← Акыда

Акыда · id 11265

شرح مسائل الجاهلية

صالح الفوزان

Полный текст (301 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الحكمة تؤثر عليه فيكون خلقهم من أجل هذه العلة، والله جل وعلا يفعل ما يشاء بمجرد المشيئة والإرادة فقط، لا لحكمة. فينفون الحكمة في أفعال الله وفي شرعه؛ تنزيهاً لله –بزعمهم –عن الأغراض، ولهذا يقولون: يجوز أن يأمر الله بالكفر والفسق والمعاصي، وينهى عن الطاعة وعن إقام الصلاة وعن صلة الأرحام وعلى فعل الخير؛ لأنه يفعل ما يشاء. ونقول لهم: نعم، يفعل ما يشاء سبحانه، وأن لا يفعل شيئاً إلا لحكمة. ويقولون: يجوز أن يدخل الله الكافر الجنة، وأن يدخل المؤمن التقي النار؛ لأن هذا راجع إليه، فلا تحكمه العلل. ونقول: هذا كلام باطل لا يليق بحكمة الله ، فالله جل وعلا يقول: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [صّ:٢٨] ، ويقول: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] فالذين قالوا هذه المقالة وصفوا الله بالسوء والجور، تعالى الله عن ذلك. فهذا هو مذهب أهل الجاهلية ونفاة الحكمة من الأشاعرة ونحوهم، نسأل الله العافية.

стр. 177

المسألة الثالثة والخمسون: تحيلهم لإبطال شرع الله تعالى ... تحيلهم لإبطال شرع الله المسألة الثالثة والخمسون [إِعْمالُ الحِيَلِ الظَّاهِرَةِ والبَاطنَة في دَفْعِ ما جاءت به الرُّسُلُ، كَقَوْلِهِ تَعَالى عَنْهُم: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ، وقوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ ... ﴾ [آل عمران: ٧٢] . الشرح من أعمال أهل الجاهلية من الكتابيين والأميين: إعمالهم الحيل في تغيير شرع الله ؛ للتخلص منه وإنفاذ كفرهم وضلالهم؛ لأنهم لا يقدرون على المصارحة، فصاروا يلجأون إلى حيل خفية ماكرة، ومن ذلك: قوله تعالى عنهم: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] والمكر هو: إيصال المكروه بطريقة خفية، واليهود حين أرادوا قتل المسيح عيسى ابن مريم ﵇؛ لأن عادتهم قتل الأنبياء، فأرادوا أن يقتلوا المسيح ﵇، فذهبوا إلى ملك كافر وثنيّ فقالوا له: إن هذا الرجل سيغيّر حكمك إن

стр. 178

تركته، فأرسل هذا الملك جماعة لقتل المسيح، ودخلوا عليه في مكانه يريدون قتله، ولكن الله جل وعلا مكر لنبيه، فألقى شبه المسيح على رجل من أتباعه قدم نفسه لذلك يريد الأجر من الله، حتى صار كأنه المسيح، فأخذوه وقتلوه وصلبوه على الخشبة، يظنون أنه المسيح، ورفع الله المسيح إليه من بينهم وهم لا يشعرون؛ ولهذا يقول جل وعلا: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] . هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ، وهذا من باب المقابلة والمجازاة، وهو عدل منه ، بخلاف مكر المخلوق فإنه ظلم؛ لأنه بغير حق. وقال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] وهذا من مكر اليهود أيضاً، لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وظهر أمر الله ، وانتصر على المشركين في غزوة بدر، يوم الفرقان، ولما عجز اليهود عن صد الناس عن دين محمد ﷺ ، لجأوا إلى حيلة ومكر، فقال جماعة منهم: أسلموا في أول النهار، وإذا صار آخر النهار ارتدوا عن الإسلام، وقولوا: ما وجدنا في دين محمد صلاحية، فإن الناس سيتبعونكم؛

стр. 179

لأنكم أهل كتاب، ويقولون: لولا أنهم ما وجدوا صلاحية في دين محمد لما خرجوا منه، فيقلدونكم. فكشف الله خطتهم بقوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ [آل عمران: ٧٢] يعني: أول النهار، فَوَجْهَ الشيء: أوله ومقدمه. وكل من لجأ إلى الحيل لتغيير شرع الله، والإضرار بأوليائه، فإنه على طريقة أهل الجاهلية، ولك من صانع أهل السنة وأهل التوحيد للوصول إلى غرض من أغراضه الدنيئة، فهو على طريقة أهل الجاهلية.

