والجنايةِ في النَّفسِ وما دونها عمداً أو خطأً، والرِّقِّ، ودعوى الزَّوجِ النِّكاح، وكان عتقاً بمال وخلعاً، ولم يجزْ عن دعواها النِّكاحُ
قيل (١): صورةُ الصُّلحِ عن دعوى المنفعة: أن يدَّعي على الورثة أنّ الميْتَ كان أوصى بخدمةِ هذا العبد، وأنكرَ الورثة، وإنِّما يحتاجُ إلى ذلك؛ لأنَّ الروايةَ محفوظةٌ (٢): أنَّه لو ادَّعى على استئجار عين، والمالك يُنْكِرُه، ثُمَّ صالحا لا يجوزُ.
(والجنايةِ في النَّفسِ وما دونها عمداً أو خطأً، والرِّقِّ، ودعوى الزَّوجِ النِّكاح، وكان عتقاً بمال وخلعاً): أي إن كان الصُّلحُ على مال عن دعوى الرِّقِّ كان (٣) عتقاً بمال، فإن كان الصُّلحُ مع الإقرارِ كان عتقاً بمالٍ في حقِّهما حتَّى يثبتَ الولاء، وإن لم يكنْ مع الإقرار، فهو عتقٌ بمالٍ في زعم المدَّعي، لا في زعمِ المدَّعى عليه، بل قطعُ نزاعٍ في زعمِه، فلا يثبتُ الولاءُ (٤) إلا أن يقيمَ البيِّنة، فكان الصُّلح خلعاً في دعوى الزَّوج النِّكاح، ففي الإقرارِ يكونُ خلعاً مُطلقاً، وفي الآخرين في زعم الزَّوجِ لا في زعمِها حتَّى لا تَجِبَ عليها العدَّة، وإن تزوَّجَتْ زوجاً آخر جازَ في القضاء، أمَّا فيما بينها وبين الله تعالى، فإن عَلِمَتْ أنَّها كانت زوجةً للأَوَّلِ لا يحلُّ لها التَّزوُّجُ في عدَّتِه، وإن علمَتْ أنَّها لم تكنْ حلَّ.
(ولم يجزْ عن دعواها النِّكاحُ): ذَكَرَ في في «الهداية» أنَّ في بعض نسخ «مختصر القُدُورِيّ»: جواز الصُّلْحِ بأن يَجْعَلَ بدلَ الصُّلْحِ زيادةً في المهر، وفي بعض النسخ: عدمَ الجواز (٥).
стр. 912
ولا عن دعوى حدٍّ، ولا إذا قتلَ مأذونٌ آخر عمداً، وصالحَ عن نفسِه، وصحَّ صلحُهُ عن نفسِ عبدٍ له قتلَ رجلاً عمداً، والصُّلحُ عن مغصوبٍ تَلِفَ بأكثرَ من قيمتِه، أو عرض، وفي موسرٍ أعتقَ نصفاً له، وصالحَ عن باقيه بأكثرَ من نصفِ قيمتِهِ بطلَ الفضل
ففي «الوقاية» اختارَ هذا؛ لأنَّ الصُّلْحَ إن جُعِلَ منه فُرْقة، فالعوضُ لم يُشرعْ إلاَّ من جانبِها، وإن لم يجعلْ، فالبدلُ لا يقعُ في مقابلةِ شيء.
(ولا عن دعوى حدٍّ): لأنَّه حقُّ الله تعالى، (ولا إذا قتلَ مأذونٌ آخر عمداً، وصالحَ عن نفسِه)؛ لأنَّ رقبتَهُ ليست من تجارتِه، فلا يجوزُ له التَّصرُّف فيها.
(وصحَّ صلحُهُ عن نفسِ عبدٍ له قتلَ رجلاً عمداً)؛ لأنَّ عبدَهُ من كسبِهِ فيصحُّ تصرُّفُه فيه واستخلاصُه.
(والصُّلحُ عن مغصوبٍ تَلِفَ بأكثرَ من قيمتِه، أو عرض)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما: لا يصحُّ بأكثر من قيمتِه إلا أن يكون زيادةً يتغابنُ النَّاسُ فيها؛ لأنَّ حقَّهُ في القيمة، فالزَّائدُ ربا. وله: أنَّ حقَّه في الهالكِ باق، فاعتياضُهُ بأكثر لا يكونُ ربا، فإن الزَّائد على المالية في مقابلة الصورة (١).
(وفي موسرٍ أعتقَ نصفاً له، وصالحَ عن باقيه بأكثرَ من نصفِ قيمتِهِ بطلَ الفضل) هذا بالاتّفاق، أمَّا عندهما فظاهر، وأمَّا عنده (٢)؛ فلأن القيمةَ منصوصٌ عليها هاهنا فلا يجوزُ الزِّيادةُ عليها، وثمَّة غيرُ منصوص عليها، (ولو صالحَ بعَرَضٍ صَحَّ): وإن كان قيمتُهُ أكثرَ من قيمةِ نصفِ العبد.
стр. 913
[باب التبرع بالصلح والتوكيل به]
وبدلُ صُلْحٍ عن دمٍ عمد، أو على بعضِ دينٍ يدَّعيه يلزمُ الموكِّلُ لا وكيله إلا أن يضْمَنَه، وفيما هو كبيعٍ لزم وكيله، وإن صالحَ فضوليٌّ، وضَمِنَ البدل، أو أضافَ إلى ماله، أو أشارَ إلى نقد أو عَرَضٍ بلا نسبةٍ إلى نفسِه، أو أطلقَ ونقدَ صحّ، وإن لم ينقدْ إن أجازَهُ المدَّعى عليه لَزِمَهُ البدلُ وإلا رُدّ
[باب التبرع بالصلح والتوكيل به]
(وبدلُ صُلْحٍ عن دمٍ عمد، أو على بعضِ دينٍ يدَّعيه يلزمُ الموكِّلُ لا وكيله)؛ لأنَّ الصُّلحَ في هاتين الصُّورتين ليس بمَنْزلةِ البيع، أمَّا في الأوَّلِ فظاهر، وأمَّا في الثَّاني؛ فلأنّه أخذَ البعض، وحَطَّ الباقي، فيرجعُ الحقوقُ إلى الموكِّل (١) (إلا أن يضْمَنَه): أي الوكيل، فحينئذٍ يكونُ البدلُ عليه لأجلِّ الكفالة.
(وفيما هو كبيعٍ لزم وكيله): أي فيما يكون الصلحُ عن مالٍ على مال من غير جنس المصالح عنه، ويكون مع الإقرار.
(وإن صالحَ فضوليٌّ، وضَمِنَ البدل، أو أضافَ إلى ماله، أو أشارَ إلى نقد أو عَرَضٍ بلا نسبةٍ إلى نفسِه، أو أطلقَ ونقدَ صحّ، وإن لم ينقدْ إن أجازَهُ المدَّعى عليه لَزِمَهُ البدلُ وإلا رُدّ): أي صالحَ الفضولىُّ عن جانبِ المدَّعى عليه مع المدَّعي، وضَمِنَ بدلَ الصُّلْح، أو قال: صالحتُك على ألف درهم من مالي، أو ألفي هذا، أو على عبدي هذا، أو قال: صالحتُك على هذا الألف، أو على هذا العبد من غير أن ينسبَهما إلى نفسِهِ أو أطلقه، وقال: صالحتُك على ألفِ درهمٍ ونقدَه، ففي هذه الصُّور صحَّ الصُلح (٢)، وإن لم ينقدِ الألفَ إن أجازَ المدَّعى عليه لَزِمَهُ وإلاَّ فلا.
стр. 914
[باب الصلح في الدين]
وصلحُه على بعضِ جنسِ ما له عليه أخذٌ لبعضِ حقِّه، وحَطٌّ لباقيه لا معاوضة، فصحَّ عن ألفٍ حالٍّ على مئةٍ حالَّة، أو على ألفٍ مؤجَّل، أو عن ألفٍ جيادٍ على مئةٍ زيوف، ولم يصحَّ عن دراهمَ على دنانيرَ مؤجَّلة، أو عن ألف مؤجَّلٍ على نصفه حالاً، أو عن ألف سودٍ على نصفِهِ بيضٍ، ومَن أمرَ بأداء نصفِ دينٍ عليه غداً على أنَّه بريءٌ ممَّا زادَ إن قَبِلَ ووفَّى
[باب الصلح في الدين]
(وصلحُه على بعضِ جنسِ ما له عليه أخذٌ لبعضِ حقِّه، وحَطٌّ لباقيه لا معاوضة)؛ لأنَّ بعضَ الشَّيء لا يصلحُ عوضاً للكلّ، (فصحَّ عن ألفٍ حالٍّ على مئةٍ حالَّة، أو على ألفٍ مؤجَّل)، ففي الأَوَّلِ يكونُ إسقاطاً لما فوقَ المئة، وفي الثَّاني يكونُ إسقاطاً لوصف الحلول، (أو عن ألفٍ جيادٍ على مئةٍ زيوف)؛ لأنَّه يكونُ إسقاطاً لما فوق المِئةِ إسقاطاً لوصفِ الجودة في المئة، ففي هذه الصُّور يصحُّ الصُّلح، ولا يشترطُ قبضُ بدلِ الصُّلح.
(ولم يصحَّ عن دراهمَ على دنانيرَ مؤجَّلة)؛ لأنَّ هذا الصُّلحَ معاوضةٌ فيكونُ صرفاً، فيشترطُ قبضُ الدَّنانير قبل الافتراق (١)، (أو عن ألف مؤجَّلٍ على نصفه حالاً)؛ لأنَّ وصفَ الحلولِ في مقابلةِ خمسمئة، وذلك الوصفُ ليس بمال، (أو عن ألف سودٍ (٢) على نصفِهِ بيضٍ): لأنَّه يكونُ معاوضةَ ألفٍ سودٍ بخمسمئة، وزيادة وصف (٤ (وهو البياضُ) (٣) فلا يجوز (٤).
(ومَن أمرَ بأداء نصفِ دينٍ عليه غداً على أنَّه بريءٌ ممَّا زادَ إن قَبِلَ ووفَّى (٥)
стр. 915
برئ، وإن لم يفِ عاد دينه، وإن لم يؤقِّتْ لم يعد، وكذا لو صالحَهُ من دينِهِ على نصفٍ يدفعه إليه غداً، فهو بريء ممَّا فَضَل، على
برئ، وإن لم يفِ عاد دينه): أي إن (١) قالَ: أدِّ إليَّ خمسمئة غداً على أنَّك بريٌ من الباقي فقبل، وأدَّى برئَ، فإن لم يؤدِّ خمسمئةِ في الغدِ عادَ دينُه، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁ ومحمَّد ﵁، وعند أبي يوسفَ ﵁ لا يعودُ دينُه؛ لأنَّ البراءةَ مطلقة؛ لأنَّ كلمةَ: على؛ للعوض، وأداءُ النِّصفُ لا يصلحُ عوضاً للبراءة، فبقي البراءةُ مطلقة (٢).
ولهما: أن: على؛ للشَّرط، فيكون البراءةُ مقيَّدةً بالشَّرط، فيفوتُ بفواتِه، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ كلمةَ: على؛ دخلتْ على البراءة، فهذا التَّعليلُ إنِّما يصحُّ لو قال: أبرأتُكَ عن خمسمئة على أن تؤدِّي الخمسمئةٍ الأخرى (٣).
ويمكنُ أن يجابَ عنه: بأنَّه وإن كان في اللفظِ هكذا، لكن في المعنى كلُّ واحدٍ مقيِّدٌ بالأخر؛ لأنَّه ما رضي بالبراءةِ مطلقاً، بل بالبراءةِ على تقديرِ أداءِ الخمسمئة، فصارت البراءةُ مشروطةً بالأداء، فإذا لم يودِّ عادَ حقُّه. هذا (٤) من إملاء المصنِّف ﵁.
(وإن لم يؤقِّتْ لم يعد): أي إن لم يؤقِّتِ الأداء، بل قال: أدِّ إليَّ خمسمئة (بأنك بريء من الباقي) (٥)، ولم يقلْ غداً، ففي هذه الصُّورةِ إن لم يؤدِّ الدَّينَ لم يَعُدْ دينُهُ؛ لأنَّه إبراءٌ مطلق.
