← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1125

شرح الوقاية - ت أبو الحاج

المحبوبي صدر الشريعة الأصغر

Полный текст (1 235 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وعتقَ فيهما، وسعى في قيمتِه إن أدَّى ما سمَّى، ولا يُنْقَصُ ممَّا سمِّي وزيد عليه، وصحَّتْ على حيوانٍ ذَكَرَ جنسَه فقط، ويؤدِّي الوسطَ، أو قيمتَه، وفي كافر كاتَب عبداً مثلَهُ بخمرٍ مقدَّرةٍ صحَّ: وأيٌّ أسلمَ لسيِّدِه قيمتَها، وعتقَ بقبضِ الخمرِ في قوله: فإن كاتب، والعطفُ جائزٌ لوجودِ الفصل. (وعتقَ فيهما (١)، وسعى في قيمتِه إن أدَّى ما سمَّى)، وفي ظاهر الرِّواية: إنِّما يثبتُ العتقُ والسِّعايةُ في القيمةِ إن أدَّى ما سمَّى، وهو الخمرُ والخِنْزير، وعن أبي حنيفةَ ﵁: أنَّه إنِّما يعتقُ بأداء عينِهما إن قال: إن أدَّيتَهُما فأنت حرّ، ولا فرقَ (٢) في ظاهرِ الرِّواية، وعند أبي يوسفَ ﵁ إن أدَّى العينَ عتق، وإن أدَّى القيمةَ عتقَ أيضاً، وعند زُفر ﵁ لا يعتقُ إلاَّ بأداءِ القيمة؛ لأنَّ المسلمَ نُهِيَ عن اقتراب الخمر، فاقيمت القيمةُ مقامها. (ولا يُنْقَصُ ممَّا سمِّي وزيد عليه)، هذه مسألةٌ مبتدأةٌ لا تعلُّقَ لها بمسألةِ الخمرِ والخِنْزير، ومعناها: أن القيمةَ في الكتابةِ الفاسدةِ إذا كانت من جنسِ المسمَّى، فإن كانت ناقصةً عن المسمَّى لا تنقص عن المسمَّى، وإن كانت زائدةً زيدت عليه، ووضع المسألة في «المبسوطِ» فيما إذا كاتبَ عبدَهُ بألف على أن يخدَمَه أبداً، فالكتابةُ فاسدة، فتجب القيمة، فإن كانت ناقصةً عن الألفِ لا تنقصُ عنه (٣)، وإن كانت زائدةً زيدت عليه. (وصحَّتْ على حيوانٍ ذَكَرَ جنسَه فقط): أي لم يذكرْ نوعَهُ وصفتَه، (ويؤدِّي الوسطَ، أو قيمتَه)، إنِّما يخيَّر؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ أصلٌ من وجه، أمَّا الوسطُ فظاهرٌ، وأمَّا قيمةُ الوسط؛ فلأن الوسطَ يعرفُ بالقيمةِ فصارت أصلاً، فَدَفْعُ القيمةِ قضاءً في معنى الأداء. (وفي كافر كاتَب عبداً مثلَهُ بخمرٍ مقدَّرةٍ صحَّ: وأيٌّ أسلمَ لسيِّدِه قيمتَها، وعتقَ بقبضِ الخمرِ)؛ لأنَّ عتقَهُ متعلِّقٌ بقبضِها، لكن مع ذلك يجبُ القيمةُ كما مرَّ.

стр. 982

باب تصرف المكاتب صحَّ بيعُهُ وشراؤهُ وسفرُه، وإن شرطَ ضدَّه، وإنكاحُ أمَتِه، وكتابةُ عبدِه، وله ولاؤه إن أدَّى بعد عتقِه، ولسيِّدِه إن أدَّى قبله، لا تزوُّجه إلاَّ بإذنه ولا هبتُهُ ولو بعوض، ولا تصدُّقُه إلاَّ بيسير، وتكفُّلُهُ وإقراضُهُ وإعتاقُ عبدِه ولو بمال، وبيعُ نفسِ عبدِه منه، وإنكاحه، والأبُ والوصيُّ في رقيقِ الصَّغيرِ كالمكاتب باب تصرف المكاتب (صحَّ بيعُهُ وشراؤهُ وسفرُه، وإن شرطَ ضدَّه)، فإنَّهُ إن شرطَ أن لا يسافرَ فله السَّفرُ استحساناً؛ لأنَّهُ شرطٌ مخالفٌ لمقتضى العقد، وهو مالكيَّةُ اليد، ولا تفسدُ الكتابةُ بهذا الشَّرط، فإنَّ الكتابةَ تُشْبِهُ البيعَ (١)، ومع ذلك هي إعتاقٌ بالنَّظرِ إلى العبد، فقلنا: كلُّ شرط مفسدٍ يكون في أحدِ البدلين، كما إذا شرطَ خدمةً مجهولةً تفسدُها، وكلُّ شرطٍ لا يكون كذلك لا يفسدها عملاً بالشَّبهين. (وإنكاحُ أمَتِه، وكتابةُ عبدِه)؛ لأنَّهما يفيدان المال، وعند زفرَ ﵁ والشَّافعيِّ (٢) ﵁ لا يجوزُ الكتابةُ وهو القياس؛ لأنَّها تؤدِّي إلى العتق، وهو ليس من أهله، وجهُ الاستحسان: أنّها إفادةُ المال، وعتقُهُ يضافُ إلى المولى، (وله ولاؤه إن أدَّى بعد عتقِه، ولسيِّدِه إن أدَّى قبله): أي للمكاتَبِ الأوَّلِ ولاءُ الثَّاني إن أدَّى الثَّاني بعد عتقِ الأوَّل، ولسيِّدِه إن أدَّى قبله، (لا تزوُّجه إلاَّ بإذنه ولا هبتُهُ ولو بعوض (٣)، ولا تصدُّقُه إلاَّ بيسير، وتكفُّلُهُ وإقراضُهُ وإعتاقُ عبدِه ولو بمال)؛ لأنَّه فوقَ الكتابة، (وبيعُ نفسِ عبدِه منه، وإنكاحه)، فإنَّ ذلك إعتاقٌ، وهذا إتلافُ مال. (والأبُ والوصيُّ في رقيقِ الصَّغيرِ كالمكاتب): أي كلُّ تصرُّفٍ يملكُهُ المكاتَبُ في

стр. 983

وشيءٌ من ذا لا يصحُّ من مأذونٍ ومضاربٍ وشريك، ويكاتَبُ عليه بالشَّراءِ ولدُهُ وأبواه، لا من لا ولاد بينهما، وصحَّ بيعُ أمِّ ولده شراها بدونِه، فإن شرى معه فلا عبدِه يملكانِهِ في رقيقِ الصَّغير، وما لا فلا، فإنَّهما يملكان تصرُّفاً يحصُلُ به المالُ للصَّغيرِ كالمكاتبِ يملكُ كسبَ المال، فحكمُهما حكمُه، فيملكانِ كتابةَ عبدِه لا إعتاقَهُ على مال، وبيعَ عبدِه من نفسِه. (وشيءٌ من ذا لا يصحُّ من مأذونٍ ومضاربٍ وشريك): أي من قوله: لا تزوّجُهُ إلى هنا، وأمَّا إنكاحُ أمتِه، وكتابةُ عبدِه فهما وإن لم يكونا جائزين للمأذون لم يُدخلهما في قولِه: وشيءٌ من ذا، بل ذكرهما في «كتاب المأذون» بقوله: ولا يزوِّجُ رقيقَه ولا مكاتَبه؛ لأنَّ قوله هاهنا: وإنكاحُ أمتِهِ عطفٌ على البيعِ والشَّراء، وهما جائزانِ للمأذون، فتخصيصُ الإشارةِ في قوله: وشيءٌ من ذا إلى بعضِ المعطوفاتِ دونَ البعضِ لم يكن حسناً، فجعلَ الإشارةَ إلى قولِه: لا تزوُّجه إلى آخره. (ويكاتَبُ عليه بالشَّراءِ ولدُهُ وأبواه (١)، لا من لا ولاد بينهما)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما: إن اشترى ذا رحمٍ مُحَرَّمٍ كالأخِ والعمِّ يدخلُ في كتابتِه، كما يعتقُ عليه، له: إنَّ للمكاتَبِ كسباً لا ملكاً، فجُعِلَ الكسبُ كافياً للصَّلةِ في قرابةِ الولادة إذ القادرُ على الكسبِ مخاطبٌ بالنَّفقةِ في الولادةِ لا في غيره، إذ لا بد فيه من اليسار. (وصحَّ بيعُ أمِّ ولده شراها بدونِه، فإن شرى معه فلا (٢))، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما لا يصحُّ بيعُها، وإن شراها بدونِ الولدِ؛ لأنَّها أمّ ولدِه فلا يجوزُ بيعُها، وله: أنّ القياسَ يجوزُ بيعُها، وإن كان معها ولد؛ لأنَّ كسبَ المكاتَبِ موقوفٌ فلا يتعلَّقُ به ما لا يحتملُ الفسخ، أمَّا إذا كان معها ولدٌ يثبتُ امتناعُ البيعِ بتبعيَّةِ الولد،

стр. 984

كولدٍ ولدَ له من أمته، وكسبُهُ له، فإن كاتَبَ قِنَّيْنِ له زوجين، فولدَتْ دخلَ الولدُ في كتابتها، وكسبُهُ لها، فإن ولدت حرَّةٌ بزعمِها من مكاتَبٍ أو عبدٍ نكحَها بإذنٍ فاستحقَّتْ، فولدُها عبد، فإن وَطِئَ أمةً بملكه فاسْتُحِقَّت، أو بشراءٍ فاسد فردَّت أُخِذَ عُقْرُها في الحال، كالمأذون بالتَّجارة قال ﷺ : «أعتقها ولدُها» (١)، ولا يثبتُ أصالةً، والقياسُ ينفيهِ، (كولدٍ ولدَ له من أمته)، يتعلَّقُ بقوله: ويكاتبُ عليه بالشِّراء: أي إن ولدَ ولدٌ من أمته فادَّعاهُ دخلَ في كتابتِه، (وكسبُهُ له): أي كَسْبُ ولدِ المكاتَبِ يكونُ للمكاتَب؛ لأنَّ الولدَ كسبُه، وكسب الولد كسبُ كسبه. (فإن كاتَبَ قِنَّيْنِ له زوجين، فولدَتْ دخلَ الولدُ في كتابتها، وكسبُهُ لها): أي زوَّجَ أمتَهُ من عبدِه فكاتبَهما، فولدتْ ولداً دَخَلَ الولدُ في كتابةِ الأمّ، وكسبُهُ للأمِّ؛ لأنَّ الولدَ يتبعُ الأمَّ في الرِّقِ والعتق وفروعَه (٢). (فإن ولدت حرَّةٌ بزعمِها من مكاتَبٍ أو عبدٍ نكحَها بإذنٍ فاستحقَّتْ، فولدُها عبدٌ): أي تزوَّجَ المكاتَبُ بأذنِ مولاه امرأةً، فقالت: أنا حرَّةٌ فولدَتْ منه فاستحقَّت فولدُها عبدٌ عند أبي حنيفةَ ﵁ وأبي يوسف ﵁، وعند محمَّد ﵁ حرٌّ بالقيمة؛ لأنَّه ولدُ المغرور، لهما: أنّ القياسَ أن يكونَ عبداً لكونِه مولوداً بين رقيقين، وفي الحرِّ خالفنا القياسَ بإجماعِ الصَّحابة، وهذا ليس في معناه؛ لأنَّ حقَّ المولى مجبورٌ بالقيمةِ يؤدِّيها الحرُّ في الحال، وهاهنا لا قدرةَ للعبدِ على أدائها في الحال، بل تؤخَّرُ إلى العتق (٣). (فإن وَطِئَ أمةً بملكه فاسْتُحِقَّت، أو بشراءٍ فاسد فردَّت أُخِذَ عُقْرُها في الحال (٤)، كالمأذون بالتَّجارة): أي وطئ المكاتب، أو المأذون أمةً بغيرِ إذن المولى بناءً على أنَّها

стр. 985

ولو نكحَ فوطئ أُخِذَ حين عتق، وصحَّ تدبيرُ مكاتَبه، وعَجْزُ نفسِه وكان مُدَبَّراً، أو مضى عليها وسعى في ثُلُثَي قيمتِه، أو ثُلُثي البدل إن ماتَ سيدُهُ فقيراً ملكَه بأن اشتراها، أو وُهِبت له، ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ الأمة، أو اشترى أمةً شراءً فاسداً فوطئها، ثُمَّ رُدَّتْ يجبُ العقرُ في الحال. (ولو نكحَ فوطئ أُخِذَ حين عتق): أي نكحَ (المكاتب أو المأذون أمةً) (١) بغيرِ إذن المولى فوطئ، ثمَّ استحقَّت (٢) يجبُ العقرُ بعد العتق، والفرقُ أنَّه لولا الشِّراء لما سقطَ الحدّ، وما لم يسقطِ الحدُّ لا يجبُ العقر، فيكونُ من توابعِ التِّجارة، فيكون ثابتاً في حقِّ المولى، وهنا النِّكاح ليس من بابِ الكسب، فلا ينتظمُهُ الكتابة، ولقائلٍ أن يقول: إن العقرَ يثبتُ بالوطء لا بالشِّراء، والإذنُ بالشِّراءِ ليس إذناً بالوطء، والوطءُ ليس من التِّجارة في شيء، فلا يكونُ ثابتاً في حقِّ المولى (٣). (وصحَّ تدبيرُ مكاتَبه، وعَجْزُ نفسِه وكان مُدَبَّراً، أو مضى عليها وسعى في ثُلُثَي قيمتِه، أو ثُلُثي البدل إن ماتَ سيدُهُ فقيراً): أي له الخيارُ: إمَّا أن عجَّزَ نفسَه وكان مُدبَّراً، أو مضى على الكتابة. فإن مَضَى عليها فمات المولى ولا مالَ له سواه، فهو بالخَيار: إمَّا أن يَسْعَى في ثُلُثي قيمتِه، أو ثُلُثي بدل الكتابة، وعندهما: يسعى في الأقلِّ منهما، فإنّ الإعتاقَ لَمَّا كان متجزّئاً عند أبي حنيفةَ ﵁ بقي الثُلُثان عبداً، فإن أدَّى للتَّدبير ثُلُثي القيمة في الحالِ عتقَ الكلُّ في الحال، وإن أدَّى للكتابةِ ثُلُثي البدلِ مؤجَّلاً عتقَ مؤجَّلاً، فيفيدُ التَّخيير، وقد تلقى جهتا الحريّةِ ببدلين معجَّلٍ بالتَّدبير، ومؤجَّلٍ بالكتابة، فيتخيَّرُ بينهما، وعندهما: لَمَّا لم يكنْ متجزئاً صارَ بموتِ المولى معتقُ الكلّ، وقد سقطَ عنه ثُلُث المال، وبقي الثُلُثان، وكلُّ ما هو أقلُّ من ثُلُثي البدل، أو ثُلُثي القيمة يسعى فيه، ولا فائدةَ في التَّخيير بين الأقلِّ والأكثر.