стр. 180

المسألة: الرابعة والخمسون: الإقرار بالحق، للتوصل إلى دفعه ... الإقرار بالحق؛ للتوصل إلى دفعه المسألة الرابعة والخمسون [الإِقْرَارُ بالحَقِّ؛ لِيَتَوَصَّلُوا بِهِ إِلَى دَفْعِهِ، كَمَا قَال في الآية] . الشرح مما عليه أهل الجاهلية: الإقرار بالحق، لا اقتناعاً به، وإنما ليتوصلوا إلى دفعه، مثل ما حصل من اليهود في قولهم: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢] ، وسبق بيان ذلك. وهذه مكيدة لا تزال تحاك للمسلمين ممن يندسُّون في صفوفهم من أعدائهم، ويتظاهرون بقبول الحق، يريدون قلب الإسلام وإفساد الإسلام، وهذا وقع في عصر النبي ﷺ ، وهو مستمر إلى وقتنا هذا، وإلى أن يشاء الله جل وعلا، يندسُّ أناس من أعداء الإسلام ويتظاهرون بالإسلام من أجل إفساد الإسلام، ومن أجل بَثِّ الشُّبه بين المسلمين وتفريق الكلمة،

стр. 181

وإلقاء العداوة بين المسلمين وتقطيعهم إلى أحزاب وإلى جماعات، وهذا من كيد الأعداء ومكرهم. فيجب على المسلمين أن يتنبهوا لهذا المكر الخبيث، وأن لا يمنحوا الثقة لكل ما هب ودب، بل عليهم أن يجرّبوا الناس تجربة صادقة، ويختبروهم اختباراً دقيقاً، فإذا ثبت صدقهم منحوهم الثقة.

стр. 182

المسألةالخامسة والخمسون: تعصبهم لما هم عليه من الباطل ... تعصبهم لما هم عليه من الباطل المسألة الخامسة والخمسون [التَّعَصُبُ للمَذْهَبِ، كقوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] . الشرح التعصب الممقوت للشيء هو: التمسك به، مع العلم ببطلانه. ومن مسائل أهل الجاهلية: التعصب للمذهب الباطل، ولهذا قالت اليهود: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] وفي الآية الأخرى: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] أي على أنبيائنا فقط، والواجب أن يؤمنوا بما أنزل الله على أنبيائهم، وعلى غيرهم من الأنبياء، مع أنهم لا يؤمنون بما أنزل على أنبيائهم، ولهذا قال: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] أي: هل فيما أنزل الله عليكم قتل الأنبياء الذي تفعلونه؟

стр. 183

ومن ذلك: تعصّب أتباع المذاهب لمذاهبهم من غير دليل، فالواجب على المسلمين عموماً – وعلى طلبة العلم – أن يتبعوا الحق، سواء كان في مذهبهم، وفي مذهب غيرهم، فنحن لا نأخذ المذهب بكل ما فيه من إصابة وخطأ، بل نأخذ الصواب ونترك الخطأ، فإذا كنت حنبلياً ورأيت الصواب في مسألة من المسائل مع المالكي، أو مع الحنفي، أو مع الشافعي، خذ بقول المالكي أو الشافعي أو الحنفي، وإن كان خلاف مذهبك؛ لأن هدفك الحق، والعبرة بما قام عليه الدليل، هذا هو الواجب، هذا إن كنت من أهل العلم، أما إذا كنت لست من أهل العلم. فعليك أن تسأل أهل العلم الموثوقين، فما أفتوك به أخذت به، هذا هو طريق الصواب، أما التعصب للمذهب، سواء كان حقاً أو باطلاً، فهذا من أمور الجاهلية، كما ذكر الله عن اليهود.

стр. 184

المسألة السادسة والخمسون: تسميتهم التوحيد شركاً ... تسميتهم التوحيد شركاً المسألة السادسة والخمسون [تَسْمِيَةُ اتِّباع الإسلام شِرْكاً، كَمَا ذَكَرَه في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآية] . الشرح من مسائل أهل الجاهلية: تسمية التوحيد واتباع الحق: شركاً، وهذا من قلب الحقائق، أن يسموا التوحيد شركاً؛ وهذا لانتكاس الفطر، وهذه الآية نزلت في وفد نجران من النصارى، جاءوا إلى النبي ﷺ يتفاوضون معه ﵊، فدخلوا عليه في المسجد، وأخذوا يتفاوضون معه، فالنبي ﷺ عرض عليهم الدخول في الإسلام، وبيّن لهم أن الأنبياء جميعاً أخذ عليهم الميثاق لئن بعث محمد ﷺ وأَحَدٌ منهم حيٌّ ليتبعنه، قال واحد منهم: أتريد يا محمد أن نعبدك؟ سمى اتباع الحق شركاً، وعبادة للرسول ﷺ ، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ

стр. 185

يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ... ﴾ [آل عمران: ٧٩] ؛ لأن الأنبياء جاءوا بالتوحيد، ولم يجيئوا بالشرك، وما جاءوا بدعوة الناس إلى عبادتهم، حاشا وكلا، بل جاؤوا بإنكار ذلك، لكن هؤلاء من تعصبهم قالوا هذه المقالة، فأنزل الله هذه الآية، رداً عليهم. وما أشبه الليلة بالبارحة! فهناك من يسمون إخلاص العبادة لله كفراً، وخروجاً عن الدين، ويسمونه شركاً، ويقولون: عبادة القبور هي التوحيد، وهي الإسلام؛ لأنها توسل بالصالحين ومحبة لهم، وعندهم أن الذي لا يعبد الرسول ﷺ ولا يستغيث به، يكون مبغضاً للرسول ﷺ ، ويكون جافياً في حق الرسول ﷺ . وهذا مثل قول نصارى نجران في اتباع الرسول أنه عبادة للرسول ﷺ ، وهذا امتداد لمذهب أهل الجاهلية، كُلٌ سَمَّى الحق باطلاً، والباطل حقاً، والعياذ بالله. والجهمية والمعتزلة سموا إثبات الصفات لله شركاً.

