← Акыда

Акыда · id 11265

شرح مسائل الجاهلية

صالح الفوزان

Полный текст (301 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المسألة الثانية والعشرون: اتخاذهم الدين لهواً ولعباً ... اتخاذهم الدين لهواً ولعباً المسألة الثانية والعشرون [إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِباً] . الشرح اللهو هو: كل باطل يُلهي عن الحق، واللعب هو ضد الجد، وهو ما لا فائدة فيه. فاتخاذ اللهو واللعب ديناً يتقرب به إلى الله هو من دين الجاهلية، وهذا موجود عند الصوفية، فيتخذون ضرب الدفوف، ويتخذون الأغاني عبادة لله ، يتقربون إلى الله بالأغاني، ويتقربون إلى الله بضرب الدفوف. والأغاني وآلاتها لهو ولعب، وهي محرمة في حد ذاتها، فكيف إذا اتُخذت عبادة لله ؟ ويشبههم الآن الذين يتخذون الأناشيد التي يسمونها الإسلامية، ويجعلونها من وسائل الدعوة إلى الله، كما يقولون. والدعوة إلى الله من الدين، ولا يدخل فيها شيء من الأغاني ومن الأنغام والتنغيمات التي تلهي النفوس،

стр. 107

وتشغل الناس عن ذكر الله وعن قراءة القرآن، وهي من شعارات المناهج الحزبية، وليست من وسائل الدعوة؛ لأن الدعوة توقيفية، والنبي ﷺ كان يدعو الناس بالكتاب والسنة، والوعظ والإرشاد، والمجادلة بالتي هي أحسن، ولم يتخذ الأناشيد الجماعية وسيلة للدعوة. وإنشاد الشعر الجيد النزيه؛ للرد على المشركين والدفاع عن الإسلام، كشعر حسان ﵁، أو للتنشيط على العمل والسير في السفر، ليس ذلك شبيهاً بالأناشيد الجماعية المستعملة الآن، فلا تُقاس عليه؛ لما بينهما من الفارق الواضح.

стр. 108

الاغترار بالدنيا المسألة الثالثة والعشرون [إِنَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا غَرَّتْهُمْ، فَظَنُّوا أَنَّ عَطَاءَ اللهِ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاه، كَقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥] . الشرح أهل الجاهلية يعتبرون إعطاءهم الأولاد والأموال من كرمهم على الله ، وأن الله لا يعذبهم ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ: ٣٥،٣٧] إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] فليست كثرة الأموال والأولاد والثورة دليلاً على محبة الله للعبد، بل إنه قد يعطي الكافر من أجل أن يستدرجه، وفي الحديث: "إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، وأما الدين فلا يعطيه إلا

стр. 109

من يحب" ١، وفي الحديث الآخر: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء" ٢. وهذا رسول الله ﷺ ، أكرم الخلق على الله، وكذلك صحابته، يصيبهم الفقر والفاقة، وهم أكرم الخلق على الله بعد النبيين، والكفار يسرحون ويمرحون في النعم على الله بعد النبيين، والكفار يسرحون ويمرحون في النعم من باب الاستدراج لهم. فلا يستدّل بزهرة الدنيا على كرامة أهلها عند الله ، وإنما يستدل بكرامة العبد على الله إذا كان على عمل صالح، سواء كان غنيًّا أو فقيراً، فهذا هو الكريم على الله ، ومعايير الناس أن أهل الدنيا وأهل الغناء والثروة هم أكرم عند الله ، وأن أهل الفقر وأهل الفاقة إنما كانوا كذلك لهوانهم على الله.

стр. 110

المسالةالرابعة والعشرون: زهدهم في الحق إذا كان عليه الضعفاء ... زهدهم في الحق إذا كان عليه الضعفاء المسالة الرابعة والعشرون [ترك الدخول في الحق إذا سبقهم إليه الضعفاء؛ تكبروا وأنفة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ... ﴾ [الأنعام: ٥٢] . الشرح أهل الجاهلية يرفضون الحق إذا كان عليه الضعفاء من الناس، ولهذا قالوا: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣] يعني: ليسوا أولى بالجنة منا، نحن أقدم منهم، وأشرف منهم، هؤلاء ضعفاء ما لهم قيمة ولا مقدار في المجتمع. وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] فالله جل وعلا لا يعطي هذا الدين إلا لمن أحب، أما الدنيا فيعطيها لمن يشاء من أحبابه ومن أعدائه.

стр. 111

المسألة الخامسة والعشرون: الاستدلال على كون الشيء باطلاً بسبق الضعفاء إليه ... الاستدلال على كون الشي باطلاً بسبق الضعفاء إليه المسألة الخامسة والعشرون [الاستدلال على بطلانه بسبق الضعفاء، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] . الشرح من عادات أهل الجاهلية: الاستدلال على بطلان الشيء بسبق الضعفاء إليه، كما قال الله عن المشركين أنهم يقولون: ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] يقولون: نحن أهل معرفة، وأهل خبرة، وأهل تفكير، نعرف الأمور، ولما رأينا أن هذا الذي جاء به محمد ليس حقاً، تركناه، ولو كان حقاً لسبقنا إليه، فتركنا له دليل على أنه ليس حقاً. وهذا من أبطل الباطل؛ لأن الحق ليس اتباعه موقوفاً على طبقة من الناس، بل اتباع الحق منّة يمنّ الله بها على من يشاء من عباده ويوفقه لها. وأتباع الرسل أكثرهم من الضعفاء، كما قال تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] ،