(وكذا لو صالحَهُ من دينِهِ على نصفٍ يدفعه إليه غداً، فهو بريء ممَّا فَضَل، على
стр. 916
أنَّه إن لم يدفعْهُ غداً، فالكلُّ عليه، فإن أبرأهُ عن نصفِهِ على أن يعطيَه ما بقيَ غداً، فهو بريءٌ أدَّى الباقي أو لا
أنَّه إن لم يدفعْهُ غداً، فالكلُّ عليه)، ففي هذه الصُّورةِ إن قَبِلَ بَرِئ عن الباقي، فإن لم يؤدِّ في الغد، فالكلُّ عليه كما في المسألة الأولى، وهذا بالإجماع (١).
(فإن أبرأهُ عن نصفِهِ على أن يعطيَه ما بقيَ غداً، فهو بريءٌ أدَّى الباقي أو لا) (٢)، وقد علَّلَ في هذه الصُّورةِ ما علَّلَ أبو يوسفَ ﵁ في المسألةِ الأولى (٣)، وهذا عجيب، بل التَّعليلُ الذي ذُكِرَ من جانبِ أبي حنيفةَ ﵁ ومحمَّد ﵁ إنِّما يصحُّ في هذه
стр. 917
ولو علَّقَ صريحاً كإن أدّيتَ إليَّ كذا، أو إذا، أو متى لا يصحّ، لا يصحُّ، وإن قال للآخر سرّاً: لا أقرَّ لك حتَّى تؤخِّرَه عنِّي، أو تحطَّهُ ففعل، صحَّ عليه، ولو أعلن أخذَ للحال.
[فصل في الدين المشترك]
ولو صالحَ أحدُ ربَّي دينٍ عن نصفِهِ على ثوبٍ اتَّبعَ شريكُهُ غريمَهُ بنصفِه، أو أخذَ نصفَ الثَّوبِ من شريكِه إلاَّ أن يَضْمَنَ ربعَ الدَّين
المسألة؛ لأنَّ الإبراء مقيِّدٌ بالشرطِ هاهنا لا في المسألة الأولى، ويمكنُ أن يجابَ عنه: بأن هذا إنِّما جاءَ من لفظ: غداً؛ لأنَّ الإبراءَ في الحالِ لا يمكنُ أن يكونَ مقيِّداً بإعطاء الخمسمئة غداً. من إملاء المصنِّف إليَّ (١) ﵁.
(ولو علَّقَ صريحاً كإن أدّيتَ إليَّ كذا، أو إذا، أو متى لا يصحّ): أي إن (٢) قال: إن أدَّيتَ إليَّ كذا، فأنتَ بريءٌ من الباقي، (لا يصحُّ)؛ لأنَّ الأبراءَ المعلَّقَ تعليقاً صريحاً لا يصحّ، فإنَّ الإبراءَ فيه معنى التَّمليك، ومعنى الإسقاط، فالإسقاطُ لا يُنافي تعليقُهُ بالشَّرط، والتَّمليكُ يُنافيه، فراعينا المعنيين، وقلنا: إن كان التَّعليقُ صريحاً لا يصحُّ، إن لم يكنْ صريحاً كما في الصُّورةِ المذكورة يصحَّ.
(وإن قال للآخر سرّاً: لا أقرَّ لك حتَّى تؤخِّرَه عنِّي، أو تحطَّهُ ففعل، صحَّ عليه، ولو أعلن أخذَ للحال (٣).
[فصل في الدين المشترك]
ولو صالحَ أحدُ ربَّي دينٍ عن نصفِهِ على ثوبٍ اتَّبعَ شريكُهُ غريمَهُ بنصفِه، أو أخذَ نصفَ الثَّوبِ من شريكِه إلاَّ أن يَضْمَنَ ربعَ الدَّين) (٤)، فإنّ الشَّريكَ إن ضَمِنَ
стр. 918
ولو قبضَ أحدٌ شيئاً من الدَّين شاركَهُ شريكُهُ فيه، ورجعا على الغريمِ بما بقي، ولو اشترى بنصفِهِ شيئاً ضمَّنَهُ شريكه ربعَ الدَّين أو اتَّبع غريمه، وفي الإبراءِ عن حظِّه والمقاصَّة بدينٍ سبقَ لم يرجع الشَّريك
له ربعَ الدَّين فلا حقَّ له في الثَّوب، هذا إذا كان الدَّينُ مُشْتَركاً بينهما، بأن يكونَ واجباً بسببٍ متّحدٍ كثمنِ المبيع صفقةً واحدة، وثمنَ المالِ المشترك، أو الموروث بينهما، وقيمة المستملك المشترك، فإنّ كلَّ ما أخذَهُ أحدُ الشَّريكينِ فللآخرِ إتِّباعُه.
(ولو قبضَ أحدٌ (١) شيئاً من الدَّين شاركَهُ شريكُهُ فيه، ورجعا على الغريمِ بما بقي): أي لا يكونُ للغريم أن يقولَ للذي أعطاهُ نصفَ الدَّين: إنِّي قد أعطيتُك حقَّك، فليس لك عليَّ شيء، فإنَّ ما أعطاهُ إيَّاه مشتركٌ بينه وبين شريكه.
(ولو اشترى بنصفِهِ شيئاً ضمَّنَهُ شريكه ربعَ الدَّين أو اتَّبع غريمه): أي اشترى أحدُ الشَّريكين بنصفِهِ من الغريم شيئاً فللشريكِ الآخرِ أن يضمِّنَهُ ربعَ الدَّين؛ لأنَّه صارَ قابضاً نصفَ الدَّينِ بالمقاصّة، فيضمِّنَه شريكُهُ الرُّبع بخلافِ مسألةِ الصُّلْح، فإنَّه إذا أخذَ الثَّوبَ بطريقِ الصُّلحِ عن النِّصف، ومبنى الصُّلحِ على الحطّ، فالظَّاهرُ أن قيمةَ الثَّوبِ أقلُّ من نصفِ الدَّين، فلو ضمَّنَه ربعَ الدَّينِ يتضرَّر آخذُ الثَّوب، فلآخذ الثَّوبَ أن يقولَ: إنِّي ما أخذتُ إلا الثَّوب، فإن شئتَ خذ نصفَهُ بخلاف مسألةِ الشِّراءِ إذ مبناهُ على المماكسة، فلا يتضرَّر المشتري بضمانِ رُبْعِ الدَّين.
(وفي الإبراءِ عن حظِّه والمقاصَّة بدينٍ سبقَ لم يرجع الشَّريك): أي إذا أبرأَ أحدُ الشَّريكين الغريمَ عن نصيبِه لا يرجعُ الشَّريكُ الآخر على ذلك الشَّريك؛ لأنَّ الأبراءَ إتلافٌ لا قبض، وكذا إن وقعتِ المقاصَّة بدينِهِ السَّابق، صورتُهُ: لزيدٍ على عمرو
стр. 919
ولو أبرأَ أحدُهما عن البعضِ قُسِّمَ الباقي على سهامِهِ، وبطلَ صُلحُ أحدُ ربَّي سَلَم من نصفِهِ على ما دَفَعَ.
[فصل في التخارج]
فإن أُخْرِجَ أحدُ الورثةِ عن عرض أو عقارٍ بمال، أو عن ذهبٍ بفضّة، أو
خمسونَ درهماً، فباعَ عمرو وبكر عبداً مشتركاً بينهما من زيدٍ بمئة درهم حتَّى وَجَبَ لكلٍّ منهما على زيدٍ خمسونَ درهماً، وقعت المقاصّة بين الخمسينَ التي وجبتْ لعمرو على زيد، وبين الخمسينَ التي كانت لزيدٍ على عمرو، فليس لبكرٍ أن يقولَ لعمروٍ: إنَّكَ قبضتَ الخمسينَ التي وجبتَ لك على زيدٍ حيث وقعتِ المقاصَّةُ بينهما، وبين الخمسينَ التي كانت لزيدٍ عليك، فأدِّ إليَّ نصفَها، وإنِّما لا يكونُ له ذلك؛ لأنَّ عمراً قاصَّ دينَهُ بالمقاصَّة لا قابضَ شيئاً.
(ولو أبرأَ أحدُهما عن البعضِ قُسِّمَ الباقي على سهامِهِ): أي إذا كان الدَّين بين الشَّريكينِ نصفين، فأبرأ أحدُهما عن نصفِ نصيبه، وهو الرُّبع، قُسِّمَ الباقي أثلاثاً؛ لأنَّه بقي له رُبع، وللآخر نصف.
(وبطلَ صُلحُ أحدُ ربَّي سَلَم من نصفِهِ على ما دَفَعَ): أي إذا أسلمَ رجلان في كُرّ، ورأسُ مالِهما مئة، وسَلَّم كُلُّ واحدٍ خمسين درهماً، ثُمَّ صالحَ أحدُهما عن نصفِ كُرِهِ بالخمسينَ التي دَفَعَها إلى المُسَلَّم إليه، وأخذَ الخمسين، فهذا الصلحُ لا يجوزُ عند أبي حنيفةَ ﵁ ومحمَّدٍ ﵁، وعند أبي يوسفَ ﵁ يجوز كما إذا اشتريا عبداً فأقال أحدُهما في نصيبِه، لهما: أنّه لو صحَّ في نصيبه خاصَّةً لَزِمَهُ قسمةُ الدَّينِ في الذمّة، ولو جازَ في نصيبِهما لا بُدَّ من إجازةِ الآخر، ولم توجد (١).
[فصل في التخارج]
(فإن أُخْرِجَ أحدُ الورثةِ عن عرض أو عقارٍ بمال، أو عن ذهبٍ بفضّة، أو
стр. 920
عكسِه، أو نقدين بهما صحّ، قلَّ بدلُهُ أو لا، وفي نقدينِ وغيرِهما بأحدِ النَّقدين لا إلاَّ أن يكونَ المُعطى أكثر من قسطِهِ من ذلك الجنس، وبطلَ الصُّلحُ إن شرطَ فيه لهم الدَّين من التركة، فإن شرطوا براءةَ الغرماءِ منه، أو قضوا نصيبَ المصالح منه تبرُّعاً، أو أقرضوه قَدْرَ قسطِهِ منه، وصالحوا عن غيره، وأحالهم بالقرضِ على الغرماءِ صحَّ
عكسِه، أو نقدين بهما صحّ، قلَّ بدلُهُ أو لا)، إنِّما يصحُّ عن النَّقدين: أي الدَّراهم والدَّنانير بهما سواء قلَّ البدلُ أو كثر؛ لأنُّه يصرفُ الجنسَ إلى خلافِ الجنسِ على ما عُرِفَ في «كتاب الصَّرف».
(وفي نقدينِ وغيرِهما بأحدِ النَّقدين لا إلاَّ أن يكونَ المُعطى أكثر من قسطِهِ من ذلك الجنس): أي إذا كان المعطي مئه درهم، يجبُ أن يكونَ المئةُ أكثرَ من حصّتِهِ من الدَّراهم؛ ليكون ما يساوي حصّتَهُ في مقابلتِها، وما فَضُلَ في مقابلةِ غيرِ الدَّراهم؛ وذلك لأنَّ الصُّلحَ لا يجوزُ بطريقِ الإبراء؛ لأنَّ التَّركةَ أعيان، والبراءُ عن الأعيانِ لا يجوز.
(وبطلَ الصُّلحُ إن شرطَ فيه لهم الدَّين من التركة): يعني إن أخرجَ أحدُ الورثة، وفي التركةِ ديون، فشرط أن يكونَ الدُّيون لبقيّة الورثة، بطلَ الصُّلحُ؛ لأنُّه تمليكُ الدَّين من غيرِ مَن عليه الدَّين، فَذَكَرَ لصحّة الصلح حيلاً، فقال: (فإن شرطوا براءةَ الغرماءِ منه، أو قضوا نصيبَ المصالح منه تبرُّعاً، أو أقرضوه قَدْرَ قسطِهِ منه، وصالحوا عن غيره، وأحالهم بالقرضِ على الغرماءِ صحَّ).
الحيلة الأولى: أن يشترطوا أن يُبْرِئَ المصالح الغرماء عن حصّتِهِ من الدَّين، ويصالح عن أعيانِ التَّركةِ بمال، وفي هذا الوجهِ فائدةٌ لبقيّةِ الورثة؛ لأن المصالحَ لا يبقى له على الغرماء حقٌّ لا أن حصّتَهُ من الدَّينِ تصيرُ لهم.