стр. 186

المسألتان السابعة والثامنة والخمسون: التحريف ولي الألسنة في كتاب الله تعالى ... التحريف ولَيُّ الألسنة في كتاب الله المسألتان السابعة والثامنة والخمسون [تَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مواضِعِهِ، ولَيُّ الأَلْسِنَةِ بالكتاب] الشرح تحريف الكلم عن مواضعه، هو: تغيير حروفه، أو صرفه عن معناه، فأهل الكتاب من حرفتهم الخبيثة: أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه إما بتغيير ألفاظه، وإما بتغيير معانيه، وتفسيره بغير تفسيره، فكل من حرَّف كلام الله فإنه على مذهب أهل الجاهلية، ولك أهل الباطل والمخالفين للإسلام من الفرق الضالة المنتسبة إلى الإسلام تحرِّف النصوص؛ لتوافق مقاصدها ومذاهبها، سواءً حرّفوا الألفاظ، أو حرّفوا المعاني وفسّروها بغير تفسيرها، فهذا من ميراث أهل الجاهلية. والواجب الإيمان بما أنزل الله بألفاظه ومعانيه، والعمل بمقتضاه، من غير تغيير وتحريف، هذا هو

стр. 187

الواجب، سواء وافق هواك ورغبتك أو خالفهما. والآن أصحاب المبادئ الخبيثة والمذاهب الباطلة يلوون أعناق النصوص والواردة الصحيحة عن الرسول ﷺ ، ويفسرونها بغير تفسيرها، إذا عجزوا عن ردها وتكذيبها، وهذه طريقة من طرائق أهل الجاهلية، ومن طرائق اليهود. والواجب على المؤمن أن يحترم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فيؤمن بهما لفظاً ومعنى، على ما أراده الله وأراده رسوله ﷺ ، ولا يحرّف النصوص عن معانيها، ولا يغيّر الألفاظ عما جاءت بزيادة أو نقص، أو دسٍّ للباطل.

стр. 188

المسألة التاسعة والخمسون: تلقيبيهم أهل الجق بالألقاب المنفرة ... تلقيبهم أهل الحق بالألقاب المنفرة المسألة التاسعة والخمسون [تَلْقِيبُ أَهْلِ الهُدَى والصَّوابِ بالصَّابِئَة والحَشَويَّة] الشرح من مناهج أهل الجاهلية: احتقارهم لأهل الهدى، وتلقيبهم بالألقاب الشنيعة المنفرة، يقولون: صابئة، والصابئ هو: الخارج عن الدين، فيسمون أهل الحق بالصابئة الخارجين عن الحق؛ لأن الحق في عُرْفهم ما كانوا عليه من الكفر والضلال، فمن اتبع الرسول فهو صابئ، أي خارج عن عاداتهم وتقاليدهم ومذهبهم ونظامهم وما وجدوا عليه آباءهم. ويسمونه: حشويّاً، من الحشو، وهو الشيء الذي لا فائدة منه، وحشو الكلام هو: الكلام الذي ليس فيه فائدة. ويسمونهم سطحيين ومتأخرين وجامدين، إلى غير ك من الألفاظ. لكن هذا لا يضر أهل الحق، فقوم نوح قالوا: ﴿وَمَا

стр. 189

نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] أي: سطحيون، ما عندهم تفكير، اتبعوك على غير تفكير، أما العقلاء والذين عندهم رزانة فلم يتبعوك.

стр. 190

افتراء الكذب على الله والتكذيب بالحق المسألتان الستون والحادية والستون [افتراءُ الكَذِب على الله والتَّكذِيب بالحقِّ] الشرح افتراء الكذب على الله وعلى رسول الله ﷺ ، والتكذيب بالحق، من طريقة أهل الجاهلية، مثل ما قالوا – لما كانوا يطوفون بالبيت عراة -: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨] وهذا من الكذب على الله، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [الأنعام: ٢١] ، ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] . وكذلك الذين يفترون الكذب على الرسول ﷺ ، أنه جاء عنه كذا من الأحاديث، وهي كذب، والذي يحدث بهذا من

стр. 191

غير توثّق ومن غير تثبّت، يكون أحد الكاذبين، ولهذا جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "من حدّث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" ١. وهذا من حرفة أهل الجاهلية أنهم يفترون على الله الكذب، حيث زعموا أن الله أمرهم بكشف العورة في الطواف، وحرّموا ما أحلّ الله، وزعموا أن الله شرع لهم هذا ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ... ﴾ [النحل: ٣٥] ، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] ، ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] ، وهذا كله كذب على الله ، لأن الله جل وعلا أرسل الرسل لإنكار ما هم عليه. فالحاصل: أن نسبة الكذب إلى الله ورسوله ﷺ ، هو من أمور أهل الجاهلية، فعلى المسلم أن يحذر من هذا العمل الخبيث، وقد لا يكذب هو على الله، لكن لا يتحرّى في نقل الأمور عن الله وعن رسوله، والفتاوى لا يتحرّى فيها، فإذا كان ما نقله خطأ، وهو لم يتثبت فيه، ونشره على الناس، فإنه يصير أحد الكاذبين، ويصير قد ضَرَّ الناس بهذا الشيء الذي نقله لهم ونشره بينهم.