стр. 986

واستيلادُ مكاتبتِه، ومَضَتْ عليها، أو عَجِزَتْ وكانت أمَّ ولدٍ له، وكتابةُ أمِّ ولدِه فعتقتْ بموتِهِ مجَّاناً ومدبَّرِه، ويسعى في ثلثي قيمتِه أو كلِّ البدلِ في موتِ سيِّده معسراً، وصلحُهُ مع مكاتبِهِ على نصفٍ حالٍّ من بدلٍ مؤجل، فإن ماتَ مريضٌ كاتبَ عبدَهُ على ضِعْفِ قيمتِهِ بأجل، وردَّ ورثتُهُ أدَّى ثلثي (واستيلادُ مكاتبتِه، ومَضَتْ عليها، أو عَجِزَتْ وكانت أمَّ ولدٍ له): أي ولدتِ المكاتبةُ فادَّعى المولى الولدَ تصيرُ أمَّ ولدٍ له، فتخيَّرُ بين أن تمضي على الكتابةِ وتؤدِّي البدل، فتعتقُ قبل موتِ المولى وبين أن تُعْجِّزَ نفسَها، فتعتقُ بعد موتِ المولى، فإن مَضَتْ على الكتابةِ فلها أن تأخذ العقرَ من سيِّدها. (وكتابةُ أمِّ ولدِه فعتقتْ بموتِهِ مجَّاناً ومدبَّرِه): أي صحَّتْ كتابةُ مدبَّرِه، (ويسعى في ثلثي قيمتِه أو كلِّ البدلِ في موتِ سيِّده معسراً)، هذا عند أبي حنيفة ﵁، وعند أبي يوسف ﵁ يسعى في الأقلِّ منهما، وعند محمَّدٍ ﵁ يسعى في الأقلِّ من ثلثي القيمة أو ثلثي البدل، أمَّا الخيارُ وعدمُهُ ففرعُ التَّجزؤ وعدمه كما مرّ، وأمَّا المقدارُ فمحمَّدٌ ﵁ يقول: البدلُ لما كانَ مقابلاً بالكلٍّ فبالموتِ يسلَّمُ له ثلثُ البدل، ومن المحالِ أن يجبَ البدلُ في مقابلة الثّلث وهما يقولان: البدلُ وقعَ في مقابلةِ الثُّلثين، لأنَّ الظَّاهرَ أنَّ الإنسانَ لا يلتزمُ المالَ في مقابلةِ ما يستحقُّ حرِّيته (١). (وصلحُهُ مع مكاتبِهِ على نصفٍ حالٍّ من بدلٍ مؤجل): أي صحَّ صلحُه، والقياسُ أن لا يصحَّ؛ لأنَّهُ اعتياضٌ عن الأجلِ بالمال، ووجه الاستحسان: أن الأجلَّ في حقِّ المكاتَبِ مالٌ من وجهٍ لا يقدرُ على الأداءِ إلاَّ به، وبدلُ الكتابةِ ليس بمالٍ من وجهٍ حتَّى لا تصحّ الكفالةُ به (٢) فاعتدلا (٣). (فإن ماتَ مريضٌ كاتبَ عبدَهُ على ضِعْفِ قيمتِهِ بأجل، وردَّ ورثتُهُ أدَّى ثلثي

стр. 987

البدلِ حالاً، وباقيه مؤجَّلاً، أو استُرقّ، وفي نصفِ قيمتِهِ هنا، أدَّى ثلثيها حالاً أو استرقَّ، فإن قال حرٌّ لسيِّد عبد: كاتبْ عبدك على كذا، وشرطَ العتقَ بأدائه أوَّلاً، ففعل وأدَّى الحرُّ عتق، ولم يرجع، وإن قبلَ العبدُ فهو مكاتب، فإن كوتبَ حاضرٌ وغائبٌ، وقَبِلَ الحاضر فأيٌّ أدَّى قَبِلَ جبراً أو عتقاً البدلِ حالاً، وباقيه مؤجَّلاً، أو استُرقّ): أي خيِّرَ العبدُ بين أن يؤدِّي ثلثي البدلِ حالاً والباقي مؤجّلاً، وبين أن يمتنعَ فيسترقّ، وهذا عند أبي حنيفة ﵁ وأبي يوسف ﵁، وعند محمَّدٍ ﵁ خيِّرَ العبدُ بين أن يؤدِّي ثلثي القيمة حالاً، والباقي إلى تمامِ البدلِ مؤجَّلاً، وبين أن يمتنعَ فيسترقّ؛ لأنَّ المريضَ ليسَ له التَّأجيلُ في ثلثي القيمة، أمَّا فيما وراءه يصحُّ له التَّركُ فيصحٌّ له (١) التَّأخير، لهما: أنّ جميعَ المسمَّى بدلُ الرَّقبةِ وحقُّ الورثةِ متعلِّقٌ بالمبدل، فكذا بالبدل، فلا يصحُّ له (٢) التَّأخيرُ إلاَّ في ثلثِه. (وفي نصفِ قيمتِهِ هنا): أي فيما إذا كانَ البدلُ نصفَ القيمة هنا: أي في المسألةِ المذكورةِ وهي موتُ المريضِ الذي كاتبَ عبدَهُ على بدلٍ مؤجَّل، (أدَّى ثلثيها حالاً أو استرقَّ): أي خُيِّرَ العبدُ بين أن يؤدِّي ثلثي القيمة حالاً، وبين أن يمتنعَ فيسترقّ؛ لأنَّ المحاباةَ وقعت في المقدارِ وفي التَّأخير، فتنفذُ بالثُّلثِ دونَ الثُّلثين اتِّفاقاً (٣). (فإن قال حرٌّ لسيِّد عبد (٤): كاتبْ عبدك على كذا، وشرطَ العتقَ بأدائه أوَّلاً): أي سواءٌ قال: عليّ (٥) إن أدَّيتَ فهو حرُّ أو لم يقل، (ففعل وأدَّى الحرُّ عتق، ولم يرجع): أي لا يرجعُ المؤدِّي على العبد؛ لأنَّهُ متبرِّعٌ في الأداء، وإنَّما يعتقُ بأداءِ الحرّ، أمَّا إن شرطَ العتقَ بأدائه فظاهر، وأمَّا إن لم يشترط فالقياس أن لا يعتق، وفي الاستحسان يعتق؛ لأنَّهُ يتوقَّفُ على قبولِ العبدِ الغائبِ فيما يضرُّه، وهو وجوبُ البدلِ عليه، لا فيما ينفعُهُ وهو صحةُ أداءِ القابلِ البدلَ، (وإن قبلَ العبدُ فهو مكاتب): أي إن كاتبَ الحرُّ العبد، وبلغَ العبدُ وقبلَ فهو مكاتَب؛ لأنَّ الكتابةَ موقوفٌ على إجازتِه. (فإن كوتبَ حاضرٌ وغائبٌ، وقَبِلَ الحاضر فأيٌّ أدَّى قَبِلَ جبراً أو عتقاً)، صورةُ

стр. 988

فصارَ كمعيرِ الرَّهن، ولم يرجعْ على الآخر، وقبولُ الغائبِ له لغو، فإن كوتبتْ أمةٌ وطفلانِ لها فقبلتْ فأيّ أدَّى لم يرجعْ وعتقوا المسألة: أن يقول: كاتِبْني بألفٍ على نفسي وعلى فلان الغائب (١) ففعل وقبلَ الحاضر، فالقياسُ أن يصحَّ في حصَّة الحاضرِ وفي حصَّة الغائبِ يتوقَّفُ على قبوله، وجه الاستحسان: أنّ الحاضرَ أضافَ العقدَ إلى نفسِهِ فجعلَ نفسَهُ أصلاً، والغائبَ تبعاً فيصحُّ كما يصحُّ على الأولادِ بالتَّبعية فأيُّهما أدَّى قَبِلَ جبراً (٢)، أمَّا الحاضر؛ فلأنَّ كلَّ البدلِ عليه، وأمَّا الغائبُ؛ فلأنَّهُ ينالُ شرفَ الحريِّة، وإن لم يكنْ البدلُ عليه. (فصارَ كمعيرِ الرَّهن)، صورتُه: استعارَ رجلٌ عيناً من غيرِهِ ليرهنَهُ بدينٍ عليه للآخر، فرهنَه، ثمَّ احتاجَ المعيرُ إلى استخلاصِ عينِه، فإنْ أدَّى الدَّينَ إلى المُرْتَهِن يجبرُ المُرْتَهِنُ على القبول، وإن لم يكنْ على معيرِ الرَّهن دين (٣)، وإنِّما هو على المستعير، وإن أدَّى الدَّين يرجع على المستعير به، وإن أدَّى بغير أمرِه، لأنَّه مضطرٌ إلى تخليصِ عينِه ولا يتمكّنُ إلا بأداء الدَّين. (ولم يرجعْ على الآخر)؛ لأنَّهُ متبرِّعٌ في حقِّ الآخر، وإنِّما يرجعُ معيرُ الرَّهن؛ لأنَّه مضطرٌ في الأداءِ؛ لأنَّه يخافُ تَلَفَ مالِه في يدِ المُرْتَهِن، (وقبولُ الغائبِ له لغو)؛ لأن العقدَ نفذَ على الحاضر. (فإن كوتبتْ أمةٌ وطفلانِ لها فقبلتْ فأيّ أدَّى (٤) لم يرجعْ وعتقوا)، كما في مسألة الأولى، (والله أعلم) (٥).

стр. 989

باب كتابة العبد المشترك أحدُ شريكي عبدٍ أذنَ للآخرِ بكتابةِ حصّتِهِ بألفٍ وقبضِهِ ففعل وقبضَ بعضَه، فذا له إن عَجِز، مكاتبةٌ لرجلينِ جاءتْ بولدٍ فادَّعاهُ أحدُهما، ثُمَّ جاءت بآخرٍ فادَّعاهُ الآخر، فعجزت، فهي أمُّ ولدٍ للأوَّل، وضمنَ نصفَ قيمتِها، ونصفَ عقرِها، وشريكه عقرها، وقيمةُ الولدِ وهو ابنُه باب كتابة العبد المشترك (أحدُ شريكي عبدٍ أذنَ للآخرِ بكتابةِ حصّتِهِ بألفٍ وقبضِهِ ففعل وقبضَ بعضَه، فذا له إن عَجِز)، الضميرُ في حصّتِهِ يرجعُ إلى الآخر، هذا عند أبي حنيفة، وأصلُهُ: أن الكتابةَ متجزئةٌ فيكونُ مقتصراً على نصيبه، وفائدةُ الإذنِ: أنّه إن لم يأذنْ فله حقُّ الفسخ، فبالإذنِ لا يبقى ذلك، وإذنُهُ لشريكِه بالقبضِ إذنٌ للعبدِ بالأداء إليه، فيكونُ متبرّعاً في نصيبه على القابض، فيكون له (١)، وعندهما: الكتابةُ غير متجزئة، فالإذنُ بكتابةِ نصيبِه إذنٌ بكتابةِ الكلّ، فالقابضُ أصيلٌ في البعض، ووكيلٌ في البعض، والمقبوضُ مشتركٌ بينهما، فبقي كذلك بعد العجز. (مكاتبةٌ لرجلينِ جاءتْ بولدٍ فادَّعاهُ أحدُهما، ثُمَّ جاءت بآخرٍ فادَّعاهُ الآخر، فعجزت، فهي أمُّ ولدٍ للأوَّل، وضمنَ نصفَ قيمتِها، ونصفَ عقرِها، وشريكه عقرها، وقيمةُ الولدِ وهو ابنُه)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وبيانُهُ: أن استيلادَ المكاتبةِ المشتركةِ متجزئٌ عند أبي حنيفةَ ﵁، فيقتصرُ على نصيبه؛ لأنَّ المكاتبَ لا ينتقلُ من ملكٍ إلى ملكٍ كما مرّ (٢) في المُدَبَّر، واستيلادُ الِقنّةِ لا يتجزئ، فإذا استولدَ أحدُ الشريكينِ القِنّةَ المشتركة، صارت كلَّها أمَّ ولدٍ له، ويضمنُ نصفَ قيمتِها للشَّريك.