والثَّانيةُ: إن بقيّةَ الورثةِ يؤدُّون إلى المصالحِ نصيبَه نقداً، ويحيلُ لهم حصّتَه من الدَّينِ على الغرماء، وفي هذا الوجهِ يتضرَّرُ بقيَّةُ الورثة؛ لأنَّ النقدَ خيرٌ من الدين.
والثَّالثةُ: وهي أحسنُ الطُّرق، وهي الإقراض، فلنفرض أن حصّةَ المُصالح من الدَّين مئةُ درهم ومن العين مئة أيضاً، وهم يصالحونَ على الدَّراهم فلا بُدَّ أن يكونَ بدلُ الصُّلحِ أكثرَ من مئة، وهو مئةٌ وعشرةُ دراهم، فيقرضونَهُ مئة، وهو يحيلُهم بالمئة على الغرماء، وهم يقبلونَ الحوالةَ، ثُمَّ يصالحونَ عن غير الدَّينِ على عشرة، فإن كان غير الدَّين بحيث يجوزُ الصُّلْح عنه بعشرة فظاهر، وإن لم يكن يزادُ على العشرةِ شيءٌ آخر، كسكينٍ مثلاً؛ ليكون العشرةُ في مقابلِ العشرة، والباقي في مقابلة السكين.
стр. 921
وفي صحَّةِ الصُّلْحِ عن تركةٍ جُهِلَت على مكيل أو موزون اختلافٌ، ولو جُهِلَتْ وهي غيرُ المكيلِ والموزونِ في يدِ البقيَّةِ صحَّ في الأصح، (وبطلَ الصُّلحُ والقسمةُ مع دينٍ محيطٍ للتَّركة. ولا يصالحُ قبل القضاءِ في غيرِ محيط، ولو فعلَ قالوا صحَّ، ووُقِفَ قَدْرُ الدَّين، وقُسِّمَ الباقي استحساناً، ووَقْفُ الكلِّ قياساً
(وفي صحَّةِ الصُّلْحِ عن تركةٍ جُهِلَت على مكيل أو موزون اختلافٌ)، فعند بعضِ المشايخ (١) ﵃: لا يجوزُ لشبهةِ الرِّبا، وعند البعضِ (٢): يجوز؛ لأنَّ هاهنا شُبْهةَ شُبْهة الربا، ولا اعتبار لها؛ لأنّه يحتملُ أن يكونَ في التَّركةِ من جنسِ بدلِ الصُّلح، وعلى تقديرِ أن يكونَ (من جنسِهِ) (٣) يَحتملُ أن يكونَ زائداً على بدلِ الصُّلح، واحتمال الاحتمال يكون شُبهة الشُّبْهة.
(ولو جُهِلَتْ وهي غيرُ المكيلِ والموزونِ في يدِ البقيَّةِ صحَّ في الأصح)، وجهُ عدم الصِّحّة: أن هذا الصُّلْحَ بيعٌ لا إبراء؛ لأنَّ البراءةَ عن الأعيانِ لا يجوز، وإذا كان بيعاً، فأحدُ البدلين مجهول، فلا يصحُّ. وجهُ الصَّحةِ: أن التَّركةَ إذا كانت في يدِ بقيَّةِ الورثة، فالجهالةُ لا تُفْضِي إلى المنازعة فيجوز.
(وبطلَ الصُّلحُ والقسمةُ مع دينٍ محيطٍ للتَّركة (٤)(٥).
ولا يصالحُ قبل القضاءِ في غيرِ محيط، ولو فعلَ قالوا صحَّ): أي لا ينبغي أن لا يصالحَ قبل قضاءِ الدَّينِ في دينٍ غير محيط، ولو صولح، فالمشايخ ﵃ قالوا: صحَّ؛ لأنَّ التَّركةَ لا يخلو عن قليلِ دين، والدائنُ قد يكون غائباً، فلو جُعِلَتِ التَّركةُ موقوفةً يتضرَّرُ الورثة، والدَّائنُ لا يتضرَّر؛ لأنَّ على الورثةِ قضاءَ دينِه، (ووُقِفَ قَدْرُ الدَّين، وقُسِّمَ الباقي استحساناً، ووَقْفُ الكلِّ قياساً)، وجهُ القياسِ: أن الدَّينَ يتعلَّقُ بكلِّ جزءٍ من التَّركةِ، ووجهُ الاستحسانِ لزومُ ضرَّر الورثة.
стр. 922
...................................................................................................................
ومن المسائل المهمة: أنّه هل يشترطُ لصحَّة الصُّلحِ (١) صحَّة الدَّعوى أم لا؟
فبعضُ النَّاسِ يقولون: يشترط، لكن هذا غيرُ صحيح؛ لأنَّه إذا ادَّعى حقَّاً مجهولاً في دار فصولح على شيءٍ يصحُّ الصُّلحُ على ما مرَّ في باب الحقوق والاستحقاق، ولا شكَّ أنَّ دعوى الحقِّ المجهولِ دعوى غيرُ صحيحة، وفي «الذَّخيرة» مسائلُ تؤيِّدُ ما قلنا.
* * *
стр. 923
كتاب المضاربة
هي عقدُ شركةٍ في الرِّبحِ بمالٍ من رجل وعملٍ من آخر. وهي إيداعٌ أَوَّلاً، وتوكيلٌ عند عملِه، وشركةٌ إن ربح، وغَصْبٌ إن خالف، وبضاعةٌ إن شرطَ كلّ الرِّبح للمالك، وقرضٌ إن شرطَ للمضارب، وإجارةٌ فاسدةٌ إن فَسَدَتْ فلا ربحَ له عنده
كتاب المضاربة
(هي عقدُ شركةٍ في الرِّبحِ بمالٍ من رجل وعملٍ من آخر.
[حكمها:]
وهي إيداعٌ أَوَّلاً (١)، وتوكيلٌ عند عملِه، وشركةٌ إن ربح، وغَصْبٌ إن خالف، وبضاعةٌ (٢) إن شرطَ كلّ الرِّبح للمالك (٣)، وقرضٌ إن شرطَ للمضارب).
اعلم أنَّ في هذه العبارةِ تساهلاً (٤)، وهو أن المضاربةَ إذا كانت عقدَ شركةٍ في الرَّبح، فكيف تكون بضاعة أو قرضاً، وإنِّما قال ذلك بطريقِ التَّغليب، والحقُّ أن يقول: إن المضاربةَ إيداع، وتوكيل، وشركة، وغصب، ودفعُ المال إلى آخر ليعملَ فيه بشرطِ أن يكونَ الرِّبحُ للمالك بضاعة، وبشرطِ أن يكونَ للعاملِ قرض، فنظم الدَّفع المذكورِ في سِلْكِ المضاربةِ تغليباً.
(وإجارةٌ فاسدةٌ إن فَسَدَتْ فلا ربحَ له عنده): أي لا ربحَ للمضاربِ عند
стр. 924
بل أجرُ عملِهِ رَبِحَ أَو لا، ولا يزادُ على ما شرطَ خِلافاً لمحمَّد ﵁، ولا يضمنُ المالَ فيها، ولا تصحُّ إلاَّ بمالٍ تصحُّ فيه الشَّركة. وبتسليمه إلى المضارب. وشيوعِ الرِّبحِ بينهما، فتفسدُ إن شُرِطَ لأحدِهما زيادةُ عشرة
الفساد، (بل أجرُ عملِهِ رَبِحَ أَو لا، ولا يزادُ (١) على ما شرطَ خِلافاً لمحمَّد ﵁، ولا يضمنُ المالَ فيها): أي في المضاربةِ الفاسدةِ كما في الصَّحيحة.
[شروطها]:
(ولا تصحُّ إلاَّ بمالٍ تصحُّ فيه الشَّركة.
وبتسليمه إلى المضارب.
وشيوعِ الرِّبحِ بينهما، فتفسدُ إن شُرِطَ لأحدِهما زيادةُ عشرة (٢)) (٣)، اعلم أنَّ كلَّ شرطٍ يقطعُ الشَّركةَ في الرِّبح، أو يوجبُ جهالة الرِّبحِ يفسدُها، وما عداه من الشُّروطِ الفاسدةِ التي تفسدُ البيعَ لا تفسدُ المضاربة، بل يبطلُ ذلك الشَّرط، وكذا شرطُ الوضيعةِ (٤) على المضارب.
стр. 925
وللمضاربِ في مطلقِها أن يبيعَ بنقدٍ ونسيئةٍ إلا بأجلٍ لم يُعْهَدْ، وأن يشتري ويوكِّلَ بهما، ويسافرَ، ويبضعُ ولو ربَّ المالِ ولا تفسدُ هي به، ويودع، ويَرْهَن، ويَرْتَهِن، ويُؤَجِّر، ويَستأجِّر، ويحتالُ بالثَّمن على الأيسرِ والأعسر، وليس له أن يضاربَ إلاَّ بأذنِ المالك، أو باعمل برأيِّك، ولا أن يقرض، أو يستدين، وإن قيل له ذلك، ما لم ينصَّ عليهما، فلو شَرَى بالمالِ بَزَّاً وقَصَر، أو حملَ بمالِه، وقيل له ذلك
(وللمضاربِ في مطلقِها أن يبيعَ بنقدٍ ونسيئةٍ إلا بأجلٍ لم يُعْهَدْ)، المرادُ بالمطلق ما لم يُقَيَّدْ بزمان، أو مكان، أو نوع من التِّجارة، (وأن يشتري (١) ويوكِّلَ بهما): أي بالبيعِ والشِّراء، (ويسافرَ) (٢)، وعند أبي يوسفَ ﵁: ليس له أن يُسافرَ، وعن (٣) أبي حنيفة ﵁: أن دفع في بلده ليس له أن يسافر، وإن دفعَ في غيرِ بلدِهِ له أن يسافرَ إلى بلدِه.
(ويبضعُ (٤) ولو ربَّ المالِ ولا تفسدُ هي به): أي لا تفسدُ المضاربةُ بأن يُبْضِعَ رَبُّ المالِ خلافاً لزُفَرَ ﵁، (ويودع، ويَرْهَن، ويَرْتَهِن، ويُؤَجِّر، ويَستأجِّر، ويحتالُ بالثَّمن على الأيسرِ والأعسر): أي يقبلُ الحوالة.
(وليس له أن يضاربَ إلاَّ بأذنِ المالك، أو باعمل برأيِّك)، الضَّابطُ أنَّ الشَّيءَ لا يَتَضَمَّنُ مثلَه بل يَتَضَمَّنُ دونَه كالإيداع، ونحوه، (ولا أن يقرض، أو يستدين، وإن قيل له ذلك): أي اعمل برأيِّك، (ما لم ينصَّ عليهما): أي على الاستدانة والإقراض، وإنِّما يصحُّ المضاربةُ باعمل برأيْك دون الإقراض؛ لأنَّ المضاربةَ من صنيعِ التُّجّار، وهي مجلبةٌ للرَّبح بخلافِ الإقراضِ إذ لا فائدةَ فيه.
(فلو شَرَى بالمالِ بَزَّاً (٥) وقَصَر (٦)، أو حملَ بمالِه، وقيل له ذلك): أي اعمل
стр. 926
فقد تطوّع، وإن صبغَهُ أحمرَ فهو شريكٌ بما زادَ، ودخل تحت اعمل برأيك كالخُلْطة، فلا يضمنُ المضارب، وله حصّةُ صبغِهِ إن بيع، وحصّةُ الثَّوبِ في المضاربة، ولا أن يجاوزَ بلداً أو سلعةً أو وقتاً أو شخصاً عيَّنَه ربُّ المال، فإن جاوزَ عنه ضَمِنَ وله ربحُه، ولا أن يزوِّجَ عبداً، أو أمةً من مالها، ولا أن يشتري مَن يُعْتَقُ على ربِّ المال، فلو شَرَى كان له لا لها
برأيْكَ، (فقد تطوّع)؛ لأنَّهُ لا يملكُ الاستدانة.
