيه التَّناقض، وكونُ العلوقِ في يدِ البائعِ دليلٌ على أنَّه منه، وإنِّما قال: وإن ادَّعاهُ المشترى مع دعوتِه، أو بعدَها، حتَّى لو ادَّعى المشتري قبل دعوةِ البائعِ يثبتُ من المشتري، ويحملُ على أن المشتري نكحَها، واستولدها، ثُمَّ اشتراها.
стр. 889
وكذا لو ادَّعاهُ بعدِ موتِ الأُمِّ بخلافِ موتِ الولدِ، ولو ادَّعاهُ بعد عتقِها يثبت نسبُهُ ويَرُدُّ حصَّتَهُ من الثَّمن، وبعد عتقِهِ رُدَّتْ دعواهُ، كما ولدَتْ لأكثرَ من نصفِ حول، وأقلَّ من سنتين، أو وَلَدَتْ لأكثرَ من سنتين، إلا إذا صدَّقَهُ المشتري، وإذا صدَّق، فَحُكْمُ القسمِ الثَّاني كالأَوَّل، وفي الثَّالثِ لم يبطلْ بيعُهُ
(وكذا لو ادَّعاهُ بعدِ موتِ الأُمِّ بخلافِ موتِ الولدِ): يعني إن ماتت الأمةُ والولدُ حيٌّ فادَّعاهُ البائع، وقد جاءت به لأقلِّ من ستَّةِ أشهرٍ يثبتُ النَّسبُ منه (١)، وإن ماتَ الولدُ لا؛ لأنَّ الولدَ أصلٌ في ثبوتِ النَّسب، قال ﷺ : «أعتقها ولدها» (٢).
وإذا صحَّت الدَّعوةُ بعد موتِ الأمِّ فعند أبي حنيفةَ ﵁ يردُّ كُلَّ الثَّمن، وعندهما يردُّ حصَّةَ الولدِ لا حصَّةَ الأمّ.
(ولو ادَّعاهُ بعد عتقِها يثبت نسبُهُ ويَرُدُّ حصَّتَهُ من الثَّمن) (٣): أي لو ادَّعى البائعُ الولدَ أنَّه ولدُهُ بعدما أعتقَ المشتري الأمّ، وقد جاءت به لأقلَّ من نصفِ حولٍ يثبت نسبُ الولد، ويَرُدُّ البائعُ حصّةَ الولدِ من الثَّمن، بأن يقسِّمَ الثمنَ على قيمةِ الأُمِّ وقيمةِ الولد، فما أصابَ الولدَ يَرُدُّهُ البائعُ إلى المشتري، وما أصابَ الأمَّ لا يَرُدُّه.
(وبعد عتقِهِ رُدَّتْ دعواهُ): أي إذا ادَّعى البائعُ الولدَ بعدما أعتقَهُ المشتري رُدَّتْ دعوة البائع، (كما ولدَتْ لأكثرَ من نصفِ حول، وأقلَّ من سنتين، أو وَلَدَتْ لأكثرَ من سنتين): أي رُدَّتْ دعوةُ البائعِ إذا كانت المدَّةُ من وقتِ البيعِ إلى وقتِ الولادةِ أكثرَ من نصفِ حول، (إلا إذا صدَّقَهُ المشتري، وإذا صدَّق، فَحُكْمُ القسمِ الثَّاني كالأَوَّل، وفي الثَّالثِ لم يبطلْ بيعُهُ).
стр. 890
وهي أُمُّ وَلَدِهِ نكاحاً، ولو باعَ من وُلِدَ عندَه، ثُمَّ ادَّعاهُ بعد بيعِ مشتريه صحَّ نسبُه، وَرُدَّ بيعُه، وكذا لو كاتبَ الولدَ أو الأُمّ، أو رَهَن، أو أجَّر، أو زوَّجَها، ثُمَّ ادَّعاه صحَّتْ الدِّعوةُ في حقِّ الأمِّ والولدِ جميعاً، وينقضُ هذه التَّصرّفات، ويردُّ الجاريةَ على البائع
القسمُ الأَوَّلُ: ما إذا ولدتْ لأقلَّ من نصفِ حولٍ من زمانِ البيع.
والثَّاني: ما إذا وَلَدَتْ لأكثرَ من نصفِ حولٍ وأقلَّ من سنتين.
والثَّالثُ: ما إذا وَلَدَتْ لأكثرَ من سنتين (١).
ففي القسمِ الثَّاني: يثبتُ نسبُهُ وأُمِّيَّتُها، ويفسخُ البيعُ، ويردُّ الثَّمنَ كما في القسم الأَوَّل، (وهي أُمُّ وَلَدِهِ نكاحاً): أي أُمُّ الولدِ نكاحاً: هي أمةٌ وَلَدَتْ من زوجِها فملَكَها الزَّوج، أو أمةٌ ملَكُها زوجها فولَدَتْ فادَّعى الولدَ، وهاهنا يُحْمَلُ على هذا.
(ولو باعَ من وُلِدَ عندَه، ثُمَّ ادَّعاهُ بعد بيعِ مشتريه صحَّ نسبُه، وَرُدَّ بيعُه، وكذا لو كاتبَ الولدَ أو الأُمّ، أو رَهَن، أو أجَّر، أو زوَّجَها، ثُمَّ ادَّعاه صحَّتْ الدِّعوةُ في حقِّ الأمِّ والولدِ جميعاً، وينقضُ هذه التَّصرّفات (٢)، ويردُّ الجاريةَ على البائع (٣)).
اعلم أنَّ عبارةَ «الهداية» كذلك: ومَن باعَ عبداً وُلِدَ عنده، وباعَهُ المشتري من آخر، ثُمَّ ادَّعاه البائعُ الأَوَّل، فهو ابنُه، وبطلَ البيع؛ لأنَّ البيعَ يحتملُ النقضَ، وماله من حقِّ الدِّعوة لا يحتملُه، فينتقضُ البيعُ لأجلِه، وكذلك إذا كاتبَ الولدَ، أو رَهَنَه، أو أَجَّرَه، أو كاتبَ الأمّ، أو رَهَنَها، أو زَوَّجَها، ثُمَّ كانتَ الدِّعوة؛ لأنَّ هذه العوارضَ تحتملُ النَّقضَ، فينتقض ذلك كلُّه وتصحُّ الدَّعوةُ بخلافِ الاعتاقِ والتَّدبير على ما مرَّ (٤).
стр. 891
ولو باعَ أحدَ توأمين وُلِدَا عنده، وأعتقَهُ مشتريه، ثُمَّ ادَّعى البائعُ الآخرَ ثَبَتَ نسبُهما منه، وبطلَ عتقُ المشتري، ولو قال لصبيٍّ معه: هو ابنُ زيد، ثُمَّ قال: هو ابني، لم يكنْ ابنُه، وإن جَحَدَ زيدٌ بنوّتَه
أقولُ: ضميرُ الفاعلِ في: كاتَب؛ إن كان راجعاً إلى المشتري، وكذا في قوله: أو كاتبَ الأُمَّ يصيرُ تقديرُ الكلام: ومَن باعَ عبداً وُلِدَ عنده، أو (١) كاتبَ المشتري الأُمّ، وهذا غيرُ صحيح؛ لأنَّ المعطوفَ عليه بيعُ الولدِ لا بيعُ الأُمّ، فكيف يصحُّ قولُه، أو كاتب المشتري الأُمّ، وإن كان راجعاً إلى مَن في قوله: ومَن باعَ عبداً؛ فالمسألةُ أن رجلاً كاتبَ مَن وُلِدَ عنده، أو رَهَنَه، أو أَجرَه، ثُمَّ كانت الدِّعوة، وحينئذٍ لا يحسن قولُهُ بخلافِ الإعتاق؛ لأنَّ مسألةَ الإعتاقَ التي مرَّت ما إذا أعتقَ المشتري الولد؛ لأنَّ الفرقَ الصَّحيح أن يكونَ بين إعتاق المشتري وكتابته، لا بين إعتاقِ المشتري وكتابة البائع.