стр. 192

والواجب أن الأحاديث الموضوعة المكذوبة لا تروج، ولا تُروى، بل تحاصر وتضايق، وأن الوعاظ والدعاة يتثبتون فيما يقولون عن الله ورسوله. كذلك في أمور الحلال والحرام والفتوى، عليهم أن يتثبتوا في شأنها، وألا يتعجلوا فيها؛ لأن الخطأ فيها قول على الله بغير علم. وكذلك التكذيب بالحق الثابت عن الله ورسوله، لا يقل في الجريمة عن الكذب على الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢] ، وذلك أنه إذا لم يوافق هواه، حاول رده بالتكذيب والتشكيك فيه، كفعل أهل الأهواء.

стр. 193

المشألتان الثانية والستونك استنفار الملوك ضد أهل الحق ... استنفار الملوك ضد أهل الحق المسألة الثانية والستون [كَوْنُهُم إذَا غُلِبُوا بالحُجَّةِ، فَزَعُوا إلى الشَّكْوى للمُلوك، كما قالوا: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧] الشرح من مسائل أهل الجاهلية: أنهم كانوا إذا غلبوا بالحجة، لجأوا إلى الشكوى إلى السلطان، ومعنى "غلبوا بالحجة" أي: أقيمت عليهم الحجة، على بطلان ما هم عليه، ولم يكن لهم حجة يقاومون بها، فإنهم يلجأون إلى القوة لمنع القائم بالحق، كما قال فرعون لموسى ﵇ ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] لما لم يكن عنده حجة يرد بها على نبي الله، لجأ إلى قوة السلطان فقال: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] ، وهذه طريقة المهزومين، وكذلك آل فرعون وهم أتباعه، لما انتصر عليهم موسى ﵇ في المحفل العظيم الذي عقدوه، وجمع

стр. 194

فرعون السحرة من مشارق الأرض ومغاربها؛ لأجل أن يبطل ما مع موسى من الآيات؛ لأنه يزعم أنه ساحر، فجمع السحرة، وطلب من موسى تحديد الموعد، من أجل عرض ما معه وما مع السحرة، من أجل أن يموّه على الناس أن عنده ما يقاوم ما مع موسى من المعجزة. فلما حان الموعد واجتمع الناس من أجل مشاهدة ما يحصل، وألقى السحرة ما معهم من السحر، وامتلأ الوادي من سحرهم، وما معهم من العصي والحبال التي حشوها بالزئبق، وبمواد تحركها كأنها حيات، يريدون أن يضاهئوا ما مع موسى من المعجزة، وهي الحية التي تتحول من العصا التي معه، فجاؤوا بسحر عظيم، كما قال الله تعالى، حتى إن موسى ﵇ خاف ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: ٦٧] خاف أن يلبّسوا على الناس، وإلا فهو واثق بما معه، واثق بنصر الله، لكنه خاف أن يلبّسوا على الناس؛ لأنهم خافوا أن تصل إليهم، وعند ذلك: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

стр. 195

فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨-١٢٢] ؛ لأنهم عرفوا أن ما مع موسى ليس سحراً، فلما آمن السحرة وسجدوا لله ، هددهم فرعون بالقتل والصلب، فقتل السحرة الذين آمنوا وتابوا إلى الله، وصلبهم. ثم التفتوا إلى بني إسرائيل الذين آمنوا بموسى وقالوا لفرعون ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٧-١٢٨] . الشاهد من هذا: أنهم طلبوا منه اللجوء إلى القوة، واشتكوا إلى فرعون ليقهر هذا الحق وهذا الإيمان وهذا فعل أشباههم في كل زمان ومكان.

стр. 196

المسألة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والستون: رميهم أهل الحق بما هم برءاء منه ... رميهم أهل الحق بما هم برءاء منه المسائل الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والستون [رميهم أهل الحق بالصفات الذميمة رميهم إياهم بالفساد في الأرض كما في الآية، وبانتقاص دين الملك وآلهته، وتبديل الدين] الشرح من مناهج أهل الجاهلية كذلك: أنهم لا يكتفون بالشكوى إلى أصحاب القوة، والانتقام؛ بل يصفون أهل الإيمان بالمفسدين في الأرض، كما قالوا لفرعون: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧] سموا الإصلاح إفساداً. والحق هو العكس؛ أن الإيمان والتوحيد: إصلاح في الأرض، وأن الكفر والمعاصي والفسوق والظلم والطغيان: إفساد في الأرض، فالذي عليه موسى وقومه إصلاح، والذي عليه فرعون وقومه إفساد، لكنهم عكسوا الأمر، فسموا الإصلاح إفساداً، وهذا دأب الكفار والمشركين والمنافقين دائماً، يسمون المصلحين والدعاة إلى الله على بصيرة،