(وإن صبغَهُ أحمرَ فهو شريكٌ بما زادَ، ودخل تحت اعمل برأيك كالخُلْطة (١)): أي إذا قال: اعمل برأيكَ فصبغَهُ أحمرَ يكونُ شريكاً بما زاد، ويدخلُ الصَّبْغُ تحت اعمل برأيك، وكذا الخلطة بمالِه بخلافِ القِصارة؛ لأنَّه لا يختلطُ به شيءٌ من ماله، وإنَّما قال (٢): فصبغَهُ أحمر، حتى لو صبغَهُ أسود، فإنَّه لا يدخلُ تحت اعملْ برأيكَ عند أبي حنيفةَ ﵁؛ لأنَّ السَّوادِ نقصانٌ عنده، وأمَّا سائرُ الألوانِ غيرَ السَّوادِ فكالحمرة، (فلا يضمنُ المضارب (٣)): أي بصبغِهِ أحمر، وبالخلط بماله إذا قال: اعمل برأيك، (وله حصّةُ صبغِهِ إن بيع، وحصّةُ الثَّوبِ في المضاربة): أي في مالِ المضاربة.
(ولا أن يجاوزَ بلداً أو سلعةً أو وقتاً أو شخصاً عيَّنَه ربُّ المال، فإن جاوزَ عنه ضَمِنَ وله ربحُه (٤)، ولا أن يزوِّجَ عبداً، أو أمةً من مالها): أي من مال المضاربة، (ولا أن يشتري مَن يُعْتَقُ على ربِّ المال)، سواء كان قريبَه، أو قال ربُّ المال: إن اشتريتَ فلاناً فهو حرّ، (فلو شَرَى كان له لا لها): أي كان للمضاربِ لا للمضاربة.
стр. 927
ولا مَن يعتقَ عليه إن كان ربح، ولو فعل ضَمِن، وإن لم يكنْ ربح صَحّ، فإن زادتْ قيمتُهُ عتقَ حصّتُه، ولم يَضْمَنْ شيئاً، وسعى العبدُ في قيمةِ حصّتِهِ منه، مضاربٌ بالنِّصفِ شَرَى بألفها أمةً، فولدَتْ وَلَداً مساوياً ألفاً، فادَّعاه فصارت قيمتُهُ ألفاً ونصفُه، سعى لربِّ المال في ألف وربعه، أو أعتقَه، ولربِّ المالِ بعد قبضِ ألفِهِ تضمينُ المدَّعي نصفُ قيمتِها
(ولا مَن يعتقَ عليه إن كان ربح، ولو فعل ضَمِن (١)، وإن لم يكنْ ربح صَحّ، فإن زادتْ قيمتُهُ عتقَ حصّتُه، ولم يَضْمَنْ شيئاً)؛ لأنَّه لا صنعَ له في زيادةِ القيمة، (وسعى العبدُ في قيمةِ حصّتِهِ منه): أي في قيمةِ حصّةِ ربِّ المالِ من العبد.
(مضاربٌ بالنِّصفِ شَرَى بألفها أمةً، فولدَتْ وَلَداً (٢) مساوياً ألفاً، فادَّعاه فصارت قيمتُهُ ألفاً ونصفُه، سعى لربِّ المال في ألف وربعه، أو أعتقَه، ولربِّ المالِ بعد قبضِ ألفِهِ تضمينُ المدَّعي نصفُ قيمتِها)، وجهُ ذلك: أنّ الدعوةَ صحيحةٌ في الظَّاهر (٣) حملاً على فراشِ النِّكاح لكن لم تَنْفُذْ لعدم الملك؛ لأنَّ مالَ المضاربةِ إذا صارَ أعياناً (٤) كلَّ
стр. 928
باب المضارب الذي يضارب
ولا يَضمَنُ المضاربُ بدفعِهِ مضاربةً بلا إذنٍ إلى أن يعملَ الثَّاني في ظاهرِ الرِّواية، وهو قولُهما، وإلى أن يربحَ في روايةِ الحَسَن ﵁ عن أبي حنيفةَ ﵁، فلو أذنَ بالدَّفعِ فدفعَ بالثُّلُث، وقيل له: ما رَزَقَ اللهُ تعالى بيننا نصفان، فنصفُ
واحدٍ يساوي رأسَ المال لا يظهرُ الرِّبح، بل كلُّ واحدٍ يصلحُ أن يكونَ رأسَ المال؛ لأنَّه يمكنُ أن يهلَكَ ما سواه، ويبقى واحدٌ فقط، فلا رجحانَ لأحدٍ لكونِهِ رأسَ المال، أو ربحاً.
ثُمَّ إذا زادت القيمةُ بعد الدَّعوةِ حتى صارَ قيمةُ الولدِ ألفاً وخمسمئة ظَهَرَ الربح، فنفذتِ الدَّعوة السابقة، ويثبت النَّسب، وعتقَ الولد لقيام ملكِهِ في البعض، ولا يضمنُ لربِّ المال شيئاً؛ لأنَّ عتقَه بالدَّعوة وبالملك، والملكُ مؤخَّرٌ فيضافُ إليه، ولا صنع له فيه؛ لأنُّه ضمان إعتاق، فلا بُدَّ له من صنع، فله الاستعساءُ في رأسِ المال ونصفُ الرِّبح أو الاعتاقِ عند أبي حنيفةَ ﵁، فإذا قَبَضَ الألفَ فله أن يُضَمِّنَ المضاربَ الذي ادَّعى الولدَ نصفَ قيمةِ الأمّ؛ لأنَّ الألفَ المأخوذَ صارَ رأسَ المال؛ لتقدُّمِهِ استيفاءً، فالجاريةُ كلُّها ربحٌ لكن نَفَذَتِ الدَّعوةُ السَّابقة، وصارتْ أمَّ وَلِد له (١)، فيضمنُ نصفَ قيمتِها؛ لأنَّه ضمانُ تَمَلُّكٍ فلا يشترطُ له صنع.
باب [المضارب الذي يضارب] (٢)
(ولا يَضمَنُ المضاربُ بدفعِهِ مضاربةً بلا إذنٍ إلى أن يعملَ الثَّاني في ظاهرِ الرِّواية (٣)، وهو قولُهما، وإلى أن يربحَ في روايةِ الحَسَن ﵁ عن أبي حنيفةَ ﵁)، وجه الأوَّلِ: أنَّ الدَّفعَ (قبل العمل) (٤) إيداع، وهو يملكُه، فإذا عملَ تبيَّنَ أنَّه مضاربة، فيضمن، وجه الثَّاني: أنَّ الدَّفعَ قبل العملِ إيداع، وبعده إبضاع، وهو يملكُهما، فإذا رَبِحَ ثبتَ الشَّركة، فحينئذٍ يضمن، كما لو خُلِطَ بغيرِه، وعند زفرَ ﵁: يَضْمَنُ بمجرَّدِ الدَّفع.
(فلو أذنَ بالدَّفعِ فدفعَ بالثُّلُث، وقيل له: ما رَزَقَ اللهُ تعالى بيننا نصفان، فنصفُ
стр. 929
ربحِهِ للمالكِ، وسدسُهُ للأَوَّل، وثُلُثُهُ للثَّاني، وإن قيل له: ما رزقك الله تعالى، فلكلٍّ ثُلُث، ولو قيل: ما ربحتَ فهو بيننا نصفان، ودفع بالنِّصف، فللثَّاني نصف، ولهما نصف، ولو قيل: ما رزقَ الله تعالى فلي نصف، أو ما فضلَ فنصفان، وقد دَفَعَ بالنِّصف، فنصفه للمالك ونصفه للثَّاني، ولا شيءَ للأَوَّل، ولو شرطَ الأَوَّل للثَّاني ثُلُثَيْه فللمالك والثَّاني شرطُهما، وعلى الأَوَّلِ السُّدُس، وصحَّ شرطُهُ للمالك ثُلُثاً، ولعبده ثُلُثاً ليعملَ معه، ولنفسِهِ ثُلُثاً.
ربحِهِ للمالكِ، وسدسُهُ للأَوَّل، وثُلُثُهُ للثَّاني، وإن قيل له: ما رزقك الله تعالى، فلكلٍّ ثُلُث)؛ لأنَّ المالكَ قد أذنَ بالدَّفعِ مضاربة، فللمضاربِ الثَّاني ما شَرَطَ له المضاربُ الأَوَّل، فما رزقَ اللهُ المضاربَ الأَوَّل، وهو الثُلُثَان يكونُ نصفينِ بينه وبين ربِّ المال.
(ولو قيل: ما ربحتَ (فهو بيننا نصفان) (١)، ودفع بالنِّصف، فللثَّاني نصف، ولهما نصف)؛ لأنَّ ربحَ المضاربِ الأوَّل النصف، وهو مشتركٌ بينه وبين ربِّ المال.
(ولو قيل: ما رزقَ الله تعالى فلي نصف، أو ما فضلَ فنصفان، وقد دَفَعَ بالنِّصف، فنصفه للمالك ونصفه للثَّاني، ولا شيءَ للأَوَّل، ولو شرطَ الأَوَّل (٢) للثَّاني ثُلُثَيْه فللمالك والثَّاني شرطُهما، وعلى الأَوَّلِ السُّدُس)؛ لأنَّ للمالكِ النِّصْفَ، وللمضارب الثَّاني ثلثين، فيضمنُ المضاربُ الأَوَّل السُّدُس.
(وصحَّ شرطُهُ للمالك ثُلُثاً، ولعبده ثُلُثاً ليعملَ معه) (٣): أي مع المضارب، (ولنفسِهِ ثُلُثاً.
стр. 930
[فصل في العزل والقسمة]
وتبطلُ بموتِ أحدِهما، ولحاق المالكِ بدار الحرب مرتدّاً، ولا ينعزلُ حتى يعلمَ بعزله، فلو علم فله بيعُ عرضِها، ثُمَّ لا يتصرَّفُ في ثمنِه، ولا في نقدٍ نضَّ من جنسِ رأسِ ماله، ويُبَدِّلُ خلافُهُ به إستحساناً، ولو افترقا وفي المال دينٌ لزمَهُ اقتضاء دينه إن كان رَبِح، وإلا لا، ويوكِّلُ المالك به، وكذا سائرُ الوكلاء، والبياعُ والسِّمْسَارُ يجبران عليه
[فصل في العزل والقسمة]
وتبطلُ بموتِ أحدِهما، ولحاق المالكِ (بدار الحرب) (١) مرتدّاً)، بخلافِ لحاقِ المضاربِ بدارِ الحربِ مرتدّاً، حيث لا يبطلُ المضاربة؛ لأَنَّ له عبارةً صحيحةً.
(ولا ينعزلُ حتى يعلمَ بعزله): أي إن عزلَ ربُّ المالِ المضاربَ لا ينعزلُ حتى يعلمَ بعزلِه، (فلو علم فله بيعُ عرضِها، ثُمَّ لا يتصرَّفُ في ثمنِه، ولا في نقدٍ نضَّ من جنسِ رأسِ ماله): نضَّ: بالضَّادِ المعجمة: أي صارَ نقداً، (ويُبَدِّلُ خلافُهُ به إستحساناً): أي يُبَدِّلَ نقداً نَضّ، لكنَّه خلافُ جنسِ رأسِ المالِ بأن كان رأسُ المالِ دراهم، والنَّقْدُ دنانير، أو بالعكس، وفي القياس: لا يُبَدِّلَهُ لوجودِ العزل، ولا ضرورة بخلافِ العروض، وجهُ الإستحسان: أنَّ الرَّبحَ لا يظهرُ إلا عند اتِّحادِ الجنس، فتحقَّقت الضَّرورة.
(ولو افترقا وفي المال دينٌ لزمَهُ اقتضاء دينه إن كان رَبِح، وإلا لا)؛ لأنَّه إن كان ربحَ فهو يعملُ بالأجرة (٢)، وإن لم يكن ربح، فهو متبرِّعٌ في العمل، (ويوكِّلُ المالك به): أي إن لم يكنْ ربح فالمضاربُ بعد الافتراق يوكِّلُ المالك بالاقتضاء، فإن المشتري لا يَدْفَعُ الثَّمَنَ إلى ربِّ المال؛ لأنَّ الحقوقَ ترجعُ إلى الوكيل، فلا بُدَّ من توكيلِ المضاربِ المالك، (وكذا سائرُ الوكلاء): أي إن امتنعَ سائرُ الوكلاءِ عن الاقتضاء يوكِّلونَ الملاك.