стр. 112

وقوله: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] أي: ليس عندهم تفكير. ويزعمون أنهم هم أهل التفكير وأهل العقول، فلو كان ما جاء به نوح ﷺ حقاً؛ اتبعه أهل الرأي والملأ من الناس، فتركهم له دليل على أنه ليس حقاً. وهذا باطل؛ لأن الغالب أن الذين يكفرون بالحق هم أهل الترف، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤] ، وغالب من يتبع الحق الضعفاء والفقراء؛ لأنهم ليس عندهم تكبر. فالاستدلال على الشيء بأنه حق باتباع الأغنياء له، أو ذوي الجاه، والاستدلال على أنه باطل باتباع الضعفاء، هذا معيار أهل الجاهلية، لا يجوز أن يتخذ ميزاناً يوزن به معرفة الحق من الباطل؛ ولهذا يقول العلماء: الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق.

стр. 113

المسألة السادسة والعشرون: تحريف أدلة الكتاب بعد معرفتها لتوافق أهواءهم ... تحريف أدلة الكتاب بعد معرفتها لتوافق أهواءهم المسألة السادسة والعشرون [تحريف كتاب الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون] الشرح من شأن اليهود والنصارى: تحريف كتاب الله، التوارة والإنجيل، من بعد ما عقلوه، تعلموه وفهموه، حرفوه بزيادة أو نقصان، أو تفسير بغير المعنى الصحيح، من أجل أن توافق أهواءهم، وهذه مصيبة لا يزال المسلمون يعانون منها، وأول ما كانت عند أهل الكتاب من أهل الأهواء والرغبات والشهوات، إذا لم يقدروا على تكذيب النص وجحوده، سطوا عليه بالتحريف والتأويل والتفسير بغير معناه. ولا يزال المسلمون يعانون من هذه الآفة من أهل الأهواء والفرق الضالة وأصحاب الشهوات. إذا قيل لهم: الربا حرام، قالوا: المراد بالربا كذا، يفسرون الربا على حسب هواهم، والآن موجود لهم كتب وكتابات وفتاوى تبيح الربا.

стр. 114

وإذا قيل: هذا حرّمه الله ورسوله، قالوا: ليس هذا هو الربا الذي حرمه الله ورسوله؟ الربا الذي حرمه الله ورسوله هو ربا الجاهلية، زيادة الذين عن المعسر فقط، وأما ربا الفضل فهم يكنزونه. أو يقولون الربا المحرم هو الربا الاستهلاكي أما الربا الاستثماري فهو مباح. وقد صح في الأحاديث في سنة الرسول ﷺ تحريم ربا الفضل، في الصحيحين: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد" ١ هذا ربا الفضل، وحرمه رسول الله ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وربا الفضل داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ . فلما كان في اليهود من يحرّف التوراة، وكان في النصارى من يحرف الإنجيل، وجد في هذه الأمة من يحرّف القرآن والسنة، من أجل إباحة ما هو عليه أ, عليه غيره. والواجب على المسلم اتباع الكتاب والسنة.

стр. 115

ومن تحريف اليهود: أن الله لما قال لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] . حط عنا ذنوبنا واغفر لنا، حرفوا وقالوا: حبة من حنطة، زادوا حرف النون. والمؤولة لصفات الله، لما قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قالوا: معناه: استولى. فزادوا اللام من جنس نون اليهود. هذا تحريف بالزيادة، وهناك تحريف بالنقص، وتحريف في المعنى، وهو تفسير القرآن بغير تفسيره الصحيح، وتفسير الأحاديث بغير تفسيرها الصحيح، هذا كله من تحريف الكلم عن مواضعه.

стр. 116

المسألة السابعة والعشرون: تأليف الكتب الباطلة ونسبتها إلى الله ... تأليف الكتب الباطلة ونسبتها إلى الله المسألة السابعة والعشرون [تَصْنِيفُ الكُتُبِ البَاطِلَةِ وَنِسْبَتُهَا إِلَى اللهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩] . الشرح من آفات اليهود: أنهم يؤلفون المؤلفات ويكتبونها بأيديهم، ويضمنونها الباطل، ويقولون: هذا من عند الله؛ ليحصلوا على مكافأة من الناس، أو يبيعوا هذه الكتب في الأسواق وتدر عليهم أموالاً. وتصنيف الكتب الضالة وترويجها على الناس حرفة اليهود، وَمَنْ تشبه بهم من هذه الأمة. والواجب على العالم حينما يكتب شيئاً من العلم: أن يتقي الله ، ولا يكتب إلا ما يوافق الكتاب والسنة؛ لأنه مسئول عن كتابته، فلا يكتب في فتواه ولا في

стр. 117

مؤلّفه ولا في مقالته إلا ما يوافق الكتاب والسنة، ولا يكتب شيئاً من عند نفسه وهواه، ويقول: هذا من الشرع، أو هذه هي الشريعة. وما أكثر تصنيف الكتب في هذه الأيام، أو الرسائل، أو الفتاوى الضالة الباطلة باسم الإسلام، وهذا مثل فعل اليهود. فهذا ينبّه المسلم الذي يريد أن يكتب أو يؤلف أو يفتي، أن يتوقف عند حدود الله ، وأن يتقي الله، وأن يكتب للحق، وإن لم يرض الناس.