إذا عرفتَ هذا فمرجعُ الضَّميرِ في كاتب الولدَ هو المشتري، وفي كاتبَ الأُمِّ من في قوله (٢): من باع (٣).
(ولو باعَ أحدَ توأمين وُلِدَا عنده، وأعتقَهُ مشتريه، ثُمَّ ادَّعى البائعُ الآخرَ ثَبَتَ نسبُهما منه، وبطلَ عتقُ المشتري)؛ لأنَّ من ضرورةِ ثبوتِ نسبِ أحدِهما ثُبُوتُ نسبِ الآخر، والتوأمانِ: ولدان بين ولادتِهما أقلُّ من ستَّةِ أشهر.
(ولو قال لصبيٍّ معه (٤): هو ابنُ زيد، ثُمَّ قال: هو ابني، لم يكنْ ابنُه، وإن جَحَدَ زيدٌ بنوّتَه): هذا عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما: إن جَحَدَ زيدٌ بنوتَهُ يصيرُ ابناً
стр. 892
ولو كان مع مسلمٍ وكافر، فقال المسلمُ: هو عبدي، وقال الكافر: هو ابني، فهو حرٌّ ابن للكافر، ولو قال زوجُ امرأةٍ لصبيٍّ معهما: هو ابني من غيرِها، وقالت: هو ابني من غيرِه، فهو ابنهما. ولو وَلَدَتْ أَمَةٌ مشرية، وادَّعى المشتري الولد، واسْتُحِقَّتْ غُرِّمَ الأبُ قيمةَ الولدِ يومَ يخاصم، وهو حرٌّ
للذي في يدِهِ الصَّبيّ؛ لأنَّ الإقرارَ في النَّسبِ يرتَّدُ بالرَّد (١)، وله: إنَّ النسبَ ممَّا لا يحتملُ النقض، والإقرارُ بمثله لا يرتدُ بالرَّدِّ (٢).
(ولو كان مع مسلمٍ وكافر، فقال المسلمُ: هو عبدي، وقال الكافر: هو ابني، فهو حرٌّ ابن للكافر)؛ لأنَّه ينالُ الحرّيةَ في الحال، والإسلام في المآل، إذ دلائلُ الوحدانية ظاهرة (٣)، وفي عكسِهِ يثبتُ الإسلام بتبعيته، ويحرمُ عن الحرية، وليس في وسعه اكتسابها.
(ولو قال زوجُ امرأةٍ لصبيٍّ معهما: هو ابني من غيرِها، وقالت: هو ابني من غيرِه، فهو ابنهما (٤).
ولو وَلَدَتْ أَمَةٌ مشرية، (وادَّعى المشتري الولد) (٥)، واسْتُحِقَّتْ غُرِّمَ الأبُ قيمةَ الولدِ يومَ يخاصم، وهو حرٌّ): أي ولدتْ أمة مشرية، وادَّعى المشتري الولدَ، ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ الأُمّ، فالولدُ حُرّ، ويضمنُ الأب، وهو المشتري قيمةَ الولدِ للمستحقّ؛ لأنَّ
стр. 893
فإن ماتَ الولدُ فلا شيءَ على أبيه، وترْكَتُهُ له، فإن قتلَهُ أبوه أو غيرُهُ غُرِّمَ الأبُ قيمتَه، ورجَعَ بها كثمنِها على بائعِهِ لا بالعقر.
ولدَ المغرورِ حُرٌّ بالقيمة، والمرادُ بالمغرورِ رجلٌ وطأَ امرأةً معتمداً على ملك يمين، أو نكاح فولدت، ثُمَّ اسْتُحِقَّت، وإنِّما سمِّي مغروراً؛ لأنَّ البائعَ غَرَّهُ وباعَ منه جاريةً لم يكن ملكاً له، وتعتبر قيمةُ الولدِ يوم الخصومة (١).
(فإن ماتَ الولدُ فلا شيءَ على أبيه)؛ لعدم المنعِ منه، (وترْكَتُهُ له) (٢)؛ لأنَّه حُرُّ الأصل، (فإن قتلَهُ أبوه أو غيرُهُ غُرِّمَ الأبُ قيمتَه، ورجَعَ بها كثمنِها على بائعِهِ لا بالعقر)، إن قتلَهُ الأبُ يضمنُ قيمتَهُ للمستحقّ، وكذا إن قتلَهُ غيرُه، فأخذ الأبُ ديتَه، فإن الدِّيةَ بدلٌ له، فسلامةُ البدلِ للأبِ كسلامةِ الولد، ثُمَّ مَنْعُ البدلِ من المستحقِّ كمنعِ الولد، وفيه القيمة، ويرجعُ بقيمتِهِ على البائعِ كما يرجعُ بثمنِها، ولا يرجعُ بالعقرِ الذي أَخَذَ منه المستحقّ؛ لأنَّه بدلُ استيفاءِ منفعةِ البضع. (والله أعلم بالصواب) (٣).
* * *
стр. 894
كتاب الإقرار
هو إخبارٌ بحقٍّ لآخرَ عليه، وحكمُهُ ظهور المُقَرّ به لا إنشاؤه، فصحَّ الإقرارُ بالخمرِ للمسلم، لا بطلاق، أو عتق مكرهاً، ولو أقرَّ حرٌّ مُكَلَّفٌ بحقٍّ معلوم أو مجهولٍ صحّ، ولزمَهُ بيانُ ما جُهِلَ بما له قيمة، وصُدِّقَ المقرُّ مع حلفِهِ إن ادَّعى المقرُّ له أكثرَ منه، ولا يُصَدَّقُ في أقلَّ من درهم
كتاب الإقرار
(هو إخبارٌ بحقٍّ لآخرَ عليه، وحكمُهُ ظهور المُقَرّ به (١) لا إنشاؤه (٢)، فصحَّ الإقرارُ بالخمرِ للمسلم (٣)، لا بطلاق، أو عتق مكرهاً)، لمَّا كان حكمُ الإقرارِ الظُّهورِ لا الإنشاء، صحَّ الإقرارُ بالخمرِ للمسلم، ولا يصحُّ تمليكُ الخمر إيَّاه، ولا يصحُّ الإقرارُ بالطَّلاق والعتق مكرهاً، ولو كان إنشاءً يصحّ؛ لأنَّ طلاقَ المكره واعتاقُهُ واقعان عندنا (٤).
(ولو أقرَّ حرٌّ مُكَلَّفٌ بحقٍّ معلوم أو مجهولٍ صحّ، ولزمَهُ بيانُ ما جُهِلَ بما له قيمة) (٥)، صحَّةُ الإقرارِ بالمجهولِ مبنيَّةٌ على أنَّه إخبارٌ لا إنشاءُ تمليك.
(وصُدِّقَ المقرُّ مع حلفِهِ إن ادَّعى المقرُّ له أكثرَ منه، ولا يُصَدَّقُ في أقلَّ من درهم
стр. 895
في: عليَّ مال، ومن النِّصاب في: عليّ مالٌ عظيمٌ من الذَّهب، أو من الفضة، ومن خمس وعشرين في الإبل، ومن قَدْرِ النِّصابِ قيمةً في غيرِ مالِ الزَّكاة، ومن ثلاثةِ نصب في أموالٍ عظام، ودراهم ثلاثة، ودراهم كثيرة: عشرة، وكذا درهماً: درهمٌ، وكذا كذا: أحدَ عشرَ، وكذا وكذا: أحد وعشرين، ولو ثَلَّثَ بلا واوٍ فأحدَ عشرَ، ومع واوٍ فمئةٌ واحدَ وعشرون، وإن رَبَّعَ زِيدَ ألفٌ
في: عليَّ مال، ومن النِّصاب (١) في: عليّ (٢) مالٌ عظيمٌ من الذَّهب، أو من الفضة، ومن خمس وعشرين في الإبل، ومن قَدْرِ النِّصابِ قيمةً في غيرِ مالِ الزَّكاة، ومن ثلاثةِ نصب في أموالٍ عظام (٣)، ودراهم ثلاثة (٤)، ودراهم كثيرة: عشرة)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁؛ لأن جمعَ الكثرة أقلُّه عشرة (٥)، وعندهما لا يُصَدَّقُ في أقلِّ من النِّصاب.