(والبياعُ والسِّمْسَارُ يجبران عليه)، المراد بالبيَّاع: الدَّلال، فإنَّه يعملُ بالأجرة، والسِّمْسَار: هو الذي يُجْلَبُ إليه الحنطةُ ونحوها لبيعها، فهو يعمل بالأجرة أيضاً، فيجبران
стр. 931
وما هَلَكَ صُرِفَ إلى الرِّبح أوَّلاً، فإن زادَ على الرِّبحِ لم يضمنْهُ المضارب، فإن قُسِمَ الرِّبْح، وفُسِخَ عقدُها، ثُمَّ عقدت عقداً فَهَلَكَ المالُ كلُّه، أو بعضُه، لم يترادَّا الرِّبح، وإن لم يفسخ، ثُمَّ هَلَكَ تَرادَّا، وأخذَ المالكُ مالَهُ وما فضلَ قُسِم، وما نَقَصَ لم يضمنْهُ المضارب.
[فصل فيما يفعله المضارب]
ونفقةُ مضاربٍ عملَ في مصرِهِ في مالِهِ كدوائِه، وفي سفرِهِ طعامُه، وشرابُه، وكسوتُه، وأجرةُ خادمِه، وغَسلُ ثيابِه، والدِّهنُ في موضعٍ يحتاجُ إليه، وركوبُه كراءً وشراءً، وعلفُه في مالِها بالمعروف
على تقاضي الثَّمن (١).
(وما هَلَكَ صُرِفَ إلى الرِّبح أوَّلاً، فإن زادَ على الرِّبحِ لم يضمنْهُ المضارب (٢))؛ لأنَّهُ أمين، (فإن قُسِمَ الرِّبْح، وفُسِخَ عقدُها، ثُمَّ عقدت عقداً فَهَلَكَ المالُ كلُّه، أو بعضُه، لم يترادَّا الرِّبح): أي فُسِخَ العقدُ والمالُ في يدِ المضارب، ثُمَّ عقدا، فهلَك المال، (وإن لم يفسخ، ثُمَّ هَلَكَ تَرادَّا، وأخذَ المالكُ مالَهُ وما فضلَ قُسِم، وما نَقَصَ لم يضمنْهُ المضارب.
[فصل فيما يفعله المضارب]
ونفقةُ مضاربٍ عملَ في مصرِهِ في مالِهِ كدوائِه)، نفقةُ المضارب: مبتدأ، وفي ماله: خبرُه، وإن مرضَ المضاربُ سواءٌ كان في المصر، أو في السَّفر، فإنَّ (٣) الدَّواءَ في ماله، وعن أبي حنيفةَ ﵁ الدَّواءُ بمنْزلةِ النَّفقة.
(وفي سفرِهِ طعامُه، وشرابُه، وكسوتُه، وأجرةُ خادمِه، وغَسلُ ثيابِه، والدِّهنُ في موضعٍ يحتاجُ إليه): كالحجاز (٤)، (وركوبُه (٥) كراءً وشراءً، وعلفُه في مالِها بالمعروف،
стр. 932
وضَمِنَ الفضل، وردُّ ما بقي في يدِه بعد قدومِ مصرِهِ إلى مالِها، وما دون سفرٍ يغدو إليه، ولا يبيتُ بأهلِه كالسَّفر، وإن باتَ كسوقِ مصرِه، فإن رَبِحَ أخذَ ربُّ المالِ ما أنفقَ المضاربُ من رأسِ ماله، فإن رابحَ متاعُها حسبَ نفقتَهُ لا نفقةَ نفسه، مضاربٌ بالنِّصْفِ شَرَى بألفِها بُزَّاً، وباعَه بألفين، وشَرَى بهما عبداً فضاعا في يدِه، غرمَ المضاربُ ربعهما، والمالكُ الباقي، وربعُ العبدِ للمضارب، وباقيه لها، ورأسُ المالِ ألفانِ وخمسمئة، ورابحَ على ألفين فقط
وضَمِنَ الفضل): أي إن أنفق زائداً على المعروف ضَمِنَ الفضل، (وردُّ ما بقي في يدِه بعد قدومِ مصرِهِ إلى مالِها): أي ما بقي من الطَّعام ونحوِه.
(وما دون سفرٍ يغدو إليه، ولا يبيتُ بأهلِه كالسَّفر، وإن باتَ كسوقِ مصرِه (١)، فإن رَبِحَ أخذَ ربُّ المالِ ما أنفقَ المضاربُ (٢) من رأسِ ماله): أي أخذَ من الرِّبحِ ما أنفقَ المضاربُ من رأس المال، حتَّى يتمَّ رأسُ المال، فإن فَضَلَ شيءٌ قُسِم.
(فإن رابحَ متاعُها حسبَ نفقتَهُ لا نفقةَ نفسه): أي إن رابح، وقال: قامَ عليَّ بكذا يُحْسَبُ فيه ما أنفقَ على المتاعِ من كراءِ حملِه ونحو ذلك، ولا يُحْسَبُ نفقةُ المضارب.
(مضاربٌ بالنِّصْفِ شَرَى بألفِها بُزَّاً (٣)، وباعَه بألفين، وشَرَى بهما عبداً فضاعا في يدِه، غرمَ المضاربُ ربعهما، والمالكُ الباقي، وربعُ العبدِ للمضارب، وباقيه لها، ورأسُ المالِ ألفانِ وخمسمئة، ورابحَ على ألفين فقط): أي اشترى بالألفِ ثوباً، وباعَهُ بألفين، وشرى بألفين عبداً، ولم يدفَعْهما إلى البائع، حتى ضاعَ الألفان في يدِ المضارب، غرمَ المضاربُ ربعَ الألفين؛ لأنَّه ملكُ المضارب، والمالكُ ثلاثةُ الأرباع، فإذا دفعَها يصيرُ رأسُ المالِ ألفين وخمسِمئة، لأنَّ ربَّ المالِ دَفَعَ أوَّلاً ألفاً، ثُمَّ دَفَعَ ألفاً وخمسمئة، فإن باعَهُ مرابحةً، يقولُ قامَ عليّ بألفين.
وقولُهُ: فقط؛ أي لا يقولُ: قامَ عليَّ بألفينِ وخمسمئة؛ لأنَّ الشِّراءَ وَقَعَ بألفين، فلا
стр. 933
فلو بيعِ بضعْفِهما فحصَّتُها ثلاثةُ آلاف، والرِّبحُ منها نصفُ ألفٍ بينهما، ولو شَرَى من ربِّ المالِ بألفٍ عبداً شراهُ بنصفِهِ رابحَ بنصفِه، ولو شَرَى بألفِها عبداً يعدلُ ضعفَه، فقتلَ رجلاً خطأً، فربعُ الفداءِ عليه، وباقيه على المالك، وإذا فديا خرجَ عنها، فيخدمُ المضاربَ يوماً، والمالكُ ثلاثةَ أيَّام، ولو شرى عبداً بألفِها، وهلكَ الألفُ قبل نقدِه، دفعَ ربُّ المالِ ثمنَه، ثُمَّ وثُمّ، وجميعُ ما دُفِعَ رأسُ ماله.
يضمُّ الوضيعةَ التي وَقَعَتْ بسببِ الهلاكِ في يدِ المضارب.
(فلو بيعِ بضعْفِهما فحصَّتُها ثلاثةُ آلاف، والرِّبحُ منها نصفُ ألفٍ بينهما): أي إن بيعَ بأربعةِ آلافٍ، فثلاثةُ آلافٍ حصّةُ المضاربة، والألفُ ملكُ المضاربِ خاصّة، ثُمَّ ثلاثةُ آلالف يدفعُ منها رأسَ المال، وهو ألفانِ وخمسمئة، فبقي الرِّبْحُ خمسمئة نصفُها لربِّ المال، ونصفُها للمضارب.
(ولو شَرَى من ربِّ المالِ بألفٍ عبداً شراهُ بنصفِهِ رابحَ بنصفِه)، فقولُهُ: شراهُ بنصفِهِ صفةُ العبد، وضميرُ الفاعلِ في شراهُ يرجعُ إلى ربِّ المال، فالمضاربُ إن باعَهُ مرابحةً يقولُ: قامَ عليَّ بنصفِ الألف؛ لأنَّ شراءَ المضاربِ من ربِّ المال وإن كانَ جائزاً ففيه شُبْهةُ العدم، ومبنى المرابحةِ على الأمانة، فيعتبرُ أقلُّ الثَّمنين (١).
(ولو شَرَى بألفِها عبداً يعدلُ ضعفَه، فقتلَ رجلاً خطأً، فربعُ الفداءِ عليه، وباقيه على المالك): أي إذا امتنعا عن الدَّفع، واختارا الفداء يعني أَرْشَ الجناية، يفديان بقدر الملك، والعبدُ رُبعُهُ للمضارب؛ لأنَّ رأسَ المال ألف، والعبدُ يساوي ألفين، (وإذا فديا خرجَ عنها، فيخدمُ المضاربَ يوماً، والمالكُ ثلاثةَ أيَّام)، إنِّما يخرجُ العبدُ عن المضاربة؛ لأنَّ قضاءَ القاضي بانقسام الفداءِ يتضمَّنُ انقسام العبد، والمضاربةُ تنتهي بالقسمة.
(ولو شرى عبداً بألفِها، وهلكَ الألفُ قبل نقدِه، دفعَ ربُّ المالِ ثمنَه، ثُمَّ وثُمّ): أي إذا دَفَعَ رَبُّ المالِ ثمنِه، وهَلَكَ في يدِ المضاربِ قبل أن يؤدِّيه إلى البائعِ يَدْفَعُ رَبُّ المالِ إلى المضاربِ ثمنَه مرَّةً أخرى، وهكذا إن هَلَكَ في يدِه، (وجميعُ ما دُفِعَ رأسُ ماله.
стр. 934
[فصل في الاختلاف]
وصُدِّقَ مضاربٌ قال: معي ألفٌ دفعتَهُ إليّ، وألفٌ ربحت، لا مالكٌ قال: الكلُّ دَفَعْت، ولو قالَ مَن معه ألفٌ: هو مضاربةُ زيد، وقد ربحَ صُدِّقَ زيدٌ إن قال: بضاعة، كما لو قال: قرض، وقال زيد: بضاعة، أو وديعة، ولو قال المالكُ: عيَّنتُ نوعاً صُدِّقَ المضاربُ إن جَحَد، ولو ادَّعى كلٌّ نوعاً صُدِّقَ المالك
[فصل في الاختلاف]
وصُدِّقَ مضاربٌ قال: معي ألفٌ دفعتَهُ إليّ، وألفٌ ربحت، لا مالكٌ قال: الكلُّ دَفَعْت)، وعند زُفَرَ ﵁ وهو القولُ الأوَّل لأبي حنيفة ﵁ القول لربِّ المال؛ لأنَّهُ يُنْكِرُ دعوى المضارب الرِّبح، ولنا: أن الاختلاف في مقدارِ المقبوض، فالقولُ للقابضِ مع اليمين.
(ولو قالَ مَن معه ألفٌ: هو مضاربةُ زيد، وقد ربحَ صُدِّقَ زيدٌ إن قال: بضاعة): أي صُدِّقَ زيدٌ مع اليمين؛ لأنَّه ينكرُ دعوى الرِّبح، أو دعوى تقويمِ عملِ المضارب، (كما لو قال: قرض، وقال زيد: بضاعة، أو وديعة): أي صُدِّقَ زيدٌ مع اليمين؛ لأنَّه ينكرُ دعوى التَّمليك والتَّمَلُّك (١).
(ولو قال المالكُ: عيَّنتُ نوعاً صُدِّقَ المضاربُ إن جَحَد): أي مع اليمين؛ لأنَّ الأصلَ في المضاربةِ العموم، بخلاف الوكالة؛ لأنَّ الأصلَ فيها الخصوص.
(ولو ادَّعى كلٌّ نوعاً صُدِّقَ المالك): أي مع اليمين؛ لأنَّ الإذنَ يستفادُ من جهتِه (٢).
* * *
стр. 935
كتاب الوديعة
هي أمانةٌ تركتْ للحفظ، فلا يضمنُها المودَعُ إن هَلَكَتْ، وله حفظُها بنفسِهِ وعيالهِ، والسُّفور بها عند عدم النَّهي والخوف، ولو حُفِظَ بغيرهم ضَمِنَ إلاَّ إذا خافَ الحرقَ أو الغرقَ فوضَعَها عند جارِه، أو في فُلْكٍ آخر. فإن حبسَها بعد طلبِ ربِّها قادراً على التَّسليم، أو جحدَها معه، ثُمَّ أقرَّ بها أو لا
كتاب الوديعة
(هي أمانةٌ تركتْ للحفظ، فلا يضمنُها المودَعُ إن هَلَكَتْ): أي بلا تعدٍّ منه.