стр. 118

المسألة الثامنة والعشرون: رفضهم ما عند غيرهم منالحق ... رفض ما عند غيرهم من الحق المسألة الثامنة وعشرون [أَنَّهُمْ لاَ يَقْبَلُونَ مِنَ الحَقِّ إِلاَّ الَّذِي مَعَ طَائِفَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] . الشرح إذا قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله على محمد ﷺ ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] أي على موسى ﵇ ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١] أي: غيره ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] يقولون: نحن نؤمن بالتوراة التي أنزلت على نبينا موسى ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١] وهو الإنجيل الذي أنزل على عيسى، والقرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ﴾ الإنجيل والقرآن مصدقان لما في التوراة. فرد الله عليهم بأنكم إذا كنتم تتبعون ما أنزل على موسى، فكيف تقتلون الأنبياء؟ هل أنزل على موسى قتل

стр. 119

الأنبياء؟ حيث قتلوا زكريا، وقتلوا يحيى، وهموا بقتل عيسى ﵇، فرفعه الله إليه، وعصمه منهم، وهموا بقتل محمد ﷺ ، فهم مهمتهم قتل الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] بعض الرسل كذبوهم، وبعض الرسل قتلوهم/ لماذا؟ لأنهم جاءوهم بما لا تهوى أنفسهم، فكيف يقولون: نؤمن بما أنزل علينا؟ وأين هذا من الإيمان بالذي أنزل عليهم؟ وأيضاً مما أنزل عليهم في التوراة نعت محمد ﷺ ، وبيان رسالته وصفاته ﵊، فلماذا لم يؤمنوا بمحمد ﷺ ؟ إن الإيمان بمحمد ﷺ هو إيمان بما أنزل عليهم، وقد كفروا به، وهم يقولون: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] . وهذا يشمل من يقول: أنا لا أتبع إلا فلاناً من العلماء والواجب أنه يقبل الحق، ولا يتعصب لإمامه، أو لمدرسّه، أو لشيخه، مثل مشايخ الطرق؛ يتعصب لهم المريدون والأتباع، ولا يقبلون الحق إلا ما قال هؤلاء، وهذا أمر باطل؛ لأنه لا يجب اتباع معين من الخلق إلا رسول الله ﷺ ، ومن قال: إنه يجب اتباع معين غير الرسول فإنه مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا

стр. 120

قتل، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه جعل فلاناً مساوياً للرسول ﷺ . فلا أحد يجب اتباعه إلا رسول الله ﷺ ، أما غيره من الأئمة والعلماء –﵏ فيتبعون فيما وافقوا فيه الحق، وما أخطأوا فيه من الاجتهاد، فإنه لا يجوز أخذه، ولو كان من الأئمة، وهم يقولون ذلك، يقولون: لا تأخذوا من أقوالنا إلا ما وافق كلام الرسول ﷺ .

стр. 121

المسألة التالسعة والعشرون: لا يعملون بقول من يزعمون أنهم يتبعونهم ... لا يعلمون بقول من يزعمون أنهم يتبعونهم المسألة التاسعة والعشرون [إِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ لاَ يَعْلَمُونَ بِمَا تَقُولُهُ طَائِفَتُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى وَنَبَّهَ: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] . الشرح أي: هؤلاء اليهود يدعون أنهم يتبعون ما أنزل إليهم في التوراة، وهذا يكذبه أمران: أولاً: قتلهم الأنبياء، وليس في التوراة قتل الأنبياء، بل فيها الإيمان بهم، وتعظيمهم، واتباعهم والاقتداء بهم. الأمر الثاني: أن التوراة تأمرهم باتباع محمد ﷺ : ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . هذه صفاته ﷺ في التوراة، ولم يؤمنوا به صلى اله عليه وسلم، فلم يقولوا بما قاله أنبياؤهم وعلماؤهم الذين يدعون الإيمان بهم. ولا يعلمون بما يقولون.

стр. 122

المسألة الثلاثون: الأخذ بالافتراق وترك الاجتماع ... الأخذ بالافتراق وترك الاجتماع المسألة الثلاثون [وَهِيَ مِنْ عَجَائِبِ آيَاتِ اللهِ! –أَنَّهُمْ تَرَكُوا وَصِيَّةَ اللهِ بالاجْتِمَاعِ، وَارْكَبُوا مَا نَهَى عَنْهُ مٍنَ الافْتِرَاقِ، وَصَارَ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحِينَ] . الشرح من عجائب آيات الله : أنهم لما تركوا الاجتماع على كتاب الله ، وشرعه المنزل على الرسل، والاعتصام به، ابتلاهم الله بالتفرق والتشتت والتناحر، والفرح بما هم عليه من الباطل. وهذه عقوبة لهم؛ لأن الإنسان إذا فرح بالباطل فإنه لا يتركه، أما إذا لم يفرح به وكان عنده تشكك منه، فهذا حريٌّ أنه يتوب ويرجع عنه، لكن إذا اطمأن إليه وفرح به، فإنه لا يتحول عنه، وهذه عقوبة من الله اطمأن إليه وفرح به، فإنه لا يتحول عنه، وهذه عقوبة من الله جل وعلا؛ لأن من ترك الحق يبتلى بالباطل، ومن ترك الاجتماع فإنه يبتلى بالتفرق والتشتت، والتناحر والتطاحن، فما تجد أناساً مختلفين فيما بينهم من أمور الدين والدنيا إلا وتجد بينهم العداوات والحزازات والبغضاء، بل ربما الاقتتال فيما بينهم، ولا تجد من يتمسك بالاجتماع على الكتاب والسنة