стр. 197

ويسمون المؤمنين الموحدين الذين يدعون إلى توحيد الله وعبادته، يسمونهم بالمفسدين في الأرض. وهذا شيء مستمر في الناس إلى يوم القيامة، أهل الكفر والظلم والطغيان يسمون المصلحين بالمفسدين، وهذا منحدر من القرون الأولى من وقت فرعون وقومه، وهذا لا يضر أهل الإيمان، ولا يضر أهل الإصلاح، وإن لُقِّبوا بما لُقِّبوا، فكم لقبوا أهل الحق والدعاة إلى الله بالشناعات، لقبوا شيخ الإسلام ابن تيمية بألقاب شنيعة، ولقبوا الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بألقاب شنيعة، وأنه خارجي، وأنه يريد أن يغيّر عقيدة الناس، ويكفّر الناس، إلى آخر ما يقولون، مما هو موجود في كتبهم من الاتهامات والتزوير والشر وهذا موقفهم من كل مصلح. وأما رميهم إياهم بانتقاص دين الملك، كما قال تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] الآية، وكما قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: ٢٦] . مما عليه أهل الجاهلية – ومن تشبه بهم -: وهو تحريض أصحاب السلطة على المؤمنين والدعاة إلى الله على بصيرة ومنهج سليم بأنهم يفسدون على أصحاب السلطة، دينهم وسياستهم، إذا نصحوهم وأرشدوهم إلى ما فيه صلاحهم

стр. 198

وصلاح ملكهم، كما قال تعالى حكاية عن آل فرعون، وما سعوا به عند فرعون من الوشاية، لما دعاه موسى ﵇ إلى عبادة الله وحده لا شريك له، التي فيها صلاحه وصلاح ملكه وصلاح رعيته، وقالوا له: إنهم سيفسدون الناس عليك، ولا يكون لك ربوبية ولا إلهية على الناس، ويحولون الناس من عبادتك إلى عبادة الله. وهذا من باب إغراء فرعون بأنه إن ترك هؤلاء فإنهم سيصرفون الناس عن عبادته وربوبيته؛ لأنه قال لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] ، وفي الآية الأخرى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] ففسروا دعوة الرسل بأنها إفساد في الأرض، وأن الكفر إصلاح في الأرض، وهذا من قلب الحقائق، ومن الغش للراعي والرعية، وما أكثر هذا الصنف الذي يقوم بهذه المهمة الشيطانية اليوم، ممن يقودون الناس إلى الهاوية، ويقفون في وجه المصلحين، ويزوّرون الحقائق، ويغرون بالسلطة، وهم بطانة السوء، الذين يحولون بين المسئولين وبين قبول النصيحة. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، وأصلح بطانتهم، واجعلهم هداة مهتدين. وأما رميهم بانتقاص آلهة الملك، كما في الآية.

стр. 199

فإن هذه المسألة تابعة لما قبلها مما ذكر الله في الآية من خبر آل فرعون، حيث قالوا له: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] يعنون: ألوهيتك على الناس وعبادتهم لك، يقولون: أنت لك شأن، ولك عظمة في الأرض، فلو تركتهم يدعون إلى الله تنقّصوك عند الناس، وأرخصوك عند الناس، فأنت بادر بالقضاء عليهم من أجل أن تبقى لك هيبتك ومكانتك. وهذا من الغش لفرعون، وتعريضه للهلاك. ويا سبحان الله! يتنقّصون الله جل وعلا رب السموات والأرض، ولا يعيبون هذا على أنفسهم، ويعيبون على موسى وقومه إذا نصحوا فرعون وقومه، ودلوهم على طريق السعادة والنجاة، وبقاء الملك وصلاحه؟! وهكذا تفعل بطانة السوء دائماً وأبداً، ولهذا على الولاة أن يتخذوا البطانة الصالحة الناصحة، ويحذروا من بطانة السوء وأصحاب المبادئ الهادمة، والأفكار المنحرفة، فإنهم يقودونهم إلى الهاوية، كما حصل من بطانة فرعون، حيث أوقعوه في الهلاك والبوار، وحالوا بينه وبين قبول الحق. وأما رميهم إياهم بتبديل الدين، كما قال تعالى عن فرعون: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ

стр. 200

الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] ورميهم إياهم بانتقاص دين الملك، كقولهم: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] . فهاتان المسألتان حصلتا من فرعون في حق كليم الله موسى ﵇ ودعوته، وتحذيره للناس من قبولها، وتظاهره بمظهر الناصح للرعية، وجاءهم عن طريقة النصيحة والمحافظة على الدين، والمحافظة على صلاح الأرض، ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] كما قال أتباعه: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ، سموا المصلحين بالمفسدين، والفساد عندهم هو التوحيد وإفراد الله بالعبادة، والصلاح هو الشرك؛ لأن القلوب إذا فسدت رأت الحق باطلاً، والباطل حقاً. ومن هو الذي يبدّل الدين ويُظهر في الأرض الفساد؟ إنه فرعون الذي بدّل دين التوحيد بالكفر والشرك. أما موسى ﵊، فإنه يدعو إلى الدين الصحيح، الذي خلق الله الخلق من أجله، والذي هو صلاح في الأرض؛ لأن الأرض لا تصلح إلا بعبادة الله وحده لا شريك له، هذا هو صلاح الأرض، أما الشرك فإنه فساد في الأرض، والكفر فساد في الأرض، والمعاصي فساد في الأرض.

стр. 201

المسألة الثامنة والستون: مدحهم أنفسهم بما ليس فيهم ... مدحهم أنفسهم بما ليس فيهم المسألة الثامنة والستون [دَعْوَاهُمُ العَمَلَ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] مَعَ تَرْكِهِمْ إِيَّاهُ] . الشرح من مسائل أهل الجاهلية: دعوى اليهود العمل بما عندهم من الحق، مع تركهم إياه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] ، ﴿بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] قيل: معناه: بما أنزل على رسلنا من أنبياء بني إسرائيل؛ لأن هذه الآية في اليهود ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] أي: ما أنزل على بني إسرائيل، مع أن الذي جاء به محمد ﷺ لا يخالف ما جاءت به رسلهم ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يعني: غيره، مما أنزل على عيسى ومحمد ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] فالذي جاء به عيسى ومحمد ﷺ ، هو موافق لما جاء به أنبياؤهم من الحق،

стр. 202

ومبيّن لما أدخلوه في كتابهم من التحريف والتكذيب والتضليل، هذا من ناحية. والناحية الثانية: أنهم غير صادقين في هذه المقالة، بدليل ارتكابهم هذه الجرائم المذكورة في قوله تعالى ردًّا عليهم ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة:٩١،٩٢) ] هذا رد عليهم، فالله رد عليهم بردين: الرد الأول: أنّ ما جاء به محمد ﷺ لا يخالف ما جاء به موسى من توحيد الله وإفراده بالعبادة، وترك عبادة ما سواه؛ بل هو مصدّق لذلك. والأمر الثاني: أنهم غير صادقين حتى فيما ادعوا أنهم يؤمنون به، حيث عبدوا العجل، وقتلوا الأنبياء، وقولهم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣] وعدم وفائهم بالميثاق الذي أخذ عليهم، وهذا يتناول كل تعصب مذموم، أن يقول الإنسان: أنا لا أعمل إلا بما هو في مذهبي، أو مذهب إمامي؛ لأنه يجب عل المسلم أن يتبع الحق في مذهبه أو في غير مذهبه، مع إمامه أو مع غيره، يقبل الحق ولا يتعصب التعصب المذموم.

стр. 203

زيادتهم في العبادة ما شرعه الله ونقصهم منها المسألتان التاسعة والستون والسبعون [الزِّيَادَةُ فِي العِبَادَةِ، كَفِعْلِهِمْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ. وَنَقْصُهُم مِنْهَا، كَتَرْكِ الوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ] . الشرح أما زيادتهم في العبادة: فكما يفعلون في يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهذا اليوم حصل فيه حدث عظيم، هو إغراق فرعون وقومه، وإنجاء موسى ﵇ وقومه، فهو يوم انتصر فيه الحق على الباطل، وصامه موسى ﵊؛ شكراً لله، وبقي صيامه مشروعاً عند المسلمين؛ لأنه لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وجد اليهود يصومون هذا اليوم، فسألهم: لماذا يصومونه؟ فقالوا: إنه يوم نجى الله فيه موسى وقومه، وأهلك فيه فرعون وقومه، وصامه موسى ونحن نصومه، فقال ﵊: "نحن أحق بموسى منكم" ١فصامه ﷺ وأمر بصيامه، وأمر

стр. 204

بصومه يوم قبله أو ويوم بعده؛ مخالفة لليهود. هذا هو المشروع في يوم عاشوراء، وهو الصيام، لكن أهل الجاهلية يزيدون فيه على الصيام، فاليهود يجعلونه يوم عيد يزينون فيه بيوتهم، ويزينون فيه أولادهم ونساءهم، ويعتبرونه يوم عيد، فهم زادوا فيه على المشروع، فالزيادة على الصيام في يوم عاشوراء من دين الجاهلية. وكذلك الرافضة، زادوا في هذا اليوم واعتبروه يوم حزن، ويوم نياحة وندب؛ لأنه اليوم الذي قتل فيه الحسين ﵁. وأما نقصهم من العبادة، فكما حصل منهم في الحج، كانوا في الجاهلية يحجون البيت لأنه من بقايا دين إبراهيم ﵊، لكن أدخلوا في الحج تغييرات وشركيات؛ لأن الله شرع الوقوف بعرفة، فصاروا لا يقفون بعرفة، بل يقفون في مزدلفة، وهذا نقص في العبادة. ولما حج النبي ﷺ كانوا يظنون أنه سيقف معهم في مزدلفة، فتجاوز ﵊ إلى عرفة، ووقف في عرفة، وأعاد الحج على ملة إبراهيم ﵊، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] يعني: من عرفة. وهذا رد على المشركين في وقوفهم بالمزدلفة وكذلك زادوا في التلبية