стр. 990

وأيٌّ دَفَعَ العقر إليها صحّ، فإن لم يطأ الثَّاني ودبَّرَها فعجزت، بطل تدبيره، وهي أمُّ ولدٍ للأوَّل، والولدُ له، وضَمِنَ لشريكِهِ نصفَ عقرها، ونصفَ قيمتِها إذا عرفتَ هذا؛ فاستيلادُ الثَّاني قبل العجزِ وقعَ في ملكِه ظاهراً فيثبتُ نسبُ ولده، لكن إذا عجزتْ صارتْ كأنّ الكتابةَ لم تكن، فظهرَ أنَّه في الحقيقةِ وَطِئَ أمَّ ولدِ الغير، فاستيلادُ الأوَّلِ وقعَ غير متجزّئ، فكلُّها أمُّ ولدٍ له، ويضمنُ نصف قيمتِها لشريكِه، ولا تكون أمَّ ولدٍ للشَّريك، لكن ولدُ الشَّريك ولدٌ مغرور، حيث وَطِئَ معتمداً على الملك، فيكونُ حرَّاً بالقيمة، ويضمنُ تمامَ عقرها. وأمَّا عندهما: فاستيلادُ المكاتبةِ لا يتجزئُ، فقبل العجزِ صارت أمَّ ولدٍ للأوَّل، وانتقلَ نصيبُ الثَّاني إليه بفسخ الكتابة، فإنَّ الكتابةَ تنفسخ بالاستيلادِ فيما لا يتضرَّرُ به المكاتب، فيكون وطء الثَّاني في غيرِ ملكِه، فيجبُ عليه تمامُ العقر لا الحدُّ للشُّبهة، ولا يكون ولدُهُ حرَّاً بالقيمة، ويضمنُ الأوَّلُ للشَّريك نصفَ قيمتِها مكاتبةً عند أبي يوسف ﵁، والأقلُّ من نصفِ قيمتِها ومن نصفِ ما بقي عليها من بدلِ الكتابةِ عند محمَّد ﵁، وإذا انفسختِ الكتابةُ في حصّةِ الشَّريك عندهما قبلَ العجز، فكلُّها مكاتبةٌ للأوَّلِ بنصفِ البدلِ (١) عند الشيخ أبي منصور ﵁، وبكلِّ البدلِ (٢) عند عامّة المشايخ ﵃. (وأيٌّ دَفَعَ العقر إليها صحّ): أي قبلَ العجزِ لاختصاصِها بمنافعِها وأعواضها، (فإن لم يطأ الثَّاني ودبَّرَها فعجزت، بطل تدبيره، وهي أمُّ ولدٍ للأوَّل، والولدُ له، وضَمِنَ لشريكِهِ نصفَ عقرها، ونصفَ قيمتِها)؛ لأنَّه تبيَّنَ بالعجزِ أنَّه يملكُ (٣) نصيبَ الشَّريك وقت الاستيلاد، فالتدبيرُ وقعَ في غيرِ ملكِه بخلافِ النَّسب؛ لأنّه يعتمدُ الغرور.

стр. 991

فإن حرَّرها أحدُهما غنيّاً فعجزتْ ضَمِنَ نصفَ قيمتِها لشريكه، ورجعَ به عليها، عبدٌ لرجلين دبَّرَهُ أحدُهما، ثُمَّ حرَّرَه الآخر مليئاً أو عكساً، أعتق المُدَبَّر، واستسعى فيهما، أو ضمَّنَ شريكُهُ في الأولى فقط (فإن حرَّرها): أي المكاتبةَ المشتركةَ، (أحدُهما غنيّاً فعجزتْ ضَمِنَ نصفَ قيمتِها لشريكه، ورجعَ به عليها)، هذا عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما: لا يرجِع، وهذا مبنيٌّ على أن السَّاكتَ إذا ضَمَّنَ المعتقَ يرجع به عليها عند أبي حنيفة ﵁ لا عندهما. (عبدٌ لرجلين دبَّرَهُ أحدُهما، ثُمَّ حرَّرَه الآخر مليئاً أو عكساً): أي حرَّره أحدُهما، ثُمَّ دبَّرَهُ الآخر، (أعتق المُدَبَّر، واستسعى فيهما): أي في المسألتين، (أو ضمَّنَ شريكُهُ في الأولى فقط)، اعلم أنَّ في المسألةِ الأُولى إذا دبَّرَهُ الأوَّل، فللثَّاني الإعتاق، أو التَّضمين، أو الاستسعاء عند أبي حنيفة ﵁، فإذا أعتقَ الثَّاني لم يبقَ له ولايةُ التَّضمين والاستسعاء، ثُمَّ بالاعتاقِ أفسدَ نصيبَ المدبَّر، فله أن يُعْتِق، أو يستسعي، أو يضمِّنَ قيمتَه مُدبَّراً، وقد مرَّ في «باب عتق البعضِ» من «كتاب الإعتاق» (١): أنّ قيمةَ المدبَّرِ ثُلُثا قيمةِ القِنّ، وإن ضمنَه لا يتملّكَه؛ لأنَّه لا ينتقلُ من ملكٍ إلى ملك. وأمَّا في المسألةِ الثَّانية: إذا أعتقَ الأوَّل فللآخرِ الخيارات الثَّلاث عنده، فإذا دَبَّرَهُ لم يبقَ له (٢) ولايةُ التَّضمين، بل بقي له ولايةُ الإعتاق أو الاستسعاء، فولايةُ الإعتاقِ أو الاستسعاء ثابتةٌ في المسألتين، والتَّضمينُ يختصُّ بالأولى. وعندهما: إذا دبَّرَهُ أحدُهما، فاعتاقُ الآخرِ باطل؛ لأنَّ التَّدبيرَ لا يتجزّئ عندهما، فيملكُ نصيبَ صاحبِه بالتَّدبير، ويضمنُ نصفَ قيمتِه قِنّاً موسراً كان أو معسراً؛ لأنَّه ضمانُ تملُّك، فلا يختلفُ باليسار والعسار، وإن أعتقَهُ أحدُهما فتدبيرُ الآخر باطل؛ لأنَّ الاعتاق لا يتجزئ عندهما، فيضمنُ نصفَ قيمتِهِ إن كان موسراً، ويسعى العبدُ إن كان معسراً؛ لأنَّ هذا ضمانُ إعتاقٍ فيختلفُ باليسارِ والعسار.

стр. 992

باب الموت والعجز مكاتبٌ عجزَ عن نجمٍ إن كان له وجهٌ سيصلُ إليه لا يعجزُهُ الحاكمُ إلى ثلاثة أيّام، وإلاَّ عجَّزَه، وفسخَها بطلبِ سيِّدِه، أو سيِّدِهِ برضاه، وعادَ رقُّهُ وما في يده لسيِّده، فإن ماتَ عن وفاء، لم يفسخ، وقضي البدلُ من ماله، وحكمَ بموتِهِ حرَّاً، والإرثُ منه، وعتقَ بنيهِ إن ولدوا فى كتابتِه، أو شَرَاهم، أو كوتبَ هو وابنُهُ صغيراً أو كبيراً بمرَّة، وإن لم يتركْ وفاء فمَن ولد في كتابتِهِ سعى على نجومِه، وإذا أدَّى حُكِمَ بعتقِ أبيهِ قبل موتِه وبعتقِهِ، ومَن شراهُ أدَّى البدلَ حالاً، أو ردَّ رقيقاً باب الموت والعجز (مكاتبٌ عجزَ عن نجمٍ إن كان له وجهٌ سيصلُ إليه لا يعجزُهُ الحاكمُ إلى ثلاثة أيّام): أي إن مضتْ ثلاثةَ أيَّام، ولم يؤدِّ حصّةَ ذلك النَّجم حُكِمَ بعجزِه، (وإلاَّ عجَّزَه): أي إن لم يكنْ له وجهٌ سيصلُ إليه عجَّزَه، وهذا عندَ أبي حنيفة ﵁ ومحمَّدٍ ﵁، وعندَ أبي يوسف ﵁ لا يعجِّزُهُ حتى يتوالى عليه نجمان. (وفسخَها (١) بطلبِ سيِّدِه، أو سيِّدِهِ برضاه): أي فسخَها سيِّدُهُ برضى المكاتب، (وعادَ رقُّهُ وما في يده لسيِّده، فإن ماتَ عن وفاء): أي عن مالٍ يفي ببدلِ الكتابة، (لم يفسخ)، هذا عندنا، وعندَ الشَّافعي (٢) ﵁ تبطلُ الكتابةُ لفواتِ المحلِّ، ونحن نقول: هو حيٌّ في بعضِ الأحكام، فكذا في هذا؛ لاحتياجِهِ إلى زوالِ أثرِ الكفر، وهو الرِّقّ، أو يستندُ الحرية إلى ما قبلَ الموت (٣)، (وقضي البدلُ من ماله، وحكمَ بموتِهِ حرَّاً، والإرثُ منه، وعتقَ بنيهِ إن ولدوا فى كتابتِه)، حتى لو وُلدوا قبلَ الكتابةِ لا يتبعونه، (أو شَرَاهم، أو كوتبَ هو وابنُهُ صغيراً أو كبيراً بمرَّة): أي بكتابةٍ واحدة؛ فإنَّ الولدَ إن كان صغيراً يتبعُه، وإن كان كبيراً جُعلا كشخصٍ واحد. (وإن لم يتركْ وفاء فمَن ولد في كتابتِهِ سعى على نجومِه، وإذا أدَّى حُكِمَ بعتقِ أبيهِ قبل موتِه وبعتقِهِ، ومَن شراهُ أدَّى البدلَ حالاً، أو ردَّ رقيقاً)، هذا عند أبي حنيفة ﵁ وعندهما الولدُ المشترى يسعى على نجومِ الأبِ أيضاً، لأنَّهُ كوتبَ بتبعيَّة الأب.

стр. 993

فإن تركَ لداً من حرَّةٍ معتقةٍ وديناً يفي ببدلها، فجنى الولدُ وقضي به على عاقلةِ أمِّهِ لم يكن ذلك تعجيزاً لأبيه، وإن اختصمَ قومُ إمِّهِ وأبيهِ في ولائه، فقضي به لقومِ أمِّهِ فهو تعجيز، وطابَ لسيِّدِه ما أدَّى إليه من صدقةٍ فعجز، فإن جنى عبدٌ فكاتبَهُ سيِّدُهُ جاهلاً بها، فعجزَ أو مكاتبٌ فلم يقضِ به فعجزَ دفعَ أو فَدَى (فإن تركَ ولداً من حرَّةٍ معتقةٍ وديناً يفي ببدلها، فجنى الولدُ وقضي به): أي بموجبِ الجناية، (على عاقلةِ أمِّهِ لم يكن ذلك تعجيزاً لأبيه)؛ لأنَّ هذا القضاءَ لا ينافي الكتابة؛ لأنَّ مقتضى الكتابةِ إلحاقُ الولدِ بموالي الأمّ، وإيجاب (١) العقل عليهم، لكن على وجهٍ يحتملُ أن يعتقَ الأب (٢) فينجرُّ الولاءُ إلى موالي الأب، وإنَّما قال: وديناً يفي؛ لأنَّهُ لو كان عيناً لا يتأتَّى القضاءُ بالإلحاقِ بالأمِّ؛ لأنَّه يمكنُ الوفاءُ في الحالّ. (وإن اختصمَ قومُ إمِّهِ وأبيهِ في ولائه، فقضي به لقومِ أمِّهِ فهو تعجيز)؛ لأنَّ القضاءَ بكونِ ولاءِ الولدِ لموالي الأمّ، معناه: أنّ الأبَ ماتَ رقيقاً، وانفسخَ عقدُ الكتابةِ فيكون القضاءُ في فصلٍ مجتهدٍ فيه، فينفذُ فيه وتنفسخُ الكتابة. (وطابَ لسيِّدِه ما أدَّى إليه من صدقةٍ فعجز): أي إذا لم يكن المولى مصرفاً للزَّكاة، فأخذَ المكاتبُ الزَّكاة؛ لكونهِ من المصارف، ثمَّ أدَّاهُ إلى المولى عن بدلِ الكتابة، ثمَّ عَجِزَ فظهرَ أنَّ المولى أخذَ الزَّكاة، وهو غنيّ، ومع ذلك يطيبُ له، لأنَّهُ أخذَهُ عوضاً عن العتقِ زمانَ الأخذ، والعبدُ قد أخذَهُ صدقة، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «لها صَدَقَة، وَلَنَا هَدِيَّة» (٣). (فإن جنى عبدٌ فكاتبَهُ سيِّدُهُ جاهلاً بها): أي بالجناية، (فعجزَ أو مكاتبٌ فلم يقضِ به فعجزَ دفعَ أو فَدَى) (٤): أي جنى مكاتبٌ فلم يقضِ بموجبِ الجنايةِ فعجزَ خيِّرَ

стр. 994

وإن قُضي به عليه مكاتباً فعجز بيعَ فيه، ولا تنفسخُ بموتِ السَّيد، وأدَّى البدلَ إلى ورثتِهِ على نجومِه؛ فإن أعتقَهُ بعضُهم لا يصحّ، وإن أعتقوهُ عُتِقَ مجَّاناً بينَ دفعِه، وأداءِ إرشِ الجناية؛ لأنَّ هذا هو موجبُ جنايةِ العبدِ لكنَّ الكتابةَ صارتْ مانعةً عن الدَّفع، ثمَّ زالَ المانعُ بالعجز، فعادَ الحكمُ الأصلي. (وإن قُضي به عليه مكاتباً فعجز بيعَ فيه): أي وإن قضى بموجبِ الجنايةِ على المكاتبِ حالَ كونِهِ مكاتباً، ثمَّ عجزَ بيعَ في ذلك؛ لأنَّهُ دينٌ متعلِّقٌ برقبتِهِ بالقضاء، فانتقل إلى قيمته. (ولا تنفسخُ بموتِ السَّيد، وأدَّى البدلَ إلى ورثتِهِ على نجومِه؛ فإن أعتقَهُ بعضُهم لا يصحّ، وإن أعتقوهُ عُتِقَ مجَّاناً)؛ لأنَّهُ لا ينتقلُ من ملكٍ إلى ملك، فلا يصحُّ اعتاقُ بعضِ الورثة، وأمَّا إعتاقُ الكلِّ فنجعلُهُ إبراءً تصحيحاً للعتق، ولا كذلكَ إعتاقُ بعضِ الورثة؛ لأنَّهُ لا يمكنُ جعلُهُ إبراءً للبعضِ تصحيحاً للعتق، فإنَّ إبراءَ البعضِ لا يصحِّحُ العتق، لأنَّهُ لا يعتقُ شيءٌ بإبراءِ البعض. (والله أعلم) (١). * * *