стр. 123

إلا وتجد بينهم الألفة والمحبة والتناصر والتعاون، كأنهم جسدٌ واحد، فلا عصمة إلا بالاجتماع على الكتاب والسنة، ولا وحدة إلا باتباع الكتاب والسنة، وما عدا ذلك فإنه فرقة وعذاب. فهؤلاء الذين يريدون توحيد المسلمين كما يقولون، يقال لهم: إذا كنتم تريدون توحيد المسلمين، وَحِّدوا العقيدة؛ بأن تكونوا جميعاً على عقيدة التوحيد التي جاء بها رسول الله ﷺ ، ولا تتركوا الناس، هذا قبوري، وهذا صوفي، وهذا شيعي، وحدوا العقيدة أولاً، واعتصموا بلا إله إلا الله، ثم وحدوا الحكم بما أنزل الله، فارجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله، وانبذوا القوانين والأنظمة والعادات القبلية وغير ذلك، ارجعوا إلى الكتاب والسنة، إذا كنتم تريدون الاجتماع ووحدة المسلمين، فلن يتحد المسلمون إلا على هذا، إلا على وحدة العقيدة ووحدة المرجع؛ وهو الحكم بما أنزل الله، ووحدة القيادة؛ وذلك بالسمع والطاعة لولي أمر المسلمين، هذا الذي يوحد أمر المسلمين، كما قال النبي ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم" ١.

стр. 124

المسألة الحادية والثلاثون: عداوتهم للدين الحق، ومحبتهم للدين الباطل ... عداوتهم للدين الحق، ومحبتهم للدين الباطل المسألة الحادية والثلاثون [وَهِيَ مِنْ أَعْجَبِ الآيَاتِ أَيْضًا! مُعَادَاتُهُمُ الدِّينَ الَّذِي انْتَسَبُوا إِلَيْهِ غَايَةَ العَدَاوَةِ، وَمَحَبَّتُهُمْ دِينَ الكُفَّارِ –الذينَ عَادُوهُمْ وَعَادُوا نَبِيَّهُمْ وَفِئَتَهُمْ- غَايَةَ المَحَبَّةِ، كَمَا فَعَلُوا مَعَ النَّبِيَّ ﷺ ، لَمَّا أَتَاهُمْ بِدِينِ مُوسى ﵇، وَاتَّبَعُوا كُتُبَ السِّحْرِ، وَهِيَ مِنْ دِينِ آلِ فِرْعَوْنَ] . الشرح من مسائل أهل الجاهلية التي خالفهم فيها رسول الله ﷺ : معاداتهم لدينهم الذي أمروا باتباعه، واتباعهم لدين عدوهم، إذ معلوم أن اليهود كانوا على دين موسى ﵇، وأن عدوهم هو فرعون وآل فرعون الذين كانوا يسومونهم سوء العذاب، يقتلون أبناءهم، ويستحيون نساءهم ويستعملونهم في أخس الحرف، إلى أن بعث الله نبيه وكليمه موسى ﵇، فخلصهم الله على يده من عدوهم وأعزهم به وأكرمهم، وخذل عدوهم وأغرقه وهم ينظرون إليه، وأقر

стр. 125

أعينهم بذلك، وكان في التوراة التي بين أيديهم، وهي كتاب الله الذي جاء به موسى ﵊، كان فيها أوصاف محمد ﷺ ، والأمر باتباعه، وهو ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] بسبب أنهم شددوا، فشدد الله عليهم، وحرم عليهم طيبات أحلت لهم، بسبب كفرهم وعنادهم، فلو آمنوا بمحمد ﷺ لوضع الله عنهم هذه الآصار وهذه الأغلال، ولكنهم أخذهم الحسد، وقالوا: كيف يكون هذا النبي الموعود في آخر الزمان من العرب ومن بني إسماعيل؟ اللائق أن يكون هذا من بني إسرائيل، ولا يكون من بني إسماعيل، هكذا قالوا، فحسدوا محمد ﷺ وأمته وكفروا به، وهم يعلمون أنه رسول الله، والذي حملهم على هذا هو الحسد والكبر، والعياذ بالله. ولما كفروا بمحمد كانوا كافرين بموسى ﵇، وبكتابه الذي هو التوراة، فكفروا بالتوراة التي عندهم؛ من أجل الحسد لمحمد ﷺ ، واستبدلوا التوراة بكتب السحر التي هي دين عدوهم فرعون؛ لأن السحر كان فاشياً في قوم فرعون، فتركوا الوحي المنزل، وأخذوا بالسحر الذي كان