(وكذا درهماً: درهمٌ (٦)، وكذا كذا: أحدَ عشرَ، وكذا وكذا: أحد وعشرين): لأنَّ كذا كذا كنايةً عن العددين، وأقلُّ عددين يذكران بغير واوٍ أحدَ عشر، وأقلُّ عددينِ يذكران بالواو أحدَ وعشرون، (ولو ثَلَّثَ بلا واوٍ فأحدَ عشرَ)؛ لأنَّه لا نظيرَ للثَّلاثة بلا واو، فالأقربُ منه اثنانِ بلا واوٍ يعني أحدَ عشر، (ومع واوٍ فمئةٌ واحدَ وعشرون، وإن رَبَّعَ زِيدَ ألفٌ) (٧)، يعني إن ربَّعَ لفظَ كذا مع الواو، فيكونُ ألفٌ ومئةٌ وأحدَ وعشرون.
стр. 896
وعليَّ وقِبلي إقرارٌ بدين، وصُدِّقَ إن وَصَلَ به، هو وديعة، وإن فصلَ لا، وعندي، أو معي، أو في بيتي، أو في كيسي، أو في صندوقي أمانة. وقولُهُ لمدَّعي الألفَ: اتَّزنها، أو انتقدها، أو أجِّلني بها، أو قضيتكها، أو أبراتني منها، أو تصدَّقت بها عليّ، أو وهبتَها لي، أو أحلتُك بها على زيد إقرارٌ، وبلا ضميرٍ لا
(وعليَّ وقِبلي إقرارٌ بدين، وصُدِّقَ إن وَصَلَ به، هو وديعة، وإن فصلَ لا): لأنَّ ظاهرَهُ الإقرارُ بالدَّين، فقولُهُ: هو وديعة؛ يكونُ بيانُ تغييرٍ بتأويلِ أن عليه حفظَ الوديعة (١)، وهو يصحُّ موصولاً لا مفصولاً كالاستثناء والتَّخصيص.
(وعندي، أو معي، أو في بيتي، أو في كيسي، أو في صندوقي أمانة (٢).
وقولُهُ لمدَّعي الألفَ: اتَّزنها، أو انتقدها، أو أجِّلني بها، أو قضيتكها، أو أبراتني منها، أو تصدَّقت بها عليّ، أو وهبتَها لي، أو أحلتُك بها على زيد إقرارٌ، وبلا ضميرٍ لا)؛ لأنَّه إن لم يذكرْ الضَّميرَ يُحتملُ أن يرادَ: زن كلامَك بميزان العقل، أو انتقد كلامك، ولا تقل قولاً زيفاً.
وأجِّلني: يرادُ به أمهلني في الجواب.
وقضيتُ: يراد به حكمتُ بأنَّك كاذب.
وأبرأتني من أن لا تدَّعي عليّ.
وتصدَّقتَ عليَّ كثيراً، فما بالك تدَّعي عليَّ بلا حقّ.
ووهبتني كثيراً كما في تصدَّقت.
стр. 897
وإن أقرَّ بدينٍ مؤجَّلٍ صُدِّقَ المقرُّ له إن قال: هو حالّ وحلفَ به، وفي مئةٍ ودرهم كلُّها دراهم، وفي مئةٍ وثوب، ومئةٍ وثوبان تفسَّرُ المئة، ومئة وثلاثةُ أثواب كلُّها ثياب
وأحلت لك مالاً على زيد، فما صنعتَ به (١).
(وإن أقرَّ بدينٍ مؤجَّلٍ صُدِّقَ المقرُّ له إن قال: هو حالّ وحلفَ به (٢)): أي حلفَ المقرُّ له على أنَّه ليس بمؤجَّل، فيجبُ له الدَّينُ حالاً (٣).
(وفي (٤) مئةٍ ودرهم كلُّها دراهم، وفي مئةٍ وثوب، ومئةٍ وثوبان تفسَّرُ المئة، ومئة وثلاثةُ أثواب كلُّها ثياب)، اعلم أن في قوله: لفلانٍ عليَّ مئة ودرهمٌ عند الشَّافِعِيِّ (٥) ﵁ تفسَّرُ المئةُ كما في عليَّ مئةٌ وثوب، وهو القياس، وعندنا: إذا ذَكَرَ بعد لفظِ العددِ ما هو من المقدَّرات كما إذا قال: مئةٌ ودرهم، ومئةٌ وقفيزُ حنطة تكونُ المئةُ من جنسِ ذلك المقدَّر قياساً على ما إذا ذَكَرَ بعد لفظ العدد عدداً آخر، نحو: مئةٍ وثلاثة أثواب، وإن لم يكنْ من المقدَّرات كالثَّوب مثلاً فحينئذٍ يفسِّرُ المئة (٦).
стр. 898
والإقرارُ بدابةٍ في اصطبل يلزمها فقط، وخاتمٍ يلزم حلقتُهُ وفَصُّه، وسيفٍ جفنُه وحمائلُه ونصلُه، وحَجلة العيدان والكسوة، وتمرٍ في قوصرة إيَّاهما كثوبٍ في منديل أو ثوب، وثوب في عشرةِ أثوابٍ واحد، وخمسةٍ في خمسةٍ بنيَّةِ الضَّربِ خمسة، وبنيَّةٍ مع عشرة
(والإقرارُ بدابةٍ في اصطبل يلزمها فقط، وخاتمٍ يلزم حلقتُهُ وفَصُّه (١)): أي الإقرارُ بخاتمٍ يلزمُهُ حلقتُهُ وفصُّه، فهذا من بابِ العطفِ على معمولي عاملينِ مختلفين، والمجرورُ مقدَّمٌ نحو في الدارِ زيد، والحجرةِ عمرو، وكذا في قولِه: (وسيفٍ جفنُه وحمائلُه ونصلُه (٢)، وحَجلة العيدان والكسوة (٣)): الحَجَلةُ: البيتُ المُزيَّنُ بالثَّيابِ والسُّرُر (٤).
(وتمرٍ في قوصرة (٥) إيَّاهما (٦) كثوبٍ في منديل (٧) أو ثوب، وثوب في عشرةِ أثوابٍ واحد)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسفَ ﵁، فإنَّ عشرةَ أثوابٍ لا تكونُ تابعةً لثوبٍ واحد، وعند محمَّد ﵁ يلزمُهُ أحدَ عشرَ ثوباً؛ لأنَّ النَّفيسَ يُلَفُّ في ثيابٍ كثيرة (٨).
(وخمسةٍ في خمسةٍ بنيَّةِ الضَّربِ خمسة، وبنيَّةٍ مع عشرة)، وعند الحسن بن زياد ﵁ يلزمُهُ خمسةٌ وعشرون، وقد ذُكِرَ في «كتاب الطَّلاق» (٩).
стр. 899
وفي من درهمٍ إلى عشرة، وما بين درهمٍ إلى عشرة، عليه تسعة، وفي له من داري ما بينَ هذا الحائطِ إلى هذا الحائط له ما بينهما، ولو أقرَّ بالحملِ صحَّ، وحُمِلَ على الوصيّةِ من غيره، وكذا له إن بيَّن المُقِرُّ سبباً صالحاً كالإرثِ والوصيّة
(وفي من درهمٍ إلى عشرة، وما بين درهمٍ إلى عشرة، عليه تسعة)، هذا عند أبي حنيفة ﵁؛ لأنَّ الغايةَ الأُولَى تدخلُ ضرورةً، والأخيرةُ لا تدخلُ (١)، وعندهما تدخلُ الغايتان، فتجبُ عشرة، وعند زُفَر ﵁ لا يدخل شيءٌ منهما، فيجب ثمانية.