стр. 995

كتاب الولاء هو ميراثٌ يستحقِّهُ المرءُ بسببِ عتقِ شخصٍ في ملكِه، أو بسببِ عقدِ الموالاة. فالولاء، مَن أعتقَ بإعتاقٍ أو بفرعٍ له، أو بمِلْكِ قريبه، فولاؤه لسيِّدِه وإن شرطَ عدمُه، ومَن أعتقَ أمةً زوجُها قِنٌّ، فولدت لأقلَّ من نصفِ حول، فله ولاءُ الولدِ بلا نقلٍ عنه، وكذا لو ولدتْ ولدَيْن أحدُهما لأقلَّ من ذلك كتاب الولاء (هو ميراثٌ يستحقِّهُ المرءُ بسببِ عتقِ شخصٍ في ملكِه، أو بسببِ عقدِ الموالاة. فالولاء) نوعان: ولاءُ العَتاقة، وولاء الموالاة. فابتدأ بولاءِ العتاقةِ فقال: (مَن أعتقَ بإعتاقٍ أو بفرعٍ له): كالكتابة، والتَّدبير، والاستيلاد، (أو بمِلْكِ قريبه): أي بمالكيِّة قريبهِ إيَّاه، (فولاؤه لسيِّدِه وإن شرطَ عدمُه)، فإنَّ ذلك شرطٌ مخالفٌ لمقتضى العقد فينفذُ العتقُ ويبطلُ الشَّرط. فإن قيل: كيف يكونُ الولاءُ في التَّدبيرِ والاستيلاد للسَيِّد، والمدبَّرُ وأمُّ الولدِ إنَّما يعتقان بعدَ موتِ السَّيد؟ قلنا: صورتُهُ: أن يرتدَّ السَيِّدُ ـ (نعوذ باللهِ منها) (١) ـ ويلحقَ بدارِ الحربِ حتَّى يحكمَ بعتقِ مدبَّرِه وأمِّ ولدِه، ثمَّ جاءَ مسلماً فماتَ مدبَّرُه أو أمُّ ولدِه فالولاءُ له. (ومَن أعتقَ أمةً زوجُها قِنٌّ، فولدت لأقلَّ من نصفِ حول): أي من وقتِ الإعتاق، (فله ولاءُ الولدِ بلا نقلٍ عنه): أي إن أعتقَ أبوهُ لا ينتقلُ ولاءُ الولدِ من موالي الأمِّ إلى موالي الأب؛ لأنَّ الحملَ كان موجوداً وقتَ الإعتاق، فإعتاقُهُ وقعَ قصداً فلا ينتقلُ ولاؤه من معتقه. (وكذا لو ولدتْ ولدَيْن أحدُهما لأقلَّ من ذلك): أي ولدتْ الأمةُ المعتقةُ ولدَيْن توأمَيْن بين الإعتاقِ وبين (٢) ولادةِ أحدهما أقلُّ من نصفِ حول، لا ينتقل ولاءُ الولدَيْن أيضاً؛ لأنَّ أحدَ التَّوأمَيْن كان موجوداً وقتَ الإعتاق، فكذا الآخر، والتَّوأمان ولدان (من بطنٍ واحد) (٣) بين ولادتِهما أقلُّ من نصفِ حول.

стр. 996

فإن ولدتْ لأكثرَ منه، فولاءُ الولدِ لسيِّدها، فإن أعتقَ الأبُ جرَّ ولاءَ ابنهِ إلى قومِه، عجميٌّ له مولى الموالات، نكحَ معتقةً فولدت، فولاءُ ولدِها لمولاها، والمعتقُ عصبةٌ قُدِّمَ النَّسبيُّ عليه، وهو على ذي الرحم (فإن ولدتْ لأكثرَ منه، فولاءُ الولدِ لسيِّدها، فإن أعتقَ الأبُ جرَّ ولاءَ ابنهِ إلى قومِه): أي إن ولدتِ الأمَة المعتقة ولداً بين الإعتاقِ وولادتِهِ أكثرُ من نصفِ حولٍ فولاءُ الولدِ لسيِّدِ أمِّهِ بمعنى أنَّ الولدَ إن ماتَ فولاؤه لسيِّدِ الأمّ، فإن أُعتقَ الأبُ قبل موتِ الولدِ صارَ الولدُ بحيث إن ماتَ بعد موتِ الأب، فولاءُ الولدِ يكونُ لمعتقِ الأب، وإنَّما قلنا: قبل موتِ الولد؛ لأنَّ الأبَ إن أُعتقَ بعد موتِ الابن لا ينتقلُ ولاءُ الابنِ إلى موالي الأب، لأنَّ مولى الأمّ استحقَّ ولاءَ الولدِ زمانَ موتِه، وبعد تقرُّرِ ذلك لا ينتقلُ عنه، وإنَّما قلنا: بعد موت الأب؛ لأنَّ الأبَ إذا أعتق، والولد ماتَ قبل موت الأب، فميراثُهُ للأبِ فلا يكونُ ولاؤهُ لمولى الأب. (عجميٌّ له مولى الموالات، نكحَ معتقةً فولدت، فولاءُ ولدِها لمولاها)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁ ومحمَّد ﵁، وأمَّا عند أبي يوسف ﵁ فولاؤه لمولى الأب موالاةً؛ ترجيحاً لجانب الأب، وهما رجَّحا ولاءَ العتاقة وإن كان من جانبِ الأمّ، وإنِّما وضعَ المسألةَ في العجمي؛ لأنَّ ولاءَ الموالاةِ لا يكونُ في العرب؛ لأنَّ لهم شعوباً وقبائل، فلا إرث لمولى الموالاة لتأخّره عن الوارثِ النَّسبي وإن كان من ذوي الأرحام، وأمَّا العجم، فقد ضيَّعوا أنسابهم، فيتصوَّرُ فيهم مولى الموالاة. (والمعتقُ عصبةٌ قُدِّمَ النَّسبيُّ عليه (١)، وهو على ذي الرحم): أي المُعْتِقُ شخصٌ يأخذُ ما بقيَ من صاحبِ الفرض، وكلُّ المالِ له (٢) عند عدمِه، والنسبيُّ: إمَّا عصبةٌ بنفسِه: أي ذَكَرٌ لا فرضَ له ولا يدخل في نسبتِه إلى الميْتِ أُنثى. وإمَّا بغيرِه، وهي أنثى يعصِّبُها ذَكَرٌ. وإمَّا مع غيرِه كالأختِ لأب وأمّ، أو لأب تصيرُ عصبةً مع البنت. وكلُّهم يُقَدَّمُ على المُعتق، والمُعتقُ يقدَّمُ على ذوي الرَّحم: أي مَن لا فرضَ له، ويدخل في نسبته إلى الميْت أنثى.

стр. 997

فإن ماتَ السيّد، ثمَّ المُعتَق، فإرثُهُ لأقرب عصبةِ سيِّدِه، ولا ولاءَ للنِّساء إلاَّ ما أعتقن كما في الحديث (فإن ماتَ السيّد، ثمَّ المُعتَق، فإرثُهُ لأقرب عصبةِ سيِّدِه): أي إن مات السَيِّد، ثمَّ المعتقُ ولا وارثَ له من النَّسب، فإرثُهُ لأقربِ عَصَبةٍ سيِّدِه على التَّرتيب الذي يُعْرَفُ في علم الفرائض. (ولا ولاءَ للنِّساء إلاَّ ما أعتقن كما في الحديث): عبارةُ الحديثِ هذه: «ليس للنِّساء من الولاءِ إلاَّ ما أعتقن، أو أعتق مَن أعتقن، أو كاتبنَ أو كاتبَ مَن كاتبن، أو دبَّرن، أو دَبَّرَ من دبَّرْن، أو جَرَّ ولاءَ معتقهنّ، أو معتق معتقهنّ» (١): أي ليس للنِّساء من الولاءِ إلاَّ ولاءَ مَن أعتقنَه، أو ولاءَ مَن (٢) أعتق مَن أعتقنَه، وأمَّا ولاءُ المدبَّر فقد عرفتَه، ففي مدبِّر المدبِّر يفرضُ ذلك مرَّتين (٣)، ومسألةُ جَرِّ الولاءِ قد مرَّت.

стр. 998

فصل [في ولاء الموالاة] إن أسلمَ رجلٌ على يدِ رجلٍ وولاه، أو غيره على أن يرثَه، ويعقلُ عنه صح، وعقلُهُ عليه وارثُه له، وأُخِّرَ عن ذي الرَّحم، وله النَّقل عنه بمحضرِه إلى غيرِه إن لم يعقلْ عنه، فإن عقلَ عنه، أو عن ولدِه فلا، ولا يوالي معتقٌ أحداً فصل [في ولاء الموالاة] (إن أسلمَ رجلٌ على يدِ رجلٍ وولاه، أو غيره على أن يرثَه، ويعقلُ عنه صحَّ): قوله: إن أسلمَ رجلٌ على يدِ رجلٍ الخ، قيدٌ أُخْرِجَ مخرجَ العادة، وهو ليس بشرطٍ لصحَّة هذا العقد، (وعقلُهُ عليه وارثُه له): أي إن جنى الأسفلُ فديَتُه على المولى الأعلى، وإن ماتَ فأرثُه للأعلى، وهذا عندنا، وعند الشَّافِعِيِّ ﵁ لا اعتبارَ لعقدِ الموالاة. (وأُخِّرَ عن ذي الرَّحم، وله النَّقل عنه بمحضرِه إلى غيرِه إن لم يعقلْ عنه، فإن عقلَ عنه، أو عن ولدِه فلا، ولا يوالي معتقٌ أحداً)، فإنَّ ولاءَ العتاقةِ مقدَّمٌ على ولاءِ الموالاة، فشُرِطَ أن لا يكون معتقاً، وأيضاً من شرطِه أن يكونَ مجهولَ النَّسب، وأن لا يكونَ عربيّاً؛ لأنَّ للعربِ قبائل، فيكون لهم الورثة النَّسبية. (والله أعلم بالصواب) (١). * * *

стр. 999

كتاب الإكراه هو فعلٌ يوقعُهُ المُكْرِه بغيرِه، فيفوتُ به رضاه، أو يفسدُ اختيارُه مع بقاء أهليته كتاب الإكراه (هو فعلٌ يوقعُهُ المُكْرِهُ (١) بغيرِه، فيفوتُ به رضاه، أو يفسدُ اختيارُه مع بقاء أهليته (٢))، يقال: أوقع فلانٌ بفلانٍ ما يسوؤه، ثُمَّ الاكراهُ نوعان: أحدُهما: أن يكونَ مفوِّتاً للرَّضا، وهو أن يكون بالحبس، أو الضرب. والثَّاني: أن يكون مفسداً للاختيار، وهو أن يكونَ التَّهديدَ بالقتل، أو قطعِ العضو. فَفَوت الرِّضا أعمُّ من فسادِ الاختيار، ففي الحبس، أو الضَّرب يفوتُ الرِّضاء، ولكن الاختيار الصَّحيحَ باق، وفي القتل لا رضاءَ، ولكن له اختيار غيرُ صحيح، بل اختيارٌ فاسد. وتحقيقُهُ: إن الرِّضا في مقابلةِ الكراهة، والاختيارَ في مقابلةِ الجبر، ففي الإكراه بالحبسِ والضرب لا شكَّ أنَّ الكراهةَ موجودة، فالرِّضا معدومٌ، لكن الاختيار متحقِّقٌ مع وصفِ الصحَّة، فإنَّ الاختيار إنِّما يفسدُ في مقابلةِ تلفِ النَّفس أو العضو، فإنَّ كلَّ أمرٍ فيه هلاكُ أحدِهما فالامتناعُ عنه مجبولٌ في طبيعةِ جميعِ الحيوانات. ألا تَرَى أنَّ القوةَ الماسكةَ، كيف تمسكُ الإنسانَ، بل جميعَ الحيواناتِ عن الهوى من المكان العالي، ومن الإلقاء في النَّار عند مظنَّةِ التَّلَف، فالامتناعُ عنه وإن كان اختيارياً، فهو اختيارٌ صورةً قريبٌ من الجبر، فكذا في الإكراه عند خوفِ تَلَفِ النفس أو العضو اختيارُ الامتناع عمَّا فيه مظنَّةُ الهلاكِ اختيارٌ فاسد؛ لأنَّ الإنسانَ عليه مجبورٌ من حيث إنَّ الطَّبعَ عليه مجبول، ومع ذلك الأهليةُ باقيةٌ في المُلْجئ، وغير المُلْجئ (٣) لتحقُّق العقل والبلوغ.