(وله حفظُها بنفسِهِ وعيالهِ (١)، والسُّفور بها عند عدم النَّهي والخوف): السُّفُور: الخروجُ للسَّفر، فالسُّفورُ (٢) مصدر، والسَّفرُ الحاصلُ بالمصدر، فاختارَ المصدرَ، وإن نُهِي عن السَّفر، أو كان الطَّريق مَخُوفاً، فسافرَ فهَلَكَ المالُ ضَمِن، (ولو حُفِظَ بغيرهم ضَمِنَ إلاَّ إذا خافَ الحرقَ أو الغرقَ فوضَعَها عند جارِه، أو في فُلْكٍ (٣) آخر (٤).
فإن حبسَها بعد طلبِ ربِّها قادراً على التَّسليم، أو جحدَها معه، ثُمَّ أقرَّ بها أو لا): أي جحدَها مع طلب ربِّ الوديعةِ يَضْمَنُ سواء أقرَّ بها بعد الجُحودِ أو لا، وإنِّما قال: مع ربِّ الوديعة؛ لأنَّه إن جحدَها مع غير المالك لا يضمن؛ لأنَّ هذا من بابِ الحفظ، وإن جَهَّلَ المودَعُ الوديعةَ عند الموتِ يصيرُ غاصباً (٥).
стр. 936
أو خلطَ بمالِه حتى لا يتميَّز، أو تعدَّى المودَعُ فلَبِسَ ثوبَها، أو رَكِبَ دابَّتَها، أو أنفقَ بعضَها ثُمَّ خَلَطَ مثلَهُ بما بقي، أو حفظَ في دارٍ أمر المودَعَ به في غيرِها ضَمِن، وإن اختلطَتْ بلا فعلِهِ اشتركَها، ولو أزالَ التَّعدِّي زالَ ضمانُه
(أو خلطَ بمالِه حتى لا يتميَّز) (١)، فإنِّه إن خَلَطَ بخلافِ الجنسِ ينقطعُ حقُّ المالكِ ويجبُ الضَّمانُ اتِّفاقاً، وكذا إن خلطَهُ بجنسِهِ عند أبي حنيفةَ ﵁، وكذا عند أبي يوسفَ ﵁ إلاَّ إذا خَلَطَهُ بما هو أكثرُ منه، (يجعل الأقلُّ تابعاً للأكثر) (٢) لا بما هو أقلُّ منه، فإنَّه لا ينقطعُ حقُّ المالك، بل يُثْبِتُ الشركة، وعند محمَّد ﵁ لا ينقطعُ حقُّ المالك، بل يثبتُ الشَّركة سواءٌ كان أقلّ أو أكثر.
(أو تعدَّى المودَعُ فلَبِسَ ثوبَها، أو رَكِبَ دابَّتَها، أو أنفقَ بعضَها ثُمَّ خَلَطَ مثلَهُ بما بقي (٣)، أو حفظَ في دارٍ أمر المودَعَ (٤) به في غيرِها ضَمِن): أي حفظَ في دارٍ أمرَ المودَعُ بالحفظِ في غيرِها، فقولُهُ ضَمِنَ جزاءُ الشَّرط، وهو قولُهُ: فإن حبسَها … الخ.
(وإن اختلطَتْ بلا فعلِهِ اشتركَها، ولو أزالَ التَّعدِّي زالَ ضمانُه)، كما إذا وضعَها في دارٍ أخرى، ثُمَّ ردَّها إلى دارٍ أَمَرَ المالكُ بالحفظِ فيها زالَ الضَّمان: أي إن كانت الوديعةُ بحيث لو هَلَكَتْ لكانت مضمونة، فزالَ هذا المعنى، وإنِّما قلنا هذا؛ لأنَّ زوالَ الضَّمانِ حقيقةً غيرُ ممكن؛ لأنَّ حقيقةَ زوالِ الضَّمان بعد الهلاك، وبعدَ الهلاكِ لا يمكنُ إزالةُ التَّعدِّي، وعند الشَّافِعِيِّ (٥) ﵁: إن زالَ التَّعدَّي لا يزولُ الضَّمان.
стр. 937
ولا يدفعُ إلى أحدِ المودعين قسطَهُ بغيبةِ الآخر، ولأحدِ المودعين دفعُها إلى الآخرِ فيما لا يُقْسَم، ودفعُ نصفِها فقط فيما يُقْسَم، وضَمِنَ دافعُ الكلِّ لا قابضه، فلو نُهِيَ عن الدَّفعِ إلى عيالِه، فدفعَ إلى مَن له منه بُدٌّ ضَمِن، وإلى مَن لا بُدَّ له منه كدفع الدَّابة إلى عبدِه، وشيء تحفظُهُ النِّساءِ إلى عرسِه، لا كما لو أُمِرَ بحفظِها في بيتٍ معيَّنٍ من دار، فحفظَ في آخر منها، فإن كانَ له خللٌ ظاهرٌ ضَمِن، ولو أودعَ المودَعُ فهلكَت ضَمِنَ الأوَّل فقط
(ولا يدفعُ إلى أحدِ المودعين قسطَهُ بغيبةِ الآخر)، أمّا إذا كانت الوديعةُ غيرَ المكيلِ والموزون فبالإتفاق، وإن كانت من المكيلِ والموزونِ فكذا عند أبي حنيفةَ ﵁ خلافاً لهما؛ لأنَّه ليس للمودعِ ولايةُ القسمة.
(ولأحدِ المودعين دفعُها إلى الآخرِ فيما لا يُقْسَم، ودفعُ نصفِها فقط فيما يُقْسَم): أي إذا كانت الوديعةُ عند رجلين، وهي ممَّا لا يُقْسَم، يحفظُها أحدُهما بإذن الآخر، فإن كانت ممَّا يُقْسَم لا يجوزُ لأحدِهما أن يدفعَها إلى الآخر للحفظ، بل يَقْسِمان فيحفظُ كلُّ واحدٍ نصفَه، وهذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما يجوزُ الدَّفعُ إلى الآخر فيما يُقْسَم، (وضَمِنَ دافعُ الكلِّ لا قابضه): أي إذا دَفَعَ الكلَّ إلى الآخر فيما يُقْسَم يضمنُ الدَّافعُ النِّصف، ولا يضمنُ القابض؛ لأنَّ مودَعَ المودعِ لا يضمنُ عنده.
(فلو نُهِيَ عن الدَّفعِ إلى عيالِه، فدفعَ إلى مَن له منه بُدٌّ ضَمِن (١)، وإلى مَن لا بُدَّ له منه كدفع الدَّابة إلى عبدِه، وشيء تحفظُهُ النِّساءِ إلى عرسِه، لا كما لو أُمِرَ بحفظِها في بيتٍ معيَّنٍ من دار، فحفظَ في آخر منها): لأنَّ بيوتَ دارٍ واحدةٍ لا تتفاوت، ولا فائدةَ في التَّعيين بخلافِ الدَّار؛ لأنَّ الدَّارين يتفاوتان، (فإن كانَ له خللٌ ظاهرٌ ضَمِن): أي إذا كانت للبيتِ الذي حفظَها فيه خللٌّ ظاهر، وقد عيَّن بيتاً آخر من هذه الدَّار ضَمِن.
(ولو أودعَ المودَعُ فهلكَت ضَمِنَ الأوَّل فقط)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وقالا: يُضَمِّنُ أيُّهما شاء، فإن ضَمِنَ (الأوَّل لم يَرْجِعْ على الثَّاني، وإن ضَمِن الثَّاني) (٢) رجعَ على الأَوَّل.
стр. 938
ولو أودعَ الغاصبُ ضَمَّن أيُّهما شاء، ولو ادَّعى كلٌّ من رجلينِ ألفاً مع ثالثٍ أنَّه له أودعَه إيَّاه، فنَكَلَ لهما، فهذا وألف آخر عليه لهما
(ولو أودعَ الغاصبُ ضَمَّن أيُّهما شاء)، هذا بالاتفاق فهما قاسا مُودَعَ المودَعِ على مُودَعِ الغاصب، فإنّ المودَعَ إذا دَفَعَ إلى الأجنبي صارَ غاصباً، وفَرَّقَ (١) أبو حنيفةَ بأن المودَعَ إذا دَفَعَ إلى الغيرِ لا يضمنُ ما لم يفارقْه، فإذا فارقَ تركَ الحفظ فيضمنُ، ولا يضمنُ الآخر؛ لأنَّه صارَ مودَعاً حيث غابَ الآخر ولا صنعَ له في ذلك، كثوبٍ ألقتْهُ الرَّيحُ في حجرِ إنسان.
(ولو ادَّعى كلٌّ من رجلينِ ألفاً مع ثالثٍ أنَّه له أودعَه إيَّاه، فنَكَلَ لهما، فهذا وألف آخر عليه لهما): ادَّعى زيدٌ على عمروٍ أنَّ هذا الألفَ الذي في يدِك أودعتُهُ إيَّاك، وادَّعى بكرٌ على عمرو كذلك، ولا بيِّنةَ لأحد، وعمروٌ منكر، فالقاضي يُحَلِّفَهُ لكلِّ واحدٍ على الإنفراد، ويبدأُ بأيِّهما شاء، فإن تشاحّا أقرع بينهما، وإن نَكَلَ لأحدِهما يُحَلِّفُهُ للآخر، فأن نَكَلَ له أيضاً، فهذا الألفُ مع ألف آخر عليه يكون لهما؛ لأنَّه أوجبَ الحقَّ لكلِّ واحدٍ منهما سواءٌ بالبَذْل، أو بالإقرار، وذلك حجَّةٌ في حقِّه، ويصرفُ الألفُ إليهما، وصارَ قاضياً نصف حقِّ كلٍّ منهما بنصف حقِّ الآخر فيغرمه.
واعلم أنَّ النُّكولَ هنا يفارقُ الإقرار، فإنَّه إذا أقرّ لأحدِهما يقضى له، ولا يحلفُ للآخر؛ لأنَّ الإقرارَ حجَّةٌ بنفسِه، والنُّكولُ إنِّما يصيرُ حجَّةً بقضاءِ القاضي، فجازَ تأخير القضاء ليحلفَ للثَّاني حتى إذا نَكَلَ لأحدِهما، وقضى القاضي به، فعلى روايةِ فخرِ الإسلام البَزْدَوِيِّ ﵁ يَحْلِفُ للثَّاني، فإن نَكَلَ يقضي بينهما؛ لأنَّ القضاءَ للأوَّلِ لا يبطلُ حقَّ الثَّاني، وعلى روايةِ الخَصَّاف ﵁ لا يحلفُ للثَّاني؛ لأنَّ القضاءَ وَقَعَ في مجتهدٍ فيه؛ لأنَّ بعضَ العلماءِ قال: إذا نَكَلَ لأحدِهما يقضى له، ولا يؤخَّر ليحلفَ للثَّاني؛ لأنَّ النُّكول كالإقرار، وفي الإقرار لا يؤخَّر (٢). (والله أعلم) (٣).
стр. 939
كتاب العارية
هي تمليكُ منفعةٍ بلا بدل، وتصحُّ بأعرتُك، ومنحتُك، وأطعمتُك أرضي وحملتُك على دابَّتي، وأخدمتُك عبدي، وداري لك سكن، وعمري سكنى
كتاب العارية
(هي تمليكُ منفعةٍ بلا بدل)، فإنَّ اللفظَ يُنْبِئُ عن التَّمليك، فإنَّ العريةَ: العطية (١)، والمنافعُ قابلةٌ للتَّمليك، كالوصيةِ بخدمةِ العبد، وعند البعض (٢): هي إباحةُ الانتفاعِ بملكِ الغير.
اعلم أنَّ التَّمليكات أربعةُ أنواع:
فتمليكُ العينِ بالعوضِ بيعٌ.
وبلا عوضٍ هبة.
وتمليكُ المنفعةِ بعوضٍ إجارة.
و بلا عوضٍ عارية.