стр. 126

عليه عدوهم، وهذا من العجائب! يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠١] ، ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ هذا الرسول وصفاته وما جاء به، عمروا عمل الجهال الذين لا يعرفونه؛ تكبراً وعناداً. لم يقل: لأنهم لا يعلمون، بل قال: ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ لأن العالم إذا لم يعمل بعلمه، فكأنه لا يعلم؛ لأن ثمرة العلم العمل، فإذا لم يعمل صار هو والجاهل سواء، بل الجاهل يكون أخف منه إثماً. ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] وهو السحر. فأصل السحر أنه من عمل الشياطين، ثم توارثه الكفرة على اختلاف الأزمان، ورثه فرعون وقومه، وورثه اليهود، بديلاً عن التوراة فالسحر قديم، ولكن تتوارثه الكفرة جيلاً بعد جيل. فهذا من العقوبات؛ أن الإنسان إذا ترك الحق يُبتلى بالباطل، وهذه سنة لا تتبدل ولا تتغير، فبعض المسلمين تركوا كتاب الله وسنة رسوله، وأخذوا بأقوال الناس، وأخذوا علم المنطق، أخذوا علم الكلام، هم من هذا القبيل، لما تركوا كتاب الله وسنة رسوله، ولم يأخذوا غيرهما؛ لأنهم لما اعرضوا عن كتاب الله وسنة رسوله، ولم يأخذوا عقيدتهم من

стр. 127

الكتاب والسنة، ابتلوا بأخذ العقيدة من علوم الكفرة والملاحدة، فما أشبه الليلة بالبارحة! وهكذا كل من ترك الحق فإنه يبتلى بالباطل، ومن ترك مذهب أهل السنة والجماعة، فإنه يبتلى بمذاهب الفرق الضالة، والذي يتحزب مع الجماعات الضالة المخالفة للكتاب والسنة ومنهج أهل السنة والجماعة، يُبتلى بأن يكون مع الفرق الضالة. هذه سنة الله ، فهذا مما يُحَذِّر المسلم من أن يترك الحق؛ لأنه إذا ترك الحق ابتلي بالباطل، وإذا ترك أهل الحق اتبع أهل الباطل، دائماً وأبداً.

стр. 128

المسألة الثانية والثلاثون: كفرهم بالحق الذي مع غيرهم ممن لا يهوونه ... كفرهم بالحق الذي مع غيرهم ممن لا يهوونه المسألة الثانية والثلاثون [كُفْرُهُمْ بِالحَقِّ إِذَا كَانَ مَعَ مَنْ لاَ يَهْوَوْنَه، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] . الشرح وهذه المسألة من أخطر المسائل، وهي: كفرهم بالحق إذا كان مع من لا يهوونه، أي لا يحبونه، فيتركون الحق الذي معه؛ تعصباً لكراهتهم للشخص، فيتركون الحق من أجله. والواجب على المسلم أن يقبل الحق ممن جاء به؛ لأن الحق ضالة المؤمن أينما وجده أخذه، مع صديقه أو مع عدوه؛ لأنه يطلب الحق. أما إذا كان يعتبر الأشخاص فقط، فهذا دين أهل الجاهلية. ومثال ذلك: ما ذكره الله عن اليهود والنصارى- وهم أهل كتاب وعلم- فاليهود رفضوا الحق الذي مع النصارى،

стр. 129

والنصارى رفضوا الحق الذي مع اليهود، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] والذي حملهم على هذا هو الهوى؛ لما كان اليهود يبغضون النصارى جحدوا ما معهم من الحق، ولما كان النصارى يبغضون اليهود جحدوا ما معهم من الحق ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ الذي يأمرهم بقبول الحق، ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٣] فالذين ليس معهم كتاب ساروا على هذا المنهج، كل طائفة تكفر الأخرى، وتجحد ما معها من الحق. والحاصل: أن الواجب على المسلم تجنب سنة اليهود والنصارى، وهي الكفر بالحق إذا كان مع من لا يحبه، فلا يحملك بغض الشخص على أن ترفض ما معه من الحق. ومثل هذا ما هو موجود الآن: إذا كانت طائفة أو جماعة تبغض أَحد العلماء، فإنّهم يرفضون ما معه من الحق، فيحملهم بغضهم لهذا العالم على أن يرفضوا ما معه من الحق، وأن يُعَتِّموا عليه، ويُزَهِّدوا فيه، ويُحَذِّروا من مؤلفاته، ومن أشرطته، ولو كانت حقاً. لماذا؟ لا لشيء إلاّ لأنهم لا يحبون هذا الشخص. والواجب عليك أيها المسلم أن تقبل الحق، وإن كان مع من لا تحب، ولا تكون العداوات الشخصية والأهواء النفسية

стр. 130

مانعة من قبول الحق. والنبي ﷺ لما جاءه اليهودي، وقال: إنّكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشاء محمد أمر أن يقولو: " ماشاء الله وحده " ولا يقولو ماشاء الله وشاء محمد ١. فالنبي ﷺ قبل هذا الحق، وأمر أَصحابه بترك الخطأ. وكذلك الذي جاء النبي ﷺ من أحبار اليهود وقال: إن الله يطوي السموات بيمينه، ويحمل الجبال على أصبع، والأرضين على أصبع ... إلى آخر الحديث، فالنبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه؛ تصديقاً لهذا الحبر ٢، وأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] ، فلما طابق قول هذا الحبر من اليهود الحق، قلبه النبي ﷺ وسُرَّ به.