стр. 1000

وشرطُهُ: قدرةُ المُكْرِهِ على إيقاعِ ما هدَّدَ به سُلطاناً كان، أو لصَّاً، وخوفُ المُكْرَهِ إيقاعُه، وكونُ المُكْرَهِ به مُتلفاً نفساً، أو عضواً، أو مُوجباً غمَّاً يعدمُ الرِّضاء، والمُكْرَهُ ممتنعاً عمَّا أُكْرِهَ عليه قبلَهُ لحَقِّه، أو لحَقِّ آخر، أو لِحَقِّ الشَّرع، فلو أُكْرِهَ بقتلٍ أو ضربٍ شديد، أو حبسٍ حتَّى باع، أو اشترى، أو أقرَّ، أو أجَّرَ فَسَخَ أو أمضى، ويملكُهُ المشتري إن قبضَ فيصحُّ إعتاقُه، ولَزِمَهُ قيمتُه (وشرطُهُ: قدرةُ المُكْرِهِ على إيقاعِ ما هدَّدَ به سُلطاناً كان، أو لصَّاً)، روي عن أبي حنيفةَ ﵁ أنَّ الإكراهَ لا يتحقَّقُ إلاَّ من السُّلطان، فكأنَّه قال ذلك بناءً على ما كان واقعاً في عصره. (وخوفُ المُكْرَهِ إيقاعُه): أي يغلبُ على ظنِّهِ أنَّ المُكْرِهَ يوقِعُه. (وكونُ المُكْرَهِ به مُتلفاً نفساً، أو عضواً، أو مُوجباً غمَّاً يعدمُ الرِّضاء)، اعلم أنَّ هذا يختلفُ باختلاف النَّاس، فإنَّ الأراذلَ رُبَّما لا يَغْتَمُّونَ بالضَّرب أو الحبس، فالضَّربُ اللَّيِّنُ لا يكون إكراهاً في حقِّهم، بل الضَّربُ المُبرِح، وكذا الحبسُ إلاَّ أن يكونَ حبساً مديداً يتضَّجِرُ منه، والأشراف يغتمُّونَ بكلامٍ فيه خشونة، فمثلُ هذا يكونُ إكراهاً لهم. (والمُكْرَهُ ممتنعاً عمَّا أُكْرِهَ عليه قبلَهُ لحَقِّه): كبيعِ ماله، أو إتلافِه، أو إعتاقِ عبده، (أو لحَقِّ آخر): كإتلافِ مال الغير، (أو لِحَقِّ الشَّرع): كشرب الخمر، والزِّنا. (فلو أُكْرِهَ بقتلٍ أو ضربٍ شديد (١)، أو حبسٍ حتَّى باع، أو اشترى، أو أقرَّ، أو أجَّرَ فَسَخَ أو أمضى)، فإنّ هذه العقودَ يشترطُ فيها الرِّضا، فالإكراهُ الذي يَعْدِمُ الرِّضاء، وهو غيرُ المُلْجِئ يمنعُ نفاذَها لكنَّها تنعقد، وله الخيارُ في الفسخِ والامضاء. (ويملكُهُ المشتري إن قبضَ فيصحُّ إعتاقُه، ولَزِمَهُ قيمتُه)؛ لأنَّ بيعَ المُكْرَه عندنا بيعٌ فاسد؛ لأنَّ ركنَ البيعِ (٢) صدرَ من أهلِه في محلِّه، والفسادُ لفواتِ الوصف، وهو الرِّضا، والمبيعُ بيعاً فاسداً يملكُ بالقبض، فلو قَبَضَ وأعتق، أو تَصَرَّفَ تصرُّفاً لا ينقضُ ينفذُ خلافاً لزفر ﵁، إذ هو عنده بيعٌ موقوف، والموقوفُ قبل الإجازةِ لا يفيدُ الملك.

стр. 1001

فإن قبضَ ثمنَه، أو سَلَّمَ طوعاً نَفَذَ، وإن قبضَه مُكْرَهاً لا وردَّهُ إن بقي، فلو أُكْرِهَ البائعُ لا المشتري، وهَلَكَ المبيعُ في يده ضَمِنَ قيمتَه للبائع، وله أن يضمِّنَ أيَّاً شاء، فإن ضمَّنَ المُكْرِهُ رجع على المشتري بقيمتِه، وإن ضَمَّنَ المشتري نَفَذَ كلُّ شراءٍ بعدَهُ لا ما قبلَه (فإن قبضَ ثمنَه، أو سَلَّمَ طوعاً نَفَذَ، وإن قبضَه مُكْرَهاً لا وردَّهُ إن بقي)، لم يذكرْ في «الهداية»: حُكْمَ التَّسليم مُكْرَهاً (١)، لكن ذُكِرَ في أصول الفقه: أنّ الإكراهَ إذا كان على البيعِ والتَّسليم يكونُ التَّسليمُ مقتصراً على الفاعل، ولم يجعلِ الفاعلُ آلةً للحامل في التَّسليم؛ لأنَّه حملَهُ على تسليمِ المبيع، ولو جُعِلَ آلةً له يصيرُ تسليم المغصوب (٢)، فإذا كان التَّسليمُ مقتصراً على الفاعل، ينبغي أن ينفذ، ويجبُ القيمة. فإن قلت: يُشْكِلُ بقبضِ الثَّمن، فإنّ الفاعلَ لا يمكن أن يكونَ آلةً فيه، ومع ذلك لا ينفذُ فيه. قلت: لا يلزمُ هنا من جعلِهِ آلةً تغيُّر الفعلِ الذي أكرِهَ عليه بخلاف تسليم المبيع. (فلو أُكْرِهَ البائعُ لا المشتري، وهَلَكَ المبيعُ في يده): أي في يدِ المشتري، (ضَمِنَ قيمتَه للبائع، وله أن يضمِّنَ أيَّاً شاء، فإن ضمَّنَ المُكْرِهُ رجع على المشتري بقيمتِه (٣) (٤)، وإن ضَمَّنَ المشتري نَفَذَ كلُّ شراءٍ بعدَهُ لا ما قبلَه)، فقولُهُ: ضَمِنَ قيمتَه للبائع: أي ضَمِنَ المشتري، بمعنى أنَّ إقرارَ الضَّمان عليه. وله: أي للبائع، وهو المُكْرَهُ ـ بالفتح ـ أن يضمِّنَ أيَّاً شاءَ من المكرِهِ بالكسر، ومن المشتري، فإن ضَمَّنَ المُكْرِهَ رجعَ على المشتري، وإن ضَمَّنَ المشتري نَفَذَ كُلُّ شراءٍ

стр. 1002

فإن أُكْرِهَ على أكلِ ميتة، أو دَم، أو لحمِ خِنْزير، أو شُربِ خمر بحبس، أو ضرب، أو قيدٍ لم يحلّ، وبقتلٍ أو قطع حلَّ، فإن صَبَرَ فقتلَ أَثِمَ كما في المَخْمَصة. وعلى الكفرِ بقتل، أو قطع، رُخِصَ له أن يظهرَ ما أُمِرَ به، وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان، وبالصَّبر أجر، ولم يُرَخَّصْ بغيرهما بعدَه لا ما قبلَه، فإنَّ المشتري أعمُّ من أن يكونَ مشترياً أوَّلاً، أو أو مشترياً ثانياً، أو ثالثاً لو تناسخت العقود، فإنَّه إن ضَمَّنَ المشتري الثَّاني القيمةَ يصيرُ ملكاً له، فينفذُ كلَّ شراءٍ بعد ذلك الشِّراء، ولا ينفذُ الشِّراء الذي قبلَه، فيرجعُ المشتريُ الضَّامنُ بالثَّمنِ على بائعِه، ثُمَّ هذا البائعُ بالثَّمنِ على بائعِه، وهذا بخلافِ ما إذا أجازَ المالك أحدَ العقودِ حيث ينفدُ الجميع؛ لأنَّهُ أسقط حقَّه، وهو المانع، فعادَ الكلُّ إلى الجواز، وفي الضَّمان يَثْبُتُ الملكُ المستند، ويستندُ إلى حينِ العقدِ لا قَبْلَه (١). (فإن أُكْرِهَ على أكلِ ميتة، أو دَم، أو لحمِ خِنْزير، أو شُربِ خمر بحبس، أو ضرب، أو قيدٍ لم يحلّ، وبقتلٍ أو قطع حلَّ)؛ لأن هذه الأشياءَ مستثناةٌ عن الحرمةِ في حالِ الضَّرورة، والاستثناءُ عن الحرمةِ حلّ، ولا ضرورةَ في إكراهِ غيرِ مُلْجِئ. (فإن صَبَرَ فقتلَ أَثِمَ كما في المَخْمَصة (٢). وعلى الكفرِ بقتل، أو قطع، رُخِصَ له أن يظهرَ ما أُمِرَ به، وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان وبالصَّبر أجر، ولم يُرَخَّصْ بغيرهما): أي بغيرِ القتل، والقطع، رُوِي أن خبيباً (٣) ﵁ وعمَّاراً ﵁ ابتليا بذلك فصبرَ خبيبٌ حتَّى صُلِب، فسمَّاه النَّبيُّ ﷺ : «سيِّدَ الشُّهداء» (٤)

стр. 1003

......................................................................... ........................ .. وأظهرَ عمَّارٌ (١) وكانَ قلبُهُ مطمئناً بالإيمان، فقال رسول الله ﷺ : «فإن عادوا فعد» (٢).

стр. 1004

ورُخِّصَ له إتلافُ مالِ مسلمٍ بهما، وضُمِّنّ المُكْرِهُ لا قتله، ويقادُ المُكْرِهُ فقط، وصحَّ نكاحُهُ وطلاقُه وعتقُه، ورجعَ بقيمةِ العبد، ونصفِ المسمَّى أن لم يطأ والفرقُ بين هذا وبين شربِ الخمرِ أنّ شربَ الخمرِ يحلُّ عند الضَّرورة، والكفرُ لا يحلُّ أبداً فيرخَّصُ إظهارُهُ مع قيامِ دليلِ الحرمة؛ لأنَّ حقَّه يفوتُ بالكليَّة، وحقُّ اللهِ تعالى لا يفوتُ بالكليَّة؛ لأنَّ التَّصديقَ بالقلبِ باق (١). (ورُخِّصَ له إتلافُ مالِ مسلمٍ بهما): أي بالقتلِ والقطع، (وضُمِّنّ المُكْرِهُ) ـ بكسر الراء ـ إذ في الأفعالِ يصيرُ الفاعلُ آلةً للحامل، (لا قتله)، فإنَّ قتلَ المسلمِ لا يَحِلُّ بالضَّرورة، (ويقادُ المُكْرِهُ فقط): أي إن كان القتلُ عمداً فعند أبي حنيفة ﵁ ومحمَّد ﵁ القصاصُ على الحامل؛ لأنَّ الفاعلَ يصيرُ آلة له، وعند زُفَرَ ﵁ على الفاعل؛ لأنَّه مباشر، ولا يحلُّ له القتل، وعند أبي يوسفَ ﵁ لا يجبُ على أحدٍ للشُّبْهة، وعند الشَّافِعِيِّ ﵁ يَجِبُ عليهما على الفاعلِ بالمباشرة، وعلى الحاملِ بالتَّسبيب، والتَّسبيبُ عنده كالمباشرة: كشهودِ القصاص (٢). (وصحَّ نكاحُهُ وطلاقُه وعتقُه): أي إعتاقُه، فإنّ هذه العقودَ تصحُّ عندنا مع وجودِ الإكراه؛ قياساً على صحَّتِها مع الهزل، وعند الشَّافِعِيِّ ﵁ لا تصح، (ورجعَ بقيمةِ العبد، ونصفِ المسمَّى أن لم يطأ): أي يَرْجِعُ المُكْرَهُ على مَن أكرهَهُ في صورة الإكراهِ بالإعتاقِ بقيمة العبد؛ لأنَّ الإعتاقَ من حيث أنَّه إتلافٌ يضافُ إلى الحامل؛ لأنَّ الإتلافَ فعل، فيمكنُ فيه جعلُ الفاعلِ آلةً للحامل، وإن لم يمكن ذلك في القول (٣).