(وتصحُّ بأعرتُك ومنحتُك)، أصلُ المنحِ أن يعطي ناقةً أو شاةً ليشرب لبنَها، ثُمَّ تُرَدّ، فَرُوعِي فيه أصلُ الوضع، فحملَ على العارية، (وأطعمتُك (٣) أرضي وحملتُك على دابَّتي، وأخدمتُك عبدي، وداري لك سكنى): أي داري لك بطريقِ السُّكنى، فداري: مبتدأٌ، ولك: خبره، وسكنى: تمييز عن النسبة إلى المخاطب، (وعمري سكنى): أي داري لك عمرى سكنى، فعمرى: مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ محذوفٍ تقديرُهُ أعمرتُها لك عمري، والعمري جعلُ الدارِ لأحدٍ مدَّة عمره، وسكنى تمييز.
стр. 940
ويرجعُ المعيرُ فيها متى شاء، ولا يُضَمِّنُ بلا تعدٍّ إن هَلَكَت، ولا تؤجَّر، فإن أجَّرَها فعَطِبَت ضمَّنَه المعيرُ قيمته، ولا يرجعُ على أحد، أو المستأجِرَ، ويرجعُ على مؤجِّره إن لم يعلمْ أنَّه عاريةً معه، ويعارُ ما اختلفَ استعمالُهُ أو لا إن لم يعيِّنْ منتفعاً، وما لا يختلفُ إن عيَّن، وكذا المؤجِّر
(ويرجعُ المعيرُ فيها متى شاء، ولا يُضَمِّنُ بلا تعدٍّ إن هَلَكَت) (١)، هذا عندنا، وعند الشَّافِعِيِّ (٢) ﵁ العاريةُ مضمونة.
(ولا تؤجَّر): لأنَّ الشَّيءَ لا يستتبعُ ما فوقَه، (فإن أجَّرَها فعَطِبَت ضمَّنَه المعيرُ قيمته (٣)، ولا يرجعُ على أحد، أو المستأجِرَ)، بالنَّصبِ عطفٌ على الضَّميرِ المنصوبِ في ضمَّنَه، (ويرجعُ على مؤجِّره إن لم يعلمْ أنَّه عاريةً معه)، إن لم يعلمْ المستأجِرُ أنَّه عاريةٌ مع مؤجِّره، وإنِّما يرجعُ عليه للغرور بخلافِ ما إذا عَلِمَ إذ لا غرورَ من المؤجِّر.
(ويعارُ ما اختلفَ استعمالُهُ أو لا (٤) إن لم يعيِّنْ منتفعاً، وما لا يختلفُ إن عيَّن): أي إن أعارَ شيئاً ولم يعيِّنْ مَن ينتفعُ به، فللمستعيرِ أن يعيرَهُ سواءٌ اختلفَ استعمالُهُ كركوبِ الدَّابة، أو لم يختلفْ كالحملِ على الدَّابة، وإن عيَّنَ مَن ينتفعُ به، فإن لم يختلفْ استعمالُهُ يعيرُه، وإن اختلفَ لا.
(وكذا المؤجِّر): أي إذا أجَّر شيئاً، فإن لم يُعَيِّن مَن ينتفعُ به فللمستأجِّر أن يعيرَهُ سواءٌ اختلف استعمالُهُ أو لا، وإن عيَّن يُعِيرُ ما لا يختلف استعمالُه لا ما اختلف، وعند الشَّافِعِيِّ (٥) ﵁ ليس للمستعيرِ الإعارة؛ لأنَّ العاريةَ عنده إباحةُ الانتفاع، والمباحُ له لا يملكُ الإباحة، وعندنا: هي تمليكُ المنافع، فالمستعيرُ لَمَّا مَلَكَ المنافعَ كان له أن يملِّكَها
стр. 941
فمَن استعارَ دابّة، أو استأجَر مطلقاً يحملُ ويعيرُ له، ويَرْكَبُ ويُرْكِب، وأيَّاً فعلَ تعيَّن، وضَمِنَ بغيره. وإن أطلقَ الانتفاعَ في الوقتِ والنوعِ انتفعَ به ما شاء أي وقتٍ شاء، وإن قيَّدَ انتفاعه بوقت أو نوع أو بهما ضمن بالخلاف إلى شرّ فقط، وكذا تقييدُ الإجارةِ بنوع أو قدر، وردَّها إلى اصطبلِ مالكِها، أو مع عبده، أو أجيرِه مسانهة، أو مشاهرة، أو مع أجيرِ ربِّها، أو عبدِهِ يقومُ على دابَّتِهِ أو لا تسليمٌ
غيره، (فمَن استعارَ دابّة، أو استأجَر مطلقاً يحملُ ويعيرُ له): أي للحمل، (ويَرْكَبُ ويُرْكِب، وأيَّاً فعلَ (١) تعيَّن، وضَمِنَ بغيره.
وإن أطلقَ الانتفاعَ في الوقتِ والنوعِ انتفعَ به (٢) ما شاء أي وقتٍ شاء، وإن قيَّدَ انتفاعه بوقت أو نوع أو بهما ضمن بالخلاف إلى شرّ فقط)، التقييدُ إمِّا أن يكونَ في الوقتِ دون النَّوع، أو في النَّوع دون الوقت، أو فيهما، فإن عَمِلَ على موافقةِ القيدِ فظاهر وإن خالف، فإن كان الخلافُ إلى مثل، أو إلى خيرٍ لا يضمنُ، وإلى شرٍّ يضمن، (وكذا تقييدُ الإجارةِ بنوع أو قدر): أى إن وافق، أو خالفَ إلى مثل، أو خيرٍ لا يضمن، وإلى شرٍّ يضمن.
(وردَّها إلى اصطبلِ مالكِها، أو مع عبده، أو أجيرِه مسانهة، أو مشاهرة، أو مع أجيرِ ربِّها، أو عبدِهِ يقومُ على دابَّتِهِ أو لا تسليمٌ): أي ردَّ الدابّةِ إلى اصطبلِ مالكها، فهَلَكَتْ قبل الوصولِ إلى المالك لا يضمنُ؛ لأنَّ هذا تسليم، وكذا إن أرسلَها المستعيرُ مع عبدِهِ إلى المالك، فهلكَتْ قبل الوصولِ إليه، وكذا إن أرسلَها مع أجيرِه مسانهة، أو مشاهرة بخلاف أجيرِه مياومة؛ إذ ليس في عياله، فيضمنُ بالتَّسليم إليه، وكذا إن سلَّمَها إلى أجيرِ المالك، أو عبدِهِ سواءٌ يقومُ على الدَّواب أو لا، فهلكت قبل الوصولِ إلى المالك لا يضمن، وهو الأصحّ، وقيل: يضمنُ بالتَّسليم إلى عبدِه الذي لا يقومُ على الدَّواب، فدلَّتْ المسألةُ على أنَّ المستعيرَ لا يَمْلِكُ الايداع.
стр. 942
كردِّ مستعارٍ غير نفيسٍ إلى دار مالكِه بخلاف ردِّ الوديعةِ والمغصوبِ إلى دارِ مالكِهما، وعاريةُ النَّقدين، والمكيل، والموزون، والمعدود قرض، وصحَّ إعارةِ الأرضِ للبناءِ والغرسِ، وله أن يرجعَ عنها ويكلِّفَ قلعَهما ولا يضمن إن أطلق، وضَمِنَ ما نَقَصَ بالقلعِ إن وقَّت، وكُرِهَ الرجوعُ قبلَه، ولو أعارَ للزَّرع لا يُؤخَذُ حتى يُحْصَد وَقَّتَ أو لا
(كردِّ مستعارٍ غير نفيسٍ إلى دار مالكِه)، فإنّ هذا تسليمٌ بخلافِ المستعارِ النَّفيسِ كالجواهرِ حيث لا يردُّ إلا إلى المعير، (بخلاف ردِّ الوديعةِ والمغصوبِ إلى دارِ مالكِهما)، فإنّ هذا لا يكونُ تسليماً، بل لا بُدَّ من الرَّدِّ إلى المالك.
(وعاريةُ النَّقدين، والمكيل، والموزون، والمعدود قرض)؛ لأنَّهُ لا ينتفعُ بهذه الأشياءِ إلا بالاستهلاكِ إلاَّ إذا عيَّنَ الانتفاعَ كاستعارةِ الدَّراهم ليعيِّرَ بها الميزان، أو يُزيِّنَ الدُّكان (١)، وفائدةُ كونِها قرضاً أنَّها لو هَلَكَتْ في يدِ المستعيرِ قبل الانتفاعِ تكونُ مضمونة.
(وصحَّ إعارةِ الأرضِ للبناءِ والغرسِ، وله أن يرجعَ عنها ويكلِّفَ (٢) قلعَهما ولا يضمن إن أطلق): أي لا يَضْمَنُ المعيرُ ما نَقَصَ من البناءِ والغرسِ بالقلع، إن كانت الإعارةُ مطلقةً: أي غيرُ مؤقَّتة.
(وضَمِنَ ما نَقَصَ بالقلعِ إن وقَّت): أي وقَّتَ الإعارة، ورجعَ عنها قبل ذلك الوقت، وإنِّما يضمنُ للغرور، وفي صورةِ الإطلاق ما غرَّه، بل اغترَّ المستعير، واعتمد على الإطلاق، (وكُرِهَ الرجوعُ قبلَه): أي قبل الوقت؛ لأنَّ فيه خلفَ الوَعْد.
(ولو أعارَ للزَّرع لا يُؤخَذُ حتى يُحْصَد (٣) وَقَّتَ أو لا)؛ لأنَّ للزَّرْعِ نهايةً معلومة، ففي التَّركِ مراعاةُ الحقَّيْن بخلافِ الغرسِ إذ ليس لهم نهايةٌ معلومة.
стр. 943
وأجرةُ ردِّ المستعار والمستأجَر والمغصوب على المستعيرِ والمؤجِّرِ والغاصب، ويكتبُ المعارُ قد أطعمتني أرضك لا أعرتني إذا أعيرت للزِّراعة
(وأجرةُ ردِّ المستعار والمستأجَر والمغصوب على المستعيرِ والمؤجِّرِ والغاصب)؛ لأنَّ الرَّدَّ واجبٌ على المستعيرِ والغاصبِ عند طلبِ المالك، وأمَّا على المستأجِرِ التَّمكينُ والتَّخليةُ دون الرَّدّ، فإنَّ منفعةَ القبضِ للمؤجِّر، فتكونُ مؤنةُ الرَّدِّ عليه لا على المستأجِر.
(ويكتبُ المعارُ قد أطعمتني أرضك لا أعرتني إذا أعيرت للزِّراعة)، إذا أعيرت الأرضُ للزِّراعة، فأرادَ المستعيرُ أن يكتبَ كتاباً فعند أبي حنيفةَ ﵁ يُكْتَبُ لفظُ الإطعام؛ لأنَّه أدَلُّ على الزِّراعة، فإنّ إعارةَ الأرض، قد يكونُ للبناء والغرس، وعندهما يكتبُ لفظة الإعارة.