стр. 131

الحاصل: أن المسلم يجب عليه أن يقبل الحق، ولا تحمله عداوته الشخصية، وأغراضه النفسية، والإشاعات التي تشاع عن بعض أهل الحق، لا تحمله هذه الأمور على رفض ما يقوله هذا العالم بل ينتفع به، حتى ولو كان هذا العالم غير مستقيم، لو كان ما يقال فيه من الذم والعيب صحيحاً، إذا قال كلمة حق وجب أن تقبل، لا لأجل هذا الشخص، ولكن لأجل الحق، هذا هو الواجب. فيجب على طلبة العلم أن ينهجوا هذا المنهج الرباني، قبول الحق ممن جاء به.

стр. 132

المسأةلالثالثة والثلاثون: تناقضهم في الإقرار والإنكار ... تناقضهم في الإقرار والإنكار المسألة الثالثة والثلاثون [إِنْكَارُهُمْ مَا أَقَرُّوا أَنَّهُ مِنْ دِينِهِمْ، كَمَا فَعَلُوا فَي حَجِّ البَيْتِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] . الشرح اليهود يدّعون أنهم على ملة إبراهيم ﵊، ولكنهم لما حُوِّلت القبلة إلى الكعبة التي بناها إبراهيم أنكروا هذا غاية الإنكار، والعياذ بالله؛ لأنهم لا يعترفون بالكعبة، ولا بالحج الذي هو من دين إبراهيم، ويكفرون بالتوجه إلى القبلة، وهم يعلمون أن هذا هو الحق، وأن الكعبة هي هذا البيت، وبناه بأمر الله ، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] الآية، فصارت الكعبة من بناء إبراهيم، بأمر الله، وهي قبلته،

стр. 133

وهم ينكرون هذا. وكذلك الحج، من ملة إبراهيم ﵊، وهم ينكرونه، لكن حملهم بغض محمد ﷺ على أن أنكروا هذا كله. فالكعبة ميراث إبراهيم ﵊، والتوجه إليها بالصلاة، وقصدها للحج والعمرة من دين إبراهيم ﵊، وهؤلاء ينتسبون إلى دين إبراهيم وينكرون أعظم شعائره، فهذا من التناقض العجيب! ومثل هذا كل من ينتسب إلى الإسلام، ويرفض بعض أحكامه، كالذي يقول: أنا مسلم، ثم يطوف بالقبور ويدعوها ويتبرك بها ويتمسح بها، فإذا قيل له: هذا شرك، فإنه لا يتجول عنه بل يستمر عليه ويبغض من نهى عنه. وهذا من التناقض في الانتساب، ينتسب إلى الإسلام ويخالفه في أعظم شعائره، وهو التوحيد.

стр. 134

المسألة الرابعة والثلاثون: كل فرقة تزكي نفسها دون غيرها ... كل فرقة تزكي نفسها دون غيرها المسألة الرابعة والثلاثون إنَّ كُلَّ فِرقَةٍ تَدَّعِي أَنَّها النَّاجيَةُ فَأَكْذَبَهُمُ اللهُ بقوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] ثُمَّ بَيَّن الصَّوَابَ بِقَوْلِه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢] . الشرح من مسائل أهل الجاهلية: أن كل فرقة منهم تدّعي أنها هي التي على الحق، وأن غيرها على الباطل وكان هذا في اليهود والنصارى ومن شابههم ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] حصروا الهداية ودخول الجنة في اليهود والنصارى. ومثلهم الفرق الضالة، كل فرقة تدّعي أنها هي التي على الحق، وأن غيرها على الباطل، وكل فرقة تدّعي أنها الفرقة الناجية التي قال فيها النبي ﷺ : "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة" ولكن الرسول ﷺ بين العلامة الفارقة لهذه الفرقة عن غيرها لما

стр. 135

قالوا: "من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على ما أنا عليه وأصحابي" ١. ولهذا قال جل وعلا: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] يعني: هاتوا دليلكم على ما تقولون، أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى؛ لأن هذه دعوى، والدعوى لا تُقبل إلا بدليل؛ ولهذا قال بعدها: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢] ، ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يعني: أخلص دينه لله، وسلم من الشرك، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: متبع للرسول ﷺ ، فمن توفر فيه هذان الشرطان فإنه من أهل الجنة، ومن اختل فيه هذان الشرطان أو أحدهما فهو من أ÷ل النار، وإن ادّعى أنه من أهل الجنة. فقوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾ إلخ هذا المنهج السليم الذي من كان عليه صار من الفرقة الناجية؛ لأن النبي ﷺ قال: "من كان مثل ما أنا عليه وأصحابي" هذا ضابط من السنة، والآية ضابط من القرآن، فمن كان يريد الجنة فليسلم وجهه إلى الله، ويحسن عمله على السنة، ويتجنب البدع والمحدثات التي ما أنول الله بها من سلطان.