стр. 1005

ونذرُه، ويمينُه، وظهارُه، ورجعتُه، وإيلاؤُه، وفيؤهُ فيه، وإسلامُهُ بلا قتلٍ لو رَجَع، لا إبراؤه مديونَه أو كفيلَه، وردَّتُه فلا تَبِينُ عرسُه، ولو زنى يحدُّ إلا ويرجعُ عليه في الإكراه بالطَّلاق بنصفِ المسمَّى إن لم يوجدِ الدُّخول؛ لأنَّ نصفَ المسمَّى في مَعْرِضِ السُّقُوط بأن تجيءَ الفرقةُ من قِبَلِ المرأة، فيتأكَّدُ بالطَّلاقُ (١) قبلَ الدُّخولِ فمن هذا الوجهِ يكونُ إتلافاً فيضافُ إلى الحامل، بجعلِ الفاعلِ آلةً له بخلافِ ما بعد الدُّخول؛ لأنَّ المهرَ تقرَّرَ بالدُّخول (٢). ولقائلٍ أن يقولَ: المهرُ يجبُ بالعقد، والطَّلاقُ شرطُه، والحكمُ لا يضافُ إليه، وأيضاً سقوطُهُ بالفرقةِ مجرَّدُ وهم، فلا اعتبارَ له. (ونذرُه، ويمينُه، وظهارُه، ورجعتُه، وإيلاؤُه، وفيؤهُ فيه، وإسلامُهُ بلا قتلٍ لو رَجَع)، الأصل عندنا أن كلَّ عقدٍ لا يحتملُ الفسخَ فالإكراهُ لا يمنعُ نفاذَه، وكذلك كلُّ ما ينفذُ مع الهزل ينفذ مع الإكراه، والإسلام إنِّما يصحُّ مع الإكراه؛ لقولِه ﷺ : «أُمِرْتُ أن أقاتلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا لا إله إلا الله» (٣)، فالإسلامُ يصحُّ مع خوفِ القتل، لكن إذا أسلمَ المُكْرَهُ، ثُمَّ ارتدَّ لا يقتلُ لتمكّنِ الشُّبْهة في إسلامه. (لا إبراؤه مديونَه أو كفيلَه (٤)، وردَّتُه فلا تَبِينُ عرسُه … (٥)، ولو زنى يحدُّ إلا إذا

стр. 1006

أكرهَهُ السَّلطان أكرهَهُ السَّلطان)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وعندهما لا يحدّ. أقول: كونُ الإكراه مسقطاً للحدِّ متفقٌ عليه فيما بينهم، بل هذا الاختلافُ إنِّما هو في تحقُّقِ الإكراهِ من غيرِ السُّلطان، فإنَّ عند أبي حنيفةَ ﵁ الإكراهَ لا يتحقَّقُ من غيرِ السُّلطان، فالزِّنا لا (يمكنُ أن) (١) يكونُ مع الإكراه فيحدّ، وإذا أَكْرَهَهُ السُّلطان فزَنَى لا يحدُّ لوجودِ الإكراه هنا، وعندهما الإكراه يتحقَّقُ من السَّلطان وغيرِه، فلا يحدُّ في الصُّورتين. * * *

стр. 1007

كتاب الحجر هو منعُ نفاذِ تصرُّفٍ قولي، وسببُهُ: الصِّغرُ، والجنونُ، والرِّقّ. فلم يصحَّ طلاقُ صبيٍّ ومجنونٍ غلب، وعتقُهُما، وإقرارُهما. وصحَّ طلاقُ العبدِ وإقرارُهُ في حقِّ نفسِهِ لا في حقِّ سيِّدِه فلو أقرَّ بمالٍ أُخِّرَ إلى عتقِه، وبحدٍّ وقَوَد عُجِّل، ومَن عقدَ منهم وهو يعقلُهُ أجازَ وليُّهُ أو ردّ كتاب الحجر (هو منعُ نفاذِ تصرُّفٍ قولي)، إنَّما قال هذا؛ لأنَّ الحَجْرَ لا يتحقَّقُ في أفعالِ الجوارح، فالصَّبيُّ إذا أتلفَ مالَ الغيرِ يجبُ الضَّمان، وكذا المجنون. (وسببُهُ: الصِّغرُ، والجنونُ، والرِّقّ. فلم يصحَّ طلاقُ صبيٍّ ومجنونٍ غلب): أي (١) المجنونُ المغلوب: هو الذي اختلطَ عقلُهُ بحيثُ يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهجِ العقلِ إلا نادراً، وغيرُ المغلوبِ هو الذي يختلطُ كلامُهُ فيشبُهُ كلامُهُ مرَّة كلامَ العقلاء، ومرَّة لا، وهو المعتوه (٢)، وسيجيءُ حكمُهُ (٣)، (وعتقُهُما): أي إعتاقُهما، (وإقرارُهما. وصحَّ طلاقُ العبدِ وإقرارُهُ في حقِّ نفسِهِ لا في حقِّ سيِّدِه فلو أقرَّ): أي العبدُ المحجور، (بمالٍ أُخِّرَ إلى عتقِه، وبحدٍّ وقَوَد عُجِّل)، فإنَّهُ في حقِّ دمِهِ مبقىً على أصلِ الآدميَّة حتى لا يصحَّ إقرارُ مولاهُ بذلك عليه. (ومَن عقدَ منهم وهو يعقلُهُ أجازَ وليُّهُ أو ردّ)، قوله: منهم يرجعُ إلى الصَّبيِّ والعبدِ والمجنون، فإنَّ المجنونَ قد يعقلُ البيعَ والشِّراءَ ويقصدهما، وإن كان لا يرجِّحُ المصلحةَ على المفسدة، وهو المعتوهُ الذي يصلحُ وكيلاً عن الغير، والمرادُ بالعقدِ في قوله: ومَن عقدَ منهم: العقودُ الدَّائرةُ بينَ المنفعةِ والمضرَّة، بخلافِ الاتِّهاب، فإنَّهُ يصحُّ بلا إجازةِ الوليّ، وبخلافِ الطَّلاقِ والعتاق، فإنَّهما لا يصحَّانِ وإن أجاز الولي.

стр. 1008

وإن أتلفوا شيئاً ضمنوا، ولا يُحْجَرُ حرٌّ مكلَّفٌ بِسَفِهٍ وفسقٍ ودَيْن، بل مفتٍ ماجنٍ، وطبيبٍ جاهلٍ، ومكَّارٍ مفلس، فإن بلغَ غيرَ رشيدٍ لم يُسَلَّمْ إليه مالُه، حتّى يبلغَ خمساً وعشرينَ سنة، وصحَّ تصرُّفُهُ قبلَهُ وبعده يسلَّمُ إليه ولو بلا رشدٍ (وإن أتلفوا شيئاً ضمنوا)؛ لما بيَّنا أنَّهُ لا حجْرَ في أفعالِ الجوارح. (ولا يُحْجَرُ حرٌّ مكلَّفٌ بِسَفِهٍ (١) وفسقٍ ودَيْن، .... (٢))، هذا عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما وعندَ الشَّافعي (٣) ﵁ يُحْجَرُ على السَّفيه، وأيضاً إذا طلبَ غرماءُ المفلسِ الحجرَ عليه حَجَرَه القاضي ومنعَهُ من البيعِ والإقرار، وعندهما وعند الشَّافعيّ (٤) ﵁ يُحْجَرُ على الفاسقِ زجراً له، (بل مفتٍ ماجنٍ، وطبيبٍ جاهلٍ، ومكَّارٍ مفلس)، اعلم أنَّ أبا حنيفة ﵁ يرى الحجرَ على هؤلاءِ الثَّلاثةَ دفعاً لضررِهم عن النَّاس، فالمفتي الماجن: هو الذي يعلِّمُ النَّاسَ الحيل، والمكاري المفلسُ: هو الذي يُكاري الدَّابةَ ويأخذُ الكراءَ فإذا جاءَ أوانُ السَّفرِ لا دابَّةَ لهُ فانقطعَ المُكْتَري عن الرِّفقة. (فإن بلغَ غيرَ رشيدٍ لم يُسَلَّمْ إليه مالُه، حتّى يبلغَ خمساً وعشرينَ سنة، وصحَّ تصرُّفُهُ قبلَهُ وبعده يسلَّمُ إليه ولو بلا رشدٍ (٥))، اعلم أنَّ الصَّبيَّ إذا بلغَ غيرَ رشيدٍ لم يسلَّمْ إليه مالُهُ اتِّفاقاً، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٦)، إلى قولِه: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا﴾ (٧)، فأبو حنيفةَ ﵁ قدَّر الإيناسَ بالزَّمانِ وهو خمسٌ وعشرونَ سنة، فإنَّ هذا سنٌّ إذا بلغَهُ المرءُ يمكنُ أن يصيرَ جدَّاً؛ لأنَّ أدنى مدَّة البلوغِ اثنا عشر حولاً، وأدنى مدَّةُ الحملِ ستَّةُ أشهر، ففي هذا المبلغِ يمكنُ أن يولدَ لهُ ابنٌ، ثمَّ في ضعفِ هذا المبلغِ يمكنُ أن يولدَ لابنِهِ ابنٌ، فالظَّاهرُ أنَّ يؤنسَ منهُ رشدٌ ما في سنِّ خمسٍ

стр. 1009

وحبس القاضي المديون ليبيعَ مالَهُ لدينِه، وقضى دراهمَ دينِهِ من دراهمِه، وباعَ دنانيرَهُ لدراهمَ دينِه، وبالعكسِ استحساناً، لا عرضَهُ وعقارَه، ومَن أفلسَ ومعه عرضٌ شراهُ فبائعُهُ أسوةٌ للغرماء. فصل بلوغُ الغلامِ: بالاحتلام، والإحبال، والإنزال، والجاريةِ: بالاحتلام، والحيض، وعشرين، فيدفعُ فيه إليه أموالَهُ وقبلَ هذا السِّنِّ إن تصرَّفَ في مالِهِ بيعاً أو شراءً أو نحوهما يصحُّ تصرفُهُ عند أبي حنيفة ﵁. وقالا: لا يصحّ؛ لأنَّهُ لو صحَّ لم يكنْ منعُ المالِ عنه مفيداً. قلنا: بل يفيد؛ لأنَّ غالبَ تبذيرِ السُّفهاءِ بالهبة، فمنعُ المالِ يمنعُ الهبة، ثمَّ بعد خمسٍ وعشرينَ سنةٍ يسلَّمُ إليهِ مالُهُ وإن لم يؤنسُ منهُ رشدٌ عندَ أبي حنيفة ﵁، فإنَّ هذا السِّنَّ مظنَّةُ الرُّشدِ فيدورُ الحكمُ معها. (وحبس القاضي المديون): أي الحرَّ المديون، (ليبيعَ مالَهُ لدينِه، وقضى دراهمَ دينِهِ من دراهمِه، وباعَ دنانيرَهُ لدراهمَ دينِه، وبالعكسِ استحساناً)، اعلمْ أنَّ القياسَ أن لا يبيعَ الدَّراهم لأجلِ دنانيرِ الدَّين، ولا الدَّنانير لأجلِ دراهمِ الدَّين؛ لأنَّهما مختلفان، لكن في الاستحسان أن (١) يباعَ كلٌّ واحدٍ لأجلِ الآخر؛ لأنَّهما متَّحدانِ في الثَّمنية، (لا عرضَهُ وعقارَه)، خلافاً لهما، فإنَّ المفلسَ إذا امتنعَ من بيعِ العرضِ والعقارِ للدَّين، فالقاضي يبيعهما ويقضي دينَهُ بالحصص (٢). (ومَن أفلسَ ومعه عرضٌ شراهُ فبائعُهُ أسوةٌ للغرماء): أي أفلسَ ومعه عرضٌ شراه، ولم يؤدِّ الثَّمن، فبائعُهُ أسوةٌ للغرماء، وقال الشَّافعيّ ﵁: يحجرُ القاضي على المشتري بطلبِه، ثمَّ للبائعِ خيارُ الفسخ. فصل (بلوغُ الغلامِ: بالاحتلام، والإحبال، والإنزال، والجاريةِ: بالاحتلام، والحيض

стр. 1010

والحبل، فإن لم يوجدْ فحتَّى يتمَّ له ثماني عشرةَ سنة، ولها سبعَ عشرَ سنة، وقالا فيهما: بتمامِ خمس عشرة سنة، وبه يفتى، وأدنى مدَّةٍ له إثنا عشرة سنة ولها تسع سنين، فإن راهقا فقالا: بلغنا صدِّقا، وهما كالبالغِ حكماً والحبل، فإن لم يوجدْ فحتَّى يتمَّ له ثماني عشرةَ سنة، ولها سبعَ عشرَ سنة، وقالا فيهما: بتمامِ خمس عشرة سنة، وبه يفتى (١)، وأدنى مدَّةٍ له إثنا عشرة سنة ولها تسع سنين، فإن راهقا فقالا: بلغنا صدِّقا، وهما كالبالغِ حكماً). * * *

стр. 1011

كتاب المأذون الإذنُ فكُّ الحجرِ وإسقاطُ الحقّ، ثمَّ يتصرَّفُ العبدُ لنفسِهِ بأهليتِه، فلم يرجعْ بالعهدةِ على سيِّدِه، ولم يتوقَّت، فعبدٌ أُذِنَ يوماً مأذون حتى يُحْجَرَ عليه، ولم يتخصَّصْ بنوع، فإن أذنَ في نوعٍ عمَّ إذنُهُ في الأنواع كتاب المأذون (الإذنُ فكُّ الحجرِ وإسقاطُ الحقّ)، اعلمْ أنَّ الأصلَ في الإنسانِ أن يكون مالكاً للتَّصرُّفات، فإذا عرضَ له الرِّقُّ وتعلَّقَ به حقُّ المولى صارَ مانعاً؛ لكونِهِ مالكاً للتَّصرُّف، فإذا أسقطَ المولى حقَّهُ المانعِ عن التَّصرُّفِ وأزالَ حجْرَه: أي منعَه عن التَّصرُّفِ فهو الإذنُ، هذا عندنا، وعندَ الشَّافِعِيِّ (١) ﵁ هو توكيلٌ وإنابة. (ثمَّ يتصرَّفُ العبدُ لنفسِهِ بأهليتِه)، فإنَّهُ ليس بتوكيل، والوكيلُ هو الذي يتصرَّفُ لغيرِه، فقوله: ثمَّ يتصرَّفُ عطفٌ على محذوف، فإنَّ قولَه: الإذنُ فكُّ الحَجْر معناه: إذا أذنَ المولى ينفكُّ العبدُ عن الحجر، فعطفٌ على قولِه: ينفكُّ قولُهُ: ثمَّ يتصرَّف. (فلم يرجعْ بالعهدةِ (٢) على سيِّدِه)، هذا تفريعٌ على أنَّهُ يتصرَّفُ لنفسِه، فإنَّه إذا اشترى شيئاً لا يطلبُ الثَّمنَ من المولى لكونِهِ مشترياً لنفسِه، بخلافِ الوكيلِ فإنَّهُ يطلبُ الثَّمنَ من الموكِّل؛ لأنَّهُ اشترى للموكِّل. (ولم يتوقَّت): هذا تفريعٌ على أنَّهُ إسقاطُ الحقِّ لا توكيل، فإنَّ الإسقاطَ لا يتوقَّت، والتَّوكيل يتوقَّت. (فعبدٌ أُذِنَ يوماً مأذون حتى يُحْجَرَ عليه، ولم يتخصَّصْ بنوع، فإن أذنَ في نوعٍ عمَّ إذنُهُ في الأنواع)، هذا تفريعٌ على أنَّهُ فكُّ الحجر، وليسَ بتوكيل؛ لأنَّ فكَّ الحجرِ هو الإطلاقِ عن القيد، فلا يتخصَّصُ بتصرُّف، وفيه خلافُ الشَّافعيّ ﵁، والمرادُ أنَّهُ إذا أذن في نوعٍ من التِّجارةِ عمَّ إذنُهُ في الأنواع، وكذا إذا قيل: اقعدْ صبَّاغاً،