(وفي له من داري ما بينَ هذا الحائطِ إلى هذا الحائط له ما بينهما)، والفرقُ لأبي حنيفةَ ﵁ أن في قوله: ما بينَ الواحدِ إلى العشرةِ؛ لا وجودَ لِمَا بينَهما إلاَّ بانضمام الأَوَّل، كما يقال سنِّي ما بين خمسينَ إلى ستّين: أي مع انضمام الآحاد التي دون الخمسين بخلاف ما بين الحائطين.
(ولو أقرَّ بالحملِ صحَّ، وحُمِلَ على الوصيّةِ من غيره) (٢): أي يُحْمَلُ هذا الإقرار أن رجلاً أوصى بالحملِ لرجل وماتَ الموصي، فالآن يقرُّ وارثُهُ بأنه للموصَى له.
(وكذا له إن بيَّن المُقِرُّ سبباً صالحاً كالإرثِ والوصيّة): أي ويصحُّ الإقرارُ للحملِ إن بيَّنَ المقرُّ سبباً صالحاً كالإرثِ والوصيّة، فإنّ الوصيّةَ للحمل تصحُّ، والحملُ يَرِث، وإن لم يبيِّنَ سبباً صالحاً: كما لو بيَّنَ الهبة، أو قال: اشتريتُ له لا يصحّ (٣)، وإنِّما لا يحتاجُ إلى ذِكْرِ السَّببِ الصَّالح في الإقرارِ بالحمل؛ لأنَّ الوصيةَ متعيِّنةٌ هناك بخلافِ الإقرارِ للحمل، فإنّ الأسبابَ متعارضةٌ كالإرثِ والوصية.
стр. 900
فإن وَلَدَتْ حيَّاً لأقلَّ من نصفِ حول، فله ما أقرّ، وإن وَلَدَتْ حيَّينِ فلهما، وإنْ وَلَدَتْ ميِّتاً فللموصي والمُوَرِّث، وإن فَسَّرَ ببيع، أو إقراض، أو أبهم الإقرار لغا، وإن أقرَّ بشرطِ الخيار، صحَّ وبطلَ شرطُه
(فإن وَلَدَتْ حيَّاً لأقلَّ من نصفِ حول): أي من وقتِ الإقرار، (فله ما أقرّ، وإن وَلَدَتْ حيَّينِ فلهما، وإنْ وَلَدَتْ ميِّتاً فللموصي والمُوَرِّث)؛ لأنَّهُ إذا بيَّنَ السَّبب، وقال: إنّ فلاناً أوصى بهذا للحمل، أو إنّ فلاناً ماتَ وتركَهُ ميراثاً له، فيكونَ هذا إقراراً بملكِ الموصي، أو المورِّث، فيقسمُ بين ورثتِهما (١).
(وإن فَسَّرَ ببيع، أو إقراض، أو أبهم الإقرار لغا) (٢)، هذا عند أبي يوسفَ ﵁، وعند محمَّد (٣) ﵁ يصحُّ الإقرار، ويحملُ على السَّبب الصَّالح.
(وإن أقرَّ بشرطِ الخيار)، (بأن قال: لفلان عليَّ ألفٌ درهمٍ على أنّي بالخَيار فيه ثلاثةَ أياَّم) (٤)، (صحَّ وبطلَ شرطُه)؛ لأنَّ الخيار للفسخ، والإقرارُ لا يحتملُه.
ومن المسائلِ الكثيرةِ الوقوع: أنَّه إذا (٥) أقرَّ، ثُمَّ ادَّعى أنَّه كاذبٌ في الإقرار، فعند أبي حنيفةَ ﵁ ومحمَّد ﵁: لا يلتفتُ إلى قولِه لكن يُفْتَى على قولِ أبي يوسف ﵁: إنَّ المُقَرَّ له يَحْلِفُ أنَّ المُقِرَّ لم يكن كاذباً.
وكذا لو ادَّعى وارثُ المُقِرِّ فعند البعضِ لا يلتفتُ إلى قوله؛ لأنَّ حقَّ الورثةَ لم يكن ثابتاً في زمان الإقرار، والأصحُّ التحليف، لأنَّ الورثةَ ادَّعوا أمراً لو أقرَّ به المُقَرّ له يلزمُه، فإذا أنكرَ يُسْتَحْلَف، وإن كان الدعوى على ورثةِ المُقَرِّ له فاليمينُ عليهم بالعلمِ أنا لا نعلمُ أنَّه كان كاذباً (٦). (والله أعلم) (٧).
стр. 901
باب الاستثناء
ومَن استثنى بعضَ ما أقرَّ به متصلاً لزمَهُ باقيه، وإن استثنى كلَّه فكلُّه، فإن استثنى كيليّاً أو وزنيّاً من دراهم صحَّ قيمته، وإن استثنى غيرَهما منها لم يصحّ، ومَن أقرَّ ووَصَلَ إن شاء الله بَطَلَ إقرارُه. لو استثنى بناءَ دارٍ أقرَّ بها، كانا للمُقَّرِ له، وإن قال: بناؤُها لي، وعرصتُها
باب الاستثناء
(ومَن استثنى بعضَ ما أقرَّ به متصلاً لزمَهُ باقيه، وإن استثنى كلَّه فكلُّه): أي لزمَهُ كلَّه؛ لأنَّ استثناءَ الكلِّ لا يصحّ (١).
(فإن استثنى كيليّاً أو وزنيّاً من دراهم صحَّ قيمته، وإن استثنى غيرَهما منها لم يصحّ)، إن قال له: عليَّ مئةُ درهم إلاَّ ديناراً، وإلاَّ قفيزَ حنطةٍ صحَّ الاستثناء، وإن قال: إلاَّ ثوباً لم يصحّ، هذا عند أبي حنيفة ﵁ وأبي يوسفَ ﵁؛ لوجودِ المجانسةِ من وجهٍ إذا كان مكيلاً أو موزوناً، وعند محمَّد ﵁: لا يصحُّ في الكلِّ لعدمِ المجانسة، وعند الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁: يصحُّ في الكلِّ للمجانسةِ من حيث المالية.
(ومَن أقرَّ ووَصَلَ إن شاء الله بَطَلَ إقرارُه (٣).
ولو استثنى بناءَ دارٍ أقرَّ بها، كانا للمُقَّرِ له)؛ لأنَّ الأستثناءَ لا يصحّ؛ لأن البناءَ إنما يدخلُ بالتَّبعيَّة، وما هو كذلك لا يصحُّ استثناؤه، (وإن قال: بناؤُها لي، وعرصتُها (٤)
стр. 902
لك، فكما قال، وفصُّ الخاتم، ونخلةُ البستانِ كبنائِها، فإن قال: له عليَّ ألفٌ من ثَمَنِ عبدٍ ما قبضتُه، وعيَّنَه، فإن سَلَّمَهُ المُقَرُّ له لَزِمَهُ الألفُ وإلاَّ لا، (وإن لم يعيِّن لَزِمَه، وما قَبْضْتُهُ لغو: كقولِهِ: من ثَمَنِ خمر، وفي: من ثَمَنِ متاع، أو قرض، وهي زيوف، أو نَبَهْرَجَة، أو سَتُّوقة، أو رصاص لَزِمَهُ الجيد
لك، فكما قال، وفصُّ الخاتم، ونخلةُ البستانِ كبنائِها)، إن قال: هذا الخاتم لفلان إلاَّ فصّه، أو هذا البستان له إلاَّ نخلةً لا يصحُّ الاستثناء، ولو قال: إن الحَلْقةَ له، والفصَّ لي، أو الأرضَ له، والنَّخلَ لي يصحّ.