стр. 136

المسألة الخامسة والثلاثون: تقربهم إلى الله بفعل المحرم ... تَقَرُّبَهم إلى الله بفعل المحرم المسألة الخامسة والثلاثون [التَّعَبُّدُ بِكَشْفِ العَوْرَات، كقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨] . الشرح يتعبد أهل الجاهلية بكشف العورات في الطواف؛ لأن الشيطان زين لهم أن من لم يكن من أهل الحرم، وجاء من الآفاق، فإنه لا يدخل الحرم بثيابه التي جاء بها؛ لأنه عصى الله فيها، فإن وجد من أهل الحرم من يعطيه ثوباً ليلبسه ويطوف به، وإلا فإنه يخلع ثيابه عند حدود الحرم، ويدخل عرياناً، كذا زين لهم الشيطان، حينما فعلوا هذه الفاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨] . فانظروا كيف سمى كشف العورة: فاحشة، وهي: ما تناهى قبحه. وكثير من الناس في هذا الزمان يعتبرونه رقيّاً وتحضراً!

стр. 137

ثم رد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] أي: لا يشرع لعباده كشف العورات، وإنما شرع لهم سترها؛ لما في ذلك من البعد عن الفتنة، وعدم الوقوع في الجرائم الخلقية، وقد كذبوا على الله وقالوا عليه بغير علم، فاحتجوا بحجتين باطلتين، إحداهما أبطل من الأخرى: الأولى: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف: ٢٨] والثانية أعظم وأخطر ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ ، كذبوا على الله ، فرد عليهم سبحانه بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨] والقول على الله بلا علم جريمة خطيرة جداً. ثم بيّن سبحانه ما نهى عنه فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] الفواحش جمع فاحشة، وهي: المعصية المتناهية في القبح، ومنها كشف العورة، ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ علانية أمام الناس، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ ما فعله الإنسان خفية بينه وبين الله. ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ [الأعراف: ٣٣] يعني: حجة، فالله ما أنزل لأهل الشرك حجة أبداً، إنما أنزل الحجة على التوحيد. أما الشرك فالله نهى عنه . ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] القول على

стр. 138

الله بلا علم أعظم من الشرك، ومن ذلك: قولهم؛ الله أمرنا بكشف العورات. فليحذر الذين يقولون: هذا حلال وهذا حرام، بدون دليل من كتاب الله وسنة رسوله. إلى أن قال : ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ يعني: استروا عوراتكم ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] يعني: عند كل صلاة، ومنها الطواف بالبيت. الشاهد: أن أهل الجاهلية يتقربون إلى الله بكشف العورات، ويعدونه عبادة لله، فهذا من أفحش الكذب والزور، والعياذ بالله. ومنه نأخذ تحريم كشف العورات مطلقاً إلا لضرورة، كالعلاج الضروري، أو ما بين الزوجين بعضهما مع بعض، وكشف العورة في غير هاتين الحالتين حرام شديد التحريم؛ لأنه يجر إلى الفاحشة والوقوع في الجريمة، والشيطان عرف أن العري يجر إلى الزنا واللواط؛ فلذلك رغب الناس في كشف العورات، وسمى هذا تقدماً وحضارة ورقياً، ونفَّر من الستر واللباس المحتشم، وقال: هذا تأخر ورجعية وتقاليد بالية. وما يقال عن الحجاب الآن، والتزهيد فيه، والتمسخر من أهله شيء معروف في الصحف والمجلات والمجالس وغير ذلك، لكن هذا لا يضر أهل الإيمان إذا تمسكوا بدينهم. ٩٠

стр. 139

المسألة السادسة والثلاثون: تقربهم إلى الله بتحريم الحلال وتحليل الحرام ... تقربهم إلى الله بتحريم الحلال وتحليل الحرام المسألة السادسة والثلاثون [التَّعَبُّدُ بتَحْريم الحَلاَلِ، كما تَعَبَّدوا بالشرك] الشرح من مسائل أهل الجاهلية: تعبدهم – أي: تقربهم إلى الله – بتحريم ما أوجب الله، فحرموا ستر العورة في الطواف كما سبق من حال المشركين. وكذلك اليهود والنصارى، فالنصارى: حرموا على أنفسهم كثيراً من الطيبات، واليهود أباحوا لأنفسهم ما حرم الله مثل الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل، والمشركون حرموا أنواعاً من بهيمة الأنعام، منها البحيرة والسائبة والوصيلة، أنواع من الأنعام يسمونها بهذه الأسماء، ويحرمونها للأصنام، وقد نهى الله المؤمنين عن ذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] ، فالمؤمن لا يتشدد في تحريم ما أحل الله، ولا يتساهل ويستبيح المحرمات؛ بل يكون

стр. 140

معتدلاً، فتحريم الحلال وتحليل الحرام من دين الجاهلية، فلا يجوز لأحد أن يحلل ويحرم إلا بدليل من كتاب الله، وإذا اعتبر ذلك من التعبد، مثل ما عليه النصارى في الرهبانية، أو عليه المشركون في الطواف بالبيت، فهذا تعبد بما لم يشرعه الله، وتعبد الله بمعصيته ، وتقرب إلى الله بمعصيته، وشرع دين لم يأذن به. فالمسألة خطيرة جداً، كما تعبد أهل الجاهلية بالشرك وهذا أعظم، وهو موجود قديماً وحديثاً، فالذين يطوفون بالقبور، ويذبحون لها، وينذرون لها، ويقولون: هذا تقرب إلى الله ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] هذا عند المشركين الأولين، وعند المشركين المعاصرين المنتسبين إلى الإسلام، ويقولون: هذا تقرب إلى الله جل وعلا بواسطة هؤلاء الصالحين: فهم شفعاؤنا، ويقربوننا إلى الله زلفى.