стр. 1012

ويثبتُ: دلالةً، فعبدٌ رآهُ سيِّدُهُ يبيعُ ويشترى وسكتَ مأذونٌ، وصريحاً، فلو أذنَ مطلقاً صحَّ كلُّ تجارةٍ منه، فيبيعُ ويشتري، ولو بغُبْنٍ فاحش، ويوكِّل بهما، ويرهن، ويرتهن، ويتقبَّلُ الأرض، ويأخذُها مزارعةً ويشتري بذراً يزرعُه، ويشاركُ عناناً، ويدفعُ فإنَّهُ إذنٌ بشراءٍ ما لا بدَّ لهذا العملِ فيعمّ، وكذا إذا قيل: أدّ إليَّ الغُلَّةَ كلَّ شهرٍ كذا، بخلافِ ما إذا أُذِنَ بشراءِ شيءٍ معيَّن، فإنَّ هذا استخدامٌ لا إذن. (ويثبتُ: دلالةً، فعبدٌ رآهُ سيِّدُهُ يبيعُ ويشترى وسكتَ مأذونٌ) (١)، هذا عندنا خلافاً لزفرَ ﵁ والشَّافعي (٢) ﵁، وإنِّما يكونُ مأذوناً دفعاً للغرور، (وصريحاً (٣)، فلو أذنَ مطلقاً صحَّ كلُّ تجارةٍ منه) إجماعاً، فإنَّ تخصيصَ الشَّيءَ بالذكرِ في الرِّواياتِ إن دلَّ على نفي الحكمِ عمَّا عداهُ فتعميمُ التِّجارةِ إجماعاً يختصُّ بما إذا أطلق، أمَّا إذا قيَّدَ فعندنا يَعُمُّ التِّجاراتِ خلافاً للشَّافعيّ ﵁. (فيبيعُ ويشتري، ولو بغُبْنٍ فاحش)، ولا يصحُّ عندهما بغبنٍ فاحشٍ؛ لأنَّهُ تبرُّعٌ (٤) دلالة (٥)، وله: إنَّهُ من بابِ التَّجارة (٦)، (ويوكِّل بهما، ويرهن، ويرتهن، ويتقبَّلُ الأرض): أي يأخذُها قبالةً بالاستئجارِ والمساقاة، (ويأخذُها مزارعةً ويشتري بذراً يزرعُه، ويشاركُ عناناً)، إنَّما قال: عناناً احترازاً عن المفاوضة، (ويدفعُ

стр. 1013

المالَ ويأخذُهُ مضاربة، ويستأجر، ويؤجِّرُ نفسه، ويقرُّ بوديعةٍ وغصبٍ ودينٍ ويهدي طعاماً يسيراً، ويضيِّفُ مَن يطعمُه، ويحطُّ من الثَّمنِ بعيبٍ قدراً عهدا. ولا يتزوَّجُ ولا يزوِّجُ رقيقَه، ولا يكاتبُه، ولا يعتقُ أصلاً، ولا يقرضُ، ولا يهبُ ولو بعوض. وقالوا: لا بأسَ للمرأةِ أن تتصدَّقَ بشيءٍ يسيرٍ من بيتِ زوجها، وكلُّ دينٍ وجبَ بتجارتِه، أو بما هو في معناها؛ كبيعٍ وشراءٍ وإجارةٍ وإستئجار، وغرم وديعة، وغصب، وأمانةٍ جحدها، وعقرٍ وجبَ بوطء مشريةٍ بعد المالَ ويأخذُهُ مضاربة، ويستأجر): أي يستأجرُ شيئاً كالأجير والبيتِ وغيرهما، (ويؤجِّرُ نفسه): هذا عندنا خلافاً للشَّافعي (١) ﵁. (ويقرُّ بوديعةٍ (٢) وغصبٍ ودينٍ ويهدي طعاماً يسيراً، ويضيِّفُ مَن يطعمُه، ويحطُّ من الثَّمنِ بعيبٍ قدراً عهدا (٣). (ولا يتزوَّجُ) (٤) ولا يزوِّجُ رقيقَه)، وعند أبي يوسفَ ﵁ يزوِّجُ الأمة؛ لأنَّه تحصيلُ المال، لهما: إنَّهُ ليس من التَّجارة، (ولا يكاتبُه، ولا يعتقُ أصلاً، ولا يقرضُ، ولا يهبُ ولو بعوض. وقالوا: لا بأسَ للمرأةِ أن تتصدَّقَ بشيءٍ يسيرٍ): (كالرَّغيفِ مثلاً) (٥)، (من بيتِ زوجها)، هذه المسألةُ ليست من هذا البابِ لكنَّها ذكرتُ للمناسبة، فإنَّ المرأةَ مأذونةٌ عادةً بهذا. (وكلُّ دينٍ وجبَ بتجارتِه، أو بما هو في معناها؛ كبيعٍ وشراءٍ (٦) وإجارةٍ وإستئجار، وغرم وديعة، وغصب، وأمانةٍ جحدها، وعقرٍ وجبَ بوطء مشريةٍ بعد

стр. 1014

الاستحقاقِ يتعلَّقُ برقبتِهِ يباعُ فيه، ويقسمُ ثمنُهُ بالحصص، وبكسبِهِ حصلَ قبلَ الدَّينِ أو بعده وبما اتَّهبَ، لا بما أخذه سيِّدُهُ منه قبل الدَّين، وطولبَ بما بقيَ بعد عتقِه، وللسَّيدِ أخذُ غلَّةِ مثلِهِ مع وجودِ دين، وما زادَ للغرماء، وينحجرُ إن أبق، أو ماتَ سيِّدُه، أو جُنَّ مطبقاً، أو لحقَ بدارِ الحرب مرتدّاً، أو حُجِرَ عليه بشرطِ أن يعلمَ هو وأكثرُ أهلِ سوقِه، والأمةُ إن استولدَها، لا إن دبَّرها، وضمنَ قيمتَهما للغريم الاستحقاقِ يتعلَّقُ برقبتِهِ يباعُ فيه، ويقسمُ ثمنُهُ بالحصص، وبكسبِهِ حصلَ قبلَ الدَّينِ أو بعده وبما اتَّهبَ): أي بما وهب له، فقبلَ الهبة، هذا عندنا، وقال زفرُ ﵁ والشَّافعيّ (١) ﵁: لا يباعُ هو في الدَّينِ لكن يباعُ كسبُه؛ لأنَّ غرضَ المولى تحصيلُ مالٍ لم يكن، لا فوتُ ما قد كان، ولنا: أنَّ الدَّينَ ظهرَ في حقِّ المولى، فيتعلَّقُ برقبتِهِ دفعاً للضَّررِ عن النَّاس. (لا بما أخذه سيِّدُهُ منه قبل الدَّين، وطولبَ بما بقيَ بعد عتقِه): أي إذا قضى دينَهُ من ثمنِ رقبتِهِ إذا بيعت، ومن كسبِه، فإن بقيَ شيءٌ من الدَّينِ طولبَ به إذا عتق. (وللسَّيدِ أخذُ غلَّةِ مثلِهِ مع وجودِ دين، وما زادَ للغرماء، وينحجرُ إن أبق)، هذا عندنا، وعند الشَّافِعِيّ (٢) ﵁: لا ينحجر؛ لأنَّ الإباقَ لا ينافي الإذن، فإنَّهُ يصحُّ إذنُ الآبق، ولنا: إنَّ دلالةَ الحجرِ قائمة؛ لأنَّ المولى لا يرضى بإسقاطِ حقِّهِ حالَ تمرُّدِه، أمَّا إذا أذنَهُ صريحاً فهو يفوِّتُ دلالةَ الحجر (٣). (أو ماتَ سيِّدُه، أو جُنَّ مطبقاً، أو لحقَ بدارِ الحرب مرتدّاً، أو حُجِرَ عليه بشرطِ أن يعلمَ هو وأكثرُ أهلِ سوقِه)، دفعاً للغرور عن النَّاس. (والأمةُ إن استولدَها): أي تنحجرُ الأمةُ إن استولدها عندنا، وعند زفرَ ﵁: لا تنحجرُ؛ لأنَّهُ يجوزُ إذنُ المستولدة، قلنا: فيه دلالةُ الحجر، إذ الظَّاهرُ أنَّهُ لا يرضى أن تخرجَ وتعاملَ مع النَّاس، لكن إذا أذنَها صريحاً فالصَّريحُ يفوِّتُ دلالةَ الحجر. (لا إن دبَّرها (٤)، وضمنَ قيمتَهما للغريم): أي في صورةِ الاستيلادِ والتَّدبير إن

стр. 1015

ولو حُجِرَ فأقرَّ أنَّ ما معه أمانةٌ أو غصب، أو أقرَّ بدينٍ عليه صحّ، ولو شملَ دينُهُ مالَه ورقبتَهُ لم يملكْ سيِّدُه ما معه، فلم يعتقْ عبدٌ كَسِبَهُ بإعتاقِ سيِّدِه، وعتقَ إن لم يُحِطْ دينُه، ويبيعُ من سيِّدهِ بمثلِ القيمةِ لا بأقّل، وسيِّدُه منه بمثلها أو بأقل، فلو باعَ بالأكثرِ حطَّ الفضل، أو نقضَ البيع كان على المستولدةِ وعلى المدبَّرةِ دينٌ محيط، غرِّمَ السيِّدُ قيمتهما، ولا يغرَّمُ ما زاد على القيمة؛ لأنَّه لم يحبسْ إلاَّ الرَّقبة فعليه قيمتُها. (ولو حُجِرَ فأقرَّ أنَّ ما معه أمانةٌ أو غصب، أو أقرَّ بدينٍ عليه صحّ)، هذا عند أبي حنيفةَ ﵁، وقالا: لا يصحّ؛ لأنَّ مصحِّحَ الإقرارِ الإذن، وقد زال، وله: إنَّ المصحِّحَ اليد، وهي باقية (١). (ولو شملَ دينُهُ مالَه ورقبتَهُ لم يملكْ سيِّدُه ما معه … (٢))، هذا عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما: يملك؛ لأنَّ الرَّقبةَ ملكَه، فكذا الإكساب وله: إنَّ ملكَ المولى يثبتُ خلافةً عن العبدِ عند فراغِهِ عن حاجتِه، كملكِ الوارث، وهاهنا مشغولٌ بها. (فلم يعتقْ عبدٌ كَسِبَهُ بإعتاقِ سيِّدِه … (٣)): أي عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما: يعتق ويضمنُ السَيِّدُ قيمتَهُ للغرماء، (وعتقَ إن لم يُحِطْ دينُه): أي برقبتِهِ وكسبِه. (ويبيعُ من سيِّدهِ بمثلِ القيمةِ لا بأقّل، وسيِّدُه منه بمثلها أو بأقل): أي يجوزُ بيعُ المأذونِ الذي شملَ دينُهُ مالَهُ ورقبتَهُ من سيِّدِه، وإنَّما يجوز؛ لأنَّ سيِّدَهُ أجنبيٌّ عن مالهِ إذا كان عليه دينٌ محيط، وعندهما: إن باعَ بأقلَّ من قيمتِهِ يجوزُ البيع ويخيَّرُ المولى بين إزالةِ المحاباةِ ونقضِ البيع؛ لأنَّ الضَّررَ عن الغرماءِ يندفعُ بذلك، وإنَّما لم يجوِّزْ أبو حنيفة ﵁ للتَّهمةِ كما في الوارث، ولا تهمةَ فيما إذا حابى الأجنبيّ. (فلو باعَ بالأكثرِ حطَّ الفضل، أو نقضَ البيع): أي يؤمرُ السيِّدُ بإزالةِ المحاباة، أو نقضِ البيع.