(فإن قال: له عليَّ ألفٌ من ثَمَنِ عبدٍ ما قبضتُه، وعيَّنَه، فإن سَلَّمَهُ المُقَرُّ له لَزِمَهُ الألفُ وإلاَّ لا)، قولُه: ما قبضتُه: صفةُ العبد، وقولُهُ: وعيَّنَه: أي عيَّن العبد، وهو في يدِ المُقَرِّ له، فإنّ سلَّمَ المُقَرُّ له ذلك إلى المُقِرِّ لَزِمَهُ الألفُ وإلاَّ لا.
(وإن لم يعيِّن لَزِمَه، وما قَبْضْتُهُ لغو): أي قولُه: وما قبضتُهُ لغوٌ عند أبي حنيفةَ ﵁ سواء وصل أو فصل؛ لأنَّ إنكارَ القبضِ في غيرِ المعيَّنِ ينافي الوجوب (١)؛ لأنَّ جهالةَ المبيعِ كهلاكه، فلا يجبُ الثَّمن، فيكون هذا رجوعاً، وعندهما: إن وَصَلَ صُدِّق؛ لأنَّه بيانُ تغيير عندهما، (كقولِهِ: من ثَمَنِ خمر) (٢): أي يكونُ لغواً عند أبي حنيفةَ ﵁ وَصَلَ أم فَصَل، وعندهما: إن وَصَلَ صحَّ، وإن فَصَلَ لا.
(وفي: من ثَمَنِ متاع، أو قرض، وهي زيوف، أو نَبَهْرَجَة، أو سَتُّوقة، أو رصاص لَزِمَهُ (٣) الجيد)، هذا (٤) عند أبي حنيفةَ ﵁ وَصَلَ أم فَصَل، وعندهما: إن
стр. 903
وفي: من غَصَب، أو وديعة إن ادَّعى أحدَ هذه صُدِّقَ إلاَّ فَصْلاً في الأخيرين، وصُدِّق في: غَصَبْتُ ثوباً، وجاء بمعيب، وفي له عليّ ألفُ درهم إلاَّ أنَّه ينقصُ كذا متّصلاً، وإن فَصَلَ لا، ولو قال: أخذتُ منك ألفاً وديعةً فهلكت، وقال الآخر: بل غصباً، ضَمِنَ، وفي: أعطيتَنيه وديعةً، وقال الآخرُ: غصبتنيه لا
وَصَلَ صُدِّق؛ لأنَّه رجوعٌ عنده (١)، وبيانُ تغييرٍ عندهما.
(وفي: من غَصَب، أو وديعة إن ادَّعى أحدَ هذه صُدِّقَ إلاَّ فَصْلاً في الأخيرين): أي إن قال: له عليَّ ألفٌّ من غصب، أو وديعة إلاَّ أنها زيوف، أو نَبَهْرَجةٌ صُدِّقَ وَصَلَ أم فَصَل، وإن قال: سَتُّوقة، أو رصاص، فإن وَصَلَ صُدِّق، وإن فَصَلَ لا، والفرقُ بين البيعِ والقرض وبين الغصبِ والوديعةِ: أن الأولينِ يقعانِ على الجياد، فإن فَسَّرَ الدَّراهم بغيرِ الجياد يكونُ رجوعاً، والغصبُ والوديعةُ يقعانِ على كلِّ ذلك، والسَتُّوقةُ والرَّصاصُ ليسا من جنسِ الدَّراهم، وإنِّما يسمَّيانِ دراهمَ مجازاً، فيكونُ بيانُ تغيير إن وَصَلَ صُدِّق، وإن فَصَلَ لا.
(وصُدِّق في: غَصَبْتُ ثوباً، وجاء بمعيب، وفي له عليّ ألفُ [درهم] (٢) إلاَّ أنَّه ينقصُ كذا متّصلاً، وإن فَصَلَ لا) (٣): لأنَّ الاستثناءَ يصحُّ متصلاً لا منفصلاً.
(ولو قال: أخذتُ منك ألفاً وديعةً فهلكت، وقال الآخر: بل غصباً، ضَمِنَ (٤)، وفي: أعطيتَنيه وديعةً، وقال الآخرُ: غصبتنيه لا): والفرقُ أن في الأَوَّلِ أقرَّ بوجوب الضَّمان، وهو الأخذُ، وفي الثَّاني: لم يُقِرَّ بذلك، بل الآخرُ يدَّعي عليه الغصب، وهو ينكرُه، فالقولُ له.
стр. 904
وفي: هذا كان وديعةً لي عندك، فأخذته، فقال: هو لي أَخَذَه، وصُدِّقَ مَن قال: أجَّرتُ فرسي، أو ثوبي هذا، فركبَه، أو لبسَه وردَّه عليّ، أو خاطَ ثوبي هذا بكذا فقبضتُه.
باب إقرار المريض
دينُ صحَّتِه مطلقاً ودينُ مرضِه بسببٍ معلوم فيه وعُلِمَ بلا إقرارٍ: كبدلِ ما مَلَكَه، أو أتلفَه، أو مهرِ عرسِه سواء، وقُدِّما على ما أقرَّ به في مرضِ موته
(وفي: هذا كان وديعةً لي عندك، فأخذته، فقال: هو لي أَخَذَه): أي المُقَرُّ له؛ لأَنَّه أقرَّ بيده، ثُمَّ ادَّعى أنَّه كان لي فأخذتُه، فيسلِّمه إلى المُقَرِّ له، ويقيمُ البيِّنة.
(وصُدِّقَ مَن قال: أجَّرتُ فرسي، أو ثوبي هذا، فركبَه، أو لبسَه وردَّه عليّ (١)، أو خاطَ ثوبي هذا بكذا فقبضتُه)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما: يجب أن يُسَلِّمَ إلى المُقَرِّ له، ثُمَّ يدَّعيه كما في مسألةِ الوديعة، وهو القياس، ووجْهُ الاستحسانِ: إن في الإجارةِ لم يُقِرَّ بيد الآخر مطلقاً، بل يدُهُ ضروريةٌ؛ لأجل الانتفاع، فبقي فيما وراءَ الضَّرورةِ في حكمِ يدِ المؤجِّرِ بخلاف الوديعة. (والله أعلم) (٢).
باب إقرار المريض (٣)(٤)
(دينُ صحَّتِه مطلقاً): أي سواءٌ عُلِمَ بسببه أو عُلِمَ بالإقرار، (ودينُ مرضِه)، المرادُ مرضُ الموت، (بسببٍ معلوم (٥) فيه وعُلِمَ بلا إقرارٍ: كبدلِ ما مَلَكَه، أو أتلفَه، أو مهرِ عرسِه سواء، وقُدِّما على ما أقرَّ به في مرضِ موته) (٦)، هذا عندنا، وعند الشَّافِعِيِّ (٧) ﵁ هذا يساوي الأولين؛ لاستواء السَّبب، وهو الإقرار. ولنا: أن إقرارَ
стр. 905
والكلُّ على الإرث وإن شَمِلَ ماله، ولا يصحُّ أن يخصَّ، غريماً بقضاءِ دينِهِ ولا إقراره لوارثِهِ إلاَّ أن يُصَدِّقَهُ البقيَّة، وإن أقرّ بشيء لرجلٍ ثُمَّ ببنُوتِهِ ثَبَتَ نسبُه، وبطلَ ما أقرّ، وصحَّ ما أقرَّ لأجنبيَّة، ثُمَّ نَكَحَها، ولو أقرَّ ببنوّة غلامٍ جُهِلَ نسبُه، ويُولَدُ مثلُهُ لمثلِه وصَدَّقَهُ الغلامُ ثَبَتَ نسبُه ولو في مرض، وشاركَ الورثة
المريض وَقَعَ بما تعلَّقَ به من حقِّ الغير.
(والكلُّ على الإرث وإن شَمِلَ ماله): أي الدّيون الثَّلاثة، وهي: دينُ الصِّحَّة، ودينُ المرضِ بسبب معلوم، ودينُ المرضِ الذي عُلِمَ بمجرَّدِ الإقرارِ مقدَّمٌ على الإرث، وإن شَمَلَ جميع المال.