стр. 141

المسألة السابعة والثلاثون: اتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله ... اتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله المسألة السابعة والثلاثون [التَّعَبُّدُ باتِّخاذ الأحبار والرُّهبان أربَاباً من دون الله] الشرح قال الله تعالى في اليهود والنصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً﴾ [التوبة: ٣١] والأحبار هم العلماء، والرهبان هو العبّاد، فاليهود والنصارى يتعبدون لله باتباع الأحبار والرهبان في معصية الله ، حيث يحرمون ما أحل الله، ويحلّون ما حرم الله، فيطيعهم هؤلاء، ويعتبرون هذا عبادة، حيث يقولون: طاعة العلماء واجبة. فنقول: طاعتهم واجبة إذا أطاعوا الله، أما من خالف طاعة الله فلا طاعة له، قال ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" ١، ولو كانوا علماء أو عباداً من أزهد الناس،

стр. 142

ما داموا ليسوا على حق فلا يجوز لنا اتباعهم، ومن اتبعهم وهو يعلم أنهم يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، فقد اتخذهم أرباباً، يعني: أشركهم مع الله ؛ لأن التحليل والتحريم حق لله جل وعلا، لا يجوز لأحد أن يحلل ويحرم ويشرع إلا بدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦-١١٧] فلا نطيع العلماء مطلقاً أصابوا أو أخطأوا، لكن نتبعهم إن أصابوا، ونتجنب خطأهم إذا أخطأوا، فنطيع من أطاع الله، ونعصي من عصى الله ونخالف خطأ من أخطأ، هذا هو الدين الحق. أما لو كنت لا تعلم أن هذا العالم مخطئ، فأنت معذور. أما من يقول: إذا كان أخطأ فخطأه عليه. فنقول: هذا لا يجوز، ولا ينفعك هذا يوم القيامة، عليهم ما حُمِّلوا وعليك ما حُمِّلت، والفتاوى لا يُعتمد عليها إلا إذا كانت مبنية على دليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فمن كان يعلم أنها على غير دليل، فإنه يحرم عليه أن يأخذ بها، ومن كان يجهل هذا فهذا معذور، لكن يجب عليه التحرّي وزيادة التثبت.

стр. 143

المسألة الثامنة والثلاثون: إلحادهم في أسماء الله وصفاته ... إلحادهم في أسماء الله وصفاته المسألة الثامنة والثلاثون [الإِلْحَادُ في الصِّفاتِ، كَقَوْلِه تَعَالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢] . الشرح الصفات: أي صفات الله التي أثبتها لنفسه، والإلحاد في اللغة معناه: الميل عن الاستقامة، والمراد به هنا: الميل في صفات الله، ومن ذلك نفيها عنه ، فنفي الصفات إلحاد؛ لأنه ميل عن الحق، وانحراف عن الحق، فأهل الجاهلية يلحدون في صفات الله، بمعنى أنهم يجحدونها وينفونها عن الله، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٢] حيث ظنوا أن الله لا يعلم كثيراً من أعمالهم، فنفوا صفة العلم عن الله. هذا وجه الشاهد من الآية؛ لأن العلم صفة عظيمة من

стр. 144

صفات الله سبحانه، فهو يعلم كل شيء، لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده ومن غيرها ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [التغابن: ٤] يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، فعلمه شامل ومحيط بكل شيء، فمن ظن أنه لا يعلم بعض أعماله فإنه يكون ملحداً في صفات الله، نافياً لصفة العلم. ثم قال جل وعلا: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] . أي: أوقعكم في الردى، وهو الهلاك: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] فدل على أن من نفى صفة من صفات الله ، أنه متشبه بأهل الجاهلية، ومتوعد بأشد الوعيد، فعلى هذا يكون نفات الصفات –من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتوردية –قد ورثوا هذه الخصلة القبيحة عن أهل الجاهلية، وأنهم متعرضون لهذا الوعيد الشديد، وأنهم ظنوا بالله ظن السوء. ومن الإلحاد في الصفات تأويلها وصرفها عن معناها الصحيح إلى معنى باطل كتأويل الاستواء بالاستيلاء واليد بالقدرة وغير ذلك. ومن الإلحاد فيها تفويض معناها إلى الله وجحد معناها الذي تدل عليها نصوصها.

стр. 145

المسألة التاسعة والثلاثون: الإلحاد في أسماء الله تعالى ... الإلحاد في أسماء الله تعالى المسألة التاسعة والثلاثون [الإِلْحَادُ فِي الأَسْمَاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] . الشرح أهل الجاهلية يلحدون في الصفات، ويلحدون في أسماء الله ، فينفونها، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ والرحمن من أسمائه ، وذلك أن الرسول ﷺ لمّا أراد أن يكتب الصلح بينه وبين المشركين في الحديبية، فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتاباً. فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم"، قال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ١قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة –يعنون مسيلمة؛ لأن مسيلمة تسمّى بالرحمن -،فأنزل الله تعالى:
следующие страницы →