стр. 1016

وبطلَ ثمنُهُ لو سلَّم مبيعَهُ قبلَ قبضِه، ولهُ حبسُ مبيعِهِ لثمنِه، وصحَّ إعتاقُهُ مديوناً، وضمنَ السَّيدُ الأقلَّ من دينِهِ، وقيمتِه، وهو فضلُ دينِهِ معتقاً، فإن بيعَ عبدٌ ذو دينٍ محيطٍ برقبتِه، وغيَّبَهُ المشتري أجازَ الغريمُ بيعَهُ وله ثمنُه، أو ضَمَّنَ المشتريَ أو البائعَ قيمتَه، فإن ضمَّنَه، وردَّ عليه بعيبٍ رجع البائعُ على الغريمِ بقيمتِه، وعادَ حقُّهُ في العبد، فإن باعَهُ سيِّدُهُ مُعْلِماً بدينِه، فللغريمِ ردُّ بيعِهِ إن لم يصلْ ثمنُهُ إليه، وإن وصل ولا محاباة في البيع لا (وبطلَ ثمنُهُ لو سلَّم مبيعَهُ قبلَ قبضِه، ولهُ حبسُ مبيعِهِ لثمنِه): أي للسَّيِّدِ ولايةُ حبسِ المبيعِ لقبضِ الثَّمن، فإن سلَّمَ المبيعَ قبلَ قبضِ الثَّمنِ، أبطلَ حقَّهُ في العينِ فلم يبقَ له حقٌّ إلا في الدَّين، والمولى لا يستوجبُ على عبدِهِ ديناً، فيبطلُ الثَّمن. (وصحَّ إعتاقُهُ مديوناً): أي صحَّ إعتاق المولى العبدَ المأذونَ حالَ كونِهِ مديوناً سواءٌ كانَ الدَّينُ محيطاً أو لم يكن، لأنَّ ملكَهُ فيه باق، (وضمنَ السَّيدُ الأقلَّ من دينِهِ، وقيمتِه): أي إذا كان الدَّينُ أقلَّ من القيمة يضمنُ الدَّين، إذ لا حقَّ للغرماءِ إلا في الدَّين، وإن كان القيمةُ أقلَّ من الدَّينِ يضمنُ القيمة؛ لأنَّه تعلَّق حقُّهم بالرَّقبة، وهو أتلفَها، (وهو فضلُ دينِهِ معتقاً): أي ضَمِنَ المأذونُ الذي عتقَ فضلَ دينِهِ على القيمة. (فإن بيعَ عبدٌ ذو دينٍ (١) محيطٍ برقبتِه، وغيَّبَهُ (٢) المشتري أجازَ الغريمُ بيعَهُ (٣) وله ثمنُه، أو ضَمَّنَ المشتريَ أو البائعَ قيمتَه، فإن ضمَّنَه): أي البائع، (وردَّ عليه بعيبٍ رجع البائعُ على الغريمِ بقيمتِه، وعادَ حقُّهُ في العبد): أي رجعَ البائعُ على الغريم، وعادَ حقُّ الغريمِ في العبد. (فإن باعَهُ سيِّدُهُ مُعْلِماً بدينِه، فللغريمِ ردُّ بيعِهِ إن لم يصلْ ثمنُهُ إليه، وإن وصل ولا محاباة في البيع لا)، وإنَّما قال: مُعْلِماً بدينِه؛ لأنَّ البائعَ إذا أعلمَ المشتري أنَّ على العبدِ الدَّينَ، والمشتري رضيَ بذلك، تُوِهِمَ أن ينفذَ البيعُ برضا البائعِ والمشتري، فنقول: إن مع هذا يكون للغرماءِ ولايةُ ردِّ البيعِ إذا لم يصلِ الثَّمنُ إليهم،

стр. 1017

ولا يخاصمُ المشتري منكراً دينَهُ إن غابَ بائعُه، ولو اشترى عبدٌ، وباعَ ساكتاً عن إذنِهِ وحجرِهِ فهو مأذون، ولا يباعُ لدينِهِ إلاَّ إذا أقرَّ سيِّدُهُ بإذنِه. [فصل في حكم تصرف الصبي] وتصرُّفُ الصَّبيِّ إن نفعَ كالإسلام والاتِّهاب، صحَّ بلا إذن، وإن ضرَّ كالطَّلاقِ والعتاق لا وإن أذنَ به، وما نفعَ وضرَّ كالبيعِ والشِّراء عُلِّقَ بإذنِ وليِّه وإن وصل، فإن لم يكنْ في البيعِ محاباةٌ فلا، وإن كانت فإمَّا أن ترفعَ المحاباة، أو ينقضَ البيع. (ولا يخاصمُ المشتري منكراً دينَهُ إن غابَ بائعُه (١)): أي إذا كان البائعُ غائباً، والمشتري منكراً للدَّين، فالدَّائنُ لا يخاصمُهُ عند أبي حنيفة ﵁ ومحمَّدٍ ﵁؛ لأنَّه ليس خصماً له، وعند أبي يوسف ﵁ هو خصمه، ويقض للغريمِ بدينِه، لأنَّهُ يدَّعي الملكَ لنفسِهِ فيكونُ خصماً لكلِّ مَن ينازعُه، ولهما: أنّ الدَّعوىُ يتضمَّنُ فسخَ العقد، وفي الفسخِ قضاءٌ على الغائب. (ولو اشترى عبدٌ، وباعَ ساكتاً عن إذنِهِ وحجرِهِ فهو مأذون)، عبدٌ قدمَ مصراً، وقال: أنا عبدُ فلان مأذونٌ في التِّجارة، ويبيعُ ويشتري فهو مأذون، وكذا إن سكتَ عن الإذنِ والحجرِ فإنَّ تصرُّفَهُ دليلٌ على (٢) أذنه، (ولا يباعُ لدينِهِ إلاَّ إذا أقرَّ سيِّدُهُ بإذنِه)؛ لأنَّ المولى إذا لم يقرَّ بالإذن، فالدَّينُ لا يظهرُ في حقِّه، والمعاملون إنَّما تضرَّروا لأنَّهم اعتمدوا على ظاهرِ الحال، والمولى لم يغرَّهم. [فصل في حكم تصرف الصبي] (وتصرُّفُ الصَّبيِّ إن نفعَ كالإسلام والاتِّهاب، صحَّ بلا إذن، وإن ضرَّ كالطَّلاقِ والعتاق لا وإن أذنَ به، وما نفعَ وضرَّ كالبيعِ والشِّراء عُلِّقَ بإذنِ وليِّه)؛ إكتفاءً بالأهليَّة القاصرةِ في النَّافع، واشتراطاً للكاملةِ في الضَّارّ، ودفعاً للضَّررِ بانضمامِ

стр. 1018

وشرطُهُ: أن يعقلَ البيع سالباً للملكِ والشِّراء جالباً له. ووليُّهُ: أبوه، ثمَّ وصيُّه، ثمَّ جدُّهُ ثمَّ وصيُّه، ثمَّ القاضي أو وصيُّه، ولو أقرَّ بما معه من كسبِهِ أو إرثِهِ صحّ رأي الوليِّ في المتردِّد بينهما، وعندَ الشَّافعيّ (١) ﵁ لا يصحُّ تصرُّفُهُ بإجازةِ الوليّ، وكذا لا يصحُّ إسلامُه. (وشرطُهُ: أن يعقلَ البيع سالباً للملكِ والشِّراء جالباً له. ووليُّهُ: أبوه، ثمَّ وصيُّه، ثمَّ جدُّهُ ثمَّ وصيُّه، ثمَّ القاضي أو وصيُّه): إنَّما قال: ثمَّ وصيُّهُ في الأوَّلَيْن، وقال: أو وصيُّهُ في الأخير؛ لأنّ وصيَ الأبِ مَن استخلفَهُ بعد موتِهِ في التَّصرُّفِ في مالٍ ولدِه، وأمَّا الذي أذنَ له في التَّصرُّفِ حالَ حياتِهِ فوكيلٌ لا وصيّ، وكذا في الجدّ، وأما وصيُّ القاضي فهو الذي أمره بالتَّصرُّفِ في مالِ اليتيم، فهو يتصرَّفُ في حالِ حياةِ القاضي، وإنَّما سمِّي وصيَّاً مع أنَّ الإيصاءَ هو الاستخلافُ بعد الموت؛ لأنَّ هنا يصيرُ خليفةً للأب، كأنَّ الأبُ جعلَهُ وصيَّاً، فإنّ فعلَ القاضي يصيرُ كفعلِه، فمعنى الكلام أنّ وليَّهُ أبوه، ثمَّ وصيُّهُ بعد موتِه، ثمَّ الجدُّ إن لم يكن الأب، ولا وصيُّهُ ثمَّ وصيُّهُ بعد موتِه، ثمَّ القاضي أو وصيُّه، أيُّهما تصرَّفَ صحّ. (ولو أقرَّ بما معه من كسبِهِ أو إرثِهِ صحّ)، فإنَّ المولى إذا أذنَ الصَّبيَّ بالتِّجارةِ صحَّ إقرارُهُ بكسبِه؛ لأنَّهُ من تمامِ التِّجارة، إذ لو لم يصحّ إقرارُهُ لا يعاملُهُ النَّاسُ مع أنَّ إقرارَ الوليِّ لا يصحُّ؛ لأنَّهُ إقرارٌ على الغير، وإقرارُ الصَّبيّ إقرارٌ على نفسِه، والحجرُ ارتفعَ بالإذنِ فصارَ كالبالغِ فصحَّ إقرارُهُ بالإرثِ أيضاً في ظاهرِ الرِّواية، وعن أبي حنيفةَ ﵁: أنّه لا يصحُّ في الإرث؛ لأنَّهُ إنَّما يصحُّ في الكسب؛ لِمَا ذُكِرَ أنّه من توابعِ التِّجارة، ولا كذلك في الإرث. (والله أعلم) (٢). * * *

стр. 1019

كتاب الغصب هو أخذُ مالٍ مُتَقَوَّمٍ محترمٍ بلا إذنِ مالكِه، يزيلُ يده، فاستخدامُ العبد، وحملُ الدَّابة غصبٌ، لا جلوسُهُ على البساط كتاب الغصب (هو أخذُ مالٍ مُتَقَوَّمٍ محترمٍ بلا إذنِ مالكِه، يزيلُ يده)، فالغصبُ لا يتحقَّقُ في الميتة؛ لأنَّها ليست بمال، وكذا في الحرّ، ولا في خمرِ المسلم؛ لأنَّها ليست بمتقوِّمة، ولا في مالِ الحربيّ؛ لأنَّهُ ليس بمحترم. وقوله: بلا إذنِ مالكِه؛ احترازٌ عن الوديعة، وإنَّما قال: يزيلُ يده؛ لأنَّ عند أصحابِنا هو إزالةَ اليدِ المحقَّةِ بإثباتِ اليدِ المبطلة، وعند الشَّافعيّ (١) ﵁ هو إثباتَ اليدِ المبطلة، ولا يشترطُ إزالةُ اليد، قلنا: كلامُنا في الفعلِ الذي هو سببٌ للضَّمان، وهو إزالةُ اليد. ويتفرَّعُ على هذا مسائلُ كثيرةٍ منها: إنَّ زوائدَ المغصوبِ لا تكونَ مضمونةً عندنا، خلافاً (٢) له؛ لأنَّ إثباتَ اليد متحقِّقٌ بدونِ إزالةِ اليد. ومنها: الاختلافُ في غصبِ العقار (٣)، وسيأتي (٤). ومنها: ما قالَ في المتن: (فاستخدامُ العبد، وحملُ الدَّابة (٥) غصبٌ، لا جلوسُهُ على البساط)؛ إذ في الأوَّلَيْن نقلهما من مكانٍ إلى مكان، وفي الآخر: البساطُ على حالِه، ولم يفعلْ فيه شيئاً، يكونُ إزالةً لليد. وقد فُرَّعَ على هذا الاختلاف: تبعيدُ المالك عن المواشي حتى هلكت، وإمساكُ الغيرِ حتى قلعَ الآخرُ ضرسَه، وليسَ هذا التَّفريعُ بمستقيم؛ لأنّ إثباتَ اليدِ لم يوجدْ في هاتَيْن المسئلتَيْن، ثمَّ لا بدَّ أن يزادَ على هذا

стр. 1020

وحكمُهُ: الإثمُ لمَن عَلِم، وردُّ العينِ قائمة، والغرمُ هالكةً، ويجبُ المثلُ في المثلي: كالمكيل، والموزون، والعددي المتقارب، فإن انقطعَ المثلُ فقيمتُهُ يوم يختصمان التعريف، لا على سبيلِ الخفية ليخرجَ السَّرقة. (وحكمُهُ: الإثمُ لمَن عَلِم، وردُّ العينِ قائمة، والغرمُ هالكةً، ويجبُ المثلُ في المثلي: كالمكيل، والموزون، والعددي المتقارب)، اعلمْ أنَّهُ جعلَ هذه الأقسامَ الثَّلاثة مثليَّاً مع أنَّ كثيراً من الموزونات ليسَ بمثلى، بل من ذواتِ القيمِ كالقمقمةِ والقدرِ ونحوهما، فأقول: ليس المرادُ بالوزنيِّ مثلاً: ما يوزنُ عند البيع، بل ما يكون مقابلتُهُ بالثَّمنِ مبيَّناً على الكيلِ أو الوزنِ أو العدد ولا يختلفُ بالصَّنعة، فإنَّهُ إذا قيلَ هذا الشَّيءُ قفيزٌ بدرهم، أو مَنٌّ بدرهم، أو عشرةٌ بدرهم، إنَّما يقال: إذا لم يكنْ فيه تفاوت، وإذا لم يكن فيه تفاوتٌ كانَ مثليَّاً. وإنَّما قلنا: ولا يختلفُ بالصَّنعة؛ حتى لو اختلفَ كالقمقمةِ والقدرِ لا يكونُ مثليَّاً، ثمَّ ما لا يختلفُ بالصَّنعة: إمَّا غيرُ مصنوع. وإمَّا مصنوعٌ لا يختلفُ كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ والفلوس، فكلُّ ذلك مثلى. وإذا عرفتَ هذا عرفتَ حكمَ المذروعات، فكلُّ ما يقال: يباعُ من هذا الثَّوبِ ذراعٌ بكذا، فهذا إنَّما يقالُ فيما لا يكونُ فيه تفاوت، وهو ما يجوزُ فيه السَّلَم، فإنَّهُ يعرفُ ببيانِ طولِهِ وعرضِهِ ورقعتِه (١)، وقد فصَّلَ الفقهاءُ المثليَّات وذوات القيم، ولا احتياجَ إلى ذلك، فما يوجدُ له المثلُ في الأسواق بلا تفاوتٍ يعتدُّ به فهو مثليّ، وما ليس كذلك فمن ذوات القيم، وما ذكرَ من الكيليِّ وأخواتِهِ فمبنيٌّ على هذا. (فإن انقطعَ المثلُ فقيمتُهُ يوم يختصمان)، هذا عند أبي حنيفة ﵁؛ لأنَّ القيمةَ يجبُ يومَ الخصومة، وعند محمَّدٍ ﵁ يجبُ يومَ الانقطاع (٢)؛ لأنَّه حينئذٍ ينتقلُ إلى القيمة، وعند أبي يوسفَ ﵁ يوم تحقُّقِ السَّبب، وهو الغصب، فإنَّه إذا انقطعَ المثلُ
следующие страницы →