(ولا يصحُّ أن يخصَّ): أي المريضُ في مرضِ الموت، (غريماً بقضاءِ دينِهِ ولا إقراره لوارثِهِ إلاَّ أن يُصَدِّقَهُ البقيَّة): أي بقيَّةُ الغرماءِ في الدَّين، وبقيَّةُ الورثةِ في الإقرارِ لوارث (١).
(وإن أقرّ): أي المريض، (بشيء لرجلٍ ثُمَّ ببنُوتِهِ ثَبَتَ نسبُه، وبطلَ ما أقرّ (٢)، وصحَّ ما أقرَّ لأجنبيَّة، ثُمَّ نَكَحَها) (٣)؛ لأنَّ في الأَوَّل إقرارَ المريضِ لابنِه، وفي الثَّاني لأجنبيّة.
(ولو أقرَّ ببنوّة غلامٍ جُهِلَ نسبُه، ويُولَدُ مثلُهُ لمثلِه (٤)): أي هما في السِّنِّ بحيث يولَدُ مثلُهُ لمثلِه، (وصَدَّقَهُ الغلامُ ثَبَتَ نسبُه ولو في مرض، وشاركَ الورثة)، تصديقُ
стр. 906
وصحَّ إقرارُ الرَّجلِ والمرأةِ بالوالدين، والولد، والزَّوج، والمولى، وشُرِطَ تصديقُ هؤلاء كما شُرِطَ تصديقُ الزَّوج، أو شهادةُ القابلةِ في إقرارها بالولد، وصحَّ التَّصديقُ بعد موتِ المُقِرِّ إلا من الزَّوج بعد موتِها مُقِرَّةً، ولو أقرَّ بنسبٍ من غيرِ ولاد كأخٍ وعمٍّ لا يَصِحّ، ويرثُ إلا مع وارث آخر وإن بَعُدَ، ومَن أقرَّ بأخ وأبوه مَيْتٌ شاركه في الإرث بلا نسبٍ
الغلامِ إنِّما يشترطُ إذا كان ممِّن يُعبِّر، وإن لم يُعبِّر، ومات المُقِرُّ ثَبَتَ نسبُه، وشاركَ الورثةَ بلا تصديق.
(وصحَّ إقرارُ الرَّجلِ والمرأةِ بالوالدين، والولد، والزَّوج، والمولى، وشُرِطَ تصديقُ هؤلاء (١) كما شُرِطَ تصديقُ الزَّوج، أو شهادةُ القابلةِ في إقرارها بالولد)، يكفي شهادةُ امرأةٍ واحدة، وذِكْرُ القابلةِ في إقرارِها خَرَجَ مَخْرَجَ العادة.
(وصحَّ التَّصديقُ بعد موتِ المُقِرِّ إلا من الزَّوج بعد موتِها مُقِرَّةً) (٢)، هذا عند أبي حنيفة ﵁؛ لأنَّ حُكْمَ النِّكاحِ ينقطعُ بالموت، فلا يصحُّ تصديقُ الزَّوج بعد انقطاعِها بخلافِ تصديقِ الزَّوجة؛ لأنَّ حكمَ النِّكاحِ باقٍ بعد الموتِ لوجوبِ العدَّة، وعندهما: يصحُّ باعتبار أن حُكْمَ النِّكاح، وهو الإرث باقٍ بعد الموتِ. وله: أن التَّصديقَ يستندُ إلى الإقرار، والإرثُ حينئذ معدوم.
(ولو أقرَّ بنسبٍ من غيرِ ولاد كأخٍ وعمٍّ لا يَصِحّ)؛ لأنَّه تحميلُ النَّسبِ على الغير، (ويرثُ إلا مع وارث آخر وإن بَعُدَ (٣)، ومَن أقرَّ بأخ وأبوه مَيْتٌ شاركه في الإرث بلا نسبٍ) لأنَّ الميراثَ حقُّه فيقبلُ فيه إقراره، وأمَّا النَّسبُ ففيه تحميلٌ على الغير.
стр. 907
ولو أقرَّ أحدُ ابني ميْت له على آخر دين بقبضِ أبيه نصفَه، فلا شيء له، والنِّصفُ للآخر.
(ولو أقرَّ أحدُ ابني ميْت له على آخر دين بقبضِ أبيه نصفَه، فلا شيء له، والنِّصفُ للآخر)، إذا كان لزيدٍ على عمروٍ مئةُ درهم، فأقرَّ أحدُ ابني زيدٍ أن زيداً قَبَضَ خمسين، فلا شيء للمُقِرّ، والباقي لأخيه؛ لأنَّ إقرارَ المُقِرِّ ينصرِفُ إلى نصيبه.
* * *
стр. 908
كتاب الصلح
هو عقدٌ يَرْفَعُ النِّزَاعَ صحَّ مع إقرارٍ وسكوتٍ وإنكار، فالأَوَّلُ كبيعٍ إن وَقَعَ عن مالٍ بمال، فيجري فيه الشُّفْعَة، والرَّدُّ بعيب، وخيارُ رؤية، وشَرْط، ويفسدُهُ جَهالةُ البَدَل، وما اسْتُحِقَّ من المدَّعى يَرُدُّ المدَّعي حصَّتَهُ من العوض، وما اسْتُحِقَّ من البدل رجعَ بحصَّتِهِ من المدَّعي، وكإجارة إن وَقَعَ عن مالٍ بمنفعة، فَشُرِطَ التَّوقيتُ فيه، ويبطلُ بموتِ أحدِهما في المدَّة
كتاب الصلح
(هو عقدٌ يَرْفَعُ النِّزَاعَ صحَّ مع إقرارٍ وسكوتٍ وإنكار): أي مع إقرارِ المدَّعى عليه، أو سكوتِه، أو إنكاره، وعند الشَّافِعِيِّ (١) ﵁ لا يصحُّ إلا في صورةِ الإقرار.
(فالأَوَّلُ كبيعٍ إن وَقَعَ عن مالٍ بمال، فيجري فيه الشُّفْعَة، والرَّدُّ بعيب، وخيارُ رؤية، وشَرْط)، سواءٌ صُولِحَ عن دار، أو على دار، فللشفيعِ الشُّفعة، ويثبتُ الرَّدُّ بالخيارات الثَّلاثةِ لكلِّ واحدٍ من المدَّعي والمدَّعى عليه في بدلِ الصُّلْح والمصالح عنه.
(ويفسدُهُ جَهالةُ البَدَل، وما اسْتُحِقَّ من المدَّعى يَرُدُّ المدَّعي حصَّتَهُ من العوض، وما اسْتُحِقَّ من البدل رجعَ بحصَّتِهِ من المدَّعي (٢)، وكإجارة إن وَقَعَ عن مالٍ بمنفعة، فَشُرِطَ التَّوقيتُ فيه): أي إن كان البدلُ منفعةً يُعْلَمُ بالتَّوقيتِ كالخدمة، وسكنى الدَّار، بخلاف ما إذا وقع الصُّلحُ عن المالِ على نقلِ هذا الشيء من هنا إلى ثمَّة، (ويبطلُ بموتِ أحدِهما (٣) في المدَّة.
стр. 909
والآخران معاوضةٌ في حقِّ المدَّعي، وفداءُ يمين وقطعُ نِزاعٍ في حقِّ الآخر، فلا شفعة في صُلْحٍ عن دار مع أحدِهما، وتجبُ في الصلح على دار، وما اسْتُحِقَّ من المدَّعى ردَّ المدَّعي حصَّتَه من العوض، ورجعَ بالخصومةِ فيه، وما استحقَّ من البدلِ من يدِ المدَّعي رجع إلى الدَّعوى في كلِّه، أو بعضِه
والآخران): أي الصُّلْح مع سكوت، أو انكار، (معاوضةٌ في حقِّ المدَّعي، وفداءُ يمين وقطعُ نِزاعٍ في حقِّ الآخر، فلا شفعة في صُلْحٍ عن دار مع أحدِهما) (١): أي مع السُّكوت، أو الإنكار، (وتجبُ في الصلح على دار): لأنَّه إذا صولحَ عن دارٍ، ففي زَعْمِ المدَّعى عليه أنه (٢) لم يتجددْ له ملك، وزَعْمُ المدَّعي ليس بحجَّةٍ على المدَّعى عليه، فلا تَجِبُ الشفعة، وإذا صُولِحَ على دار، ففي زَعْمِ المُدَّعي أنَّه أخذَها عن حقِّه، فيؤاخذُ بزعمِه، فتجبُ الشُّفْعة.