* * *
стр. 944
كتاب الهبة
هي تمليكُ عينٍ بلا عوض، وتصحُّ بوهبت، ونحلت، وأعطيتُك، وأطعمتُك هذا الطعام، وجعلتُ هذا لك، وأعمرتكه، وجعلتُهُ لك عمرى، وحملتُك على هذه الدَّابّة بنيَّتها، وكسوتُك هذا الثَّوب، وداري لك هبةً تسكنُها
كتاب الهبة
(هي تمليكُ عينٍ بلا عوض، وتصحُّ بوهبت، ونحلت، وأعطيتُك، وأطعمتُك هذا الطعام)، فإنَّ الإطعامَ إذا نُسِبَ إلى الطَّعام كان هبة، وإذا نُسِبَ إلى الأرضِ كان عارية (١)، (وجعلتُ هذا لك، وأعمرتكه (٢)، وجعلتُهُ لك عمرى)، قال النَّبِيُّ ﷺ : «من أعمر عمرى، فهي للمعمر له (حال حياته) (٣)، ولورثتِه من بعده (٤)» (٥)، بخلاف ما إذا قال: داري لك عمرى سكنى، فإنَّ قولَهُ سُكْنى يجعلُهُ عارية، (وحملتُك على هذه الدَّابّة بنيَّتها، وكسوتُك هذا الثَّوب، وداري لك هبةً تسكنُها)، فإنَّ قوله: تسكنُها ليس تميزاً، بل هو مشْوَرة (٦)
стр. 945
وفي هبة سُكْنَى، أو سُكْنى هبة، أو نحلي سكنى، أو سُكْنى صدقةً، أو صدقةً عارية، أو عارية هبة عاريةٌ، وتتمُّ بالقبضِ الكامل، فتصحُّ إن قبضَ في مجلسِها بلا إذن، أو بعدَهُ بإذن
(وفي هبة سُكْنَى): أي داري لك هبةً سُكْنَى، فقولُهُ: سكنى تمييزٌ فيكونُ تفسيراً لِمَّا قبلَه، فيكونُ عاريةً (١)، (أو سُكْنى هبة): أي داري لك بطريقِ السُّكْنى حالَ كون السُّكْنى هبة: أي موهوبة (٢)، (أو نحلي سكنى): النّحلى اسم من النَّحلة: أي الإعطاء، تقديرُه نحلتُها نحلة، ثُمَّ قولُهم: سُكْنى؛ تمييزاً، (أو سُكْنى صدقةً): أي داري لك بطريق السُّكنى حال كون السُّكْنى صدقة، (أو صدقةً عارية): أي داري لك صدقة حال كونها بطريق العارية، فعاريةٌ تمييز فُهِمَ منه المنفعة، (أو عارية هبة عاريةٌ): أي داري لك بطريقِ العاريةِ حالَ كونِها هبة، فلمَّا قال: عاريةً فُهِمَ منها المنفعة، فمعناهُ حالَ كون المنافعِ موهوبةً لك.
(وتتمُّ بالقبضِ الكامل): أي تَتمُّ الهبةُ بالقبضِ الكاملِ الممكن في الموهوبِ للموهوب له، فالقبضُ الكاملُ في المنقولِ ما يناسبُه، وفي العقارِ ما يُناسبُه، فقبضُ مفتاحِ الدَّار قبضٌ لها، والقبضُ الكاملُ فيما يحتملُ القسمةَ بالقسمةِ حتَّى يقعَ القبضُ على الموهوبِ بطريقِ الأصالةِ من غيرِ أن يكونَ القبضُ بتبعيَّةِ قبضِ الكلّ (٣)، وفيما لا يحتملُ القسمةَ بتبعيَّةِ الكلّ.
(فتصحُّ إن قبضَ في مجلسِها بلا إذن، أو بعدَهُ بإذن) (٤): أي إذا قبضَ في مجلسِ الهبةِ بلا إذنٍ كان قبضاً؛ لأنَّ الهبةَ دليلُ الإذن، وبعد إنقضاءِ مجلس الإذن لا بُدَّ أن يأذنَ
стр. 946
كمشاعٍ لا يُقْسَمُ، لا فيما يُقْسَم، فإن قُسِمَ وسُلِّمَ صحّ، فإن وَهَبَ دقيقاً في بُرّ، أو دُهْناً في سمسم لا، وإن طَحَن، أو أخرجَ وسَلَّم، وكذا السَّمْنُ في اللَّبْن، وهبةُ لَبَنٍ في ضرع، وصوفٍ على ظهر غَنَم، وزَرْعٍ ونخلٍ في أرض، وتمرٍ في نخيلٍ كالمشاع، وتَمَّ هبةُ ما مع الموهوبِ له بلا قبضٍ جديد، وما وهبَ لطفلِهِ بالعقد، وما وهبَ
الواهبُ صريحاً، (كمشاعٍ لا يُقْسَمُ) (١): متعلِّقٌ بقولِهِ فتصح، والمرادُ به أنَّه (٢) إذا قُسِمَ لا يبقى منفعة، كالرَّحى، والحمَّام، والبيتِ الصَّغير، (لا فيما يُقْسَم): أي لا تصحُّ الهبةُ في مشاعٍ لو قُسِمَ يبقى منفعتُه عندنا، خلافاً للشَّافِعِيّ (٣) ﵁.
وهذا الخلافُ مبنيٌّ على اشتراطِ القبض، هو يقول المشاعُ محلٌّ للقبض كما في البيعِ ونحوه، ونحن نقول: القبضُ منصوصٌ عليه هاهنا فلا بُدَّ من كمالِه.
ولا فرقَ عندنا بين أن يُهَبَ من الشَّريك أو من الأجنبيّ، والمفسدُ هو الشُّيُوع المقارن، لا الشُّيُوع الطَّارئ، كما إذا وَهَب، ثُمَّ رَجَعَ في البعضِ الشَّائع أو استحقَّ البعضَ الشَّائع (٤)، بخلافِ الرَّهن، فإنَّ الشُّيُوعَ الطَّارئ مفسد.
(فإن قُسِمَ وسُلِّمَ صحّ): أي إذا وَهَبَ النِّصفَ المشاع، ثُمَّ قُسِمَ وسُلِّمَ صحّ؛ لأنَّ تمامَها بالقبضِ عندنا، وعند القبضِ لا شيوع، (فإن وَهَبَ دقيقاً في بُرّ، أو دُهْناً في سمسم لا، وإن طَحَن، أو أخرجَ وسَلَّم، وكذا السَّمْنُ في اللَّبْن)، إنِّما لا يجوزُ لأنَّ الموهوبَ معدومٌ وقتَ الهبة بخلافِ المشاع، (وهبةُ لَبَنٍ في ضرع، وصوفٍ على ظهر غَنَم، وزَرْعٍ ونخلٍ في أرض، وتمرٍ في نخيلٍ كالمشاع): أي لا يجوزُ هذه الهبات، لكن إن فُصِلَتْ هذه الأشياءُ عن ملكِ الواهب، وقبضَ تصحّ.
(وتَمَّ هبةُ ما مع الموهوبِ له بلا قبضٍ جديد، وما وهبَ لطفلِهِ بالعقد، وما وهبَ
стр. 947
أجنبيّ له بقبضِهِ عاقلاً، أو قبضِ أبيه، أو جدِه، أو وصيِّ أحدِهما، أو أمٍّ هو معها، أو أجنبي يُرَبيه وهو معه، أو زَوْجِها لها بعد الزَّفاف، وصحَّ هبةُ اثنين دارَ الواحد، وعكسُهُ لا، كتصدقٍ عشرة على غنيين وصحَّ على فقيرين
أجنبيّ له بقبضِهِ عاقلاً، أو قبضِ أبيه، أو جدِه، أو وصيِّ أحدِهما، أو أمٍّ هو معها، أو أجنبي يُرَبيه وهو معه، أو زَوْجِها لها بعد الزَّفاف): أي زوجِ الطِّفل الموهوب لها لأجلِها لكن بعد الزَّفاف (١).
(وصحَّ هبةُ اثنين دارَ الواحد)؛ لأنَّ الكلَّ يقعُ في يدِه بلا شيوع، (وعكسُهُ لا): أي هبةُ واحدٍ لاثنين داراً لا تصحُّ عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما تصحّ؛ لأنَّ التَّمليكَ واحدٌ فلا شيوع، كما إذا رَهَنَ من رجلين، وله: أن هذه هبةُ النِّصفِ من كلِّ واحدٍ، فيثبتُ الشُّيُوع (٢)، بخلافِ الرَّهن؛ لأنَّهُ محبوسٌ بدينٍ كلِّ واحدٍ بكماله.
(كتصدقٍ عشرة على غنيين وصحَّ على فقيرين): أي إذا تَصدَّقَ بعشرةٍ على غنيينِ لا يصحُّ عند أبي حنيفة (٣) ﵁، وكذا إن وهب لهما للشيوع، وعندهما: تصحُّ الهبة؛ لأنَّه لا شيوعَ عندهما، كما في هبة واحدٍ داراً من اثنين، وكذا تصحُّ الصَّدقة؛ لأنَّ الصَّدقةَ على الغنيينِ يرادُ بهما الهبةُ مجازاً، والهبة جائزة، ولو تصدَّقَ بعشرةٍ على فقيرين أو وَهَبَ العشرة لهما جازَ بالاتّفاق؛ لأنَّ الصَّدقةَ يرادُ بها وجهُ الله تعالى، قال
стр. 948
باب الرجوع عنها
ومَن وَهَبَ فرجعَ صحّ
- ﷺ : «الصَّدَقةُ تقعُ في كفِّ الرَّحمنِ قبل أن تقعَ في كفِّ الفقير» (١)، فلا شيوع، وأمَّا الهبةُ على الفقيرِ فهي صدقة، والصَّدقةُ جائزة، فكذا الهبة.
باب الرجوع عنها
(ومَن وَهَبَ فرجعَ صحّ) (٢): هذا عندنا؛ لقولهِ ﷺ : «الواهبُ أحقُّ بهبته ما لم يثبت» (٣): أي ما لم يعوض، وعند الشَّافِعِيِّ (٤) ﵁ لا تصحُّ إلا في هبةِ الوالدِ لولدِه؛ لقولِهِ ﷺ : «لا يرجعُ الواهبُ في هبةٍ إلاَّ الوالدَ فيما يهبُ لولده» (٥)، ونحنُ نقولُ به: أي لا ينبغي أن يرجعَ (في هبةٍ) (٦) إلا الوالد، فإنَّه يتملَّكُ للحاجة (٧).
стр. 949
ومنعَهُ الزِّيادةُ المتصلة: كبناء، وغرس، وسمن، لا المنفصلة، وموتُ أحدِ العاقدين، وعوضٌ أضيفَ إليها ولو من أجنبي بنحو: خذْهُ عوضَ هبتِك فَقَبَضَ، فلو وهب ولم يضفْ رجعَ كلٌّ بهبتِه، وخروجُها عن ملك الموهوبِ لهم، والزُّوجيةُ وقتَ الهبة، فلو وَهَبَ لها فنكحَها رجعَ، ولو وَهَبَ فأبانَ
(ومنعَهُ (١) الزِّيادةُ المتصلة: كبناء (٢)، وغرس، وسمن، لا المنفصلة)، وهي مثل الولد، (وموتُ أحدِ العاقدين (٣)، وعوضٌ أضيفَ إليها (٤) ولو من أجنبي بنحو: خذْهُ عوضَ هبتِك فَقَبَضَ، فلو وهب ولم يضفْ رجعَ كلٌّ بهبتِه، وخروجُها عن ملك الموهوبِ لهم، والزُّوجيةُ (٥)
وقتَ الهبة، فلو وَهَبَ لها فنكحَها رجعَ، ولو وَهَبَ فأبانَ
стр. 950
لا، وقرابةُ المحرميَّة، وهلاكُ الموهوب وضابطُها حروف دمع خزقه، ورجعَ في استحقاقِ نصفِ الهبةِ بنصفِ عوضِها، لا في استحقاقِ نصفِ العوضِ حتى يَرُدَّ ما بقي، ولو عَوَّضَ نصفَها رجعَ بما لم يعوِّض، فلو باعَ نصفَها أو لم يبعْ شيئاً، رجعَ في النِّصف
لا، وقرابةُ المحرميَّة، وهلاكُ الموهوب وضابطُها حروف دمع خزقه): قد قيل (١):
ومانعُ عن الرُّجُوع في الهبةِ
يا صاحبي حروف دمع خزقه
فالدَّالُ: الزِّيادة، والميمُ: الموت، والعينُ: العوض، والخاءُ: الخروج، والزَّاء: الزَّوجية، والقافُ: القرابة، والهاء: الهلاك.
(ورجعَ في استحقاقِ نصفِ الهبةِ بنصفِ عوضِها، لا في استحقاقِ نصفِ العوضِ حتى يَرُدَّ ما بقي (٢))، هذا عندنا (٣)، وعند زُفَرَ ﵁ يرجعُ بالنِّصف اعتباراً بالعوضِ الآخر، ولنا: أنّه ظَهَرَ بالاستحقاقِ أنَّ العوضَ هو الباقي فقط، فما لم يردَّه لا يرجعُ بالهبة، وإنِّما يكونُ له حقُّ الرَّدّ؛ لأنَّه لم يُسقطْ حقَّ الرُّجُوع إلاَّ أن يسلِّمَ له كلَّ العوض، ولم يسلِّم (٤).
(ولو عَوَّضَ نصفَها رجعَ بما لم يعوِّض، فلو باعَ نصفَها أو لم يبعْ شيئاً، رجعَ في النِّصف)، يعني إن باعَ الموهوبُ له نصفَ الهبة، فللواهبِ أن يرجع في النِّصفِ الباقي،