стр. 205

قولهم: (إلا شريكاً هو لك. تملكه وما ملك) . وهكذا كل من نقص شيئاً من العبادة، فإنه على دين أهل الجاهلية، وكذلك من زاد في الدين، فإنه على دين أهل الجاهلية، فالبدع والخرافات كلها من دين الجاهلية.

стр. 206

المسلة الحادية والسبعون: تركهم ما أوجب الله عليهم من باب الورع ... تركهم ما أوجب الله عليهم من باب الورع المسألة الحادية والسبعون [تَرْكُهُمُ الوَاجِبَ وَرَعًا] . الشرح أي: يتقربون إلى الله بترك الواجب، مثل الوقوف بمزدلفة، بدل الوقوف بعرفة؛ يزعمون أنه ورع؛ لأنهم أهل الحرم ولا يخرجون إلى عرفة؛ لأنها من الحل، فهم يتركون الحق تورعاً، وهذا من عمل الجاهلية، نسأل الله العافية. وكذلك من تركهم الحق تورعاً: أنهم يطوفون بالبيت عراة، ويتركون ستر العورة –الذي هو الحق –من باب الورع، يقولون: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها ١.

стр. 207

وكذلك كل من ترك شيئاً من العبادة تورعاً، كمن لا يتصدق ولا يصلي مع الجماعة في المسجد، خشية الرياء والسمعة –كما سمعنا عن بعضهم- أو لا يطلب العلم، أو غير ذلك من ترك العبادات خشية الرياء.

стр. 208

تقربهم إلى الله بترك الطيبات من الرزق وبترك الزينة المسألتان الثانية والثالثة والسبعون [تَعَبُّدُهُمْ بِتَرْكِ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، وَتَرْكِ الزِّينَةِ فِي اللِّبَاسِ] . الشرح أي: تقربهم إلى الله بترك الطيبات من الرزق، وترك لباس الزينة، وهذا عند النصارى ومن شابههم من الصوفية المنتسبين للإسلام، يتركون الطيبات تعبداً لله ، فلا يتزوجون النساء، ولا يأكلون من الطيبات، ويتقشفون في المآكل والمشارب والملابس، يزعمون أن هذا عبادة لله؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] . وكذلك حرّموا بعض بهيمة الأنعام. والله قد أباح بهيمة الأنعام، فقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] ، فحرموا

стр. 209

بعض بهيمة الأنعام من أجل أصنامهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة:٨٧] . فتحريم الطيبات من دين النصارى الرهبان، ومن دين الجاهلية. ومن حرّم حلالاً مجمعاً على حِلِّه ارتد عن دين الإسلام، فإذا أضاف إلى ذلك اعتبار هذا من التعبد لله ، فهذا افتراء على الله؛ لأن الله لم يشرع لعباده ترك الطيبات بل أمرهم بالأكل منها ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون: ٥١] . ولما هَمَّ جماعة في عهد النبي ﷺ بمثل هذا، غضب عليهم النبي ﷺ . وأما تعبدهم بترك زينة الله: أي: تقربهم إلى الله بترك زينة الله، أي التزين باللباس، حيث كانوا يطوفون بالبيت عراة، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: ما هو دليلكم على ما تفعلون من ترك اللباس والتجمل وترك الطيبات من الرزق؟ لأن التحريم يحتاج إلى دليل، والأصل في اللباس والمآكل والمشارب الحل؛ لأن الله خلق هذه الأشياء لعباده، وكما في الحديث الصحيح: "إن الله جميل يحب الجمال" ١، فترك التجمل من باب الورع ليس من دين

стр. 210

المسألتان الثانية والثالثة والسبعون: تقربهم إلى الله بترك الطيبات من الرزق وبترك الزينة ... الإسلام، فليتجمل باللباس، وليأكل من الطيبات، ويشكر الله ، وفي الحديث: "إن الله يحب إذا أنعم عبد نعمة أن يرى أثر نعمته عليه" ١لكن يكون ذلك من غير إسراف ولا مخيلة، وكان النبي ﷺ يتجمل في جسمه وفي ملابسه، ويخص مقابلة الوفود بمزيد تجمل.