(وما اسْتُحِقَّ من المدَّعى ردَّ المدَّعي حصَّتَه من العوض، ورجعَ بالخصومةِ فيه): أي يخاصمُ المُسْتَحِقُّ فيما استحقَّه، (وما استحقَّ من البدلِ (من يدِ المدَّعي) (٣) رجع إلى الدَّعوى في كلِّه، أو بعضِه): أي إن استحقَّ بعض البدلِ من يدِ المدَّعي رَجَعَ إلى دعوى حصَّةِ ما استحقَّ من المصالحِ عنه، وإن استحقَّ كلَّه رَجَعَ إلى دعوى الكلّ، وفي الصُّلحِ مع الإقرارِ إذا استحقَّ البدلَ رَجَعَ إلى المُبْدَل؛ لوجودِ إقرارِ المدَّعى عليه،
стр. 910
ولو صالحَ على بعضِ دارٍ يدَّعيها لم يصحّ، وحيلتُهُ أن يزيدَ في البدلِ شيئاً، أو يُبْرأَ عن دعوى الباقي.
[فصل في أقسام الصلح]
وصحَّ الصُّلحُ عن دعوى المالِ والمنفعة
وفي السُّكوتِ والإنكارِ رَجَعَ إلى دعوى المُبْدَل (١).
(ولو صالحَ على بعضِ دارٍ يدَّعيها لم يصحّ، وحيلتُهُ أن يزيدَ في البدلِ شيئاً، أو يُبْرأَ عن دعوى الباقي) (٢): أي (٣) إنِّما لم يصحّ؛ لأنَّ بعضَ الدَّار لا يصحُّ عوضاً عن الكلّ، فإذا زادَ في البدلِ شيئاً كدرهم، أو ثوب، يكون ذلك عوضاً عمَّا بقي في يدِ المدَّعى عليه، وإن أَبْرأَهُ المدَّعي عن دعوى الباقي يصحُّ أيضاً؛ لأنَّ هذه براءةٌ عن دعوى الأعيان، وهي صحيحة، وإن لم يكنْ البراءةُ عن الأعيانِ صحيحةً، والفرقُ بينهما يَظْهَرُ فيما إذا كان الدَّارُ في يدِ المدَّعى عليه، فيبرأُ المدَّعي عن دعواها يصحّ، وإن لم تكن في يدِّ المدَّعى عليه كما إذا ماتَ واحد، وتركَ ميراثاً، فبرئ واحدٌ عن نصيبِه لا يصح؛ لأنَّه هذه براءةٌ عن الأعيان.
[فصل في أقسام الصلح]
(وصحَّ الصُّلحُ عن دعوى المالِ (٤) والمنفعة).
стр. 911
والجنايةِ في النَّفسِ وما دونها عمداً أو خطأً، والرِّقِّ، ودعوى الزَّوجِ النِّكاح، وكان عتقاً بمال وخلعاً، ولم يجزْ عن دعواها النِّكاحُ
قيل (١): صورةُ الصُّلحِ عن دعوى المنفعة: أن يدَّعي على الورثة أنّ الميْتَ كان أوصى بخدمةِ هذا العبد، وأنكرَ الورثة، وإنِّما يحتاجُ إلى ذلك؛ لأنَّ الروايةَ محفوظةٌ (٢): أنَّه لو ادَّعى على استئجار عين، والمالك يُنْكِرُه، ثُمَّ صالحا لا يجوزُ.
(والجنايةِ في النَّفسِ وما دونها عمداً أو خطأً، والرِّقِّ، ودعوى الزَّوجِ النِّكاح، وكان عتقاً بمال وخلعاً): أي إن كان الصُّلحُ على مال عن دعوى الرِّقِّ كان (٣) عتقاً بمال، فإن كان الصُّلحُ مع الإقرارِ كان عتقاً بمالٍ في حقِّهما حتَّى يثبتَ الولاء، وإن لم يكنْ مع الإقرار، فهو عتقٌ بمالٍ في زعم المدَّعي، لا في زعمِ المدَّعى عليه، بل قطعُ نزاعٍ في زعمِه، فلا يثبتُ الولاءُ (٤) إلا أن يقيمَ البيِّنة، فكان الصُّلح خلعاً في دعوى الزَّوج النِّكاح، ففي الإقرارِ يكونُ خلعاً مُطلقاً، وفي الآخرين في زعم الزَّوجِ لا في زعمِها حتَّى لا تَجِبَ عليها العدَّة، وإن تزوَّجَتْ زوجاً آخر جازَ في القضاء، أمَّا فيما بينها وبين الله تعالى، فإن عَلِمَتْ أنَّها كانت زوجةً للأَوَّلِ لا يحلُّ لها التَّزوُّجُ في عدَّتِه، وإن علمَتْ أنَّها لم تكنْ حلَّ.
(ولم يجزْ عن دعواها النِّكاحُ): ذَكَرَ في في «الهداية» أنَّ في بعض نسخ «مختصر القُدُورِيّ»: جواز الصُّلْحِ بأن يَجْعَلَ بدلَ الصُّلْحِ زيادةً في المهر، وفي بعض النسخ: عدمَ الجواز (٥).
стр. 912
ولا عن دعوى حدٍّ، ولا إذا قتلَ مأذونٌ آخر عمداً، وصالحَ عن نفسِه، وصحَّ صلحُهُ عن نفسِ عبدٍ له قتلَ رجلاً عمداً، والصُّلحُ عن مغصوبٍ تَلِفَ بأكثرَ من قيمتِه، أو عرض، وفي موسرٍ أعتقَ نصفاً له، وصالحَ عن باقيه بأكثرَ من نصفِ قيمتِهِ بطلَ الفضل
ففي «الوقاية» اختارَ هذا؛ لأنَّ الصُّلْحَ إن جُعِلَ منه فُرْقة، فالعوضُ لم يُشرعْ إلاَّ من جانبِها، وإن لم يجعلْ، فالبدلُ لا يقعُ في مقابلةِ شيء.
(ولا عن دعوى حدٍّ): لأنَّه حقُّ الله تعالى، (ولا إذا قتلَ مأذونٌ آخر عمداً، وصالحَ عن نفسِه)؛ لأنَّ رقبتَهُ ليست من تجارتِه، فلا يجوزُ له التَّصرُّف فيها.
(وصحَّ صلحُهُ عن نفسِ عبدٍ له قتلَ رجلاً عمداً)؛ لأنَّ عبدَهُ من كسبِهِ فيصحُّ تصرُّفُه فيه واستخلاصُه.
(والصُّلحُ عن مغصوبٍ تَلِفَ بأكثرَ من قيمتِه، أو عرض)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما: لا يصحُّ بأكثر من قيمتِه إلا أن يكون زيادةً يتغابنُ النَّاسُ فيها؛ لأنَّ حقَّهُ في القيمة، فالزَّائدُ ربا. وله: أنَّ حقَّه في الهالكِ باق، فاعتياضُهُ بأكثر لا يكونُ ربا، فإن الزَّائد على المالية في مقابلة الصورة (١).