стр. 211

دعوتهم الناس إلى الضلال المسألة الرابعة والسبعون [دَعْوَتُهُمُ النَّاسَ إِلَى الضَّلاَلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ] . الشرح الدعوة إلى الله بغير علم هي من عمل أهل الجاهلية، لأن الله أمر بالدعوة إلى سبيله على بصيرة وبالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن. فدعوتهم الناس إلى الضلال، أي: ترغيب الناس في مخالفة الحق قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] فيدعونهم إلى الشرك، وإلى تحريم الحلال وتحليل الحرام بغير حجة، ويدعونهم إلى أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، فهؤلاء دعاة ضلال، والدعاة إلى الحق هم الذين يدعون إلى ما أنزل الله وإلى ما شرع. ومن دعاة الضلال اليوم: الذين يدعون الناس إلى

стр. 212

الشرك، وعبادة الأضرحة والقبور، ويدعون الناس إلى البدع والمحدثات في الدين، التي ما أنزل الله بها من سلطان، ويكتبون ويؤلفون ويتكلمون بدعوة الناس إلى إحياء البدع والمحدثات، والذين يدعون الناس إلى الإباحة والفسوق والعصيان، كل هؤلاء دعاة ضلال، حذّرنا الله منهم ومن طريقتهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠] ، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١١٦] ، فبيَّنَ سبحانه أن الكفار على اختلاف مللهم قديماً وحديثاً، جادون في الدعوة إلى الضلال في كل زمان وفي كل مكان، كما قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] .

стр. 213

المسألة الخامسة والسبعون: دعوتهم الناس إلى الكفر، مع العلم ... دعوتهم الناس إلى الكفر، مع العلم المسألة الخامسة والسبعون [دَعْوَتُهُمْ إِيَّاهُمْ إِلَى الكُفْرِ، مَعَ العِلْمِ] . الشرح وهذا صنف آخر من دعاة الضلال، وهم الذين يدعون إلى صرف الناس عن الحق مع معرفته؛ بغياً وعناداً، والصنف الأول يدعون الناس إلى الباطل وهم لا يعرفون الحق، وكلا الصنفين خطير وهم لا يقولون للناس: اكفروا، وإنما يأتونهم بطريقة مزخرفة، ظاهرها أنها حسنة وباطنها كفر، هكذا دعاة الضلال، وإبليس جاء إلى قوم نوح لما وجدهم قد حزنوا على الصالحين الذين ماتوا، جاءهم بطريق دين، وقال: صَوِّروا صُوَرَهم من أجل إذا رأيتموها أن تنشطوا على العبادة وتذكروا أحوالهم وصلاحهم ودينهم فينشطونكم على العبادة. فهو جاءهم بطريق النصيحة، وطريق الدين، وهو يريد أن هذه الصور تكون أصناماً في النهاية، فكانت أصناماً، لما مات أهل العلم ومات هذا الجيل، جاء جيل جاهل بعدهم، فقال

стр. 214

الشيطان: إن آباءكم ما نصبوا هذه الصور إلا ليعبدوها، وبها كانوا يُسقون المطر، فعبدوها من دون الله . وكذلك دعاة الضلال، لا يأتون للناس بالدعوة إلى الشر المكشوف، إنما يأتونهم بطريقة مزخرفة يحسنونها للناس، ثم في النهاية يحصل لهم مقصدهم، ودعاة الضلال لما دعوا الناس إلى الشرك بعبادة الأضرحة لم يقولوا لهم: اعبدوها، بل قالوا: لهم: هؤلاء أولياء وصالحون، لهم مكانة عند الله، فأنتم تقرّبوا إليهم من أجل أن يقرّبوكم إلى الله، ويكونوا وسائط ووسائل لكم عند الله ، جاءهم بهذه الطريقة، وهي محبة الصالحين واتخاذهم وسائل ووسائط عند الله ، فعبدوا القبور والأضرحة بهذه الخديعة الشيطانية، وأشركوا بالله . فدعاة الكفر يدعون الناس بأساليب مختلفة، لا يظهر عليها شيء من الانتقاد، ولا يعرفها إلا أهل البصيرة، وقد تبين من هاتين المسألتين أن دعاة الضلال على قسمين. قسم يدعو الناس بغير علم، وقسم يدعو الناس إلى مخالفة الحق وهو يعلمه والأول ضال والثاني فاسق.

стр. 215

المسألة السادسة والسبعون: المكر الشديد لتثبيت الشرك ودفع الحق ... المكر الشديد لتثبيت الشرك ودفع الحق المسألة السادسة والسبعون [المَكْرُ الكُبّارُ، كفِعْلِ قوم نوح] الشرح المكر: إيصال المكروه بطريقة خفية وهو نوعان: مكر حسن ومكر سيئ. والمكر السيئ هو: الحيل الخفية لإيصال الشر لمن لا يستحقه، قال تعالى في قوم نوح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ [نوح: ٢٢-٢٤] والكبّار هو: العظيم، فهم يمكرون بالناس مكراً عظيماً بهذه الحيل، وهذه الطرق الخبيثة التي يدعونهم بها إلى الشرك، وإذا جاءتهم دعوة التوحيد حذّروهم منها، وقالوا: هؤلاء يريدون أن يترأسوا عليكم، ويريدون أن يتفضلوا عليكم. فتحسين القبيح للناس، وتقبيح الحسن، هو المكر الكُبّار الذي لا يزال يزاوله دعاة الضلال قديماً وحديثاً؛ لصرف
следующие страницы →