(وفي موسرٍ أعتقَ نصفاً له، وصالحَ عن باقيه بأكثرَ من نصفِ قيمتِهِ بطلَ الفضل) هذا بالاتّفاق، أمَّا عندهما فظاهر، وأمَّا عنده (٢)؛ فلأن القيمةَ منصوصٌ عليها هاهنا فلا يجوزُ الزِّيادةُ عليها، وثمَّة غيرُ منصوص عليها، (ولو صالحَ بعَرَضٍ صَحَّ): وإن كان قيمتُهُ أكثرَ من قيمةِ نصفِ العبد.
стр. 913
[باب التبرع بالصلح والتوكيل به]
وبدلُ صُلْحٍ عن دمٍ عمد، أو على بعضِ دينٍ يدَّعيه يلزمُ الموكِّلُ لا وكيله إلا أن يضْمَنَه، وفيما هو كبيعٍ لزم وكيله، وإن صالحَ فضوليٌّ، وضَمِنَ البدل، أو أضافَ إلى ماله، أو أشارَ إلى نقد أو عَرَضٍ بلا نسبةٍ إلى نفسِه، أو أطلقَ ونقدَ صحّ، وإن لم ينقدْ إن أجازَهُ المدَّعى عليه لَزِمَهُ البدلُ وإلا رُدّ
[باب التبرع بالصلح والتوكيل به]
(وبدلُ صُلْحٍ عن دمٍ عمد، أو على بعضِ دينٍ يدَّعيه يلزمُ الموكِّلُ لا وكيله)؛ لأنَّ الصُّلحَ في هاتين الصُّورتين ليس بمَنْزلةِ البيع، أمَّا في الأوَّلِ فظاهر، وأمَّا في الثَّاني؛ فلأنّه أخذَ البعض، وحَطَّ الباقي، فيرجعُ الحقوقُ إلى الموكِّل (١) (إلا أن يضْمَنَه): أي الوكيل، فحينئذٍ يكونُ البدلُ عليه لأجلِّ الكفالة.
(وفيما هو كبيعٍ لزم وكيله): أي فيما يكون الصلحُ عن مالٍ على مال من غير جنس المصالح عنه، ويكون مع الإقرار.
(وإن صالحَ فضوليٌّ، وضَمِنَ البدل، أو أضافَ إلى ماله، أو أشارَ إلى نقد أو عَرَضٍ بلا نسبةٍ إلى نفسِه، أو أطلقَ ونقدَ صحّ، وإن لم ينقدْ إن أجازَهُ المدَّعى عليه لَزِمَهُ البدلُ وإلا رُدّ): أي صالحَ الفضولىُّ عن جانبِ المدَّعى عليه مع المدَّعي، وضَمِنَ بدلَ الصُّلْح، أو قال: صالحتُك على ألف درهم من مالي، أو ألفي هذا، أو على عبدي هذا، أو قال: صالحتُك على هذا الألف، أو على هذا العبد من غير أن ينسبَهما إلى نفسِهِ أو أطلقه، وقال: صالحتُك على ألفِ درهمٍ ونقدَه، ففي هذه الصُّور صحَّ الصُلح (٢)، وإن لم ينقدِ الألفَ إن أجازَ المدَّعى عليه لَزِمَهُ وإلاَّ فلا.
стр. 914
[باب الصلح في الدين]
وصلحُه على بعضِ جنسِ ما له عليه أخذٌ لبعضِ حقِّه، وحَطٌّ لباقيه لا معاوضة، فصحَّ عن ألفٍ حالٍّ على مئةٍ حالَّة، أو على ألفٍ مؤجَّل، أو عن ألفٍ جيادٍ على مئةٍ زيوف، ولم يصحَّ عن دراهمَ على دنانيرَ مؤجَّلة، أو عن ألف مؤجَّلٍ على نصفه حالاً، أو عن ألف سودٍ على نصفِهِ بيضٍ، ومَن أمرَ بأداء نصفِ دينٍ عليه غداً على أنَّه بريءٌ ممَّا زادَ إن قَبِلَ ووفَّى
[باب الصلح في الدين]
(وصلحُه على بعضِ جنسِ ما له عليه أخذٌ لبعضِ حقِّه، وحَطٌّ لباقيه لا معاوضة)؛ لأنَّ بعضَ الشَّيء لا يصلحُ عوضاً للكلّ، (فصحَّ عن ألفٍ حالٍّ على مئةٍ حالَّة، أو على ألفٍ مؤجَّل)، ففي الأَوَّلِ يكونُ إسقاطاً لما فوقَ المئة، وفي الثَّاني يكونُ إسقاطاً لوصف الحلول، (أو عن ألفٍ جيادٍ على مئةٍ زيوف)؛ لأنَّه يكونُ إسقاطاً لما فوق المِئةِ إسقاطاً لوصفِ الجودة في المئة، ففي هذه الصُّور يصحُّ الصُّلح، ولا يشترطُ قبضُ بدلِ الصُّلح.
(ولم يصحَّ عن دراهمَ على دنانيرَ مؤجَّلة)؛ لأنَّ هذا الصُّلحَ معاوضةٌ فيكونُ صرفاً، فيشترطُ قبضُ الدَّنانير قبل الافتراق (١)، (أو عن ألف مؤجَّلٍ على نصفه حالاً)؛ لأنَّ وصفَ الحلولِ في مقابلةِ خمسمئة، وذلك الوصفُ ليس بمال، (أو عن ألف سودٍ (٢) على نصفِهِ بيضٍ): لأنَّه يكونُ معاوضةَ ألفٍ سودٍ بخمسمئة، وزيادة وصف (٤ (وهو البياضُ) (٣) فلا يجوز (٤).
(ومَن أمرَ بأداء نصفِ دينٍ عليه غداً على أنَّه بريءٌ ممَّا زادَ إن قَبِلَ ووفَّى (٥)
стр. 915
برئ، وإن لم يفِ عاد دينه، وإن لم يؤقِّتْ لم يعد، وكذا لو صالحَهُ من دينِهِ على نصفٍ يدفعه إليه غداً، فهو بريء ممَّا فَضَل، على
برئ، وإن لم يفِ عاد دينه): أي إن (١) قالَ: أدِّ إليَّ خمسمئة غداً على أنَّك بريٌ من الباقي فقبل، وأدَّى برئَ، فإن لم يؤدِّ خمسمئةِ في الغدِ عادَ دينُه، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁ ومحمَّد ﵁، وعند أبي يوسفَ ﵁ لا يعودُ دينُه؛ لأنَّ البراءةَ مطلقة؛ لأنَّ كلمةَ: على؛ للعوض، وأداءُ النِّصفُ لا يصلحُ عوضاً للبراءة، فبقي البراءةُ مطلقة (٢).
ولهما: أن: على؛ للشَّرط، فيكون البراءةُ مقيَّدةً بالشَّرط، فيفوتُ بفواتِه، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ كلمةَ: على؛ دخلتْ على البراءة، فهذا التَّعليلُ إنِّما يصحُّ لو قال: أبرأتُكَ عن خمسمئة على أن تؤدِّي الخمسمئةٍ الأخرى (٣).
ويمكنُ أن يجابَ عنه: بأنَّه وإن كان في اللفظِ هكذا، لكن في المعنى كلُّ واحدٍ مقيِّدٌ بالأخر؛ لأنَّه ما رضي بالبراءةِ مطلقاً، بل بالبراءةِ على تقديرِ أداءِ الخمسمئة، فصارت البراءةُ مشروطةً بالأداء، فإذا لم يودِّ عادَ حقُّه. هذا (٤) من إملاء المصنِّف ﵁.
(وإن لم يؤقِّتْ لم يعد): أي إن لم يؤقِّتِ الأداء، بل قال: أدِّ إليَّ خمسمئة (بأنك بريء من الباقي) (٥)، ولم يقلْ غداً، ففي هذه الصُّورةِ إن لم يؤدِّ الدَّينَ لم يَعُدْ دينُهُ؛ لأنَّه إبراءٌ مطلق.
(وكذا لو صالحَهُ من دينِهِ على نصفٍ يدفعه إليه غداً، فهو بريء ممَّا فَضَل، على